الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة - ج2

- أوليا الشلبي المزيد...
494 /
1

الجزء الثاني‏

الإهداء

إلى الصديق البحرينى الدكتور سمير فخرو أحد الأعمدة الأساسى فى النهضة العربية المعاصرة

محمد حرب‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

الفصل الثالث و الخمسين فى بيان مواكب مشايخ منبع الأسرار و قطب الأبرار القطب العلوى السيد أحمد البدوى‏

لأننا كنا فى بداية السنة القبطية و بقى على قطع النيل ستون يوم، و فى اليوم الذى تسقط فيه أول نقطة فى النيل يكون هذا متوافقا مع ميلاد عالم الفقراء السيد أحمد البدوى، و يقوم أتباعه من الفقراء بالتجول فى الأسواق يعلنون عن قدوم مولد السيد البدوى (بالدفوف و الطبول) و يقرأون القصائد و يوحدون و بعد ذلك يتبقى على قطع النيل خمسة و خمسين يوما، و يتم إخبار كافة مشايخ و دراويش مصر فى ثلاثة أيام و ثلاث ليال بميلاد مشهور الآفاق القطب على الإطلاق السيد أحمد البدوى، و يتجول فى بداية الشهر المذكور ما يقرب من خمسة عشر ألف أو عشرين ألف من فقراء و مشايخ مصر بآلاف الرايات و السناجق فى الأسواق و هم يطبلون على الدفوف و النقارات و الطبول و ينفخون فى الصور و حينئذ ينشغل سبعمائة شيخ بالتوحيد، حيث يسير موكب عظيم من الفقراء و المشايخ فى جماعات و صفوف إلى قصر الباشا الوالى و هم يرددون «يا رزاق» و عندما يصلوا إلى قصر الباشا يقوموا بالتهليل، و يظل المنكرون لذلك فى حيرة و تعجب من هذا المشهد.

بعد ذلك يخرج كافة المشايخ لمقابلة جان بولاد زاده حسين باشا أمين الديوان العالى، يرجونه استصدار فرمان ببدء مولد أحمد البدوى، و بعد الدعاء و الثناء، يصدر الفرمان لخليفة البدوى بأن يقوم هو و كافة المشايخ بالتوجه بالسفن مع كافة الفقراء من بولاق فى موكب عظيم، حيث يتجهون إلى الغربية و يخطر حاكم الغربية حسن بك و حاكم المنوفية ميرزا كاشف بأن يقوم الجنود بحراسة كافة المشايخ و الفقراء الحاضرين فى الموكب لمولد السيد أحمد البدوى و ينبه عليهم بأن تكون جنودهم فى حراسة خيام هؤلاء القادمين للمولد، و إذا ما صادف أحد الجنود أى مشقة من أشقياء العربان يحمل نبوت أو عصا أو سلاح فيقوم الجنود على الفور بقتله، و يحرر الأمر الشريف و يعطى للمشايخ و يقوم كبار المشايخ بالدعاء بالخير للباشا الوالى، و يقوم الباشا الوالى بإعطائهم خمسين سفينة

4

يركبها الفقراء الذاهبين لحضور مولد السيد أحمد البدوى، و يأخذون من المحتسب خمسين قنطارا من البقسماط و البصل و الجبن الحلوم، و يقوم الباشا الوالى بالإحسان على قبر أحمد البدوى بقطعتين من القماش الأخضر وكيلتين من العود و سجادة من الإبريشم، و شمعتان من شمع العسل تزن الواحدة خمسين أوقية، و خمسون عملة ذهبية لختم القرآن الكريم خمسين مرة.

و بناءا على قانون التشريفات يقوم الوالى بتوديع كافة المشايخ و ينزل إلى ميدان القصر و يقوم شيخ الجلادين بقراءة المولد أمام جميع أهل الديوان فى ميدان القصر، ثم بعد ذلك يذهب كافة العاشقين الصادقين مع جملة الفقراء المجازيب من المدينة و هم يقولون «حى» «هو»، ثم يسير الخليفة (خليفة البدوى) فوق الجواد محييا عن يمينه و شماله، و يكون شيخ المشايخ الشيخ مصطفى الروملى خليفة حضرة الشيخ مرزوق الكفافى قائدا لكافة المشايخ، و يعبر الموكب حيث ينادى الدلالون أن مولد البدوى يوم كذا القادم، و ينزل موكب الشيخ الخليفة عند تكية الشيخ مرزوق الكفافى، و هنا يذهب كل العاشقين إلى ديارهم، و بهذا تعلن بداية مولد الشيخ البدوى، و بعد ذلك بعشرين يوم.

أوصاف موكب مولد الشيخ إبراهيم الدسوقى‏

هذا أيضا موكب عظيم، حيث يسير عدة آلاف من الفقراء و المشايخ على دقات الطبول، و يرفعون الرايات، حفاة الأقدام عراة الرأس يقولون: «يا رزاق» و يعبر موكبهم بالذكر و التهليل و هم فى خشوع و خضوع متأدبين بآداب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لا يوجد فيهم ملاميون أو مجاذيب، حيث أن تلك الطريقة هى الطريقة البرهانية الطريقة السلطانية، و يكون هذا الموكب على نفس نسق الموكب السابق، حيث يذهبون إلى قصر الباشا الوالى و يستأذنون منه، و يعبر موكبهم و هم يوحدون، و ليس لهذا الموكب عطايا مثل الموكب السابق و لكن وزير مصر يقوم على سبيل المرحمة بتقديم قطعتين من القماش الأخضر و أوقية من عود البخور، هبة من وزير مصر حيث أن قانون التشريفات فى مصر ليس به منح أو عطايا لهذا الموكب، و شيخ هذا الموكب هو الشيخ شرف الدين و يسير بموكب عظيم، ثم يسير المشايخ إلى منازلهم و يذهب كل شخص إلى داره، و بعد

5

تلك المواكب الخاصة بالموالد تكون كل ليلة فى مصر مولدا للنبى و بذلك يكون ثلاثمائة و خمسة و ستون مولد نبى، و من تلك الليالى ليلة الإسراء و ليلة القدر و ليلة العيد الأكبر، و تكون كل تلك الموالد بفرمانات من الوزير، حيث يصل عدد تلك الفرمانات إلى اثنى عشر، و ينادى الدلالون بها. من تلك الليالى ليلة مولد أحمد البدوى و ليلة مولد إبراهيم الدسوقى و ليلة موكب أمير الحج و ليلة السابع من شهر صفر و ليلة مولد الجانبولادية عند باب النصر، و قد تحرر هذا فى مواكب الحج، و هذا أيضا يكون بفرمان من الوزير، و رابع تلك الموالد.

أوصاف مولد حضرة الشيخ البكرى‏

فى ليلة الإثنين الموافق الثانى عشر من شهر ربيع الأول تزين مآذن مصر بمائة ألف قنديل لعدة مرات، حتى أن المدينة تصبح مضيئة تماما، و يقام فى تلك الليلة على جانب بركة الأزبكية مولد الشيخ البكرى، حيث تقام الموائد قبلها باثنى عشر يوما و ليلة لجملة أعيان مصر، و تكون تلك الموائد لكل طبقة من الأعيان على حدة، فليلة للأئمة و الخطباء و ليلة للعلماء و الصلحاء، و ليلة للمشايخ الشرفاء و ليلة لأعيان الأشراف، و ليلة لنقيب الأشراف و ليلة مشايخ المذاهب الأربعة و ليلة للمدرسين و ليلة للقضاة و ليلة لقاضى مصر، و ليلة لوزير مصر، و فى حالة ما إذا كان لا يقوى على السير يأتون هم إليه محبة منهم، لا سيما و أنها تكية عظيمة، و ليلة لكافة الأمراء المحمديين، و ينسحب الشيخ أبا بكر و يأتى بالإحسان و الهدايا الكثيرة الوافرة و يأخذ منها الخاص و العام، و لا تبقى مياه فى بركة الأزبكية، حيث يمكث كافة المشايخ و الأعيان فى الخيام فى مساحة ألف فدان فى الصحراء الشاسعة، و يجتمع فقراء مائة و أربعين طريقة و ينشغلوا بالذكر و التوحيد كما يؤسس سوقا فى جهة منها، و تباع الأطعمة و المشروبات، و تكون أسواقا كثيرة.

و يقوم أصحاب المنازل الواقعة على الجوانب الأربعة لبركة الأزبكية بإنارة مائة ألف قنديل عدة مرات، و تطلق الأعيرة و الألعاب النارية و الفشنك و تقرع الطبول و تعزف الموسيقى، بما تعجز الألسنة عن وصفه، كما تزين التكايا بالقناديل و تموج كل النواحى بالبشر و كأنها البحر، و يأخذ بنى آدم الذوق و الصفا من هذا المشهد، و فى تلك الأثناء

6

يستعد الشيخ لقراءة المولد النبوى فى حضور العلماء و الصلحاء و المشايخ على ضفاف حوض القاضى الأعظم، ثم يقوم بتلاوة التواشيح الدينية بنغمة حزينة، و يقرأ كافة الحضور المولد النبوى، و يقوم سبعون أو ثمانون خادم يرتدون البناطيل الحمراء بإشعال أعواد العنبر الخام، و تتعطر رءوس العاشقين من رائحة المسك و العنبر، و يوزع عليهم سكر النبات و المشاريب ذات المسك و المعطرة فى أوانى مزينة، و يقرأ المولد الشريف ثلاث مرات و يحسن على الموشحين و القارئين بالهدايا فى الصباح، ثم يتوجه كل شخص إلى وجهته، و الحاصل أن اللسان يعجز عن وصفه، و فى تلك الليلة أيضا يكون مولد:

مولد تكية الشيخ إبراهيم الكلشنى‏

يقام هذا المولد ليلة الثانى عشر من شهر ربيع الأول و من الصوفية من يذهبون إلى مولد سيدى الشيخ البكرى و يمضى البعض الآخر إلى مولد سيدى إبراهيم الكلشنى و هناك من يذهب إلى مولد البكرى، ثم يأتى إلى مولد إبراهيم الكلشنى.

إلا أن مولد الكلشنى هذا ليس مولدا للفلاحين و لا العوام من الناس بل هو لخواص الخواص، و يحضره جميع الأتراك و طوائف الجند و أرباب المعرفة و المتصوفة و الظرفاء و الشعراء. و لا يحضره الغرباء و لا الجهال.

و بعد العشاء يبسطون السجاجيد الحريرية الخضراء النفيسة فى الحرم المجلو و المصقول أمام الضريح المنير و المعطر لسيدى الشيخ العزيز، و يأتى الصوفية زرافات زرافات و بعد أن يؤدى جمع حاشد من الناس صلاة العشاء يشكل جميع المتصوفة حلقة طبق المراسم الكلشنيّة و تتلى سورة «الملك»، و يتلو جميع الصوفية الأوراد و الأذكار فى صوت واحد و بقلب واحد و بينما ينشغل عشرون بالذكر فى جانب و عشرون آخرون فى جانب آخر يقع بعض الصوفية فى حال الوجد فينهضون و يبدأون فيما يعرف بالسماع، و يدور جميع المتصوفة حول أنفسهم، و تصدر عن الذاكرين أشعار و أنغام شتى مختلفة المقامات الموسيقية، و هى كثيرة يصعب حصرها، و تختلط اثنتا عشرة حلقة من حلقات المتصوفة بعضها ببعض متصادمين و قد امتلأت قلوبهم بصفاء المحبة فيقعون فى حال الجذب كما

7

يقعون فى حال الوله و هم فى دورانهم، و يتغنون بالمنظومات الدينية فى صوت حزين و التى تسمى الواحدة منها «إلهى» و يداوم الذاكرون على ترديد كلمة «اللهم» فى ارتفاع و انخفاض من سمعها و كان مكدودا مهموما كاسف البال- دب فيه دبيب الحيوية و التفاؤل، و الله أعلم.

و جملة القول أنه على هذا النحو ينشد اثنى عشر فصلا من التوحيد السلطانى فى اثنى عشر مقاما ليست لواحدة من الطرق الصوفية المائة و أربعين، و ربما كانت للطريقة المطاوعية أو الطريقة البرهانية.

و بعد هذه الفصول يخرج «جلبى أفندى» من خلوته فيحيه جميع الصوفية و يتقدمون لتقبيل يده، فلا يأذن بذلك إلا لمن بايعه و تشرب تعاليمه، و أصبح موضع سره و من أهل طريقته؛ و لذا يقبل كف يده اليمنى.

و «جلبى افندى» هذا لا يغادر حجرته قط و لا يختلط بأحد من عوام الناس. إلا أنه يخرج مرة واحدة فى العام هى ليلة المولد. و هو يمتنع دوما عن الكلام صوام النهار قوام الليل دائما فى طاعة و عبادة منقطع لتلاوة القرآن الكريم.

و لكى يتعيش يشتغل بالخطاطة فهو جميل الخط، إنه يخط بعض الرسائل يرسلها إلى بعض المتصوفة تبركا على سبيل الهدية.

و سبب خروجه يوم المولد هو أن بعض المتصوفة يبايعونه و يدخلون فى طريقته و بعضهم ممن لديه الاستعداد للإقامة فى التكية طيلة أربعين أو خمسين سنة يتلقون على يده كيف يصبحون أصحاب سجادة فى بلد آخر. كما أن بعض المتصوفة يشرفون بلقائه مرة فى العام و يظفرون منه بخير الدعاء.

يجلس المتصوفة على السجادة الموجودة على يمنة المحراب فى سكون و خشوع و بعد أن يفرغوا من التوحيد و الذكر يصعد المنبر عالم فاضل لتلاوة الأوراد و يردد الموشحات فى صوت واحد، ثم يبدأ ذلك الشيخ الفاضل فى قراءة «مولد سليمان جلبى» (1) فى صوت رخيم فى اثنى عشر مقاما، و يحيون الليلة حتى مطلع الفجر و هم على تلك الحال.

____________

(1) منظومة تركية هى الأشهر عند الترك فى مدح الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم)، تعرف ب «وسيلة النجاة» و قد نقلها نظما و شرحها و علق عليها الأستاذ الدكتور حسين مجيب المصرى، و نشرت بالقاهرة 1981.

