تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام‏

- إبراهيم بن محمد الميموني المزيد...
354 /
5

[جلد اول‏]

[مقدمات‏]

ترجمة المؤلف‏

اسمه و نسبه‏

إبراهيم بن محمد بن عيسى المصرى الشافعى المأمونى‏

صفاته و أخلاقه‏

قال عند المحبى: عالم محقق خاتمة الأساتذة المتبحرين، كان آية ظاهرة فى علوم التفسير و العربية، و أعجوبة باهرة فى العلوم العقلية و النقلية، حافظا متقنا متضلعا من الفنون، مشهورا خصوصا عند القضاة و أرباب الدولة، و أبلغ ما كان مشهورا فيه علم المعانى و البيان حتى قل من يناظره فيهما.

كان مترفها فى عيشه رقيق الطبع حسن الخلق فصيح اللسان وجيها.

شيوخه:

لازم والده سنين، و كان ينحصر معه و هو صغير، و درس على الشمس الرملى و أجازه بمروياته، و أخذ عن أبى بكر الشنوانى و منصور الطبلاوى و غيرهم.

مؤلفاته:

1- حاشية على المختصر.

2- حاشية على المواهب اللدنية.

3- حاشية على تفسير البيضاوى.

4- المعراج.

5- تحريرات على حاشية الجامى.

وفاته:

توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر من رمضان سنة تسع و سبعين و ألف و دفن بتربة المجاورين (رحمه اللّه تعالى) (1)

____________

(1) انظر خلاصة الأثر 1/ 45

6

وصف المخطوط

- اعتمدنا فى تحقيق الكتاب على نسخة فريدة مصورة من مكتبة حسن حسنى عبد الوهاب بتونس تحت رقم 18660.

- عدد أوراقها 205 ورقة فى كل صفحة 25 سطرا.

- نسخت عام 1046 ه نسخها: منصور سليم حسن الدمناوى الأزهرى، نوع الخط فارسى جميل.

7

غلاف المخطوط

8

الصفحة الأولى من المخطوط

9

الصفحة الأخيرة من المخطوط

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تمهيد

الحمد لله الذى حكم بالتغير على كل مخلوق لظهور نوامس عظمته، و أنزل مثل الجبال من تجلى جلال أحديته، و أوجب الاستسلام و الانقياد لبالغ قدرته؛ إذ هو القاهر، فلا منازع له فى إرادته، و إذا أبرم حكما فهو المنفرد بمعرفة حكمته [] في كل شريف و مشروف، و عم استيلاء صفة قهره كل منكور و معروف. من رضى بمجارى أقداره أوصله إلى [] عظمته، و من فتح عين قلبه لتلقي ما يرد عليه [] على باهر حكمته.

و الصلاة و السلام على من أمده [] (1) بالآيات الباهرات و الحجج الظاهرات، و شرف بوجود تلك المشاعر الشريفة و حمى به حرمه بتلك المناسك المنيعة؛ فأزال ما بها من الأصنام و طهرها من دنس الشرك و الآثام، أمده اللّه تعالى بالآيات ليظهر بذلك كرامته عند مولاه، و كان بذلك خليقا، و ليتحقق صدق رسالته حيث تساقطت حين أن تلى عليها قوله تعالى: «وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» و على آله و صحبه أجمعين الذين لم يعبدوا اللّه على حرف، و لم يقصروا فى طلب القصور و قاصرات الطرف و بعد.

فيقول الفقير إلى مولاه العلم المأمونى الشافعى إبراهيم: «إن من المعلوم عند ذوى البصائر و أرباب التأمل و النواظر أن بادئ البدء لم يعد بقباء أحد من الموجودات خلقه للوجود إلا و قد قذفه فناء و موت، و لم يخط لفرد من الأفراد لباس الإيجاد إلا و ألبسه عباء فناء و فوت، إذ قهره تعالى عام لجميع الموجودات، و قضاؤه نافذ فى جميع المصنوعات، و قدرته تعالى ما زالت ترى عجيبا، و تبدى غريبا، و توقظ بزواجره شاكا و مريبا، و تبدى شموس المواعظ غير متوارية بحجاب، و تذكر بما يبدو منا و ما يصدر عنها و إنما يتذكر أولوا الألباب، فما من وقت و لا زمان إلا و يظهر من قدرة اللّه تعالى فيه ما يبهر العقول، و يعجز عن إدراك حكمته أرباب المعقول و المنقول.

على أنها الأيام قد صرن كلها* * * عجايب حتى ليس فيها عجايب‏

____________

(1) كل ما بين معكوفتين طمس بالأصل.

12

فمن ذلك أنه فى شهر شعبان المعظم المنتظم فى سلك سنة تسع و ثلاثين و ألف الذى أنزل فيه آية الصلاة على النبى المكرم قد عمد السيل إلى عقود البيت الحرام ففسخها، و إلى محكم آيات بناية فنسخها، و انتصب لعالى ما بنى منه على الرفع فكسره، و إلى ما جمع جمع السلامة منه فكسره، فبلغت من ذلك القلوب الحناجر، و فعلت المخافة بالمسلمين ما لا تفعله الخناجر، و كادت أنفسهم أن تتفطر أسفا من ذلك، و نجوم سماء مسرتهم قد تسربلت بعموم الغموم لما هل لهم من المهالك، و شارفت الأرض أن تنشق و تخر الجبال هدا، و تحمل المسلمون من أثقال تلك المساءة إدّا، و كلما سكن الواعظ قلوبهم بطلب التوبة و الإقبال على اللّه تعالى و هدّا، أقلقهم الأسف فلا يجدون من تساكب المدامع بدا، ظنا منهم أن بساط الوجود قد أشرف على الانطواء و أن نجوم سمائه قد دنت من الغروب كأن لم يخفق على مفرقه عصابة ذاك اللواء.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

و ذلك لما جبلوا عليه من محبة هذا البيت العظيم و القيام بما يجب له من مزيد الإجلال و التكرم، و كيف لا و هو قبلتهم التى يصلون إليها و وسيلتهم التى يطوفون بها و يحجون إليها؟ و فى ذلك دلالة على بقاء الخير الكثير و الفضل الخطير فى هذه الأمة المكرمة و العصابة المعظمة حيث بقى فيهم المحافظة على احترام هذا البيت الشريف و القيام بحماية حرمتها المنيفة، عملا فى ذلك بما جاء فى الحديث المجمع على العمل به فى القديم و الحديث من قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحومة حق تعظيمها «يعنى الكعبة و الحرم» فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» و لما دهى العالم هذه النازلة التى هدّمت ما شيد فى الدهور، و المعضلة التى ظن الناس بما أرته أن إسرافيل قد نفخ فى الصور، صارت الأفكار لها مستهولة، و من شدة وقعتها متزلزلة، خصوصا لما وقفوا على الأثر القدسى المروى عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه و هو:

«قال اللّه تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره»، فعند ذلك صاروا أحير من ضب و أذهل من صب، و كان من الواجب على العلماء أن يبينوا للناس ما خفى عليهم، و أن لا يكتموا شيئا مما

13

تقرر لديهم، و يرشدهم إلى ما هو خير لهم مما أهمهم من الإقبال على اللّه تعالى بالتوبة النصوح، و جاء أن يحصل لهم بذلك الفتوح فإن ما حصل لهذا البيت عبرة للّبيب العاقل و حسرة على المعرض الغافل، و تنبيه على إخلاص التوبة من المتفاضل و إزعاج للمتباطئ عن الطاعة و المتثاقل، و آية من اللّه لعباده منذرة، و من سنة الغفلة موقظة، و لكن ليست هذه الكائنة بأول قارورة كسرت فى الإسلام، و لا بالأمر الذى لم يتفق ما يقرب منه فى سالف الأيام، بل تقدم له حصول ما هو أعظم خطرا و أقوى تأثيرا أو أثرا مما أثبتنا بعضه فى هذا الكتاب، ليعلم أن عجائب هذا الدهر متصلة الأسباب، و ليظهر أن إلمام هذا الحادث ليس هو الخراب الذى أشير إليه فى الأثر المشهور، و الخبر الغير المنكور إذ ذاك خراب على يد الفجار حيث لا يبقى إلا الأشرار، و ذلك بعد موت سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام، و رفع القرآن من الصدور بل هذا من أعظم الآيات، و أقوى المعجزات، الدالة على صدقه (صلى اللّه عليه و سلم)، حيث أخبر بسقوط هذا البيت الشريف بعده و عين عدده، و سخن على يقين من أن حضرة سلطاننا طاول اللّه بعمره الأبد، و حرسه بسر «قل هو اللّه أحد»، يفوز بثواب تجديد بناء هذا البيت الشريف بغاية الإحكام؛ و بذلك يمتاز على من تقدمه من الملوك و الحكام، و قد صار و للّه الحمد عزاء المسلمين تجديده للبيت الشريف مستدركا بالهناء و تعوضوا عن كنز العنى بكنز الغنى، و أعقبت الأيام نقصها بإتمامها و نقضها بإبرامها، و استرجعت العبرات ما جاءت به من مزنها و استبدلت ردّ مسرتها من حرارة حزنها، و لما أن أجملنا عليهم فى المقال، و اختصرنا لهم فى بيان الحال، تطلبوا منا تأليفا جامعا لتفصيل هذه المباحث المقفلة، و كتابا كاشفا عن غوامض هذه المعضلات المغلقة، فأملينا عليهم فى هذه الصحائف ما تحار العقول فى الوصول إلى أمده، و حققنا لهم ما فهمناه من الحكم ببركة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و مدده، من بيان أسرار درر الأحكام الشرعية و الأحاديث النبوية، و تلونا عليهم ما يزيل عنهم هذا الألم و النصب، و يريحهم مما هم فيه من مزيد الخوف و التعب، ليطمئن بذلك خاطرهم و يبتهج به ناظرهم، و سميتها: «تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت اللّه الحرام» و ذلك بنظر مولانا سلطان سلاطين الإسلام‏

14

شرقا و غربا مالك أرقاب الأمم عجما و عربا، خادم الحرمين الشريفين، مسلك سبل القبلتين، مختار اللّه تعالى لحماية حمى بيته الحرام، و عمارة تلك المشاعر العظام، صاحب العز و الخير و الجبر لعموم العباد، مولانا السلطان الأعظم مراد، بلغه اللّه المراد، و كفاه شر الأعداء و الحساد و لا برح موفور النعم، مسعود السيف و القلم، بجاه سيد العرب و العجم (صلى اللّه عليه و سلم). هذا و السبب الحامل للعلماء على الإقبال على بيان هذه المسائل العلمية و الكشف عن حقائق ما ستر من تلك المباحث البهية، أنه لما وصل الخبر بذلك لحضرة مولانا عين أعيان الوزراء الكرام، و صفوة الصفوة من أرباب الدولة العظام مختار الخلافة الخاقانية لكفالة كافة مهمات المسلمين، و مرتضى تلك السعادة السلطانية لمطالب الدنيا و الدين، صاحب المجد الذى انقطعت دونه مطايا المطامع، و السؤدد الذى انحسرت الأبصار دون أضوائه السواطع، مقلد جيد العليا جواهر المجد و الجلال، و ملبس هياكل السعادة حلل السؤدد و الجمال.

فالوصف عن إحصاء وصفك عاجز* * * و العقل عن إدراك قدرك قاصر

وقف الكلام وراء مدحك حايرا* * * أنى يفى بالمدح ذاك الحاير

أعنى بذلك حضرة مولانا الوزير المعظم، و الدستور المفخم، الذى بهر الشمس ضياء عزته، و اتفقت كلمة علماء الإسلام على الشكر لجميله و منته، أعظم الوزراء الكرام، مدبر ممالك الإسلام، الذى عذبت بالديار المصرية موارد فضله، و أمطر على العلماء و الرعايا وافر عدله، و ارتفع على الوزراء الكرام بمزايا الجود و الإنعام و سجايا الأفضال و الإكرام، لا سيما بالنسبة إلى العلماء الأعلام، فلقد شاع جوده فى تخوم الآفاق، و بذلك و غيره من الملكات الفاضلة اعتلى على أعالى الوزراء وفاق، و حصل فى هذه الدعوى من جماهير الورى الإجماع و الوفاق، و اهتزت الشمس بوقوعها على مواطى‏ء قدمه طربا، و افتخرت السماء بدورانها حول رأس خدمه تيها و عجبا.

فى كل يوم لنا من مجده عجب‏* * * و كل ليل لنا من ذكره سمر

سقى به اللّه دنيانا فأخصبها* * * و العدل يفعل ما لا يفعل المطر

15

احتظى من عام إنعامه كل غنى و فقير، و ارتضع من ثدى إحسانه كل صغير و كبير، فهو حسنة الزمان، و عزة جبهة الدهر و الأوان، حاكم الأقطار الحجازية، و التخوت اليوسفية، مولانا الوزير محمد باشا يسر اللّه له من الخير ما شاء، فاهتم لذلك غاية الاهتمام، و أحضر لمجلسه الشريف علماء الإسلام، و عرض ما وصل لحضرته من فتاوى علماء الحجاز، غير مكتف بها لعدم إفصاحها عن كنه المراد، مع عدم خلوها عن نوع من المجاز، و طلب من العلماء الحاضرين بيان الحكم الشرعى، و إظهار مقدار ذلك المقام المرعى، و كان الفقير ممن شمله ذلك المجلس الشريف، مع أفراد من أعيان كبار العلماء أرباب الإفتاء و التصنيف فعند ذلك فتح الكلام فى بيان تلك الأحكام، و ما منا إلا من أفصح عن بيان ذلك بغاية الإحكام.

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا* * * و سالت بأعناق المطى الأباطح‏

ثم انتهى المجلس الشريف مع مزيد الدعاء لعلى مقامه المنيف، فبعد ذلك أدير الكلام بين العلماء فى جميع المجالس، و صار ذلك مصاحبة القاعد و الجالس، و لما رأيت بضاعة العلماء عند حضرة هذا الوزير نافقة، و أغصان كمام الفضلاء فى روض سدته بأنواع السرور باسقة، أحببت أن أبيض من هذا التأليف الفريد، و التصنيف الوحيد نسخة أهديها إلى خزانته المعمورة، و ساحته التى بمزيد جبر خواطر العلماء مشهورة، فوجهت ركاب النظر شطر ذلك المطلب، و توجهت تلقاء مدين ذلك المأرب، و جعلت وصف الذل للمرآة صقالا، فلمع شئ من البوارق رحب مقاما و عذب مقالا، أجراها المولى الكريم على اللسان، فقل أن يجري مجراها إنسان، تطرب و ترتاح عند سماعها الأرواح، هى من الدر المصور، و السر المكنون، و قد صدر ذلك فى زمن يسير، عن خاطر بأعباء الأكدار كفيل، و نشأ عن فكر كدت عليه آلام الملمات فهو عليل، و انبعث عن ذهن ذهبت به خطوب الحوادث فهو كليل، إن نام ففؤاده بالهموم مأسور، و إن قام فقلبه بغمرات الغموم مغمور، و كيف لا و قد أقعد صحيح فضله كسر مقيم، و أعدم وجود كمالاته حظ سقيم؟ و لو كان فردا لما اشتكى جميع الهموم من المسألة عائلة، و الأعضاء بخصوص الضجر بالقلب من التعب فى غموم.

و لو كان هما واحدا لاتقتيه‏* * * خواطر قلبى كلهن هموم‏

و قال:

16

يا مبدى الإنصاف طال تلهفى‏* * * و جهلت مورد علّىّ من مصدرى‏

بعلاك قد علق الرجاء و أنت يا* * * خير البرية عدة المتحير

ما شمت البارق جودك و الندى‏* * * و رجوت عارض وابل لك ممطر

و حططت آمالى ببابك راجيا* * * بالحق إدراك النجاح المثمر

و صرفت عن كل السماح مطالبى‏* * * و على سماحك كان عقدى خنصرى‏

و نرجو بين طلعة هذا الوزير أن يتهلل بدر النجاح، و أن يغرد طير القبول بصلاح الحال و حال الصلاح، لا زالت كعبة الإقبال و مستلم الإقبال، و مشرق شمس الكمال، و لا برحت كواكب السعادة بمطلعها منيرة، و أفلاك السيادة على و طيتها مستديرة، و زمام النجاحة نحو سماحتها مسيما، و وجه القبول و الإقبال فى محرابها مصليا و مسلما، ما فاز بالأمل آمل، و تيسرت على طالب وسائل هذا، و لما كانت الكعبة الشريفة أفضل مساجد الأرض، مما حواه الطول و العرض؛ إذ هى بيت اللّه الحرام، و قبلة لجميع الأنام، و المسجد الحرام فضله لا ينكر، و ما طوى من فضائله لم يزل ينشر و مكة المشرفة هى بلده الأمين، و مسقط رأس سيد المرسلين، و الأدلة على ذلك من الكتاب و السنة أكثر من أن تحصى، و أعظم من أن تستقصى، تصدى للتأليف فى فضل ذلك جمع كثير من المتقدمين و المتأخرين، غير أنى أحببت أن أخترع أمرا لم أسبق إليه، و أن أسلك فى ذلك طريقا لم يدلوا عليه، لما أن التأليف فى هذا الوقت ليس إلا كما قال بعضهم: جمع ما تشتت و رم ما تفتت، و أما تفسير الآيات الواردة فى فضل ذلك، و الكلام على ما يتعلق بتلك المسالك فقد تكفل ببيانه العلماء على حسب مراتبهم و تنوع مقاصدهم فلذلك رتبت كتابنا هذا على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول [فى حفظ محل البيت من الطوفان زمن النوح و من السيول فيما بين نوح و ابراهيم‏]

فى الجواب عن أسئلة ابتكرتها حيث دار الكلام بين الأفاضل فى بعضها، و اخترت أن أرتب فى شأنها أسئلة ليسهل الكشف عن أجوبتها و هى: هل حفظ محل البيت الشريف من دخول الطوفان زمن نوح (صلى اللّه عليه و سلم) و من السيول فيما

17

بين نوح و إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) فلم تعله السيول؟ فإن كان حفظ منهما فما باله لم يحفظ فى هذا الزمن من هذا السيل الذى استولى على بنيانه و هدمه؟ و هل ما نقله الزركشى فى كتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد عن أبى القاسم المالكى أنه قال: سمعت أن الحرم يعرف بأنه لا يجى سيل من الحل فيه كل الحرم، قال ابن عطية فى تفسيره: و هذا لأن اللّه تعالى جعله ربوة و فى حكمها ليكون أصون له انتهى. صحيح و عليه فهذا السيل الذى دخل البيت الآن و قبل ذلك من أى محل جاء؟ أو غير صحيح و هل تقدم حصول سيل يقرب من هذا أولا؟

و هل سقوط هذا الجانب من البيت الشريف فى هذا الزمن على هذا الوجه علامة على شئ يحدث فى الدنيا يخشى منه؟ و أنه من الآيات المنذرة بخراب الدنيا عملا بما روى عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أنه قال: قال اللّه تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره» أولا يدل على ذلك، بل ربما يشعر بمزيد الخصب و إن تفرع عليه وقوع بعض البيت لما ذكره العلماء من أن الغيث إذا كان فى ناحية الركن اليمانى كان الخصب باليمن، و إذا كان من ناحية الركن الشامى كان الخصب بالشام، و إذا عم البيت كان الخصب لجميع البلدان، ذكر ذلك بعض المفسرين فيما نقله ابن الحاج و نقل ذلك غيره كما نقله الفاسى‏ (1) و غيره، و نقل الفاسى عن ابن عباس أنه قال: «ما مطرت مكة قط إلا كان للخندمة عزة و ذلك أن فيها قبر سبعين نبيا انتهى. قال الفاكهى‏ (2): الخندقة ما بين حرف السويدا إلى الثنية التي عليها بئر ابن أبى سمير فى شعب عمر و مشرفة على أجياد الصغير و على شعب ابن عامر و على دار محمد بن سليمان فى طريق منى و هو جبل فى ظهر أبى قبيس إلى آخره و هل أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعدد سقوطها بعد بعثته و رسالته؟ و فى أى زمن يكون سقوطها و خرابها بحيث لا تعود كذلك و لا تحج بعد ذلك؟ و هل فى القيمة تعاد كباقى المساجد؟ و هل صح أنها تزف زف العروس عند قيام الساعة

____________

(1) ج 1/ 177 (1) شفاء الغرام 1/ 177

(2) أخبار مكة 2/ 101

18

و تأتى إلى قبره (صلى اللّه عليه و سلم) عند انشقاقه عنه و تخاطبه و يخاطبها ثم تأتى الصخرة الشريفة و تعانقها و تكون معها فى الجنة و أنه يتعلق بأستاره من حجها حتى تدخله الجنة أو لا؟ و هل تجب المبادرة بعمارة ما سقط من البيت الشريف بالفعل و ما أشرف على السقوط دون ما هو ثابت متماسك؟ و هل يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من نجو سقفها بكشف ما يعلم به أمره أو لا؟ و هل إذا بنى ما سقط يجب أن يعاد علي الصفة التى كان عليها أولا من غير زيادة و لا نقص بحيث لا يزاد فى طوله و لا ينقص عنه؟ أو تجوز الزيادة فى طوله كما زاد عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما فى طوله إلى جهة السماء حين بناه على ما كان عليه زمن قريش مع ورود النهى عن التطاول فى البناء؟ و كما زادت قريش فى طوله إلى جهة السماء على ما كان عليه زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) فإن طوله إذ ذاك فى السماء كان تسعة أذرع؟ و هل أحد قبل قريش ممن بناه زاد على الطول إلى جهة السماء الذى كان زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) أو لم يزد عليه؟ و هل كان له سقف و مغلق زمنى الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) أو لم يكن؟ و من سقفه و جعل له مغلقا بعد الخليل أولا هل هم قريش أو من تقدمهم؟ و من أى شئ كان السقف و الباب حينئذ؟

و هل ما ذكره العلماء من أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) ينافيه ما نقله ابن الحاج المالكى من أن صفة بناء البيت زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) كان مدورا من ورائه، و كان له ركنان و هما الشاميان، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان مع إخراج الحجر منه. و قد نقلوا أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما جعل للبيت أربعة أركان و استلمها و قال: إنما ترك النبى (صلى اللّه عليه و سلم) استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر بالسكون إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد وافق الناس ابن الزبير على استلام الأركان الأربعة لكونه أعادها على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) مع أن البيت لم يكن له فى زمن الخليل إلا ركنان على ما ذكره ابن الحاج، و قد ذكر مجاهد و عكرمة فى وجه تسمية البيت بالكعبة أنها مربعة، و قال القاضى فى المشارق: الكعبة هو البيت لا غير، سمى بذلك لاستدارتها، و قيل: لتربيعها يقال: برد مكعب إذا طوى مربعا. و قيل:

لعلوه و نتوئه، و منه سمى الكعب كعبا لنتوئه و خروجه من جانب القدم، يقال:

تكعبت الجارية إذا خرج نهدها، و قيل: لانفرادها عن البيوت و ارتفاعها، و ذكر

19

الأزرقى‏ (1) أن الناس كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش ربع حميد بيننا، إما حياة أو موتا، ثم مقتضى ما تقدم نقله عن العلماء من أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم أن الباب الغربى الذى سده الحجاج و هو الذى فتحه ابن الزبير كان بهذه الصفة زمن الخليل مرتفعا غير لاصق بالأرض، و المصرح به فى صفة البيت زمن الخليل أنه جعل له بابين كما فى سيرة الشامى، و روى‏ (1) الأزرقى‏ (2) من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: بلغنى أنه لما خلق اللّه السموات و الأرض كان أول شئ وضع فيها البيت الحرام، و هو يومئذ ياقوتة جوفاء لها بابان، أحدهما شرقى و الآخر غربى، فجعله مستقبل البيت المعمور إلى آخر الرواية، ثم المصرح به فى شفاء (2) الغرام‏ (3) إن البابين فى زمن ابن الزبير كانا لاصقين بالأرض فهل هذا الارتفاع من فعل الحجاج فيكون قد رفعه ثم عنّ له فسده، أو الرافع له إنما هو ابن الزبير رضى اللّه عنهما و الذى فعله الحجاج إنما هو السد فقط؟ و عليه فهل كان هذا الباب المسدود الآن مرتفعا زمن الخليل أو لا؟

و الرافع له إنما هو ابن الزبير فجعل الباب الغربى مرتفعا و الآخر لاصقا بالأرض، و كيف ساغ له أن يغير فى بيت اللّه و يفتح بابا فى علو الجدار مع حرمة الفتح و الاستطراف منه حينئذ إن صح أن البابين كانا لاصقين بالأرض فى زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و فى رواية الحارث بن عبد اللّه بن ربيعة المخزومى و هو من ثقاة الرواة لعبد الملك تصديقا لما رواه ابن الزبير رضى اللّه عنهما عن خالته، و فيه قال عليه الصلاة و السلام: و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض، بابا شرقيا يدخل الناس فيه و بابا غربيا يخرج الناس منه. فهذا يدل على أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما و فىّ بذلك، و قد نقل الشامى أن صفة بناء ابن الزبير أنه جعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا، و جعل الآخر بإزائه على هيئته و جعل لها درجا من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها، و أن الحجاج غير تلك الدرج التى فى جوفها و نقص من طول الباب خمسة أذرع، و لم يذكر أنه‏

____________

(1) أخبار مكة 1/ 49

(2) المرجع السابق.

(3) 1/ 237- 1- 2/ شفاء الغرام ج 1/ 237.

20

علّى الباب المسدود أيضا، و كذا هل يرد على قولهم المذكور- أعنى أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم- ما ذهب إليه الشافعى من أن من البيت هذا البناء الحادث الذى أحاط بالبيت ملاصقا بأسفل الجدار فيما بين الركنين اليمانيين و هو المسمى بالشاذروان بكسر الذال و هى لفظة أعجمية بلسان الفرس و لا توجد هذه التسمية فى حديث صحيح و لا سقيم و لا عن أحد من السلف، و لأنه ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين و المتأخرين إلا ما وقع فى الجواهر (1) لابن شاس و تبعه أبو عمرو بن الحاجب تبعا لكتب الشافعية فى ذلك من غير تعرض لبيان حكم، و صرح ابن الصلاح أن قريشا لما رفعوا الأساس بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض و هو القدر الظاهر الآن من الشاذروان الأصل نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأول و ذكر العلامة المؤرخ الأزرقى‏ (2) أن ذرع عرض الشاذروان المخرج من البيت ذراع و قد أحدث فيه بناء على شكل المصطبة أولا، فكان بسيطا، ثم سنّم هذا البناء بعد ذلك حتى صار كأنه مثلث احتياطا حتى لا يفسد طواف الطائفين إذا طافوا ماشين عليه لو دام بسيطا لكون طوافهم حينئذ فى جزء من البيت و كان منتهاه إلى قريب من الركن، و لم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحجر الأسود ثم زيدت بمقدار فى المدة الأخيرة.

