نشأة المدينة العربية الإسلامية الكوفة

- هشام جعيط المزيد...
408 /
5

الباب الأول الفتح العربي للعراق و تأسيس الكوفة 12- 17 ه/ 633- 638

6

- 1- إشكالية الفتح‏

لا مراء في أن إنشاء الكوفة سنة 17 من الهجرة الموافق لسنة 638 ميلادية ارتبط مباشرة بفتح العرب للعراق. فحالما فرغ العرب من السيطرة على العراق، بعد طرد فلول القوات الساسانية إلى النجد الإيراني، و بعد أن استولوا على جلولاء و المدائن، مكتسحين السواد كله، شعروا بالحاجة إلى إنشاء دار هجرة على تخوم البلاد المفتوحة، تكون بمثابة المعسكر و المركز للهجرة في الوقت نفسه. و على ذلك، تشكل الكوفة ثمرة مباشرة لعملية من عمليات الفتح الخاطف معللة إياها و مشكلة بدورها امتدادا لها، ضامنة لها، راسمة معالمها على التربة، ذلك أن الكوفة تحتل موقع القلب من المنطقة، تلك المنطقة التي كانت تدور فيها المعارك بين العرب و الامبراطورية الساسانية؛ منطقة معدة لكي يعمرها أول من يعمرها المشاركون في القتال و يستقر فيها أغلب المجاهدين العرب. و على هذا، فستتأثر الكوفة كثيرا، و بدرجة أعظم مما حصل في البصرة، بالحدث التاريخي المتمثل في الفتح، كما سيؤثر فيها العيش على ذكراه، و سيظهر ذلك التأثير في عناصرها البشرية التي جسمت كيانها، و في بنيتها الاجتماعية، و في الحركات السياسية الدينية التي ستهزها. و فضلا عن ذلك، يتجاوز الفتح العربي للعراق مصير الكوفة بصفته قضية تاريخية، ذلك أن الكوفة تندرج ضمن ظاهرة كونية هي ظاهرة الفتح العربي الذي اكتسح العالم. و لا يبدو لنا مفيدا أو ضروريا التعمق في بحث القضية في جملتها، بل نرى أنّ من الأهم البحث في اندراج الفتح العربي ضمن فضاء معين، بمواقيت خاصة به و بعناصره البشرية. و لكن، بقدر ما يكون الارتباط مباشرا لا محالة بين الظروف التاريخية المحيطة بإنشاء الكوفة و ظاهرة الفتح بصفة عامة، فمن المفيد أن نلمح دون إطالة إلى قضية نشأة الفتح العربي و دلالته.

يستحسن التذكير بأن المؤلفين المحدثين و منهم كايتاني‏Caetani و شعبان‏Shaban الذي تلاه بعد ثلاثة أرباع القرن، قد طرحوا مسألة النظر في أسباب الفتح العربي و معناه،

7

ارتباطا بالغارات الأولى التي شنت على أرض الرافدين‏ (1). نعني غارات سنة 12 ه/ 633 م، التي كانت منطلقا لظهور القدرة الحربية العربية بعد وفاة الرسول، و بذلك يمكن أن يتجه التفكير إلى إمكان بلوغ العناصر التي كانت أصلا للفتح العربي في جملته، لو أمكن تسليط الضوء على الظروف التي أحاطت بهذا الدفع الأول. نميل فعلا و من أول وهلة إلى تأريخ انطلاق الأحداث في محرم سنة 12 ه/ مارس 633 م ردا على الرؤية التقليدية، و نسبة الغارات التي جدت في السواد إلى مبادرة من بكر بن وائل تجاوب معها إقدام خالد بن الوليد و قد خرج منتصرا من حرب الردة قبل مدة قصيرة. و لعلها كانت بداية لمغامرة كبرى في التاريخ العالمي، إنما تجذرت في الغموض و التهميش. و من أول وهلة يبدو أن الفتح تقرر مصيره في الجنوب الشرقي من بلاد العرب، بعيدا عن قرار الحكم المركزي.

و استنادا إلى الأسبقية الزمنية للغارات على السواد بالمقارنة مع المعارك التي دارت في الشام و فلسطين، يطرح كايتاني بهذا الصدد قضية كبرى هي قضية الفتح العربي برمته، و كأنه صار مسلما بأن حركة الفتح انطلقت من هذه الغارات العراقية.

الواقع أن شيئا من ذلك لم يكن. لا شك أن الأيام التي جدت سنة 12 ه، قد أثرت على قرار عمر الذي اتخذه في السنة التالية، و الخاص بالشروع في فتح السواد. على أن هذا القرار يكون غير معقول بدون الانتصارات على البيزنطيين. و ينزع السياق التاريخي برمته، كما المطالعة المتيقظة للمصادر، إلى الدلالة على أن مواجهة الشام كانت تعتبر الجبهة الرئيسية و الجبهة التي كانت فكرة الفتح عامة توضع فيها على محك الاختبار.

هذا و ينبغي الإنطلاق من الأحداث الملموسة في ميدان يتصف بمثل هذه الضبابية. اتجه الرسول بنظره إلى الشمال قبل أن يتوفى، فشكل في محرم من سنة 11 ه/ 632 جيشا للشام بقيادة أسامة بن زيد، و أمره ب «أن يوطى‏ء الخيل تخوم البلقاء و الداروم من أرض فلسطين» كما روى الطبري‏ (2) نقلا عن إبن إسحاق. و لا يكفي أن يكون التقليد الإسلامي أفاض في القول كما شاء في الغايات التي رسمها الرسول للغزو الخارجي لكي ننكر أو نخفّف من وجود نيّة توسّعية في حياة الرسول نفسه. و إلا فلا يمكن فهم الإلحاح الذي أحاطت به الروايات جيش أسامة، مباشرة بعد مبايعة أبي بكر، في حين بدأت تطرح مسألة الردة الخطيرة، و لا نفهم بالخصوص إلا بعسر أنه بعد إنهاء حروب الردة (في أواخر سنة 11 ه)، و بعد أن تكلل بالنصر تسلل خالد إلى السواد فعلا، قامت الدولة في المدينة بقيادة الفتح‏

____________

(1)Caetani, Annali dell`Islam, Milano, 7091, Vol. II, t. II; Wellhausen, Prolegomena Sur a? ltesten geschischte des Islams, Skizzen und Vorarbeiten, VI, Berlin, 9881, pp. 73 ff; Shaban, Islamic History, a new interpretation, I, Cambridge, pp. 52 ff.

(2) تاريخ الرسل و الملوك، نشرة القاهرة، 1960- 1969، ج 3، ص 184.

8

الرسمي العلني نحو الشام و فلسطين، فجهزت ثلاثة جيوش مهمّة (في بداية سنة 13 ه/ 634). و هكذا فإن وجدت استمرارية في النوايا منذ عهد الرسول و روح عزم و قرارات باتّة من لدن دولة المدينة فإن ذلك كان موجها نحو الشمال، فضلا عن احتمال وجود أسباب أخرى موضوعية أملتها الأوضاع القائمة في الخارج. و يبدو لنا أن شعبان قدّم عن دراية افتراضا مفاده أن البيزنطيين كانوا يتأهبون للقيام بتدخل وشيك، درءا للحملات العربية على حدودهم. لقد كانوا أكثر اطلاعا من الفرس على ما كان يجري في بلاد العرب، و كانوا راغبين أيضا في إعادة الخطوط التجارية التقليدية التي انقطعت بسبب تقدم الإسلام‏ (1).

و المقصود من كل هذا النقاش أنه إذا وجب طرح قضية الفتح عامة، فمن حصافة الرأي أن يكون هذا الطرح بخصوص الشام لا بخصوص العراق. على أن مشروع الفتح امتد سريعا جدا إلى العراق في أثناء خلافة عمر، إذ أعاد عمر النظر في العمليات الأولى التي قادها المثنّى و خالد، فوسع فيها و عقلنها بداية من سنة 13 ه/ 634. و بذلك يتبين أن تطور الفتح في العراق يوضح توضيحا ممتازا كل ما يتعلق بأسباب التوسع. تتجلّى هذه الأسباب بتطور الظاهرة ذاتها في تنوعها الملموس. ذلك أن الفتح العربي الخاضع منذ البداية إلى دفع مركزي، حالفه التنوع المرتبط بتنوع الأقاليم المفتوحة، و تضمن هذا التنوع البذرة التي نبتت فيها القضايا المقبلة التي ستواجه المجتمع العربي المهاجر. كان الفتح فعلا «هجرة مسلحة»، كما جاء في تعبير كايتاني الجيد (2)، و هي عبارة تنطبق على العراق أكثر مما تنطبق على أية جهة أخرى. أما أن يعتبر كرجوع لا شعوري إلى حركة بعيدة في الزمن، كما فعل المستشرق الإيطالي، و بمثابة ظاهرة تدفع بانتظام موجات الساميين بعيدا عن موطنهم الأول في بلاد العرب، فذلك يعني تأويلا للتاريخ عرقيا مشطا. ذلك أن كلمة ساميين تشمل بشرا متنوعّي الأصناف وحّدهم التبحر العلمي الأوروبي في القرن التاسع عشر بأن جدد بناء لغاتهم فربط بينهم ربطا خياليا (3). و عوض أن نرجع إلى العصور الغابرة من الأجدر بنا أن نبذل الجهد للاحتفاظ فقط من تاريخ العراق الذي سبق الإسلام مباشرة بما من شأنه أن يوضح‏

____________

(1).Islamic History ,I .p .52 من المهم أن نلاحظ أن المسلمين كان يحدوهم في حياة الرسول، شعور بالخطر البيزنطي المسلط عليهم. و قد راجت إشاعات سنة 8 ه/ 629، مفادها أن هناك قبائل عربية مناصرة تجمعت حول البيزنطيين، هي لخم، و جذام، و غسان، و عاملة: راجع ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 1، ص 104.

و من المعلوم أن وقعة مؤتة كادت أن تكون كارثة.

(2)Annali dell`Islam ,Vol .II ,t .II ,p .168

(3) من العبث القول إن الفتح العربي في بلاد الرافدين كان «آخر محاولة لإقامة الهيمنة السامية من جديد في آسيا»:

Caetani, Annali, Vol. II, t. II, p. 168

، كأن الأمر يتعلق بوجود وعي سامي و باستمراره عبر التاريخ.

9

الاستقرار العربي.

وضعية العراق قبل الفتح العربي‏

ساد الفرس على هذا البلد منذ ما يزيد على ألف سنة، و كان قطرا معروفا بغرينه الثري، و اقتصاده المائي، فكان حقا هبة دجلة و الفرات. ورث الفرس نسق بابل للري في أساسه و قد ذكر الخطيب البغدادي أنهم لم يقوموا سوى بتحسينه فحفروا قنوات ثانوية، لأن القنوات الرئيسية كانت سابقة لهم‏ (1). لكنهم طبعوا البلاد بطابعهم فكانت التقسيمات الإدارية و تقسيم الأراضي تحمل أسماء فارسية و كانت تنسب إلى ملوك الفرس، و لا سيما الساسانيين منهم‏ (2). و لقد أقام الملك عاصمة ملكه كله في المدائن (أو طيسفون). و كان عليه أن يعود صيفا إلى اصطخر المدينة المقدسة. و العراق بفضل ثرائه و موقعه الجغرافي، و موارده البشرية و ماضيه، صار مركز الامبراطورية الفارسية في العهد الساساني. و مع ذلك، فقد ظل متميزا عن الموطن الإثني الأصلي- أي فارس ذاتها- حيث كان للشعب المهيمن جذوره العميقة. و بالفعل فبعد تجاوز الحد الشرقي من حلوان، كان النجد الإيراني يشرف بكامل ارتفاعه على الأراضي السفلية لبلاد الرافدين. و قد لجأت فلول جيش يزدجرد إلى هذا المكان، بعد أن طردها العرب من العراق. و كان الخط الفاصل بشريا بين الشعوب السامية (3) الناطقة بالآرامية، من الأهالي الخاضعين أو النبط، و الشعوب الإيرانية و هي قوام السيطرة الساسانية، كان هذا الخطّ يقع أسفل سفوح جبل زاغروس. و لكن على الرغم من أن العراق كان قطرا مفتوحا خاضعا مستغلا، و لم يكن قطرا «قوميا»، فهو مرتبط بالامبراطورية إلى درجة أنه لوضاع العراق لضاع كل شي‏ء، كما دلت عليه الأحداث فيما بعد، خلافا لما وقع في الشام و في الامبراطورية البيزنطية. لقد ميز العرب قطعا بين العراق-

____________

(1) تاريخ بغداد، ج 1، ص 57. اقتبس المؤلف أخبارا عن الهيثم بن عدي بخصوص دور الأنباط في التشييد و لعلهم بنوا القنوات الكبرى لصراة، و سورا، و نهر الملك في حين أن الفرس لم يحفروا سوى كوثى، و الصراة الصغرى، و النهروان.

(2) قسم العراق في العهد الساساني إلى اثنتي عشرة ولاية ماليا و إداريا، سميت أستان، كانت ست ولايات منها تقع شرقي دجلة و تقع ست ولايات أخرى شرقي الفرات و من أسمائها: شاد فيروز، باجيزان خسرو، شادبهمان، أردشير بابغان، بيهقباذ

Le Strange, The Lands of Eastern Caliphate, pp. 97- 18.

؛ و صالح أحمد العلي، «منطقة الكوفة»، سومر، 1965، المجلد 21، ج 1 و 2، ص 229- 253.

Spuler, Handbuch der. Orientalistik, Brill, Leyden, 9591, tII, 2, p. 32 ff

(3) راجع حول آثار اللغة الأكادية في المصطلحات التقنية للري العربي [مسنّيتو الأكادية- مسناة العربية] ما كتبه‏Armas Salonen في:

Orientalia, XXXII( 3691 ), pp. 944- 15; Bosworth, JESHO, XII/ 2) 9691 (, p. 451.

10

الذي اشتمل على الأهواز، و خوزستان في الجنوب الشرقي- و بين فارس و الجبال، و أصر عمر على رفضه مهاجمة الفرس في بلدهم الأصلي و دام رفضه بضع سنوات. لكن الأمر الدال هو أن أهم ما في الجهاز الدفاعي الإيراني استقر بالعراق. ثم أن خط الدفاع ضد «البرابرة» القادمين من الغرب، لم يكن موجودا في أسفل جبل زاغروس، بل على مرتفعات الطّف، وراء الفرات، و مواجها للبادية العربية (1).

لا شك أن العرب ما انفكوا يتسللون في كل العصور، من بلاد العرب إلى بلاد الرافدين. و لو اقتصرنا على المؤرخين العرب كالطبري و المسعودي، لكان شعورنا أن محاولات الاستقرار التي قامت بها الجموع العربية تعود إلى عهد سحيق مع ملاحظة أن أولئك المؤرخين كانوا يخلطون بين القديم و الحديث، و ما كان قابلا للتصديق و ما لم يكن كذلك. روى الطبري‏ (2) أنه وجد تجار عرب في بلاد الرافدين زمن نبختنصر الذي عاش في عصر معدّ بن عدنان (كانت هذه المعاصرة أسطورية لكنها كثيرة الأهمية كعلامة ذهنية). و قد تلقى الملك من الرب أمرا بالقضاء عليهم، لكنه بنى لهم حيرا (معسكرا) ثم تخلى عن هذه الفكرة، فاستقروا عند ذلك في الأنبار (3). و روى الطبري كذلك في موضع آخر، أن العرب أقاموا بالحيرة و الأنبار في عهد ملوك الطوائف أي زمن دولة الأرصسيديين‏

. Arsacides

و قد استفاد عناصر من تغلب و قيس و غطفان و اياد، كانوا تجمعوا في البحرين تحت إسم تنوخ الجامع لرايتهم، و لعل عناصر من لخم و الأزد انضموا إليهم، استفادوا من انقسام الفرس، فأقاموا غرب الفرات حسب خط متواصل يمتد من الأنبار إلى الحيرة (4). و تقول المصادر أنهم حافظوا على شخصيتهم، حيث كانت لهم شخصية مستقلة ثابتة بصفة خاصة.

كانوا لا يسكنون إلا الخيام، و لم يختلطوا بالأهالي، و قد سمّي أولئك العرب المقيمون بالطّف بعرب الضاحية أي عرب الأطراف. على أن جميع العرب الذين أقاموا خارج شبه الجزيرة، من الأبلّه إلى الشام مرورا بالجزيرة، عاشوا عيشة مهمشة و اتصفوا بصفات مشتركة و ربطوا علائق قرابة وثيقة بينهم، حيث كانوا محاصرين بين العالم العربي الداخلي و الهياكل الامبراطورية الخارجية. و ما يدل على ذلك أن جمهرة ابن حزم‏ (5)، صنفت تنوخ، و غسان،

____________

(1) لا سيما خندق سابور و الحاميات الفارسية الموجودة بمنابع نهر الطفّ، و في عين الصيد و قطقطانة، و رهيمة، و عين جمل: البلاذري، فتوح البلدان، القاهرة، 1933، ص 296.

(2) تاريخ الطبري، ج 1، ص 558.

(3) لكن من المعلوم أن الأنبار أنشئت بعد ذلك بكثير من طرف سابور ذي الأكتاف: الدينوري، الأخبار الطوال، طبعة بيروت، ص 48- 49.

(4) الطبري، ج 1، ص 609.

(5) الجمهرة، طبعة القاهرة، ص 461.

11

خارج تسلسل الشجرة المشتركة و ظهرت أياد و النمر لا محالة بمظهر هامشي بارز. ثم إن الأمر يختلط على نسابينا و مؤرخينا، فخلطوا بين هجرة قضاعة و استقرار عرب الضاحية و استقرار تغلب و النمر و أياد في الجزيرة (1). لكن هذا الشتات العربي كان يربط الصلات حيثما كان.

فهل هذا أصل مشترك؟ أو تضامن أملاه ما كانت عليه ظروف العيش من تشابه، أم كانت سهولة في التحرك مردها استمرار الترحال؟ يرى المسعودي أن الاستقرار الأول في الحيرة، تم بواسطة انفصال جموع من المهاجرين في الشام، فوصف جذيمة الأول بأنه تنوخي‏ (2). هذا و أن تسمية تنوخ الغامضة تستند إلى الماضي البعيد. الواقع أن هذه النسبة كانت نادرة في المصادر كلما اقتربنا من الفتح. لكن إذا وجب التمييز بين خط الاتصال العربي- الفارسي بالطّف و الخاضع للحيرة، و بين منطقة الجزيرة، و بين المنطقة العربية الداخلية القريبة من العراق و المستقلة، فلا مناص من القول إن العناصر القبلية لهذه المناطق الثلاث كانت متشابكة.

أ) تقيم أياد و تغلب و النمر على أرض الجزيرة بصورة رئيسية، و هي ترتبط ارتباطا وثيقا بمصير الحيرة، و توجد في قلب السواد أيضا، تقوم على خفارة تجار سوق قرية بغداد (3)، أو بعين التمر حيث كانت تدافع عن الحصن برفقة الفرس، و قد قام خالد بتقتيلها (4). و قد تأكد من جهة أخرى أن ملك الحيرة كان يعتمد عليهم و يستخدمهم ضمن فرق شرطته‏ (5).

و يمكن الافتراض أنهم أكثروا من التنقل حين انهارت مملكة الحيرة، مع العلم بأنهم كانوا يتنقلون دائما، و أن مقرهم الرئيسي كان بأرض الجزيرة الفراتية، و يبدو أن الفرس استخدموهم في الدفاع عن حدودهم العربية.

ب) أقام عرب داخل بلاد العرب علائق مع العالم الإيراني، و كان بصرهم مركزا على العراق، و لا سيما قبيلتان كبيرتان من ربيعة هما عبد القيس و بكر. و قد بيّن ماسينيون‏Massignon أن عبد القيس تأثرت بالحياة الإيرانية إلى حد ما قبل ظهور الإسلام بمدة (6).

____________

(1)Caetani ,Annali dell`Islam ,II ,2 ,p .352 .

(2) مروج الذهب، تحقيق پيلاPellat ، بيروت، 1966، ج 2، ص 214.

(3) تاريخ الطبري، ج 3، ص 474، يتحدث الطبري عن «خفراء من ربيعة و قضاعة». و كانت أياد أنشط القبائل الثلاث.