8

و عند ما تحل لحظة ولادة النبى و تذكر مولد خير الأنام ينهض المتصوفة جميعا إعظاما و إجلالا و ينشدون هذه الأبيات فى صوت حزين:

ألم يكشف جمالك الدّجى يا رسول الله‏* * * ألم يبلغ كلام حبيبك ذروة العلى‏

ثم يبدأ خدام المتصوفة الكلشنيين فى توزيع أنواع الحلوى على الحضور من الأعيان و الأشراف، و بعضهم يوزع لفائف النّقل و الأشربة المعطرة، و فى أثر ذلك توزع فناجين القهوة و الشاى و اللبن و الفالوذج و السحلب هنا و هناك.

و بعد ذلك ينثر الصوفية ماء الورد و ما أشبه على الحضور، و يحرقون العنبر و العود فى المباخر فينتشى الصوفية من شذاها.

و بذلك نكون قد انتهينا من ذكر مولد آخر، و يذهب من يذهب و يبقى من يبقى، و يبدأ الصوفية فى تلاوة التوحيد ثانية و بعد الفراغ من تلاوته يتلون العشر الشريف:

«بسم الله الرحمن الرحيم» وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر: 73].

و بعد الدعاء يتوجه بعض الصوفية لزيارة سيدى الشيخ العزيز فى داره ثم يذهبون إلى منازلهم.

و جملة القول أنها تكية طريقة طاهرة يعجز اللسان عن امتداحها و السلام.

و فى ليالى هذا الشهر يزين فاعلوا الخير المنارات بالعمائم و المناديل و الأقمشة لقراءة المولد، و يعلم من ذلك أن ثمة مولد سوف يتلى تلك الليلة فى ذلك الجامع فيحتشد الناس جميعا فيه. و فى تلك الليلة توصل الحبال من دار إلى دار فى الحارة و تعلق فيها القناديل، كما تزين المقاهى و الحوانيت بالقناديل كذلك. و هذا ما لا وجود له إلا فى القاهرة.

9

و من الحق قولنا أن مصر نادرة الزمان.

و من الناس من يتلو الموالد فى المنارات و أيا كان عدد من يتلون المولد فإنهم يأخذون العمائم الحريرية الموجودة فى المنارات. و ثمة منارات تتسع الواحدة منها لأكثر من أربعين رجلا، لأن كلا منها بنى طبقة فوق طبقة كأنها البرج و كل طبقة منها تتسع لخمسين رجلا.

و يردد أكثر من أربعين من البدو المولد حتى مطلع الفجر للحصول على صرة و تبلغ أصواتهم عنان السماء.

أوصاف مولد سيدى أحمد الرفاعى‏

إنه برهانى الطريقة، يقام هذا المولد فى ليلة الجمعة الأولى من شهر رجب، و التكية الرفاعية تكية عظيمة عند جامع السلطان حسن فى حارة «صانعى الرماح»، و قد سبق وصفها ضمن حديثنا عن التكايا فى القاهرة.

و هذا المولد ليس مزدحما إلى حد ما، و يحضره حشد من أهل التقوى و الصلاح من ذوى الكرامات. يا له من ملتقى لخواص الخواص.

أوصاف مولد سيدى عمر بن الفارض‏

تكية عظيمة فى سفح جبل الجوشى الواقع جنوب القاهرة، يقام فيها المولد مرة فى العام يحضره مائتا ألف من الناس.

و تجتمع كلمة علماء مصر على أنه فى ذلك اليوم تحضر روح النبى (صلى الله عليه و سلم) لأنه وقت إقامة هذا المولد يعم الضياء، و يخطف البرق فى داخل الجامع، و هذا ما لا حدوث له فى جامع آخر.

و ما أن يصل متكبر أو متجبر إلى هذا المولد حتى يتعلق قلبه بهذه التكية. و يتوافد على هذه التكية جميع المتصوفة و المساكين و الغرباء و فى ليلة المولد تلك تتجلى كرامات بعض المتصوفة.

كرامات الشيخ محمد اللبنانى‏

بينما كنت أجلس مع إمام الدفتردار أحمد باشا داخل محفل المؤذن نهض الشيخ‏

10

محمد اللبنانى و هو من أصحاب الكرامات و اتجه بالخطاب إلى إمام الباشا وسط حشد من الناس قائلا: «يا إمام الوزير إنزل بالعجل إلى مصر، روح إلى الروم بالسلامة» ثم انزوى هذا الدرويش أسفل العمود الذى اعتكف تحته منذ سبع و أربعين سنة و كل من سمع هذا من قوله قال: انزل يا إمام انزل.

فمنهم من ظن أن الإمام سيموت، و منهم من ظن أن المحفل الذى يجلس فيه سوف ينهار.

فخاف الإمام و نزل أما أنا فلم أحرك ساكنا قط و لبثت فى مكانى رابط الجأش.

و فى اليوم السابع خلع أحمد باشا الدفتردار و إمامه و عمت الثورة القاهرة. و لعل هذا كانت نبوءة الشيخ اللبنانى.

أى أن تكية عمر بن الفارض تلك بها العديد من أصحاب الكرامات ممن لا سبيل إلى امتداحهم أو وصفهم. و هذه التكية زاوية اعتكاف أهل الحال ممن يتحدثون بالتخاطر و يصلون إلى هذه المرتبة بالرياضات و المجاهدات. إنهم صوامون يفطرون مرة فى الأسبوع و هم أناس أطهار أبرار.

و أثناء مقامى فى القاهرة (فى كل يوم جمعة عقب الصلاة رأيتهم يقيمون شعائرهم) و يحتشد آلاف من الناس و كنت فى ذلك اليوم بالذات ألتقى بهذه الطائفة الخاصة و كم شاهدت لبعضهم من كرامات. و طيلة إقامتى فى القاهرة لم أتخلف عنهم قط فى يوم جمعة، لأنى كنت أكتسب من ذلك صفاء الروح و أقف على مختلف أسرار أحوالهم.

و فى يوم الجمعة فى تلك التكية تنشد القصيدة «التائية» لعمر بن الفارض، و عندئذ يغيب المتصوفة فى نشوة الوجد و يضربون الأعمدة برءوسهم فلا يصيبهم من ذلك أذى بإذن الله. و يتبارى العديد من أصحاب الصوت الرخيم فى تلاوة العشر الشريف و قصائد مدح الرسول (صلى الله عليه و سلم).

إنها تكية يستجاب فيها الدعاء و المولد المقام فيها مولد يحضره جميع المتصوفة.

11

مولد أبى السعود الجارحى‏

ثمة بلدة تقع بين مصر العتيقة و مصر الحديثة يقام فيها المولد فى يوم الأربعاء من كل أسبوع إلا أنه يزدان بمئات الآلاف من القناديل، و تهتز السماء و الأرض من دوى التوحيد طيلة ثلاثة أيام بلياليها حتى مطلع الفجر.

و لأن هذه البلدة تبعد عن جنوب القاهرة بثلاثة آلاف خطوة يمضى إليها مائتا ألف على ظهور الحمر، فيمتل‏ء ذلك الوادى بالحمر و يتزاحم الناس فيه و كأنهم فى موسم الحج. و لأن سيدى الشيخ أبى السعود الجارحى قريب عهد بهم فهم يذكرون عنه الكرامات و يحتفون احتفاء لا مزيد عليه بمولده.

لقد عاش الشيخ أبو السعود فى عهد السلطان سليم و هو القائل: «تعال يا سليم اجلس على تخت مصر».

مناقب الشيخ الفانى‏

و ثمة من عمر و شرف بصحبة الشيخ أبى السعود الجارحى و اتفق أن أتوا به إلى مجلس جان بولاد زاده حسين باشا و قبل الباشا يده الشريفة، و نال منه خير الدعاء إنه الشيخ الفانى (بير فانى)، و هو ليس من أهل القاهرة بل هو من المنوفية، و بما أنها تمتاز بجو لطيف فقد عمر طويلا، و لقد ظفر بدعاء سيدى الشيخ أبى السعود فنبتت أسنانه اللبنية فى فمه و كف بصره، و صارت عيناه و كأنها قديد، و كان يبكى كالأطفال قائلا:

إننى جائع منذ ساعة.

ها هو من يعمر ببركة دعاء سيدى الشيخ أبى السعود له. و لله الحمد أنى شرفت بتقبيل يد هذا الشيخ الهرم الذى شرف برؤية صباحة وجه الشيخ أبى السعود الجارحى و بلغ السبعين بعد المائة من سنيه، و ظفرت منه بخير الدعاء.

و لأن الشيخ أبى السعود أحد أقطاب الصوفية العظام يقام له مولد عظيم.

12

مولد الإمام الشافعى. رحمة الله عليه‏

يمضى آلاف الناس لزيارته كل ليلة سبت و يختمون القرآن الكريم مئات المرات حتى مطلع الفجر شريطة أن يقوم بذلك شيوخ المذهب الشافعى. و هناك من لم ينقطعوا عن حضور هذا المولد منذ أكثر من أربعين سنة و هم كثرة.

و فى كل عام تقام سوق عظيمة ثلاثة أيام بلياليها فتصبح بليدة الإمام الشافعى بحرا زاخرا من البشر. و كم من أناس دفنوا تحت الضريح العالى ممن استشهدوا فى شدة الزحام و لا حاجة لنا للإسهاب فى هذا الباب.

و ليعلم إخوان الصفا أنه ليلة إقامة المولد فى أيامنا تلك يختم القرآن الكريم أربعمائة و ثلاث و عشرون مرة لأنه فى تلك الليالى يجتمع الآلاف من حفاظ القرآن الكريم و يقال إنه فى إحدى السنوات على عهد إبراهيم باشا ختم القرآن سبعمائة و أربعين مرة، كما يقال إن أرواح جميع الأقطاب و الأولياء تحضر فى تلك الليلة داخل الجامع لذا و قبل بدء المولد بخمسة أيام أو أكثر يستأجر أشراف القاهرة و أعيانها المنازل فى بليدة الإمام الشافعى بخمسة أو عشرة قروش، و يأتون بأهلهم و عيالهم و أطعمتهم و أشربتهم و يمرحون و ينعمون. و يأتى التجار بمئات من خيامهم لبيع الأطعمة و الأشربة و بذلك تقام سوق عظيمة. تزين مئات الخيام من خيام الزوار بالقناديل كما تزين جميع المنارات و أسطح المنازل بمئات الآلاف من القناديل فتبدو المدينة فى كامل زينتها. و بذلك ينتهى حديثنا عن مولد الإمام الشافعى.

و قبل أن ينفض جمع المجتمعين ينطلقون إلى مولد سيدى أبى الليث على مقربة من الإمام الشافعى.

مولد تكية سيدى الشيخ أبى الليث‏

و هو يشبه مولد الإمام الشافعى إلى حد بعيد، يحضره المؤلفون و المصنفون و معهم آثار عبقريتهم و يلتقى فيه شيوخ الإسلام على المذاهب الثلاثة و تعرض جميع المؤلفات و الرسائل على أهل العلم و الفضلاء لقراءتها، و إذا رأوا مؤلفا قيما ختموه و وقعوا على صفحات الكتاب مجيزين بذلك تلاوته و تداوله.

13

و يضعون هذه المؤلفات ليلة أو أكثر فى الصندوق الذى يعلو ضريح سيدى «أبى الليث» و اتفق أكثر من مرة أن أخرجت تلك المؤلفات من موضعها فى الصندوق و لو حظ أن بعض مواضع فيها قد شطب و بعض مواضعها الأخرى صوّب، كما وجدت رسالة فى العقائد لأحد المؤلفين محترقة داخل الصندوق و وجدت النسخة الأخرى منها فى الصباح- محترقة- و قد حدث ذلك فى عهد أبى النور محمد باشا. فأبو الليث إمام همام يحتشد فى تكيته العلماء و الصلحاء و الحفاظ يختمون القرآن الكريم آلاف المرات طيلة ثلاثة أيام بلياليها حتى مطلع الفجر. و هكذا تكون موالد أعاظم العلماء. و هذا ما يعجز عنه الوصف.

بعد ذلك يمضى المتصوفة إلى الشيخ عقبة.

مولد سيدى الشيخ عقبة الجهينى- رحمة الله عليه-

لحق بهذه التكية الخراب على نحو ما أسلفنا ذكره، لذا تعذر إقامة مولده لفترة، و فى عام 1063 رأى خاصكى محمد باشا المشهور بأبى النور محمد باشا الشيخ عقبة فى منامه؛ فجدد هذه التكية و بنى بها جامعا شامخا و سبيلا و ساقيتين و مطبخا و مهبطا للنور فوق ضريح الشيخ، و أنفق على بناء ذلك مائتى كيس مصرى، و جعل لها أوقافا عظيمة، و أوقف على إقامة مولده ألف قرش فى كل عام، و عين لها ناظرا من فرقة الإنكشارية.

و هذا المولد مولد سلطانى كغيره من الموالد السالف ذكرها يقام فتطيب به روح سيدى الشيخ عقبة الجهينى العامرى. و لكثرة ما لهذه التكية من أطعمة و أشربة ترد إليها من أوقافها توزع على العلماء و الصلحاء و المتصوفة.

و فى سفح جبل الجوشى:

مولد الشيخ شاهين (قدس سره العزيز)

موضع نزه يستحق المشاهدة يقام فيه كذلك المولد يوما و ليلة، و لأنها تكية واقعة على ربوة قائمة فهى ضيقة، لذا فهى ليست كثيرة الزحام إلا أن المولد الذى يقام فيها مولد عجب.

14

مولد الشيخ الجوشى‏

تكية عالية قائمة على قمة جبل المقطم، تبدو مدينة القاهرة من هذا الجبل تحت القدم، تضرب الخيام على قمة هذا الجبل يوما و ليلة لإقامة مولد عظيم، و قد شيد هذا الجامع و أوقف عليه أمير الجيوش أبو النجم بدر الجمالى وزير المستنصر بالله العباسى و سمى الجبل الجوشى نسبة إليه أما اسمه فهو «جبل المقطم».

مولد أثر قدم النبى‏

إنها تكية واسعة بها جامع كبير و قبة عالية أسفلها أثر قدم النبى، و كل هذه الأبنية من إنشاء إبراهيم باشا الدفتردار. و قد سبق لنا أن وصفناها. و يقام فيها كذلك مولد عظيم يدوم يوما و ليلة و فيه تتعالى الأصوات بالدعاء لصاحب الخيرات- إبراهيم باشا الدفتردار.

