تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج2

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
520 /
555

[المجلد الثاني‏]

تحصيل المرام‏ في أخبار البيت الحرام و المشاعر العظام و مكة و الحرم و ولاتها الفخام تأليف الشيخ محمد بن احمد بن سالم بن محمد المالكي المكي المعروف بالصبّاغ 1243- 1321 ه دراسة و تحقيق أ. د/ عبد الملك بن عبد ا بن دهيش الجزء الثاني 1424 ه 2004 م‏

556

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف‏ أ. د. عبد الملك بن دهيش الطبعة الاولى 1424 ه 2004 م طبع على نفقة المحقق و يطلب من مكتبة الأسدي مكة المكرمة هاتف: 5570506- 5575241

557

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

558

الباب الخامس: في فضل مكة المشرفة و ما جاء في تحريم حرمها، و فضل أهلها، و حكم المجاورة بها و فضلها، و أن مكة و المدينة أفضل بقاع الأرض، و ما جاء في اختلاف العلماء أيهما أفضل، و المواضع التي يستجاب فيها الدعاء

و فيه خمسة فصول:

الفصل الأول: في فضل مكة المشرفة و ما جاء في احترام حرمها

و قد تقدمت أسمائها (1). و زاد بعضهم أسماء لها زيادة على ما تقدم.

قال: فمن أسمائها: الأمينة، سميت بذلك؛ لأنها بلدة الأمين (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه.

و من أسمائها: المروية؛ لأنها مروية خلفا عن سلف، فهي مروية عن اللّه عز و جل، أخبرنا بها في عظيم كتبه المنزلة على أنبيائه، و ما من نبي و لا رسول إلا أتى إليها و حج البيت الحرام.

و من أسمائها: البلدة المرزوقة.

و في الزبور: اسم مكة: صهيون، يخرج منها [إكليل محمود] (2)، و هو النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و في الإنجيل: اسمها: فاران، يظهر محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بفاران، و في التوراة، أن إسماعيل أقام بفاران و هي مكة. انتهى من السيرة الحلبية (3).

____________

(1) ص: 484.

(2) في الأصل: إكليلا محمودا.

(3) السيرة الحلبية (1/ 348).

559

قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة و السلام: وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ‏ [البقرة: 126]. فلما دعا اللّه سبحانه و تعالى أمر اللّه جبريل (عليه السلام) أن ينقل قرية من قرى فلسطين- أي: الشام- كثيرة الثمار، فأتى جبريل (عليه السلام) و قلع قطعة منها و جاء بها و طاف بها حول البيت سبعا، ثم وضعها على ثلاثة مراحل من مكة، و هو الطائف، و لذلك سميت بالطائف و تهامة (1).

قال في القاموس‏ (2): تهامة- بكسر التاء-: مكة شرفها اللّه تعالى.

و الحجاز، و فيه‏ (3): الحجاز: مكة و المدينة و الطائف و مخاليفها (4)؛ لأنها حجزت بين نجد [و تهامة، أو بين نجد] (5) و السراة (6)، و المحاجزة: الممانعة.

[و المعنى‏] (7): أن من لاذبها و تأدب في أماكنها حجزه اللّه عن النار.

و الحجزة- بالفتح-: الذين يمنعون الناس عن بعض، و يفصلون بينهم بالحق، جمع حاجز (8). و في الحديث: «إن الإسلام [ليأرز] (9) إلى الحجاز كما [تأرز] (10) الحية إلى جحرها» (11). ذكره القرشي.

____________

(1) تهامة: الأرض الجبلية التي تمتد من الجنوب عن الليث إلى العقبة في الأردن، بين سلسلة جبال السراة شرقا و السهل السهل الساحلي غربا (معجم معالم الحجاز 2/ 47).

(2) القاموس المحيط (ص: 1400).

(3) أي في القاموس، القاموس المحيط (ص: 653).

(4) المخاليف: جمع مخلاف، و هو مجموعة من القرى و البلاد.

(5) زيادة من القاموس المحيط.

(6) السّراة: يطلق على جبال الحجاز الفاصلة بين تهامة و نجد، و بها سمّي الحجاز حجازا (معجم البلدان 3/ 205).

(7) في الأصل: أو المعنى.

(8) القاموس المحيط (ص: 652).

(9) في الأصل: ليزأر، و التصويب من صحيح البخاري (2/ 663)، و مسلم (1/ 131).

(10) في الأصل: تزأر، و التصويب من المصدرين السابقين.

(11) أخرجه الترمذي (5/ 18 ح 2630) من حديث كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف‏

560

و أما ألقابها: المشرفة؛ و ذلك لشرفها على غيرها من سائر البلدان.

[و من‏] (1) ألقابها: المكرمة. حكاه بعضهم و قال: لأن اللّه أكرمها بنزول ذكرها في كتابه العزيز، و وفود جميع الأنبياء و الرسل و الأولياء و الصالحين إليها.

و منها: المفخمة. قال في القاموس‏ (2): [الفخم‏] (3): العظيم القدر، و التفخيم: التعظيم.

و منها: المهابة، لقّبت به؛ لوقوع الهيبة في قلوب أعداء اللّه من الوصول إليها بسوء.

و منها: الوالدة؛ لإياب الناس إليها- أي: رجوعهم إلى أوطانهم بعد قضاء مناسكهم-.

و منها: الجامعة؛ لأنها تجمع الفرق الإسلامية و سائر الجنوس المختلفة في كل عام فيها كما وعدها الحق.

و منها: المباركة. ذكره القرشي.

ذكر ما جاء في فضلها و تحريم حرمها

أما فضلها: فيكفي في ذلك إنزال ذكرها في مواضع كثيرة في كتابه العزيز؛ منها قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل‏

____________

بن زيد بن ملحة عن أبيه عن جده. و قال: حديث حسن صحيح.

(1) في الأصل: فمن.

(2) القاموس المحيط (ص: 1477).

(3) في الأصل: المفخم، و المثبت من القاموس، الموضع السابق.

561

عمران: 96- 97]، قيل: مقام إبراهيم: هو الحجر الذي كان يصعد عليه حين بناء البيت، و قيل: الكعبة، و قيل: مكة، و قيل: الحرم كله. و الأول قول الجمهور. أخرج السيوطي في الدر المنثور (1): وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً أي:

من النار (2).

و أخرج من طريق عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن جرير قال: كان هذا في الجاهلية، كان الرجل لو جرّ كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول و لم يطلب، و أما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود اللّه، من سرق [فيه‏] (3) قطع، و من زنا فيه حدّ، و من قتل فيه قتل. و هو مذهب مالك رضي اللّه عنه.

و عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، و لكن لا [يؤذى‏] (4)، و لا يطعم، و لا يسقى، و لا [يرعى‏] (5)، فإذا خرج أخذ بذنبه.

و عن ابن عباس: [من أحدث حدثا] (6) في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له، [و لم يبايع‏] (7)، و لم يؤو حتى يخرج من الحرم، [فإذا] (8) خرج من الحرم أخذ فأقيم عليه الحدّ. و من [أحدث‏] (9) في الحرم حدثا أقيم عليه‏

____________

(1) الدر المنثور (2/ 96- 98).

(2) ذكره السيوطي في الدر المنثور (2/ 96).

(3) زيادة من الدر المنثور (2/ 97)، و انظر: الغازي (1/ 71).

(4) في الأصل: يؤوى. و المثبت من الدر المنثور (2/ 97).

(5) في الأصل: يدع. و المثبت من الدر المنثور (2/ 97).

(6) قوله: من أحدث حدثا، زيادة من الدر المنثور (2/ 97).

(7) قوله: و لم يبايع، زيادة من الدر المنثور (2/ 97).

(8) في الأصل: حتى إذا. و المثبت من الدر المنثور، الموضع السابق.

(9) في الأصل: حدث. و المثبت من الدر المنثور، الموضع السابق.

562

الحدّ. و به قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه.

و عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: لو وجدت [قاتل‏] (1) الخطاب فيه ما مسسته حتى يخرج [منه‏] (2). ذكره السيوطي و البيضاوي‏ (3).

انتهى.

و منها قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ [الَّذِي‏] (4) حَرَّمَها [النمل: 91] و قوله تعالى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57]، و قوله تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ [سبأ: 15] على بعض الروايات: أنها مكة.

و قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35] ذا أمن يأمن فيه أهله من القحط، و الجدب، و الخسف، و المسخ، و الزلازل، و الجنون، و الجذام، و البرص و نحو ذلك من المثلات التي تحل بالبلاد، فهو من باب النسب أي: بلد منسوب إلى الأمن، ك: لبني و تمري، فإنها لنسبته موصوفها إلى مأخذها، كأنه قيل: لبني و تمري، فالإسناد حقيقة قد أسند إلى مكانهم، أو المعنى: بلدا آمنا أهله، فيكون من قبيل الإسناد المجازي؛ لأن الأمن الذي هو صفة لأهل البلد حقيقة قد أسند إلى مكانهم للملابسة بينهما، و كان هذا الدعاء في أول ما قدم إبراهيم عليه الصلاة و السلام مكة بهاجر و ابنها

____________

(1) في الأصل زيادة: ابن. و انظر الدر المنثور.

(2) زيادة من الدر المنثور (2/ 97).

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 139)، و الفاكهي (3/ 365). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (2/ 97) و عزاه إلى عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الأزرقي. و ذكره المباركفوري في كنز العمال (14/ 112 ح 38098)، و عزاه إلى عبد بن حميد و ابن المنذر و الأزرقي.

(4) في الأصل: التي. و هو خطأ.

563

إسماعيل. انتهى من روح البيان‏ (1).

فدعا قال: اللهم رب اجعل ... إلخ كما تقدم.

و قوله تعالى: وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ [الحج: 25].

قال ابن العربي (قدّس سره) في الفتوحات المكية (2) في الباب العشرين و أربعمائة ما نصه: اعلم أن اللّه تعالى قد عفى عن الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة شرفها اللّه تعالى؛ لأن الشرع ورد أن الحق تعالى يؤاخذ من أراد الظلم فيها، و لهذا كان سبب سكن ابن عباس بالطائف؛ احتياطا لنفسه رضي اللّه عنه، و إنما نكّره‏ (3) في الآية قوله: بِظُلْمٍ‏؛ ليتجنب الساكن بالحرم كل ظلم.

و قال في علوم الباب التاسع [و الستين‏] (4) و ثلاثمائة: اعلم أن حديث النفس إنما يكون مغفورا إذا لم يعمل أو يتكلم، و الكلام عمل، فيؤاخذ به العبد من حيث ما هو متلفظ به؛ كالغيبة و النميمة، فإن العبد يؤاخذ بذلك و يسأل عنه من حيث لسانه و لا يدخل الهم بالشي‏ء في حديث النفس؛ لأن الهم بالشي‏ء له حكم آخر في الشرع خلاف حديث النفس، و لذلك مواطن؛ كمن يرد في الحرم المكي إلحاد بظلم فإن اللّه أخبر أنه يذقه من عذاب أليم، سواء وقع منه ذلك الظلم الذي أراده أم لم يقع. و أما في غير المسجد الحرام المكي فإنه غير مؤاخذ بالهم فإن لم يفعل ما همّ به كتبت له حسنة إذا ترك‏

____________

(1) روح البيان (1/ 227).

(2) لم أقف عليه في المطبوع.

(3) قوله: نكره، مطموس في الأصل. و المثبت من الغازي (1/ 58).

(4) في الأصل: و ستين.

564

ذلك خاصة. اه.

و قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ [الفتح: 27]، و قوله تعالى: بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: 24] و قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها [الشورى: 7]، و قوله تعالى: وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ [التين: 3]، و قوله تعالى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57] فهذه الآيات أنزلها اللّه بمكة خاصة و غيرها من الآيات البينات.

غريبة: إنك إذا دخلت مكة شرفها اللّه تعالى في أيّ وقت من النهار و الليل فإنك تجد ما تطلبه فيها، و لا يبيت [فيها] (1) أحد إلا شبعان، و تجد الفواكه الربيعية و الخريفية و الصيفية في كل وقت.

و مما يحكى: أن رجلا من أهل الشام أتى إلى الحج، فلما دخل مكة شرفها اللّه تعالى رأى فيها من كل الفواكه مما لا يحصى، و جلست تلك الفواكه في سوقها فتعجب من ذلك، و قال: نحن في بلادنا مع كثرة البساتين لم تمكث في السوق إلى الليل، و لا بد أن تكون بساتين مكة أكثر من بساتيننا، فخرج خارج البلد يتفرج على بساتينها فلم يرى إلا جبالها محدقة بها، فتعجب في نفسه، و أمسى عليه الليل فنام في أحد جبالها، فلما كان وقت السحر و إذا ناس معهم جمال بلا حمول و قد أناخوها و هو ينظر إليهم، و صاروا يعبؤون الحجارة من ذلك المحل في خيش و يحملونها على إبلهم، فتبعتهم و هم يسيرون إلى المكان الذي يبيعون فيه، فأناخوا إبلهم و فكوا الحمول من عليها، و أنا مشاهد لهم، و إذا هي فواكه من كل جنس‏ (2)،

____________

(1) قوله: فيها، زيادة من ب.

(2) هذه من الأشياء التي لا يصدقها عقل، فمع قناعتنا بمباركة مكة، إلا أن ما رواه المؤلف في ذلك يعد من الخزعبلات و الأباطيل.

565

فتعجب في نفسه و علم أنها مرزوقة من اللّه تعالى، كما قال تعالى: يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57]، و قوله تعالى:

أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ [قريش: 4]، أي: من الجذام كما في تفسير البغوي‏ (1)، و كذا دعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام: رَبِّ اجْعَلْ هذا [بَلَداً] (2) آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ... الآية [البقرة: 126].

ذكره القرشي.

و قد تقدّم أن قريشا حين أرادوا بناء الكعبة وجدوا كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا هو: أنا اللّه ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض، و صورت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزال أخشابها- أي: جبالها- و هو أبو قبيس [و غيره‏] (3)، يبارك لأهلها في الماء و اللبن.

و وجد في المقام- أي: في محله- كتابا مكتوب فيه: مكة بيت اللّه يأتيها رزقها من ثلاث سبل.

و وجد كتاب آخر مكتوب: من يزرع خيرا يحصد غبطة- أي: يحصد حصدا محمودا عليه-، و من يزرع شرا يحصد ندامة- أي: يندم عليه-، تعملون السيئات و تجزون الحسنات، أجل- أي: نعم- كما [لا] (4) يجنى من الشوك العنب- أي: الثمر- (5). ذكره الحلبي‏ (6).

____________

(1) معالم التنزيل (4/ 531).

(2) في الأصل: البلد. و هو خطأ. (سورة البقرة، الآية: 126).

(3) قوله: و غيره، زيادة على الأصل.

(4) زيادة على الأصل.

(5) أخرجه الأزرقي (1/ 78 و 80).

(6) السيرة الحلبية (1/ 232).

566

و في السيرة الشامية (1): أن ذلك وجد مكتوبا في حجر في الكعبة.

و أخرج عبد الرزاق في المصنف و البيهقي في الشّعب‏ (2) عن الزهري قال: بلغنا أنه وجد في مقام إبراهيم ثلاثة أسطر، السطر الأول: أنا اللّه ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر، أبارك لأهلها في اللحم و اللبن.

و في الثاني: أنا اللّه ذو بكة، خلقت الرحم و شققت له اسما من أسمائي، فمن وصله وصلته، و من قطعه بتتّه.

و في الثالث: أنا اللّه ذو بكة، خلقت الخير و الشرّ، فطوبى لمن كان الخير على يديه، و ويل لمن كان الشر على يديه. ذكره السيوطي‏ (3).

و في السيرة الحلبية و لفظه قال ابن المحدث: و رأيت في مجموع أنه وجد بها [حجرّ مكتوب‏] (4) عليه: أنا اللّه ذو بكة مفقر الزناة، و معرّي تارك الصلاة، أرخصها و الأقوات فارغة، و أغلّيها و الأقوات ملآ- أي: فارغ محلها و ملآن محلها-. هذا كلامه‏ (5).

و قد يقال: لا مانع أن ذلك حجر آخر و يكون ذلك الحجر، و ما ذكر مكتوب في محل آخر. انتهى.

و أما الأخبار الواردة فيها فروي عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «مكة و المدينة تنفيان خبثهما كما ينفي الكير خبث الحديد، و إن مكة أنشئت على المكروهات و الدرجات، و من صبر على شدّتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، و من مات بمكة و المدينة بعثه اللّه يوم القيامة آمنا من عذابه لا حساب عليه، و لا خوف‏

____________

(1) المرجع السابق.

(2) أخرجه عبد الرزاق (5/ 149/ ح 9219)، و البيهقي (3/ 445).

(3) الدر المنثور (2/ 267).

(4) في الأصل: حجرا مكتوبا. و المثبت من ب.

(5) السيرة الحلبية (1/ 233).

567

و لا عذاب، و يدخل الجنة بسلام و كنت له شفيعا يوم القيامة، ألا و إن أهل مكة أهل اللّه و جيران بيته». انتهى مثير شوق الأنام إلى حج بيت اللّه للعلامة محمد علان المكي.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من استطاع أن يموت في أحد الحرمين فليمت، فإني أوّل من أشفع له، و كان يوم القيامة آمنا من عذاب اللّه لا حساب عليه و لا عذاب». أورده الحسن البصري في رسالته.

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: مكة و المدينة [محفوفتان‏] (1) لا يدخلها الدجال و لا الطاعون. رواه أحمد (2). و عمرو بن شعيب [إسناده‏] (3) جيد.

و عن عبد اللّه بن عدي بن حمراء رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على راحلته على الحزورة من مكة و هو يقول لمكة: «و اللّه إنك لخير أرض اللّه، و أحب أرض اللّه إليّ، و لو لا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه سعيد بن منصور و الترمذي و قال: حديث حسن صحيح، و النسائي و ابن ماجه و ابن حبان‏ (4) و هذا لفظه، و رواه أحمد (5):

«و هو واقف بالحزورة».

و الحزورة: كانت سوقا بمكة.

و في حديث آخر: «خير بلدة على وجه الأرض و أحبها إلى اللّه تعالى‏

____________

(1) في الأصل: محفوفان، و التصويب من المسند (2/ 483).

(2) مسند أحمد (2/ 483).

(3) في الأصل: و إسناده.

(4) أخرجه الترمذي (5/ 722) و قال: حسن غريب صحيح، و النساء (2/ 479)، و ابن ماجه (2/ 1073)، و ابن حبان (9/ 22). و لم أقف عليه في سنن سعيد بن منصور.

(5) مسند أحمد (4/ 305).

568

مكة» (1).

و ذكر القليوبي: و أحب مكة ما بين المقام و الملتزم.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «دحيت الأرض من مكة، فمدّها اللّه من تحتها فسميت أم القرى، و أول جبل وضع على وجه الأرض: أبو قبيس، و أول من طاف بالبيت الملائكة قبل أن يخلق اللّه تعالى آدم بألفي عام، و ما من ملك يبعثه اللّه تعالى من السماء إلى الأرض في حاجة إلا اغتسل من تحت العرش، و انقضّ محرما، فيبدأ بالبيت، فيطوف أسبوعا، ثم يصلي خلف المقام ركعتين، ثم يمضي إلى حاجته التي بعث إليها، و كل نبي إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم إلى مكة فيعبد اللّه فيها حتى يأتيه اليقين- أي:

الموت- و ما على الأرض بلدة وفد إليها أكثر النبيين و المرسلين و الملائكة و صالح عباد اللّه الصالحين من أهل السموات و الأرض إلا مكة». ذكره الحسن البصري‏ (2). انتهى من البحر العميق للقرشي.

و ذكر القليوبي في تاريخه و نصه: و من مرض بها يوما حرّم اللّه جسده و لحمه على النار، و من صبر على حرّ مكة ساعة أبعده اللّه من النار مسيرة خمسمائة عام و قرّبه من الجنة مائتي عام، و النظر إلى بناء الكعبة عبادة، ألا و إن أهل مكة أهل اللّه و جيران بيته، و ما على وجه الأرض واد خير من وادي إبراهيم. ا ه.

ثم ذكر القرشي أيضا عن الحسن البصري في رسالته عن عمرو بن الأحوص قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول في حجة الوداع: «أيّ يوم هذا؟» قالوا: يوم الحج الأكبر. قال: «فإن دماؤكم و أموالكم و أعراضكم‏

____________

(1) ذكره الفاكهي في أخبار مكة (2/ 290)، و الحسن البصري في فضائل مكة (1/ 18).

(2) فضائل مكة (1/ 19- 20).

569

بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان على نفسه، ألا لا يجني جان على ولد و لا مولود على والده، و إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذه أبدا، و لكن ستكون له طاعة فيما تحقرون من أعمالكم فيرضى به». رواه ابن ماجه و الترمذي‏ (1) و صححه.

و في الصحيح‏ (2): أن ليس بلدا إلا سيطؤها الدجال إلا مكة و المدينة و بيت المقدس ليس نقب من أنقابها إلا و عليه الملائكة صافّين يحرسونها، و النّقب- بفتح النون و ضمّها و سكون القاف-: الباب، و قيل: الطريق.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «إن الشيطان قد يئس من أن يعبد في جزيرة العرب و لكن في التحريش بينهم» (3). رواه الهروي في شرح المشكاة.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم فتح مكة: «إن هذا (4) البلد حرّمه اللّه يوم خلقت السموات و الأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه و لا ينفّر صيده و لا يلتقط لقطه إلا لمعرّف و لا يختلى خلاها». قال العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه إلا الإذخر (5) فإنه لقينهم و لبيوتهم فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إلا الإذخر» (6). متفق عليه.

و قوله: «لقينهم» القين: الحداد و الصاغة فإنهم يحرقونه بدل الحطب‏

____________

(1) أخرجه الترمذي (4/ 461)، و ابن ماجه (2/ 1015).

(2) أخرجه مسلم (4/ 2265 ح 2943).

(3) أخرجه مسلم (4/ 2166 ح 2812).

(4) في الأصل: هذه.

(5) الإذخر: حشيش طيب الريح أطول من الثّيل، ينبت على نبتة الكولان (لسان العرب، مادة: ذخر).

(6) أخرجه البخاري (2/ 651)، و مسلم (2/ 986).

570

و الفحم.

و في رواية: فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا و بيوتنا.

و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح» (1). رواه مسلم.

و كان ابن عمر رضي اللّه عنه يمنع ذلك في أيام الحجّاج.

و اتفق الجمهور أنه لا يحل بلا ضرورة، و أما حمله للضرورة فيجوز، أي: كزماننا هذا، و حجتهم في ذلك دخوله (صلى اللّه عليه و سلم) عام الفتح متهيئا للقتال.