و قول عالم الحجاز المحب الطبرى إن هذا البناء لم يستكمل جميع القدر الخارج من البيت الذى عرضه ذراع و إنه يجب إعادة الشاذروان إلى ذراع لما نقله الأزرقى حتى لا يفسد طواف الطائفين إذا مشوا فيه على مذهب الشافعى، و عليه فى الأمر مشكل؛ لأنه إن صح أن الشاذروان من البيت، فكيف أخرجه ابن الزبير رضى اللّه عنما مع التزامه أن يعيده على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و ما تقدم عن ابن الصلاح الشافعى من أن قريشا لما رفعوا

____________

(1) انظر شفاء الغرّام 1/ 112

(2) أخبار مكة 1/ 102

21

الأساس بمقدار ثلاث أصابع نقصوا منه عرض الجدار عن عرض الأساس الأول و هو القدر المسمى بالشاذروان فقد رده الإمام العلامة الخطيب ابن رشيق بضم الراء و فتح الشين المعجمة كما نقله عنه الدمامينى بأنه لم يأت به حديث صحيح و لا ورد من قول صاحب يصح سنده و لعل ذلك من كلام المؤرخين، و لو صح هذا لاشتهر و نقل. و قد هدم عبد اللّه بن الزبير الكعبة هل بلغ بها الأرض و أتمها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام؟ و كون الحجاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إلا ناحية الحجر لكونه أدخله فى البيت أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه منقول بالسنة الصحيحة فى الكتب المعتمدة لا يشك فيه أحد، فإذا أثبت هذا فكيف يقال إن هذا القدر الظاهر الآن مما نقصته قريش عن عرض الجدار؟ و هل بقى لبناء قريش أثر؟ فالسهو و الغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به و العصمة للأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و المنقول أن ابن الزبير لما هدم الكعبة و ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا و ظهرت أسسها و أشهد الناس عليها قال لهم ابن الزبير: «اشهدوا»، ثم وضع البناء على الأساس و هذا الاسم الحادث أعنى الشاذروان اسم حادث على شئ صنع ليصان به الجدار خيفة إجحاف السيول، و قد نص ابن تيمية على إنه ليس من البيت بل جعل عمادا للبيت، و مما يؤيد ذلك أن داخل الحجر تحت حائط الكعبة شاذروان فيكون هذا الشاذروان، نظيرا للشاذروان الذى هو خارج البيت و لم يقل أحد إن هذا له حكم الشاذروان، فكون هذا الشاذروان مراعا فى الطواف لا دليل عليه، و لو صح ما قاله الشافعية فى الشاذروان لنبه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) الصحابة على ذلك لكونه مما تمس الحاجة إليه بقول أو فعل و لنقل ذلك مع توافر الدواعى على النقل، و مثل هذا لا يثبت إلا بالإجماع الصحيح المتواتر النقل، و كيف يمكن أن يغيب ذلك عن الصحابة و التابعين و من بعدهم من أهل العلم فلا يتنبه أحد له مع تكرر الحج فى كل عام؟ إن هذا لمن الأمر البعيد الذى لا تسكن إليه نفس عاقل، و المنصف لا يحتاج إلى مزيد البيان، فقد انعقد الإجماع على أن البيت متمم على قواعد الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) من جهة الركنين اليمانيين و لذلك استلمهما النبى (صلى اللّه عليه و سلم) دون الآخرين؛ و أن ابن الزبير لما نقضه و بناه إنما زاد فيه من جهة الحجر و أقامه على الأسس الظاهرة التى عاينها العدول من الصحابة و كبراء التابعين؛ و لذلك وقع الاتفاق على أن الحجاج لما نقض البيت بأمر عبد الملك لم ينقض إلا جهة الحجر

22

خاصة و أقام قوسا داخل الكعبة إلى ما كان عليه من الارتفاع، و أغلق الباب الغربى و هو باق مسدود، و ترك الحجاج ما زاده ابن الزبير من ارتفاع البيت على حاله، و ليس للشاذروان فى هذا العمل كله ذكر، و يدل على ذلك أن ابن الصباغ‏ (1) الشافعى احتج على أبى حنيفة حيث قال فى الركن اليمانى: لا يستلم لأنه لا يقبل و لا يستلم الركنين الآخرين، فقال ابن الصباغ: أما قياسه على الركنين الآخرين فى الجواب أن الركن اليمانى على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام بخلاف الركن الآخر فإنه لم يبن على قواعد إبراهيم، فافترقا.

فانظر كيف أمر ابن الصباغ فى التفرقة بين اليمانيين و غيرهما أن اليمانيين على قواعد إبراهيم فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الذى فيه الحجر الأسود داخلا فى البيت و لم يكن مبنيا على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذكر أن الركن الذى فيه الحجر الأسود اختص بشيئين الاستلام و التقبيل للفضيلتين و أما اليمانى فيستلم و لا يقبل؛ لأن فيه فضيلة واحدة و هو كونه على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) و أما الركنان الآخران فلا يقبلان و لا يستلمان. و هذا النووى مصرح بأن اليمانيين متممان على قواعد إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) فمن أين نشأ الشاذروان؟ فما الحق فى هذه المسئلة على كلام الإمام الشافعى مع لزوم ذلك؟ و هل كان بناء الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) بمونه لجميعه أو لبعضه أولا؟ و هل كان بناء قريش كله بالحجر أو بعضه بالخشب الساج و البعض بالحجر؟ و هل يجب إعادة ما صلح من أحجاره و أخشابه؟ و ما لم يصلح منه ما حكمه؟ و هل إذا احتاج البناء إلى حجر جديد أو خشب يكفى فيه أى حجر و أى خشب أو يتعين أن يكون فى الجبال الخمسة التي بنى منها الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) أو مما بنت منه قريش و ابن الزبير رضى اللّه عنهما؟ و هل تنصبا عمدة و ينصب عليها الستور حال البناء ليتمكن من الطواف بها و الصلاة إليها وقت البناء و تكون العملة من داخل الستر أو من خارجه؟ و هل ينبغى قلة الكلام من العملة و مشيهم فى البيت و يجب احترامهم له؟ و من المخاطب ببنائه و إصلاح‏ (2) ما وهى منه؟ هل هو الإمام الأعظم و من أنابه عنه فى ذلك‏

____________

(1) انظر كتاب تحصيل المرام بأخبار البيت الحرام- مخطوط- مكتبة الحرم لوحة رقم 4.

(2) للشيخ ابن حجر الهيثمى رسالة فى هذا الموضوع «المناهل العذبة فى إصلاح ما و هى من الكعبة» بمكتبة مكة المكرمة.

23

أو جميع المسلمين و يسقط بفعل بعضهم فيكون من فروض الكفاية؟ و هل يتعين فى مصروف عمارته مال مخصوص أو مرجعه بيت مال المسلمين؟ و هل يجوز بيع شى‏ء من قناديله و حليه و صرفه فى العمارة أو رهنه لذلك أو لا؟ و هل ما فيه من القناديل يجب إدامة تعليقها به و يحرم تنزيلها و كذا قناديل الحجرة الشريفة أو لا؟ و ما المراد بكنزه؟ و هل يدخل فيه كسوته و قناديله و حليه أو لا؟ و هل يجوز إحداث زخرفة و ترخيم و تغيير فى بعض أجزائه كعتبته و بابه و ميزابه من غير ضرورة تدعو لذلك ما عدا قصد التعظيم أولا؟ و هل كسوته بالحرير من داخله و خارجه جائزة من غير خلاف أو فيه خلاف؟ و هل كان الواجب كسوته فى الأصل أوجبت بعد ذلك؟ و مع القول بوجوبها بعد ذلك هل كانت كسوته قربة فى الأصل أو إنما صارت قربة بعد ورود الشرع أو ليس بواجب مطلقا؟

و هل إذا قلنا بعدم وجوبه مطلقا يكون قربة بعد ورود الشرع أو فى الأصل؟

و هل كسى البيت زمن الخليل و ولده إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) أو لا؟ و من الكاسى له أولا و من أى جهة كان يكسى قبل أن يوقف على كسوته شئ و من الواقف عليها أولا؟ و ما الحكم فى كسوته إذا غيرت من يأخذها؟ و هل يجوز أخذ شئ من طيبه أو شمعه أو زيته للتبرك أو لا؟ و هل يجوز لسدنة البيت أخذ أجرة من أحد على إدخاله البيت الشريف أو أخذ شئ من قناديله أو حليه إذا دعت الحاجة لذلك أو لا؟ و هل تصفيح البيت الشريف بالذهب و الفضة المموه جائز من غير خلاف أو فى ذلك خلاف؟ و هل حكم المسجد الشريف الذى حول الكعبة فى التحلية تعليق و القناديل و نحوه و كذا مسجده (صلى اللّه عليه و سلم) و مسجد بيت المقدس حكم الكعبة فى جميع ذلك؟ و الخلاف متحد أو لا؟ و ما حكم باقى المساجد؟ و كيف هذا مع ما ورد من أن زخرفة المساجد من أشراط الساعة؟ و هل يجوز تعمد هدم ما بناه الحجاج فى البيت و إن لم يظهر به خلل لكونه لم يوضع بحق لمخالفته الحديث الشريف الذى تمسك به ابن الزبير رضى اللّه عنهما، و حدثته به أم المؤمنين خالته عائشة رضى اللّه عنها، و شهد له بسماعه منها الحارث لما وفد على عبد الملك فى خلافته و كان الحارث مصدقا لا يكذب؟

24

و أن عبد الملك ندم على ما فعله حين شهد عنه الحارث بذلك، و كذا لو انهدم الجانب الذى بناه الحجاج من غير صنع صانع كما فى هذه الحادثة فهل يتعين عوده لما كان عليه زمن الحجاج أو لما كان عليه زمن ابن الزبير رضى اللّه عنهما؟

و من المصيب منهما هل هو سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما أو الحجاج؟

فإن سيدنا عبد اللّه ابن الزبير رضى اللّه عنهما تمسك بالحديث الذى روته له عائشة رضى اللّه عنها فالحجر عنده من البيت الشريف؛ و لهذا لا يصح عند الشافعى الطواف فيه؛ لأن الطواف إنما هو بالبيت و الطائف بالحجر طائف فى البيت لا بالبيت، و مع هذا فقياس صحة إدخاله فى البيت، و عدم صحة الطواف فيه أنه لو أدخل فى البيت أن يصح استقباله فى الصلاة على مذهب الشافعى مع أن الشافعى جعل للحجر حكم البيت فى عدم صحة الطواف فيه و لم يجعل له حكم البيت فى صحة استقباله فى الصلاة، و حينئذ فما الفرق؟

و قضية مذهب الشافعى امتناع بناء البيت على ما بناه ابن الزبير من إدخال الحجر لما يلزم فى صحة الاستقبال له كما تقدم مع أنه لا يصح استقباله عنه، ثم إن المنقول فى تاريخ الأزرقى‏ (1) و الفاسى‏ (2) أن الخليل جعل الحجر بكسر الحاء إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، و كان زربا لغنم إسماعيل، و مقتضى ذلك أن الحجر بالكسر لم يكن داخلا فى الكعبة زمن الخليل فكيف هذا مع حديث عائشة رضى اللّه عنها و مع ما ذكره الشامى من أن الخليل أدخل الحجر و هو سبعة أذرع فى البيت و كان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، و أما شبهة الحجاج و من وافقه فهى أن بناء قريش أقرّه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و من بعده من الخلفاء فلا يغير، و إذا قلتم بأن الحجاج غير مصيب و أن الحق مع ابن الزبير رضى اللّه عنهما فى إدخاله القدر المختلف فيه من الحجر فى البيت الشريف، فكيف أقر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فعل قريش الذى اقتدى به الحجاج مع أنه يلزم عليه التغيير فى بيت اللّه من جهة فتح باب فى علو جدار الكعبة و سد باب آخر و

____________

(1) انظر أخبار مكة 1/ 64

(2) انظر شفاء الغرام 1/ 60

25

تغيير معالمها التي كانت عليه زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و هم و إن لم يكونوا مكلفين إذ ذاك بشرع لكن أقرهم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك و كذا الخلفاء رضى الله عنهم مع أنه يلزم عليه أن يكون الاستطراق من ذلك الباب المفتوح من جدار الكعبة حراما، حيث كان الفتح حراما، و كذا الدخول فى أحد فتحتى الحجر، و قد دخل (صلى اللّه عليه و سلم) و الخلفاء من ذلك الباب الذى فى جدار الكعبة و أما دخوله (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر فهل ورد به حديث أولا؟ فإن الإمام‏ (1) السبكى مع سعة اطلاعه قال فى رسالته منع الاستطراق من الباب و المستحق الإغلاق أنه لا يدرى هل دخله النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أو لا؟ و من جهة إخراج جانب من البيت و هو المقدار المختلف فيه الداخل فى الحجر و يلزم من إخراجه إفساد طواف من طاف من داخله، و هل الحجر بسكون الجيم كان الداخل منه زمن الخليل فى البيت هذا المقدار من الأذرع الستة أو نحوها؟ و الباقى كيف كان؟ هل كان فى المسجد أو كان له حكم آخر فى زمن الخليل و إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و هل الجدار المميز للحجر من المسجد أحدثه أو لا هل هو سيدنا عمر رضى اللّه عنه كما أنه أول من عمل جدارا للمسجد الذى حول الكعبة أو قريش فعلت ذلك قبل الإسلام؟ و هل أساس الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) من داخل ذلك الجدار أو الجدار محاذيه؟ و مع هذا فقد نقل غير واحد أن قبر سيدنا إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) بالحجر فى البلاطة الخضراء و ذلك من رأسها إلى ناحية الركن الغربى مما يلى بنى سهم ستة أشبار فعند انتهائها يكون رأس إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) على ما نص عليه عالم الحجاز المحب الطبرى، و ذكر الإمام الشامى من حديث أبى جهم أن إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) توفى بمكة فدفن بالحجر مما يلى الكعبة و هناك قبر أمه هاجر دفن معها و كانت توفيت قبله، ثم ذكر عن ابن الزبير رضى اللّه عنهما أنه لما كشف عن أساس إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) فوجده داخلا فى الحجر ستة أذرع و شيئا، و أصاب قبرا فقال: «هذا قبر أم إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم)» فاقتصر على الإخبار بأنه قبر أم إسماعيل و لم يقل: «قبر إسماعيل» مع أفضليته، و نقل بعضهم أن قبر إسماعيل بالحطيم فما الأصح من ذلك؟ و هل المراد بالحطيم الحجر؟ و هل المراد أنهما مدفونان فى المقدار الذى كان داخلا فى البيت زمن‏

____________

(1) انظر القول فى رسالة ابن حجر الهيثمى «المناهل القوية»، لوحة 6.

26

الخليل (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فإن كان كذلك فكيف يقبر فى الكعبة الشريفة سيدنا إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه مات بعد بنائها و أما أمه هاجر فقد ماتت قبل بناء الكعبة؟ فإن أجيب بأن من خواص الأنبياء (صلوات الله و سلامه عليهم) أنهم يدفنون حيث يموتون و سيدنا إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) كان ساكنا بالحجر كما فى حديث أبى جهمة أن إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) لما سار بهاجر و ولدها إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) إلى مكة انتهى إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فأوى فيه هاجر و إسماعيل و أمرها أن تتخذ عريشا فى موضع الحجر من سمر و ثمام ألقته عليه قال الشامى: «و لا يخالف ذلك» ما فى حديث ابن عباس رضى اللّه عنهما من أن إبراهيم‏ (1) (عليه السلام) جاء بهاجر و بابنها إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) و هى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد خلافا لما زعمه فى شفاء الغرام لاحتمال أن يكون إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) أنزلهما أولا عند الدوحة ثم نقلهما إلى موضع الحجر أو بالعكس و اللّه تعالى أعلم انتهى. فكيف حكم الصلاة فى ذلك المحل مع كراهة الصلاة فى المقابر؟

و كيف طمس قبر سيدنا إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و كذا يقال فى أمر سيدنا عمر رضى اللّه عنه حيث أمر بطمس قبر سيدنا دانيال (صلى اللّه عليه و سلم) حيث ظهر فى زمان خلافته؟ و قد روى الإمام‏ (2) أحمد أن ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة و سبعين نبيا جاءوا حاجين فماتوا فقبروا هنالك، و قد روى الطبرانى فى معجمه عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)(3): «فى مسجد الخيف قبر سبعين نبيا»، و روى أنه ما من نبى خرج بعد عذاب قومه إلا إلى مكة و دفن بها و إن بها ثلاثين ألفا من الأنبياء، و قد (*) نقل غير واحد أنه لم يعلم قبر نبى بيقين إلا قبر نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) فقط و بعضهم يزيد الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) فمن أين علم أن قبر سيدنا إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) بالحجر مع لزوم ذلك الوضع؟ و هل كان البيت الشريف زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) مدورا أو مربعا؟ و هل للمسجد المحيط بالكعبة حد معين زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) بأساس كان أسسه أو لا؟ و هل كانت عند البيت الشريف‏

____________

(1) انظر شفاء الغرام 1/ 264.

(2) انظر شفاء الغرام 1/ 264.

(3) انظر شفاء الغرام 1/ 264.

(*) أخبار مكة 2/ 102.

27

زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) بيوت مبنية أو لا؟ و من بنى عنده دارا أو لا؟ و هل كانت الدور التى بنيت عنده ملاصقة له أو منفصلة عنه مدورة أو مربعة مرفوعة عليه فى البناء أو لا؟ و هل يحرم تعلية بناء عليه أو لا؟ و هل كان المسجد الشريف المحيط بالكعبة زمن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و من بعده من الخلفاء محوطا مسقفا أو لا؟ و من فعل له جدارا أو سقفا بعده (صلى اللّه عليه و سلم)؟ و كيف كان سعة المسجد زمنه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ هل كان على ما أسس عليه الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) أو أنقص؟ و كيف أدخل فيه المهدى العباسى جانبا من المسعى و حوّل المسعى إلى غيره على ما نقله الأزرقى‏ (1) و غيره من كيفية فعله زمنه مع أن السعى بين الصفا و المروة من الأمور التعبدية التى أوجبها اللّه تعالى فى ذلك المكان المخصوص و لا يجوز لنا العدول عنه؟ و كيف يصير ذلك مسجدا يصح الاعتكاف فيه؟ و كيف أقره العلماء على ذلك فى زمن المهدى مع جلالتهم عنده؟ و هل صح أن سيدنا على بن أبى طالب رضى اللّه عنه ولد بداخل الكعبة أو لا؟ و هل ولد بها أحد غيره أو لا؟ و هل يمتنع سكنى هذه البيوت التى بالحرم المجاورة للمسجد الشريف المفتوح لها أبواب فى سور المسجد ليتوصل منها إلى المسجد الشريف و إلى سطحه لحرمة فتح تلك الأبواب فى سور المسجد فيحرم الاستطراق أيضا منها أو يجوز سكناها مع حرمة الاستطراق و إن دعت لذلك حاجة ليلا؟ أو يفرق بين كون الجدار عريضا بحيث يحتاج إلى وضع القدم؟ و هل إحداث هذا البناء فى مصلى الأئمة جائر أو حرام و من أحدثه؟ و هل يجوز أخذ الأجرة على سكنى دور مكة و ما حكمها؟

المبحث الثانى [فى أن محل البيت هل خلق قبل السماء و الارض أو لا؟ و فى ...]

فى أن محل البيت هل خلق قبل السماء و الأرض أو لا؟ و ما السابق فى الخلق بعد ذلك هل هو السماء و الأرض أو شئ آخر؟ و ما الجواب عن الآيات المختلفة الدلالة على ذلك؟ و هل محل البيت فى وسط الأرض و أنها دحيت من تحته أو لا؟ و هل علو مكة من الأرض إلى السماء خمسمائة عام كسائر الأرض إلى السماء أم مكة أعلى؟ و هل تجاه الكعبة باب من السماء أو لا؟ و هل‏

____________

(1) ج/ 1 شفاء الغرام ص 224

28

السماء أفضل من الأرض التى بنى فيها البيت هل هى خمسة أو عشرة أو أحد عشر؟ و هل بناء الملائكة كان قبل بناء آدم أو بعده؟ و هل كان بناؤهم لجميعه أساسا و علوا أو أساسا فقط، و أما العلو فكان خيمة أنزلت و وضعت على أساسه و كانوا يطوفون بها ثم رفعت قبل هبوط آدم؟ و كذا سيدنا آدم هل بنى أساسه فقط إما تجديدا لبناء الملائكة أو إنشاء و لم يبن فى العلو شيئا و إنما أنزل اللّه عليه خيمة وضعت على الأساس بمقداره؟ و هل طولها كان على طول البيت زمن الخليل أو أزيد؟ و هل كان بها قناديل أو لا؟ و هل هذه الخيمة هى البيت المعمور أو غيره؟ أو الواقع أن آدم (صلى اللّه عليه و سلم) جمع له بين البناء للأساس أو عليه و نزول الخيمة أو البيت المعمور و وضع ذلك قريبا من بنائه ليدوم أنسه بذلك، و كان يطوف بهما إلى أن رفع البيت المعمور أو الخيمة؟ و متى رفع ذلك هل بعد موته أو عند الطوفان؟ فإن الروايات مختلفة ففى بعضها أنها بقيت إلى زمن الطوفان و فى بعضها أنها رفعت بعد موتة، فعلى رواية أنها استمرت إلى زمن الطوفان كيف يتأتى القول بأن ولده سيدنا شيث (صلى اللّه عليه و سلم)

29

و هل جميع الأنبياء حجوا إليها أو تخلف البعض؟ و هل ثبت أن سيدنا موسى (صلى اللّه عليه و سلم) حج على ثور أو لا؟.

المبحث الثالث فى فضل الحجر الأسود

و المقام و ما ورد فى شأنهما و ما جرى عليهما من الحوادث السابقة و ما يؤول إليه أمرهما فى الآخر، و هل تسميته بالأسود وردت فى حديث؟ و هل ثبت له هذا الاسم زمن الخليل أو بعد أن اسوّد، و هل المقام فى محله الآن الذى كان فيه زمن الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) و قريش و النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أو لا؟ فإن الإمام الشافعى ذكر فى سيرته أنه كان لاصقا بالبيت عن يمين الداخل فهل هو صحيح أو لا؟ و لشرع فى المقصود متوكلا على الحق المعبود فنقول: أما الجواب عن السؤال الأول من المبحث الأول و هو هل حفظ محل البيت الشريف من دخول الطوفان إلخ؟

فهو أنه قد ذكر ابن هشام‏ (1) فى سيرته أن الماء لم يعل البيت المعظم زمن الطوفان و لكنه قام حوله و بقى هو فى هواء السماء، و أن نوحا قال لأهل السفينة و هى تطوف بالبيت: إنكم فى حرم اللّه و حول بيته فأحرموا للّه و لا يمسك أحدا امرأة، و جعل بينهم و بين النساء حاجزا فتعدى حام فدعى نوح عليه أن يسود لون بنيه، و ذكر يحيى بن سلام عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: أول من عاذ بالكعبة حوت صغير من حوت كبير فعاذ منه بالكعبة و ذلك فى أيام الطوفان و ذكر صاحب الكشاف‏ (2) فى صورة إبراهيم عند قوله تعالى:

«عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏» ما نصه: «أو لأنه حرم على الطوفان» أى: منع منه، كما يسمى عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه انتهى. فقول الكشاف: «فلم يستول عليه» محتمل لما قاله ابن هشام من أن المراد بالبيت البناء لا الخيمة، و أنه بقى هو فى هواء السماء من غير أن يرفع البناء إلى السماء، و أنه قام الطوفان حوله فيكون مراده أنه لم يستول على محله مع بقائه فى الهواء، ثم المراد ببقائه فى هواء السماء أنه لم يزل مستقرا فى محله من غير أن يمسه الماء فيكون فى فضاء لجهة السماء لا فى ماء الطوفان، لكن يبعد ما قاله ابن هشام من بقاء بناء البيت زمن الطوفان على الوجه المذكور، و كان موضعه أكمة حمراء لا يعلو السيول‏

____________

(1) السيرة 1/ 107

(2) التفسير- للزمخشرى 1/ 120

30

غير أن الناس كانوا يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك من غير يقين محله، و كانوا يحجون إلى موضعه حتى بوأه اللّه لإبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)، و لهذا ذهب بعضهم إلى أن المرفوع هو البناء إلى السماء و أنه البيت المعمور كما يأتى و هذا كله ظاهر على القول فإن سيدنا آدم (صلى اللّه عليه و سلم)، بنى البيت، و أما على القول بأنه لم يبنه و إنما أنزل عليه خيمة ثم رفعت زمن الطوفان إلى السماء فلا ضرورة لحمل عبارة الكشاف‏ (1) فى سورة إبراهيم على ما قاله ابن هشام حينئذ، بل تحمل على أنه الخيمة و أن موضعه منع منه الطوفان فاعتقد منه بأن رفعت الخيمة إلى السماء و لم يستول الطوفان على محلها أيضا. و الذى يدل على مراد الكشاف فى سورة إبراهيم هذا المعنى اقتصاره فى سورة البقرة عليه حيث قال فى تفسير قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ‏ الآية روى أن اللّه تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمردة شرقى و غربى و قال لآدم (عليه السلام):

أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشى، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشيا و تلقته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام، و حج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه اللّه أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور انتهى.

و هذا أحد الأقوال فى البيت المعمور، و قيل: إن البيت المعمور هو البيت الذى بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض- كما سيأتى فى الكلام على البيت المعمور- ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان، و تسميه الملائكة الضراح؛ لأنه ضرح عن الأرض إلى السماء بمعنى أبعد، و قد نسب هذا القول للزمخشرى الشيخ ابن حجر فى رسالته، و لعل الزمخشرى قاله فى غير الكشاف، فأنا لم نطلع على أنه قال ذلك فى الكشاف، و إذا صح ذلك فالمرفوع نفس البناء أيضا.

و فى تاريخ النويرى‏ (2) فى قصة نوح (صلى اللّه عليه و سلم) أن الطوفان لما عم الأرض أمر اللّه الملائكة أن يحتملوا البيت إلى السماء الدنيا و كان الحجر الأسود يومئذ أشد بياضا من الثلج، فيقال إنه اسود من خوف الطوفان انتهى. فاستفيد منه وقت‏

____________

(1) 2/ 150.

(2) ج/ 1 شفاء الغرام 1/ 169.

31

مبتدأ اسوداد الحجر و إن العلة خوف الطوفان، لكن فى كون العلة ذلك لا يناسب ما فى الحديث من قوله إنما سوده خطايا بنى آدم، ثم رأيت بعض المصنفين من العلماء من أرباب الولاية ذكر أن القاضى اعترض هذا القول بأن موضع التشريف هو تلك الجهة المعنية و الجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ألا ترى أن الكعبة- و العياذ باللّه- لو انهدمت و نقلت أحجارها و أخشابها و ترابها إلى موضع آخر لم يكن لها شرف البتة و يكون شرف تلك الجهة باقيا بعد الانهدام و يجب على كل مسلم أن يصلى إلى تلك الجهة بعينها، و إذا كان كذلك فلا فائدة فى نقل تلك الجدران إلى السماء، و لقائل أن يقول: لما صارت تلك الأحجار و نحوها منسوبة لتلك الجهة اكتسبت منها مزيد الشرف فلهذا نقلت بأمر اللّه تعالى إلى السماء زمن الطوفان، و حينئذ فنقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على نهاية تعظيم تلك الجهة بحيث ينقل إلى السماء ما كان مستقرا بها ألا ترى أن بناءها يزف يوم القيامة إلى الجنة و يكون بها هذا كله محصل كلام هذا المصنف، و لم أدر مراده بالقاضى الذى نسب له هذا الاعتراض و أجاب عنه، هل هو القاضى البيضاوى فى تفسيره أو فى بعض كتبه، أو القاضى عياض؟ و مع هذا فلم نقف على ذلك فى كلام القاضى البيضاوى‏ (1) فى تفسير سورة آل عمران عند الكلام على قوله تعالى: «إن أول بيت وضع للناس» الآية بعد حكاية بعض الأقوال، و قيل: كان فى موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح تطوف به الملائكة فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه و يطوف حوله، و رفع فى الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات، و هو لا يلائم ظاهر الآية، انتهى كلام القاضى البيضاوى. فقوله:

«و قيل كان فى موضعه قبل آدم بيت» قال المحسن شيخ الإسلام زكريا الأنصارى- نفعنا اللّه ببركاته- بنته الملائكة، و قوله: «و هو لا يلائم ظاهر الآية»، قال شيخ الإسلام المذكور: أى القول بأنه قبله بموضعه بيت فرفع إلى السماء لا يلائم ظاهر الآية. كما لا يخفى مع أن موضع التشريف هو تلك الجهة المعينة و الجهة لا يمكن رفعها انتهى.

فأنت تراه إنما اعترض القول بأنه كان بموضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح، و أنه استمر حتى حجه آدم و دام إلى أن رفع زمان الطوفان، و كلام القاضى‏

____________

(1) انظر تفسيره 1/ 320.

32

مجمل فعين شيخ الإسلام أن ذلك البيت بنته الملائكة، و أنه هو المرفوع زمن الطوفان، و ذكر أن وجه عدم ملائمة هذا القول لظاهر الآية ظاهر، و زاد أن موضع التشريف هو تلك الجهة المعينة و الجهة لا يمكن رفعها، و هذا من تصرفات شيخ الإسلام، و حمل لعبارة القاضى بما لا يتعين أنه مراده لجواز أن يكون كلامه محمولا على الخيمة التي كانت قبل آدم يطوف بها الملائكة، و أن وجه عدم ملائمة ذلك لظاهر الآية إما لما قاله القصام فى حواشى القاضى من أنه لم يكن حينئذ وضع للناس بل للملائكة، و إنما قال: «ظاهر الآية» لأنه يمكن تصحيحه بأنه أيضا للناس إلا أنه تتبرك به الملائكة قبل آدم و لم يكن وضعه لهم انتهى. أو لما قاله الكازرونى من أنه يدل حينئذ على أن الذى ببكة هو أول بيت وضع للناس هو الضراح الذى رفع فى زمن الطوفان انتهى. فتأمل.