مولد الشيخ السادات‏

يقام هذا المولد فى التكية التى دفن فيها أجداده العظام فى الموضع الذى يسمى () (1) فى القرافة الكبرى و ذلك فى منتصف شهر شعبان، و تقام الخيام و السرادقات فيها ثلاثة أيام بلياليها، و يتوافد عليها البكوات من مريديه، و يزينون منارة الجامع و جدران التكية و أبوابها، و جميع الخيام بمئات الآلاف من القناديل، و يأتى جمع غفير من الناس و توزع الأطعمة على الغادى و الرائح. إنه مولد عظيم و هو واحد كألف، يحتشد فيه مئات الآلاف من الرجال و النساء و الكبار و الصغار، و ذلك فى صحراء مترامية الأطراف، و يمضون هنا و هناك للزيارة، ذلك أن ثمة أضرحة لكثير من الصحابة الكرام و الأولياء فى تلك النواحى.

كما دفن فى هذه الجهات من أبناء الأنبياء «بنيامين ابن سيدنا يعقوب (عليه السلام)» و «افرايم» بن يوسف الصديق الذى ولد فى مدينة الفيوم. و غيرهم الكثير. و سوف توصف هذه المزارات فى حينه.

____________

(1) بياض فى الأصل.

15

ذكر مناقب الشيخ السادات (أبو التخصيص)

و سيدى الشيخ السادات أبو التخصيص شيخ رفيع المنزلة، لذا لا يتخلف أحد من العلماء و الصلحاء و الأعيان و الأشراف عن زيارته قط، فهم منجذبون إليه إلا أنهم عند ما يحضر إلى تكية أجداده ليلة المولد يأتى و فى معيته ألف أو و ألفين من المشايخ الكرام و يستوى الشيخ أبو التخصيص على سرير خلافته و قد أصبح الضريح نورا على نور من مئات الآلاف من القناديل و شمع الكافور، و عندما يتلو ألفان من المشايخ أوراد السادات فى صوت واحد يغيب المرء فى نشوة الوجد، و ينصرف عن الدنيا و ما فيها، و يغمر النور وجهه و قلبه، و فى تلك اللحظة يسأل الشيخ عن اسم أو من قبل يديه فيكنيه بكنية و يلف عمامة الرضا- التى يبلغ طولها أكثر من ذراعين- حول عنقه و بذلك يمنحه الإجازة و يعتبره فى عداد المتصوفة.

و فى كل مولد يقام يلف الشيخ عمامة الرضا حول عنق أكثر من ثلاثة آلاف رجل و يخلع على كل واحد منهم لقبا. يا لها من حكمة عجيبة. و ليس لأحد أن يتنازل عن كنيته التى منحها الشيخ له، و فى عهد خلافته لم يخلع لقبا واحدا على شخصين و هذا سر إلهى عجيب و كان يخلع هذه الألقاب على مريده بإلهام ربانى، و قد منحنى كنية هى «أبو الصفا» و ببركة نفسه المبارك أنعم بالصفاء و الطمأنينة، و قد لف حول عنقى شالا كشميريا و منح بعض الأشراف كذلك الشال اللاهورى و الشال الكيلانى و دعا لنا بكل خير.

و كان الشيخ إذا ما رأى شخصا كناه بكنية منذ عشرة أعوام ناداه بكنيته قائلا:

يا أبا الوفا أو يا أبا العال. فما أقوى حافظته التى لها مرتبة القداسة، و كان إذا خلع عمامة الرضا على شخص و جاء إليه هذا الشخص ثانية خلع عليه أخرى و هذا بذل عظيم للمال كذلك.

و جملة القول أنه لا يمكن الوقوف على حقيقة أمر هذا الشيخ بأى حال من الأحوال.

و فى كل عام يمضى كل من هؤلاء السادات بثلاثمائة من الجمال و أكثر من خمسمائة خادم إلى الكعبة الشريفة و يتصدقون بجزيل الأموال و يعودون بسلام.

16

إنها طائفة مؤدبة و عظيمة الثراء و ليس فى طبعها التباهى، إلا أنهم يقيمون مولدا عظيما مرة فى العام يشرف بحضوره كثير من المريدين و الأحباب.

مولد الشيخ البكرى‏

فى يوم الخماسين من شهر يوليو يقام مولد عظيم فى تكية أجداد الشيخ البكرى الواقعة أسفل ضريح الإمام الشافعى. و يواكب هذا المولد مولد الشيخ السادات و توزع فيه الصدقات و يغنى جميع أهل القاهرة عن السؤال و تضرب فيها كذلك الخيام و السرادقات و تقام الأسواق و يضاء الجامع و منائره و قاعاته بمئات الآلآف من القناديل مما يجعل الليل نهارا، و يحيون المولد حتى مطلع الفجر و يتلى مرات ثلاثا. إنه مولد عظيم.

مولد أم القياس‏

سبق أن أشرنا أثناء الحديث عن أوصاف أم القياس إلى أنه عندما تقوم كتيبة من الإنكشارية بتطهير حوض أم القياس تعم البهجة سبعة أيام و سبع ليال، و فى الليلة الثامنة يمضى العسكر و فى ليلة الجمعة يقام مولد عظيم و فى الصباح ينتهى رئيس الجاويشية من إقامة المآدب.

المولد الثانى لأم القياس‏

بعد ذلك فى ليلة سقوط النقطة إلى النيل (ليلة وفاء النيل) يقام المولد الثانى لأم القياس، و يحضره جميع أشراف و علماء و صلحاء القاهرة و يقيم وكيل مصروفات الباشا السماط ثلاث مرات من صلب مال الباشا احتفالا بالمولد الشريف، و ينتظر جميع العلماء زيادة ماء النيل. و تعهد مهمة إقامة هذا المولد إلى رئيس التراجمة إلا أن نفقاته من صلب مال الباشا.

مولد المحمودية

يقام هذا المولد فى جامع المحمودية و هو على مقربة من السلطان حسن.

و بالقرب منه:

مولد أمير أخورية

يقام فى جامع أمير أخورية.

17

مولد السادات‏

ثمة مولد آخر لشيوخ السادات و يقام هذا المولد داخل الأزهر.

مولد السلطان قايتباى‏

يقام هذا المولد خارج القاهرة و هو كذلك مولد عظيم و توزع من مبرته الأطعمة على الفقراء و المحتاجين و المقتدرين كذلك، و يقام هذا المولد مرة فى العام و يحتشد فيه خلق كثير.

مولد إبراهيم الكلشنى‏

يقام فى تكية الكلشنية فى بولاق و سوف نذكرها فى حينها.

مولد الشيخ الطشطوشى‏

و هو مولد آخر لأتباع الطريقة البكرية، و هو كذلك مولد عظيم بالقرب من السلطان الشعراوى.

مولد الشيخ الشعراوى‏

إنه كذلك مولد عظيم لجميع العلماء الكبار. و جامعه ضيق، لذا لا يتسع لخلق كثير إلا أنه فى هذا المولد تغمر الجامع روحانية عجيبة.

مولد الشيخ الحنفى‏

و فيه كذلك يحتشد خلق كثير

مولد الشيخ الخلوتى‏

بالقرب من قنطرة السنقور، إنه كذلك مولد المشايخ إلا أنه ليس عظيم الزحام كغيره من الموالد.

مولد النبى المقام فى تكية سيدنا الحسين‏

قبل سبعين عاما عطلت إقامة هذا المولد بإيعاز و إغواء من المنكرين، بعد ذلك فى عام 1089 ذهب جميع الأشراف إلى مجلس عبد الرحمن باشا و بسطوا إليه الرجاء بإقامة المولد الشريف فى المشهد الحسينى فى هذه السنة المباركة. فوقع ذلك موقع القبول لديه و أصدر أوامره إلى الصوباشى و المحتسب و قاضى العسكر فى صورة مرسوم و جاء فيه:

18

(لتضاء القناديل فى جميع المنائر ليلة عاشوراء (أى الليلة الثانية عشرة من شهر المحرم و لتزين جميع الأسواق و الحوانيت ليل نهار بالقناديل كذلك) و أمر الدلالين أن ينادوا بذلك و لإقامة المولد داخل المشهد الحسينى قدم عبد الرحمن باشا ستة آلاف پاره و عمامة خضراء و أوقية من العود و قنطارا من شمع الكافور.

و إلى الآن يقام هذا المولد من أوقاف عبد الرحمن باشا و جميع الأشراف و أهل القاهرة يدعون له بالخير.

قاعدة حسنيات القاهرة

بحلول اليوم الحادى عشر من شهر محرم ليلة مولد الإمام الحسين يجتمع عدة آلاف من يهود القاهرة، كل ثلاثة فى مكان و فى أيديهم زنابيل، و أثناء بيعهم ما فيها من عطور و بخور يصيح الثلاثة فى صوت واحد و تبلغ صيحاتهم عنان السماء و تتردد داخل الأسواق و الحوانيت. و هذه عادة قديمة، و يعطر بخورهم و عطورهم القاهرة حتى الثانى عشر من شهر محرم. إنها ظاهرة ذات مغزى.

و علاوة على هذه الموالد يقيم أصحاب الخيرات عدة آلاف من الموالد فى بيوتهم و مساجدهم و زواياهم. و إقامة المولد الشريف فى جميع البلاد فى شهر ربيع الأول و لكن فى القاهرة يقام آلاف الموالد فى جميع شهور السنة و يحتشد فيها كثرة من الناس.

و فى بعض الأحياء يقام فى الليلة الواحدة أكثر من خمسة موالد. و يبذل أهل القاهرة المال الجزيل لفرط محبتهم للنبى (صلى الله عليه و سلم)، لذا أصبح لهم ذائع الصيت بإقامة المولد الشريف.

و بعض الموالد سالفة الذكر يقام بمرسوم من الباشا و بعضها الآخر يقام حسب مراسم الشيوخ و لقد عرفت مئات الموالد غير التى تحدثت عنها و لكن تعذر على الحديث عنها كلها، لذا اكتفيت بما ذكرت منها. و حضرت معظم الموالد الشريفة المقامة خارج القرى و القصبات و التى تقام طبقا لمرسوم الباشا و سوف نذكر كل منها على قدر طاقتى فى موضعه.

19

الفصل الرابع و الخمسون الأماكن النزهة التى يرتادها أهل القاهرة العام منها و الخاص‏

- بلدة البساتين:

بلدة عامرة تقع جنوب القاهرة على بعد ساعتين، و هى تحت إدارة نقباء الأشراف و بها حديقة قريبة من ساحل النيل كأنها الجنة. يتوسط هذه الحديقة قصر شامخ كأنه قصر الخورنق، و فى وسط هذا القصر حوض لطيف. إنه موضع نزه جميل به عدة قاعات علوية و مطبخ و سواق. إنه موضع تنشرح الصدور لرؤيته.

- متنزّه قدم النبى:

من خيرات إبراهيم باشا الدفتردار، و هو أثر جد عظيم ينتشر به القصور و القاعات، و به مطبخ و تكية عظيمة الاتساع و زوايا و سواق. و هذا كله من إنشاء إبراهيم باشا و قد ذكرنا تواريخ كل هذا سلفا.

- مخازن يوسف (أنبار يوسف):

مكان عجيب غريب‏

- متنزه أم القياس:

سبق وصفه.

- متنزه الروضة:

فى جزيرة أم القياس كذلك، و هى حديقة انتقلت ملكيتها من يد حاكم إلى حاكم آخر و بداخلها حوض عظيم و يتوسط هذه الجزيرة قصر جميل شامخ يعبر إليه على جسر و به قاعات متصلة جديرة بالمشاهدة.

- مصاد جبل الهرمين:

يسميه الناس «جبل الأهرام» و يسميه عوامهم «جبال فرعون»، أما فى اللغة القبطية فتسمى هذه الأهرام «أهرام برابى» و جاء فى تاريخ «ابن جلال» أن أول من بنى هذه الأهرام «برابى بن درمشيل بن مخويل بن خنوخ بن قاين» و لذا تسمى «بأهرام برابى» و تقع هذه الأهرام فى الجانب الغربى من النيل و هى جبلان كبيران و جبل صغير، و على مقربة منها يصاد الغزال و الثور الوحشى و الذئب و الأرانب و ما أشبه.

و سوف نبين فيما بعد من بنى هذا الطلسم و لأى سبب بناه.

20

- مراعى أمير آخور:

تقع فى منطقة الجيزة عند حدود امبابة. إنها واد ذو زرع ترعى فيه خيول أهالى القاهرة و وزيرها. إنها موضع مخضوضر ينشرح له صدر من يراه. و لكن ما فيها من زرع من غرس الإنسان. فبذور العشب المسمى «بالبرسيم» إذا بذرت فى ليلة نمت فى صبيحة اليوم التالى فبلغت فى الطول إصبعين و فى اليوم الثالث يمكن للدواب أن ترعاها و جميع خيول القاهرة ترعى هذا العشب و الذى يعرف فى بلاد الترك ب «يونجه»، و تضرب طائفة الجند و أمير آخور خيامهم فى هذه البقعة لرعى خيولهم ثلاثة أشهر بتمامها، و هناك ينعمون كذلك بالراحة و المتعة.

إنه سهل فيه مروج و رياض و أمير آخور الباشا حاكم مطلق عليه بتفويض من الباشا و مهمته تتبع اللصوص و الضرب على أيديهم و إعمال السيف فيهم.

و لأن هذه المنطقة تدخل فى حدود أولاد خبير يأتى منهم كل ليلة ألف من فرسان البدو- بخيولهم لحراسة جياد الباشا و غيرها من جياد طائفة الجند.

و يتعين على الأمير آخور أن يقيم للباشا سماطا عظيما، و أن يهدى إليه ثلاثة أكياس و ثلاثة من الطواشية و ثلاثة جياد أحدها ذا سرج مرصع بالجواهر، فيخلع الباشا عليه خلعة من فرو السمور. كما يقدم الأمير آخور جوادا إلى كل من كتخدا الباشا و الخزينة دار و يوزع الهدايا كذلك على سائر رجال الباشا. و لأن عوائد و ضرائب أمير آخور القاهرة و الكتخدا معا ينص القانون على تعيين «أمير أمراء» الشام من بين أمراء آخور القاهرة.

و يتحصل لأمير آخور مائتا كيس من بيع العشب بالإضافة إلى دخل آخر من مصادر أخرى يقدر بمائتى كيس كذلك.

و يهدى الباشا ألفا من الجياد فى العام يلزم بأن يمنح الأمير آخور قماشا من صوف على كل جواد من هذه الجياد الألفين.