كذا ذكره القاضي عياض، و تبعه الطيبي و ابن حجر.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لمكة: «ما أطيبك من بلد و أحبك إليّ، و لو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» (2). رواه الترمذي و قال: حديث صحيح غريب الإسناد.

و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اتقوا اللّه و انظروا ما تفعلون فيها، فإنها مسؤولة عنكم و عن أعمالكم فتخبر عنكم، و اذكروا أن ساكنها لا يأكل الدم و لا يأكل الربا و لا يمشي بالنميمة» (3). الرواية للخرائطي.

و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يسكن مكة سافك و لا مشّاء بنميمة» (4).

الرواية لأبي نعيم.

____________

(1) أخرجه مسلم (2/ 989).

(2) أخرجه الترمذي (5/ 723).

(3) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 296) من حديث عبد اللّه بن عمرو مرفوعا، و عزاه للبزار.

(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5/ 151 ح 9224) عن ابن سابط. و ذكره العقيلي في الضعفاء (4/ 447)، و الجرجاني في تاريخه (1/ 248) كلاهما من حديث جابر بن عبد اللّه مرفوعا.

571

و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من دخل مكة فتواضع للّه عز و جل [و آثر] (1) رضاه على جميع أموره لم يخرج منها حتى يغفر له» (2). الرواية للحاكم‏ (3).

و في المشكاة عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد و هو يبعث الجيوش إلى مكة: أتأذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الغد من يوم الفتح سمعته أذناي و وعاه قلبي و أبصرته عيناي حين تكلم به، حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن مكة حرّمها اللّه تعالى و لم يحرّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك بها دما و لا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيها فقولوا له: إن اللّه أذن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يأذن لكم، و إنما أذن لي ساعة من نهار و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، و ليبلغ الشاهد منكم الغائب. فقيل لابن شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: إنه أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا و لا فارا بخربة. متفق عليه‏ (4).

و في البخاري: الخربة: الجناية. ذكره القرشي.

و حاصل المسألة: أن في مذهب المالكية تردد بين العلماء في جواز القتال في الحرم و التردد في مكانه قولين: فقيل بجواز القتال للحاضر غير البادي مطلقا، كافرا أو مسلما، بمكة أو بالحرم، أي: حصار الناس في الحج و العمرة، و أن أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل و لم يكن ردهم إلا بالقتال جاز قتالهم عند ابن هارون و ابن فرحون، و عليه أكثر الفقهاء أن قتال البغاة

____________

(1) في الأصل: و إيثار. و التصويب من أخبار مكة.

(2) أخرجه الفاكهي (2/ 314 ح 1573). و ذكره السيوطي في الجامع الكبير (1/ 776) و عزاه للديلمي.

(3) لم أقف عليه في المستدرك.

(4) أخرجه البخاري (2/ 651)، و مسلم (2/ 987).

572

جائز، و أنه حق اللّه، و حفظ حقه في حرمه أولى من أن يضاع، و القول الثاني: بالمنع. نقله ابن الحاجب و ابن شلس.

و محل التردد: إن كان القتال للحاضر بالحرم أو بمكة و لم يبدأنا بالقتال، و أما إن كان في الحل أو في الحرم و بدأنا بالقتال فإن مقاتلته جائزة، أو واجبة إذا خيف منه من غير خلاف، و لا يرد على الجواز الذي هو أحد شقي التردد خبر: «إنما أحلت لي ساعة من نهار» و ما في معناه من الأخبار الدالة على المنع؛ لأنها محمولة عند علمائنا على القتال بما يعم؛ كالمنجنيق و المدفع‏ (1) إذا أمكن صلاح الحال بدونه، و إلا جاز، و جاز حمل السلاح بمكة حينئذ.

و خبر: «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة» محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة و لا حاجة، و إلا جاز، و هو قول مالك و الشافعي و غيرهما، و يجوز دخولها بعده (صلى اللّه عليه و سلم) عند المالكية لحرب في قتال جائز، و قول القاضي: لا يحل دخولها بعده لحرب أو مجي‏ء يحمل على غير القتال الجائز.

و أما القتال الجائز فيجوز دخولها به و بغير إحرام. انظر الشيخ سالم السنهوري.

____________

(1) أطلق مصطلح مدفعية في بادئ الأمر على كل ما يستعمل في الحروب من مدافع و بنادق، ثم قصر استعماله أخيرا على أنواع من المدافع الثقيلة و الهاوتزر و الجنود الذين يتولون إدارتها، و العجلات و الحيوانات التي تستخدم في حملها و جرّها. هذا و قد ظهر المدفع في أعقاب اكتشاف البارود، و كان أهم استعمال له هو مهاجمة الحصون التي فقدت أهميتها الدفاعية في العصور الوسطى. فقد استخدم العثمانيون المدافع في حصارهم القسطنطينية، كما استخدموا المدافع البرونز التي تقذف الحجارة.

و تنقسم المدفعية عامة إلى: مدفعية ثابتة تعمل في الحصون، و مدفعية ضد الطائرات أو متنقلة بدرجات مختلفة، حيث كانت تجر في ميدان الحرب في بادئ الأمر بواسطة عجلات الخيل، ثم استخدمت السكك الحديدية بعدها، و استخدمت في الدبابات أثناء الحرب العالمية الثانية و بعدها (الموسوعة العلمية الميسرة ص: 1673).

573

و مذهب الحنفية: أن الحربي إذا التجأ إلى الحرم لا يباح قتله في الحرم، و لكن لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يشارى حتى يخرج من الحرم، و أنه إذا دخل مكابرة يقتل، أو مقاتلا يقتل. قالوا: و كذا لو دخل قوم من أهل الحرب للقتال فإنهم يقاتلون، و لو انهزموا من المسلمين لا شي‏ء على المسلمين في قتالهم و أسرهم.

و مذهب الشافعي، قال الماوردي في الأحكام السلطانية (1): إن أهل الحرم إذا بغوا على أهل العدل، فقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم. و جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يرتدوا عن البغي إلا بالقتال‏ (2)؛ لأن قتال البغاة من حقوق اللّه التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. و هذا الذي نقله الماوردي عن الجمهور، و نص عليه الشافعي في موضعين من الأمر.

و قال القفال في شرح التلخيص: لا يجوز القتال بمكة، و أنه لو تحصنّ جماعة من الكفار فيها لم يجز قتالهم. و ضعّفه النووي، و أجاب عن الأحاديث الواردة في تحريم القتال بمكة بأن تحريم نصب القتال عليهم بما يعم، كالمنجنيق و غيره إذا أمكن إصلاح الحال بدونه، بخلاف ما [إذا] (3) تحصّن كفار بغيرها، فإنه يجوز قتالهم بأيّ وجه. و قال: إن الشافعي نص على هذا التأويل.

و اعلم أن الحرم في مذهب مالك و الشافعي و الجمهور لا يعيذ عاصيا و لا فارا بخربة و لا بسرقة، و كذلك الذين يدخلون في مقامات الأولياء

____________

(1) الأحكام السلطانية (ص: 289).

(2) و هذا الذي عليه أبو يعلى في أحكامه (ص: 193).

(3) في الأصل: إذ.

574

و الزوايا لا تعيذهم من القصاص و إقامة حدود و ديون الناس، بل يخرجون و تقام عليهم حدود اللّه و حقوق الخلق.

و في الإحياء: يروى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن اللّه تعالى أنه قال: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي [فخربته‏] (1)، ثم أخرب الدنيا على إثره. رواه الغزالي‏ (2).

و يروى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن الإيمان ليأرز (3) فيما بين الحرمين- يعني: مكة و المدينة-». ذكره أبو محمد المرجاني في الفتوحات الربانية.

حكاه القرشي‏ (4).

و روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما سار مهاجرا إلى المدينة تذكر مكة في طريقه فاشتاق إليها، فأتاه جبريل (عليه السلام) فقال: أتشتاق إلى بلدك و مولدك؟

قال: «نعم»، قال: فإن اللّه تعالى يقول لك: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ [القصص: 85] أي: مكة (5). ذكره القرشي.

و قال الحسن البصري رضي اللّه عنه‏ (6): ما أعلم اليوم بلدة على وجه الأرض ترفع فيها من الحسنات و أنواع البر كل واحدة منها بمائة ألف حسنة ما يرفع بمكة، و ما أعلم بلدة على وجه الأرض [يكتب‏] (7) لمن صلى [فيها] (8) ركعة واحدة بمائة ألف ركعة غير مكة، و لا من تصدق‏

____________

(1) في الأصل: فأخربه. و انظر: الإحياء (1/ 243)، و البحر العميق (1/ 15).

(2) إحياء علوم الدين (1/ 243).

(3) في هامش الأصل بخط الدهلوي: قوله: ليأرز، الأرز: الاجتماع. اه.

(4) البحر العميق (1/ 15).

(5) بهجة النفوس (1/ 57).

(6) فضائل مكة (1/ 21).

(7) زيادة من البحر العميق (1/ 15).

(8) مثل السابق.

575

بدرهم واحد بمائة ألف إلا بمكة، و لا أعلم بلدة فيها شراب الأبرار و مصلّى الأخيار إلا مكة- أي شرب زمزم و الصلاة في الحجر- و لا أعلم بلدة يصلى فيها حيث أمر اللّه عز و جل إلا بمكة. قال تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ [البقرة: 125]، و لا أعلم على وجه الأرض شيئا في مسه يحطّ الخطايا و الذنوب كما يحطّ الورق عن الشجر إلا بمكة و هو استلام الركنين. قال (صلى اللّه عليه و سلم): «مسهما يحط الخطايا حطا». ثم قال: «ما أعلم على وجه الأرض بلدة إذا دعا أحد بدعاء أمّنت عليه الملائكة إلا بمكة حول البيت الحرام، ثم ما أعلم بلدة صدر إليها جميع النبيين و المرسلين خاصة ما صدر إلى مكة، ثم ما أعلم في بلدة تغدوا إليها الملائكة و تروح في كل لحظة و ساعة على صور شتى لا يقطعون ذلك و لا يفترون عنه [إلا] (1) الطواف بالبيت، ثم ما أعلم على وجه الأرض بقعة يكتب لمن نظر إليها عبادة الدهر [إلا نظر] (2) الكعبة، و لا أعلم بلدة يحشر منها من الأنبياء و الأولياء و الأبرار و الفقهاء و العبّاد و الزهاد و الصلحاء من الرجال و النساء ما يحشر من مكة، و يحشرون آمنين يوم القيامة، ثم ما أعلم أن شيئا من الجنة في بلدة على وجه الأرض [يشاهد و يلتمس‏] (3) إلا بمكة، و هو الحجر الأسود و مقام إبراهيم، و ما أعلم أنه ينزل في الدنيا كل يوم رائحة الجنة و روحها ما ينزل بمكة، و يقال: إن ذلك للطائفين». ذكره القرشي‏ (4).

و ذكر المرجاني في بهجة النفوس‏ (5): أن الخضر (عليه السلام) يقضي‏

____________

(1) في الأصل: أي. و المثبت من البحر العميق (1/ 15).

(2) في الأصل: و هو النظر إلى. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) في الأصل: يلتمس. و التصويب من البحر العميق (1/ 15).

(4) البحر العميق (1/ 14- 15)، و انظر: زبدة الأعمال (ص: 47- 48).

(5) بهجة النفوس (1/ 187)، و انظر: البحر العميق (1/ 17).

576

ثلاث ساعات من النهار بين أمم البحر، ثم يشهد الصلوات كلها بالمسجد الحرام.