ثم رأيت فى كلام بعض المحققين من شراح الحديث أنه روى أن اللّه أوحى إلى آدم (عليه السلام): «إنى أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشى» فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشيا و تلقته الملائكة فقالوا: «برّ حجك يا آدم، فقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام» يعنى فى السماء انتهى. فهذا تأويل يمنع من حج الملائكة لما أهبط إلى آدم فى الأرض قبل وجود آدم و أنهم حجوه قبله فى السماء، و هذا يقتضى عدم هبوط بيت لهم فى الأرض قبل آدم و عدم بنائهم له قبله أيضا فيكون أول هبوط ذلك البيت زمن آدم لا قبله فيلائم ظاهر الآية عن قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏» ثم اعلم أنه لا يشكل على ما تقدم من أن الطوفان لم يستول على البيت الشريف و لا على محله ما ذكره العلماء من أن طينة نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) من سرة الأرض بمكة يعنى الكعبة، و أنه لما خاطب اللّه السموات و الأرض بقوله: «ائتيا طوعا أو كرها» أجاب من الأرض موضع الكعبة و من السماء ما يحاذيها، و أن المجيب من الأرض ذرته (صلى اللّه عليه و سلم)، و من الكعبة دحيت الأرض و لم يكن مدفنه (صلى اللّه عليه و سلم) بها؛ لأنه لما تموج ماء الطوفان رمى الزبد إلى النواحى فوقعت جوهرته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ما يحاذى تربته بالمدينة و استقرت بها، فإن ظاهر هذا الكلام أن الطوفان دخل الكعبة و أخذ منها ذرته (صلى اللّه عليه و سلم) و ألقاها بمحل قبره الشريف؛ لأنا نمنع ذلك لجواز أن ذرته الشريفة حملتها

33

الرياح و ألقتها فى ماء الطوفان الذى حول البيت ثم تموج الماء بها إلى أن جاء إلى محل القبر الشريف، و حينئذ فلعل الفرق بين الطوفان و السيول أن الطوفان كان عذابا بخلاف السيول التى تقع جهة البيت الشريف لما سيأتى من أنها علامة على الخصب للجانب الذى تحصل فيه حتى لوعم جوانبه كان الخصب عاما لتلك الجهات كلها، و لكن تبقى الحكمة فى عدم استيلاء السيول على محله فيما بين زمن نوح و إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) مع استيلائها على بنائه فى هذا الزمن و هل الحكمة فى ذلك الوفاء بما أخبر به (صلى اللّه عليه و سلم) من انهدامه بعده مرتين و رفعه فى الثالثة؟ و لم يكن ليهدمه المسلمون فسلط اللّه عليه السيل ليهدمه تصديقا لهذا الخبر الصادق و اتعاظا لهذه الأمة و تنسيبها لها ليزدادوا من الاستمتاع به؛ لأنه على جناح مسافر لقرب الساعة و وقوع بعض أشراطها، ثم فى دعاء سيدنا نوح (صلى اللّه عليه و سلم) على ولده حام الذى تعدى فى الحرم بسواد لون بنيه تنبيه على أن معصية الآباء و لو كانوا ممن لا يعقل، يضر الأبناء و طاعتهم تنفع الذرية، و نظير ذلك ما ذكره الزركشى فى حمام الحرم أنه احترم لبيض أصله على نسج العنكبوت؛ فلذلك احترم حمام الحرم و هو من جنس قوله تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (1) قيل: جدهما السابع فحفظ الأعقاب رعاية للأسلاف و إن طالت الأحقاب، و ضد هذا ما أمر به النبى (صلى اللّه عليه و سلم) من قتل الوزغ لما قيل: إنها كانت تنفخ النار على إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم).

و أما الجواب ما ذكره الزركشى و ابن عطية (2) من عدم دخول سيل الحل فى الحرم فقد ذكره العلامة المؤرخ الفاسى‏ (3) عن الأزرقى ما يخالف كلام الزركشى فإنه قال: ذكر الأزرقى‏ (4) (- 4) للحرم علامة؛ لأنه قال: «و كل واد فى الحرم فهو يسيل فى الحل و لا يسيل واد من الحل فى الحرم إلا فى موضع واحد عند التنعيم عند بيوت نفاد». انتهى.

____________

(1) سورة الكهف آية (82).

(2) تفسير ابن عطية 3/ 140

(3) شفاء الغرام 2/ 50

(4) أخبار مكة 2/ 70

(- 4) شفاء الغرام ج/ 1 ص 54

34

و ذكر الفاكهى ما يقتضى أن سيل الحل يدخل إلى الحرم من عدة مواضع؛ لأنه قال: «ذكر ما يسكب من أودية الحل إلى الحرم» و بين هذه المواضع و ذكرنا ذلك فى أصل هذا الكتاب، انتهى كلام الفاسى. ثم اعترض ما ذكره جده من الأبيات التى فى تحديد الحرم و من جملتها.

و من يمن سبع بتقديم سينها* * * كذلك سيل الحل لم يعد بنيانه‏

قال: و هذه الفائدة ذكرها غير واحد من العلماء إلا أنها معترضة بما ذكره الأزرقى من أن سيل الحل يدخل الحرم من جهة التنعيم فقط، و قد سبق كلام الأزرقى فى هذا المعنى و يعارضها أيضا ما سبق عن الفاكهى و اللّه أعلم انتهى كلامه و قال الفاضل السمين فى تفسير قوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ‏» أن من جملة الآيات حمايته من السيول، و لعل المراد بالسيول سيول الحل لا مطلقا فإن السيول دخلته فتأمل اسمى هذا.

و فى تعليل ابن عطية (1) منع دخول سيل الحل فى الحرم بأنه ربوة و فى حكمها ليكون أصون له نظر؛ إذ مقتضاه أن أرض الحرم أرفع من أرض الحل؛ فلهذا لا يدخلها الماء، و قد روى عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت:

«لو لا الهجرة لسكنت مكة، إنى لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة، و لم يطمئن قلبى ببلد قط ما اطمأن بمكة، و لم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة» أخرجه‏ (2) الأزرقى. و هذا لا يدل صريحا على أن أرض الحرم أعلى من أرض الحل و إنما يدل على أن مكة بتمامها أقرب إلى السماء من باقى الأرض، و مع هذا فرواية عائشة- رضى اللّه عنها- يعارضها ما ذكره كعب الأحبار- رضى اللّه عنه- فى قوله تعالى: «وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏» أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة و هى أوسط الأرض و هى أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا انتهى.

ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال: إن فى كلام كعب هذا نظر، أو لم يبينه و لعل وجهه رواية عائشة- رضى اللّه عنها- المتقدمة الدالة على أن مكة أرفع إلى جهة السماء من غيرها، ثم رأيت فى كتاب إعلام الساجد (3) بأحكام المساجد

____________

(1) شفاء الغرام 1/ 54

(2) أخبار مكة 2/ 102

(3) انظر ص- 85

35

نقلا عن القشيرى أنه قال فى تفسير قوله: وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ (1) قال:

ينادى المنادى و هو صاحب الصور من الصخرة من أعلا بيت المقدس و هى أقرب إلى الأرض باثنى عشر ميلا انتهى.

فقوله: «أقرب إلى الأرض» عكس قول كعب: «أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا» فليتأمل و ذكر القاضى البيضاوى فى تفسير قوله تعالى:

وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (2) من سورة المؤمنين أى أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة، أو دمشق، أو رملة فلسطين، أو معرفان قراها على الربا انتهى. لكن ما ذكره القاضى من أن الربوة دمشق اعترضه ابن العماد حيث قال: الصحيح أن الربوة التى أدى إليها المسيح و أمه مدينة البهنساوية فى موضع يعرف الآن بمسجد الديوان أوى به هو و أمه سبع سنين، قال: و أما الربوة التي بدمشق فموضع مبارك تره مليح النظر فى لحف جبل و ليست الربوة التى ذكر اللّه عز و جل فى كتابه؛ لأن عيسى (عليه السلام) ما دخل دمشق و لا وطئ أرض الشام، بل الربوة هى مصر. و قيل: هى الرملة انتهى المقصود منه. و اعلم أن نظير ما ذكر من عدم استيلاء السيول على محله فيما تقدم مع استيلائه عليه فى مثل هذا الزمن فإنه استعلى على بنيانه فى هذا الزمن، و خالف العادة ما ذكره الحافظ و جزم به أبو عتبة البكرى من أن الفرقة من الطير و غيره تقبل حتى إذا كادت تبلغ الكعبة انفرقت فرقتين فلم يعل ظهرها شئ منها، و ذكر مكى و غيره أن الطير لا يعلوه و إن علاه طائر فإنما ذلك لمرض يستشفى بالبيت، قال ابن عطية: و هذا عندى ضعيف و الطير يعاين يعلوه و قد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جدره و تلك كانت من آياته انتهى قال‏ (3) الزركشى: و ليس فى هذا ما ينافى كلام مكى انتهى.

و وجه عدم المنافاة ظاهر و ذلك لأن ما عوين من ذلك جاز أن يكون للاستشفاء و أما العقاب فعلوه إنما هو لأخذ الحية المذكورة، و قال بعض‏

____________

(1) سورة (ق) آية (41).

(2) سورة المؤمنون آية (50).

(3) أعلام المساجد ص 86.

36

المتأخرين: المعروف عند أهل مكة المشرفة قبل وقتنا هذا ما قاله مكى و ابن‏ (1) جماعة و غيرهما، و أما فى وقتنا هذا فما قاله ابن عطية فإن الطيور الآن تعلوه كثيرا و يتكرر ذلك فى الساعة الواحدة، و هذا مشاهد لا ينكر قال: و لعل حدوثه كذلك بسبب ما وقع من نقض السقف و التغييرات الواقعة على بعض المتأخرين يحتمل أنه كان فى السقف المنقوض و فيما غير شئ من الأرصاد يمنع ذلك فزال عند النقض و التغيير، قلت هذا غير مناسب إذ من المعلوم أن السقف حادث بعد الخليل (صلى اللّه عليه و سلم) و الظاهر أن هذا الاحترام ثابت له قديما و لو كان ذلك بسبب رصد لم يكن له مزية ذاتية، إذ هذا القدر موجود فى غيره بل نقله الزركشى أن بالجامع الأزهر طلسما لا يسكنه عصفور و لا يفرخ فيه، و قد ذكر التورنسى فى شرح المصابيح أنه قال: و لقد شاهدت من كرامة البيت أيام مجاورتى بمكة أن الطير كان لا يمر فوقه و كنت كثيرا أتدبر تحليق الطيور فى ذلك الجو فأجدها مجتنبة عن محاذاة البيت، و ربما انقضت من الجو حتى تدانت فطافت به مرارا ثم ارتفعت: ثم قال أيضا: و من آيات اللّه البينة فى كرامة البيت أن حمامات الحرم إذا نهضت للطيران طافت حوله مرارا من غير أن تعلوه، فإذا وقفت عن الطيران وقعت على شرفات المسجد أو على بعض الأسطحة التى حول المسجد و لا تقع على ظهر البيت مع خلوها عما ينفرها، و قد كنا نرى الحمامة إذا مرضت و تساقط ريشها و تناثر ترتفع من الأرض حتى إذا دنت من ظهر البيت ألقت بنفسها على الميزاب أو على طرف ركن من الأركان فتبقى زمانا طويلا كهيئة المتخشع ثم تنصرف بعد حين من غير أن تعلو شيئا من سقف البيت انتهى.

لكن روى أن طيرا من أقبلا فى الجاهلية كأنهما نعامتان يسيران كل يوم ميلا أو بريدا حتى أتيا مكة فوقعا على الكعبة، و كانت قريش تطعمهما و تسقيهما فإذا خف الطواف من الناس نزلا فدفيا حول الكعبة، حتي إذا اجتمع الناس طارا فوقعا على الكعبة فمكثا كذلك شهرا أو نحوه ثم ذهبا، و معنى دفيا: سارا، و منه يدفون إليك دفوف النشور، قال فى الصحاح: الدفيف الدبيب و هو السير اللين.

و أما الجواب عن أنه هل تقدم حصول سيل يقرب من هذا أو لا؟ فنقول:

____________

(1) انظر كتابه المناسك 2/ 103

37

ذكر السهيلى‏ (1) أنه قد قيل أن البيت الشريف بنى فى أيام جرهم مرة أو مرتين لأن السيل قد صدع .... و لم يكن ذلك بنيانا و إنما كان إصلاحا لما .....

و جدارا بنى بينه و بين السيل.

قلت: فى حديث أبى جهم بن حذيفة رضى اللّه عنه أن البيت فى زمن جرهم دخله السيل من أعلا مكة فانهدم فأعادته جرهم على بناء إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) و جعلت له مصراعين و قفلا انتهى.

و ذكره السيد السمهودى أنه فى شهر ذى القعدة الحرام سنة سبع و ثمانين و ثمانمائة قبل دخول الحاج مكة أرسل اللّه سيلا عظيما بمكة ملأ ما بين الجبلين، و علا جدار أبواب المعلاه، و ارتفع فى جوف الكعبة أزيد من قامة و هدم دورا كثيرا و ذهب فيه من الأموال و الأنفس مالا يحصيه إلا اللّه تعالى و وجد تحت الردم بالمسجد الحرام فقط عند تنظيفه نحو ثمانين نفسا و مائة، و لم أقف فى سيول الجاهلية و الإسلام على مثله، و لم يتأت إخراج ذلك الردم بعد جمعه بالمسجد الحرام كالأرام حتى قدم الحجاج و شاهدوا هذه الآية. و قد عقد الإمام الفاسى‏ (2) بابا فى ذكر شئ من أمطار مكة و سيولها الواقعة فى الجاهلية و الإسلام و شئ من خبر الصواعق بمكة، قال (رحمه اللّه): روينا عن الأزرقى قال سيول وادى مكة فى الجاهلية حدثنى محمد بن يحيى حدثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز أن وادى مكة سال فى الجاهلية سيلا عظيما و خزاعة تلى الكعبة و أن ذلك السيل هجم على أهل مكة و دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و رمى بالشجر بأسفل مكة، و جاء برجل و امرأة ميتين فغرقت المرأة و كانت تكون بأعلى مكة يقال لها فارة و لم يعرف الرجل فبنت خزاعة حول البيت بناء أدارته عليه و أدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة فسمى ذلك السيل سيل فارة و سمعت أنها امرأة من بنى بكر.