و قياسا على ذلك فإنه بقدر ما تكون الأموال المتحصلة لأمير آخور و بقدر ما يكون شخصا ذا وقار فإنه يتقاسم الربح مع الكتخدا.

21

متنزه قصر أبى العين الظاهر بيبرس‏

تكية بكتاشية على ضفة النيل و هى متنزه طيب النسيم و قد سبق أن وصفناها ضمن وصفنا للتكايا إلا أنه عندما شيد إبراهيم باشا قصرا شامخا فى أحد أركان هذه الحديقة أرخت له بهذا البيت:

يا أوليا نظمت هذا التاريخ و قلت داعيا* * * ليبق هذا القصر عاليا

سنة 1082

و يتصل بهذا القصر قصر آخر شيده عبد الرحمن باشا و أرخ له زكى خليل أفندى فقال:

قال تاريخه زكى الداعى بالبركات‏* * * هذا القصر ما يسمى بقصر الجنات‏

سنة 1088

و قال آخر:

قال فى تاريخ هذا القصر العظيم‏* * * يا له من قصر فريد تنشرح له الصدور فى الصميم‏

سنة 1088

و على ضفة النيل أربعون موضعا لأشجار الجميز فى ظلالها مصاطب و كل منها موضع ظليل يشرح الصدور.

- متنزه طوب آتان (أى مطلق المدفع) و حديقة العجم، و حديقة الفرنجة، و حديقة رمضان بك فى طريق بولاق، و حديقة محمد چلبى صاحب العيار، و حديقة حسن بك.

و إضافة إلى تلك الحدائق سالفة الذكر هناك 170 حديقة أخرى مفتوحة للعوام و الخواص و كأن كلا منها حديقة إرم ذات العماد.

- متنزه «جميز العبد»:

على ضفتى الطرف الشمالى للخليج الذى يخترق مدينة القاهرة بقعة مكسوة بأشجار الجميز، يتسع ظل كل منها لألف كبش. و كل منها موضع ينشرح له الصدر و كل من‏

22

هذه الأشجار تمد أغصانها على النيل و ظلالها لا يجعل لقيظ الشمس أى تأثير و ظلال هذه الأشجار ملتقى لإخوان الصفاء و الأحبة ذوى الوفاء، يجتمعون فيه للراحة و الاستجمام.

- متنزه قصر السبتية ببولاق:

متنزه به كثير من القاعات و الظلات و الحجرات الخاصة بالباشاوات و بعض الأعيان و إذا ما قدم الباشاوات من الأستانة إلى القاهرة بحرا أو أقيم موكب أم القياس احتفالا بقطع النيل فإن هذه المواكب كانت تخرج من قصر السبتية هذا.

و فى أحد أطراف سقف هذا القصر تاريخ السلطان () (1) مشيده و هو:

(إنه من بناء المعز الكريم العالى السيد محمد البدرى بن أبى البقا ولد المعز المرحوم سيد يحيى الجيعانى سنة 687).

- حديقة رضوان بك:

تسمى بحديقة الرضوانية و هى حديقة كجنة رضوان، و ليس لها من نظير فى مصر.

متنزه التورنجية:

يقع هذا المتنزه خارج قنطرة الليمون على ضفة خليج الشيخ البكرى.

- متنزه الطوبخانه:

إنها زاوية لا وجود لمثلها فى القاهرة و لا فى المدائن بناها وزير السلطان قايتباى عند خروج سيده إلى الحج و عودته. و لهذه الزاوية قبة منقوشة تناطح الجوزاء و ترتفع عن الأرض بمقدار اثنتى عشرة درجة من الحجر و أبواب هذه القبة و جدرانها من الرخام الطبيعى و الأحجار الصماقية الملونة و أحجار اليشم و الحرقانى و اليرقانى و أحجار أخرى.

و كأنها الأحجار التى فى قبة الصخرة بالقدس.

و الخط الكوفى الذى بداخلها و أعمال النحت و الزخرفة الرائعة على الرخام و التى لا يخلو منها موضع فى القبة يعجز عنها مانى و حسان و بهزاد و ارزنك.

و من الحق قولنا إن ثمة أساتذة عظام عاشوا فيما مضى من الأيام الخوالى.

____________

(1) بياض فى الأصل.

23

و على يسرة هذه القبة العالية مرعى و كأنه الجنة و على يمنتها قاعات و دور للضيافة.

توزع الأطعمة على الغادى و الرائح.

جملة القول أنها موضع نزه تنشرح له الصدور.

- متنزه البشبكية:

إنها ساحة للفروسية و الرماية بالسهام، و فيها عدة قاعات و مطابخ و أحواض.

و فى الجانب الجنوبى منها فى الجبال على بعد ساعة.

- مصاد عين موسى:

إنها العين الواقعة فى جبل بجاميم و التى كانت موضع عبادة موسى- (عليه السلام)- إلا أن ماءها أميل إلى الملوحة و ليس ماء عذبا كماء النيل. و يزور البدو هذا الموضع قاطبة. كما يأتى إليه بعض جند مصر بأسلحتهم و خيولهم لصيد الغزلان و اللصوص من البدو.

- متنزه عين شمس:

ذكر آنفا و كان يتصل بمدينة عين شمس مدينة تسمى «الفرما» و كان لها قلاعا مبنية باللبن من ثلاثة طوابق، تمتد إلى البئر التى حفرها المسيح- (عليه السلام)- فى المطرية.

و لقد تخربت هذه المدينة بأكملها و لم يبق منها إلا مسلة من الحجر.

و عن سبب خراب هذه المدينة يحدثنا مؤرخو العرب فيقولون: إنه عندما قدم سيدنا يعقوب- (عليه السلام)- للقاء ابنه يوسف الصديق نزل ضيفا فى عين شمس و مدينة الفرما على سبعين من أشرافها الأثرياء لم يكرم و فادته أحد منهم، لذا دعا يعقوب الله على هذه المدينة فلحق بها الخراب.

و فى النهاية التقى سيدنا يعقوب بيوسف الصديق فى مدينة الفيوم بعد فراق دام ستة عشر عاما فارتد إليه بصره. و أوصى يوسف أن ينقل جثمانه بعد وفاته ليدفن فى جبل حبرون بجبل الخليل.

- متنزه قصر الغورية:

شيده السلطان الغورى و هو يبعد عن النيل. و وقت الفيضان يصبح هذا القصر وسط الماء. و أسفل هذا القصر قاعة عظيمة و فيه عدة غرف و لكن ليست له آثار أخرى.

24

و لكن على مقربة من هذا القصر حدائق كحدائق الجنة بها قبة عالية ذات زخارف مثل قبة الطوبخانه إلا أنها لجامع، إلا أنها تشبه قبة الطوبخانة تمام الشبه.

- متنزه و مزار «بئر المطرية»:

إنه مكان تعبد المسيح- (عليه السلام)- فى حدائق فى الجانب الشمالى من القاهرة على بعد ساعتين منها. و عند ما كانت مصر فى حوزة اليونان كان فى هذه البقعة الكثير من الأبنية العظيمة. و لم يبق منها الآن إلا قاعة و زاوية. و فيها حوض من نزل فيه و كان به علة تم له الشفاء منها.

و جاء فى التواريخ و تواريخ اليونان أنه عندما هاجرت السيدة مريم مع ابنها المسيح عيسى من مدينة نابلس هبطت هذا المكان فطاب لها مستقرا و مقاما.

و يزعم النصارى أن المسيح عيسى و أمه السيدة مريم هما اللذان حفرا هذه البئر ليغتسلا و أنهما أقاما هذا الحوض. و هذا القول صحيح لا يتجافى عن الصواب، إذ إن جميع آبار القاهرة ماؤها أميل إلى الملوحة إلا أن ماء هذه البئر عذب بفضل معجزة المسيح- (عليه السلام)-.

و تسحب الثيران الماء العذب من هذ البئر بالدواليب لرى الحدائق المحيطة به من كل جانب. و كانت أشجار البلسم و البلسان‏ (1) تملأ هذه الحدائق و كانت هذه الأشجار من غرس يد المسيح- (عليه السلام)-، و لم يكن لها من وجود فى بلد آخر. و كانت يستخرج منها الزيوت و يحتفظ بها الملوك فى خزائنهم تبركا.

و إذا ما تسمم أحد و تناول من هذا الزيت مقدار قيراط نجى من الموت. و إذا لدغت أحد عقرب أو أفعى أو حية و دهن موضع اللدغ بزيت البلسان هذا أو لعقه نجى كذلك من الموت المحقق. و إذا دهن بهذا الزيت موضع ألم سكن هذا الألم.

____________

(1) البلسم: جنس شجر من القرنيات الفراشية، يسيل من فروعها و سوقها إذا جرحت عصارة راتنجيّة، تستعمل فى الطب.

و البلسان: شجر له زهر أبيض صغير كهيئة العناقيد يستخرج من بعض أنواعه عطر.

25

و هذا الزيت معروف لدى النصارى فى القرى، و إذا لم يتناول منه النصرانى أو لم يدهن به جسمه لا يعد نصرانيا حقا. و يأتى النصارى من كل فج عميق إلى المطرية لزيارة هذه البئر و الاغتسال فى حوضها، و هم يقطفون أوراق شجرة مريم و يقدمها البعض إلى البعض هدية فى مختلف الولايات، كما يحتفظون بهذه الأوراق بين صفحات الكتب.

إلا أنى لم أشاهد بها أشجار البلسم و البلسان تلك فسألت سدنتها فأجابونى بقولهم إنها جفت و تيبست منذ أن دخلت مصر فى حوزة العثمانيين.

و لكن أشجار البلسان منتشرة على طرق الكعبة الآن و يستخرج منها الأهالى زيوتها و يبيعونها فى جرار للحجيج.

- فوائد ماء بئر المطرية:

عند ما يفيض النيل و تجرى مياهه خضراء اللون، ثم يحمر ماؤه عندئذ يمتنع الباشاوات و الذواقة عن شرب ماء النيل. و سبب ذلك أن الماء الأخضر الذى ركد فى الترع و الخلجان منذ العام الماضى يظهر فيه السم الزعاف و عندما يأتى فيضان النيل يدفع هذه المياه من الخلجان فتمر من القاهرة.

و التى إذا ما شرب أحد منها ابتلى بالمرض، لذا يمتنع الباشاوات و الأعيان من شرب ماء النيل هذا طيلة شهر، و يشربون من بئر المطرية ذات الماء الزلال. إنها بقعة طيبة النسيم.

- متنزه البئر المعظمة:

حفرها موسى- (عليه السلام)-، و إن كان بعض الأطباء يصفون ماء بئر المطرية بعذوبته و فوائده إلا أننى لم أشرب منها.

- متنزه بركة الحج:

بقعة يقيم فيها حجيج مصر ثلاثة أيام و ثلاث ليال عند خروجهم للحج يتزودون منها بمئات الآلاف من القرب المملوءة بمياه النيل. إنها خيرات عظيمة عجيبة، فقد شقوا بركة الحج هذه من النيل فكأنها بحيرة عظيمة. و هى تبعد عن القاهرة بمقدار أربع ساعات.

و بعض وزراء مصر و أعيانها يسافرون عبر هذا الطريق و منه يعودون إليها.

26

- متنزه قلعة سبيل علام:

يتناوب عليها أحد أمراء مصر فى خمسمائة من جنوده مرة فى الشهر لحراسة المترددين عليها. إنها مصاد و ميدان للرماية و ميدان للتحطيب، أما للبدو فهى مكان للسطو على الناس. و قد جردوا من يسمى «پير يار ولى» من ملابسه و جعلوه مثل بهلوان تكية (كولشنجيلر) أى تكية المضحكين.

إلا أنه سهل طيب النسيم و شهرته فى القاهرة باسم «سهل سبيل علام»،

فبينما كان السلطان سليم فى طريقه إلى القاهرة دارت رحى الحرب السادسة بينه و بين السلطان طومانباى فى سهل سبيل علام هذا. و قد استشهد فى هذه المعركة سنان باشا الطواشى الصدر الأعظم، كما استشهد سبعة آلاف من جند العثمانيين و ثلاثة و عشرون ألفا من جند المصريين.

و الآن ما يسمونه مقابر الشهداء فى سبيل علام مزار يزوره عوام الناس و خواصهم و ثمة غرف و قاعات عدة و سواق فى قلعة سبيل علام يسكنها من يتولى الحراسة عليها من أمراء الجند. و فى جانبها الشمالى حدائق و مروج. و بها كذلك جامع ذو قبة و منارة تركية الطراز و سبيل و مصاطب. و الجامع بنى بتمامه من الحجر و يصعد إليه بسلم من ست درجات.

و على يسرة محاربه تاريخ مكتوب بخط جلى هو:

أقام هذا الجامع الشريف‏

و هو مثل كتاب كارنامى كله حسنات‏

مير أكرم حسن بك‏

رفعه الله رافع الدرجات‏

و هذا التاريخ لهذا الجامع المنور

جامع الحسنات باهر النور

سنة 1063

إنه جامع مزين يشتمل على ستة أعمدة و لكن لا حرم له.

27

- متنزه العادلية:

واد يقع بين القاهرة و سبيل علام، يبعد ساعتين عن القاهرة، كان فى الزمان الخالى مستقرا لقبائل «العادلية»، أقام به طومانباى جوسقا كان يعقد فيه الديوان لإقامة العدل و الميزان بين الناس، لذا سمى هذا الوادى ب «العادلية».

إنها بقعة طيبة النسيم تنشرح بها الصدور. إذا ما زارها عليل وجد الشفاء.

سبق الحديث فى عدة مواضع عن المعارك التى دارت رحاها بين السلطان طومانباى و السلطان سليم و التى على أثرها قبض سليم على طومانباى و صلبه على باب زويلة فوضع بذلك حدا للفتن و الاضطرابات فى مصر. ثم أنزل سليم طومانباى من المشنقة و صلى عليه صلاة الجنازة و أمر بدفنه فى ضريحه بالعادلية.

و لما كان طومانباى سلطانا من أهل التقوى و الصلاح، حافظا لكلام الله لم يصادر السلطان سليم أوقافه بل زين ضريحه بالأنوار و كان يزوره فى كل مرة يأتى فيها إلى العادلية.

و طومانباى مدفون فى تابوت من الرخام تحت قبة عالية ترتفع إلى عنان السماء و على الجوانب الأربعة لتابوته الرخامى نقشت آية الكرسى و تاريخ هو:

(تحريرا فى سنة ستة و تسعمائة).