(4) المرجع نفسه، ج 3، ص 376.

(5)

. Kister, »al- Hira. Some notes on its relations withArabia«, Arabica, xv, 1, 8691, p. 951

يشير إلى قبيلة النمر لكن ليس صحيحا القول إن خالدا أبادهم خلال حروب الردة، إلّا إذا اعتبرنا أيام سنة 12 ه مدرجة في الردة.

(6)

Massignon, »Explication du plan de Kufa«, Opera minora, tIII, p. 14.

12

و من الثابت أن بعض عناصر هذه القبيلة التي ستقوم بدور رئيس في العشرين سنة التالية، قد تسربوا إلى منطقة الأبله و تقدموا إلى خوزستان‏ (1). أما قبيلة بكر التي ارتبطت بها عجل وثيق الارتباط، فقد كانت تترحل في البوادي خارج الطّف. و قد أنيطت مسؤوليات بعهدة بعض شيوخها، كلفهم بها الفرس، كما جرى الأمر مع شيخ من بكر ولي على الأبله‏ (2).

لكن الملاحظ أنه ظهرت داخل هذه القبيلة استعدادات عدائية تجاه الامبراطورية الساسانية. كانت هذه القبيلة قبيلة اتصال و مثلث أيضا رأس الرمح للعروبة تجاه العجم.

ظهر ذلك خلال معركة ذي قار (3)، ثم أثناء مقدمات الفتح الذي انطلق مع بكر فعلا بقيادة شيخهم المثنّى بن حارثة الشيباني. كانت معركة ذي قار تشكل أول مواجهة بين الفرس و العرب على أرض مكشوفة و تستند أسباب نشوبها إلى تاريخ العلاقات بين الامبراطورية و مملكة الحيرة، و هي العلاقات التي بلغت مرحلتها الأخيرة من التدهور. ذلك أنه لكي يقوم بنو شيبان بنجدة آخر المناذرة الذي طارده كسرى ابرويز، و لكونهم رفضوا تسليم الدروع التي أودعها النعمان عندهم، فإنهم وافقوا على خوض نزاع كان يبدو غير متكافى‏ء (4). و قد شدت عجل أزرهم بقوة، و جسّم حنظلة شيخهم روح النضال و التحدي، أكثر من هانى‏ء بن قبيصة سيد بكر. و ما هو ذو دلالة أيضا أن قبيلة أياد التي حاربت مع الفرس، اقترحت، حسب المصادر، خذلان أسيادها لفائدة أبناء جلدتها- و قد تجدد هذا النوع من السلوك في بعض مراحل الفتح العربي.

و لقد أشادت أشعار كثيرة بهذا الحدث‏ (5) الذي كانت مراحله متعددة. و قد وصفها العرب- ذهل بن شيبان و عجل- كما وصفوا أيامهم المعهودة، فظهرت أيام قراقر و حنو، و جبابات، و ذو أجرم، و غدوان، و أخيرا المواجهة الحاسمة في بطحاء ذي قار. و الأمر المهم الواجب لحظه أن رؤساء الحاميات العربية بقيادة أياس بن قبيصة الطائي‏ (6) رافقوا الفرس و من بينهم شخص بارقي (من الأزد) و آخر شيباني من بيت ذي الجدين عهد إليه بقيادة حامية صفوان في الطفّ. ما هي حصيلة هذه الوقعة؟ هل كانت تبشر في واقع الأمر

____________

(1) نجد عناصر من ربيعة متنصرة في منطقة فارس و أسياف البحر إلى حد زمن علي لكن الأرجح أنهم قاموا بهجرة وحشية: الطبري، ج 5، ص 124- 125.

(2) كان من بيت ذي الجدين الشريف الذي أقطع الأبله طعمة: الطبري، ج 2، ص 206.

(3) راجع ما ذكره عنها، غولدزيهر.Goldziher ,Muhammadanishe ,I ,p ,401 .

(4) تاريخ الطبري، ج 2، ص 206. هذا الاستبقاء لكمية ضخمة من الدروع و الأسلحة يفسر قوة بكر العسكرية في أول الفتح: ياقوت، معجم البلدان، ط. بيروت، 1957، ج 4، ص 293- 294.

(5) المرجع نفسه، ج 2، ص 212.

(6) خليفة النعمان على رأس الحيرة.

13

بانقلاب الوضع لفائدة العرب، و تغيير علائق القوة؟ الحقيقة أن الموضوع مرتبط بحدث صغير في حد ذاته، كان عبارة عن معركة صغيرة دارت بين بعض الجماعات العربية و بعض حاميات خط الدفاع الفارسي. على أن هذا الحدث يندرج في سلسلة من الظواهر التي تكتسب دلالة معينة حين يقع ربطها ببعضها بعضا: منها العدوانية المقدامة التي أبدتها قبيلتا شيبان و عجل، الملتحمتان و الداخلتان في فلك الساسانيين دخولا متفاوت الأهمية، و قد بقي بعض من عناصر هما على تلك الحال، ثم انهيار مملكة الحيرة في شكلها التقليدي، و تغييرات طرأت على استراتيجية الدفاع الفارسي ضد العرب، و عدم استقرار هذه الاستراتيجية، و هناك أمور أخرى لم يرد ذكرها في المصادر إلا تلميحا، و هي ترجعنا إلى بنية من العلاقات التي نخمنها: مثلا، أن يكون الفرس قد اعتبروا الغارات العربية الأولى، حتى وقعة القادسية، بمثابة دفعة حمى تسببت بها المجاعة و كأن الأمر يعني حركة معهودة من الاضطرابات.

و أخيرا، لن ننفك دائما نلح على الدور الجديد الذي قامت به بكر بن وائل. فقد كانوا الأولين الذين بدأوا الإغارة على السواد، و إليهم يرجع فضل المبادرة في فتح العراق، بمساندة الحكومة القائمة في المدينة طبعا و بإذن منها.

و يتضح إذن أنه لا يمكن تعليل هذه المبادرة دون الرجوع إلى ذلك الماضي القريب، ماضي النزاعات و الاطماع و التحدي الموجه إلى أعظم امبراطورية في العالم و الصادر عن قبيلة كانت ذهنيتها ترتبط أعمق ارتباط بشبه الجزيرة، لكنها كانت تعيش لا محالة على رباط وثيق بالعالم الخارجي و كانت مطلعة على نقاط الضعف فيه.

ج) كتب الكثير عن مملكة الحيرة (1). كانت الحيرة موجودة قبل الساسانيين، فهيؤوها لتكون مملكة تابعة أنيطت بها مراقبة الحدود بالخصوص، و أصبحت مملكة ذات شأن في القرن الرابع الميلادي، على الأقل بفضل ما حصل عليه النعمان الأول من حظوة عند يزدجرد، و قد أشرف النعمان على بناء قصر الخورنق الذي استقر فيه ابن الملك الساساني.

تضاف إلى ذلك الأسباب العسكرية و السياسية التي تفسر كيف أعطى الملك الفارسي النعمان كتيبتين للقتال، كانت الأولى متكوّنة من العرب، من ربيعة بالخصوص، و تكوّنت الثانية من‏

____________

(1) فضلا عن أبحاث كايتاني و مقال نشر في دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الثانية)، يمكن الرجوع إلى:

Labourt, le ehristianisme dans l`empire perse; Aigrain, »art Arabie« in Dictionnaire d`His- toire et de Ge? ographie eccle? siastiques, t. III, Paris 4291; Christensen, l`Iran sous les Sassa- nides, Copenhague 6391; Talbot Rice, »Hira« in Journal of the Royal Central Asian Society, vol, XIX, 2391, pp. 452- 862;

و كذلك إلى أعمال كيسترKister و بالأخص في:Arabica ,XV ,1 ,8691 ,.p .341 ff .

14

الفرس‏ (1). و نمت القدرة العسكرية لهذه المملكة في القرن الخامس و القرن السادس الميلادي، كما اتسع مجال عملها. و لكن لا يعني ذلك أننا نجاري كيسترKister في رأيه القائل إن نسيج العنكبوت الذي حبكه ملوك الحيرة قد امتد إلى بلاد العرب كافة، و كأنهم أصبحوا المحور و المرجع للوجود السياسي كله في بلاد العرب، إنما دخلت الحاشية الشرقية لشبه الجزيرة بصفة متفاوتة في جهازهم. فكان بنو بكر صنائع لهم (من المرتزقة أو بالأحرى كانوا أعوانا مأجورين)، و النمر أيضا، و ارتبطت تميم بهم بفضل رباط الردافة، و عقد عهد بينهم و بين سليم و هوازن، و يمكن اعتبار غطفان و أسد قبيلتين حليفتين لهم.

كانت الحيرة إمارة مهمة، بل كانت تصنف ضمن الممالك الأربع التابعة التي كانت تحويها كل الامبراطورية. و كان ملكها يلقب بلقب شهداران‏ (2). أما دورها الثقافي و الحضاري فيبدو عظيما إذ نصّبت نفسها مركزا للشعر العربي الأصيل و ملتقى لتأثيرات مختلفة كذلك. أما على الصعيد الديني فقد تعايشت فيها الوثنية العربية و المانوية و المزدكيّة و النسطورية و المذهب التوحيدي لطبيعة المسيح. و يبدو أن المسيحيين المشار إليهم من طرف المصادر بكلمة العباد كانوا يشكلون الأغلبية، و على رأسهم أسقف من القرن الخامس.

فمثلا نجد أوزي‏Ose ?e أسقفا في سنة 410 م، على «هرته»، و كان حاضرا بمجمع سلوقيه حيث نظمت كنيسة فارس‏ (3) في سنة 510 م، و صوت نرسس‏Narses الأسقف النسطوري، لصالح انتخاب جاثليق جديد (4). و كان الجوجو تسامح، فكان هذا الملك يبدي تشككه تجاه المسيحية و يذهب الأمر بغيره من الملوك- كالنعمان بن المنذر القديم- إلى حد اعتناق الحياة التنسكيّة، بانيا أديرة و صوامع‏ (5). ستقتبس الكوفة كثيرا من هذه الخاصيات الحضارية و الثقافية، و لا سيما العناصر الهندسية المعمارية، و الكتابة، و عناصر الشعور الديني و بذلك تبقى قضية تأثير الحيرة على ثقافة الكوفة كقضية أساسية.

كانت مملكة الحيرة تقوم بدور فعال، دور الحاجز بين العرب و الفرس، و طرأت عليها تغييرات ابتداء من القرن السابع. فقد أقصى كسرى أبرويز، في 602، الأسرة اللخمية

____________

(1) الأغاني، طبعة القاهرة، 1928، ج 2، ص 146؛ الألوسي، بلوغ الأرب، بغداد، 1314 ه، ج 2، ص 191. كانت الكتيبة الأولى تسمى دوسر، و كانت شديدة المراس في القتال، و تسمت الثانية الشهباء، و عرفت الكتيبتان أيضا باسم «القبيلتين».

(2)Christensen ,Iran ... ,p .69 .

(3) انظر مادة» Arabie «في:

Dictionnaire d`Histoire et de Ge? ographie eccle? siastiques.

(4).Talbot -Rice ,art .cit ,p .452 . لقد ازداد عدد النسطوريين.

(5) الأغاني، ج 2، ص 135: يروى أن هندا ابنته هي التي أمرت ببناء دير هند الشهير الذي كان محاذيا لمدينة الكوفة المقبلة.

15

المالكة و كانت من المناذرة، لأسباب تبقى مجهولة لدينا إلا أن المؤرخين القدامى ربطوا هذا القرار بالدور الذي قام به عدي بن زيد الشاعر (1). كان عدي ذا حظوة في بلاط الساسانيين، و يعتقد أنه أنقذ السلالة اللخمية لما أجلس على العرش النعمان الذي كان في حمايته. و قد أثارت حظوته الخاطفة في الحيرة الحفائظ و الدسائس. فاغتيل، و قرر الإبن الأخذ بثأر أبيه فأثار كسرى على النعمان الثالث. و أظهر النعمان العصيان و طورد من أجل ذلك إلى قبيلة طيّ التي رفضت مساعدته، ثم دخل في ذمة هانى‏ء بن قبيصة من ذهل بن شيبان من بكر، فكانت حمايته له ناجعة، مما أدى إلى نشوب المواجهة في ذي قار، التي صمد فيها العرب حتى النصر. لكن هذا لم يحل دون طرد المناذرة عن الحكم، و ألحقت مملكة الحيرة إلحاقا كان مقنّعا ثم صار مباشرا. و بالفعل ولّي عربي هو أياس بن قبيصة الطائي على ثغر العرب، و من المحتمل أن الأمر تم له بعنوان الولاية لا بصفته ملكا. و خلفه أزاذابه بن ماهان الفارسي طيلة سبعة عشر عاما، منها أربعة عشر عاما و ثمانية أشهر في حكم كسرى أبرويز (2). و بذلك نصل إلى سنة 630 م/ 8 ه. و صارت الوضعية عندئذ غامضة. فظهر أحد أحفاد الأسرة المالكة سابقا و هو أحد المناذرة الذي اشتهر باسم الغرور عند العرب، و انتهى أمره مقتولا في البحرين‏ (3).

و ها أن الحيرة تبرز في ضوء التاريخ الإسلامي، بمثابة الجزء المركزي من الأيام التي حدثت سنة 12 ه. و أنشئت إلى جانبها الكوفة بعد خمس سنوات، رمزا و موطنا للعروبة الجديدة التي برزت مع الإسلام، و كانت عروبة مغايرة كل المغايرة لتلك التي جسمتها الحيرة طيلة ثلاثة قرون.

الواقع أن انهيار حكم المناذرة لا يكشف عن تناقض سياسة كسرى الثاني فقط، حتى و لو دلّ على مدى الخفة الذي بلغه عسف هذا الملك. إذ إن حالة الحيرة التي صار الولاة يتقاذفونها في آخر طورها، تعكس تفكك السلطة الساسانية ذاتها. و لا فائدة من التعرض للأسباب العميقة للأزمة التي مرت بها الامبراطورية الفارسية. على أننا نلاحظ ما هو ماثل للعيان و هو ما لاحظه المؤرخون العرب أنفسهم. كان العهد الطويل الذي قضاه في الحكم كسرى أبرويز (590- 628)، بمثابة الكارثة من وجوه عدة: اكتناز المال بصورة لا تصدق، و شطط جبائي و تجاوزات من كل قبيل، و حروب مرهقة مع بيزنطة (4). فضلا عن أن الهوس‏

____________

(1) الطبري، التاريخ، ج 2، ص 188، و ما بعدها؛ الأغاني، ج 2، ص 100 و ما بعدها؛ المسعودي، مروج الذهب، ج 2، ص 223 و ما بعدها.

(2) الطبري، التاريخ، ج 2، ص 213.

(3) المرجع نفسه، ج 2، ص 213.

(4) الطبري، التاريخ، ج 2، ص 216.

16

التنجيمي لهذا الملك دفعه إلى القضاء عن ذريته ذاتها. فطرأت أزمة على خلافة الملك، لكون الذرية مفقودة. لم يكن البيت الساساني مهددا بالزوال فقط، بل إن الضربة القاضية لحقت بهيبته، دون أن تتأكد في الاثناء شرعية سياسية أخرى. فتواتر على العرش خلال بضعة أعوام الملوك و المدعون بأحقيتهم في الملك، إضافة إلى الدسائس و الانقلابات و الاغتيارات و المقاتل. و لم يبق شيرويه في الحكم خلفا لكسرى سوى ستة أشهر تقريبا، و خلفه ابنه أردشير و بقي سبع سنوات في الحكم. ثم ساد الغموض بعد ذلك. و ما يمكن ذكره من أسماء في هذا الصدد، اسما: بوران و رستم، و آخرها يزدجرد الذي توج باصطخر حينما كان الفتح العربي على أشده‏ (1).

و لذا أدى الاضطراب السياسي إلى نشوب أزمة خلافة لا مخرج منها. و مما زاد الطين بلة أن الكوارث الطبيعية نزلت على العراق، ففاض الفرات و دجلة في سنة 7 من الهجرة، و استحال سد الثغرات و نشأت البطائح و كانت مساحات واسعة من الماء الراكد تقع بجنوب موقع الكوفة العتيدة إلى حدود الأبله. و بذلك نزعت مساحة كبيرة كانت صالحة للزراعة و خسرها النشاط الزراعي خسارة دائمة (2) و عجز كسرى أبرويز عن إيقاف هذه الظاهرة التي استمرت و تفاقمت مع الغزوات العربية.

____________

(1) الطبري، ج 2، ص 229- 234؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص 110- 111.

(2) البلاذري، فتوح البلدان، ص 290؛

Le Strange, The Lands of Eastern Caliphate, p. 62- 72

17

- 2- من الأيام إلى القادسية

انطلق الفتح العربي في مثل هذه الظروف غير الملائمة للفرس إطلاقا. و قد ارتكب الساسانيون خطأ كبيرا. ذلك أنهم لم يتفطنوا إلى تقييم ما كان يجدّ في بلاد العرب، كما أنهم لم يتغلبوا على الشعور بالمناعة الذي قضى عليهم في النهاية.

الأيام‏

بينما كانت تدور حروب الردة- و قد كانت مدرسة تعلم فيها العرب الحرب تعلما ممتازا (1)- بلغ إلى علم بني شيبان أن مملكة فارس كانت في أزمة خلافة، فخططوا للقيام بغارات كبيرة على السواد (2). و أراد المثنّى، سيّدهم، ربط هذه العملية بالإسلام: كان الجزء الذي يتبعه من بكر في طريق الأسلمة و لا سيما أنه بقي وفيا للدين خلال حروب الردة. و عمل المثنى من أجل إكساب وضعه صبغة شرعية، فطلب الإذن من أبي بكر، لكن بعد انطلاق العملية. و تدخل خالد بن الوليد في هذا الظرف إذ كان قريب العهد بالانتصار على حنيفة في معركة عقرباء. فلا مفر من تفسير ذلك بأن السلطة في المدينة أرادت استرجاع المبادرة التي قامت بها قبيلة بكر، و حصرها، و حتى تسييرها. و أذن أبو بكر للمثنى بالتحرك، لكنه عمل على إعلام خالد بالأمر، و أمره بالانضمام إلى المثنى و قيادة العملية كلها. فنشأت عن هذا الإتصال «أيام» سنة 12 ه، التي كانت منطلقا لسيطرة العرب على العراق، ثم على الممتلكات الساسانية كلها في فترة لاحقة.

هل اغتاظ المثنى من قدوم خالد؟ «و كره المثنى ورود خالد عليه و كان ظن أن أبا بكر

____________

(1) ذلك ما لا حظه نابليون: راجع:Norman Daniel ;Islam ,Europe and Empire ,p .92 .

(2) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 344؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 242؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص 111.

18

سيولّيه الأمر» كما قال الدينوري‏ (1). ليس يهم إلا قليلا الاطلاع على مشاعر المثنى. لكن، و خلافا لذلك، لا منازع أن مساعدته كانت فعالة و ثمينة و أنه جسّم عنصر الاستمرار و الدوام في مشروع الفتح الذي تعطل عدة مرات. كان البلاذري و الدينوري محقين في منحه مكانا مركزيا في انطلاق المغامرة العراقية (2)، في حين أن الطبري نزع إلى إغفال دوره، فيما نقله لنا من روايات باستثناء تلك التي يعتمد فيها أبا مخنف‏ (3). و على كل، فخلافا لما اتصف به كتاب الدينوري من إيجاز و وضوح و تبويب، إذ ربط أحداث الأيام بعرض حول تدهور الأحوال في الامبراطورية الساسانية، و قصرها على الاستيلاء على الحيرة و حصونها الثلاثة، و كذلك على وقعة عين التمر، و خلافا أيضا لما يبدو عليه نص البلاذري من الوجازة، فإن النصوص التي أوردها الطبري تستهدف الشمولية، فجاءت كثيفة، مفرطة التفاصيل، مترامية الأطراف. وردت روايات مطولة لأحداث الأيام، و تجاوزت كثيرا ما كان يترقب منها من أهمية عسكرية حقة. و تجلى هذا الأمر في كتب الفقه‏ (4)، و المغازي و التاريخ‏ (5). أما حقيقة الأمر، فإن المناوشات الأولى على حدود العراق تبدو في نظر المؤرخ الحديث المتتبع لسياق الأحداث، بمثابة الأحداث الصغرى بالنظر للمعارك الحاسمة- و منها معركة القادسية- التي هزت الأمبراطورية الفارسية في قوتها ثم في وجودها هزا لا رجعة فيه. فضلا عن أن نتائجها الإيجابية كخضوع الحيرة و خضوع بعض قرى السواد منها أليس و بانقيا كانت غير ثابتة، لأن عودة الفرس إلى الهجوم جعلتها لاغية، و هكذا انطلق العرب من الصفر في القادسية، كأنه لم يقع شي‏ء. فلم هذا التضخيم لحدث الأيام في الروايات؟

يمكن تعليل اهتمام الفقهاء بالتطورات الأولى للفتح بمحاولتهم العثور على قاعدة فقهية عامة مستمدة من صور خاصة، هي قاعدة الصلح المتميزة عن وضعية العنوة. و من الممكن أيضا أن سكان الحيرة أرادوا التملص من النظام المشترك للسواد، مستظهرين بمعاهدة أبرمت مع خالد. و بذلك يمكن للمشاغل النوعية الخاصة بالقرن الثاني (إمكانية التصرف بالبيع في أرض السواد أم لا، نظام خاص أو غير خاص للمجموعات التي طالبت به باسم الحقوق التاريخية) أن تفسر اهتمام الفقهاء بأحداث تبدو ثانوية من الوجهة التاريخية (6).

____________

(1) الأخبار الطوال، ص 112.

(2) فتوح البلدان، ص 243؛ الأخبار الطوال، ص 112؛ لا نجد في تاريخ خليفة بن خياط أي خبر مهم: انظر ج 1، ص 85- 86.

(3) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 343.

(4) أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 142- 149.

(5) ابن الأثير، الكامل، ص 384- 461.

(6) يعتمد البلاذري في رواية الأحداث، قواعد فقهية من هذا القبيل: «ليس لأهل السواد عهد إلّا الحيرة و أليس و بانقيا» أو من ذلك: «لا يصلح بيع أرض دون الجبل إلّا أرض بني صلوبا و أرض الحيرة»، فتوح البلدان-

19

هناك تعليل آخر صبغته اجتماعية تاريخية. لقد تحقق الفتح على مراحل متوالية، و كان التمييز بين المحاربين على أساس الأقدمية في الخدمة ( «السابقة»). فجسم هذا الأمر إسقاطا على الأحداث التي تلت وجود الرسول، لزمنية نبوية و إسلامية محضة. و عندما جدّت نزاعات اجتماعية دينية في خلافة عثمان و علي و معاوية، و في الكوفة بالذات، كانت جميعها أو كادت تدور حول اختيار سلم الرتب، و كان التيار الإسلامي ينزع طبعا إلى تمييز السابقة الزمنية في القتال. و قد آل الأمر إلى أن يكوّن أبطال الأيام مجموعة متماسكة كانت لها مطامح سياسية و اجتماعية في البداية، ثم تحولت إلى مجرد مطامح تاريخية و أدبية. «كان أهل الأيام من أهل الكوفة يتوعدون معاوية عند بعض الذي يبلغهم، و يقولون: ما شاء معاوية، نحن أصحاب ذات السلاسل، و يسمون ما بينها و بين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقار لما كان بعد فيما كان قبل» (1).

لعل هذه المجموعة النشيطة في خلافة عثمان، التي خلت إلى ذكرياتها في عهد معاوية، هي التي غذت رواية الأساطير حول الأيام سنة 12، فتقصت الأحداث الصغرى و الأشعار المنظومة على نموذج مستمد من العصر الجاهلي بصورة غريبة. فنجم عن ذلك مصدر جديد للأثر التاريخي قائم على الأخبار لا على الفقه و قد استوحى صبغة ذات خصوصية- استهدفت المصلحة الأدبية لمجموعة معينة- و صبغة إسلامية في الآن نفسه قامت على مفهوم إسلامي للعزة، و صبغة عربية جاهلية المظهر أخيرا. فمن جهة هناك شعور بعزة شبه أسطورية ناشئة عن أن أهل الأيام كانوا أول من انطلق في مغامرة هشة في بدايتها، لكنها عظيمة في نتائجها آخر الأمر، إذ إن الأشياء لا تقاس بأهميتها الظاهرة بل بصوفية الانطلاقة، و بالحركة الأولى التي تلهب التاريخ و التي ترجع إلى زمن النبي. و من جهة أخرى يعود لفظ الأيام، من حيث وقعه، إلى الجاهلية الأولى: حوادث صغيرة، لا تكاد تدخل في التاريخ، و لكنها تطبع الوعي الجماعي بقوّة. و لربما كان المقصود في نطاق أيامنا العراقية تكييف تكتيك الحرب القبلية إلى تكتيك الحرب الشاملة بين شعب و شعب.

الحقيقة أن هذا التدرب تحقق بعد وقت قصير زمن أبي عبيد و جرير بن عبد اللّه البجلي،

____________

- ص 246. و قد تعددت المناقشات أيضا حول تسويغ البيع و الشراء أو عدمه في أراضي بغداد، التي اعتبرت جزءا لا يتجزأ من السواد: راجع الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1، ص 4- 20. و قد اعتمدDennett في:Conversion and the Poll -tax :، هذه التصورات الفقهية، فأعطى مكانا أعظم مما ينبغي لقرى مثل أليس و بانقيا، الخ ...

(1) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 385. حسب هذا النص، يمكن تحديد أهل الأيام بوصفهم العناصر الذين اشتركوا في آخر الغزوات النبوية، ثم في القضاء على الردّة، بقيادة خالد، و أخيرا في الغارات الأولى على العراق التي بدت لهم كأنها تتويج لعملهم دفاعا عن حياض الإسلام و توسعه في الجزيرة العربية و على هوامشها.

20

خلال المرحلة الثانية من الفتح. أما في مرحلة الأيام، فالأمر بقي مرتبطا بأحداث كانت تدور بين العرب أنفسهم: في الحيرة مثلا أو في عين التمر، حيث المهزومون الرئيسيون كانوا من عرب الحدود أكثر مما كانوا من الفرس، و كأنّ ذلك، بشكل من الأشكال، امتداد لحرب القضاء على الردة.

إن تاريخ الطبري هو أضمن المصادر بهذا الصدد رغم مظهره المتشعب. أما البلاذري فيخلط بين التواريخ و تشتبه لديه الأحداث و يدخل فيها جانبا لا يستهان به من غريب الرواية و الوعظ. أما كتاب أبي يوسف فهو جيد لكن يعوزه التحديد.

يروي الطبري عدة روايات منكرا صحتها (1)، و قد ورد فيها أن خالدا مرّ بالأبله و اتجه شمالا حتى الحيرة. الواقع أن الساحة الرئيسة للعمليات كانت تقع في موقع الكوفة العتيدة حيث جرى الاستيلاء على الحاميات و في الإمكان أن يكون العرب قد تقدموا في مرحلة ثانية إلى السواد حتى دجلة، محتلين إياه في واقع الأمر، بحيث أن دجلة لا الفرات هي التي قامت مقام الحاجز بين العرب و العجم في مطلع عام 13 (2). و دعي خالد، في المرحلة الأخيرة، لنجدة الجيوش في الشام فسار إلى أعلى الفرات و دخل الجزيرة فقمع بشدة القبائل العربية على حدود الشام، ثم عبر الصحراء فتفرع جيش الأيام فرعين: فرع رافق خالدا تحت اسم أهل العراق و عاد فورا لا محالة بعد وقعة القادسية، و بقي قسم آخر مع المثنى في الحيرة، و هم في اعتقادنا أنصار المثنى بالذات، و سيكون نصيبهم المشاركة في كل مراحل المغامرة العراقية.

إن الحصون التي استولى عليها خالد و المثنى هي أليس و الحيرة و بسما و بانقيا و أمغيشيا. توجد أليس على الفرات‏ (3) و كانت في حماية قائد عسكري فارسي يسمى جابان و قد لعب دورا ما في حروب الفتح حتى وقعة القادسية. كان جابان يعتمد على أعوان عرب‏

____________

(1) و جاراه فلهوزن في هذا الرأي:.Prolegomena .

(2) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 414.

(3) هذا ما ورد في أغلب المصادر، لكن لا يشكل ذلك خبرا كافيا، إذ لو كانت حامية فارسية تدافع عن خط المواجهة مع العرب، لوقعت منطقيا على ضفة الفرات اليمنى، لكن السياق كله الذي توحي به مطالعة كتاب الطبري خاصة، يدل على وجود هذه القرية و القرى الأخرى داخل السواد، أي على ضفة الفرات اليسرى و بالأحرى في منطقة الحيرة و الكوفة و هو الموقع الذي حدده لها صالح أحمد العلي في الخارطة المدرجة بدراسته:

«منطقة الكوفة، دراسة طبوغرافية»، سومر، 1961، المجلد 21، ج 1 و 2، ص 229- 253. و قد أشار الدينوري صراحة، ص 298، إلى وجود بانقيا في المنطقة ذاتها. هذا و لا يعتمد على المعاجم الجغرافية المتأخرة في موضوع التعرف على المواقع القديمة، إذ أوردت ما نقلته عن الكتب السابقة و هي بذاتها قليلة الوضوح:

ياقوت، معجم البلدان، ج 1، ص 331 و 320. و قد أكد الطبري في مكان آخر أن أليس تقع بمنطقة الأنبار، و تتوغل في الشمال: التاريخ، ج 3، ص 473.

21

إما من عرب الضاحية (الحيرة)، و إما جندوا من القبائل المتحالفة: و هي قبائل عجل و أياد و ضبيعة. و انتهت القضية بتقتيل حقيقي لهؤلاء العرب و الاستيلاء على أمغيشيا (1)، و كانت أليس قلعة لها (2). كما وقع الاستيلاء على الحيرة بالعنف نفسه. فقد ضرب الحصار على حصون القصر الأبيض و قصر العدسيين، و قصر بني مازن، و قصر ابن بقيلة حيث كان يوجد عمرو بن عبد المسيح‏ (3) الحامي الرئيسي للحيرة. و نشبت المعركة و دخل الجيش البيوت و الأديرة، و بدأ التقتيل، فطلب سكان القصور الصلح، لما كانت عليه المدينة و الأديرة من عجز عن الدفاع، و قبلوا بدفع جزية تبلغ 190 ألف درهم، و وعدوا، فوق ذلك بإرشاد الجيوش الإسلامية. و تجدد المشهد نفسه تقريبا في كل مكان: الشروع في التقتيل في المدينة الملاصقة للحصن، و استسلام المدافعين عن الحصن بعد التفاوض على إبرام اتفاق. و كان يتم أحيانا إبرام معاهدة صلح بعد حصول اقتحام واضح لا جدال فيه:

حدث ذلك في بانقيا و عين التمر (4). و يروي الطبري الأمور و كأنه يريد إطلاعنا على القواعد الفقهية التي اعتمدها الفتح في البداية و قد يتعلق الأمر أيضا بإسقاط على الماضي.

و يظهر خالد في هذه الروايات بمظهر أول شخص ينظم الفتح و يكتشف و يمارس قواعد تنظيمه الأساسية: مبدأ الصلح، و العهد، و بقاء الفلاحين في أراضيهم، و التمييز بين العمل و الثغر (5).

و هكذا أنهي فتح نصف السواد (حتى دجلة) بعد إنجاز ضربة خاطفة، ساعد عليها غياب الفرس من الساحة غيابا كاد يكون تاما؛ و يمكن القول إن خالدا تعهد الفتح و كأنه وقع احتلال نهائي. روي أنه بقي سنة في الحيرة يقوم بدور الوالي الحقيقي على المنطقة الموجودة بين الفرات و دجلة (6). و إن هو انطلق شمالا و قاد حملة قصيرة، فذلك لكي ينجد أحد ضباطه المسمى عياض بن غنم الذي كان في وضع صعب. وجدّ في الأثناء يوم‏

____________

(1) أثبتت الحفريات التي تمت في بابل عام 1883، وجودUmmischigedia و لعلها تكون هي بذاتها أمغيشيا:

. Wellhausen Prolegomena, p. 14

(2) الطبري، ج 3، ص 358.

(3) الطبري، ج 3، ص 364.

(4) تحدث أبو يوسف عن الاستيلاء على هذه القرى عنوة، كما تحدث أيضا عن عهد: كتاب الخراج، ص 145، كان يرمي إلى وعظ الأمراء عن واجب احترام المعاهدات التي أبرمها سابقوهم.

(5) يبدو أن خالدا ولى عمالا: فاتجه جرير إلى بانقيا و بسما أو باروسما، و اتجه بشير بن الخصاصية إلى بانبوره، و سويد إلى نستار أو عقر، الخ: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 369. أما الثغور فكانت في حكم أربعة أمراء منهم المثنى و القعقاع بن عمرو المشهور.

(6) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 372.

22

الأنبار (1) و يوم عين التمر (2)، و يوم دومة الجندل‏ (3). كانت عبارة عن هجمات عنيفة طلبا للغنيمة و التخويف، و قد ذهب ضحيتها عرب الضاحية. فقتّلت النّمر و تغلب و أياد في عين التمر داخل الحصن، و اشتهر هذا الحصن لوجاهة الأسرى الفتيان الذين أسروا فيه (و لا سيما سيرين و يسار و نصير). و قد واجه خالد في دومة الجندل قبائل كانت تقيم بين الشام و الجزيرة هي بهراء و كلب و غسان و تنوخ. ندرك في هذا الصدد الوجه الجاهلي العروبي الموجود في الأيام، إدراكا جيدا، فضلا عن كونها تظهر أيضا بمظهر حروب الردة، الذي لا يرحم غير المسلمين. فوقع تقتيل الأسرى العرب، إلا من كانوا من كلب لأنهم كانوا في حماية حلف مبرم مع تميم. و على هذا النحو حصلت القطيعة مع عرب الضاحية في الجزيرة كما في العراق، و انضمت العناصر الخارجية من ربيعة إلى الفرس‏ (4).

عاد خالد بعد هذه الجولة العسكرية إلى الحيرة و هناك دعي إلى اللحاق بالشام، فانتهت الأيام العراقية بعد نشوب بعض المعارك، بيوم الفراض. و قد حددها أصحابها أنفسهم، نعني أهل الأيام، على هذا النحو من الوجهة الزمنية. و برزت هذه التشكيلة كإحدى التشكيلات الاجتماعية المقبلة التي ستكون لها أهمية كبرى في الكوفة. الواقع أنه بقبولنا رواية هذه الأحداث على هذا النحو، ندرك ما كان من تمجيد هؤلاء الرجال للأيام، و ندرك مبررات هذا التمجيد بصورة من الصور، ذلك أن هذه الأيام تمثل الملحمة الكاملة- و لو بصورة مجملة و وتيرة لاهثة- لفتح العراق.

مرحلة وسيطة: الجسر و البويب (13- 14 ه/ 634- 635)

إذا ارتأت حكومة المدينة لزوم توجيه خالد لنجدة جيوش الشام و لم تقم بالعملية المعاكسة على الرغم من الإنتصارات الساحقة التي سجلتها الأيام، فإن هذا يرجع إلى كون الجبهة الحقيقة الجدية و الوحيدة التي تخضع لاستراتيجية موضوعة مسبقا هي جبهة الشام.

الواقع أن العمليات التي وجهت ضد البيزنطيين بكامل الجدية، أعطت نتائج إيجابية فورية بفضل انتصار أجنادين‏ (5) (جمادى الأول من سنة 13/ 634) الذي تمّ و أبو بكر على قيد الحياة.

____________

(1) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 373- 375.

(2) الطبري، المصدر نفسه ج 3، ص 376- 377.

(3) الطبري، ج 3، ص 378- 380.

(4) اعتنقت الاسلام منذئذ بعض جماعات من ربيعة في العراق: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 414. هذا دون اعتبار الوثبة العرقية القومية التي دفعت بأفراد من ربيعة إلى الانضمام إلى اشقائهم العرب، في وقعة القادسية و حتى قبل ذلك: المرجع نفسه، ص 464.

(5) الطبري، ج 3، ص 415- 418، نقلا عن سيف بن عمر الذي لم يميز بين أجنادين و اليرموك (15 ه/ 636)،-

23

و تولى عمر الخلافة فتابع مخططات أبي بكر، دون أن يدخل عليها من البدء تغييرات تذكر. و لا يبدو قابلا للتصديق أن ننسب إليه، كما فعل سيف‏ (1)، مشروعا واضحا محددا و واسع النطاق، يكون شرع فيه منذ سنة 13، و يتمثل في تصور الفتح صراحة بمثابة غزو للهجرة، و في إرادة إشراك كل العرب من شبه الجزيرة- و منهم المرتدون- في التحرك العراقي. كما أنه لا يمكننا على العكس مجاراة كايتاني حين يؤكد أن عمر لم يهتم جديا بالعراق إلا بعد وقعة اليرموك‏ (2). معنى ذلك أنه لا يمكن أن نحصر كامل العمل الذي سيحققه عمر خلال الثلاث سنوات القادمة- و كان عملا تدريجيا حذرا و جسورا في آن- في نية وضعت مسبقا، إذ تصير بداهة تنظيرا إسقاطيا لما سيتم تحقيقه بعد ذلك. فماذا فعل عمر و ماذا كان يقدر أن يفعل؟ أن يتابع ما سنه أبو بكر، و يداوم الضغط على الحدود الساسانية، ترقبا لظروف أخرى تكون أكثر ملاءمة، بمعنى أن يسهر على إعداد آلة الحرب. لقد استعان في المدة الأولى بنخبة محاربة صغيرة من الأنصار و أقنع في فترة ثانية قبيلة بجيلة بالاستقرار في العراق، و قام بخطوة حذرة في اتجاه الانفتاح على المرتدين. كانت سنة 13- 14 ه عبارة عن مرحلة وسيطة لكنها تجاوزت مرحلة الأيام، بقوة المجابهات التي جدّت. ذلك أن السلطة الفارسية استعادت تماسكها و أخذت في ردّ الفعل في حين أنها اكتفت إلى ذلك الوقت بالاعتماد على الحاميات العربية- الفارسية الساهرة على خط الدفاع.

لكن شعور الفرس الجديد بالخطر العربي لم يكن قويا بما يكفي، حتى يعدلوا عن منازعاتهم الداخلية فكانت ردودهم ظرفية، قوية أحيانا لكنها غير مسترسلة و غير مثمرة.

1) أبو عبيد و معركة الجسر (شعبان أو رمضان 13/ أكتوبر أو نوفمير 634) (3).

كلف عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي‏ (4) برئاسة سرية من ألف رجل لمدّ يد المساعدة

____________

- فالتبست عليه المعركتان و أرخهما في سنة 13، في حين أن كافة الروايات التاريخية الأخرى لا سيما رواية مدرسة المدينة (ابن اسحاق و الواقدي) و منطق الأحداث البديهي تفصل بين الأمرين: البلاذري، فتوح البلدان، ص 120، و خليفة بن خياط، التاريخ، ج 1، ص 87. يلاحظ كايتاني عن حق أن تقديم سيف لمعركة اليرموك نشأ عنه غلطه في تأريخ المعارك العراقية:Caetani ,Annali dell`Islam ,III ,2 ,p .945

(1) الطبري، ج 3، ص 445.

(2)Caetani ,Annali ... ,III ,2 ,p .236 .

(3) حسب كايتاني، قدّم سيف المعركة شهرا:Annali dell`Islam ,III ,2 ,p .036 ,336 .، راجع أيضا:

Voccia- Vagliori, »art. Kadisiyya«, Encyclopedie de l`Islam, t IV, p. 104- 3.

؛ و أورد أبو مخنف تاريخا حدده في شهر رمضان من سنة 13: البلاذري، فتوح البلدان، ص 253. نجد التاريخ نفسه في الدينوري، الأخبار الطوال، ص 114.

(4) لعلّ أبا عبيد لم يكن خاملا بالصورة التي يريد كايتاني حملنا على تصديقها، و يظهر أن هيل‏Hill ,-

24

للمثنى‏ (1)، و قيادة العملية العسكرية في العراق، فربطها هكذا بالحكم المركزي. ضمن هؤلاء المقاتلين الألف نجد صفوة من المسلمين من الأنصار، مع أنه يمكن الخلوص إلى تأكيد وجود عدد مهم من أبناء ثقيف أيضا، إعتمادا على إشارات كثيرة وردت في رواية سيف‏ (2).

لقد واجه العرب المسلمون مع أبي عبيد جيشا فارسيا نظاميا، لأول مرة، كان بقيادة بهمن جاذويه و انضم إليه جالينوس، و كانا قائدين مهمين. و بدأت المعركة، بعد حصول بعض عمليات نهب، بقرقس‏ (3) الواقعة على ضفة الفرات اليسرى، لكنها احتفظت باسم معركة الجسر، اعتمادا على إسم المشهد الرئيسي الذي أثر فيها و حيث أشرف العرب على الكارثة. لقد أرهبتهم الفيلة، فأخفقوا في تفجير قلب الجيش الفارسي رغم الحملات العنيفة التي شنوها عليه. و ما لبثوا أن أجبروا على التقهقر إلى شاطى‏ء الفرات دون أن يقدروا على عبوره من جديد- ذلك أن الجسر المتكون من مراكب انقطع بمبادرة عابثة قام بها أحد العرب- فقتلوا و أغرقوا. روى سيف أن عدد القتلى ارتفع إلى 4000 و فرّ ألفان، و لم ينج سوى 3000 رجل من بكر من رجال المثنى‏ (4). لقد أنقذ المثنى الجيش، برباطة جأشه، من هلاك لا هوادة فيه. أما أهل المدينة فلجأوا إلى الصحراء استحياء من الفرار، و قتل أبو عبيد بعد أن برهن على شجاعته أكثر مما برهن على خبرته. إن الصدمة التي أثرت في الأنصار رفقاء أبي عبيد تبرهن بقوة على ماهية الإيديولوجيا الإسلامية التي استلهمت الفتوحات روحها منها إلى مدى بعيد، فبدا الفرار في نظر أهل المدينة و كأنه ضعف لا يغتفر، لا بمعنى الشرف العربي المعهود بل كخطيئة اقترفت تجاه اللّه. و لم يكن ينوي عمر توجيه الاتهام إليهم‏ (5) بل إنه قام بعملية نفسية من شأنها رفع الشعور بالإثم عنهم‏ (6). و يرجع الفضل له‏

____________

-

The Termination of Hostilities in the Early Arab Conquests, 436- 65. London, 1791, p. 011.

قد جاراه في ذلك. لكن كان أبو عبيد ينتمي إلى نسب رفيع من ثقيف.

(1) البلاذري، فتوح البلدان، ص 251، ذكر أن أبا عبيد جند الرجال في الطريق؛ و قال الطبري، ج 3، ص 444، إن المثنى كان بالمدينة؛ انظر الدينوري، الأخبار الطوال، ص 113.

(2) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 444- 445.

(3) المرجع نفسه، ص 454. كانت تسمى أيضا قسّ الناطف أو المروحة: الدينوري، ص 113.

(4) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 458؛ اقتبس إبن الأثير هذه الأرقام و القصة بأكملها، متقيدا كثيرا برواية سيف التي ذكرها الطبري لكنه عرضها بصورة أكثر وضوحا: الكامل، طبعة بيروت، 1965، ج 2، ص 438- 440.

(5) نسب كايتاني إلى سيف خطأ، أنه روى خبرا عن عمر جاء فيه تأنيب للأنصار:Caetani ,Annali ... ,III ,2 ,.p .756

(6) أضنى الخجل بعض أهل المدينة، فلجأوا إلى البادية، و رجع بعضهم الآخر إلى المدينة: الطبري ج 3، ص-

25

و للمثنى في التغلب على صدمة الهزيمة ناسبا إياها إلى الخطأ لا إلى ضعف عسكري هيكلي.

و لو لا إصرار عمر، و لو لا ما بذله المثنى من جهد تنظيمي حيث نراه دائما مستعدا لتصحيح أخطاء الآخرين، خاضعا لتدخلات السلطة بالمدينة و عزمها على إبعاده عن القيادة، لبدا فتح العراق بعد انهيار الجسر أمرا بعيد المنال بالنسبة للعرب. و من يدري، لعل فتح الشام أيضا ستهدده بعد ذلك و على المدى المتوسط الدولة الفارسية لو أتيح لها الوقت لاسترداد قواها.

2) البويب‏

بقي المثنى وحيدا من جديد. و تعذر استغلال التقدم الذي اكتسبه الفرس في معركة الجسر، لما كانوا عليه من خلافات داخلية (1). لكن المثنى احتاط و تراجع إلى الطفّ، فبلغ إمّا أليس الصغرى، أو أقام بين خفان و القادسية تاركا الحيرة. عند ذلك قرر عمر توسيع التجنيد، و تجاوز الدائرة المدنية- القرشية- الثقفية من العرب المستقرين الأوفياء للسلطة الحاكمة، و قرر تعبئة القبائل و العشائر داخل جزيرة العرب. كان هذا الانفتاح تدريجيا لا محالة، يجري حسب نظام التطوع كالعادة و بمساعدة شيوخ العشائر، و لم يتقرر، بعد آنذاك استنفار العناصر التي أمعنت في الردة. كان عمر يقصد محو هزيمة الجسر و حمل العرب أيضا على قبول فكرة الهجرة إلى العراق‏ (2)، فوجهت الدعوة إلى قبيلة بجيلة. و كانت بجيلة من أصل يمني، و أقامت قبل ذلك بالسراة ثم دحرت و شتتت، و تفرقت (تحت ضغط الأزد؟).

و كان جرير بن عبد اللّه البجلي و هو من صحابة النبي و من المقربين لعمر، يسعى إلى جمع أفراد هذه القبيلة المتفرقين، و يحاول أن يعيد تشكيل قبيلته فردا فردا (3). فالتقى مشروع‏

____________

- 458. و لنذكر أن القرآن بعد وقعة أحد أنب المؤمنين الفارين من القتال، إلّا إذا حصل تجمعهم لدى مؤمنين آخرين: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ الأنفال، 16. و اعتمد عمر تفسيرا آخر للآية ليعيد لرجاله هيبتهم كما كانوا يتصورونها. و تحدث أيضا البلاذري عن تقتيل الأنصار، ص 253، لكن القصة التي أوردها عن معركة الجسر كانت موجزة ضعيفة التماسك في مجموعها.

(1) روى ذلك الطبري نقلا عن سيف قال: «و أتى ذا الحاجب الخبر باختلاف الفرس»، ج 3، ص 458. و عاد بجيشه.

(2) الطبري، التاريخ، ص 460- 464؛ الدينوري، ص 114. كان على عمر أن يقنع المتطوعين، و أكثرهم من القادمين من اليمن، باختيار الإقامة في العراق.

(3) لعلّ بجيلة تفرقت بعد حرب الفجار: الجمهرة، ص 390، فاعتزم جرير جمعها في حياة الرسول حيث حصل على وعد منه في هذا المعنى، فذكر أبا بكر بالأمر حين انضم إلى جيش الشام، لكن أبا بكر أجّل المشروع إلى وقت لاحق لكثرة مشاغله: الطبري، ج 3، ص 365. و الملاحظ أن نسبته لحمير لا لبجيلة في هذا الخبر.

و توجد هذه النسبة أسفل الوثائق التي يعتقد أنها أبرمت بين خالد و أهل الحيرة: المرجع نفسه، ص 368-

26

جرير بمشروع عمر: كان الأول في حاجة إلى فكرة و هدف جديد و طموح، و كان الثاني محتاجا إلى مهاجرين و محاربين مسلمين أوفياء ليدفع بهم إلى العراق. على أن جريرا لم يرض بمقترح عمر إلا مترددا، لأن قومه كما العرب كافة، باستثناء بكر دون شك، كانوا يفضلون الشام على العراق. و تم الاتفاق، بعد بذل الوعد لبجيلة أن تمنح هبات خاصة عند الانتصار و تقرر أن تأخذ ربع الخمس من الغنيمة كما جاء في أغلب المصادر (1)، أو «الثلث بعد (أخذ؟) الخمس»، كما أشار إلى ذلك البلاذري إشارة غامضة (2) أو ربع البلدان المفتوحة كما كان محتملا كثيرا (3). و يبقى الشك يسيطر على هذه المساومة، نظرا لأن المرحلة التي بلغها الفتح في العراق لم تكن تؤهل للوعد بأي شي‏ء. و مما له دلالة أن جريرا تخلى عن كل مطلب على السواد، بعد الانتصار، لأسباب معنوية صرف‏ (4). هذا و قد تحولت قبيلة بأكملها كانت تعد 2000 رجل، إلى العراق بهدف الهجرة نهائيا، مفتتحة بذلك الحركة الكبرى للهجرة اللاحقة.

و إلى جانب بجيلة، أشير إلى تدفق الحشود من الأزد (5)، و كنانة، و ضبة، و خثعم و الرباب، و بني سعد، و بني عمرو (6)، و عبد القيس، كما حضرت قبيلة النمر من ربيعة و قد كانت إلى جانب الفرس إلى ذلك الوقت، تدور بدرجة متفاوتة في فلك الساسانيين، و بعد أن سلط عليها خالد قمعا شديدا. لعل عناصر عبد القيس و النمر (7)، و حتى تغلب و قد شهدت البويب أدمجت من طرف المثنى فيما يمكن تسميته بجيشه الخاص أو القبلي، طالما كان‏

____________

- و 369. لكن سيف كان صريحا في أن جريرا لم يدخل العراق قبل معركة الجسر. أما عن تسميته بالحميري، فإما انها تعود إلى أن مجمّع بجيلة كان غريب النسب عنها سواء كان أزديا أم حميريا، و اما انها اختلطت بمسألة عرفجة بن هرثمة منافس جرير. كان عرفجة أزديا من بارق، و يبدو أنه قاد جانبا من بجيلة على أدنى تقدير و كان عمر يفضله على غيره، لكن بجيلة تخلوا عنه و التفوا حول جرير: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 462 و ص 471.

(1) مثلا: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 462.

(2) فتوح البلدان، ص 254، نقلا عن الشعبي.

(3) المرجع نفسه، ص 253 عن أبي مخنف، و ص 267 عن ابن أبي حازم حيث قال أيضا أن بجيلة «كانت ربع الناس يوم القادسية».

(4) المرجع نفسه، ص 267، و ذكر خبرا آخر بالصفحة نفسها قال فيه «كان عمر أعطى بجيلة ربع السواد فأخذوه ثلاث سنين» و في نهايتها طلب عمر منهم إرجاع الأموال، و التساوي مع بقية المسلمين. و يوجد الخبر ذاته تقريبا في كتاب الخراج لأبي يوسف، ص 32.

(5) مثلا الطبري، التاريخ، ج 3، ص 463، كانت الأغلبية لبارق بقيادة عرفجة لا مخنف بن سليم كما يقول الدينوري في الأخبار الطوال، ص 114.

(6) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 464.

(7) الطبري، الموضع نفسه، و قد مثلها أنس بن هلال النمري، و كان شخصا مرموقا.

27

استقلاله كبيرا بالنسبة للسلطة في المدينة. أما الآخرون فإن السلطة هي التي استحثتهم على التنقل و الواقع أن منهم عشائر وقادة تورطوا في حروب الردة، منهم عامر بن ربعي، و عدي بن حاتم. و بما أن سيف بن عمر انفرد بذكرهم، يمكن القول انه سبق الأحداث، و يمكن التفكير كذلك أن عمر بتوجيهه هذه الفرق الصغيرة، أراد اختبار صلاح أهل الردة.

إن روايات سيف جيدة بصورة عامة، فيما يخص القبائل و تركيب الجيش العربي، و ترتيب وصول الجيش و عدد المقاتلين‏ (1)، في حين أنها تخطى‏ء في خصوص ضبط التواريخ. فما قولنا في كل ذلك سوى أن عمر قرر على الأرجح منذ مطلع سنة 14 ه، و ربما حتى منذ أواخر سنة 13، الشروع في مسيرة القبائل الطويلة، بهدف فتح العراق فتحا حقيقيا (2)، دون أن يترقب نتائج العملية الدائرة في الشام؟ و من هذه الوجهة تمثل هجرة بجيلة، و رحيل ضبة و خثعم و غيرهما، التي تمت عن طواعية، توطئة لما سيجدّ على صعيد أوسع بمشاركة سعد، كما تمثل البويب معركة تدريبية تعد العدة لمعركة القادسية. كان ينبغي الانتصار لا محالة في البويب، بلوغا لهذا المطلب.

سمي هذا الصدام بيوم مهران أيضا (3) على اسم القائد الفارسي المهزوم و المقتول، عند موقع الكوفة العتيدة، فيما بين خطة السكون و الفرات أو دار الرزق- و بني سليم‏ (4)، حيث كان البويب بمثابة المصب العتيق للفرات‏ (5). و دارت المعركة وراء الفرات، على مدى المجال الذي ستحتله مدينة الكوفة. المؤكد أن الرهان كان مهما. قد يتسبب انتصار للفرس بالبويب في دحر العرب، كما أن انتصارا للعرب قد يجبر الفرس فعلا على خوض المجابهة النهائية لإنقاذ العراق و الامبراطورية كافة أو التخلي عنهما. لا شك أن الفرس شعروا عند انهزامهم بالبويب، بواقع الخطر العربي عند فوات الأوان، أما العرب، فقد استمدوا من نصرهم جسارة لا تقهر. بقي أن نتحدث الآن عن مشكل تأريخ الأحداث.

____________

(1) معلوماته من الدقة و التماسك في هذا الموضوع بما يمنع التشكيك فيها بجملتها و قد استخدم الطبري كتاب الفتوح الكبير: راجع الفهرست، طبعة بيروت، ص 94. أما عن الفتوحات فيراجع هيل،Hill Termination of Hostilities ... ، الذي استعرض ستا و ثلاثين رواية كان أوردها سيف. و لنضف بخصوص فتح العراق، أن الاسنادات المتواترة تعود إلى مجالد و الشعبي و محمد و طلحة.

(2) نتفق كل الاتفاق في هذا الأمر مع السيدة فيشيا فاغلييري:

Mme. Veccia- Vaglieri, E. 1/ 2 Sub Verbo Kadisiyya

، و من المفارقة أن سيفا أورد التاريخ نفسه: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 478.

(3) كان مهران أحد رؤساء العشائر السبع، راجع:

Christensen, L`Iran sous les Sassanides. Copenhague,. 6391, p. 99

(4) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 468.

(5) «كان مغيضا للفرات في عصر الأكاسرة يصب في الجوف»، حسب عبارة البلاذري، فتوح البلدان، ص 254؛ و في معجم البلدان، لياقوت، ج 1، ص 512، تفاصيل أخرى.

28

رفض كايتاني بحق التأريخ الذي اقترحه سيف و الذي جعل وقعة البويب تقوم بعد شهر من معركة الجسر، يعني في رمضان 13 ه/ نوفمبر 634، و حجته على ذلك جيدة (1).

لقد قدم سيف تأريخ وقعة البويب لأنه قدّم تأريخ القادسية. و بما أنه أساء تأريخ اليرموك و فتح دمشق‏ (2)، فقد أجبر على تنقيح كل التواريخ. و من جهته أخذ كايتاني مؤشرين بعين الاعتبار صعودا و نزولا استمدهما من مدرسة المدينة- مدّة سنة بين معركة الجسر و معركة البويب‏ (3)، و ثمانية عشر شهرا بين وقعة البويب و القادسية- فكان عليه أن يؤخر التواريخ كلها. و حيث اننا نلتزم بتأريخ معركة القادسية في رجب أو شعبان 15 ه/ 636 م فإن تاريخ رمضان من سنة 14 ه يبدو لنا تأريخا متأخرا جدا بالنسبة لوقعة البويب، و قد فضلنا عليه تاريخ ذي الحجة من سنة 13 ه أو محرم من سنة 14، و بذلك نكون قد احتفظنا بمدة الثمانية عشر شهرا التي تفصل بين المعركتين‏ (4).

على أن المهلة كانت نسبية تماما، لأن العرب شرعوا في اكتساح السواد و استغلوا حيرة أعدائهم و اضطراب أمورهم، فشنوا الغارة فيما بين الحيرة و كسكر و سورا و الصراة و فيما بين الفلّوجتين، و النهرين، و عين التمر. ثم أنهم نهبوا تكريت و سوق بغداد، فانتزعوا أموال التجار الآراميين من الأعالي، كما نهبوا حماتهم العرب- الخفراء- من قضاعة و ربيعة (5).

لكن في الاثناء و بفاعل الضغط العربي أخذت السلطة الفارسية تعمل من أجل إعادة تنظيم صفوفها و قد تعالت الشكايات الصادرة عن دهاقين السواد المنهوك. و هكذا توّج يزدجرد

____________

(1).Annali ... ,Vol III ,p .556 ff . و قد سبق لفيلهوزن أن رفض هذا التأريخ، راجع:

Prolegomena ... in:. Skizzen und Vorarbeiten, VI, p. 37

(2) أرخهما في سنة 13 ه.

(3) الواقع أن هذا الخبر ذكره أبو مخنف و استعاده البلاذري، فتوح البلدان، ص 253، و هو عبارة عن قول منفرد، نرفضه فيما يخصنا لادخاله البلبلة على تسلسل الأحداث.

(4) أرخ البلاذري معركة الجسر في رمضان سنة 13 ه، و لم يذكر تاريخا دقيقا بشأن معركة البويب بل اكتفى بذكر مدة سنة حسب رواية أبي مخنف، و بذلك تحدد تأريخ معركة البويب في رمضان من سنة 14 ه. و قد فصل محترزا بين معركة البويب و القادسية، بمدة 18 شهرا و بذلك يكون تاريخ سنة 16 ه معقولا، و هو الذي اعتمده كايتاني. فيثق المستشرق الإيطالي في النهاية بالواقدي الذي اعتمده البلاذري. و قد أرخنا فيما يخصنا معركة القادسية في عام 15 ه. و سنبين ذلك- فوجب علينا إما إهمال السنة الفاصلة بين معركة الجسر و معركة البويب أو مدة 18 شهرا التي تفصل بين معركة البويب و القادسية، و قد فضلنا الحل الأول رغم أن سيفا أشار إلى أن المحاربين في البويب كانوا صائمين (الطبري، ج 3، ص 461)، و في رأيه أن الأمر يتعلق بعام 13 لكن رواية ابن عمرو الشيباني أرخت معركة البويب بالفعل في محرم سنة 14 ه: البلاذري، فتوح البلدان، ص 253، و أرخ خليفة بن خياط وقعة البويب في صفر من سنة 14 ه: التاريخ، ج 1، ص 98.

(5) قتل المثنى جماعات من تغلب و النمر: الطبري، ج 3، ص 473- 475، و حدثت أعمال نهب و أخذ بالثأر يعود طابعها إلى العصر الجاهلي.

29

ملكا، و قد كان حفيدا لكسرى أبرويز و أنهيت و صاية بوران، و سلمت قيادة الجيش الموحدة إلى رستم. و وازن هذا التأهّب الفارسي من أجل المواجهة الحاسمة، المسيرة الطويلة التي قادها سعد بن أبي وقّاص، من المدينة إلى القادسية، و تنظيم جيش عربي جديد تحت قيادته.

المسيرة العربية إلى العراق و التوطئة لوقعة القادسية (محرم 14- رجب 15)

إن فكرة كايتاني الرئيسية هي أن عمرا لم يكن يقدر حقا على أن يأخذ على عاتقه القضية العراقية إلا بعد أن يكون قد حسم الأمر مع البيزنطيين في اليرموك (رجب 15/ أغسطس 636) (1). لكن هذا تأريخ مردود إذ يفسح وقتا قصيرا جدا لسعد لكي يجمع جيشا يعد ثلاثين ألف رجل. فلا موجب لإبداء الشك في الأرقام التي ذكرها سيف، و لا للتقليل من أهمية المعركة ذاتها. يذكر كايتاني أن عمرا لم يكن ليقدر على «تقسيم قواته»، لكن لم تكن هناك فوات لكي تقسم، ذلك أننا لا نجد المادة البشرية نفسها هنا و هناك، في الشام و العراق. إن تزامن العمل هو إحدى خاصيات الفتح العربي (مع استثناء تنقل صغير من الشام إلى العراق و العكس) و قد سبق ليوسف في بحث نشر منذ ثلاثين سنة، أن لا حظ أن بطء مسيرة سعد كان يفترض مسبقا مدة طويلة فأرخ قرار عمر بداية سنة 13 ه (2).

الواقع أن عمر لم يحتج إلى أن يترقب معركة اليرموك للعودة إلى الهجوم على العراق، ذلك أن عزمه على مواجهة الفرس كان واضحا من قبل، حيث حثّ بجيلة و عربا آخرين من قلب الجزيرة على الهجرة. و لم يكن ليلقي بسعد في المغامرة النهائية بكل تأكيد قبل ظهور نتيجة إيجابية في واقعة البويب، أي قبل محرم من سنة 14 ه أو ذي الحجة 13 ه/ فبراير- مارس 635 م.

و مما يدل على ذلك أن عمر اختار صحابيا قرشيا كبيرا مكلفا بجمع الجباية الشرعية من هوازن و هو سعد بن أبي وقاص‏ (3) لقيادة المجابهة الكبرى مع العلم بأن هوازن كانت مع أهل الردة (4). الواقع أن مسيرة سعد بين المدينة و القادسية، مرورا بصرار وزرود،

____________

(1)Caetani ,Annali ,p .236 .

(2)

. »The Batle of Quadisiyya«, Islamic Culture, 91( 5491 ), p. 82

لكنه جارى كايتاني في بداية الأمر.

(3) يبدو أن أبا بكر هو الذي ولّاه على صدقات هوازن في نجد: الطبري، ج 3، ص 482.

(4) الطبري، ج 3، ص 261 و ما بعدها؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 104، يذكر غطفان، و فزارة، و عبس و ذبيان. لكن إلى أي حد تمثل هوازن قبيلة معينة بدل أن تكون نسبا يشمل عدة قبائل، منها عامر بن معصمة و سلول و غيرهما ...: الجمهرة، ص 260 و ما بعدها.

30

و شراف، و العذيب و هي آخر مرحلة في الطفّ قبل دخول السواد، تبدو قبل كل شي‏ء مسيرة لحشد قبائل معروفة مهمّة أصيلة في عروبتها، كانت من الرّحل المشاركين في الردة (1). و هكذا تجاوزت السلطة الحاكمة في المدينة و كادت تتجاوز سياسة الاعتماد على جموع مستقلة (بكر)، أو هامشية (بجيلة و كذا شظايا الأزد و اليمن). كما لم يعد يمكنها توجيه فرق صغيرة مدنية صرف أو شغل القوات المقاتلة في الشام لكنها تولت قيادة الفتح و الهجرة فاتحة الباب لجموع الردة الكبيرة القوية، و وسعت دائرة الأطر البشرية و السياسية و العسكرية لصالح الاسلام الغازي. لقد عمل عمر بهذا على تطابق الدين الإسلامي و شبه جزيرة العرب، فطرد من بلاد العرب كل من لم يكن إسلاميا (2). و بذلك تغلب على الصّدع الذي دب في الهيكل العربي مع ظهور الإسلام، و شحن الإسلام بمحتوى قومي- ثقافي لكنه في الآن نفسه طبعه بطابع البداوة و التسيّس مشكلا بذلك الهيكل المقبل للحضارة التي ستتحدد معالمها في الكوفة و البصرة.

خرج سعد من المدينة برفقة 4000 رجل- منهم 3000 يمني و من السراة (3)، و 1000 قيسي أكثرهم من بني هلال‏ (4)- و حين حط سعد الرحال أول مرة، لحق به 4000 مقاتل منهم 2000 من غطفان‏ (5). و لما كان في زرود و هي من مراعي تميم و أسد اختار بنفسه 7000 رجل من هذه التجمعات القبلية. و تجمع 30000 رجل‏ (6) في الجملة في شراف و التحموا بجيش في تضخم مستمرّ منهم فيما بين 7400 إلى 9400 من اليمنيين، و يرتبط تغيّر هذا العدد بحسب ما يلتصق بنسبة اليمني من تضييق أو توسيع. و عدت ربيعة 8000 رجل منهم 6000 من بكر و 2000 من قبائل أخرى (النمر، أياد، تغلب). و حضر بشراف 11000 رجل من مضر منهم 4000 من قيس، و 4000 من تميم و حلفائها، و 3000 من أسد فمالت النسبة لصالح مضر. لكن الأمر الأكثر دلالة أن نسبة العناصر التي‏

____________

(1) منها أسد، و تميم، و غطفان.

(2) الواقع أن طرد نجران وقع بعد مدة، لكن منطق التماثل قام منذ عصر الرسول، و اكتسى كامل دلالته في خلافة أبي بكر، و اتخذ صفة عملية في خلافة عمر.

(3) الطبري، ج 3، ص 484.

(4) المرجع نفسه، ص 483. المقصود هنا هم الألف رجل الذين جندهم سعد بنجد؛ و ما يمكن استنتاجه من أن واحدا من بني هلال قاد هذا الحشد الأول، هو وجود أكثرية من بني هلال فقط، لكنه استنتاج و ليس بحجة قاطعة.

(5) المرجع نفسه، ص 486. لكن عمرا هو الذي وجه الرجال هذه المرة. المؤكد أن كلمة غطفان تشمل مجموعة من القبائل المتصاهرة مثل فزاره و أشجع و ذبيان و سليم. فمثلا حضر المسيّب بن نجبة الفزاري القادسية مع أبناء قبيلته: الجمهرة، ص 258.

(6) الطبري، ج 3، ص 487.

31

حاربت من البداية لفتح العراق (من بكر و عجل و بجيلة) تقهقرت لصالح اللاحقين، و ضعفت نسبة المخلصين القدامى للإسلام لصالح المرتدين السابقين، و أخيرا تناقصت أعداد العناصر المحتكّة بحضارة المدن المرتبطين من قديم بالخارج لصالح المجموعات البدوية الضاعنة الكبرى التي برزت من أعماق بلاد العرب. هذا ما يمكن استنتاجه على الأقل من شعور يوحي به الوصف المفضل الذي قدمه سيف بن عمر و الذي عملنا على استكماله (راجع الجدول على ص 32- 33).

لقد شكك كايتاني في هذا الوصف، معتمدا روايات أهل المدينة فقط، التي كانت قليلة الإسناد و المعلومات، فألغى حضور المرتدين متهما سيفا بالمودة المتحيزة للبدو أجداد سكان مدينة الكوفة (1). صحيح أن سيفا يقدّم وقعة القادسية كأنها انتصار للموجات المتأخرة من البدو، فلم يعد يتحدث عن بكر، و هو على العكس يمجد القادة المرتدين الكبار- و هذا يبرر نقد كايتاني- لكن بخصوص سير المعركة لا غير. ذلك أن مصداقية سيف أكيدة في كل ما يتعلق بتجمع الجيش، و تركيبه، و هيكلته، و كلّ ما يذكر من توافد الرجال من أسد و تميم، و الرباب، و غطفان‏ (2). و كيف نقبل أنه لم يكن يوجد في القادسية سوى 6000 أو 7000 رجل في حين أن جيش المثنى وحده كان يعد العدد نفسه‏ (3).

كيف يتاح لنا فهم الكوفة العتيدة دون وجود جيش سعد في شراف كما وصفه سيف؟

لا مناص من التأكيد على أن كايتاني لم يفهم لا معنى و لا أهمية استخدام أهل الردّة في عملية الفتح، و قد لفت شعبان‏Shaban فقط النظر إلى هذه الظاهرة منذ مدة قريبة (4). و لنا مزيد من التدقيق فيما ذكره سيف بهذا الصدد (5)، إذ يقول: «استنفرهم عمر و لم يولّ منهم أحدا».

____________

(1)Caetani ,Annali ... ,III ,2 ,p .756 .

(2) إن حسابات سيف دقيقة جدا، فلا يمكن التشكيك فيها. و هي تتفق و معلوماتنا عن الكوفة العتيدة و تؤيدها معلومات دقيقة وردت بالجمهرة لابن حزم: مثلا ص 194، حيث تعرضت لعشيرة بني الحارث بن ثعلبة بن دودان (أسد) التي لعبت دورا ما في القادسية. ورد ذكر تميم و بني عمرو، ص 214، و بني رياح بن يربوع، و الأبناء، و بني شيطان ص 228، على أنها أقامت بالكوفة. و كانت فعلا عشائر قد شاركت في معركة القادسية، خلافا لأكثر تميم البصرة. وصف ابن حزم بني الأعرج من الأبناء بأنهم ساهموا في المعركة و لذا يبدو عدد 4000 رجل من تميم معقولا، و يجعل البقية محتملة.

(3) يبدو لنا أن الأرقام التي ذكرها عوانة (7000)، و اليعقوبي (8000)، و ابن اسحاق (6000)، و أوردها كايتاني‏(Annali ,III ,2 ,p .546 ff) . غير صحيحة و كذلك الأمر بالنسبة للأرقام التي ذكرها الواقدي و أوردها البلاذري في فتوح البلدان، ص 256.

(4)Shaban ,.Islamic History ,p .61 ff .

(5) التاريخ، ج 3، ص 489.

32

جدول القبائل العربية التي شهدت القادسية

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

الواقع أن الاحترازات بقيت عنيدة على مستوى المؤسسات، و لن تبدأ في التبدد إلا بعد وقعة القادسية فعلا، كأن القادسية كانت فرصة للتكفير عما سلف أو بوتقة للتوحيد.

لقد صاحب القادة الكبار المرتدون، منهم الأشعث بن قيس و طليحة بن خويلد و عمرو بن معديكرب، قبائلهم إلى الحرب، لكنهم لم يتحصلوا على أية صفة عسكرية قيادية في شراف. إن قادة الأعشار التي كانت عبارة عن وحدات كبيرة- و التي ستتحول بعد ذلك إلى أسباع- و كذلك الذين كانوا على رأس وحدات الجيش الكبرى المتأهبة للقتال- و هم أمراء التعبئة- سواء على الميمنة، أو الميسرة، أو القلب، أو المشاة، أو الفرسان، قد اختيروا لولائهم للإسلام. و هكذا، وقع تفضيل شرحبيل بن السمط الكندي ضمن قبيلة كندة، على الأشعث الذي كان أكثر شرفا، لكنه كان مرتدا شهيرا كما يذكره سيف الذي يشير إلى أن الأمور ستتغير بعد ذلك قائلا: «و كان قد غلب الأشعث على الشرف فيما بين المدينة إلى أن اختطت الكوفة» (1).

و يلاحظ الاتجاه الإسلامي ذاته في مستوى القيادات الصغرى، نعني العرافات المتركبة من عشرة رجال، على نمط عرافات الرسول و التي ستبقى بالكوفة و البصرة، و بعد أن أعيد فيها النظر من وجهة الوظيفة و العدد. روي أنه «كان في الأعشار»، سبعون رجلا بدريا، و ثلاثمائة و عشرة من الصحابة ممن ترجع صحبته إلى بيعة الرضوان، و ولي ثلاثمائة صحابي آخر شاركوا في فتح مكة و سبعمائة من أبناء الصحابة من كل القبائل‏ (2)، لكن مفهوم الصحابي مرن، و هو يشمل كل أولئك الذين كان لهم اتصال سابق بالرسول. و إذا صحت هذه الأرقام، فلعلها تعني أنه لم يغادر المدينة عناصر كثيرة حيث لم تصلنا أسماء معروفة منهم‏ (3) لا في مرحلة التنظيم و لا في مرحلة المعركة لكنها تبرهن على أنه وقع تفضيل الأوفياء على غيرهم و أن التيار الإسلامي فضّل على التيار التقليدي ضمن عالم القبائل بالذات» (4).

و خلافا لذلك، كان أبناء كبار الصحابة حاضرين بالشام، و قاتلوا بأجنادين كما في اليرموك، حيث دفعوا ضريبة الدم التي كانت مرتفعة (5). و عندما يرد ذكر بعض الأسماء منهم في القادسية فإن عدد الأنصار يربو على عدد القرشيين. و من باب التناقض أن يلح‏

____________

(1) المرجع السابق، ج 3، ص 488.

(2) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 490.

(3) لكن ورد ذكر اسم عبد اللّه بن المعتم: الطبري، ج 3، ص 488.

(4) من الأوفياء كان هناك أشراف. و لنذكر زهرة بن عبد اللّه بن قتادة بن الحوية الذي كان قائدا للطليعة (الطبري، ج 3، ص 488 و غيرها)، و عاصم بن عمرو، المرجع نفسه، ص 530).

(5) البلاذري، فتوح البلدان، ص 141.

35

سيف في روايته المستندة في هذا المقام إلى مجالد بن سعيد و الشعبي، في آن واحد على متانة القيادة الإسلامية و الطابع العربي القومي للمواجهة النفسانية، و على الدور الفعلي المتفوق الذي لعبه القادة التقليديون المرتدون الذين صاروا يجسمون القيم الحربية العربية. و قد قلنا إن روايته للاستعدادات لمعركة القادسية لم تتجاهلهم، بل يبدو أنها وضعتهم في المقدمة.

لقد انتزعت من رؤساء القبائل القيادات الكبيرة كافة، لكنهم لعبوا دورا حاسما في التعبئة النفسانية، و أجروا المحادثات مع العدو و تولوا فعلا قيادة أفراد قبيلتهم في الهيجاء (1). فهل كان ذلك تشويها متحيزا عن وعي أو بدون وعي كما أكد كايتاني، أم كان تحويلا طرأ على واقع الأمور، أي تجسيما لعودة القوى الحقيقية و محاولتها زعزعة الهيكل المؤسساتي؟ لا شك في تضافر الأمرين. إن روايات سيف دقيقة و ملحمية في آن، و هي مطبوعة بالشمولية و الانتقائية على السواء، فالدقة تحملها على عدم تجاهل إرادة عمر الجازمة على إقرار تأطير إسلامي على أوسع درجة و انتقائيتها تحملها على تناسي الرجال الذين كانوا دعامة لتلك القيادة. كما أن رواية سيف اتصفت بالملحمية لأن هذا المؤلف أعطى المرتبة الأولى لأعمال الذين أسسوا استمرارية تاريخية في العراق و لا سيما في الكوفة. لكن الصحيح من جهة أخرى أن جيش العراق باستثناء فترة خالد و أبي عبيد كان مركبا في الواقع و على الدوام من عناصر بدوية من خارج الحواضر الإسلامية، و هي لعمري ظاهرة اتسعت مع سعد، فلا عجب بعد ذلك أن يتناسى و يتجاوز قادة القبائل سلطة المدينة؛ و من يدري، لعل عمرا اجتهد بغية محاربة الفرس، من أجل النهوض بالقوى العربية الصرف، شريطة أن تخضخ هذه القوى للمثل الإسلامية المطروحة كهدف أسمى؟

و قد روى سيف أن عمرا أراد مواجهة الفرس بأفضل العرب، بمعنى أبطالهم و خطبائهم و شعرائهم. و لعله سمح لبعض قيم الجاهلية بالعودة إلى النشاط و لا سيما القيم التي لم تكن تعارض الإسلام إلا قليلا. كان ذلك نتيجة منطقية للانفتاح على الردة و الاختيار الأساسي المتمثل في تفضيل الفتح الواسع على الفتح المحدود، و توسيع الإسلام بدل تعميقه. و قد لاحظ سيف وجود رجال من أهل الشجاعة- على رأسهم عمرو بن معديكرب و طليحة، و قيس بن هبيرة- و رجال من أهل الرأي- كالمغيرة بن شعبة و حذيفة، و عاصم- و شعراء- كالشماخ، و الحطيئة، و أوس بن المغراء، و عبدة بن الطبيب‏ (2).

____________

(1) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 514، 532، 533، 537، حيث تنسب الروايات لعمرو بن معديكرب دورا بطوليا كان قام به في يوم أرماث، و في ص 557، حيث نرى عودة عمرو و طليحة إلى الظهور يوم عماس و مبادرتهما بأعمال ظرفية في القتال.

(2) الطبري، ج 3، ص 533. روى أن المغيرة جاء من الأبله: الدينوري، ص 118؛ و البلاذري، ص 256.

و لعلّ وضع أبي محجن الشاعر يستند إلى عملية عصيان في وجه سعد، و قد أفاضت المصادر في رواية موقف هذا-

36

أما عن الوفد الموجه إلى رستم، فقد انتقى سعد قادة تقليديين من الرؤساء، و لكنهم رجال الإسلام أيضا، منهم ربعي بن عامر و المغيرة بن شعبة، و النعمان بن مقرّن‏ (1). و ما له دلالة كبيرة رواية الحوار الذي دار مع رستم، و هو حوار كان بمثابة المواجهة الإيديولوجية التي سبقت الصدام المسلح. من البديهي أن هذه الرواية أعدت بالكوفة، لكن متى؟ هل تمت قبل انبثاق الشعوبية أم بعده؟ هل كانت تعبر عن وعي بالارتباط بعملية الفتح فقط، لكونها أساسا للسيطرة العربية التي كانت قائمة في مجتمع الكوفة، فيما بين سنة 100 و 130 من الهجرة؟ أم كانت تردّ ردّا غير مباشر على تشكيكات الشعوبية، فقدمت صورة مرضية للعرب، صورة شعب فتي متحمس يحتقر السهولة على طرفي نقيض مع صورة الفرس كشعب أبطره النعيم؟ إن رواية الصورة الذاتية المعروضة تؤيد الفرضية الأولى، فضلا عن أن الرواية المذكورة تشمل ذكريات كثيرة مستمدة من العصر الجاهلي. هناك جانب كبير من البناء الإيديولوجي تضمنه وصف ربعي الخشن و الفظ تقريبا؛ لكن مجموعة أسلحة المقاتل العربي جديرة بالاهتمام: إنه السيف المغمد في الخرق، و الرمح، و الترس من جلد البقر، و الدرع، و هو سلاح لم يكن جيدا إلا قليلا (2). و كذلك الأمر بالنسبة للصورة الأخلاقية التي قدمها العرب عن أنفسهم إلى رستم، إذ من المناسب أن نميز بين الإسقاطات الاسترجاعيةprojections re ?trospectives ، و مبررات الفتح، و متبقيات الماضي الحي. ذلك أن الدوافع الاقتصادية طرحت في الميزان دون تحفظ، و لعل الأمر كان جرى تعتيمه لو وضع الخبر في وقت متأخر: الجوع و البحث عن الأراضي الجيدة، و اشتهاء القمح و اللحم، و الرغبة في النساء و الأطفال، فوقع التعبير عن كل هذه العناصر بصراحة لا تدانى. اعتداء من شعب على شعب، نية الاستقرار، العزم على الخروج من الجاهلية. كلّ هذا الذي نستشفه لدى الطبري في ذكره رؤية فتح العراق من الجانب العربي يبدو مقبولا إذا أرجعناه إلى الفترة المبكرة حتى و لو دونت الروايات في القرن الثاني من الهجرة (3)، و هو وصف للعرب يظهرهم بأنهم كانوا على شعور من صلاتهم بالتاريخ. و ما يبدو أيضا قابلا للاحتمال أن الدّعوة إلى اعتناق الإسلام قبل المعركة كانت فعلية (4)، لكن الأشخاص الذي وفدوا على‏

____________

- الشاعر: الطبري، ج 3، ص 531: لكن الرواية التي شاعت كثيرا عزت حبسه إلى السكر: مثلا ابن اسحاق حسب رواية الطبري، ج 3، ص 573؛ و البلاذري، ص 258.

(1) لكن الوفد المذكور لم يشتمل على كبار رؤساء الردة، رغم تكاثر روايات المحاورة مع رستم.

(2) الطبري، ج 3، ص 519.

(3) لا أقل من 13 خبرا في هذا الموضوع، رواها سيف. و يبدو أن أكثر الأخبار استكمالا و طرافة هي أخبار محمد، و طلحة، و عمرو، و زياد، ص 518- 521.

(4) البلاذري، فتوح، ص 257.

37

رستم لم يقدموا الاسلام لحمل الغير على اعتناقه و إنما للتعريف بذاتيتهم الجديدة و من أجل إفهام و شرح معجزة تلاحمهم. لقد أخلى المظهر الكوني المجال لصالح البعد القومي، فكان إسلامهم إسلام البعث الاخلاقي للأمة أكثر مما كان وحيا بالمطلق. و واضح أن تأويل الإسلام في المنحى السياسي التاريخي لم يكن من سمات الخطاب المتأخر لعصر التصنيف المذهبي. فاما أنّه يعبّر عن مجتمع مهيمن قريب من تاريخه، مستفهما مغامرته (كوفة سنة 100 ه) و اما أنه يستعيد خاصيات عتيقة. و الأمر الأكثر احتمالا أنه تمّ المزج بين هاتين اللحظتين في المجتمع العربي، لحظة الفتح الحقيقي و لحظة رؤية هذا الفتح.

معركة القادسية

1) الاستعدادات النهائية

لقد تمت هذه المواجهة الايديولوجية عن طريق السفارات حين تواجه الجيشان قبيل القتال، و حين احتلت الأطراف المتواجهة مواقعها. استقر العرب بعد مرحلة شراف، في قلعة العذيب المهجورة حيث بقي سعد مريضا غير قادر على الحركة طيلة المعركة، بينما خرج أكثر الجيش في اتجاه الفرات بين خندق سابور و العتيق، الملاصق لقرية قادس أو قديس‏ (1).

و يحتمل أن كلمة قادسية لم تكن تدل في ذلك الوقت على اسم قرية بل على المنطقة التي حددها الخندق و العذيب و العتيق‏ (2). أما رستم، فقد استقر في النجف أول الأمر، ثم عسكر بين الحصن و العتيق: كان الجالينوس يوجد آنذاك إلى الجنوب، بين النجف و السيلحين و عسكر ذو الحاجب بين رستم و الجالينوس‏ (3). و سيدور القتال بين العرب و الفرس وراء الفرات، على حدود البادية العربية، فيبقى للعرب إمكان الرجوع إلى صحرائهم. كان هؤلاء و أولئك يوجدون في أسفل منحدرات الطفّ، بوادي الفرات. أما الفرس فقد انتشروا على ثلاثة عشر صفا حذو الفرات. و أما العرب فهم إلى الغرب و على ثلاثة صفوف فقط فرسانا و مشاة و نشّابة (4) و كان العتيق يفرق بينهم.

و قد مر معنا أن الجيش العربي كان يعد 30000 رجل على أقل تقدير، و ربما تجاوز

____________

(1) الطبري، ج 3، ص 494 الذي يقول: «و نزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم». و هذا يدلّ على أن قرية القادسية لم تكن موجودة في تلك الفترة. أما كلمة قادس التي يستعملها ابن اسحاق فيظهر أنها تعبر عن قرية قديس كما يذكرها سيف. و لعلّ التسمية الجماعية (قوادس) تشير إلى المنطقة كافة و هذا ما لا يراه صالح العلي. و الملاحظ أن العتيق وصف بأنه كان مجرى قديما للفرات، و كان يصب في الجوف ثم تحول إلى قناة.

(2) الطبري، ج 3، ص 510.

(3) المرجع نفسه، ص 559، و الدينوري، الأخبار الطوال، ص 122.

(4) المرجع نفسه، ص 559، و الدينوري، الأخبار الطوال، ص 122.

38

ذلك بقليل. و كانت الأرقام المتعلقة بالجيش الفارسي تتراوح بين 60000 و 120000 رجل‏ (1). و الواقع أن نصف الجيش الفارسى اشتمل على الاتباع، و على هذا فنحن نتمسك برقم 60000 مقاتل، منهم 15000 من الأشراف‏ (2)، أي ضعف الجيش العربي. و لم يكن ذلك بالأمر المثبط قط لكن حضور الأتباع بكثرة، و وجود ثلاثين من الفيلة، و كون المقاتلين مترابطين بالسلاسل و كون مجال القتال محدودا نسبيا، محصورا بين الفرات و قنواته و أعالي الطفّ، كل ذلك جعل من الجيش الفارسي كتلة صعبة التحرك، ثقيلة الحركات. و مما زاده تثاقلا أنه كان جيشا عظيم التجهيز مدرعا كله بالحديد، مع أنه صار بذلك أداة حرب هائلة. و كان العرب تجاه أعدائهم قليلي العدة و قد روي أن المحاربين استخدموا سروج مطاياهم و أحزمتها بدل التروس و الخوذات، مما يوحي بالشعور أنه كان جيشا هشا (3). لكن الرجال كانوا مسلحين، و كانوا يمثلون نخبة القبائل حيث أمر سعد بألّا يجند إلا الرجال الممتلكون لأسلحتهم. و تمّ له ذلك بيسر، و هو دليل على ما بلغته بلاد العرب من تطور في ذلك العصر. فلم يكن العرب برابرة بالمعنى المعهود للكلمة، بل كانوا منفتحين على العالم الخارجي بما يكفي لكي يستطيعوا التسلح بصورة واسعة، إما عن طريق التبادل و إما بفضل الإقتباسات التكنولوجية (4).

و يبدو أن رستم قد فضل استراتيجية الاستنزاف على الهجوم الفوري‏ (5). و لا يحتمل أنه لم يدرك لحد ذلك الوقت طابع الغزو المنظم الذي اكتساه التدخل العربي في العراق، نظرا للوضع الذي صارت عليه الأحداث: و بذلك فإن المقترحات التي عرضها على العرب و التي استهدفت العودة إلى ديارهم عودا مشرفا، لا يمكن أن تؤوّل إلّا من باب الحرب النفسية (6). فهل كان يريد حقا تلافي صدام مسلح لا يكون له غنم فيه إذا انتصر، و يفقد فيه كل شي‏ء لو هزم؟ لقد أشارت المصادر إلى حذره، و اعتماده المنجمين الذين توقعوا له‏

____________

(1) 200000، مع أتباع الجيش، كما ورد بخبر آخر: الطبري، ج 3، ص 505.

(2) الطبري، ج 3، ص 510: 60000 هو أدنى رقم يستمد من رقم 120000 رجل المتداول و هو يشكل عدد المقاتلين الحقيقيين. و قد خفضه عوانة كما نقل عنه الطبري، ص 496، إلى 30000، مخفضا عدد العرب إلى 7000. و روى الطبري، ج 3، ص 573، عن ابن اسحاق أن عدد المقاتلين 60000. راجع أيضا:

Wel-. Ihausen, Skizzen und Vorarbeiten, VI, p. 77

أما البلاذري، فتوح، ص 256، فيذكر رقم 120000 مقاتل فارسي.

(3) الطبري، ج 3، ص 553 (سيف)، و ص 575 (ابن اسحاق).

(4) وجد سعد أسلحة بقلعة العذيب. و لا بدّ أن الثلاث سنوات السابقة التي قضيت في شن الحملات، مكنت العرب من الحصول على عدد من الأسلحة: الطبري، ج 3، ص 492.

(5) المرجع نفسه، ص 509.

(6) المرجع نفسه، ج 3، ص 523.

39

كارثة، إلا أن الملك حثه على القتال‏ (1). كان هذا الملك قليل التروي، و قد عيل صبر دهاقين الطفّ، فغشوه لحمله على حسم الأمر مع العرب‏ (2). و ضايق تريث رستم المبيّت الجيش العربي البعيد عن قواعده، فاقتصر على شن غارات على السواد لضمان الغذاء للمقاتلين، لكن تزايدت صعوبة مثل تلك الغارات (يوم الأباقير، يوم الحيتان) (3). فأراد العرب كسر الطوق، و الخروج من موقف الانتظار الذي أصبح دقيقا و الذي قد يؤدي إلى تفتيت معنويات الجيش، فتحدد بذلك اختيار وقت القتال أكثر مما لو كان الأمر يتعلق بنفاد صبر يزدجرد.

2) قضية التأريخ:

أشرنا سابقا إلى هذه القضية عند الحديث عن وقعة البويب حيث أن توقيت المعارك المختلفة في العراق مترابط، و قد بينا أن تأريخ سيف مردود في جملته، و بذلك نكون متفقين في الرأي مع فلهاوزن، و كايتاني، و يوسف. و بخصوص القادسية بالذات، لا يمكن قبول تاريخ محرم 14/ فبراير و مارس 635. و قد اقترح ابن اسحاق آخر عام 15 (4) و اقترح خليفة بن خياط شوال من عام 15 ه (5). و اقترح الواقدي أواخر عام 16 ه (6). و بعد أن قدم كايتاني الحجة بصورة متبحرة و دقيقة أيضا، مع أنها لم تكن دائما مقنعة، انتهى به الأمر إلى تأريخ حرب القادسية في ربيع سنة 637 بعد الميلاد، أي بين محرم و جمادى الأولى من سنة 16 ه (7). و أكد موافقته على التاريخ الذي اقترحته مدرسة أهل المدينة، رغم فارق ستة أشهر على الأقل يفصله عن الواقدي؛ لكن يبدو لنا أن التاريخ الذي اقترحه كايتاني ينبغي رفضه لأن شواهد شعرية و تاريخية كثيرة تحثنا على طرح تزامن وقعتي اليرموك (رجب‏

____________

(1) الطبري ج 3، ص 509 و 505.

(2) «و عج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار، و أرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلّا الحرب ... و قد أخربوا ما بينهم و بين الفرات، و ليس فيما هنالك أنيس إلّا في الحصون، و قد ذهب الدواب و كل شي‏ء لم تحتمله الحصون من الأطعمة ... و كتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطف»: الطبري، ج 3، ص 503.

(3) المرجع نفسه، ج 3، ص 495. كان ذلك لتغذية النساء و الأطفال في العذيب و قادس حيث خرجت بعض القبائل بنسائها و أطفالها.

(4) المرجع نفسه، ج 3، ص 572.

(5) التاريخ، ج 1، ص 101.

(6) البلاذري، فتوح البلدان، ص 256، و اعتمد ابن سعد تأريخ الواقدي، طبقات ابن سعد، تحقيق‏Sachau ، ج 3، القسم الأول، ص 30.

(7)Caetani ,Annali ,III ,2 ,p .336 .

40

عام 15 ه) و القادسية أو على الأكثر أن نقبل فارقا ضئيلا لا يمكن أن يتجاوز شهرا (1). و قد تسمى أحد أيام القادسية بيوم أغواث، مذكرا بالنجدات التي وردت من الشام بعد معركة اليرموك‏ (2).

و سواء أكان قيس بن مكشوح أول القادمين، أم هاشم بن عتبة، أم القعقاع بن عمرو فذلك لا يهم إلا قليلا، كما أنه لا يهم إلا قليلا أن نعرف أن الامداد من مقاتلة اليرموك و صلوا قطعة واحدة خلال المعركة، أم أنهم توافدوا جموعا متوالية أو فورا بعد القادسية لما انتهى كل شي‏ء (3). و بالفعل فإن الروايات مختلفة في هذا المقام. و رغم الفارق الكبير الذي صدر عن مدرسة أهل المدينة يسود الشعور بوجود تزامن تقريبا بين وقعة اليرموك و وقعة القادسية مع تأخر طفيف لمعركة القادسية، و هذا يفسر في آن واقع الامداد و الاضطراب الذي ساد الرواية التاريخية بصددها. فإذا وقعت حرب اليرموك في رجب سنة 15 ه/ أغسطس 636 م، فلا مراء أنه يجب تأريخ حرب القادسية في ذات التاريخ أو بعد شهر من ذلك، أي في شعبان من سنة 15 ه (4). و تتكاثر الحجج المؤيدة لهذا الاختيار و المتمثلة في ضعف الامداد و في الإشارة إلى أن العرب أقاموا و سيطروا على السواد طيلة ثلاثة أعوام‏ (5). و يفيد خبر آخر أنه مرت مدة زمنية تقدر بثمانية عشر شهرا تفصل بين معركة البويب و حرب القادسية، و أخيرا هناك منطق الأحداث (اختيار عمر لوقت الغزو، و مسيرة سعد، و مرحلة الانتظار بالقادسية)، و قد تضافرت كل هذه الأمور على تأييد هذا التسلسل الزمني الاجمالي‏ (6).

____________

(1) سيف كما روى عنه الطبري، ج 3، ص 542- 543، الذي يصرّح بفارق شهر بين احتلال دمشق و القادسية، مقترحا تزامنا مع وقعة اليرموك. و في هذا الصدد لا مجال للحديث إلّا على الاستيلاء الثاني على دمشق. و قد ورد بقصائد كثيرة ذكرها الدينوري ص 124- 125، منها قصيدة منسوبة إلى قيس بن هبيرة، فارق شهر بصورة واضحة. و نسب البلاذري، ص 261، القصيدة ذاتها إلى قيس بن مكشوح، نقلا عن خبر لهشام بن الكلبي.

(2) الحقيقة أن كلمة أغواث لم توجد سوى في روايات سيف و في المقاطع الشعرية التي أوردها الطبري، ج 3، ص 545.

(3) خاضت مصادر الفقه في الموضوع؛ راجع أيضا قصيدة لبشر بن أبي ربيعة، وردت في الأخبار الطوال، للدينوري، ص 125، بخصوص حضور هاشم و قيس.

(4) ابن حبيش، كتاب الغزوات، مخطوطة القاهرة، ورقة 216 و ما بعدها، يذكر سيفا مفصلا و يبدو أنه اطلع على كتابه، و هو يؤرخ وقعة القادسية في شوال سنة 15 ه. و قد أورد تأريخا قريبا من تأريخنا بالنسبة لمجموع المعارك.

(5) الطبري، ج 3، ص 532.

(6) الأمر المسلم به الذي لا يتفق و تأريخنا و الذي اعتمده كايتاني، هو فارق سنة الذي فصل به أبو مخنف بين معركة الجسر و معركة البويب. و قد اقترح‏Elias de Nisibe تاريخ جمادى الأولى سنة 16 ه/ يونيو 637 م، و جاراه‏Wellhausen في هذه النقطة:.Skizzen ... ,VI ,p .37

41

3) سير المعركة:

ليس ما يبرّر البتة أن نتجه بتفكيرنا، كما فعل كايتاني، إلى القول إن المعركة دارت في يوم واحد (1). و رغم أن رواية سيف اكتست طابعا ملحميا، فقد كانت أكثر تفصيلا، و لا شك أنها كانت قريبة من الحقيقة نسبيا. و إذا ما حاولنا كتابة التاريخ العسكري الصرف لحرب القادسية، ففي الامكان تشييد إشكالية كاملة للفن العسكري عند العرب، اعتمادا على الروايات التي وصلتنا. كان ترتيب القتال قائما على الخط، لا على الكراديس التي استخدمها مروان الثاني فيما بعد (2)، مع وجود جناحين و قلب. كيف كانت الوحدة التكتيكية؟ هل كانت الكتيبة؟ و في هذه الصورة ما هو الدور الذي كان للعرافات المتركبة من عشرة و من مائة رجل، و التي سبق الحديث عنها؟ و هناك مشكلة مهمة أخرى: كيف يتكيف النسق القبلي بالتنظيم العسكري البحت؟ هل حافظت القبائل على وحدتها و كيانها، بعد أن اندمجت في نظام قتالي لا يخضع مبدئيا إلا لغاية خاصة به؟ (3). يدور الحديث مثلا حول كتيبة أسد (4)، و في اليوم الأول من وقعة أرماث، نشعر تماما أن القبيلة- مثل بجيلة، و أسد، و تميم- أصبحت العامل الأساسي للتحرّك. و يمكن أن يكون قد سخر سعد عبقريته كلها لحماية تماسك وحدة القبيلة مع صهرها في الوقت نفسه في هياكل استراتيجية و تكتيكية للجيش، بمعنى أن يجد الحل الوسط بين البنية القبلية و البنية العسكرية الصرف.

أما عن العمل العسكري ذاته فتبقى الأمور غامضة. يجري الكلام عن المطاردة و الطراد (5) (هل كانت ملاحقات للخيالة؟)، و الجولان (دورات الخيل و مبارزات؟)، و الزحف أو

____________

(1).Caetani ,Annali ,III ,p .656 -7 يتحدث الواقدي عن «يوم القادسية»: البلاذري، ص 256، لكن ذلك لا يدل على أنه ينبغي اعتبار يوم بمعنى «يوم واحد». أما ابن اسحاق، فلم يحدد المدة و قد استنتج كايتاني أن البلاذري تأثر بمدرسة العراق عند حديثه عن ثلاثة أيام، معتمدا رواية للشعبي، و كيف لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لرواية أحداث تهم أهل العراق في المقام الأول؟

(2)

Wellhausen, Das Arabische Reich und Sein Sturze,

، نقله إلى العربية أبو ريدة، القاهرة، 1958، ص 358.

(3) يرتب سيف رؤساء القبائل في آخر السلم، بعد أمراء التعبئة (المشاة و الفرسان و الطليعة دون شك)، و أمراء الأعشاء، و أصحاب الرايات: الطبري، ج 3، ص 489. هذه أمور كلها غامضة و يكاد يكون مستحيلا كذلك تكوين فكرة عن التنظيم العسكري العربي، اعتمادا على روايات أبي مخنف المتعلقة بالفترة اللاحقة؛ راجع الطبري، ج 3، ص 557، بخصوص وجود فرق المائة.

(4) الطبري، ج 3، ص 539. من الممكن أن تكون الكتيبة هي الوحدة التكتيكية بينما الوحدة الاستراتيجية هي الجناح و القلب و الطليعة.

(5) الطبري، ج 3، ص 538، و غيرها حتى صفحة 576. و كذلك الأمر بالنسبة للمصطلحات الأخرى التي استخدمها سيف.

42

الهجوم الشامل. و قد ذكر سيف ما يلي: «كان يكون أول القتال في كل أيامها المطاردة» (1).

و يبدو أن المطاردات كانت تتمادى على شكل اشتباكات عنيفة، لكن باستثناء اليوم الأخير، لم يكن يعني الأمر سوى مواجهات ظرفية، و لم يشن الهجوم العام إلا في النهاية.

و لنتعمق في الأمور عن كثب. لقد دامت المعركة أربعة أيام و ليلة: يوم أرماث، و يوم أغواث، و يوم عماس، و ليلة الهرير، و يوم القادسية.

أ) في اليوم الأول، واجهت القبائل صدام الفيلة، و كانت على التوالي بجيلة، ثم أسد، ثم تميم‏ (2). و قد تمثل المشكل عند العرب من وجوب التصدّي للصدام، و التنسيق بين نشاط القبائل، و إبطال تأثير الفيلة. و قد تحقق لهم ذلك حين لجأوا إلى تجريدها، و تمزيق أغطيتها الفاخرة و سيورها، و تحطيم المحامل. كان يوما شديدا على العرب فقدوا فيه 2500 من القتلى و أشرفوا على الكارثة مرارا، لكن الغموض الذي اكتنف تفاصيل العملية لا يزول: فمن جهة، يروى أن الجهد الفارسي تركز على نقطة محدّدة من المكان الذي عسكرت فيه بجيلة، و أنه وجب أن تتدخل أسد و تميم إنقاذا للوضع. و من جهة أخرى، تتحدث الرواية عن مرحلة الطراد، مرحلة تشابكت فيها الكتائب و عن تكبيرة رابعة لسعد تأهبا للهجوم العام أو الزحف، لكن لم يتم هذا الهجوم إلا في اليوم الرابع: فكأن الرواية مترددة في تجميع الأحداث في يوم واحد أو في تمييعها (3).

ب) يطرح يوم أغواث مشكلة المساعدات القادمة من الشام. هل كانت مهمة و حاسمة أم كانت بمثابة الدعم النفساني أكثر منها مساعدة حقيقية؟ تحدث خبر عن إرسال 6000 رجل من أهل العراق (كانوا من المقاتلين المتمرسين الذين خرجوا مع خالد) من‏

____________

(1) المرجع نفسه، ص 545.

(2) نتبين من خلال الرواية شحناء ما بين القبائل. و ذلك دليل على أن دور القادة من رؤساء القبائل كان مهمّا على الرغم من تهميشهم على الصعيد المؤسّساتي: راجع الطبري، ج 3، ص 529- 540. و قد قتل 500 رجل من أسد.

(3) و على هذا، يسترد كل قيمته نقد كايتاني لما تضمنته رواية سيف من تناقضات. بدأ سيف يتحدث عن توصيات سعد الذي حدد تكبيراته تماشيا مع مراحل القتال، فخصص التكبيرة الرابعة للهجوم العام، لكن هذه الخطة العامة تتنافر و مدة القتال الذي استمر أربعة أيام: الطبري، ج 3، ص 535. ثم تضطرب الرواية في الأيام التالية و كأن التكبيرة الأخيرة بقيت معلقة. و في خصوص يوم عماس يعود الخبر إلى المزج بين عناصر سبقت روايتها و بين قضية سعد، ص 559 و ما بعدها، كأن الأمر يتعلق بإجمال للعملية كلها، أقحم في اليوم الثالث و كأن المقصود منه وصف يوم عماس، أو أن سيفا رتب استخدام رواية مستقلة تصف مجمل الدراما في يوم واحد.

43

طرف أبي عبيدة (1). و ورد بخبر آخر أن 700 رجل فقط بلغوا القادسية (2). و كان قيس بن مكشوح حاضرا أو أنه كان غائبا حسب الظرف؛ و هناك خبر ملحّ ورد مرارا مفاده أن المساعدات وصلت متأخرة لكنها حصلت على نصيبها من الغنيمة رغم ذلك.

و من الممكن أن سيفا و مخبريه من أهل العراق، مجدوا أكثر مما يجب، دور القعقاع و هو أحد قادة بعوث اليرموك الذي أصبح مدربا للجيش العربي كافة. فكان يوجد في كل مكان، و يقود أعمالا ظرفية، و هو الذي دشّن تكتيك الدفاع المتمثل في دائرة الخيل المحيطة بنواة من الجمال و هو الذي قتل الجالينوس، و تولى فعلا قيادة العمليات آخر الأمر (3). لكن لا نجد له أثرا في روايات الواقدي المدنية.

ج) كان يوم عماس أقسى يوم على العرب. تحصل الفرس على النجدات في حين أن دعم هاشم لم يكن إلا رمزيا (4) و ظهرت الفيلة من جديد فتحتم قتلها هذه المرة. تذكر لنا المصادر وقوع حركة تطويق في أحد ممرات العتيق. كان عملا جسورا أنفذه طليحة و عمرو بن معديكرب لكن من الصعب إدراك تأثيراته على المعركة في مجموعها (5).

و الأمر الأساس أن المعركة استمرت كامل الليلة- ليلة الهرير- حيث توقع العرب أن يشن الفرس هجوما عاما، فقاموا بزحف كامل، مستبقين أوامر سعد، و بالكاد متخطين لأوامره‏ (6). فكانت لهم الغلبة في فجر ليلة القادسية، لكن مسعاهم لّما يكلل بالنصر، إذ كان عليهم أن يتجلدوا ساعات أخر، و يقاوموا و يجالدوا حسما للأمر لصالحهم.

د) و قد تم لهم ذلك في صبيحة وقعة القادسية. قتل رستم فانهار الجيش الفارسي انهيارا تاما. و دار التقتيل و الإغراق في نهر العتيق. و لم ينجح في التقهقر بانتظام إلى المدائن سوى جمع محدود العدد، لكن حتى ذا الحاجب الذي كان يقود هذا الفريق أمكن اللحاق‏

____________

(1) الطبري، ج 3، ص 543؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 256. و قد أورد كايتاني رواية اليعقوبي التي لم تكن سوى نقل لرواية سيف: ج 3، ص 645. و لم يرد عدد المقاتلين لدى الدينوري، الأخبار الطوال، ص 120.

(2) الطبري، ج 3، ص 551؛ يتحدث سيف، ص 543، عن 1000 رجل دون أن نعلم هل يقصد بذلك 1000 مقاتل في الجملة، وصل منهم 700 في بداية الأمر، أو أنه قدم 1000 ثم 700 رجل؛ البلاذري، ص 257، يذكر رقم 700 رجل بقيادة قيس بن مكشوح الذي جاء لانقاذ الوضع.

(3) الطبري، ج 3، ص 547 و غيرها.

(4) روي أن هاشما جاء يوم عماس برفقة قيس بن مكشوح في حين أن القعقاع سبقهما.

(5) الطبري، ج 3، ص 557- 558 نقلا عن سيف.

(6) الطبري، ج 3، ص 651؛ البلاذري، فتوح البلدان، يعترف أن ليلة الهرير بالقادسية كانت نموذج ليلة الهرير بصفين: ص 259. و يرى كايتاني خلافا لذلك، أن الأمر اسقاط يعود من المستقبل على الماضي‏Caetani Annali ,III ,2 ,p .646 ff .

44

به و قتل. كان النصر العربي كاملا. أما ما يثير الاستغراب في الجانب الفارسي فهو اتساع الانهيار أكثر من الهزيمة ذاتها، و ما لحق الفرس من تقتيل و قد تشتتوا شذرا مذرا، و استسلموا، و هو ما لم يكن متوقعا بعد صلابة المقاومة الفارسية التي استمرت ثلاثة أيام و ليلة.

4) تفسير وقعة القادسية و دلالتها:

فتح النصر في القادسية طريق العراق للعرب، العراق الذي يجب اعتباره الآن مفتوحا، بعد القضاء على القوة العسكرية الفارسية. و قد تضمن هذا النصر على المدى المتوسط بذور نهاية الامبراطورية الساسانية و غزو فارس ذاتها و إخضاعها. و يعترف كايتاني أن نتائج معركة اليرموك كانت أقل أهمية من نتائج معركة القادسية لكنه يجادل في أن يكون لهذه المعركة صبغة درامية. قال: «كانت القادسية معركة ناجحة في يوم واحد، و كانت اليرموك الخلاصة و الأزمة القصوى لحملة طويلة شاقة استمرت ثلاث سنوات» (1). و من المؤكد كما أسبقنا أن الشام اكتسبت أهمية أعظم من العراق، في مسيرة الفتح العربي، و أنها استقطبت القدرة العسكرية لدولة المدينة، بمعنى تلك القوة الضاربة التي أنشأها الرسول، ثم طورها أبو بكر و عمر. و خلافا لذلك، جرى اللجوء دوما إلى قوات قبلية فرعية، في خصوص العراق، كانت مستقلة نسبيا. و يحتمل أيضا أن بيزنطة اعتبرت في بداية الأمر الخطر الأساس الذي كان يستوجب أسرع رد ممكن، و أكثره تنظيما و تواصلا، كما اعتبرت الشام امتدادا طبيعيا لبلاد العرب. و هو ما يفسر استمرار الجهد المبذول و تماسكه بالنسبة لجبهة الشمال. لكن لا يعني ذلك إطلاقا أنه تمّ استنقاص الفرس من الوجهة العسكرية. و من المعروف أن العرب ترددوا في الهجرة إلى العراق، و قد مر معنا ما كان من خطورة الهزيمة التي مني بها العرب في معركة الجسر، و هي الوحيدة التي ألحقت بالعرب و التي كان لها مثل تلك الأهمية. و تدل الأخبار الكثيرة التي وردت في المصادر على الشعور بالنقص الذي انتاب العرب أمام القوة الفارسية، و قد وجب التغلب على إحباط نفسي حقيقي لمواجهتها (2).

كانت وقعة القادسية كوقعة اليرموك تتويجا لعمل دام ثلاث سنوات. و ليس لها أن تكون نصرا يسهل قطفه إلا إذا أخفق الفرس في تنظيم أمورهم من جديد، و لم يجر الأمر على ذلك النحو. كانت حقا امبراطورية بكامل مواردها و تنظيمها، و تقاليدها العسكرية

____________

(1)Caetani ,Annali ,III ,2 ,p .956 .

(2) الطبري، ج 3، ص 484- 485. كان «الأسد» لقب الفرس و ربيعة- نعني بها بكرا- كانت تلقّب بربيعة الأسد لأنها كانت الشريك الأكبر، في الحرب، للساسانيين. و استمرت حتى صفين الفكرة القائلة إن لربيعة خبرة كبيرة في الحرب.

45

تلك التي واجهت الفتح العربي في القادسية. صحيح أنها كانت امبراطورية في حالة ضعف عميق، لكنها استردت استقرارها مؤقتا، و كانت قائمة الذات عند وقعة القادسية.

و يعني ذلك أن الأمر لم يتعلق في شي‏ء بغارة موفقة بل إن المعركة كانت جدية، درامية، و كانت بمثابة المأساة إلى أعلى درجة في نظر المهزومين. كانت درامية بالنظر للمقاتلين لأن نتيجتها كانت محل شك. لكن مشكل المناعة العربية مطروح على المؤرخ لكثرة ما اعتبر طبيعيا أن العرب لا يمكنهم إلا أن ينتصروا.

توخى العرب تجاه خصومهم كافة سلوك انتصار محقق، و لم نعد في حاجة إلى تعليل جانب كبير من ذلك. إنها قضية تاريخية، لكن يمكن عرض بعض العناصر في وضع القادسية بالذات. لقد جمع الجيش العربي بين خاصتين: كان من الصنف البرابري، و كان أيضا جيشا منظما تنظيما قويا لا محالة، كان جيشا- شعبا و جيش مهاجرين، و قد تألّف من محاربين مالكين لأسلحتهم، نعني نخبة القبائل، فضلا عن أنهم كانوا من المتطوعين.

و كانت تحرك هؤلاء الرجال رغبة واضحة في الفتح: ليس إرادة لتوسيع امبراطورية ما، بل صورة ملحة للعيش الأفضل. و كان جيشا من النوع البرابري أيضا، لأنه واجه شعبا بامبراطورية، و كان ذلك الشعب قليل السلاح، لكن كانت له دوافع نفسانية فضلا عن وجود القوة التعبوية للإسلام و ندائه الموحد، و وجود سياسة منسّقة، و مسعى عقلاني. قلنا إنه كان غزوا من الصنف البرابري لا شعبا برابريا ذلك أن ما يلفت النظر في الروايات التي وصلتنا لم يكن من شكيلة الجسارة اللّاواعية، بل هي الشجاعة المكتسبة و المزج بين روح المبادرة و الانضباط، و فوق كل ذلك وجود تقاليد ثقافية و تقاليد عسكرية.

لا شك أن البعد المعنوي و هو الأيسر على الإدراك كان الأكثر حسما لتعليل الانتصار.

و فوق ذلك، يبدو أن العرب أقاموا استراتيجية عسكرية جديدة. كان تجهيزهم أخف، و كانوا أكثر حركة تجاه جيش قوي لكنه ثقيل، و قد مرت بهم أيضا تجربة حروب الردة و ما حصلت عليه بكر ثم بجيلة من ممارسة حربية ثمينة خلال فترة الأيام إضافة إلى خبرة القعقاع و رجاله. و لا نعلم إلا القليل عن تنظيم الجيش العربي، لكن هل آل تنظيمه إلى الرفع من قدرته على التنقل و الفعالية من الوجهة التكتيكية؟ و دور الفرسان أيضا؟ كل هذه الأمور تستوجب التوضيح.

حقيقة الأمر أن هذا الفن العسكري شهد تطورا حاسما بدفعة من النبي، خصوصا على مستوى التعبئة أي تنظيم الجيش القتالي أو قبلها (1). لقد كانت الحرب مقامة في‏

____________

(1) المؤسسة العسكرية، بيروت 1977؛ عبد الجبار محمود السمرائي، «تنظيم التعبئة عند العرب»، المورد، مجلد 12، عدد 4، 1983 ص 7- 15.

46

الجاهلية على نظام الكر و الفر أي الرجعة بعد الجولة و هذا يعني من وجهة التعبئة أن يصطف المقاتلة على أساس قبلي و يعني من وجهة القوة العدائية انتفاء روح الاستقلال و الصمود على نطاق واسع. و التجديد الحاسم الذي أوجده الإسلام يكمن أولا في اتخاذ التعبئة بالصفوف بصفة مضبوطة صارمة و ثانيا في نبذ فكرة الفر و الإبقاء على الكر و بالتالي بث روح الصمود دون استثناء. و أول ما طبق ذلك النبي في معركة بدر حيث تذكر لنا المراجع أنه كان يسوي الصفوف كصفوف‏ (1) الصلاة (و هنا تبرز بصفة محسوسة العلاقة في الإسلام بين الحرب و الصلاة) و أن المؤمنين كانوا يزحفون على العدو دون فكرة تراجع. و قد اعتبر القرآن بعد أحد كل انهزام في المعركة دون مبرر تكتيكي أمرا كبيرا حيث يرد أن‏ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (2).

و كان الجيش الإسلامي يتركب منذ زمن النبي على النمط التالي: الصف الأول هو صف الرماح و الثاني السهام و الثالث و الرابع السيوف. و يبدو أن الصفوف الأربعة هذه كلها مشاة، أما الفرسان فهي تكون ميمنة الجيش و ميسرته. فالنبي إذن يكون قد سنّ انقسام تعبئة الجيش إلى قسمين: القلب و هو مؤلف من المشاة، و الجناحان حيث الفرسان، و القلب بذاته منتظم صفوفا مختصة حسب السلاح. و إذا صح هذا فقد قام النبي بتجديد عميق في التعبئة، تجديد معقلن تماما يفوق بكثير التنظيم القبلي القديم إذ يتجاوز الاصطفاف على أساس القبيلة و يقيم وحدة الجيش المقاتل. و لعل هذا يفسر إلى حد كبير تفوّق جيوش النبي على جيوش أعدائه كما تفوّق الحكم القائم بالمدينة على القبائل العربية في حروب الردّة (3). و نحن نعلم أن أبا عبيدة باليرموك جعل هو بدوره الفرسان على أجناب الصفوف الثلاثة. أمّا بخصوص سعد بالقادسية، فإنّ سيفا يذكر لنا ما نصّه‏ (4):

«و المسلمون على مواقفهم إلا من تكتّب أو طاردهم و هم ثلاثة صفوف، فصفّ فيه الرّجالة أصحاب الرماح و السيوف وصف فيه المرامية، وصفّ فيه الخيول، و هم أمام الرّجالة و كذلك الميمنة، و كذلك الميسرة» و يعني هذا أنّه احتفظ بالثلاثة صفوف و بهيكلة الجيش إلى قلب و جناحين دون تخصيص الجناحين إلى الفرسان. لكن من جهة أخرى، و قد ذكرنا ذلك، تبدو القبائل و كأنها وحدات قائمة الذات، و نحن نلحظ الشي‏ء نفسه في معركة صفين‏ (5). و لا يمكن تفسير ذلك إلا إذا اعتبرنا توزيع القبائل إلى كتل، الكتلة حذو

____________

(1) ابن اسحاق، السيرة، ص 445 حيث يقول: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عدل صفوف أصحابه يوم بدر، و في يده قضيب يعدل به القوم ..».

(2) سورة الأنفال، 16.

(3) الطبري، ج 3، ص 559.

(4) المرجع نفسه، ص 561.

(5) نصر بن مزاح، معركة صفين، ص 225- 229.

47

الأخرى، لكن على جميع الصفوف.

و تبرز المصادر أيضا هذه المقدرة على الصمود و صبر المقاتلين العرب، و هذا أمر يعود بنا إلى خلفية المعنويات تجاوزا للمآثر الفردية و القبلية.

و خلافا لذلك، فقد انهارت قدرة الفرس القتالية في آخر الأيام الأربعة بصورة يرثى لها و كان ذلك نتيجة لمعنوياتهم الرديئة كما كانت حصيلة استنقاصهم للعدو. و من المتيسر جدا إذا اعتمدنا شهادة الغالبين إبراز السلوك العشوائي الذي ساد جيشا بلا روح، و لا دافع، و لا إيمان. و هناك سؤال أكثر أهمية: من كان يقاتل مع رستم؟ هل هي الارستقراطية الفارسية بالسواد، التي كانت عنيفة في عدائها للعرب، لكنها أثبتت عجزها قبل ذلك؟ أم جمع المرازبة و الملوك و الأسياد في الداخل (فارس، و ميديا، و سجستان، و خراسان) المصحوبين بمواليهم و أتباعهم؟ كلاهما دون شك. لكن الشعور يحدونا أن الارستقراطيين في السواد بقوا بحصونهم في موقف دفاعي، و أن الارستقراطية العسكرية بالداخل لم تجند بتمامها، إذ وجب على العرب أن يقاتلوا فيما بعد أو أن يتفاوضوا مع رؤساء المدن و المناطق.

و كأن كل شي‏ء يحمل على الاعتبار أن الامبراطورية لم تعبى‏ء كل قدرتها العسكرية، لكن كل شي‏ء يحمل على الافتراض أن ما جندته كان مهمّا و بما يكفي للقضاء على جانب عظيم من الارستقراطية الساسانية، بعد وقوع مقتلة القادسية (1). و كما أن امبراطور بيزنطة واجه العرب في اليرموك بجموع الأرمن و عرب الشام، إضافة إلى الروم، فكذلك استخدم يزدجرد أعوانا من الأمم التابعة، من أجناس أخرى، كالأتراك و أهالي بخارى، و الديلم‏ (2). و من المعلوم أن الديلم تخلوا عن الجيش و انتقلوا إلى الصف العربي. فيعود بنا الأمر دائما إلى أزمة الدولة الفارسية التي لم تتوان عن التأثير على معنويات الجيش و القيادة.

لكن ينبغي البحث عن التعليل الأساسي للنصر العربي، من وراء السياق العام، في الشعب العربي ذاته الذي شهد تحرر قدراته فجأة، تبعا لتحول طرأ على التاريخ. و قد تجاوزت معركة القادسية في هذا الصدد مصير العراق لتطرح نفسها كأحد الأحداث الأقوى دلالة في تاريخ العالم.

____________

(1) الطبري، ج 3، ص 569.

(2) المرجع نفسه، ص 566.

48

- 3- إنهاء فتح العراق و تنظيم السواد (16- 17 ه/ 637- 638)

تلاحقت الأحداث بعد القادسية، و جرى فتح سريع نسبيا و يسير شمل السواد كافة، و طرد الفرس من العراق، و أقيم نظام الأراضي و البشر، و أنشئت أخيرا الكوفة و البصرة.

و قد تطلبت كل هذه الإنشاءات سنتين أو ثلاثا، اعتبارا للسنة التي تم خلالها استقرار الأمور و تهيئتها، نعني سنة 17 أو 18 من الهجرة. و كما كان الأمر بخصوص الفترة السابقة، فإن المادة التاريخية المتوافرة لدينا تختلف في كثير من التفاصيل. لكن الوقائع الجوهرية الثلاث:

الاستيلاء على المدائن، و احتلال جلولاء و طرد الفرس إلى النجد الإيراني، و إنشاء الكوفة، وردت في الروايات المتواترة كلها.

قسّم كايتاني‏ (1) كعادته هذه المادة إلى رافدين كبيرين: الروايات المدنية (ابن اسحاق و الواقدي) التي كانت مفضلة لديه، و الروايات العراقية المرتكزة على سيف بن عمر، و هو يرفضها إن صح القول. فهو يعارض بين رواية عراقية متلونة قطعا، حية أيضا و حماسية بالخصوص، لكنها تمتاز بالأخطاء في التواريخ و بتضخيم الأحداث البسيطة، و يراها في جملتها تمجيدا خرافيا للأحداث العسكرية، و بين الروايات المدنية الجافة، الهزيلة، المضطربة، و لكن المتميزة حسب رأيه بمصداقيتها. هذا و إن هيل‏ (2) يجاري كثيرا وجهة نظر كايتاني و قد انتقد بالخصوص التسلسل الزمني الردي‏ء لسيف و انحيازه للكوفة و هما أمران بديهيان بخصوص فتح الجزيرة، هذا الفتح الذي جعل منه سيف امتدادا فوريا للعمليات بالعراق. إن نقائص سيف بديهية، فوجبت الحيطة بشأنها. لكنه يتميز بتماسك الرواية كما يتميّز بثراء المادة الاخبارية. و على النقيض من ذلك، فقد اتسمت روايات عراقية أخرى‏

____________

(1)

Caetani, Annali, III, 2, pp. 317 ff, 917- 237, 437- 257.

(2)Hill ,Termination of Hostilities ... ,p .49 .

49

بجفاف تجاوز ما هو موجود عند ابن اسحاق- و قد روى عنه الطبري‏ (1) و هو الذي يشكل جوهر الروايات المدنية- و اعتمد البلاذري‏ (2) بالخصوص تلك الروايات العراقية (رواية عوانة و مجالد بالنسبة للمدائن، و رواية أبي مسعود الكوفي و عوانة و هشام بن الكلبي و عوانة من جديد بالنسبة لجلولاء). و قد اشتملت رواية خليفة بن خياط (3) على كثير من الأخبار المقتضبة التي كانت عراقية و مدنية، كانت أخبارا رئيسة و ثانوية، اضطرب توقيتها. أما رواية الدينوري‏ (4)، فقد اتصفت بشكلها العام.