____________

(1) فى الروض الأنف 1/ 105

(2) انظر شفاء الغرام 2/ 45

38

و روى الأزرقى‏ (1) بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: جاء سيل فى الجاهلية كسى ما بين الجبلين، ثم ذكر الأزرقى سيول مكة فى الإسلام فمنها على ما ذكر السيل المعروف بسيل أم نهشل بنت عبيد بن سعيد بن العاص بن أمية لذهابه بها، و دخل هذا السيل المسجد الحرام من الوادى و من أعلى مكة من طريق الردم، و ذهب بمقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام حتى وجد بأسفل مكة فأتى به و ربط عن الكعبة بأستارها، و أخبر عمر بن الخطاب بذلك فأقبل فزعا حتى وصل إلى مكة ورد المقام إلى موضعه و عمل الردم الذى بأعلى مكة صونا للمسجد بناه بالظفاير و الصخر العظام و ردمته بالتراب و هو معروف عند الناس إلى اليوم، و لما ردم هذا المكان صار السيل إذا وصل من أعلى مكة لا يعلو هذا المكان بل كان ينحرف عنه إلى جهة الشمال المستقبل للبيت الشريف للبناء الذى بناه عمر رضى اللّه عنه فلا يصل هذا السيل إلى وادى إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)، و يكاد يمنع جريان هذا السيل إلى أسفل مكة سيل آخر يعترضه يسمى سيل لفيم يجتمع من الجهات التى فى جنوب مكة و ينصب من محلة حياة و يمر عريضا إلى أن يصدم الركن اليمانى من المسجد و ينحرف إلى أسفل مكة، و قوة جريانه تمنع من جريان سيل وادى إبراهيم فيقف و يتراكم و يدخل المسجد الحرام، و تقع مثل هذه السيول عليه من كل عشرة أعوام تقريبا مرة، فيدخل المسجد الحرام و يحتاج إلى تبديل و تنظيف الحصى و نحو ذلك، و قد عمل المتقدمون و المتأخرون لذلك، طرقا و اهتموا غاية الاهتمام، فاندرست أعمالهم بطول الزمان، و لم يتفطن الملوك بعدهم لذلك، و استمرت السيول العظيمة بعد كل مدة تدخل إلى المسجد.

و نقل الأزرقى‏ (2) عن جده أنه جاء بعد ذلك أسيال عظائم فلم يعمل، منها سيل هذا الردم، و منها السيل المعروف بسيل الجحاف فى سنة ثمانين من الهجرة بينما الحجاج نازلون بوادى مكة و قد ضربوا الأبنية أتاهم فى غبش يوم التروية قبل صلاة الصبح سيل ذهب بهم و بمتاعهم، و دخل المسجد الحرام، و أحاط بالكعبة، و هدم الدور الشارعة على الوادى، و قتل الهدم أناسا كثيرا و رقى‏

____________

(1) أخبار مكة 1/ 115.

(2) أخبار مكة 1/ 115.

39

الناس الجبال، و اعتصموا بها، فسمى بذلك الجحاف و لما بلغ الخبر عبد الملك بن مروان فزع لذلك و بعث بمال عظيم لعمل ظفاير الدور الشارعة على الوادى و لعمل ردم على أفواه السكك ليحصن بها دور الناس فعمل ذلك، و منها سيل يقال له: سيل المخبل؛ لأنه أصاب الناس بعده شبه الخبل لمرض شديد فى أجسامهم و ألسنتهم، و كان سيلا عظيما دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و ذلك فى سنة أربع و ثمانين و مائة، و منها فى هذه السنة سيل عظيم دخل المسجد الحرام و ذهب بالناس و أمتعتهم و غرق الوادى فى أثره، و منها سيل فى خلافة المأمون سنة اثنين و مائتين و دخل هذا السيل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة، و كان دون الحجر الأسود بذراع، و خيف منه على المقام فرفع، و هدم للناس دورا و ذهب بكثير من الناس، و أصاب الناس بعده مرض شديد من وباء و موت فاشى، و سمى هذا السيل سيل ابن حنظلة؛ لأنه جاء فى ولايته على مكة لحمدون بن على بن عيسى بن ماهان، و منها سيل فى خلافة المأمون أيضا فى شوال سنة ثمان و مائتين دخل المسجد الحرام و بلغ الحجر الأسود، و رفع المقام من موضعه خوفا عليه من ذهابه به، و كبس المسجد و الوادى بالطين و البطحاء، و قلع صناديق الأسواق و مقاعدهم و ألقاها بأسفل مكة و هدم دورا كثيرة مشرفة على الوادى و ذهب بناس كثير.

هذا ما ذكره‏ (1) الأزرقى فى سيول مكة فى الجاهلية و الإسلام و هى فى كتابه أبسط من هذا.

و ذكر (2) الفاكهى السيول التى ذكرها الأزرقى أقصر مما ذكره و ذكر فى ذلك ما لم يذكره الأزرقى، لأنه ذكر أن السيل الذى يقال له المخبل كان فى ولاية حماد البربرى على مكة و هذا لا يفهم من كلام الأزرقى، و ذكر أن السيل الذى يقال له: سيل ابن حنظلة، كان عظيما ملأ الوادى و علاه قيد رمح و هذا أيضا لا يفهم من كلام الأزرقى.

و نقل الفاكهى هذا عن أبيه إسحق بن العباس.

____________

(1) أخبار مكة 1/ 115

(2) أخبار مكة 1/ 95

40

و من أمطار مكة و سيولها فى الإسلام مما لم يذكره الأزرقى مع إمكانه لذكره لوقوع ذلك قبل موته بكثير سيل كان فى سنة ثمان و ثمانين من الهجرة و فى تاريخ ابن جرير (1) الطبرى شئ من خبر هذا السيل؛ لأنه ذكر أن الإمام العادل عمر بن عبد العزيز قدم مكة للحج فى هذه السنة و معه نفر من قريش، فلما قربوا من مكة لقيهم بعض أهلها و أخبروهم بقلة الماء بها و أنه يخشى على الحجاج العطش، فدعا عمر و من معه و ألحوا فى الدعاء، قال صالح ابن كيسان فما وصلت إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر، حتى كان مع الليل و سكنت السماء جاء سيل الوادى، فجاء أمر خافه أهل مكة، و مطرت عرفة و منى و جمع، فما كانت إلا عين، قال: و كانت مكة تلك السنة مخصبة، و منها سيل أبى شاكر فى ولاية هشام بن عبد الملك فى سنة عشرين و مائة و لم يبين الفاكهى‏ (2) تسمية هذا السيل بأبى شاكر؛ و ذلك لأن أبا شاكر حج بالناس سنة تسع عشرة و مائة على ما ذكر العتيقى و غيره، و جاء هذا السيل عقيب حج أبى شاكر فسمى به و اللّه أعلم.

و منها سيل الكبرى فى خلافة المهدى العباسى سنة ستين و مائة و كان هذا السيل ليومين بقيا من المحرم ذكر هذين السيلين الفاكهى بمعنى ما ذكرناه.

و من أمطار مكة و سيولها فى عصر الأزرقى‏ (3) أو بعده بقليل سيل كان فى سنة ثلاث و خمسين و مائتين دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و بلغ قريبا من الركن الأسود و رمى بالدور بأسفل مكة، و ذهب بأمتعة الناس و قرب منازلهم، و ملأ المسجد عشا و ترابا حتى جرما فى المسجد من التراب بالعجل، و منها فى سنة اثنين و ستين و مائتين سيل عظيم ذهب بحصباء المسجد الحرام حتى عرى منها.

و منها سيل فى سنة ثلاث و ستين و مائتين و ذلك أن مكة مطرت مطرا شديدا حتى سال الوادى و دخل السيل من أبواب المسجد، فامتلأ المسجد و بلغ قريبا من‏

____________

(1) 1/ 120

(2) أخبار مكة 1/ 95

(3) أخبار مكة 1/ 105

41

الحجر الأسود و رفع المقام من موضعه و أدخل الكعبة للخوف عليه من السيل.

ذكر هذه السيول الفاكهى بهذا اللفظ غير قليل بالمعنى و من أمطار مكة و سيولها بعد الأزرقى ما ذكره إسحق بن أحمد الخزاعى راوى تاريخ الأزرقى و أدخله فيه عقيب الخبر الذى فيه أنه يأتى على زمزم زمان تكون أعذب من النيل و الفرات لأنه قال و قد رأينا ذلك سنة إحدى و ثمانين و مائتين و ذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة سال واديها بأسيال عظام سنة تسع و سبعين و سنة ثمانين و مائتين فكثر ماء زمزم و ارتفع حتى كان. سفح قارب رأسها فلم يكن بينه و بين شفتها العليا إلا سبعة أذرع أو نحوها و ما رأيتها قط كذلك و لا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك، و عذبت جدا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التى يشربها أهلها انتهى.

و منها ما ذكره المسعودى‏ (1) فى تاريخه فى أخبار سنة سبع و تسعين و مائتين لأنه قال ورد الخبر إلى مدينة السلام بأن أركان البيت الحرام الأربع غرقت حين جرى الغرق فى الطواف، و فاضت بئر زمزم و إن ذلك لم يعهد فيما سلف من الزمان انتهى.

و منها مطر فى جمادى الأولى سنة ثمان و عشرين و خمسمائة أقام سبعة أيام فسقطت الدور و تضرر الناس به كثيرا.

و منها مطر سنة تسع و أربعين و خمسمائة سال فيه وادى إبراهيم و نزل برد بقدر البيض وزن مائة درهم.

و منها مطر فى سنة تسع و ستين و خمسمائة جاء سيل كبير و دخل السيل من باب بنى شيبة و دخل دار الإمارة عنده، و لم ير مثله فى دخوله من هذه الجهة، و منها فى سنة سبعين و خمسمائة أمطار كثيرة و سيول سال فيها وادى إبراهيم خمس مرات.

و منها فى ثامن صفر سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة سيل دخل الكعبة و أخذ أحد فرجتى باب إبراهيم، و حمل المكة و درجة الكعبة، ثم رأيت بخط بعضهم‏

____________

(1) مروج الذهب 1/ 120

42

تقتضى أن السيل دخل الكعبة فبلغ قريبا من الذراع و فرجتى باب إبراهيم و سال بهما، و هذا لا يفهم مما ذكرناه أولا.

و منها فى منتصف ذى القعدة سنة عشرين و ستمائة سيل عظيم قارب دخول الكعبة و لم يدخلها، و منها سيل فى سنة إحدى و خمسين و ستمائة، و منها فى ليلة نصف شعبان سنة تسع و ستين و ستمائة سيل لم يسمع بمثله فى هذه الأعصار على ما ذكر الميورقى، و ذكر أنه بسببه من الهدم و الغرق مات منهم عالم عظيم، بعضهم حملهم السيل و بعضهم طاحت الدور عليهم، انتهى بالمعنى من خط الميورقى.

و منها فى ليلة الأربعاء سادس عشر من ذى الحجة سنة ثلاثين و سبعمائة وقع سيل عظيم بلا مطر امتلأت منه البرك التى فى المعلاة، و عند المولد النبوى و خرب البساتين، و ملأ الحرم بالأوساخ، و منها فى آخر ذى الحجة سنة اثنين و ثلاثين و سبعمائة أمطار و صواعق بمكة منها صاعقة على أبى قبيس فقتلت رجلا و الأخرى بالجعرانة فقتلت رجلين، و منها فى سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة مطر عظيم و سيل هائل دخل الكعبة و فعل أمورا عجيبة و قد ذكره غير واحد، و أبلغ بعضهم فى وصفه و أفاد من حاله ما لم يفده غيره لأنى وجدت بخطه ما صورته لما كان عام ثمانية و ثلاثين و سبعمائة أحسن اللّه تقضيه و عقباه ليل الخميس عاشر جمادى الأولى منه الموافق خامس كانون الأول، قدر اللّه تعالى حصول غيم و رعود مزعجة و بروق مخيفة و مطر وابل كأفواه القرب المطلقة عن مل‏ء من علو، ثم دفعت السيول من كل جهة، و كان ذلك بمكة شرفها اللّه تعالى و حماها و كان معظم السيل من جهة البطحاء فدخل الحرم الشريف من جميع الأبواب التي تليه من باب بنى شيبة إلى باب إبراهيم، و حفر فى الأبواب و حول الأعمدة التى فى طريقه جورا مقدار قامتين و أكثر، و لو لم تكن أساسات الأعمدة محكمة لكان رماها و قلع من أبواب الحرم أماكن و طاف بها الماء و طاف بالمنابر كل واحد إلى جهة، و بلغ عند الكعبة المعظمة قامة و بسطة، و دخلها من خلل الباب و علا الماء فوق عتبتها أكثر من نصف ذراع بل شبرين، و وصل إلى قناديل المطاف، و عبر فى بعضها من فوقها فأطفأها، و غرق بعض المجاورات النساء

43

اللاتى فى المساطب، و خرب بيوتا كثيرة و غرق بعض أهلها و بعضهم مات تحت الردم، و كان أمرا مهولا قدره قادر يقول للشى‏ء كن فيكون، و لو دام ذلك النوء إلى الصباح لكان غرقت مكة و العياذ باللّه تعالى انتهى.

و لم يجئ بمكة فيما علمت سيل على صفته إلا سيل كان فى سنة اثنين و ثمانمائة و ذلك أن فى ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، وقع بمكة مطر كأفواه القرب و ما شعر الناس إلا بسيل وادى إبراهيم قد هجم مكة، فلما حاذى جياد خالطه مسيله فصار ذلك ... و دخل المسجد الحرام من غالب أبوابه و عمه كله، و كان عمقه فى المسجد خمسة أذرع على ما قيل، و دخل الكعبة و علا فوق عتبتها ذراعا أو أكثر فيما قيل، و ألقى درجة الكعبة عند باب إبراهيم، و أخرب عمودين فى المسجد فسقطا بما عليهما من البناء و السقف، و أخرب دورا كثيرة بمكة، و مات فى الهدم جماعة يقال أنهم نحو ستين نفرا فلا حول و لا قوة إلا باللّه، و من العجيب أن هذين السيلين اتفقا فى التاريخ باعتبار الشهر و الليلة لأن كليهما في ليل الخميس عاشر جمادى الأولى فسبحان الفعال لما يريد.