و بوفاة طومانباى دالت دولة الشراكسة. و لقد كان سلطانا صاحب خيرات له الكثير من المؤسسات الخيرية، فالخان و الزاوية و التكية و المبرة و السبيلان و الساقية و المطبخ و الغرف و القاعات المتعددة الخاصة بالباشاوات و القصور و الأبهاء التى تشبه القلاع و ما حولها من دور للضيافة كلها من خيراته رحمة الله عليه.

و هناك العديد من المتنزهات فى مختلف أنحاء القاهرة، إلا أن ما ذكرته هو ما زرته و شاهدته بعينى، لا ما سمعت عنه و اجترأت على وصفه و الله المستعان. إلا أن ألطف و أجمل هذه المتنزهات كان تكية «أثر قدم النبى».

28

الفصل الخامس و الخمسون فى أغرب غرائب مصر و طلاسمها و عجائبها و حرف أهلها

سوف أتحدث عن لون بشرة شعب مصر، أم الدنيا، و حرفه بقدر وقوفى على حقيقة أمرها.

و مصر التى تحدثت عنها آنفا على وجه التفصيل هى «مصر القديمة» أى مدينة «الفسطاط» التى كانت عامرة فى الزمان الخالى. و مصر الحديثة ليست أحد أحيائها.

فقد أرخ علماء العالم بقولهم: إن حدود مصر تمتد من رشيد و دمياط و الإسكندرية إلى إبريم و قلعة الصاى فى مسافة غاية فى عمرانها تقطع فى ثلاثة أشهر على ضفاف النيل حتى إن الرسائل كانت تسلم من يد إلى يد فتصل من رشيد إلى أسوان و أسنا و المنيا و الصعيد العالى. فكانت مصر العتيقة مدينة مستبحرة العمران تتقارب قصورها العالية على ضفتى النيل بحيث يستطيع الديك أن ينتقل من سقف إلى سقف و يصل من مدينة بولاق و مصر العتيقة إلى مدينة «مقدونية» و هى موضع أثر قدم النبى (صلى الله عليه و سلم).

و كان أحد فروع نهر النيل يمتد من شمال مدينة القاهرة إلى عين شمس بمسيرة ست ساعات مستبحرة العمران على ضفتى النيل، كما أن أحد فروعه كان يبلغ مرحلتين من القاهرة حتى الفيوم و ما بين ذلك حدائق و بساتين و لا يخلو موضع فيها من زرع. و هذا مما يجعله فى النظر أحسن و أجود الأقاليم، كما أنه أكثر الأقاليم خيرات و أكثرها قرى.

و فى جوف هذه الأراضى من أرض مصر كنوز عظيمة و دفائن جسيمة. يقول مؤرخ العالم الشيخ المقريزى: إنه لا يخلو ذراع من أرض مصر من كنز قديم.

و فى أيامنا تلك يعثر على أكثر من كنزين فى كل عام. و هذا ما يبين إلى أى حد بعيد كانت ضفة النيل معمورة.

و قد نزلت فى شأن مصر آيات قرآنية على الرسول (صلى الله عليه و سلم)، يقول عز من قائل: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (25) وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ (26) [الدخان: 25- 26]، و قد فسر المفسرون هذه الآية بقولهم أن المقصود منها أرض مصر و نهر النيل.

29

و قد دعا موسى- (عليه السلام)- على مصر و شعبها بسبب ظلم فرعون و سوء ما صنع فتبدلت من عمرانها بخراب و من بساتينها بتراب. و فى ذلك يقول عز من قائل:

وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏ (137) [الأعراف: 137].

و علاوة على خراب مصر بعد عهد فرعون يقول الحكماء: إن مصر و إن كانت قد تخريب سبع مرات فلا شك فى أنها عمرت كذلك سبع مرات.

أما محيى الدين بن عربى فيقول فى كتابه «الفتوحات المكية»:

«إن مصر بعد عام 1100 سوف تعمر إلى حد أن ذراعا من أرضها فى منطقة صحراوية أو منطقة تعلوها القمامة سوف يباع بألف دينار من ذهب، و سيأتى إليها «ابن كعب» من سلاطين آل عثمان فتطيب له مستقرا و مقاما و يتخذها حاضرة لملكه، و سيدور الفلك بما يحدث بها من أثر فيشيد شعبها المدن فى الصحراء حتى حدود مكة و المدينة و يجعلونها مروجا و حدائقا، و سيظهر بها أنهار كأن مياهها ماء الحياة فتصبح كل أكنافها رياضا و غابات و تظهر فيها الضوارى. و سيجرى بحر السويس من مدينة (بلبيس) و يصب فى البحر الأبيض، و سيفتح طريق بين غزة و قبرص تسير فيه القوافل، و سيجرى بعض الملوك ذوى الهمم ماء النيل إلى جبل الجوشى فى مصر، و سيتفجر الماء الحار فى ثلاث آبار فى القاهرة».

هذا ما ذكره ابن عربى فى كتابه «اللهم يسر يا ميسر».

- عجيبة:

و الواقع أن ذوى السن من أهل القاهرة يقولون: إننا منذ سبعين عاما لم نكن نعرف فى مصر الحدائق و لم نشاهد إلا حديقة قايتباى فى «قره ميدان» و أشجار النبق و الجميز هنا و هناك خارج القاهرة. و لم نعرف غيرهما فاكهة، و الآن ينمو فى مصر عشرون نوعا منها و يهطل المطر فى العام و كأن قطراته الجوز و قد لا يهطل قط.

و لم نعرف فى مصر أحد يلبس الفرو فكان لبسه عيبا إلا للبكوات. و لم يكن يحل موسم الشتاء. أما الآن فيشتد برد الشتاء و يغزر المطر فصرنا نرتدى الفرو ليقينا شدة البرد.

30

و فى عهد كتخدا إبراهيم باشا اتفق أن نزل الثلج فى الصباح على مجرى العادة فجعل الأرض بيضاء و فى تلك الأوقات كذلك كان البرد ينزل و كانت الحبة منه تزن أكثر من ثلاثين درهما و عندما كان أبناء العرب يرون الثلج يسأل بعضهم البعض قائلا: إش هذا؟

و كان بعضهم يقول: «إن القطن نزل من السماء»، أما الترك فكانوا يحمدون الله و يأكلونه. و عندما كان العرب يمسكون الثلج بأيديهم كان يحرقها كأنه النار فكانوا يقولون: «هذا مثل القطن و لكن ناره قوية».

و عندما كانوا يشاهدون البرد يقولون: «وقع من السماء بيض الدجاج».

و حمدا لله فقد اعتدل جو مصر يوما بعد يوم و مضت شدة الحر و هطل غيث الرحمة مما غمر مصر بالخير فما وجد مثلها على وجه الأرض. و أصبحت «أم الدنيا» كأنها العروس فى زينتها، و بدأ المفتونون بها الاحتيال لصيدها.

أصل تسمية مصر «بأم الدنيا»

تضم مصر ما فى أنحاء الدنيا من جميع المخلوقات و الملل الاثنتين و السبعين، و اللغات المائة و الأربعين، و الله يبسط الرزق لهذا القدر من المخلوقات كرامة لمصر و لذلك تسمى بأم الدنيا.

و إذا ما ذهبت إلى أى مدينة فى مصر و نظرت فيها نظرة تأمل فلن تجد أحدا يتجاوز الآخر من شدة الزحام، و فى الطريق العام لا يمكن أن تسمع إلا عبارات مثل: «ظهرك و جنبك، و وشّك و يمينك، و يسارك» و لا يمكنك المرور بسهولة من داخل الأسواق من شدة ازدحامها بالخيول و البغال و الجمال و الحمير و السائقين.

و أهل مصر جميعا من الفلاحين الكادحين، لذا يعلمون مثل «فرهاد» مما يعود بالنفع على مصر. و يسمونها أم الدنيا لأنها تطعم هذه الدواب و المخلوقات كافة و تطعم الدنيا بأسرها و كأنها أمها و تصدر كل سلعها إلى جميع أرجاء الدنيا.

و إذا ما قحطت الدنيا بأسرها و العياذ بالله فإن مصر تطعمها كأنها أم.

31

أما إذا قحطت مصر- حفظها الله- فإن جميع بلدان الدنيا تعجز عن إطعامها، ففى مصر أكثر مما فى الدنيا بأسرها من دواب و مخلوقات، كما أن أهلها كذلك لا يقعون تحت حصر. و من ظلم و عسف جندها أصبح أهلها كقوم فرعون، و لأنهم بالغوا فى إظهار اسم «يا قهار» فقد حقر أهلها و ذلوا و استحوذ جند السلطان على كل خيراتها و بقى الفلاح ذليلا.

و فى شأن مصر و شعبها قال «كعب الأحبار»- رضى الله عنه- مصراعا على لسان مصر هو: «خلق اللّه الغنى بمصر فقال الذل أنا معك».

و الواقع أن الضعاف و الفقراء و الأذلاء من أهل مصر كثرة كاثرة، حتى إنه فى عام () (1) على عهد عبد الرحمن باشا على الرغم من كثرة الغلال لسوء تصرف الحكومة احتكرها الأغنياء فقحطت مصر قحطا عظيما لدرجة أن بعض الفقراء أكلوا الميتة، و البعض كان له قميص واحد يشترك فى لبسه مع زوجته، فكانت تلبسه نهارا و يلبسه هو ليلا.

و كانوا يعيشون على عشرين حبة من الفول فى اليوم. إلى هذا الحد كان الفقر و كانت كثرة الفقراء. لأنه عندما تحصل الخزائن من الرعايا و البرايا و هى إحدى و ثمانون خزانة كان مئات الآلاف من الناس يفلسون و يخلو وفاضهم. و هذه الخزائن المذكورة كانت تحصل بعد خمسة و سبعين يوما من الحصاد. و باستثناء الماغر و الأوز و الحطب كانت ضريبة الجمرك تحصل على كل ما يطير فى السماء و ما يدب على الأرض و ما يسبح فى الماء و كل الأشياء «مقاطعة» حتى إن الفقراء المعدمين ممن هم فى أمس الحاجة إلى الفلس الأحمر يؤدون الضرائب للحكومة و هم مقاطعة.

- عجيبة أخرى:

و من عجب أن بعض الفلاحين كانوا يسوقون أسرابا من الأوز فى شوارع القاهرة لبيعها و فى هذا الزحام كان الناس يدهمون بأقدامهم أسراب الأوز هذه فيجعلونها و كأنها رمال، و لكن لم تكن تفرض عليها ضريبة، و ما عدا ذلك كانت تفرض عليه الضرائب و العشر السلطانى.

____________

(1) بياض فى الأصل.

32

- إحدى العجائب المضحكة ممن تحصل منهم الضرائب:

و كثير من الفلاحين يقيمون لهم أكواخا على ضفة الخلجان و يسكنونها، و إذا ما أراد أحد أن يشترى أوزة أو بطة كان يمضى إلى سكان هذه الأكواخ و إذا ما قالوا لأحدهم يا حاج أعطنا أوزة أو بطة. كان العربى يلبس القرعة التى بجانبه على رأسه و يمسك فى يده أربعين باعا من خيط الكتان و يقفز فى الماء و يبقى من يطلب البطة على الشاطئ و يسبح العربى فى الماء و يقترب من الأوز و البط و يندس بينهم و يربط أقدامهم بالخيط الكتانى الذى فى يده فلا تشعر به هذه الطيور لأن ما يطفو بجانبها قرعة و العربى يراقب الطيور من ثقب القرعة و يقيد أرجلها ثم يخرج إلى الشاطئ و يسلم طرف الخيط إلى من يطلب الأوزة فيقبض هذا الشخص على الخيط بيده و لا يجعله ينفلت منه و يجذبه رويدا رويدا حتى تقترب الطيور من الشاطئ، و عندئذ تدرك الطيور المسكينة ما وقع لها، فترفرف بأجنحتها. و تأخذ منها ما تريد من الطيور السمينة و تدفع پاره واحدة ثمنا لكل أوزة منها و تطلق النحيل منها.

و هذا العربى المذكور يلتزم بهذه الطيور و يؤدى ما عليه من ضرائب، و إذا ما صاد هذه الطيور غيره غرم. و كل ما يهرب من هذه الطيور المطلوقة يعود حتما إلى هؤلاء الفلاحين و كأنهم سحروا من قبل هؤلاء الفلاحين. و كم لهم من حيل و ألاعيب شيطانية.

- من عجائب الغرائب:

و عجيبة أخرى من عجائب الزمان هى أنهم يدفنون عشرة آلاف بيضة فى روث الخيل و بعد عشرين يوما يخرج منها عشرة آلاف فرخ تبدأ فى السير فيحار لذلك عقل الإنسان و هذا أمر غريب عجيب. إلا أن هذا العمل لا يقتدر على القيام به كل أحد، فهناك قرية تسمى «برمة» و هى إحدى قرى سليمان بك أحد قادة الجند فى مصر فى قضاء «أبيار» بها من توارثوا هذه الحرفة أبا عن جد و تفريخ الأفراخ فى روث الخيل عمل اختصوا به دون غيرهم.

33

و من يريد أن يفرخ الأفراخ بهذه الطريقة اصطحب منهم رجلا يذهب معه حيثما أراد و هناك يشرع فى بناء فرن خاص بتفريح البيض، و هذا الفرن فرن كبير يشبه فرن الخبز، تعلوه قبة و أسفله فراغ، و داخله مقسم إلى خانات، تفرش الواحدة منها بطبقة من الروث الناعم غير المحترق بسمك إصبعين ثم يضع فى كل خانة خمسين بيضة و ينظر فى كل بيضة خلال نور الشمس، فإن كانت البيضة طازجة وضعها فى الفرن، أما إذا كانت فاسدة استبعدها، إذ إنها تنفجر من حرارة الروث و تفسد بقية البيض فلا تخرج منه أفراخ. لذا يضع البيض الطازج و هو يعرف أى بيضة تفرخ ديكا و أيها تفرخ دجاجة، ثم يغطى هذا البيض كذلك بطبقة من الروث بسمك إصبعين و يضرم تحته نارا هادئة خفيفة تكفى لحرق الروث و لا تحرق الحطب و تدوم الحال على ذلك ثلاثة أيام و فى اليوم الرابع يتجرد الرجل من ثيابه و يدخل الفرن و هو يقوق كالدجاجة و يقلب البيض بأكمله و فى يده قفاز من ريش الدجاج و به يقلب الخمسين بيضة التى فى كل خانة و يضع بينهما ريش الدجاج و يحرق أنواعا من البخور يبخر بها البيض، ثم يخرج و يغلق فوهة الفرن.