الواقع أن من غزارة الروايات و تناقضاتها ذاتها يبرز منطق للأحداث يجب متابعته دون المساس بأصل الروايات أو بشكلها: تلك هي الطريقة التي توخيناها لحد الآن، و هي الطريقة ذاتها التي سنستمر في العمل بها.

الاستيلاء على المدائن‏

خرج العرب إلى المدائن بعد وقعة القادسية، و دفعتهم إلى ذلك ضرورة عسكرية بديهية هي الاستيلاء على عاصمة الامبراطورية الفارسية التي كانت المقر الرئيسي للسلطة في العراق، و المركز النابض للقيادة؛ و تبعا لذلك تقرر القضاء على الدولة الفارسية في العراق.

كان العرب لذلك السبب على يقين من أن انتصارهم في القادسية كان حاسما و اكتسب طابعا آخر مغايرا لما كان عليه الأمر في البويب مثلا. و يزداد الأمر بداهة عند مقارنته بما جدّ في الأيام المعروفة. بقي أن نعرف هل تم القضاء على الجيش الفارسي قضاء مبرما، إلى درجة أن المسيرة نحو المدائن ستؤول إلى مجرّد حوز للمدينة أم أن الفرس ما زال لديهم دافع يدفعهم، و هل كان ممكنا قلب الوضع لصالحهم؟

يبدو أن كايتاني يميل إلى الرأي الأول‏ (5)، و ذلك ما جعله يرّق لرواية المدنيين الجافة.

على أن ما يقبل الاحتمال هو ظهور بعض مواقع المقاومة الصغرى حتى المدائن، و صمود أشد في أسفل جبال زاغروس، بجلولاء ذاتها. لجلولاء في الرواية التاريخية العربية كلها مكان مفضل في ملحمة فتح العراق، لكن أيضا في كتب الفقه. كان حضور الناس و عدم الحضور

____________

(1) التاريخ، ج 3، ص 578.

(2) فتوح البلدان، ص 262- 265.

(3) التاريخ، ج 1، ص 103- 108.

(4) الأخبار الطوال، ص 126- 127.

(5) فقد تحدث عن «حملة بدون رونق» ترتب عليها طرد الساسانيين من بلاد بابل:Annali ... ,III ,2 ,pp .317 -41 ,.p .657 .

50

في المدائن و جلولاء يكتسب أهمية بالنسبة لتقسيم الغنيمة و إسناد أراضي الفي‏ء (1). هذا يعني أنه ينبغي مجاراة سيف بحذر و يقظة أيضا.

و بذلك نصل إلى طرق نقطة أخرى كذلك هي أنه كان للعرب رغبة ملحة في الاستيلاء على الكنوز الساسانية. و خشية أن تفلت منهم هذه الكنوز بعيدا داخل الأرض الإيرانية، اندفع العرب إلى التعجيل بالمرحلة الأخيرة المتمثلة في الاستيلاء على المدائن و كذلك إلى ملاحقة الجيش الفارسي بجلولاء و حتى حلوان. و بتهيئتهم المراحل (في بابل، وساباط، و بهرسير و المدائن)، أثبتوا جيدا ما كان لهم من حيطة في التوغل العسكري، و يدل هذا الأمر كذلك على وجود مقاومة فارسية ما، قصد بها حماية فرار ملكهم و كنوزه. و تم هذا الفرار على مراحل أيضا، فانطلق الملك من المدائن إلى حلوان، ثم من حلوان إلى الجبال، كأن هذا الملك كان يترقب حدوث معجزة، أو كان يعقد بعض الأمل على رجاله. إذ لو اقتصر الفرس على مجرد حماية كنزهم لما ترقبوا أن يباغتهم العرب في المدائن. المؤكد أن الفرس أعادوا تجميع قواتهم في فترة أولى- لتشتت أكثرها- و حاولوا تعطيل التقدم العربي إلى أقصى حد، لكن فوجى‏ء الملك في المدائن، ففر تاركا جانبا مهما من ماله. و مع هذا فلم يتردد في مواجهة العرب من قلعة أخيرة، نعني الجيش المعسكر بجلولاء. كان على هذا الجيش أن يحمي فراره، و يقطع الطريق على غزو محتمل للتراب الإيراني، و أن يقاتل في آن واحد من أجل الكنز الملكي أو ما تبقى منه.

أما بخصوص التوقيت، فلم يتمكن سيف إلا بعسر من التوفيق بين تأريخه المبكر لحرب القادسية في 14 ه و الاستيلاء على المدائن في صفر سنة 16 ه (2). و لذا أرّخ، حسب ما ورد لدى الطبري، أكثر الأحداث التي جدّت بين وقعتي القادسية و المدائن في سنة 15 ه. و لا شك أنه أفاض القول بسبب ذلك في عبور سواد الفرات في حين أن الرواية توحي بنفاد صبر الجيش العربي. و يقول الطبري أيضا أن ابن اسحاق و الواقدي أرّخا هذه الأحداث بالذات في سنة 16 ه (3)، و بذلك كان عليهما أن يوجزا القول فيها. و اتفق جميعهم باستثناء خليفة بن خياط الذي اعتمد تواريخ كانت محض خيال‏ (4)، اتفقوا على‏

____________

(1) الطبري، ج 3، ص 615، و ج 4، ص 20- 32؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 263- 264؛ أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 32. أما بخصوص الأقوال المنسوبة إلى عمر و المتعلقة بأبناء سبايا جلولاء الذين سيحضرون وقعة صفين، فليراجع الدينوري، الأخبار الطوال، ص 129.

(2) الطبري، ج 4، ص 8.

(3) المرجع نفسه، ج 3، ص 618.

(4) التاريخ، ج 1، ص 107 حيث أرخ وقعة جلولاء في 17 ه/ 638 م.

51

تأريخ الاستيلاء على جلولاء في ذي القعدة 16/ ديسمبر 637 (1). و بالفعل، يتفق الواقدي و سيف، حسب الطبري كما حسب البلاذري، على أن تاريخ وقعتي المدائن و جلولاء يقع في سنة 16 ه (2). و بذلك يكون تحديد التاريخ في سنة 19 كما جاء عند الواقدي و ذكره كايتاني، غير مقبول اطلاقا (3). لا شك أنه ينبغي تأخير الاستيلاء على المدائن، كما ورد عند سيف، بضعة شهور كي تتسق سلسلة الأحداث طبق الصورة التي وردت عند المؤرخين. و على ذلك يبدو لنا تأريخ الاستيلاء على المدائن في جمادي سنة 16/ يونيو 637، حسب ما قرّره كايتاني قريبا إلى المعقول كل القرابة (4).

تقدم العرب على الطريق الرابطة بين الحيرة و بابل، فالمدائن، فالنهروان، ثم جلولاء في اتجاه حلوان و الري. و كان لا بدّ من عبور الفرات و سورا و دجلة. نحن هنا في قلب بلاد بابل، أي في قلب السواد أو تربة الفرات، حيث تجري قنوات جانبية كثيرة رابطة بين دجلة و الفرات في اشتباك مكثّف‏ (5). كانت تربة غنية عامرة بالفلاحين الخاضعين للدهاقين، و قد سبق أن اختار أكثر هؤلاء حلا للتعايش مع الغالب، و فرّ الفلاحون أمام التقدم العربي. كان هذا التقدم إلى المدائن مصحوبا بغارات وقعت بين دجلة و الفرات، و روي أن 000، 100 من الفلاحين وقعوا أثناءها في الأسر، في حين تحدثت المصادر و ألحت في الحديث عن هروب الفلاحين‏ (6). أما القيادة فهي دائما بيد سعد في أعلى مستوى، نائبه فيها هاشم بن عتبة ابن أخيه و قد عوض في هذا المنصب خالد بن عرفة الذي عيّن قائدا للمشاة (7). و لم تتضمن كوكبة القادة التي أحاطت بسعد و هاشم، قادة الردة، ولكنها اشتملت على ثلاثة رجال رئيسيين هم زهرة بن الحوية قائد الطليعة، و عبد اللّه بن المعتّم، و شرحبيل بن السمط. و قد

____________

(1) فتوح البلدان، ص 265؛ الطبري، التاريخ، ج 4، ص 32؛

Skizzen .., VI, p. 37; Caetani, Chronog- rafia. Islamica, I, p. 091; Hill, Termination of Hostilities ..., p. 111

(2) فتوح البلدان، ص 263: «قال الواقدي: كان فراغ سعد من المدائن و جلولاء في سنة ست عشرة» و لا يقترح ابن اسحاق تأريخا ضمن الرواية التي ذكرها الطبري، ج 3، ص 570- 579، و البلاذري.

(3)Annali ,III ,2 ,p .717 ، حيث نستغرب نسبته تأريخ وقعة جلولاء في 16 ه، إلى ابن اسحاق، و إلى الواقدي تحديد تأريخها في 19 ه.

(4)Caetani ,Chronografia Islamica ,I ,p .091 .

(5)

Le Strange, The Lands of Eastern Caliphate, p. 03.

(6) الطبري، ج 4، ص 5، و قيل ان ذلك وقع خلال الحصار المضروب على بهرسير في حين أن العرب كانوا يغيرون على المناطق الموجودة بين الفرات و دجلة.

(7) الطبري، ج 3، ص 619. و روى البلاذري خبرا لعوانة مفاده أن خالدا كلف بالاستيلاء على ساباط: فتوح البلدان، ص 263. و كان خالد قائدا بالنيابة في معركة القادسية و حليفا لزهرة، عشيرة سعد: ابن سعد، الطبقات، ج 2، ص 21.

52

روى سيف أن «كل المسلمين فارس مؤد» (1). و ذلك قد يعني أن المشاة ينتمون إلى صفوف الأساورة و الحمراء. و بقي سعد مع أكثر الجيش، في المؤخرة على عادته، لكنه كان يلحق بانتظام بالمقدمة.

تكللت المرحلة الأولى في نرس‏ (2) بنصر صغير على بصبهري. و في بابل و هي المرحلة الثانية تجمعت بقايا القادسية ممن أفلت من القتل مع قادتهم و هم: النخيرجان، و مهران الرازي، و الهرمزان، و التحق بهم بصبهري، و تولى عليهم الفيرزان قائدا أعلى، و كان سابقا منافسا لرستم‏ (3)، و اتضح بذلك العزم الفارسي على التصدي. و لم يعتقد زهرة أنه كان يستطيع هزمهم بمفرده، فطلب المدد من سعد الذي وجه إليه عبد اللّه و شرحبيل، ثم هاشما مع باقي الجيش الذي وصل بعد أن تم النصر (4). كان نصرا سريعا، تفرق بعده أكثر القادة الفرس، فجارى كل واحد منهم أطماعه أو انساق وراء المصلحة المحلية للإقليم الذي كان يمثله. فعاد الهرمزان إلى الأهواز، و رجع الفيرزان إلى نهاوند لاستغلال موارد هذا الإقليم.

و بقي النخيرجان و مهران وحدهما للدفاع عن المدائن‏ (5). و يدل تفكك القيادة هذا على عدة عوامل، منها أن السلطة الملكية تلاشت تماما أو كادت، و أن الاقليمية عادت إلى الظهور في عالم إيراني منحلّ مهدد، و قد تأكدت دون شك حال انفجار أزمة الخلافة على الملك، و بلغت طلائع الجيش العربي بهرسير غرب دجلة بعد صدام قصير في كوثى. و تجدد المشهد ذاته في مواطن القتال الأخرى إذ حالما وصل زهرة مع مقدمة الجيش إلى ساباط، طلب دهقانها الصلح، بعد أن قضى زهرة على الكتيبة الخاصة لكسرى بوران، و لحق به هاشم و خاض القتال‏ (6)، و أخيرا وصل جميع الفرسان المرافقين لسعد أمام بهرسير و ضربوا عليها حصارا دام شهرين (أواخر سنة 15 و بداية سنة 16 من الهجرة) (7). و خلال هذا الحصار اكتسح الجيش العربي السواد فيما بين الفرات و دجلة، و لعل الاتفاق قد تم أثناءه بخصوص وضع الفلاحين و أراضي هذه المنطقة.

____________

(1) المرجع نفسه، ج 3، ص 619.

(2) خليفة بن خياط، التاريخ، ج 1، ص 103، لا برس بالباء كما جاء بطبعة القاهرة ل تاريخ الطبري، ج 3، ص 619. ذكر خليفة أن الطريق المسلوكة هي نرس- دير كعب- كوثى. و قد ذكر البلاذري مرتين كوثى و ساباط: فتوح البلدان، ص 262- 263، لكن لم يتحدث أي واحد منهما عن بابل.

(3) الطبري، ج 3، ص 620.

(4) المرجع نفسه، ج 3، ص 619.

(5) الطبري، ج 3، ص 620. في الامكان أن يكون لكل قائد جيش خاص به.

(6) الطبري، ج 3، ص 622- 623؛ فتوح البلدان، ص 262.

(7) الطبري، ج 4، ص 5؛ فتوح البلدان، ص 262، حيث جاء في رواية غير مقبولة أن الحصار استمر مدة تتراوح بين تسعة أشهر و ثمانية عشر شهرا. و الملاحظ أن الملك كان بالمدائن آنذاك.

53

إن حصار بهرسير سبق الدخول إلى المدائن و كان تمهيدا له. و كانت بهرسير ذاتها جزءا من مجموعة المدن المكوّنة للمدائن الكبرى، فضلا عن إمكان اعتبارها مفتاح المدائن- طيسفون بالذات، بتسمية «المدائن الدنيا» تجاه «المدائن القصوى» (1). لقد تكون مركّب المدائن أصلا انطلاقا من مدينتين‏ (2) هما سلوقية غرب دجلة المؤسسة بين 312 و 301 قبل الميلاد، و طيسفون شرقا (221 ق. م.) و هي وريثة أوبيس.Opis لكن في حين أن المدينة الواقعة شرقا تطورت و أدمجت القرى المجاورة، و اتسعت أيضا بفضل إنشاء مواطن جديدة (مثلا رومية حيث وطّن المهاجرون من سلوقية الشام في 540 بعد الميلاد، و التي لا ينبغي أن تشتبه علينا بسلوقية توأم طيسفون)، فإن المدينة الواقعة إلى الغرب التي كانت من أصل يوناني، تبدو قد تقلصت. و لم يبق فعلا منها سوى الجزء الجنوبي الذي أعيد تسميته بيه- أردشير، من طرف الساسانيين‏ (3). و يطابق هذا الاسم الصيغة المعربة «بهرسير» المشتقة من الأرامية، و كان يصل جسر بين بهرسير و المدائن و قد مكّن الفرس من إخلاء مدينة بهرسير و الاتجاه إلى الشاطى‏ء الشرقي، دون أن يتفطن العرب إلى ذلك. ثم حطموا الجسر و سحبوا كل السفن فدخل العرب مدينة قفراء. و شاهدوا عن بعد القصر الأبيض لكسرى‏ (4)، و كان رمزا خياليا للعظمة و الحضارة الفارسية. إنها للحظة مشهودة في خضمّ مغامرة خاطفة. و لا ريب أن الفرس فكروا في الاستفادة من مهلة ما، في المدائن الشرقية، حتى يرتبوا أمورهم، و يضمنوا إجلاء منظما للعائلات و الكنوز الملكية الهائلة. فوجه يزدجرد أهل بيته إلى حلوان بعد أن تم الاستيلاء على بهرسير (5). لكن العرب عجلوا باحتلال المدائن، بصورة لم يكن يتوقعها الفرس، و قصروا الإقامة في بهرسير، فاتجه العمل العسكري بأكمله عند ذلك إلى السباق نحو الغنيمة إذ وجب اللحاق بها قبل أن تطير.

و تم عبور دجلة عبورا ملحميا على الخيل‏ (6). توجه في البدء عاصم بن عمرو عاجلا في الطليعة مع 600 رجل منهم 60 مقاتلا خرجوا للاستكشاف فنجحت العملية، و فرض عاصم رقابته على ضفة النهر بعد الفراغ من مناوشات صغيرة، و سرعان ما لحق به أكثر

____________

(1) الطبري، ج 4، ص 8.

(2)

Streck, art. »Mada`in«, E. I/ 1; Le Strange, op. cit. p. 33 ff. Hertzfeld, Archaeologische Reise,. II, p. 64- 67.

و أورد ياقوت في معجم البلدان، ج 5، ص 74، قائمة منقوصة لمختلف المدن، كما أورد اليعقوبي في كتاب البلدان، ص 321، قائمة لها.

(3) (واه) حسب‏Streck و (بيه) حسب‏Le Strange ، و هو لا يعني أردشير الطيب بل بيت أردشير.

(4) الطبري، ج 4، ص 8. لا ينبغي الخلط بين القصر الأبيض و الإيوان، لكن كليهما كانا على الشاطى‏ء الشرقي.

(5) الطبري، ج 4، ص 13.

(6) المرجع نفسه، ج 4، ص 9؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 263؛ الأخبار الطوال، للدينوري، ص 126.

54

الجيش بأمر من سعد الذي كان حاضرا بنفسه. إنها لمفخرة بالنسبة لأولئك العرب الصحراويين أن يتخلصوا من خوفهم من الماء، و يتحدّوا عظمة دجلة و زبدها و موجها الأجاج، و لم يفت سيفا طبعا أن يفاخر «بيوم الماء» (1)، لكن الواقعة وردت في أكثر الأخبار.

بعد الوقعة و في هذه المرة أيضا تشتت السكان، و فرّ الملك و كان لفراره طابع الفاجعة، و دخل الجيش العربي مدينة قفراء و اقتحم القصر الأبيض و الإيوان بعد استسلام المدافعين، و أقام سعد صلاة الفتح في الإيوان بين التصاوير الحائطية و التماثيل‏ (2).

و بعد قرنين من ذلك جاء البحتري متأملا منشدا شعره أمام الإيوان، فأهدى الدولة المنقرضة درة من درر الشعر العربي‏ (3). و استولى الفاتحون على الغنيمة التي كانت تعادل نصف أموال الملك المقدرة بثلاثة مليارات من الدراهم‏ (4). و كانت هذه الذخائر ثمرة لتقليد طويل مقام على خزن المال زاد تأكدا مع السياسة الخرقاء التي سار عليها أبرويز. و قد سلمت أربعة أخماس الغنيمة إلى الرجال و تجاوز نصيب الفرسان مرتين أو ثلاث مرات نصيب المشاة (الحمراء المتحالفين فقط أم أن هناك مشاة من العرب؟) (5). و وجه الخمس المتبقي إلى المدينة بعد أن أجاز سعد بعض القادة. و وافق المقاتلون على عدم اقتسام كسوة الملك و جواهره، و بساط كبير مرصّع بالأحجار الثمينة، و قرروا توجيه كل هذا إلى الخليفة (6). و قد روى سيف حكايات شيّقة بهذا الصدد، فقال مثلا إن الغالبين العرب ظنوا الكافور ملحا، و استبدلوا بالتساوي الآنية الفضية بالآنية الذهبية (7). أما بالمدينة و حول عمر فقد ساد الوجوم و العبث، و الانبهار الكبير و التذكير بزيف الدنيا.

سيتبين أن الاستيلاء على المدائن كانت له أهمية قصوى من حيث منطق الفتح العربي و من حيث التنظيم الآتي للبلدان المفتوحة. و استقر بها العرب بصورة مؤقتة (8)،

____________

(1) الطبري، ج 4، ص 13.

(2) الطبري، ج 4، ص 15- 16: و أقيمت بعد صلاة سعد المفردة أول صلاة جامعة في العراق، و التاريخ المحدد لها هو صفر من سنة 16 ه.

(3) في 290 ه. راجع قصيدته المشهورة التي تضمنتها مقدمة ديوان الحماسة للبحتري، ط القاهرة، 1929، ص:

س إلى ف.

(4) الطبري، ج 4، ص 11.

(5) المرجع نفسه، ص 20، زعم سيف أن عدد الفاتحين كان 60000 و أكد أنهم كانوا جميعا من الفرسان و أن نصيب كل واحد منهم كان 12000 درهم.

(6) المرجع نفسه، ص 20- 21.

(7) المرجع نفسه، ج 4، ص 17؛ الأخبار الطوال، ص 127؛ فتوح البلدان، ص 263.

(8) الطبري، ج 4، ص 20- 21، قسمت دور المدائن بين الفاتحين بعد أن استولوا على الغنيمة كلها التي كانت موجودة فيها.