و في الفوائح المسكية: روي عن الشيخ الصالح أبي نصر محمد بن هبة اللّه بن ثابت أنه قال: سألت الخضر (عليه السلام): أين تصلي الصبح؟ قال:

بحذاء الركن اليماني بمكة، ثم قال: أصلي الظهر بالمدينة، و أصلي المغرب ببيت المقدس. انتهى.

و ذكر المرجاني في بهجة النفوس‏ (1) قال: و في سنة [ثمان‏] (2) و أربعين و سبعمائة أتانا شخص له اجتماع كثير بالخضر (عليه السلام)، و أتانا من عنده بثلاث تمرات، و أخبرنا أنه سكن مكة فلا يخرج منها، و أن الدنيا تزوى إليه كل يوم ثلاث مرات، يرى مشرقها من مغربها. انتهى.

و قال أيضا (3): و قد كان عمي محمد بن عبد اللّه المرجاني أرسل إلينا كتابا و نحن في [عشر] (4) الأربعين، و فيه: يا أخي- يعني بذلك و الدي- أنق عن قلبك حب الدنيا، لعلك أن ترى القطب، فقد استوطن بمكة هذا الزمان و اسمه عبد اللّه.

و عن بعض الأولياء قال: رأيت الغوث، و هو القطب رضي اللّه عنه بمكة المشرفة سنة خمس عشرة (5) و ثلاثمائة على عجلة من ذهب و الملائكة يجرون العجلة في الهوى بسلاسل من ذهب فقلت: إلى أين تمضي؟ قال:

إلى أخ من إخواني اشتقت إليه، فقلت: لو سألت اللّه تعالى أن يسوقه إليك.

____________

(1) بهجة النفوس (1/ 187).

(2) في الأصل: ثمانية.

(3) بهجة النفوس (1/ 187).

(4) في الأصل: عشرة. و التصويب من بهجة النفوس، الموضع السابق.

(5) في الأصل: عشر.

577

فقال: و أين ثواب الزيارة؟ قال: و اسم هذا القطب أحمد بن عبد اللّه البلخي. حكاه اليافعي في روض الرياحين.

و في الفوائح المسكية قال: اعلم أن الغوث بمكة، و الأبدال بالشام، و العرفاء بالمغرب، و النجباء في زوايا الأرض، و الأوتاد سائحون في الأرض لمصالح عباد اللّه. انتهى.

و أخرج [الجندي‏] (1) في فضائل مكة عن ابن عباس، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «خلق اللّه مكة و وضعها على المكروهات و الدرجات». قيل لسعيد بن جبير: ما الدرجات؟ قال: الجنة الجنة (2).

و أخرج الأزرقي و الجندي‏ (3) و البيهقي في الشّعب و ضعّفه، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه كله و قام منه ما تيسّر، كتب اللّه له مائة ألف شهر بغير مكة، و كتب‏ (4) له كل يوم حسنة و كل ليلة حسنة- أي: من حسنات الحرم- و كل يوم عتق رقبة، و كل ليلة حملان فرس في سبيل اللّه، و له كل يوم دعوة مستجابة» (5). ذكره السيوطي‏ (6).

و ذكر القرطبي و ابن عطية و غيرهما: عدم تنافر الصيد في الحرم، حتى أن الظبي يجتمع مع الكلب في الحرم، فإذا خرجا منه تنافرا، و يتبع الجارح الصيد في الحلّ فإذا دخل الحرم تركه، و كان في الجاهلية إذا لقي أحدهم‏

____________

(1) في الأصل: الجنيد. و هو خطأ.

(2) أخرجه الفاكهي (2/ 313 ح 1571).

(3) في الأصل: و الجنيد. و التصويب من الدر المنثور.

(4) في الأصل زيادة لفظ الجلالة: اللّه. و انظر الدر المنثور.

(5) أخرجه الأزرقي (2/ 23)، و البيهقي (3/ 310).

(6) الدر المنثور (2/ 268).

578

قاتل أبيه أو أخيه أو ابنه فلا يتعرض له تعظيما لحرمة الحرم. كذا في البحر العميق.

و قال بعضهم:

أرض بها البيت المحرم قبلة* * * للعالمين له المساجد تعدل‏

حرم حرام أرضها و صيودها* * * و الصيد في كل البلاد محلل‏

و بها المشاعر و المناسك كلها* * * و إلى فضيلتها البريّة ترحل‏

و بها المقام و حوض زمزم مترعا* * * و الحجر و الرّكن الّذي لا [يجهل‏] (1)

و المسجد العالي الممجّد و الصّفا* * * و المشعران و من يطوف و يرمل‏

و بمكة الحسنات يضعف أجرها* * * و بها المسي‏ء عن الخطيئة يسأل‏

يجزى المسي‏ء [على‏] (2) الخطيئة مثلها* * * و تضاعف الحسنات منه و تقبل‏

ما ينبغي لك أن تفاخر يا فتى‏* * * أرضا بها ولد النّبي المرسل‏

بالشّعب دون الرّدم مسقط رأسه‏* * * و بها نشا صلّى عليه المرسل‏

و بها أقام و جاءه وحي السّما* * * و سرى به الملك الرّفيع المنزل‏

و نبوّة الرّحمن فيها أنزلت‏* * * و الدّين فيها قبل دينك أوّل‏

انتهى من البحر العميق‏ (4).

و هذه الأبيات من قصيدة طويلة. ذكرها الشيخ محيي الدين ابن العربي (قدّس سره) في الفتوحات‏ (4). و سنذكرها بتمامها في فصل فضل أهالي مكة المشرفة (5).

و الحاصل يكفي في ذلك كله أنها بلدة اللّه و بلدة رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) و بلدة

____________

(1) في الأصل: يرحل. و انظر (ص: 594)، و ستذكر القصيدة بكاملها.

(2) في الأصل: من. و انظر (ص: 594).

(3) البحر العميق (1/ 15- 16).

(4) الفتوحات المكية (1/ 759- 763).

(5) ص: 593.

579

أصحابه الكرام الطيبين، و مأوى لجميع المؤمنين المخلصين جعلنا اللّه منهم.

ذكره القرشي (رحمه اللّه) آمين.

الفصل الثاني [في فضل مكة و المدينة و أنهما أفضل بقاع الأرض، و اختلاف العلماء أيهما أفضل، بعد اتفاقهم بالفضل على البقعة التي فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)‏] (1)

اعلم أن مكة و المدينة أفضل بقاع الأرض.

و نقل عياض‏ (2): الإجماع [على‏] (3) أن موضع قبر نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل بقاع الأرض، و إنما الخلاف فيما سواه. انتهى.

[قال‏] (4) شيخنا: حتى أفضل من الكعبة و السموات و الأرض، حتى من الجنة و العرش، و قد سبقه لذلك السبكي.

و قال البسكري‏ (5):

جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما* * * قد حاط ذات المصطفى و حواها

و نعم لقد صدقوا بساكنها علت‏* * * كالنفس حين [زكت‏] (6) زكى مأواها

و إنما ثبت التفضيل له بسبب حوز سيد المرسلين و قائد الغر المحجلين.

و قال الشيخ سعد الدين الإسفرائيني في زبدة الأعمال‏ (7): أجمع العلماء

____________

(1) ما بين المعكوفين زيادة من مقدمة الكتاب.

(2) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 91).

(3) قوله: على، زيادة من البحر العميق (1/ 15).

(4) قوله: قال، زيادة على الأصل.

(5) في الأصل: اليشكري، و التصويب من الدر الكمين (2/ 738).

و البيتان من قصيدة طويلة للبسكري ذكرها صاحب الدر الكمين، الموضع السابق.

(6) في الأصل: زكيت. و انظر البحر العميق (1/ 15)، و الدر الكمين، الموضع السابق.

(7) زبدة الأعمال (ص: 182- 183).

580

باتفاق أن موضع قبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل بقاع الدنيا، و مكة و المدينة بعد أفضل من جميع الدنيا، ثم اختلفوا أن مكة أفضل أم المدينة كرمها اللّه تعالى، فذهب بعض الصحابة منهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم و أكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة و هو المشهور من مذهب مالك، و ذهب ابن وهب و ابن حبيب من المالكية و أهل مكة و علماء الكوفة و منهم أبو حنيفة و كذا الشافعي و أحمد فضلوا [مكة على المدينة] (1)؛ لحديث ابن الزبير رضي اللّه عنه: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة في مسجدي هذا». رواه أحمد و ابن حبان في صحيحه‏ (2).

و قال ابن عبد البر: ذلك مروي عن عمر، و علي، [و ابن‏] (3) مسعود، و أبي الدرداء، و جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهم قال: و هم أولى أن يقلدوا، قال: و حسبك بفضل مكة أن فيها بيت اللّه تعالى الذي قال اللّه تعالى يحط أوزار العباد بقصده في العمر مرة، و لم يقبل من أحد صلاة إلا باستقباله إليه إذا قدر على التوجه إليها، و هي قبلة المسلمين أحياءا و أمواتا.

انتهى.

و فضائل مكة أيضا بإقامة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بها أكثر من المدينة، و كثرة الزوار من الأنبياء و المرسلين، و النهي عن استقبالها و استدبارها عند قضاء الحاجة، و تحريمها يوم [خلق‏] (4) السموات و الأرض، و كونها مبعث إبراهيم‏

____________

(1) في الأصل: المدينة على مكة. و الصواب ما أثبتناه. انظر: زبدة الأعمال (ص: 183).

(2) أخرجه أحمد (3/ 343)، و ابن حبان (4/ 499).

(3) في الأصل: و أبي. و التصويب من البحر العميق (1/ 15).

(4) في الأصل: خلقت. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

581

و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، و كونها لا تدخل إلا بإحرام، و ثناء اللّه تعالى على البيت بقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ... إلخ [آل عمران: 96- 97]، و فضائل مكة لا تعدّ و لا تحصى، و لو لم يكن فيها سوى أنها مهبط الوحي، و أنها مسقط رأس سيد الأنام، و منزل القرآن، و مظهر الإيمان (صلى اللّه عليه و سلم)، و منشأ الخلفاء الراشدين لكفى ذلك شرفا. ذكره القرشي‏ (1).

و قال مالك- أي في رواية أشهب- عنه: المدينة أفضل من مكة، و كذا عمر بن الخطاب و أكثر المدنيين، و استدلّوا بما روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال حين خرج من مكة إلى المدينة: «اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني في أحب البلاد إليك» (2). رواه الحاكم في المستدرك.

و ما هو أحب البقاع إلى اللّه يكون أفضل، و الظاهر استجابة دعائه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أسكنه المدينة، فتكون أفضل البقاع.

و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «المدينة خير من مكة» و هو نص في الباب.

و دعا لها- أي: للمدينة- بمثل ما دعا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام لمكة و مثله معه، و هو قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يصبر على لأوائها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (3)، و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن الإيمان ليأرز إلى- المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (4).

____________

(1) البحر العميق (1/ 15).

(2) أخرجه الحاكم (3/ 4 ح 4261).

(3) أخرجه مسلم (2/ 1002 ح 1374).

(4) أخرجه البخاري (2/ 663 ح 1777)، و مسلم (1/ 131 ح 147).

و في هامش الأصل: قوله: «إن الإيمان ليأرز» هو بتقديم الراء على الزاي، و هذه الرواية هي رواية الجامع الصغير. و في صحاح الجوهري: «إن الإسلام ليأرز إلى المدينة

582

و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن المدينة تنفي الخبث» (1).

و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة» (2).

و لأنها مهاجر سيد المرسلين و مواطن استقرار الدين. ذكره القرشي في البحر العميق، ثم قال: و هذا لفظه. أجاب عن الأول الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار (3): أنه لا يصح هذا الحديث الذي هو قوله: «كما أخرجتني إلى أحب البقاع إليّ فأسكني ... إلخ» و لا يختلف أهل العلم في نكارته و وضعه، و بأنه محمول على أنه أراد أحب البقاع إليك بعد مكة، على أن الحديث نفسه لا دلالة فيه؛ لأن قوله: «فأسكني في أحب البقاع» هذا السياق يدل في العرف على أن المراد به بعد مكة، فإن الإنسان لا يسأل ما أخرج منه، فإنه قال: «فأخرجتني فأسكني» فدلّ على إيراد غير المخرج منه، و تكون مكة مسكوت عنها في الحديث. هكذا ذكره القرشي‏ (4).

و قوله في نكارته و وضعه أي: بهذا اللفظ، ففي المواهب اللدنية (5):

و كان قوله (صلى اللّه عليه و سلم) حين خرج من مكة لما وقف على الحزورة نظر إلى البيت فقال: «و اللّه إنك لأحب أرض اللّه إليّ و إنك لأحب أرض اللّه إلى اللّه، و لولا (6) أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».

____________

- كما تأرز الحية إلى جحرها»، أي: ينضمّ إليها و يجتمع بعضه إلى بعض فيها (الصحاح 3/ 864).

(1) أخرجه البخاري (2/ 665 ح 1784)، و مسلم (2/ 1006 ح 1384).

(2) أخرجه البخاري (1/ 399 ح 1137)، و مسلم (2/ 1010 ح 1390).

(3) الاستذكار (7/ 237).

(4) البحر العميق (1/ 16).

(5) المواهب اللدنية (1/ 290- 291).

(6) في الأصل: لولا. و التصويب من المواهب، الموضع السابق.

583

قال العلامة القسطلاني: و هذا أصح ما يحتج به على فضل مكة.

انتهى.

و في الخفاجي على الشفاء: «و اللّه إنك لخير أرض اللّه و أحب أرض اللّه إليّ، و لو لا أني أخرجت منها ما خرجت» (1). رواه الترمذي و النسائي و قال: إنه صحيح.

فهو دليل على فضل مكة، و عن الثاني بأنه ضعيف لا يحتج به، و قيل:

إنه موضوع، و بأنه و إن كان نصا في التفضيل غير أنه مطلق، فيحتمل أنه خير من جهة سعة الرزق و المتاجر، فلم يبق محل للنزاع، و عن الثالث بأنه مطلق في المدعو به، فيحمل على زمانه (صلى اللّه عليه و سلم) و لكون معه النصر، و يعضده خروج الصحابة رضي اللّه عنهم إلى العراق و غيره و هم أهل الإيمان، و خبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حق، فيحمل على زمان يكون الواقع فيه تحقيقا لصدقه، و كذا الجواب عن السادس و الجواب عن السابع أنه يدل على فضل ذلك الموضع لا المدينة، و اللّه أعلم. انتهى من البحر العميق للقرشي‏ (2).

و في الخفاجي و ملا علي قاري على الشفاء: و حاصل ما فيهما كما في حاشية توضيح المناسك لشيخنا المشهور من مذهب مالك: أن المدينة أفضل من مكة، كما رواه أشهب عن الإمام؛ لحديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان‏ (3) و هو: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».

____________

(1) أخرجه الترمذي (5/ 722)، و النسائي (2/ 479).

(2) البحر العميق (1/ 16).

(3) البخاري (1/ 398)، و مسلم (2/ 1013).

584

قال ابن نافع و جماعة من أصحاب مالك: معنى هذا الحديث أن الصلاة في مسجده (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف- أي: أقل من الألف-.

و احتج المالكية أيضا لتفضيل المدينة بما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه».

فيأتي فضيلة مسجد الرسول على المسجد الحرام بتسعمائة، و على غيره بألف.

و تفضيل المدينة على مكة هو قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قول أكثر علماء المدينة.

و ذهب ابن وهب و عطاء و ابن حبيب من أصحاب مالك في رواية عنه إلى تفضيل مكة، و هو ما ذهب إليه أهل مكة و علماء الكوفة، و منهم أبو حنيفة و أصحابه، و أحمد بن حنبل، و سفيان الثوري، و حماد، و علقمة، و أصحاب الشافعي و غيرهم، و حكاه الساجي عن الشافعي، و حمل هؤلاء المفضلون لمكة الاستثناء في حديث أبي هريرة المتقدم على ظاهره- أي:

للزيادة- و على أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، و احتجوا لما قالوه بحديث عبد اللّه بن الزبير رضي الله عنه بمثل حديث أبي هريرة المتقدم و زيد في حديث ابن الزبير: «و صلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة»، فهذا منطوق وقع صريحا فلا يعارضه مفهوم و لو كان صحيحا، و هذا الحديث مما ثبت في مسند الإمام أحمد (1)

____________

(1) مسند أحمد (4/ 5).

585

و غيره من حديث عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه‏ (1).

و قال النووي في شرح مسلم‏ (2): هذا حديث حسن. رواه أحمد بن حنبل في مسنده و البيهقي‏ (3) و غيرهما بإسناد حسن. انتهى.

و قد رواه ابن حبان في صحيحه‏ (4).

و قد قال الدلجي في قوله: «بمائة صلاة» سقط منه المضاف إلى صلاة، أي: بمائة ألف صلاة، إذ قد ورد كذلك عن أحمد، و ابن ماجه، عن جابر بإسنادين صحيحين بلفظ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (5).

و روى قتادة مثل حديث ابن الزبير، و حديث ابن الزبير هذا روى صدره أبو هريرة، و عجزه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما.

و مما احتجوا به أيضا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وقف على راحلته بمكة يقول:

«و اللّه إنك لخير أرض اللّه و أحب أرض اللّه إلى اللّه و لو لا أني أخرجت منك ما خرجت» (6). رواه الترمذي و النسائي و قال: [حديث حسن غريب صحيح‏] (7).

قال الباجي: الذي يقتضيه الحديث، أي: الوارد في فضل المسجدين‏

____________

(1) بهجة النفوس (1/ 182).

(2) شرح النووي على صحيح مسلم (9/ 164).

(3) سبق تخريجهما.

(4) صحيح ابن حبان (4/ 499).

(5) أخرجه ابن ماجه (1/ 451)، و أحمد (3/ 397).

(6) أخرجه الترمذي (5/ 722)، و النسائي (2/ 479).

(7) في الأصل: إنه صحيح حسن. و التصويب من سنن الترمذي (5/ 722).

586

مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد حتى مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و لا يعلم من الحديث الذي استدلوا به حكم مكة في التفاضل مع المدينة، إلا أن حديث: «حسنات الحرم بمائة ألف» إن ثبت صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة، و لا خلاف أن موضع قبره (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من سائر بقاع الأرض، بل هي أفضل من السموات و العرش و الكعبة، و هاهنا بحث و هو أن البقعة التي ضمت الجسد الشريف العظيم إذا كانت أفضل من سائر البقاع يلزم أن تكون المدينة أفضل من مكة بلا نزاع؛ لأن المدينة هي تلك البقعة مع زيادة و زيادة الخير، فكيف يتصور الخلاف بين العلماء على هذا؟ بل نقول: المدينة بعد هجرته إليها و إقامته بها تفضل مكة؛ لأن شرف المكان بالمكين، بل في كلام ابن القاسم ما يقتضي أن فضل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة ثابت قبل دفنه فيها و قبل موته، بل و قبل هجرته.

انظر الخفاجي و ملا علي القاري على الشفا. انتهى ما في حاشية توضيح المناسك. و اللّه أعلم.

الفصل الثالث: في الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء بمكة المشرفة و حرمها و ما قاربهما

قال الحسن البصري رضي اللّه عنه في رسالته‏ (1): إن الدعاء يستجاب هنالك في خمسة عشر موضعا: في الطواف، و عند الملتزم، و تحت الميزاب، و داخل الكعبة، و عند زمزم، و خلف المقام، و على الصفا، و على المروة، و في المسعى، و في عرفات، و في المزدلفة، و في منى، و عند الجمرات الثلاثة.

____________

(1) فضائل مكة و السكن فيها (ص: 24- 25).

587

قال المحب الطبري‏ (1): إنه يستجاب الدعاء عند الحجر الأسود، [فتصير] (2) المواضع ستة عشر، و زاد غيره: عند رؤية البيت، و في الحطيم، و عند المتعوذ- و هو المستجار- و في ظهر الكعبة.

و ذكروا: أنه يستجاب بين الركن و المقام، و في موقف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفات، و في الموقف عند المشعر الحرام.

و حكي في بعض الأجزاء عن [أبي‏] (3) سهل النيسابوري: أن المواضع التي يستجاب فيها الدعاء بالمسجد الحرام خمسة عشر موضعا، و عدّ منها:

باب بني شيبة، و باب إبراهيم، و باب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و باب الصفا، و بجوار المنبر. انتهى.

و ذكر القاضي مجد الدين الشيرازي في كتابه الوصل و المنى مواضع أخر بمكة و حرمها يستجاب الدعاء فيها؛ لأنه نقل عن النقاش المفسر أنه قال في منسكه: و يستجاب الدعاء على ثبير، و في مسجد الكبش. زاد غيره: و في مسجد الخيف. و زاد غيره: و في مسجد المنحر ببطن منى. و زاد ابن الجوزي: و في مسجد البيعة و هو قرب منى، و في غار المرسلات و مغارة الفتح؛ لأنها من ثبير.

قال: و قال النقاش: يستجاب الدعاء إذا دخل من باب بني شيبة، و في دار خديجة زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة الجمعة، و في مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين عند الزوال، و في دار الخيزران عند المختبأ بعد العشائين، و تحت السدرة بعرفة وقت الزوال، و في مسجد الشجرة يوم الأربعاء، و في المتكأ غداة الأحد،

____________

(1) القرى (ص: 317).

(2) في الأصل: فتسير.

(3) في الأصل: ابن. و المثبت من البحر العميق.

588

و في جبل ثور عند الظهر، و في أحد و ثبير مطلقا. قيل: و في مسجد النحل انتهى من البحر العميق للقرشي‏ (1).

ثم قال: مسجد الشجرة بأعلى مكة مقابل مسجد الجن، ثم قال: و أما مسجد النحل فلم يعرف اليوم، و كذا المتكأ لم يعرف، و أنكرها الأزرقي‏ (2).

قلت: كذلك لم يعرف اليوم مسجد النحل و لا المتكأ، و كذا تحت السدرة التي بعرفات لم تعرف اليوم.

ثم ذكر القرشي أيضا أن النقاش ذكر في مناسكه: أن الدعاء يستجاب في أربعين موضعا، و عدّ البعض منها و لم يأت بها كلها، و وقت كل بقعة بوقت معين، قال: منها خلف المقام، و تحت الميزاب وقت السحر، و عند الركن اليماني مع الفجر، و عند الحجر الأسود نصف النهار، و عند الملتزم نصف الليل، و داخل زمزم عند غيبوبة الشمس، و داخل البيت عند الزوال، و على الصفا و المروة عند العصر، و في دار خديجة رضي اللّه عنها ليلة الجمعة، و في مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين عند الزوال، و في دار الخيزران عند المختبأ بين العشائين، و بمنى ليلة البدر شطر الليل، و بالمزدلفة عند طلوع الشمس، و بعرفة عند وقت الزوال، و على الموقف عند غيبوبة الشمس، و في ثور عند الظهر. انتهى كلامه، هكذا ذكره النقاش‏ (3).

ثم قال القرشي: و من المواضع [التي‏] (4) يستجاب فيها الدعاء: رباط الموقف، أي. و هو رباط ابن عفان، و تقدم تعريفه.

____________

(1) البحر العميق (2/ 115- 116).

(2) الأزرقي (2/ 202).

(3) لقد كثرت هذه الأقوال في الكتاب و لا يصح الأخذ بها.

(4) في الأصل: الذي.

589

ثم قال: و منها جبل أبي قبيس على ما قيل، و ذكر الفاكهي‏ (1) خبرا في قدوم وفد عاد إلى مكة للاستسقاء، و تقدم ذلك عند ذكر جبل أبي قبيس.

ثم قال: و عند قبر خديجة الكبرى رضي اللّه عنها، و عند قبر سفيان بن عيينة، و عند قبر الفضيل بن عياض، و الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري بمقبرة المعلا.

و ذكر الشيخ خليل المالكي: أن الدعاء يستجاب عند قبر الشيخ أبي الحسن الشولي، و عند قبور سماسرة الخير، و عند قبر عبد المحسن، و عند قبر الدلاصي بالقرب من الجبل. انتهى‏ (2). ذكره القرشي في البحر العميق‏ (3).

الفصل الرابع: في فضل أهالي مكة المشرفة

روي أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) استعمل عتّاب رضي اللّه عنه قال له: «أتدري على من استعملتك؟! استعملتك على أهل اللّه فاستوص بهم خيرا- يقولها ثلاثا-» (4). ذكره القرشي.

و قال ابن أبي مليكة: كان فيما مضى يلقبون بأهل اللّه، فيقال لهم: يا أهل اللّه، و هذا من أهل اللّه‏ (5).

و روى [الثعالبي‏] (6) في ثمار القلوب في المضاف و المنسوب: كانوا يقولون لقريش في الجاهلية: أهل اللّه، لما تميزوا به- أي: بالحرم و البيت-

____________

(1) أخبار مكة للفاكهي (5/ 136- 137).

(2) لا يجوز الدعاء و لا التبرك عند القبور، و لا يشفع من في القبور لأحد.

(3) البحر العميق (2/ 116).

(4) أخرجه الأزرقي (2/ 151). و انظر: البحر العميق (1/ 14).

(5) الأزرقي (2/ 151)، و الفاكهي (3/ 68).

(6) في الأصل: الشبلي. و التصويب من كشف الظنون (1/ 523).

590

عن سائر العرب في المحاسن و الفضائل و المكارم، فلما جاء الإسلام تظاهر شرفهم و ساروا على الحقيقة يدعو أهل اللّه و استمر عليهم. انتهى.

و روى الأزرقي‏ (1) عن وهب بن منبه أن اللّه تعالى يقول: من آمن أهل الحرم استوجب بذلك أماني، و من أخافهم فقد أخفرني في ذمتي، و لكل ملك حيازة، و بعض مكة حوزي.

و في لفظ: و بطن مكة حوزي التي اخترت لنفسي، أنا اللّه ذو بكة، أهلها جيراني، و عمّارها وفدي و أضيافي، و في كنفي و أماني، ضامنون عليّ و في ذمتي و جواري. ذكر جميع ذلك أبو الفرج في مثير الغرام‏ (2).

[و عن‏] (3) عبد الملك بن عباد أنه سمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة و أهل مكة و أهل الطائف» ... الحديث بسنده في أسد الغابة في ترجمة عبد الملك‏ (4).

و في الجامع الصغير: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة و أهل مكة و أهل الطائف» (5). أخرجه الطبراني‏ (6) عن عبد اللّه بن جعفر. قال شارح الجامع‏ (7): حديث صحيح.

و في المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي: سفهاء مكة حشو الجنة. قال الحافظ: حديث تنازع فيه عالمان في الحرم، فأصبح الطاعن فيه و قد اعوج‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 153).

(2) البحر العميق (1/ 14)، و مثير الغرام (ص: 238). و هو جزء من حديث طويل أخرجه البيهقي في الشعب (3985).

(3) في الأصل: عن.

(4) الإصابة (4/ 382).

(5) أخرجه المقدسي في الأحاديث المختارة (9/ 187 ح 167).

(6) المعجم الأوسط (2/ 230).

(7) فيض القدير (3/ 91).

591

أنفه و رأى قائلا يقول: سفهاء مكة حشو الجنة- ثلاثا- فاعترف [بالكلام‏] (1) فيما لا يعنيه، و يقال: إنه ابن أبي الصيف اليمني فإنه كان يقول: إن شئت فإنما هو أسفاء مكة تصحيف على الراوي، و معناه:

المحزنون. انتهى‏ (2).

و في منائح [الكرم‏] (3) قال: و رأيت في هامش نسخة من الخصائص عند قوله: و بلدة المدينة أفضل البلاد ما عدا مكة، و بعدها في الفضيلة المدينة، ثم بيت المقدس بعد مكة و المدينة، و هذه الثلاث أفضل الأرض ما عدا البقعة التي ضمت أعضاءه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: و أهلها أفضل الناس. انتهى من التحفة لابن حجر.

و مقتضى هذا: أن أهل مكة أفضل مطلقا من أهل المدينة، و أهل المدينة مطلقا أفضل من أهل بيت المقدس، و أهل بيت المقدس مطلقا أفضل من أهل الأرض. انتهى.

و في الجواهر و اليواقيت للقطب الشعراني نقلا عن ابن العربي- (قدّس سره)- بعد كلام: إن أسعد الناس بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) أهل حرم مكة. انتهى.

قال السيد تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام‏ (4): وجد بخط بعض أصحابنا فيما نقله من خط الشيخ أبي العباس الميورقي ورد: سفهاء مكة حشو الجنة ... إلخ.

قال الفاسي: و ما ذكر من التفضيل فهو على عمومه للصالح‏

____________

(1) في الأصل: في الكلام. و انظر: المقاصد الحسنة (ص: 241).

(2) المقاصد الحسنة (ص: 241- 242).

(3) في الأصل: الكرام.

و انظر الخبر في: منائح الكرم (1/ 250).

(4) شفاء الغرام (1/ 164).

592

و الطالح، كما يدل عليه سياق الكلام الذي هو في معرض الامتنان. و هذا الفضل لا يشاركهم فيه أحد، و هم يشاركون الناس في أعظم الأمور، مثل الإسلام و الحج، فالواحد منهم عند مسقط رأسه بالأرض إلى حين وفاته يحج البيت إذا كان مقيما، و في حال صغره يحرم عنه وليه، و هذا لا يتأتّى غالبا إلا للمكي، خصوصا إذا خص أحدهم بزيادة فضيلة نحو العلم و الورع و الزهد فبخ بخ، فإن كان قرشيا و اجتمعت فيه هذه الفضائل فلا كلام في زيادة فضله. انتهى.

في خلاصة الأثر: أنه لما تزايد ظلم الأروام‏ (1) بمكة، فكتب في ذلك و سافر بها الشيخ أحمد الرهمتوشي، فلما وصل إلى حلب سمع هاتفا يقول: إذا نحن شئنا ... إلخ الأبيات الآتية.

و عن بعض السلف: أنه رأى بمكة ما لا يرضيه من سفهائها، فأنكر ذلك و اضطراب فيه فكره، فلما كان الليل رأى بمكة قائلا ينشد هذه الأبيات:

إذا نحن شئنا [لا] (2) يدبر ملكنا* * * سوانا و لم نحتج مشيرا يدبّر

فقل للذي قد [رام ما لا نريده‏] (3)* * * و أتعب نفسا بالذي يتعذّر

لعمرك ما التصريف إلا لواحد* * * و لو شاء لم يظهر بمكة منكر

انتهى منائح الكرم‏ (4).

و جاء في الأثر: إن اللّه تعالى ينظر كل ليلة إلى أهل الأرض، فأول ما ينظر إلى أهل الحرم، و أول ما ينظر إلى أهل المسجد الحرام؛ فمن رآه طائفا

____________

(1) المقصود: الأتراك الموجودون بمكة المكرمة.

(2) في الأصل: فلا، و قد صوّبناه ليستقيم الوزن الشعري.

(3) في الأصل: رأى ما لا يريده. و التصويب من منائح الكرم (2/ 189).

(4) في الأصل: الكرام. و انظر الخبر في: منائح الكرم (2/ 189).

593

غفر له، و من رآه مصليا غفر له، و من رآه مستقبل القبلة غفر له. ذكره الغزالي في الإحياء (1).

لطيفة: ذكر الشيخ محيي الدين ابن العربي- (قدّس سره) و رضي اللّه عنه- في الفتوحات المكية: حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي الصيف اليمني نزيل مكة، قال: حدثنا حسين بن علي، حدثنا الحسن بن خلف بن هبة اللّه بن قاسم الشامي، حدثنا الحسن بن أحمد بن فراس، حدثني أبي [عن أبيه‏] (2) إبراهيم بن فراس، عن أبي محمد (3) إسحاق [بن‏] (4) نافع الخزاعي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن المكي، عن محمد بن العباس المكي، قال:

أخبرني بعض المشايخ المكيين، أن داود بن عيسى بن موسى لما ولي على مكة و المدينة أقام بمكة و أرسل ولده سليمان إلى المدينة نائبا عنه، فبعد أن أقام داود بمكة عشرين شهرا كتب إليه أهل المدينة.

و قال الزبير بن أبي بكر: كتب إليه يحيى بن مسكين بن قيس بن أيوب بن مخراق يسأله التحوّل إلى المدينة، و يعلمه أن مقامه بالمدينة أفضل من مقامه بمكة و ذلك في قصيدة و هي هذه القصيدة كما تراها، غفر اللّه لنا و له، آمين:

أداود قد فزت بالمكرمات‏* * * و بالعدل في بلد المصطفى‏

و صرت ثمالا لأهل الحجاز* * * و سرت بسيرة أهل التقى‏

و أنت المهذّب من هاشم‏* * * و في منصب العز و المرتجى‏

____________

(1) إحياء علوم الدين (1/ 242).

(2) قوله: عن أبيه، زيادة من الفتوحات المكية.

(3) في الأصل زيادة: بن. و التصويب من الفتوحات المكية (1/ 759).

(4) في الأصل: عن. و التصويب من الفتوحات المكية، الموضع السابق.

594

و أنت الرّضا للذي نابهم‏* * * و في كل حال و نجل الرضا

و بالفي‏ء أغنيت أهل الخصاص‏* * * فعدلك فينا هو المنتهى‏

و مكة ليست بدار المقام‏* * * فهاجر كهجرة (1) من قد مضى‏

مقامك عشرون شهرا بها* * * كثير لهم عند أهل الحجا

فضم بلاد الرسول التي‏* * * بها اللّه خص نبي الهدى‏

و لا ينفينك عن قربه‏* * * مشير مشورته بالهوى‏

فقبر النبي و آثاره‏* * * أحق بقربك من ذي طوى‏

قال: فلما ورد الكتاب و الأبيات على داود بن عيسى أرسل إلى رجال من أهل مكة فقرأ عليهم الكتاب، فأجابه رجل منهم يقال له: عيسى بن عبد العزيز [السعلبوسي‏] (2) بقصيدة يرد عليه و يذكر فيها فضل مكة و ما خصها اللّه تعالى به من الكرامة و الفضيلة، و يذكر المشاعر و المناقب فقال غفر اللّه له:

أداود أنت الإمام الرّضا* * * و أنت ابن عمّ نبيّ الهدى‏

و أنت المهذّب من كل عيب‏* * * [كبيرا] (3) و من قبله في زمن الصبا

و أنت المؤمّل من هاشم‏* * * و أنت ابن قوم كرام تقى‏

و أنت غياث لأهل الخصاص‏* * * تسدّ خصاصتهم بالغنى‏

أتاك كتاب حسود جحود* * * أسا في مقالته و اعتدى‏

يخيّر يثرب في شعره‏* * * على حرم اللّه حيث ابتنى‏

فإن كان يصدق فيما يقول‏* * * فلا يسجدنّ إلى ما هنا

و أيّ بلاد تفوق أمّها* * * و مكة مكة أمّ القرى‏

و ربي دحا الأرض من تحتها* * * و يثرب لا شكّ فيما دحا

____________

(1) في الأصل: بهجرة. و انظر الفتوحات المكية، و أخبار مكة للفاكهي.

(2) في الأصل: السلعوسي. و التصويب من الفاكهي (2/ 294).

(3) في الأصل: و كبر. و التصويب من الفتوحات المكية، و الفاكهي.

595

و بيت المهيمن فينا مقيم‏* * * نصلّي إليه برغم العدا

و مسجدنا بيّن فضله‏* * * على غيره ليس في ذا مرا

صلاة المصلّي تعد له‏* * * مئين [ألوف‏] (1) صلاة وفا

كذاك أتى في حديث النّبي‏* * * و ما قال حقّ به يقتدى‏

و أعمالكم كلّ يوم وفود* * * إلينا شوارع مثل القطا

فيرفع منها إلهي الذي‏* * * يشاء و يترك ما لا يشا

و نحن تحجّ إلينا العباد* * * فيرمون شعثا بوتر الحصا

و يأتون من كلّ فج عميق‏* * * على أينق ضمّر كالقنا

ليقضوا مناسكهم عندنا* * * فمنهم سعاة و منهم معا

فكم من ملبّ بصوت حزين‏* * * يرى صوته في الهوى قد علا

و آخر يذكر ربّ العباد* * * و يثني عليه بحسن الثّنا

فكلهم أشعث أغبر* * * يؤم المعرّف أقصى المدى‏

فظلّوا به يومهم كلّه‏* * * وقوفا يضجون [حتى‏] (2) المسا

حفاة [ضحاة] (3) قياما لهم‏* * * [عجيج‏] (4) ينادون ربّ السما

رجاء و خوفا لما قدّموا* * * و كل يسائل دفع البلا

يقولون: يا ربّنا اغفر لنا* * * بعفوك و اصفح عمّن أسا

فلما دنا الليل من يومهم‏* * * و ولّى النهار أجدّوا البكا

و سار الحجيج إليهم دجى‏* * * فحلّوا بجمع بعيد العشا

فباتوا جميعا فلمّا بدا* * * عمود الصّباح و ولّى الدّجى‏

دعوا ساعة ثم شدّوا الشّسوع‏* * * على قلص ثم [أمّوا] (5) منى‏

____________

(1) في الأصل: ألوفا. و التصويب من الفاكهي (2/ 295).

(2) في الأصل: عند. و المثبت من الفتوحات المكية.

(3) في الأصل: عراة. و المثبت من الفاكهي (2/ 295).

(4) في الأصل: عجيب. و المثبت من الفتوحات المكية.

(5) في الأصل: أمسوا. و المثبت من الفاكهي (2/ 295).

596

فمن بين من قد قضى نسكه‏* * * و آخر يبدأ بسفك الدّما

و آخر يهوي إلى مكة* * * ليسعى و يدعوه فيمن دعا

و آخر يرمل حول الطّواف‏* * * و آخر ماض يؤم الصّفا

فآبوا بأفضل مما رجوا* * * و ما طلبوا من جزيل العطا

و حجّ الملائكة المكرمون‏* * * إلى أرضنا قبل فيما مضى‏

و آدم قد حجّ من بعدهم‏* * * و من بعده أحمد المصطفى‏

و حجّ إلينا خليل الإله‏* * * و هجّر بالرّمي فيمن رمى‏

فهذا لعمري لنا رفعة* * * حبانا بهذا شديد القوى‏

و منا النبي نبيّ الهدى‏* * * و فينا تنبّا و منّا ابتدى‏

و منا أبو بكر ابن الكرام‏* * * و منا أبو حفص المرتجى‏

و عثمان منّا فمن مثله‏* * * إذا عدّد الناس أهل التّقى‏

و منّا عليّ و منّا الزبير* * * و طلحة منّا و فينا انتشا

و منا ابن عباس [ذو] (1) المكرمات‏* * * نسيب النبي و حلف النّدى‏

و منّا قريش و آباؤها* * * و نحن إلى فخرنا المنتهى‏

و منّا الذين بهم تفخرون‏* * * فلا تفخرون علينا بنا؟

ففخر أولاء لنا رفعة* * * و فينا من الفخر ما قد كفى‏

و زمزم و الحجر فينا فهل‏* * * لكم مكرمات كما قد لنا؟

و زمزم طعم و شرب لمن‏* * * أراد الطعام و فيه الشّفا

و زمزم [تنفي‏] (2) هموم الصدور* * * و زمزم من كل سقم دوا

[و كم‏] (3) جاء زمزم من جائع‏* * * إذا ما تضلّع منها اكتفى‏

و ليست كزمزم في أرضكم‏* * * كما ليس نحن و أنتم سوا

و فينا سقاية عمّ الرسول‏* * * و منها النبي امتلا و ارتوى‏

____________

(1) في الأصل: ذي. و المثبت من الفتوحات المكية.

(2) في الأصل: ينفي. و المثبت من الفتوحات المكية.

(3) في الأصل: و من. و التصويب من إفادة الأنام (مخطوط ج 6 ص: 34).

597

و فينا المقام فأكرم به‏* * * و فينا المحصّب و المنحنى‏ (1)

و فينا الحجون ففاخر به‏* * * و فينا كدي و فينا كدا

و فينا الأباطح [و المروتان‏] (2)* * * فثج و عج فمن مثلنا

و فينا المشاعر منشا النبي‏* * * و أجياد و الرّكن و المتّكا

و ثور فهل عندكم مثل ثو* * * ر و فينا ثبير و فينا حرا

[و فيه اختباء] (3) نبي الإله‏* * * و معه أبو بكر المرتضى‏

فكم بين أحد [إذا جاء فخر] (4)* * * و بين القبيسيّ فيما ترى‏

و بلدتنا حرم لم تزل‏* * * محرمة الصّيد فيما خلا

و يثرب كانت حلالا فلا* * * تكذبن كم بين هذا و ذا

فحرّمها بعد ذاك النبي‏* * * فمن أجل ذلك جاء (5) كذا

فلو قتل الوحش في يثرب‏* * * لما فدي الوحش حتى اللقا

و لو قتلت عندنا نملة* * * أخذتم بها أو تؤدّوا الفدا

و لو لا زيارة قبر النبي‏* * * لكنتم كسائر من قد بدا

و ليس النبيّ بها ثاويا* * * و لكنه في جنان العلا

فإن قلت قولا خلاف الذي‏* * * أقول فقد قلت قول الخطا

فلا تفحشنّ علينا المقال‏* * * و لا تنطقنّ بقول الخنا

و لا تفخرنّ بما لا يكون‏* * * و لا ما يشينك عند الملا

و لا تهج بالشّعر أرض الحرام‏* * * و كفّ لسانك عن ذي طوى‏

و إلا لجاءك ما لا تريد* * * من الشّتم في أرضكم و الأذى‏

و قد يمكن القول في أرضكم‏* * * بسبّ [العقيق‏] (6) و وادي قبا

____________

(1) في الفتوحات المكية و الفاكهي: و المختبا.

(2) في الأصل: و المروتين. و المثبت من الفتوحات المكية.

(3) في الأصل: و فينا اجتبى. و المثبت من الفتوحات المكية.

(4) في الأصل: دجى فاخر. و المثبت من الفتوحات المكية.

(5) في الأصل: زيادة: ذا.

(6) في الأصل: عقيق.

598

فأجابهما رجل من بني عجل ناسك، كان مقيما بجدة مرابطا هناك فحكم بينهما فقال:

إني قضيت على اللذين تماريا* * * في فضل مكة و المدينة فاسألوا

فلسوف أخبركم بحقّ فافهموا* * * فالحكم حينا قد يجور و يعدل‏

فأنا الفتى العجلي جدّة مسكني‏* * * و خزانة الحرم التي لا تجهل‏

و بها الجهاد مع الرّباط و إنها* * * لبها الوقيعة لا محالة تنزل‏

من آل حام في أواخر دهرها* * * و شهيدها بشهيد بدر يعدل‏

شهداؤنا قد فضّلوا بسعادة* * * و بها السرور لمن يموت و يقتل‏

يا أيها المدنيّ أرضك فضلها* * * فوق البلاد و فضل مكة أفضل‏

أرض بها البيت المحرّم قبلة* * * للعالمين له المساجد تعدل‏

حرم حرام أرضها و صيودها* * * و الصيد في كلّ البلاد محلّل‏

و بها المشاعر و المناسك كلّها* * * و إلى فضيلتها البريّة ترحل‏

و بها المقام و حوض زمزم مترعا* * * و الحجر و الرّكن الذي لا يجهل‏

و المسجد العالي الممجّد و الصفا* * * و المشعران و من يطوف و يرمل‏

هل في البلاد محلّة معروفة* * * مثل المعرّف إذ يحل محلل‏

أو مثل جمع في المواطن كلّها* * * أو مثل خيف منى بأرض منزل‏

تلكم مواضع لا يرى [برحابها] (1)* * * إلا الدماء و محرم و محلّل‏

شرفا لمن وافى المعرّف [ضيفه‏] (2)* * * شرفا له و لأرضه إذ ينزل‏

و بمكة الحسنات يضعف أجرها* * * و بها المسي‏ء عن الخطيئة يسأل‏

يجزى المسي‏ء على الخطيئة مثلها* * * و تضاعف الحسنات منه و تقبل‏

ما ينبغي لك أن تفاخر يا فتى‏* * * أرضا بها ولد النبي المرسل‏

بالشعب دون الردم مسقط رأسه‏* * * و بها نشا صلى عليه المرسل‏

____________

(1) في الأصل: محرابها. و المثبت من الفاكهي (2/ 298).

(2) في الأصل: ضيعة. و المثبت من الفتوحات المكية.

599

و بها أقام و جاءه و حي السما* * * و سرى به الملك الرفيع المنزل‏

و نبوّة الرحمن فيها أنزلت‏* * * و الدّين فيها قبل دينك أول‏

هل بالمدينة هاشميّ ساكن‏* * * أو من قريش ناشئ أو مكهل؟

إلا و مكة أرضه و قراره‏* * * لكنهم عنها نبوا فتحوّلوا

فكذاك هاجر نحوكم لما أتى‏* * * إنّ المدينة هجرة فتحمّلوا

فأجرتم و قريتم و نصرتم‏* * * خير البريّة حقّكم أن تفعلوا

فضل المدينة بيّن و لأهلها* * * فضل قديم نوره يتهلّل‏

من لم يقل إنّ الفضيلة فيكم‏* * * قلنا كذبت و قول ذلك أرذل‏

لا خير فيمن ليس يعرف فضلكم‏* * * من كان يجهله فلسنا نجهل‏

في أرضكم قبر النبي و بيته‏* * * و المنبر العالي الرفيع الأطول‏

و بها قبور السابقين بفضلهم‏* * * عمر و صاحبه الرفيق الأفضل‏

و العترة الميمونة اللّاتي بها* * * سبقت فضيلة كلّ من يتفضّل‏

آل النبي بنوا عليّ إنّهم‏* * * أمسوا ضياء للبريّة يشمل‏

يا من تبضّ‏ (1) إلى المدينة عينه‏* * * فيك الصّغار و صعر خدّك أسفل‏

إنا لنهواها و نهوى أهلها* * * و ودادها حقّ على من يعقل‏

قل للمديني الذي يزدار دا* * * ود الأمير و يستحث و يعجل‏

قد جاءكم داود بعد كتابكم‏* * * قد كان حبلك في أميرك يفتل‏

فاطلب أميرك و استزره و لا تقع‏* * * في بلدة عظمت فوعظك أفضل‏

ساق الإله لبطن مكة ديمة* * * تروى بها و على المدينة تسبل‏

انتهى من الفتوحات المكية (2).