و لم يطلع أحد على هذا العمل، إلا أننى بقيت فى هذه البلدة اثنين و عشرين يوما و اطلعت على ذلك بعينى رأسى. و فى خلال العشرين يوما دخل الرجل القائم بتفريخ البيض الفرن ثلاث مرات و قلب جميع البيض.

و قبل أن تتم الأيام العشرون بدأت الأفراخ فى الخروج من البيض كأنها الجند و أخذت تنبش الروث الموجود داخل الفرن و فى التو أخرجها الرجل من الفرن، إذ إن فى الروث بيض لم يفرخ بعد و لكيلا يفسدونه أخرج الأفراخ التى خرجت لتوها من البيض.

و تسير الدجاجات التى- احتضنت بيضها حتى أفرخ، و خرج منه صغارها- وراء الأفراخ التى خرجت من البيض بالطريقة المذكورة أعلاه.

و لحكمة لا يعلمها إلا الله فإن لحم هذا الدجاج الذى خرج من الروث ليس له من لذة الطعم ما للذة لحم الدجاج الذى حضن بيضة الدجاج. و هى ثقيلة اللحم و الشحم‏

34

و الحدأة عدو لدود للأفراخ و لهذا يقوم الصبيان على حراستها و إلا اختطفتها الحدأة جميعا فى يوم واحد. و ليس فى مصر طائر فى سمائها يؤذى إلا الحدأة.

- بيع الدجاج بالكيلة فى مصر:

و تعبأ هذه الأفراخ فى الكيلة و تباع الكيلة منها بخمس أو عشر پارات. و لله الحمد فقد شاهدت الدجاج و هو يباع و يشترى بالكيلة فى مصر. و الكثرة الكاثرة من الدجاج الذى يباع بالكلية حكومى، حيث يعهد (الكلارجى باشى) أى القائم على مخازن الطعام الخاصة بقصر الباشا- على أحد الأغوات بتفريخ عدة آلاف من الأفراخ و يذبح منها خمسمائة دجاجة يوميا فى مطبخ الباشا لتقديمها إلى أتباعه و حاشيته.

و من لا يرى هذا القدر من الأفراخ التى أفرخت لا يعرف إلى أى حد كانت براعة هؤلاء الفلاحين فى مصر، و هذا فى الواقع ما لا يدركه عقل. يا له من سر عجيب.

مما ينهض دليلا قاطعا على أن الله يخلق ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته.

- أمارة على إعجاز الخلق:

فى المنطقة المسماة «بسبيل علام» أنواع من الحجارة الملونة، و لحجر سبيل علام ذائع الشهرة فى مدينة القاهرة، و فى تلك الصحراء أنواع من أحجار الياقوت و الماس التى يصل ثمن الحجر منها مائة قرش و خمسمائة قرش. كما تكثر بها الأحجار التى تسمى بعين السمك و عين الهر و التى يباع الواحد منها بخمسة أو عشرة قروش.

و فى بعض الأوقات التى تشتد فيها الرياح فتتشتت الرمال فتتكشف عما لا يحصى كثرة من هذه الأحجار.

و يقوم الحكاكون بحك هذه الأحجار الخام و يصقلونها و يشكلونها فتباع بباهظ الأثمان بعد أن كانت بلا قيمة. و يعثر على أحجار أثمن من الماس و من ياقوت «بدخشان» (1).

و مؤرخو مصر و علماءها يزعمون أن «شداد بن عاد» بانى إرم ذات العماد هو مشيد سبيل علام، و هذا ما اجتمعت عليه كلمتهم.

و الواقع أنه فى سبيل علام هذه أسس لأبنية عظيمة هنا و هناك. و عند ما خلع إبراهيم‏

____________

(1) بدخشان: و يقال بذخشان الآن فى أفغانستان، و هى بلاد خصيبة مشهورة منذ القدم بأحجارها الكريمة لا سيما معدن الياقوت و اللازورد. انظر: بلدان الخلافة الشرقية تأليف لسترنج ص 480 و ما قبلها.

35

باشا مكث فى صحراء سبيل علام سبعة و سبعين يوما. و كان خدامه يجمعون الأحجار من سبيل علام لكى يلعبوا لعبة «المنقلة»، و كان بعضهم يقدم ما يعثر عليه من أحجار إلى الحكاكين ليصنعوا منها فصوصا لخواتمهم، حتى أصبح جميع الخدام- يلبسون الخاتم فى أصابعهم.

إلى هذا الحد كانت توجد أحجار كريمة ثمينة فى صحراء سبيل علام.

- تأثير أحد الأحجار العجيبة:

و فى سبيل علام هذه حجر ثمين أصفر اللون، يأتى أطباء الفرنجة على الدوام فى هذا القيظ للبحث عنه. و من خواص هذا الحجر أنه:

إذا أمسك أحد هذا الحجر بكلتا يديه شعر بالغثيان و قاء ما فى بطنه و طالما لم يطرح هذا الحجر من يديه لا ينقطع عنه الشعور بالغثيان. إلا أنه يخلصه من جميع ما فى جوفه من أخلاط مثل الصفراء و السوداء و لا يبقى فى معدته شى‏ء و بذلك تنظف.

- من خواص أحد هذه الأحجار:

ثمة حجر ملون مثل الخرز يوجد فى المناطق الفضاء من سبيل علام، و هذا الحجر إذا ما ربطته المرأة فى خصرها وقت الجماع لم تحمل من أى شخص، و لذا يكثر هذا الحجر لدى بغايا «باب اللوق» فى القاهرة. حتى إن والدتى حينما ولدتنى تمزق فرجها بسبب كبر رأسى و خروج هذا الرأس بصعوبة، لذا كانت تستعمل هذا الحجر الموجود فى سبيل علام خوفا من أن تحمل ثانية فكانت تعلقه فى خصرها أثناء الجماع مع والدى. و هذا الحجر غير المبارك كان لدى والدى.

- أرض مصر التى تثير العبرة

كان البدو فى مصر يأكلون الفئران و هذه حقيقة. و لكن أى نوع من الفئران كانوا يأكلون سنوضح:

فى مصر نوع من الفئران يسمى «فأرة الغيط». إنها مخلوق منظره يثير الضحك، تخرج هذه الفئران من جحورها عندما يغمر فيضان النيل أرض مصر كلها و عندئذ تخرج جميع النساء و الغلمان إلى الصحارى لصيد الفئران على الشواطئ التى غمرها ماء

36

الفيضان و يملئون بها الغرائر و يذبحونها فى منازلهم و يتناولون لحمها و يبيعون جلودها، و هى غاية فى سمنها. وذيلها قصير و نوع منها ذيله طويل، و شفتها العلوية مشقوقة مثل شفة الأرنب. إنها فأرة غبراء، زنة الواحدة منها مائة درهم، و منها ما يزن رطلا.

و هذا الحيوان يتكاثر فى الأرض بأمر الله و لا يربيه أحد. حتى إنه يكوم أرضه أكواما أكواما، فيعرف الصيادون من ذلك أن ثمة فأر بها فيحفرون جحره و يخرجون ما به من فئران و يأكلونها.

و لحكمة لا يعلمها إلا الله فإن بعض هذه الفئران فئران إلى وسطهم أما ما تحت وسطهم لا يفترق عن التراب، بل هو تراب مخلوط بالدم. و هناك فئران على هيئة تراب تنفخ فيها الروح فيما بعد و تصبح لحما، أما إذا أخرجت قبل ذلك من جحورها و تعرضت للهواء نفقت، إذ إنها لم تكتمل نموا.

سألت عنها العرب، فقالوا: إنها تتولد من الماء فى أربعين يوما.

و سألت قائلا: هل تتزاوج هذه الفئران؟ فقالوا: نعم إنها تتزاوج، إلا أنها لا تلد و ذلك بأمر الله.

ثم سألتهم عن نفعها، فقالوا: إن لحمها سريع الهضم و من أكله سمن، و هو جد مقو للباه.

و تلك حكمة عجيبة كذلك، بيد أن طائفة المعتزلة من ضعافى العقول ينكرون هذا من خلق الله، و لكنى رأيت ذلك بعينى رأسى و قد دفعت خمس پارات ثم عشر للعربان الّذين يخرجون هذه الفئران من جحورها، فرأيت أن نصفها ذو روح و النصف الآخر من تراب و بعضها مما نصفها دم و نصفها تراب ليس لها روح. و هذا من عجيب صنع الله. أ و ليس هذا عبرة لمن يعتبر من بنى الإنسان؟، و حسبنا قوله عز من قائل‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ... [المؤمنون: 14].

دليلا قاطعا على ذلك. و من لم يسلم بآراء و معتقدات المعتزلة و يقر آراء أهل الشريعة يقرأ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20].

و يقصر عن القول.

37

ذكر آصرة القربى بين الإنسان و النخل و شجر الجوز الهندى الأسود

فى كل عام فى قرى مصر يضعون سعفة من نخلة ذكر فى قلب النخلة الأنثى و ذلك لإتمام عملية التلقيح بين النخلتين. و فى هذا العام تثمر النخلة الأنثى أكثر من خمسة عشر عرجونا (1).

و إذا لم يصنعوا ذلك لا تثمر النخلة الأنثى.

و النخلة الأنثى تحيض مرة فى الشهر و هى كالإنسان لها قلب فإذا ما قطعته جفت، أما إذا قطعت سعفها نمى غيره و ازدادت النخلة طولا.

و يسمون قلب النخلة «قلب البلح» و هو شى‏ء لذيذ الطعم مقو للباه، و يستعمله الرجال فى مصر الذين عجزوا عن الباه، إنه فى لون الجبن و طعم اللبن، و توجد هذه المادة بين ألياف السعف فى رأس النخلة.

و يقولون إن ثمة قربى بين الإنسان و هذه النخلة، فعندما خلق البارى آدم (عليه السلام) من قبضة من تراب خلق مما تبقى من التراب النخل و شجر الجوز الأسود الهندى و شجر الوقواق، و ما تبقى من التراب خلق منه «يبروح الصنم» أى عبد السلام و هو عشب له شعر و لحية كالإنسان، و منه الذكر و الأنثى، فهو عشب له صفات بنى الإنسان. و يقولون إن هذا العشب خلق كذلك من التراب، «يفعل الله ما يشاء».

- أكلة الثعابين الحية:

و من عجب أن فى مصر قوما يأكلون الثعابين و هى حية، و إذا ما ظهر ثعبان فى منزل أحد جاءوا بأحد من أكلة الثعابين هؤلاء و نفخ فى مزماره، فتتجمع حوله جميع الثعابين فيصارعها و يقبض عليها كلها، و يضعها فى مخلاته و يمضى بها، و بذلك تكون النجاة من هذه الثعابين.

و يقترب هؤلاء من أحد الأشخاص و دون أن يدرى هذا الشخص يخرجون من جيبه و حصنه العقارب و الأفاعى و قد يخرجون من جنب أحد الأشخاص التفاح و الخوخ و العنب فى غير موسم هذه الفاكهة. و فى بعض الأحايين يخرجون من حضن بعض‏

____________

(1) العرجون: العذق. و هو من النخلة كالعنقود من العنب. و الجمع عراجين. المعجم الوجيز ص 412.

38

الناس نارا أو ماء، كما يطلبون على أحد أن يظهر لهم عمامته و عند ما يرفع هذا الشخص العمامة عن رأسه يتدفق الماء من عمامته أو يخرج منها عقرب أو أفعى، فيطرح الرجل عمامته أرضا و يولى مدبرا حاسر الرأس بلا عمامة.

و كان إبراهيم باشا (رحمه اللّه) تروق له مثل هذه الدعابات، إلا أنها فى الحقيقة مهارة تصل إلى درجة الإعجاز.

- جماع فلاحى مصر للتماسيح:

سلف الحديث عن جماع فلاحى مصر فى أسوان للتماسيح فى حديثنا عن المخلوقات التى تعيش فى النيل.

- شجرة الجميز العجيبة:

شجرة الجميز فى مصر شجرة ضخمة لا وجود لشجرة أضخم منها و هى تشبه شجرة «الدلب» فى بلاد الترك. و تمتاز شجرة الجميز بضخامتها و ظلها الظليل و نسيمه العليل.

و أثمارها و طلاسمها على النحو التالى:

إذا ما ظهرت هذه الشجرة فى بستان أحد، اتفق صاحب الحديقة هذا مع بعض الأشخاص و يحمل فأسا و يدخل حديقته و يستلق شجرة الجميز و يضربها مئات الضربات بفأسه و إذا ما تجرحت الشجرة يأتى الأشخاص الذين اتفق معهم، و يقولون له لماذا أقدمت على قطع شجرة حية غضة مثل هذه. فيقول الرجل: إنها ملكى و إن أقطعها و هى بداخل حديقتى و هى لا تؤتى أكلا و المرج لا ينبت فى ظلها و يجب علىّ أن أحرقها.

فيقول الرجال تحت الشجرة: أتقطع شجرة فى هذا الجمال، ما أجمل غصونها و أوراقها، و يبسطون إليه الرجاء ألا يقطعها حتى تؤتى ثمارها و عندئذ يجرى ما يشبه الدم من الثقوب التى أوجدها الرجل فيها بفأسه، فيكرر الرجال الرجاء إليه و يقسمون له أنهم يضمنون أن تثمر هذه الشجرة سبع مرات فى العام و يأخذون الفأس من يده و يطرحونه جانبا و يحيطون جميعا بالشجرة و يحتضنوها و يحضر أناس آخرون ليشهدوا على ذلك. و من بعد تخرج هذه الشجرة الثمار من تلك الثقوب التى أحدثها الفأس فيها سبع مرات أو أكثر فى العام.

39

و ثمار الجميز تشبه التين، و لكنها تختلف عنه بعدم وجود جلد داخلها فداخلها فارغ، و تزن الثمرة منه عشرين أو ثلاثين درهما. إنه فاكهة لذيذة الطعم، سهلة الهضم، و منها الأحمر و الأصفر و الأبيض.

و من عجب أن أغلب الثمار تنمو على غصون رقاق، و لكن ثمار الجميز تنمو فى جذع فى غلظ ثلاثة رجال ضخام. و الجميز يثمر بهذه الطريقة بحيث لا يخلو موضع فى جذعه من الثمار. إنها شجرة موفورة المحصول.