و من سيول مكة المهولة بعد هذا السيل سيل يدانيه لدخوله المسجد الحرام و ارتفاعه فيه فوق الحجر الأسود حتى بلغ عتبة باب الكعبة الشريفة، و ألقى درجها عند منارة باب الخرورة، و كان هجم هذا السيل على المسجد الحرام عقيب صلاة الصبح من يوم السبت سابع عشر ذى الحجة سنة خمس و عشرين و ثمانمائة، و كان المطر وقع بقوة عظيمة فى آخر هذه الليلة، فلما كان وقت صلاة الصبح صلى الإمام الشافعى بالناس أمام زيادة دار الندوة بالجانب الشامى من المسجد الحرام لتعذر الصلية عليه بمقام إبراهيم و ما يليه هناك، فلما انقضت صلاته للصبح حمل الفراش الشمع ليوصله للقبة المعدة لذلك بين سقاية العباس و قبة زمزم، فإذا الماء فى صحن المسجد يعلوه قليلا قليلا و لم يتمكن من إيصال الشمع للقبة إلا بعسر، و كان بعض أهل السقاية بها فدخل عليه الماء من بابها، ثم زاد فرقى على دكة هناك، ثم زاد فرقى على صندوق وضعه فوق الدكة، فبلغه الماء فخاف و خرج من السقاية فارا إلى صوب الصفا و ما نجا إلا بجهد، و كان السيل قد دخل المسجد من الأبواب التى بجهة الصفا و الأبواب التى‏

44

بالجهة الشرقية و هى التى فيها باب بنى شيبة و منه دخل الماء إلى المسجد الحرام و قل أن يعهد دخول الماء منه، و صار المسجد مغمورا بالماء الكثير المرتفع نحو القامة، و كان به خشب كالصندوق الكبير ليس له رأس يستره كان فوق بعض الأساطين التى أزيلت فى هذه السنة لعمارتها، فأخرجه بعض الناس و ركب فيه و صار يقذف به حتى أخرج فيه من السيل الجديد عند زمزم شخصا كان بالسبيل متعلقا فيما قيل ببعض شبابيك السبيل خوفا من الغرق لما دخل الماء السبيل، و وصلا فيه للمحل الذى أرادا و فعل مثل ذلك لغير واحد، و ما خرج السيل من المسجد حتى هد باب إبراهيم لعلوه، و ألقى السيل فى المسجد من الوحل و الطين و الأوساخ ما كره التعب لتنظيفه و نقله و عسر قبل ذلك الانتفاع بالمسجد لأجله، و أفسد للناس أشياء كثيرة فى المتاجر فى الدور التى بمسيل وادى مكة بناحية سوق الليل و الصفا و المسقلة، و ما مات فيه أحد فيما علمناه و لكن مات فى هذه الليلة أربعة نفر بمكان يقال له الطنبداوية بأسفل مكة بصاعقة وقعت عليهم هناك فسبحان الفعال لما يريد، و مما تخرب بهذا السيل موضع الدرب الجديد بسور باب المعلاة و ألقاه إلى الأرض و ما بين هذا الباب و الباب القديم و ذلك ثمانية و عشرون ذراعا.

و منها سيل قارب هذا السيل دخل المسجد الحرام أبوابه لجانب اليمانى و قارب الحجر الأسود، و ألقى فى المسجد أوساخا كثيرة من المزابل و الطين و هدم باب الماجن بأسفل مكة و جانبا من سوره حتى بلغ به الأرض، و كان هذا السيل بعد المغرب ليلة ثالث جمادى الأولى سنة سبع و عشرين و ثمانمائة أثر مطر عظيم كان ابتداؤه بعد العصر فى ثانى الشهر المذكور. و قد أوضحنا خبر أمطار مكة و سيولها التى علمناها أكثر من هذا فى أصل هذا الكتاب، و قد خفى علينا خبر كثير منها بعد الأزرقى لعدم العناية بتدوين ذلك.

أما الجواب عن قوله: هل سقوط هذا الجانب من البيت إلى آخره فهو أنه من باب إرسال الآيات للزجر و التخويف على عادة اللّه تعالى: قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلى: و من ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها أو لكونها فيها قبور الأنبياء (صلوات الله و سلامه عليهم) و الصالحين فهو غالط

45

فأفضل البقاع مكة و قد عذب اللّه أهلها عذابا شديدا عظيما فقال: وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ. (1) و روى أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان قد آخا بين سلمان الفارسى و أبى الدرداء، و كان أبو الدرداء بدمشق و سلمان بالعراق فكتب أبو الدرداء، إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا و إنما يقدس الرجل عمله، و المقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء.

هذا و فى سقوط هذا الجانب الشريف من البيت فى هذا الزمن الوفاء بتصديق خبر الصادق المصدوق (صلى اللّه عليه و سلم) فيما أخبر به من تعدد خراب هذا البيت الشريف بعده ليبادر أمته بمزيد الاستمتاع به و الإقبال عليه بمزيد التعظيم و التكريم لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة» و فى الاستمتاع به القيام بواجب حقه و التباعد عما يضع من عظيم قدره من اقتراف الذنوب و الآثام خصوصا بمجاورة تلك المشاعر العظام، فقد تهاون الناس بالقيام بحقه العظيم و ما يجب له من التكريم من حصل التعال على بنائه فى هذا الزمن المؤذن بعدم احترامه، و قد كانت أهل الجاهلية محترمين له احتراما عظيما بحيث لم يبنوا بيتا عنده فى القديم إلى زمن قصى، و كانوا لا يرون بالجنابة بمكة حتى نقل أن سيدنا آدم كان لا يأتى حواء إلا فى الحل لأجل الولد، و كان بعض الأولياء المجاورين فى الحرم لا يأتون حاجة الإنسان إلا فى الحل، و كان عمر رضى اللّه عنه يأمر بهدم كل بناء أشرف عليها، و قال: ليس لكم أن تبنوا حولها ما يشرف عليها، و كذا كان شيبة لا يرى بيتا مرتفعا على الكعبة إلا أمر بهدمه، و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص حين رأى بيتا على أبى قبيس يشرف على الكعبة:

إذا رأيت بيوت مكة قد علت أخشابها كذا و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر أى قرب إلى غير ذلك، و قد روى في وهيب بن الورد المكى- رحمة اللّه عليه- أنه قال: كنت ليلة أصلى فى الحجر فسمعت كلاما بين الكعبة و الأستار خفيا

____________

(1) سورة النحل: 112، 113.

46

فاستمعت فإذا هى تناجى و تقول: إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبريل ممن حولى من سمرهم و تفكههم باللغو و ذكر أحوال الدنيا و الاغتياب و الخوض فيما لا ينبغى لهم و اللهو و الغيبة، لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذى قطع منه انتهى.

و ذلك لتعامى الخلق عن الحق و تماديهم فى الباطل، و تركهم الصلاة التى من تركها فقد كفر و صار بمنزلة القاتل، و منعهم الزكاة المفروضة عن الفقير و السائل، و أخذهم الربا و قد أمر اللّه بتركه أذن لحربه كل متثاقل، و تطفيفهم الكيل و الوزن يغل من هلكوا يوم الظلة بالعذاب الشامل، و إصرارهم على الكبر و الفجور و شرب الخمور و شهادة الزور فعل من شرد على اللّه و باع آخرته بالعيش الزائل، و لم يذكر الموت و لا اقتراب الساعة بالدلائل و قد أخرج الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا اتخذ الفئ دولا، و الأمانة مغنما، و الزكاة مغرما، و تعلم لغير الدين، و أطاع الرجل امرأته و عق أمه، و أدنى صديقه و أقصى أباه، و ظهرت الأصوات فى المساجد، و ساد القبيلة فاسقهم، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرم الرجل مخافة شره، و ظهرت القينات و المعازف، و شربت الخمور، و لعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء و زلزلة و خسفا و مسخا و قذفا، و آيات تتتابع كنظام لآلى قطع مهلكة فتتابع»، و قال ابن جرير فى تفسيره: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة فى قوله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (1) قال إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبون أو يذكرون أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، و وقع زلزلة بالرى فبكر أبو عمران الصوفى فتلا هذه الآية: «و نخوفهم فيما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا».

قال السيوطى‏ (2): و لا ينافى ما دل عليه هذه الآثار من أن الزلزال و الخسف من الآيات التى يخوف الله بها عباده ما روى عن ابن مسعود أنه أخبر بزلزلة تارة و بخسف أخرى فقال: إنا كنا أصحاب محمد نرى الآيات بركات و أنتم ترونها

____________

(1) سورة الإسراء آية 59.

(2) انظر كتاب كشف الصلصلة ص 45.

47

تخويفا، نحن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى سفر إذ حضرت الصلاة و ليس معنا ماء إلا يسير فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بماء فى صحيفة و وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبجس من بين أصابعه، ثم نادى هى لأهل الوضوء و البركة من الله، فأقبل الناس فتوضئوا. فإن ذلك يدل على أن ابن مسعود يعتفد أنها بركة و ينكر على من اعتقد أنها تخويف، قال: و جوابه أن «نرى» بضم النون و به يزول الإشكال؛ لأنه إنما جاء من طريق أن الكلمة نرى بفتح النون مبنيا للفاعل بمعنى نعتقد من رأى الاعتقادية المتعدية إلى مفعولين بنفسها و إلى ثلاثة بالهمزة، و أن بركات مفعول ثانى و ليس كذلك بل هى نرى بالضم مبنيا للمفعول من أرى البصرى المتعدية قبل دخول الهمزة إلى واحد و بعد دخولها إلى اثنين، تقول: «رأى زيد آية» أى أبصر، و أراه اللّه آية أى بصّره إياها و منه قوله تعالى: يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً (1) نصب على الحال و كذلك فى هذا الأثر الضمير الذى ناب مناب الفاعل مفعول أول و الآيات ثان و بركات و تخويف حالان، و ليس مراد ابن مسعود أن الزلزلة بركة و إنما أراد أن يبين للناس عظم مقدار الصحابة و أنهم كانوا إذا أراهم الله آية أراهم آيات البركة من نبع الماء و تسبيح الطعام لصلاحهم، و أن الذى يعدهم لفساد زمانهم إنما يريهم الله من الآيات ما كان عذابا و غضبا كالزلزلة و الخسف هذا معناه فتأمل انتهى.

و لا شك أن حدوث هذا الحادث و دخول هذا السيل المهول من هذا الباب فيه إشارة لطيفة و هو أنه لما فقد من يقوم بحقه من مزيد الإخلاص فى القيام بحقوق الله تعالى كأنه حزن لفقده فتداعى بناؤه و سقط جداره، كما قيل فى حكمة سواد كسوة الكعبة أن بعض شيوخ أبى الصيف مفتى مكة قال له:

يا محمد تدرى لم كسى البيت السواد؟ فقال: لا، فقال: كأنه يسير إلى أنه فقد ناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم.

و قد ذكر القسطلانى فى قصة وقوع الحريق الأول بالمسجد النبوى (صلى اللّه عليه و سلم) المشرف فى أول ليلة الجمعة من رمضان سنة أربع و خمسين و ستمائة أنه شوهد من هذه النار أن صفة القهر و العظمة الإلهية مسئولية على الشريف و المشروف‏

____________

(1) سورة الرعد: آية (12).

48

و كان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أرض المدينة و حماية أهلها منها لما التجأوا إلى مسجدها فطفيت عند وصولها لحرمها، و ربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم فى الآخرة مع اقتراف الأوزار، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذى هو أفصح من لسان المقال، و النار مطهرة لأدناس الذنوب و قد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض و القاضى و الخطيب منهم و أساءوا الأدب، و قد وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد هذه الأبيات:

لم يحترق حرم النبى لحادث‏* * * يخشى عليه و ما به من عار

لكنها أيدى الروافض لا مست‏* * * تلك الرسوم فطهرت بالنار و غيره‏

قل للروافض بالمدينة ما بكم‏* * * لقيادكم للذم كل سفيه‏

ما أصبح الحرم الشريف محرقا* * * إلا لسبكم الصحابة فيه‏

و فى ذلك كله عبرة تامة و موعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها حضرة الرسول النذير (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازى بها فى موضع عرضها، فإنا فى وجل مما يعقب ذلك حيث لم، يحصل به الاتعاظ و الانزجار قال الله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (1) و قال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ‏ (2) انتهى كلام السيد السمهودى.

و قد أخبر الصادق المصدوق بخراب هذا البيت الشريف بعد الإسلام مرتين و أنه يرفع فى الثالثة أو يرفع الحجر الأسود فيها على ما سيأتى، و قد ذكر العلماء أن من جملة الآيات البينات المذكورة فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ (3) بقاء بنائه الذي بناه ابن الزبير إلى الآن و لا يبقى غير هذه المدة الطويلة على ما يذكره المهندسون؛ لأن الرياح و الأمطار إذا تواترت على مكان خربته، و الكعبة ما زالت الرياح العاصفة و الأمطار العظيمة تتوالى عليها منذ بنيت و إلى تاريخه و لم يحدث بحمد الله تغير فى بنائها، و لكن سقوطها الآن‏

____________

(1) الإسراء: (59).

(2) الزمر: (16)

(3) سورة آل عمران: آية (97).

49

بقدر هذه المدة الطويلة الدالة على مزيد إعزاز هذا البيت الشريف وفاء بما أخبر به الصادق المصدوق من خرابه مرتين و أنه يرفع فى الثالثة، و لم يتقدم له خراب إلا مرة واحدة، و قد علمنا سلامة العاقبة فى هذا الهدم، و أنه يجدد فى دولة سلطاننا خلد الله و أبد عزته، ثم لا يهدم إلا بعد نزول سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) تهدمه الحبشة فلا يعمر، و كفى بذلك فخرا لهذا السلطان العثمانى و امتيازا عن جميع سلاطين الإسلام حيث حصل على يده عمارة هذا البيت الشريف و تجديده و يكون له ثوابه، و يراه سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) على بنائه فيحمده على ذلك و يدعو له فى تلك المسالك و كذا أهل الكهف لما روى ابن أبى حاتم عن أبى هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «ليهلن ابن مريم بفيح الروحاء حاجا أو معتمرا» و روى سعيد بن منصور عنه قال سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا تقوم الساعة حتى يمر عيسى بن مريم بطن الروحاء حاجا أو معتمرا يلبى لبيك اللهم لبيك» و روى ابن الجوزى فى المثير (1) عن عطف بن خالد قال: يحج عيسى بن مريم إذا نزل فى سبعين ألف فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا و لم يحجوا» و فى قوله: «لم يموتوا» نظر، و الصحيح أنهم ماتوا.

و روى‏ (2) الأزرقى عن عمرو بن يسار المكى قال: بلغنى أن الله تعالى إذا أراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض أموره فى الأرض استأذنه ذلك الملك فى الطواف ببيته فيهبط الملك مهللا.

و عن وهب بن منبه قال: قرأت فى كتاب‏ (3) من الكتب الأول ذكر فيه أمر الكعبة و أنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت و يصلى فى جوفه ركعتين، ثم إذا قامت الساعة يعاد ذلك البناء و يزف إلى قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و يخاطبه، ثم إلى بيت المقدس و يعانق الصخرة، ثم يذهبان إلى الجنة فأى ثواب يعدل ثواب سلطاننا فى هذا الخير العظيم مع ما ورد فى الحديث‏

____________

(1) مثير العزم الساكن الى أفضل المساكن 1/ 73

(2) أخبار مكة 1/ 103

(3) أنظر أخبار مكة للأزرقى 1/ 49

50

الشريف: «من بنى مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله له بيتا فى الجنة، فضله على ما سواه من جميع بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا» و المراد بقوله: يبتغى به وجه الله الإخلاص فى الفعل، فلو بنى مسجدا و كتب اسمه عليه ليطلع عليه الناس فيحمدونه كان بعيدا من الإخلاص، لأن المخلص يكتفى برؤية المعمور منه، و قد كان حسان بن أبى سنان يشترى أهل البيت فيعتقهم و لا يخبرهم من هو، و هذا الحديث يفسر المثلية فى الحديث الآخر و هو:

«من بنى للّه مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة مثله» فالمثلية فى مسمى البيت، و أما حقيقته و صفته فى السعة و غيرها فمعلوم فضلها و عظمها، فالمراد المثلية فى الاسم لا فى المقدار؛ لأن الأعمال الحسنة جزاؤها الضعف، و فى الحديث «من بنى لله بيتا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا فى الجنة» و مفحص القطاة هو موضع تبحث فيه برجليها و تصلح موضعا لتبيض فيه بالأرض مأخوذ من الفحص و لو هنا للتقليل، و قد أثبته ابن هشام الخضراوى من معانيها و جعل منه «اتقوا النار و لو بشق تمرة» و الظاهر أن التقليل مستفاد مما بعد لو لا من لو، ثم المراد بالتقليل هنا إما الزيادة فى المسجد تنزيلا له منزلة ابتدائية أو لأن الكلام خرج مخرج المبالغة، و تأمل كيف خص القطاة بالذكر دون غيرها فى بنائه و الصدق فى إنشائه، و إذا كان هذا ثواب من بنى أى مسجد كان أو زاد فى بناء مسجد، فكيف بثواب من جدد أشرف بيوت الله تعالى و أولها و أعظمها؟ و قد قال الله تعالى فى كتابه العزيز: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏» فالرفع هنا إما حقيقى أو مجازى كالتطهير فى قوله تعالى: «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ‏» قال العلماء: المراد بالبيوت هنا المساجد، و قيل: المساجد بيوت الله تضى‏ء لأهل السماء كما تضى‏ء النجوم لأهل الأرض و قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها يضم بعضها إلى بعض» و عن أبى الدرداء رضى الله عنه أنه قال: لتكن المساجد مجلسك فإنى سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: إن الله عز و جل ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن و الجواز على الصراط يوم القيامة» و أما ما يتوهم من أن سقوط هذا البيت الشريف لأمر يقع فى الدنيا من خرابها و زوالها كما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: قال الله‏

51

تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره» فخطأ، و ذلك لأن المراد بهذا الخراب المذكور فى الحديث هو الخراب الذى لا يعقبه عمارة. و لا حج و ذلك لا يكون إلا من الحبشة بعد موت سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) قال فى مثير العزم‏ (1) الساكن عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى حديث طويل «و خراب مكة من الحبشة، و خراب المدينة من الجوع، و خراب اليمن من الجراد» و فى الحديث «اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين» قال فى المصباح تركت البحر ساكنا لم أغيره عن حاله انتهى. و المعنى لا تتعرضوا لهم ما داموا فى ديارهم و لم يتعرضوا لكم، و أما إذا دخلوا بلاد الإسلام قهرا و العياذ بالله تعالى و استباحوا دماء المسلمين و أموالهم، فلا يباح لأحد ترك قتالهم و الذبّ عن أبضاعهم و أنفسهم، فإن قتالهم فى هذه الحالة فرض عين و فى الحالة الأولى غير فرضى، قال ابن رسلان: و وجه تخصيص الحبشة أن بلادهم و عرة ذات حر عظيم، و يقال: إن نهر النيل الواصل إلى مصر من بلادهم باقى، فإذا شاءوا حبسوه، و بين المسلمين و بينهم مهاد عظيمة و مفاوز شاقة، فلم يكلف الشارع المسلمين دخول ديارهم لعظم ما يحصل لهم من التعب و المشقة فى ذلك، و لأن الحبشة ستأتى الى الكعبة و تستخرج كنز الكعبة فلا يطاقون. و السويقتين تصغير ساق و أحدهما سويقة، و صغرهما لدقتهما و رقتهما و هى صفة سوق الحبشة غالبا، قال الخطابى: هذا تصغير الساق، و هى مؤنثة، فلذلك أدخل فى تصغيرها الساق عامة الحبشة فى سوقهم حموشته بالحاء المهملة و الشين المعجمة إلى دقة، و قد وصفه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله: «كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا و يأخذ الكنز مع ما فيها من الآلات و الفحج» بفاء فحاء فجيم، قال ابن حجر الهيثمى: من يتقارب صدرا قدميه و يتباعد عقباه و ينفرج ساقاه يقال رجل أفحج و امرأة فحجا، و الوصفان- أعنى أسود أفحج- منصوبان على الحالية و يقلعها فى محل نصب على الصفة أو الحال كذا قاله الدمامينى، و ورد أنه لا يستخرج كنزها إلا هو، أنه أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، و أن أصحابه ينقضونها حجرا حجرا و يتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر و لا يعارض هذا قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ‏

____________

(1) انظر 1/ 73.

52

يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً» لأن تخريب الكعبة على يدى هذا الحبشى إنما يكون بعد رفع القرآن من الصدور و المصاحف، و ذلك بعد موت سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) و ذلك عند خراب الدنيا، و لعل هذا الوقت هو الذى لا يبقى فيه إلا أشرار الناس، فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله و هذا هو الصحيح كما قاله أبو العباس القرطبى، و أما ما ذكره الحليمى فضعيف، فإنه ذكر أن ظهور ذى السويقتين فى زمن عيسى عليه الصلاة و السلام إليه طليعة ما بين التسعمائة إلى ثمانمائة، فبينما هم يسيرون إليه أو بعث الله ريحا يمانية فيقبض فيها روح كل مؤمن انتهى. قلت: المذكور أن أول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج و مأجوج فى زمنه، ثم الريح التى تقبض أرواح المؤمنين فتقبض روح عيسى و من معه، و حينئذ تهدم الكعبة و يرفع القرآن و يستولى الكفر على الخلق، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها، ثم تخرج حينئذ الدابة، و بعضهم يجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها و توزع فيه، و على هذا فهذا يدل على أن خراب الحبشة للبيت إنما هو بعد سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم). و فى حديث على كما فى الصحيح: «و كأنى برجل من الحبشة أصلع- أو قال أصمع- حمش الساقين قاعد عليها و هى تهدم» و رواه الفاكهى من هذا الوجه و لفظه: «أصقل» بدل أصلع و قال: قائما عليها يهدمها بمسحاته، و الأصلع من ذهب شعر مقدم رأسه، و الأصقل الصغير الرأس، و الأصمع الصغير الأذنين و على كل فكيف هذا مع ما نقل عن ابن الزبير من أنه أرقى عبيدا حبوشا يهدمونها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشى الذى قال فيه (صلى اللّه عليه و سلم) «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبش» مع ما تقدم من صفاته و أنه مع جماعته يلقونها حجرا حجرا فى البحر و يأخذ كنزها و لا تعمر و لا يحج بعده ذلك و أن ذلك إما فى حياة عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) أو بعد موته و هو الصحيح؟ فحقا هذا على ابن الزبير رضى الله عنهما مع إقرار من كان عنده من الصحابة و العلماء مشكل جدا. و ذكر الزركشى عن مسند أبى‏ (1) داود الطيالسى أنه تجى‏ء الحبشة فيخربونه خربا لا يعمر و قال (صلى اللّه عليه و سلم): استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة أخرجه ابن حبان‏ (2) فى صحيحه و الحاكم‏ (3) فى مستدركه و قال: صحيح على شرط الشيخين. و فى رواية: يهدم مرتين و يرفع الحجر الأسود

____________

(1) فى كتاب الحج 3/ 103.

(2) انظر 2/ 133.

(3) 3/ 105.

53

فى الثالثة، قال العلقمى فى حاشيته على الجامع الصغير فى شرح هذا الحديث: أما الثالثة فهى هدم ذى السويقتين له و المراد بها رفع بركته فإنه لا يعمر بعده أبدا، و أما الأوليين فلم أر لهما ذكرا فى شئ مما وقفت عليه مما يتعلق بالبيت و لعل اللّه أن يوفقنا على ذلك انتهى كلامه.

هذا و انظر ما المراد من الهدم، هل المراد هدمه بفعل فاعل أو ما يشمل الانهدام بنفسه؟ و هل المراد هدم جميعه فيخرج هدم الحجاج بعضه أو ما يعم ذلك فيراجع؟ و ما المراد بقوله: و يرفع فى الثالثة؟ هل المراد أنه يهدم مرة ثالثة فلا يعاد بعد ذلك لقوله: «فلا يعمر» و هذا معنى رفعه، و هناك هدم ثالث و عليه فالهدمان فى الإسلام حصل أحدهما بفعل ابن الزبير، و الآخر بانهدامه بنفسه الواقع فى هذه الأزمنة، و يكون الثالث الذى لا يعاد هدم ذى السويقتين، و هل يكون هناك حج للبيت بعد هدم الحبشة له؟ قضية ما تقدم على القول الأصح أنه بعد موت سيدنا عيسى و رفع القرآن أنه لا يحج حينئذ، لكن ذكر أبو الحسن ابن بطال فى شرح البخارى أن تخريب الحبشة يحصل ثم تعود حرمتها و يعود الحج إليها و احتج بما رواه البخارى من حديث أبى سعيد رضى اللّه عنه قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ليحجن البيت و ليعتمرن بعد خروج يأجوج و مأجوج».

قلت: و فى الاستدلال بذلك نظر؛ لأن يأجوج و مأجوج ظهورهما و هلاكهما فى زمن سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) و هذا لا يمنع أن يتوسط حج البيت بعد يأجوج و مأجوج فى زمن سيدنا عيسى (صلى اللّه عليه و سلم) و قبل تخرب الحبشة فأى دليل على ذلك خصوصا مع تصريح الحديث بأنه لا يعمر بعدها؟

بقى هنا بحث و ذلك أنه تقدم رواية أنه تجئ الحبشة فيخربون البيت خربا لا يعمر، و فى الرواية الأخرى: «استمتعوا بهذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة» و فى رواية: «يهدم مرتين و يرفع الحجر الأسود فى الثالثة» فإن قضية ذلك أن البيت إذا خرب و هدم المرة الأخيرة لا يعمر بعد ذلك، و هذا مشكل مع ما روى أنه لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة زف العروس فيتعلق بها جميع من حج و اعتمر، فإذا رأتها الصخرة قالت لها: مرحبا بالزائرة و المزور إليها. و روى أيضا عن كعب الأحبار قال: لا تقوم الساعة حتى يزف البيت الحرام إلى بيت‏

54

المقدس فينقادان إلى الجنة فيهما أهلهما، و عن جابر قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إذا كان يوم القيامة زف البيت الحرام إلى قبرى فيقول: السلام عليك يا محمد، فأقول: عليك السلام يا بيت اللّه، ما صنع بك أمتى بعدى؟ فيقول يا محمد من أتانى فأنا أكفيه و أكون له شفيعا، و من لم يأتنى فأنت تكفيه و تكون له شفيعا (1) انتهى.

فهذه الروايات تقتضى أن الكعبة بعينها تكون عامرة عند قيام الساعة، و أنها تزور قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و الصخرة الشريفة، فكيف هذا مع رواية أن الحبشة يخربونه خربا لا يعمر؟ و رواية أنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة إلا أن يقال بعد خراب الحبشة له لا يعود بناؤه على يد الخلق و لكن عند قيام الساعة يعيده اللّه على هيئته التى كان عليها قبل هدم الحبشة كإعادة الموتى، ثم يزف إلى القبر الشريف و الصخرة الشريفة و ينقادان إلى الجنة.

و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها يضم بعضها إلى بعض» فائدة: قال القرطبى‏ (2) لا يعارض ما يفعله ذو السويقتين من تخريب البيت آخر الزمان قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً»؛ لأن تخريب الكعبة إنما يكون عند خراب الدنيا و لعله يكون فى الوقت الذى لا يبقى فيه إلا الأشرار من الخلق فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى، و الحق فى الجواب أنه لا يلزم من قوله: «حرما آمنا» وجود ذلك فى كل وقت من الأوقات، و لا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى فى وقت آخر، فإن قيل: فقد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنى أحلت لى مكة ساعة من نهار ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة».

قلت: أما الحكم بالحرمة و الأمن لم يرتفع و لا يرتفع إلى يوم القيامة، و أما وقوع الخوف فيها و ترك حرمتها فقد وجد ذلك فى أيام يزيد و غيرها فإن قيل:

ما السر فى حراسة الكعبة من الفيل و لم تحرس فى الإسلام زمن يزيد ابن‏

____________

(1) انظر نبذة لطيفة فى تاريخ مكة لشهاب الدين القليوبى مخطوط مكتبة مكة لوحة 4.

(2) انظر أحكام القرآن 1/ 150