____________

(1) العين تبضّ بضّا و بضيضا: دمعت. لسان العرب (7/ 118).

(2) الفتوحات المكية (1/ 759- 763). و انظر القصيدة في أخبار مكة للفاكهي (2/ 293- 299)، و إتحاف الورى (2/ 250- 256).

600

الفصل الخامس: في حكم المجاورة بمكة و فضلها

فذهب أبو حنيفة (رحمه اللّه) و بعض أصحاب الشافعي و جماعة من المحتاطين في دين اللّه إلى كراهية المقام بمكة.

قال صاحب المنظومة: و يكون ذلك إثما، و ذلك لمعان ثلاث‏ (1):

أحدها: الحدّ (2) خوف التبرم و الأنس بالبيت، فإن ذلك ربما يؤثر في تسكين حرقة القلب في [الاحترام‏] (3)، و لهذا كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يدور على الحجّاج بعد قضاء حجّهم بالدرّة، و يقول: يا أهل اليمن يمنكم، و يا أهل الشام شامكم، و يا أهل العراق عراقكم، فإنه أبقى لحرمة بيت ربكم في قلوبكم. و كذا همّ عمر أن يمنع الناس من كثرة الطواف؛ خشية أن يأنس الناس بهذا البيت فتزول هيبته من صدورهم.

الثاني: تهيّج الشوق بالمفارقة له، [لتنبعث‏] (4) داعية العود، فإن اللّه جعل البيت مثابة [للناس، يثوبون إليه‏] (5)، أي: يؤولون و يعودون إليه مرة بعد أخرى، و لا يقضون منه [و طرا] (6).

و قال بعضهم: [لأن‏] (7) تكون في بلدك و قلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من أن تكون فيه و أنت متبرم بالمقام و قلبك في بلد

____________

(1) انظر: التشويق إلى البيت العتيق (ص: 224)، و البحر العميق (1/ 16)، و منائح الكرم (1/ 235)، و شفاء الغرام (1/ 159)، و الجامع اللطيف (ص: 164).

(2) كذا في الأصل.

(3) في الأصل: الإضرام. و التصويب من التشويق، الموضع السابق.

(4) في الأصل: لتبعث. و التصويب من التشويق، الموضع السابق.

(5) زيادة من التشويق، الموضع السابق.

(6) في الأصل: وترا. و التصويب من التشويق، الموضع السابق، و البحر العميق (1/ 16).

(7) زيادة من التشويق (ص: 224).

601

آخر.

قال [أبو عمرو الزجاجي‏] (1): من جاور بمكة و قلبه متعلق بشي‏ء سوى اللّه تعالى فقد ظهر خسرانه.

[الثالث: الخوف من ارتكاب الخطايا بها؛ فإن ذلك محظور كبير، و مع ذلك فلا يظن أحد أن كراهة المقام بمكة يناقض فضل الكعبة لأن هذه كراهة سببها ضعف الخلق عن القيام بحقوق اللّه تعالى، كذا قاله الغزالي‏] (2)

و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما حين اختار الطائف: لأن أذنب سبعين ذنبا [بركبة] (3) أحب إليّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة. و ركبة:

موضع بقرب الطائف.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: خطيئة أخطئها بمكة أثقل من سبعين خطيئة في غيرها.

و قال ابن مسعود: ما من بلد [يؤاخذ] (4) العبد بالهم قبل العمل إلا مكة، و تلا قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ [الحج: 25].

و لخوف ذلك ينتهي بعض الصالحين إلى أنه لم [يقض‏] (5) حاجة في‏

____________

(1) في الأصل: أبو عمر الزجاج. و انظر المراجع السابقة.

(2) لم يذكر المصنف المعنى الثالث، و قد استدرك من الجامع اللطيف (ص: 164).

(3) في الأصل: ببركية. و كذا وردت في المكان التالي. و ركبة: موضع بالحجاز بين غمرة و ذات عرق، لسان العرب (1/ 434). و قد ذكر ياقوت فيها أقوالا، مدارها على أنها أرض بعد مكة على يومين منها، و حددها الأستاذ ملحس ب (160) كم عن مكة و (65) عن الطائف. و هي أرض سهلة فسيحة يحدها من الشرق جبل حضن، و من الغرب سلسلة جبال الحجاز العليا، و من الجنوب جبال عشيرة، و العرجية و الطائف. (انظر معجم البلدان لياقوت 3/ 63، و معجم معالم الحجاز للبلادي 4/ 68- 71).

(4) في الأصل: يؤخذ، و التصويب من البحر العميق (1/ 16).

(5) في الأصل: يقضي.

602

الحرم، بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة، و بقي على هذا أبو [عمرو] (1) الزجاجي الصوفي أربعين سنة.

و عن إبراهيم قال: كان الاختلاف إلى مكة أحبّ إليهم من المجاورة.

و قال الشعبي: لم يكن أحد من المهاجرين و الأنصار يقيم بمكة. ذكرها سعيد.

و سئل مالك رضي اللّه عنه عن الحج و الجوار أحبّ إليك أم الحج و الرجوع؟ فقال: ما كان الناس إلا على الحج و الرجوع و هو أحب إليه، و فهم ابن راشد من هذا اقتصار الكراهة على المجاورة بها، و ذهب أبو يوسف و محمد و الشافعي و أحمد رضي اللّه عنهم إلى استحباب المجاورة بها.

و في الملتقطات في المبسوط في باب الاعتكاف: و إن المجاورة في قولهم الأفضل، قال: و عليه عمل الناس.

حكى الفاسي في منسكه عن المبسوط أن الفتوى عليه.

و في الحديث: «المقام بمكة سعادة و الخروج منها شقاوة».

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أنه «من صبر على حرّ مكة و لو ساعة من النهار تباعدت عنه النار مسيرة مائة عام» (2).

و عن سعيد بن جبير: من مرض بمكة يوما كتب اللّه له من العمل الصالح الذي كان يعمله في سبع سنين‏ (3). رواه الفاكهي.

و قيل لأحمد بن حنبل في رواية: أتكره المجاورة بمكة؟ قال: قد جاور بها

____________

(1) في الأصل: عمر. و قد سبق قريبا. و انظر: البحر العميق (1/ 16)، و حلية الأولياء (10/ 376).

(2) ذكره العلجوني في كشف الخفاء (2/ 336).

(3) أخرجه الفاكهي (2/ 312).

603

جابر و ابن عمر رضي اللّه عنهما، و ليتني الآن [مجاور] (1) بها.

و أجاب القائلون بالاستحباب عما ذهب إليه أبو حنيفة رضي اللّه عنه بأن من يخاف من ذنب فيقابله بما [يرجى‏] (2) لمن أحسن من تضعيف الثواب.

و الحاصل: أن علة كراهية من كره المجاورة بمكة من العلماء ليس إلا مراعاة الخلق و الخوف من قصورهم عن القيام بحق الموضع، فمن أمكنه الاحتراز عن ذلك و قدر على الوفاء بحقه و تعظيمه و توقيره على وجه يقي منه حرمة البيت و جلالته و مهابته في عينه كما دخل مكة، فالمقام بها حينئذ هو الفوز العظيم [و الفضل‏] (3) الكبير العميم.

و عن سهل بن عبد اللّه قال: كان عبد اللّه بن صالح رجل له سابقة جليلة، و كان يفرّ من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه بها، فقلت له: لقد طال مقامك بها، فقال لي: لم لا أقيم بها و ما أرى بلدة تنزل فيها الرحمة و البركة أكثر من مكة، و الملائكة تغدوا فيها و تروح، و إني أرى فيها عجائب كثيرة، و الملائكة يطوفون على صور شتى ما يقطعون ذلك، و لو قلت لك كما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين. فقلت له:

أسألك باللّه! إلا أخبرتني بشي‏ء، فقال: ما من ولي للّه عز و جل صحّت ولايته إلا و هو يحضر هذه البلد كل جمعة فلا متأخر عنه، [فمقامي هاهنا لأجل من أراه‏] (4) منهم، و لقد رأيت رجلا منهم يقال له: مالك بن القاسم‏

____________

(1) في الأصل: مجاورا.

(2) في الأصل: يرضى. و التصويب من البحر العميق (1/ 17).

(3) زيادة من البحر العميق (1/ 17).

(4) في الأصل: فمقامه هاهنا لأجل ما رأى. و التصويب من البحر العميق (1/ 17).

604

جاء و قد جاور مدة عمره، فقلت له: إنك قريب عهد بالأكل، فقال لي:

استغفر اللّه، فإني منذ [أسبوع‏] (1) لم آكل، و لكن أطعمت والديّ [و أسرعت‏] (2) لألحق صلاة الفجر، و مسيرة الموضع الذي جاء منه مسيرة سبعين فرسخا (3). أخرجه أبو الفرج.

و عن [عبد العزيز بن أبي رواد] (4) قال: الخضر و إلياس (عليهما السلام) يصومان رمضان ببيت المقدس [و يوافيان‏] (5) الموسم في كل عام بمكة (6).

و رأى شخص إلياس (عليه السلام) بالأردن فقال له: كم الأبدال؟ قال:

[هم ستون رجلا] (7)، خمسون رجلا ما بين عريش مصر إلى شاطئ الفرات، [و رجلان‏] (8) بالمصّيصة (9)، و رجل بأنطاكية (10)، و سبعة في سائر الأقطار، بهم يغاثون و ينصرون على الأعداء، و بهم يقيم اللّه أمر الدنيا،

____________

(1) في الأصل: أسبوعا، و التصويب من البحر العميق (1/ 17).

(2) في الأصل: و أسرعني. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، و قيل: اثنا عشر ألف ذراع، و هو معرّب (فرسنك).

(معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 78).

(4) في الأصل: عبد اللّه بن داود. و التصويب من البحر العميق (1/ 17).

(5) في الأصل: و يوفيان. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(6) ذكره ابن أبي عاصم في الزهد (1/ 230)، و ابن حجر في الإصابة (2/ 310)، و القرطبي في تفسيره (15/ 116).

(7) قوله: هم ستون رجلا، زيادة من مثير الغرام (ص: 196)، و الإصابة (2/ 312). و انظر:

البحر العميق (1/ 17).

(8) في الأصل: رجلان. و التصويب من مثير الغرام و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(9) المصيصة: بلد في الشام. (انظر: معجم ما استعجم 4/ 1235، و معجم البلدان 5/ 144).

(10) في الأصل و البحر العميق (1/ 17) زيادة: و رجل بعسقلان، و لم تثبت مصادر التخريج هذه الزيادة.

و أنطاكية: هي قصبة العواصم من الثغور الشامية، بينها و بين حلب يوم و ليلة (المراصد:

124).