- فوائد ثمار الجميز:

و فى الطب يعد الجميز ذو طبيعة معتدلة، فإذا ما تناولت ثلاث ثمرات من ثماره و شربت عليها الماء قوى نظرك. و إذا ما أصيب أحد بالإسهال و عصر أوراقه الخضر و شرب عصيرها، زال عنه الإسهال، و كم لقشور جذعها الخضر من خواص، و الأطباء يعرفون من خواصه الطبيعية أكثر مما ذكرنا.

إنها شجرة تستحق المشاهدة.

خاصية أرض مصر

فى مصر يدفنون قرن الماعز فى الأرض و يروونه و بعد عدة أيام تنبت منها غصون خضر.

صناعة النشادر

تصنع النّشادر فى مصر من فضلات الإنسان، و له مصانع عجيبة سبق وصفها فيما تقدم.

عملية إنضاج العنب‏

عندما يكون العنب حصرما يشعل فلاحو مصر الكبريت و يبخرون به هذا الحصرم فينضج قبل أوانه بشهر. و هذه حيلة شيطانية عجيبة.

40

عملية إنضاج الشمام و البطيخ‏

يسمى الفلاحون زبل الحمام «برأس المال» و كانوا يضعونه فى جذور البطيخ و الشمام فتنضج قبل الأوان بشهر و تمتل‏ء ماء.

- ميزات أحد الحيوانات العجيبة-

ثمة حيوان صغير يشبه ابن عرس يعيش فى مناطق زراعة قصب السكر فى مصر، منظره يبعث على الضحك. حتى إنه يربى فى بعض المنازل، و هو حيوان أليف يكثر فى حدائق الفيوم. و المكان الذى يعيش فيه هذا الحيوان لا تقربه الأفعى و لا الحية و تهرب من رائحته. فهذه الرائحة التى تصدر عن هذا الحيوان تهلك الأفاعى، إلا أنها تفيد الإنسان. يا لها من حكمة عجيبة.

ذكر معدن الذهب‏

على بعد ساعتين من القاهرة و فى الجهة القبلية لها خلف جبل الجيوشى تقع جبال عين موسى و التى تسمى «بجبل بجاميم»، و بها تكوينات جيرية حمراء اللون و إذا ما أحرق هذا الخام استخرج منه الذهب. إلا أنه لندرة الحطب فإن نفقات عملية استخراج الذهب تكون باهظة فلا يتحصل للقائمين بهذا العمل أى ربح.

و فى خلافة الحاكم بأمر الله استخرج الذهب طيلة سبع سنين، ثم سدت هذه المناجم و آثارها لا زالت موجودة إلى يومنا هذا.

و توجد مناجم الفضة فى جبل جالوت غرب القاهرة، و توجد كذلك مناجم للذهب فى شرق مصر فى جبل المقطم المعروف بجبل الجوشى. و توجد مناجم «الزمرد» فى ولاية الصعيد، و يوجد معدن النطرون فى أرض البحيرة، و يوجد ملح البارود فى كل قراها، كما يستخرج الملح من جميع بحيراتها.

مدينة عين شمس‏

كانت مدينة عظيمة فى شمال القاهرة بالقرب من المطرية، تبعد ساعتين عن القاهرة و هى الآن منطقة خربة، و كانت هذه المدينة حاضرة البلاد فى الزمان الخالى و لا تزال بعض آثار أبنيتها العظيمة ماثلة للعيان إلى يومنا هذا. و فيها «مسلة» سامقة كالتى فى «آت ميدانى» أى ميدان الفروسية فى اسطنبول. يبلغ طول هذه المسلة مائة ذراع، و على‏

41

جوانبها الأربعة نقوش باللغة القبطية، و فى ذروتها صورة فارس يمتطى جوادا و على رأسه العمامة المجوزة و فى ذلك إشارة إلى مقدم السلطان سليم إلى مصر.

و على الجوانب الأربعة لهذه المسلة نقوش و زخارف كنظيرتها الموجودة فى ميدان الفروسية باسطنبول.

و فى مدينة عين شمس هذه كثير من الطلاسم المعقدة و التى لا وجود لها فى أى بلد آخر، و لم تفك رموز هذه الطلاسم إلى يومنا هذا، و كل من بذلوا الجهد الجهيد لفك رموزها و الوقوف على أسرارها دفنوا فيها.

و فى مجمل حديث مؤرخى مصر عن مدينة عين شمس امتدحوا قصرا كان بها فقالوا:

إن لهذا القصر مائة و ثمانون نافذة و كانت الشمس إذا ما دخلته من إحدى نوافذه تجعل داخله منيرا و لذلك سموه «قصر عين شمس».

و فى رواية أخرى أن ثمة ملكة كانت تسمى «عين شمس» هى التى أقامت هذا القصر.

و على هذا القصر كانت تكمل الشمس مائة و ثمانين منزلا و عندما تأتى إلى منزلها الأول تعود. و آثار أبنية هذا القصر ظاهرة إلى الآن، و كان بها كذلك قلعة عظيمة لا تزال أسس جدرانها مائلة إلى يومنا هذا.

جبال الأهرام و هى من عجائب الغرائب‏

تقع جبال الأهرام فى قصبة الجيزة على بعد ساعتين من الساحل الغربى للنيل.

و هى ثلاثة جبال، لا وجود لبناء أقدم منها على وجه الأرض، و لا وجود لما هو أعلى منها فكأنها «جبال قاف».

إنها جبال غاية فى عظم أبنيتها، و كل هرم منها صنم، و يسمى الهرم الأول «جبل بلبهث»، و يسمى الأوسط «جبل مهلوية»، أما الأخير فيسمى «بجبل أبى الهول» و كم من آلاف الروايات و الأقوال وردت فى شأن هذه الجبال التى هى من صنع بنى الإنسان، فبعض المؤرخين يذهب إلى أن مشيدها هو «عاد بن شداد»، و البعض الآخر يذهب إلى أن الملك «سوريد» هو الذى أقامها بإيعاز من الكهنة لتكون مقبرة له. و بعد الانتهاء من‏

42

بناء هذه الأهرام الثلاثة ملأها بكنوزه و خرائنه، كما نقل إليها جميع كتب تعاليم سيدنا إدريس، و جميع الأسلحة و وكل بها إلى بعض من يصنعون الطلاسم، و غطاها بالحرير، كما شيد كذلك مدينة عظيمة على شاطئ النيل ليسكنها سدنة هذه الأهرام.

و فى فصل الربيع من كل عام يأتى الناس من كل فج عيمق و يطوفون حول الأهرام كطواف المسلمين حول الكعبة.

أما ابن جلال فيقول: إن هذه الأهرام كانت تسمى فى اللغة القبطية «برابى» لأن أول من بناها هو «برابى بن درمشيل بن مخويل بن خنوخ بن قاين» لذلك سميت باسمه.

و من الناس من يقول: إن ثمة ملكة كانت تسمى «دلوكه» كانت تحكم قبل فرعون و هى التى بنت الأهرام، و لأن هذه الملكة كانت من الفراعنة سميت هذه الأهرام «جبال فرعون»، و مع مرور الأزمان جاء ملوك من نسل هذه الملكة رمموا هذه الأهرام باعتبارها أبنية شيدتها جدتهم. و نفهم من ذلك أنه ربما تكون هذه الأهرام من بناء هذه الملكة المسماة «دلوكة».

و البعض يقول إنها من بناء «تدوره جادو» و دفن كهنة أشمون و أتريب و صاى مع تواريخهم داخل هذه الأهرام.

أما على ضوء ما ورد فى تاريخ «الشهابى» فإن أول من بنى هذه الأهرام هو الملك سوريد بن شهلوق بن شرباق بن توميدون بن تدرسان بن هوصال.

و ثمة باب مطل على الناحية الشمالية للهرم الواقع فى الجهة الشمالية و بداخل هذا الباب و على الأحجار فى الناحية اليمنى نقوش باللغة العبرية جاء فيها:

(أنا بانى الأهرام و قد أتممت بناءها فى ستة أعوام، أ يستطيع من يجيئون من بعدى هدمها فى ستمائة عام و الهدم أيسر من البناء. و قد غطيتها بالديباج، أ يستطيع الملوك من بعدى أن يكسوها بالحصير).

43

و عند ما هبط الخليفة المأمون مصر قادما من بغداد عقد عزمه على أن يكشف عن كنز الأهرام و بذل الهمة طيلة سبعة أشهر، فكوم حولها الحطب و أضرم فيه النار و سكب عليها الخل و ضربها بأحجار المنجنيق الضخمة فهدم قدر عشرين ذراعا منها فعثر على جرة مرصعة بالزمرد بها ألف دينار من ذهب، و كل دينار يزن أوقية، كما عثر على حجر يضم نقوشا جاء فيها:

«يا من تتوق نفسك إلى فتح هذا القبر للكشف عما به من دفائن، مهما بذلت من جهد جهيد و أنفقت من مالك الكثير لتحصل على المال الجزيل و مهما ازددت طمعا فسوف ترحل عن تلك الدنيا الفانية».

و حينما شاهد جند المأمون هذا الكلام (أصيبوا بخيبة الأمل)، إذ إنهم بعد أن كابدوا شتى صنوف العناء طيلة سبعة أشهر فى هذه الصحراء المترامية الأطراف و أنفقوا من المال ما أنفقوا لم يعثروا إلا على ألف دينار من ذهب.

سبق أن أشرنا إلى باب فى الناحية الشمالية بداخله حجر كتب عليه:

«أيستطيع ملوك الأجيال التى تأتى من بعدى أن يكسوا الأهرام بالحصير» فخالها المأمون رموزا و أمر بها فكسوا نصفها بالحصير المصرى و عندئذ عصفت ريح صرصر عاتية أذرت برجاله و حصيرهم فى الهواء، فوقع الجزع و الهلع فى القلوب.

و نزولا على سداد رأى «حسين بن سهيل» وزير المأمون نفضوا أيديهم من هذا العمل و مضوا إلى حال سبيلهم.

و إلى الآن تبدو المواضع التى انهدمت فى عهد الخليفة المأمون. و عندما شرع يوسف صلاح الدين يجدد بناء قلعة القاهرة نزع الأحجار من جبال الأهرام و شيد بها قلعة مصر الداخلية و القلعة القبلية. و جاء من الحجارة التى نزعها من جبال الأهرام و مواضع الحجارة التى انتزعها ظاهرة للعيان إلى يومنا هذا.

ذكرت أن بانى الأهرام هو الملك «سوريد» و هو القائل «لقد بنيت هذه الأهرام فى ستة أعوام فهل يستطيع من يجى‏ء بعدى من الملوك هدمها فى ستمائة عام» و إنى أفند زعمه فأقول إننى لو لغمت هذه الأهرام بمائة قنطار من البارود الأسود و ستة صناديق من‏

44

لغم قلعة قاندية فسوف تنسفها جميعا و تجعلها رأسا على عقب و فى تلك الساعة لن يبقى لها من قرار على وجه الأرض.

لكن فى الواقع إننى ما رأيت على وجه الأرض أبنية عظيمة مثلها، و لله الحمد إنه فى عهد إبراهيم باشا بينما كنا نرعى خيولنا بجوار الأهرام لبثنا أكثر من خمسة أيام للراحة و الاستحمام ثم مضينا إلى هناك عدة مرات للفرجة فبلغ منى العجب مبلغه و فى إحدى المرات اتفق أن كان معنا خمسة و أربعون رجلا من رجال الأمير أخور (أى بك الأصطبل) و بهلول أغا و غيرهم و أحضرنا معنا المشاعل و القناديل و قمنا بإزالة ما على الباب الشرقى للهرم الأكبر من رمال تراكمت و عندما دخلناه متعوذين باسم الله نظرت فى البوصلة و الساعة و مشينا فى داخله سبعة أقدام ناحية الجنوب فى ممر واسع يعلوه عقود حجرية ترتفع عشرين ذراعا و كان اتساع الممر عشرة أذرع.

و على جانبيه عدة كهوف و قاعات و قباب من الحجر مزدانة بنقوش ذهبية و كأنها خرجت لتوها من يد «بهزاد»، و كانت كل حجرة تغص بعظام و جماجم الآدميين و كل جمجمة منها تتسع لمائة كيلة من القمح، و كم كان هناك من جماجم مختلفة الأحجام بين كبيرة و صغيرة لا يعلم عددها إلى الله.

و ثمة عظمة رفيعة مكسوة بالجلد و هى بمقياس شبرى سبعون شبرا و غير ذلك عظام كثيرة و فى أحد هذه الكهوف العظيمة دفنت كثير من الجثث المحنطة و عدة مئات من الطيور المحنطة بطول سبعين قدما أو أكثر تنبعث منها رائحة كريهة قاتلة كرائحة زبل الغراب و جميعها معلقة من مناقيرها على الصخور. و اصطدمت قناديل بعض الرجال بها فاحترقت أجنحتها و ريشها فأصاب بعضها وجوهنا، و فى تلك اللحظة تقهقر بعض رفاقنا بقناديلهم خوفا من أن ينالهم أذى، و لكنى بقيت مع الخمسة و الثلاثين رجلا و سرنا ساعة بكاملها ناحية القبلى بالاستعانة بالبوصلة فوصلنا إلى قاعات- غاية فى الفخامة و الزخرف، و فى كل منها جثث محنطة لآدميين منها الراقد و منها الجالس و أطول هذه الجثث لأناس من رجال يوم القيامة و إلى جانب هذه الجثث حصير بال و ليف النخيل المغطى بالرمال و تقدمنا من ذلك الموضع ما يقرب من خمسين قدما فى‏

45

ارتفاع و انخفاض فوجدنا حوضا كبيرا ممتلئا بالماء الصافى و على الجوانب الأربعة لهذا الحوض جلست طيور مخيفة تخلع القلوب ببشاعتها تشبه العقبان و الأوز و عندما رأتنا بسطت أجنحتها فسمعنا ما يشبه الرعد و كأنما سالت أدمغتنا من آذاننا و عرت الخفافيش ملابسنا و قال حملة المشاعل: إن المشاعل على و شك الإنطفاء و جملة القول أننا عندما شاهدنا أجنحة العقبان خلعت قلوبنا من الهول و الفزع و ما استطعنا أن نحرك أقدامنا بخطوة و اتفقنا على العودة فهبت ريح عقيم من جانب هذه الطيور لها إيذاء ريح الشتاء قارصة البرد، و قلنا كيف يكون مصيرنا إذا ما انطفأت مصابيحنا و مشاعلنا، ولدى خروجنا إذا بنا نرى أن لكل خفاش من تلك الخفافيش فراشة فى حجم الحمامة كانت أجنحتها تصطدم بمشاعلنا و وجوهنا.

و على أية حال خرجنا ولدى عودتنا التقينا برفاقنا الذين فروا من قبل و جعلوا يهزأون بنا و يضحكون من وجوهنا الملطخة. و يعلم الله أننا خرجنا سالمين و قد بلغ بنا الجهد مبلغه و أنهكنا التعب و الإعياء، إلا أننا شاهدنا أشياء عجبا و لا يعلم أحد ما وراء هذا الحوض إلا الله. و هكذا شاهدنا الهرم الأكبر فما رأينا خزانة و لا كنزا و إنما رأينا جثثا محنطة دفينة.

إلا أن هذا الهرم طلسم ما فى ذلك شك أو ريب لأننا بهتنا عندما بلغنا هذا الحوض المذكور و عندما خرجنا من الهرم كان قد بلغ منا الإعياء مبلغه و لما تنسمنا الهواء دبت الروح فينا- لا يسر الله لنا دخوله ثانية-، بعد ذلك تناولنا الفطور و شربنا القهوة فى خيامنا و طوفنا حول الأهرام الثلاثة.

و يبلغ كل هرم من الهرمين مائتى قدم طولا و عرضا و على هذا الحساب يكون محيط كل واحد منها ثمانمائة قدم و بعض الأحجار فى قمته يصل حجمها إلى مائتى باع.

و فى الجانب الشمالى من الهرم الأكبر الباب الذى دخلنا منه، أما أبواب الأهرام الأخرى فغير ظاهرة. إلا أن هرم أبى الهول غاية فى صغر حجمه إلا أن كلا من الهرمين الآخرين يناطح الفلك. إنها جبال مخروطية الرأس و قد تسلقت الهرم الذى دخلته إلى قمته فكانت ميدانا يتسع لإقامة خيمة ذات عشرة خزائن. و فى بعض الثقوب‏

46

الموجودة فى الأحجار عثرت على أوكار الشواهين و الصقور و الحمام و الحدأة، و بدت القاهرة كلها تحتى. إنها جبال عالية إلى هذا الحد البعيد.

و حول هذه الأهرام العديد من الأبنية المطلسمة مبنية بالحجر الأسود و إذا ما ذكرت أوصافها لمسّت الحاجة إلى كتابة مجلد بتمامه.

تتمة الحديث عن الأهرام‏

عند ما ذهب المبعوث الذى أرسله المقوقس إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) شرف بالدخول فى الإسلام و هذا المبعوث هو «ذو النون المصرى» الذى ولد فى شرق إخميم بالصعيد العالى و كان فريد دهره فى فصاحته و إبانته، و بعد أن فتحت مصر دخل ذو النون هذا الأهرام بإذن من عمرو بن العاص و قرأ ما بداخلها من نقوش عجيبة و ترجمها إلى اللغة العربية و هذه النقوش هى:

احذر العبيد المعتقين‏* * * و الأحداث و الجند المتعبدين‏

و النبط المستعربين

و نص آخر جاء فيه:

يقدر المقدور* * * و القضاء يضحك‏

أما الهرم الأصغر الذى بناه «قليمون الحكيم» قبل الطوفان ففيه بيت مكتوب هو:

تدبر بالنجوم و لست تدرى‏* * * و رب النجم يفعل ما يريد

ذكر عجائب الأشكال الطلسمية لأبى الهول و الذى يسمى فى العبرية «بلميب»

رأس كبير من حجر أبيض فى حجم قبة الحمام، يقع كذلك فى الناحية الشرقية من الهرم الأصغر. و لا وجود لمعالم أخرى لجسم التمثال بخلاف الرأس و الجزء الذى خلف الرقبة. فهذا التمثال عبارة عن رأس ليس إلا، و لهذه الرأس وجه متجه نحو الشرق و حاجب و عين و أسنان و أذن و شفتان و عنق. و هى تتسع لمجلس مائة رجل.

47

و قد صنع هذا التمثال أحد عباقرة السلف، و قد صنع بضربات فأسه هذا الرأس و كأن له روحا و كان هذا الرأس يبتسم، و أظهر الصانع ذوائب هذا الرأس و كأنه عمل السحر المعجز و استعرض مهارته و براعته فى ذلك.

و فى الزمان الخالى كان هذا الرأس يتجاذب أطراف الحديث مع الغادى و الرائح، فقد كان طلسما. فكان يستنبط الأسرار و الغيبيات فيتنبأ بمن سوف يعتلى عرش مصر و وقوع القحط و الغلاء و تفشى الطاعون و سقوط المطر و احتباسه و مقدار فيضان النيل و عدم فيضانه و ما يحدث و ما لا يحدث و كل الغيبيات الخمس.

و عندما ترامت إلى سيدنا موسى الأخبار عن مكاشفة أبى الهول للأسرار الغيبية جاء إليه- (عليه السلام)- و بعد حوار طويل قال سيدنا موسى (عليه السلام) لأبى الهول:

إنك قادر على نطق كل الكلام، فأمن بحق رسول الله، فقال أبو الهول:

إننى لا أومن إلا بإدريس- (عليه السلام)- و عندئذ دخل موسى غضب لا مزيد عليه فانهال عليه ضربا بعصا فى يده محطما أنفه وفاه، و قال له: اسكت يا ملعون. و مضى و إلى الآن منذ عهد سيدنا موسى لم يتكلم أبو الهول، كما أن أنفه و فمه محطمان من ضربات عصاه.

إنه أثر عجيب من صنع الإنسان، و فى رواية أخرى أنه من صنع السحرة.

لكن الناس يقولون: إن امرأة سرق منها مال كثير، فسألت هذه المرأة أبا الهول قائلة: من سرق مالى؟ فقال: إن فلانا هو الذى سرقه، فانطلقت المرأة فى الحال إلى القاضى و كبس بيت الرجل؛ فوجدوا أموالها غير منقوصة، فمضى الرجل السارق إلى أبى الهول و صعد رأسه و تغوط عليها، فبطل أثر الطلسم منذ ذلك الحين و سكت عن الكلام.

إلا أن رواية موسى- (عليه السلام)- صحيحة، إذ كان من أولى العزم و بمعجزة ضرباته أصابه البكم و الصمم. و أبو الهول الآن رأس يأتى الناس لمشاهدتها.

و على مقربة من رأس أبى الهول موضع آخر يستحق المشاهدة. إنه باب دير قد سد بالرمال و الغثاء، و لكن فى العقد الذى يعلو يمنة بابه العديد من النقوش المحفورة على‏

48

الرخام. و على الرغم من براعتى فى قراءة شتى الخطوط إلا أننى لم أر خطا يشبه هذا فكان من المحال قراءة حرف من حروفها.

طلسم أبى الهول‏

جاء فى تاريخ ابن جلال أنه عام 781 كان هناك من يسمى «محمد الصوفى» يسكن خانقاه الصلاحية و كان شخصا متعصبا إلى حد جد بعيد، زاد فى تحطيم أنف و فم أبى الهول مدعيا أنه صنم و قد فعل ذلك دون مراجعة القاضى و الاستئذان منه و اتفق أن عصفت ريح شديدة فى هذا اليوم فغمرت مزارع الجيزة بالرمال و استحال زراعة الغلال و البرسيم، فمضى أهل الجيزة بمحمد الصوفى هذا إلى القاضى، و صاحوا قائلين: إنه غمر مدينتنا بالرمال، و عندما استجوب محمد الصوفى قال: لقد نهيت عن المنكر.

و ما أن سمع الأهالى ذلك منه حتى مزقوه كل ممزق و دفنوه إلى جوار أبى الهول.

و إلى يومنا هذا من أتى لمشاهدة أبى الهول رجم قبر هذا الصوفى الضال.

نعم الله على مصر

لا وجود للجراد قط فى أرض مصر، و إذا ما جاءها من بلد آخر هلك، حتى إنه فى عهده (صلى الله عليه و سلم) أصاب الجراد مكة و المدينة، و أخطر الصحابة النبى (صلى الله عليه و سلم) بما أصابهم و رغبوا إليه بأن يدفع عنهم شرّ هذا الجراد، فبسط (صلى الله عليه و سلم) يده و دعا الله قائلا: اللهم ادفع هذا الجراد إلى كنانتك مصر. فقال الصحابة (رضوان اللّه عليهم): يا رسول الله إن خيرات مكة و المدينة تأتى من مصر، فإذا بلغ الجراد مصر و أتى على محاصيلها وقع القحط و الغلاء. فقال (صلى الله عليه و سلم): إن مصر فى حمى الله فإذا ما نظر إليها أحد بعين الازدراء و التحقير و ظلمها و عاث فيها فسادا هلك.

و هذا واقع لا مراء فيه، فإلى الآن لا وجود للجراد فى مصر لأنه إذا بلغها هلك و للجامع الأزهر طلاسم تمنع دخول الحمام و الذباب و الأفاعى و الحيات و غيرها من الهوام، و مفعول تلك الطلاسم مستمر إلى الآن.

49

- طلسم آخر (السفينة الحجرية):

ثمة قلعة عتيقة تقع داخل قلعة الكبش بمدينة القاهرة، بالقرب منها زاوية السلطان «جاولى» و أسفل سلم هذه التكية حوض من الرخام الأخضر قطعة واحدة و هو مستطيل الشكل يشبه السفينة. و فى الزمان الخالى كان يركب هذه السفينة الحجرية أربعة أشخاص يعبرون فيها النيل ذهابا و إيابا، و إذا ما ركب فيها خمسة غرقت و قد جعل لها الكهنة القدماء طلاسما على هذا الأساس، و قد عرف الناس طبيعة هذه السفينة فكانوا يخافون ركوب أكثر من أربعة فيها، و كان من يركبونها يمضون فى سرعة البرق الخاطف.

و إلى عهد «كافور الإخشيدى» كانت تلك السفينة تغدو و تروح فى النيل فى طرفة العين. و ذات يوم عندما علم كافور الإخشيدى أن هذه السفينة من الحجر و الحجر من طبيعته أن يرسب فى الماء فصاح قائلا: كيف إذن لسفينة من الحجر أن تغدو و تروح منذ مئات السنين فى النيل و هى تحمل أربعة رجال ما السر فى ذلك يا ترى؟

فأمر رجاله بشد السفينة من النيل إلى اليابسة فشاهد طلسما أسفل هذه السفينة و كان عبارة عن سطر باللغة العبرية و صورة سمكة و صورة شعير و لا شى‏ء سوى هذا فاستدعى جميع علماء مصر فما استطاعوا فك رموز هذا الخط. ثم أعادوا السفينة الحجرية إلى شاطئ النيل و ركب فيها أربعة أشخاص و دفعوا بها فى النيل فغرقت بمن بها. و ربما تكون غرقت بسبب بطلان تأثير طلسمها عند ما أخرجوها إلى اليابسة أو أن يكون أحد قد تعلق نظره بها فحسدها.

و هذه السفينة الحجرية المذكورة موجودة إلى الآن أسفل سلم زاوية السلطان الجاولى و هى حوض مملوء بالماء الزلال ليل نهار و تشرب منه دواب الغادى و الرائح، و مع ذلك يظل ممتلئا، و لا يعلم من أين يأتى ماؤه. و لوقوع هذا الحوش على الطريق الرئيسى لبولاق فهو يسترعى نظر المارة. و على الجوانب الأربعة لهذا القارب كتب ترتيب ديوان سيدنا سليمان- (عليه السلام)- و كتب أسماء كل ذى روح من إنس و جن و حيوان و طير و كأن هذا الخط خط بهزاد و شاه قولى. إنه ديوان يستحق المشاهدة يخلب لب من‏

50

يشاهده، و يتسع لعقد مائة ديوان فى آن واحد. و حكم الإنس و الجن و الوحش و الطير لم يدم لسليمان. تلك هى الدنيا التى لا تدع شيئا إلا ما سوى إلا ما سوى الله. اللهم يسر.

من خواص أحجار مصر

ثمة حجر لامع يضرب لونه إلى الحمرة يوجد فى الجبل الأخضر بمصر، إذا ما وضع هذا الحجر فى أفران الخبز أكسب الخبز حمرة و عجل بنضجه. إلا أننى لم أشاهد ذلك و لكن نقلت ذلك عن بدو البهيجة و حنادى عندما ذهبت لتسجيل أسماء حجاج المغرب بتكليف من إبراهيم باشا فى حوش عيسى، كما قالوا إنه يوجد كذلك لدينا فى «عز الدين».

طلاسم أم القياس‏

على الجوانب الأربعة لحوض أم القياس خط غريب عجيب بتأثيره ما إن يحل شهر «توت» القبطى إلا و تسقط النقطة فى بداية هذا الشهر و يفيض النيل.

- طلسم آخر:

أقام سيدى الشيخ البطرانى هيكل تمساح فى حوض أم القياس و رسم على صدر هذا التمثال طلسما، و منذئذ لا تمر التماسيح من أم القياس، و إذا ما مر تمساح مع فيضان النيل انقلب على ظهره و نفق. و فى تلك الأماكن يبتلع التمساح من خوفه الحجارة فيثقل إلى أن يمضى فيضان النيل و تصفو مياهه و يهبط التمساح إلى قاع النيل و يعيش على الطين طيلة ثلاثة أشهر ثم يعود من أم القياس و ينجو بذلك من الطلسم.

من تنبؤات المنجمين‏

ثمة دير عظيم عند باب القصر بمدينة القاهرة، و هو الآن مدرسة، و صنع كهنة السلف فى هذا الدير وجها من النحاس عليه نقاب مذهب، و نبى آخر الزمان يكون صاحب هذا الوجه و سيكون لأمته ملك مصر يقيمون فيها العدل، و من سيفتحها من الرجال بعده (صلى الله عليه و سلم) عام 18 هو عمرو بن العاص وزير الفاروق عمر بن الخطاب هذا ما ورد ذكره على الرخام الأبيض لصورة شخص ذى خرقة صفراء فوق جمل أبيض و على صورة سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) كتب على الرخام الأبيض آية من الإنجيل باللغة اليونانية معناها هو: