رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
7

مقدمة المحقق‏

رحلة فتح اللّه الصايغ إلى البادية

إن المؤلفات عن البادية و قبائلها و أحوالها و تقاليدها و عاداتها تكاد لا تحصى. و قد اهتم بهذا الموضوع الشيق الكثير من الباحثين العرب قديما و حديثا (1)، و قام عدد من المستشرقين بدراسات ميدانية من اشهرهم بوركهارت و موسّيل و جوسّان. و لكننا إذا رجعنا إلى فهارس الكتب التي جاء فيها وصف لحياة البادية نكاد لا نجد ذكرا لرحلة قام بها شاب سوري يدعى فتح اللّه الصايغ‏ (2)، ولد بحلب، على ما يظهر سنة 1790، و طالت سياحته عدة سنوات، من الثامن عشر من شهر شباط سنة 1810 إلى صيف سنة 1814، تجول خلالها في بادية الشام و صحارى العراق و العجم و تجاوزها، على ما يذكر، إلى حدود إيران الشرقية حيث قابل الأمير سعد البخاري رئيس قبائل عرب الهند، ثم قطع الحماد و زار الدّرعيّة، عاصمة الوهابين يومئذ.

____________

(1) من الكتبة المعاصرين نذكر: روكس بن زائد العزيزي، قاموس العادات و اللهجات و الأوابد الأردنية، 3 أجزاء، عمان سنة 1973 و ما بعدها؛ معلمة التراث الأردني 5 أجزاء، عمان، سنة 1981 و ما بعدها؛ حمد الجاسر، معجم القبائل المملكة العربية السعودية، جزءان، الرياض، 1981؛ أحمد وصفي زكريّا، عشائر الشام، جزءان، دمشق، 1947. عمر كحّالة، معجم قبائل العرب القديمة و الحديثة، خمسة أجزاء. الغزّاوي، عشائر العراق.

(2) نكتب الصايغ، كما جاء في مذكرات المؤلف.

8

و تحدث الصايغ في مذكراته عن العادات و الأعراف البدوية، و عن القبائل التي اتصل بها، و ذكر اسماء شيوخها و عدد مقاتليها، و تكلم عن الوهابيين و حروبهم و غزواتهم على عرب الشام و وقائعهم مع الدّريعي بن شعلان، شيخ عرب الرّولة، و وصف الدّرعيّة، كما وصف عددا من البلدان و القرى السورية، مثل معرّة النّعمان و حماة و حمص و القريتين و صدد، و أتى على ذكر بعض الأماكن الأثرية، مثل رستن و تدمر و قصر الحير الغربي.

كان فتح اللّه الصايغ شابا لم يتجاوز العقد الثاني من عمرة حينما اتصل به رجل من الافرنج، في متوسط العمر، يدعى تيودور لاسكاريس، و طلب منه أن يعلمه اللغة العربية. و كان ذلك بمدينة حلب سنة 1809، و هي وقتئذ مركز تجاري هام، و محط قوافل الهند و الأناضول. و مع أن فتح اللّه المذكور كان يميل إلى التجارة، و يجهل مهنة التعليم، فإنه قبل هذه المهمة، لأنه كان صفر اليدين، على أثر صفقة تجارية خاسرة في جزيرة قبرص، فرضي بالشروط السخية التي عرضها عليه لاسكاريس، لا سيما بعد أن عرف أن المذكور من كبار الافرنج و أشرافهم، من أسرة بيزنطية عريقة أشتهر منها عدد من الملوك و العلماء. و لكنه على الرغم من كرم أرومته، كان يلبس الألبسة الشرقية الشعبية الزريّة، و يأكل في الأسواق.

و بعد مضيّ ستة أشهر تعلم خلالها لاسكاريس قليلا من العربية قراءة و كتابة، عرض على فتح اللّه أن يقوما برحلة في أنحاء البلاد السورية، سعيا وراء أرباح التجارة، و أعطاه الأموال لشراء البضائع التي تصلح لأهل البادية، و شرط عليه أن يطيعه طاعة عمياء، و لا يخالفه في شي‏ء. فقبل الصايغ هذه الشروط و أخذ يعد أهبته للسفر.

غادر لاسكاريس و ترجمانه حلب إلى سرمين، يوم الخميس الواقع في 18 شباط سنة 1810، على طريق القوافل، ثم قصدا معرّة النّعمان، و منها إلى خان شيخون، ثم إلى حماة حيث أمر الحاكم، سليم العظم، بسجنهما بتهمة التجسس. و لكن البرطيل انقذهما سريعا من الزنزانة، فتابعا سفرهما إلى رستن فحمص. و طابت لهما الإقامة في هذه المدينة فبقيا فيها إلى نهاية الشتاء.

و كان الصايغ على جهل بغايات معلمه السياسية، و يتساءل ما هو مصير

9

البضائع التي معهما، لأن لاسكاريس كان يمنعه من عرضها في الأسواق. ثم اتضح له شيئا فشيئا أن معلمه يرمي إلى هدف سياسي لا علاقة له بالتجارة، و هو التعرف بالبدو و الاطلاع على أحوالهم. و لذا طلب لاسكاريس من رفيقه أن يسجّل يوميا، على ورقة، جميع ما وقع و يقع لهما من حوادث، منذ مغادرتهما حلب، و هو بدوره يدوّن ملاحظاته في دفتر باللغة الفرنسية، مستعينا بمذكرات الصائغ.

و يعلمنا فتح اللّه أنه ظل يكتب يومياته مدة ست سنوات، إلى ما بعد وفاة لاسكاريس في القاهرة.

و تابعا رحلتهما فذهبا إلى صدد، قرية جميع سكانها من السّريان النصارى، و عرضا بضاعتهما على الناس ليظنوا أن غايتهما من هذه الزيارة البيع و الشراء، ثم توجها إلى القريتين، و منها إلى تدمر، بصحبة رفيق من البدو، تعهد بإيصالهما بالسلامة. ثم ساعدتهما الظروف فتعرفا بالأمير ناصر، ابن الأمير مهنا الفاضل المعروف بالملحم، شيخ الحسنة، فحلّا ضيوفا على هذه القبيلة.

و بعد أن أقاما مدة عند عرب الملحم تبين للاسكاريس، أو الشيخ إبراهيم كما تسمى عند البدو، أن الأمير مهنا و بالأولى ابنه ناصرا يتبع سياسة خرقاء ترمي إلى فرض سيطرته على القبائل بواسطة العثمانيين، مما تأباه الفردية البدوية و لا يتماشى مع الأهداف التي يتوخاها عامل نابوليون. و اتضح له، بعد أن درس أحوال البادية، أن الشيخ الذي يتمكن بواسطته من تحقيق مآربه هو الدّريعي بن شعلان، أمير عرب الرولة. فطلب عندئذ من رفيقه- الذي تسمى عبد اللّه الخطيب- أن يبذل جهده للوصول إليه، على الرغم من المشقات و بعد المسافة، لأنه كان ضاربا خيامه في الجزيرة، قرب مدينة دير الزور.

و كان لا بدّ للشيخ إبراهيم من اطلاع ترجمانه على الغرض الحقيقي من هذه الرحلة: فأعلمه عندئذ أن الغاية منها الكشف عن أحوال البدو، و التعرف بكبار أمرائهم، و كسب صداقتهم، و السعي في جمع كلمتهم و أبعادهم عن العثمانيين، و العمل على معرفة الصحارى و مسالكها و مياهها، و أن الهدف السياسي هو توحيد صفوف البدو ليكونوا عونا لجيش كبير سيمر بالشرق و يقطع الصحراء قاصدا

10

الهند، و أن الدريعي بن شعلان هو الشيخ الكبير الذي يمكن الاعتماد عليه لتحقيق هذه المآرب.

و تمكنت الصحبة بين لاسكاريس و الدريعي بن شعلان، الواحد يدبّر الأمور، و الآخر يعمل على اتحاد القبائل. و أما الصايغ أو عبد اللّه الخطيب فكان يكتب الرسائل و يكسب القلوب بطيب لسانه. و تمكن بدهائه من ربط بعض كبار الشيوخ برباط عظيم، على أن يكونوا يدا واحدة مع ابن شعلان في كل الأمور، و عونا له في خلافه مع العثمانيين و الوهابيين. و تم التوقيع على وثيقة الاتحاد في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1811 م/ 1226 ه.

و يطول بنا الكلام إذا أردنا أن نتحدث عن جميع تحركات الصايغ مع عرب الرولة، و سعيه الحثيث للحصول على موافقة أكبر عدد من القبائل على هذا الحلف، فنراه يقطع الفرات بصحبة الدريعي و يجتمع رئيس الحلف مع شيخ عرب البصرة، ثم ينزل على عين الوساد، قرب نهر الخابور، ثم يرحل إلى جبل سنجار، و بعد إقامة قصيرة في تلك الربوع يعود إلى الجزيرة، و منها إلى غوطة الشام و يصطدم بغزو وهابي ما بين القريتين و تدمر.

و يتحدث الصايغ أيضا عن لقاء لاسكاريس بسائح بريطاني يدعى أيضا الشيخ إبراهيم- و هو الرحالة السويسري الإنجليزي بوركهارت الذي اكتشف خرائب بترا-، و عن اجتماعه مع اللادي آستانوب، بنت أخت رئيس وزراء إنكلترا، و يظن أنها موفدة لتعطيل أعمال جاسوس نابوليون. و يتابع وصفه لتحركات الدريعي فنجده قرب حماة يحارب مع الأروام، أي العثمانيين، جيشا وهابيا كبيرا، يقوده عبد اللّه الهدّال، كيخيا ابن سعود، أي المشير الأول، و أبو نقطة. و يستمر القتال أكثر من عشرين يوما، و ينتهي بانتصار الدريعي و اندحار القوات الوهابية.

و يصف الصايغ هذه المعارك وصفا شيّقا، و يتكلم عن عادات البدو عندما يطلبون النجدة من القبائل، و عن النخوة و العطفة و القتال على ظهور الجمال، و غير ذلك من أمور الحياة القبيلة التي لا يجدها القارئ إلا عند الخبراء بأحوال البادية، و ما أقل العارفين منهم! و لا نعلم متى كانت معركة حماة، لأن‏

11

صاحبنا يكتفي بسرد الحوادث دون أن يذكر تاريخها. و لكن يظهر من سياق الحديث أن الغزو الوهابي كان خلال صيف سنة 1813 م.

و بعد أن ربح الدريعي معركة حماة قطع الفرات، و اجتاز الجزيرة، و دخل حدود العجم، ثم تابع رحيله مع لاسكاريس و الصايغ و بعض أمراء البادية إلى بلاد كرمان، و وصل إلى نهر خراسان و أرض الهندوان، و ذلك بعد مسير اثنتين و أربعين مرحلة كبيرة، و حل أخيرا على الأمير سعد البخاري، و تمّ الاتفاق معه. و دخل أيضا بالحلف الأمير الرّديني، شيخ عرب العجم، و هو رجل من الرافضة لا يأكل مع أهل السنة.

و هكذا توصل الدريعي إلى تحقيق مآرب لاسكاريس، فتم على يده اتحاد معظم القبائل العربية من بر الشام إلى حدود الهند، و تحالفت معه ضد الأروام أي الأتراك، و اتفقت على مساعدة الجيش الذي سيمر بالشرق عبر الصحارى، و ينوي السيطرة على طريق الهند.

و يذكر الصايغ أسماء القبائل التي دخلت في هذا الحلف، و أسماء شيوخها و عدد المقاتلين، و نجد جدولا لها في آخر المذكرات، فكان المجموع خمسا و أربعين قبيلة تعد نحو ألف ألف نفس.

و عاد الدريعي إلى الجزيرة بعد أن تحالف مع عرب العجم، ثم سار مع أصحابه قاصدا برّ الشام، إذ أتته رسالة من عبد اللّه بن مسعود يطلب حضوره إلى الدرعية. فتشاور القوم فيما بينهم و تم قرارهم على تلبية دعوة الإمام الوهابي، و على إرسال وفد يضمّ الدريعي و بعض ذوي قرابته و الصايغ و عددا من العبيد.

أما لاسكاريس فإنه رأى من الأنسب أن يبقى مع سائر أفراد القبيلة.

و يتابع الصايغ وصف رحلته فيتحدث عن وصول الوفد إلى الدرعية و نزوله في ضيافة ابن سعود الذي كان حاقدا على الدريعي، فاستقبله استقبالا سيئا، ثم أمر بالحوطة عليه و على أعضاء الوفد. و بعد أخذ ورد تم الصلح بين الطرفين، على أن يكون الدريعي «سلطان الشمال» و ابن سعود «سلطان القبلة»، و على أن «يكونا روحين في جسد واحد»، كما جاء في مذكرات الصايغ. فتمكن عندئذ

12

صاحب الرحلة من التنزه في الدرعية، فوصفها و وصف أسواقها و نساءها، و أتى أيضا على وصف العاهل الوهابي و مجلسه و أحواله، و يعد كلامه من أقدم ما قيل عن عاصمة الوهابيين. و قد ذكرت مجلة العرب‏ (3) تفاصيل رحلة الصايغ إلى الدرعية، بناء على الترجمة التي قام بها المستشرق فرينل، من الفرنسية إلى العربية، و هي مشبعة بالأخطاء، كما بيناه في مقال نشرته أيضا مجلة العرب‏ (4)، و أوضحناه أيضا في الملحق المثبت في نهاية هذا الكتاب.

و قبل أن يغادر الوفد الدرعية وصل العلم إلى ابن سعود أن قوات محمد على خرجت من ينبع و توجهت إلى المدينة المنورة لاحتلالها، فلم يأبه لهذا الخبر.

أما لاسكاريس، فقد سرّ جدا بنتائج رحلة الصايغ إلى الدرعية، إذ أصبح طريق الهند ممهدا أمام جيوش نابوليون، و رأى أن التوفيق كان حليفه، و أن بوسعه أن يعود إلى فرنسا لاطلاع الإمبراطور على نجاح مهمته. فذهب مع فتح اللّه من حلب إلى اسلامبول (أي استنبول)، و هناك علم بانكسار القوات الفرنسية في روسيا. ثم تتابعت الأخبار المشؤومة و هوى عرش نابوليون، فسافر لاسكاريس إلى أزمير لمقابلة الجنرالين سافاري و لالمان، و بناء على شورهما طلب الحماية البريطانية ليأمن على حياته من شر العثمانيين، و ذهب بمفرده إلى القاهرة حيث وافاه أجله. فوضع القنصل البريطاني سالط يده على مخلفات العامل الفرنسي، بما فيها مذكراته و أوراقه.

و علم الصايغ بوفاة أبيه الروحي أثناء إقامته مع والدته باللاذقية. ثم أتته رسالة من دروفيتي، قنصل فرنسا في الاسكندرية، يطلب حضوره، فلبّى الطلب. و حاول عبثا أن يحصل على أوراق معلمه، فلم ينل من القنصل البريطاني إلا الإهانة و الطرد.

مذكرات الصايغ‏

و هكذا انتهت رحلة الصايغ التي طالت، على زعمه، سبع سنوات. و قد

____________

(3) مجلة العرب، ج 3، 4، س 19، 1404/ 1984، ص 152- 168.

(4) مجلة العرب، ج 9، 10، س 19، 1405/ 85- 1984، ص 697- 706.

13

عرضناها عرضا سريعا لا يعطي إلا فكرة خاطفة و غير كاملة عن محتوياتها، و لو أردنا أن نذكر جميع ما جاء فيها من حوادث و أخبار، و خاصة عن الوهابيين و عادات العرب لطال بنا المقام. و هي في الوقت نفسه وثيقة هامة عن أحوال بادية الشام و عن بعض القرى و البلدان السورية في أوائل القرن التاسع عشر.

و من الجدير بالذكر أن مذكرات الصايغ التي تنشر اليوم لأول مرة باللغة العربية، عرفها الغرب منذ أكثر من مئة و خمسين سنة، و أشاد بها عدد من كبار أصحاب الرحلات (منهم اللادي بلانت) و المستشرقين، إذ ترجمت إلى الفرنسية على يد الشاعر الرومانتيكي لامرتين، و صدرت في الجزء الرابع من كتابه «رحلة إلى الشرق» (الطبعة الأولى، سنة 1835). أما القارئ العربي فما زال يجهلها، بل يجهلها أيضا أصحاب كتب التراجم، منهم الزركلي في أعلامه إذ يقول عن فتح اللّه الصايغ: كان ترجمانا للقنصلية الفرنسية، و رحل من حلب في أواخر سنة 1225 (1810) إلى بادية الشام مع المسمى تيودور لاسكاريس، فصنف بعد الرحلة «كتاب المقترب في حوادث الحضر و العرب» (انتهى). و الحقيقة أن الصايغ كتب أولا مذكراته التي اشتراها لا مرتين سنة 1832، و صنف بعد عشر سنوات الكتاب الذي ذكره الزركلي، و هو ضعيف المادة، قليل الفائدة، بخلاف المذكرات التي نالت إعجاب لا مرتين، حتى أنه حرص على أن تكافئ الحكومة الفرنسية مؤلفها «لأجل الخدمات التي قدمها لعلم الجغرافيا و أخلاق الأمم»، فعينته وكيلا في قنصليتها بحلب سنة 1847. و نجهل أيضا تاريخ وفاته، و يعلمنا عمر كحّالة، في معجم المؤلفين، أن الصايغ كان حيا سنة 1225 أي سنة 1810 م. و كان عمره يومئذ عشرين سنة!.

و لا يغفل لا مرتين عن ذكر الأسباب التي جعلته يهتم بمذكرات السائح السوري، و يخبرنا أيضا كيف تم له الحصول عليها فيقول: كنت نازلا في وسط الصحراء التي تمتد من طبريا إلى الناصرة، و كنا نتحدث عن القبائل التي التقينا بها خلال ذلك اليوم. فأعربت لدليلي عن رغبتي في التعرف بالبعض منها و العيش معها ردحا من الزمن، و تتبع خطواتها من دمشق إلى شواطئ الفرات لكشف اللثام عن حضارة الصحراء، و لكن لم يبق لدينا الوقت الكافي لمثل هذه المغامرة

14

التي لم يجرؤ أحد من المسافرين على القيام بها، إلا رجل واحد يدعى لاسكاريس، و لكنه مات و ضاعت معه المعلومات التي جمعها عن أهل البادية خلال عشر سنوات.

ثم تحدث لا مرتين عن لاسكاريس، و كيف التقى بالجنرال بونابارت في جزيرة مالطة، عند حملته على مصر سنة 1798، و كيف تبعه إلى القاهرة إلى أن عاد إلى فرنسا مع بقايا الجيش الفرنسي. و بعد أن خرقت انجلترا معاهدة أميان، سنة 1803، رأي نابوليون أنه لا يستطيع أن يضرب عدوه في قعر جزيرته، بسبب تفوق الأسطول البريطاني، فحاول أن يقضي على اقتصادياته، و اعتقد أنه يصيبه في الصميم إذا تمكن من أن يقطع عليه طريق الهند، كما بيّناه مفصلا في المقدمة الفرنسية (4). و لأجل الوصول إلى هذا الهدف، لا بدّ له أوّلا من توطيد العلاقات مع أمراء البادية و مشايخها، فأرسل لاسكاريس لهذه المهمة. و نجحت مساعي جاسوس نابوليون، و لكن حين أراد العودة إلى فرنسا، علم بسقوط الامبراطور الفرنسي، فذهب إلى القاهرة مغموما يائسا، حيث وافاه أجله.

فوضع القنصل البريطاني يده على مخلفاته، و خاصة على مذكراته و أوراقه، و لا يعلم أحد ما كان مصيرها. و ختم لا مرتين حديثه معربا عن أسفه على ضياع هذه الوثائق الهامة. فقال له دليله: لعلها لم تفقد تماما، لأنه على معرفة جيدة بالشاب الذي كان يرافق لاسكاريس، و لطالما سمعه يتحدث عن هذه الرحلة إلى البادية، و عن اليوميات التي كان يكتبها، بناء على طلب معلمه. و هكذا مكّنت الظروف لا مرتين من شراء مذكرات الصايغ، و تمت ترجمتها إلى الفرنسية على يده أيضا.

و لم ينل كتاب لا مرتين «رحلة إلى الشرق» نجاحا كبيرا لضعف مادته، فسرعان ما نسيه الناس، و دخلت معه مذكرات الصايغ في خبايا الزوايا.

و كان من المنتظر أن يقبل المستشرقون على رحلة الصايغ، لما فيها من أخبار طريفة عن أحوال البادية و قبائلها، و وصف لبعض القرى و البلدان السورية.

إلا أن رئيس الجمعية الأسيوية شك في صحتها، فسكتت عنها مجلة هذه‏

____________

(4) (مكرر) قام المحقق بترجمة هذه الرحلة إلى الفرنسية مع مقدمة إضافية، و قد تولت نشرها دار غاليمار الباريسية تحت عنوان:Le desert et la gloire .

15

الجمعية، و كانت يومئذ لسان حال المستشرقين، و لم تتناولها بالنقد، بل أنها لم تذكرها بخير أو شر إلا بعد وفاة الشاعر لا مرتين. و يتضح من رسالة طويلة وجهها المستشرق فولجنس فرينل إلى رئيس الجمعية سنة 1838، و لكن المجلة الأسيوية لم تنشرها إلا سنة 1871، إنه كان من المسلّمين بصحة هذه الرحلة، ثم بدّل رأيه بعد أن عرض على ذوي الخبرة من العرب الصفحات التي جاء فيها وصف الدرعية و ذكر الإمام الوهابي عبد اللّه بن سعود. و أصدرت المجلة الأسيوية حكمها الصارم في تقريرها السنوي لعام 1872 (ج 20، ص 36) جاء فيه: إن هذه الرحلة وليدة الخيال، كتبها رجل عارف بأحوال البادية.

و لم يتساءل صاحب هذا الكلام كيف تم لبائع من صغار التجار، يكاد يجهل اللغة العربية الفصحى، مثل فتح اللّه الصايغ، يخشى البادية كما يخشاها كل حضري من سكان المدن، لا سيما أنه كان نصرانيا، أن يكون مطلعا أتم الاطلاع على أحوال البدو، حتى أنه تكلم عن عادة دفن الحصى أو دفن الذنوب، يكاد يجهلها حتى المختصون بدراسة البادية، و لكن ذكرها قبله شهاب الدين العمري المتوفى سنة 749 ه/ 1348 م، في كتابه: «التعريف بالمصطلح الشريف» (5)، فأنّى له هذه المعرفة الدقيقة بقبائلها و تقاليدها، إن لم يكن عاش معها ردحا من الزمن. أما الأخطاء التي نددت بها المجلة الأسيوية، مما حملها على الشك في رحلة الصايغ إلى الدرعية، فإن صاحبنا بري‏ء منها كبراءة الذئب من دم يوسف، لأن المسؤول الأول عنها هو سوء الترجمة، كما سنبينه بعد حين.

رحلة الصايغ: ما بين الحقيقة و الخيال‏

لقد شك بعض المستشرقين في صحة رحلة الصايغ و نسبوها إلى الخيال، لأنهم اطلعوا عليها من خلال ترجمة خاطئة. و نحن نميل إلى تصديق الصايغ، و ننظر إلى مذكراته نظرنا إلى جزء من التراث السوري العربي، على الرغم من أخطائه التاريخية و مبالغاته الكثيرة، لأن في وصفه دقة شاهد العيان و لأن ما كتبه يتماشى مع الواقع التاريخي.

____________

(5) انظر الهامش رقم 18.

16

كانت فرنسا تطمع بالاستيلاء على مصر من قبل قيام ثورة 1789، فزارها عدد من سياحها و وصفوها، من أشهرهم فولنه الذي تجول في الشرق من سنة 1783 إلى سنة 1785 و كتب كتابا قيما عن وضعه الجغرافي و السياسي و العمراني، و قال عن مدينة الاسكندرية أن تحصناتها الحربية عديمة الوجود (6).

و عندما أبحرت القوات العسكرية الفرنسية متوجهة إلى مصر، فقد هذا الكتاب من الأسواق. و بعد أن استولى بونابارت على الحكم، أراد من جديد أن يقطع على انكلترا طريق الهند، كما أثبتناه مفصلا في المقدمة الفرنسية، فأرسلت السلطات الكولونيل سبستياني‏ (7)، سنة 1802، و فانسان بوتان‏ (8)، سنة 1810، للكشف عن الوضع العسكري في الشرق. و لعل القرار على مهمة لاسكاريس صدر عن نفس الدوائر الفرنسية العالية.

و هنا يقف المؤرخ وقفة الحائر المتردد، إذ لا يجد أي وثيقة تؤكد صحة ما ادعاه لاسكاريس، بناء على ما ذكره الصايغ، من أنه موفد إلى الشرق ليكسب صداقة أمراء البادية. و لم أجد في المخابرات القنصلية الفرنسية الخاصة بمدينة حلب ذكرا للاسكاريس، مع أنه أقام في هذه البلد أكثر من سنة، و كانت تأتيه الأموال منها، على ما يقول الصايغ. و لكن ليس من عادة الدوائر الجاسوسية أن تعطي تعليماتها بالطرق الرسمية. و لا يمكن أن تكون هذه القصة من ابتداع السائح السوري. فأنّي لشاب لا يحسن غير البيع و الشراء أن يكون عارفا بالسياسة العالمية و على علم بأسماء عدد من كبار الشخصيات الفرنسية المقيمة في الشرق، من قناصل و سفراء حتى أنه تحدث عن وصول الجنرالين سافاري و لالمان إلى أزمير بعد سقوط نابوليون؟ و لا شك عندي في أن رحلة الصايغ ليست وليدة الخيال، و إن كان الخيال لعب بها، و لا يمكن لأي ناقد قرأ هذه المذكرات، و اطلع على دقة الوصف فيها لبعض القرى السورية و الأماكن الأثرية و الحياة البدوية إلا أن يسلّم بحكمنا هذا. و لعلّ لاسكاريس أوهمه أنه كان موفدا من قبل نابوليون، أو لعل‏

____________

(6) فولنه، رحلة إلى مصر و سورية، ص 28 (بالفرنسية)، تحقيق جان غولميه، باريس 1959.

(7) الأب لامنس، تاريخ سورية، ج 2، ص 128 (بالفرنسية)، بيروت، 1921.

(8) ج. م. كرّيه، الرحّالون و الكتبة الفرنسيون في مصر (بالفرنسية)، ج 4، باريس، 1961 و قد اغتال العلويون بوتان سنة 1815.

17

بعض الشخصيات السياسية الفرنسية طلبت من لاسكاريس أن يقوم بالتمهيدات الأولية لكسب صداقة أمراء البادية، إذ بقي في مصر عدد من الفرنسيين بعد اخفاق الحملة، اعتنقوا الإسلام و خدموا أصحاب البلاد، منهم الكولونيل ساف المشهور بسليمان باشا، و هو الذي أعاد تنظيم جيش محمد علي‏ (9). و الحقيقة أن قصة لاسكاريس من الألغاز التاريخية التي لم تجد حلا إلى يومنا هذا. و تفيدنا رسالة وجهها قنصل فرنسا بالاسكندرية إلى وزارة الخارجية بباريس، بتاريخ 23 نيسان 1817، أن السائح بوركهارت، الذي اكتشف خرائب بترا، كتب ترجمة لاسكاريس بعد وفاته بالقاهرة (10). و من المؤسف أني لم أجد أثرا لها، و لعلها لم تطبع، إلا أنها تدل على أن الرحالة السويسري البريطاني كان على اتصال بجاسوس نابوليون و ينظر إليه نظرة الند للند. و نعلم من مذكرات الصايغ أن لاسكاريس التقى فعلا بالشيخ إبراهيم صاحب «الرحلة إلى الجزيرة العربية».

و متى سلمنا بهذه الأمور الأساسية و هي أن قصة لاسكاريس ليست وليدة الخيال و أنه رحل فعلا مع ترجمانه فتح اللّه الصايغ إلى البادية و اتصلا بعدد من شيوخ القبائل، اتسع علينا مجال النقد لنتبين الصحيح من الخطأ في المذكرات التي نقوم اليوم بنشرها، لأن صاحب الرحلة شوّه الحقيقة أحيانا، و تحدث بأمور هي من نسج خياله، إلا أنه صدق أيضا في أمور كثيرة، فأفاد إفادة جمة.

و أول ما يجب الإشارة إليه هي الأخطاء التاريخية العديدة في هذه المذكرات.

فالصايغ يقول أنه بعد رحلته الأولى إلى تدمر و بر الشام ذهب إلى دمشق، و كان ذلك بتاريخ 23 كانون الأول سنة 1810. ثم اتصل بالدريعي بن شعلان، و تمكن من احضار معلمه الشيخ إبراهيم إلى مخيم الدريعي في صيف أو خريف سنة 1811. و أثناء ذلك قامت بعض القوات الوهابية بغزوة على عرب الشام، فتبعها الدريعي و ربح المعركة ضد القائد الوهابي الشهير بأبي نقطة. إلا أن أبا نقطة، حاكم عسير تهامة، توفي قبل هذا الغزو بسنتين، قتله الشريف علي حمود،

____________

(9) فيليب حتّى، ادوار جرجي، جبرائيل جبّور، تاريخ العرب (مطول) ج 2، ص 852. دار الكشاف، بيروت، 1961.

(10) المخابرات القنصلية رقم 19، سنة 1817، ورقة 200، باريس، وزارة الخارجية (بالفرنسية).

18

قائد عرب اليمن، عندما اندلعت نيران الحرب بين الوهابيين و اليمنيين‏ (11). و يذكر الصايغ من جديد أبا نقطة و يزعم أنه قاد حملة على بر الشام، و كان معه يومئذ عبد اللّه الهدّال، كيخيا ابن سعود، و ذلك خلال ربيع أو صيف سنة 1813. و كان النصر أيضا حليف الدريعي. و يتحدث من جديد عن أبي نقطة عند زيارته الدرعية، و يزعم أنه تناول معه طعام العشاء، و لكنه لا يذكر تاريخ هذه الزيارة. و إذا تتبعنا سياق الحديث يتضح لنا أن ذهابه إلى عاصمة الوهابيين كان خلال ربيع أو صيف سنة 1814، بعد سفره إلى أطراف الهند و اتحاد الشيخ الرّديني مع الدريعي. و في الوقت نفسه يعلمنا أن خبر زحف القوات المصرية على المدينة بلغ ابن سعود عند نهاية هذه الزيارة. و من المعلوم أن الجيش المصري احتل المدينة المنورة في شهر تشرين الثاني سنة 1812.

و بعد أن نجحت مساعي لاسكاريس ذهب إلى استنبول قاصدا فرنسا.

و يستدل من سياق القصة أنه سافر في نهاية سنة 1814. و لكن الصايغ يخبرنا أنه علم هناك باندحار القوات الفرنسية في روسيا، ثم تتابعت الأخبار المشؤومة و بلغه تراجع نابوليون و عودته مكسورا إلى باريس. و من المعروف المشهور أن هذه الحوادث جرت في شتاء سنة 1813.

فيتضح من هذا النقد السريع أن الصايغ خبط بالتاريخ خبط عشواء، و إذا أضفنا إلى ما تقدم مغامراته العديدة المزعومة، و الأخطار التي مرّ بها و كاد يذهب ضحيتها، و حديثه عن أثواب الحيّات، و هو أشبه بقصص ألف ليلة و ليلة، أصبح من اليقين لدينا أنه تساهل تساهلا شديدا بالأمور التاريخية، و أن الناقد على حق إذا شك في صحة أقواله، و نسب عددا منها إلى الخيال.

و لكن «لعل له عذرا و أنت تلوم». و الواقع أن الصايغ كان يكتب يومياته على «ورقة طيارة»، على حسب تعبيره، و أن هي إلا مذكرة للشيخ إبراهيم تسهل عليه تسجيل الوقائع. و ما أظن أن صاحبنا كان يفكر يوما بوضع كتاب عن رحلته، لأنه كان لا يحسن اللغة العربية، و لكنه احتفظ بمذكراته، و عندما عرض‏

____________

(11) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، الدولة السعودية الأولى، ص 168، القاهرة، 1969؛ عبد اللّه فيلبي، تاريخ نجد، ص 124، المكتبة الأهلية، بيروت (دون تاريخ).

19

عليه لا مرتين شراءها قام عندئذ بتحريرها باللهجة الحلبية و أسبغ عليها طابع المغامرات، متتبعا سير الحوادث. و الدليل على ذلك أنه كثيرا ما يضع علامة على بعض صفحات المخطوطة تشير إلى أن الحادث الذي ذكره يجب أن يقدم أو يؤخر. و لا عجب إذا أخطأ بالتواريخ لأنه أراد بادئ بدء سرد قصة أبيه الروحي لاسكاريس، فكتب ما علق بذاكرته، دون اهتمام كبير بالأمانة التاريخية، لا سيما و أنه وضع كتابه بعد مضي نحو خمس عشرة سنة على رحلته، فذكر القائد أبا نقطة لأن حاكم عسير تهامة كان مشهورا بقوته و جسارته، و أخطأ بأسماء الأعلام و الأنساب، بل أنه سرد حوادث من الصعب تصديقها لو لا ورودها أيضا في مصادر موثوق بها.

و هناك نقطتان أساسيتان أثارتا بنوع خاص شكوك المؤرخين، فلا بدّ لنا من الكلام عنهما: الأولى معركة حماة، و الثانية زيارة الدرعية.

وصف الصايغ معركة حماة وصفا رائعا، و ذكر عدد المقاتلين، فزعم أن الجيش الوهابي كان يضم نحو مئة و خمسين ألف مقاتل، أما عرب الشام، فإن جميع القبائل التي أنجدت الدريعي لا تزيد على ثمانين ألف محارب، يضاف إليها جنود الجيش العثماني الذي تصدى أيضا للغزو الوهابي.

و لكن هل وقعت هذه المعركة حقا؟ يعتقد الدكتور منير العجلاني أن الإمام سعود قام فعلا بغارة على أطراف الشام سنة 1225 ه/ 1810 م‏ (12).

إلا أنه يظن «أن أعداد المقاتلين أعداد مبالغ فيها كثيرا، و أما المعركة، فيترجح [عنده‏]، بغلبة الظن، أنها وقعت. يقول ابن بشر في أخبار سنة 1225 أن الإمام سعود سار في شهر ربيع الثاني إلى الشام» (13). أن هذه الغارة التي تحدث عنها ابن بشر قام بها الإمام الوهابي نفسه سنة 1810، أما معركة حماة فلم تكن‏

____________

(12) منير العجلاني، تاريخ بلاد العربية السعودية، ج 3، ص 65، دار الكاتب العربي، بغداد (دون تاريخ).

(13) منير العجلاني، المصدر نفسه، ص 23؛ فيلبي، تاريخ نجد، ص 127. و أخطأ ميخائيل مشاقه في تاريخ هذه الغارة، فزعم أنها كانت سنة 1817، و أن الجند الحجازي الذي أمّ الشام أرسله محمد بن عبد الوهاب، (انظر: بلاد الشام في القرن التاسع عشر، دراسة و تحقيق سهيل زكار، ص 100، دار حسان، دمشق 1402/ 1982).

20

بقيادته، و حدثت، على ما يقول الصايغ، بعد هذه الغارة بثلاث سنين. و عندما علق الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي على هذه الغزوة كتب بقلمه: «هذا غير معقول، ما كسرت جيوش الوهابي عند حماة، إذا كان العرب بعضها مع بعض، اللّهم ...» (14). و هذا الكلام يشير إلى إمكانية وقوع مثل هذا الغزو، و لكنه لم يكن بقيادة الإمام سعود.

و لدينا شاهد على وقوع هذه المعركة الكبيرة في كتيب لمؤلف فرنسي كان من عملاء نابوليون في الشرق، يدعى أوغست دي نرسيا، طبع سنة 1818، يقول فيه: «لما وقعت الحرب بين قبائل عنزة و الفدعان غطت خيام الفئتين المتقاتلتين جميع المساحة بين سلمية و تدمر ... و إننا نؤكد أن عدد المتحاربين في معركة السلمية [قرب حماة] التي وقعت سنة 1812، زاد على أربعين ألف فارس يحملون الرماح. غير أن العدد الذي ذكرناه أقل بكثير مما ذهب إليه بعض الأناس المعروفين بصدقهم و بعد نظرهم، و ذلك لأننا نخشى أن تنسب إلينا المغالاة في الامور». و من البديهي أن ما يقوله الكاتب الفرنسي لا يعني إن القتال كان بين الوهابيين و عرب الشام لأن الفدعان فرع من قبائل عنزة. و لكن عنوان الكتاب يدل على أن حديث المؤلف له علاقة بالغزو الوهابي، و هو: «نبذة عن البدو و عن الملة الوهابية» (ص 18).

أما رحلة الصايغ إلى الدرعية، فهي التي أثارت شكوك المستشرقين بنوع خاص، و سار على خطاهم بعض المؤرخين العرب‏ (15)، دون الرجوع إلى المصدر الأول أي مذكرات فتح اللّه الصايغ. و قد سبق و اثبتنا، في مقال نشرته مجلة العرب‏ (16) أن المسؤول عن الريبة التي تحوط بهذه الرحلة هو سوء الترجمة بل الترجمات العديدة أولا من العربية إلى الافرنجية، لهجة هي خليط من الفرنسيه و الأسبنيولية و الإيطالية و العربية و التركية، و كان يتكلم بها سابقا بعض أهل المشرق، و منها إلى الفرنسية، ثم قام لامرتين بتنقيح هذه الترجمة، و عنها أخذ المستشرق فرينل ليردّ النص إلى العربية، ثم عرض هذا النص العربي الجديد على أرباب الخبرة من‏

____________

(14) مجلة العرب، ج 3، 4، س 19، 1404/ 1984، ص 162.

(15) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، المصدر نفسه، ص 274.

(16) انظر الهامش رقم 4.

21

العرب ليبدوا رأيهم فيه، فكتب الشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي معلقا عليه:

كذب هذا النصراني و لم يصدق في شي‏ء (17). فقبلت المجلة الأسيوية هذا الحكم الصارم، دون فحص أو تدقيق. و بعد البحث و مقابلة النصوص اتضح لي أن المنتقد، أي فتح اللّه الصايغ، و المنتقد، أي الشيخ الحنبلي، كلاهما على صواب، لم يكذب الأول و لم يخطئ الثاني، إلا أن الترجمات حرّفت عبارات الصايغ، و ابدلت بعض معانيها، و أدخلت فيها ما لا وجود في النص العربي الأول، فأصدر الشيخ الحنبلي حكمه، و هو صادق، على كلام لم يقله الصايغ، و علاوة على ذلك إن الشيخ الحنبلي و كان في العقد التاسع من عمره، وقع هو أيضا في بعض الأخطاء، كما بيناه في الملحق المدرج في نهاية هذا الكتاب.

و مما لا شك فيه أن الصائغ ارتكب أغلاطا فادحة عديدة، فكتب مكا بدلا من مخا، و زعم أن قبر النبي في مكة و أن سعودا نهب هذا البلد، فخلط بين مكة و المدينة. و هنا لك أيضا مجال للشك في صحة الكتاب الذي أرسل به عبد اللّه بن سعودى إلى الدريعي بن شعلان. و لكن علينا ألّا ننسى أن الرسالة موجهة إلى شيخ بدوي يجهل القراءة و الكتابة، و لعلها صيغت عمدا بأسلوب يفهمه أهل البادية. و لكني أميل إلى الظن أن الصايغ سجّل في مذكراته وصول كتاب من الإمام الوهابي إلى ابن شعلان، و لما صنّف كتابه، صاغ الرسالة بإنشائه العامي البدوي. و لا عجب إذا أخطأ في نسب عبد اللّه بن سعود، فإن خلطه بين مكة و المدينة يكفي لإظهار قلة معرفته بالأمور العربية.

أجل إن الصايغ لم يكن حريصا على الأمانة التاريخية، لأنه أراد فقط أن يكتب قصة رحلة، فنمّق و زاد، و اتخذ أسلوبا روائيا، فشوّه الحقائق أحيانا. و على الرغم من هذه الأخطاء، فإن في كتابه من الفوائد الجمة، و الأوصاف الدقيقة، و المعلومات الشيقة الهامة ما يجعله مرجعا لكل من يدرس أحوال البادية أو يبحث عن الدعوة الوهابية، لأنه تكلم عنها مرارا، كما تكلم عن عبد اللّه بن سعود و أحواله. و إني أميل إلى تصديقه عند ما يتحدث عن الدرعية، لأن الشكوك التي أثارتها هذه الرحلة تضمحل متى عرضناها على محك النقد السليم.

____________

(17) مجلة العرب، ج 3، 4، س 19، ص 154.

22

أهمية مذكرات الصايغ‏

و لكي يكون عرضنا نزيها و شاملا، علينا الآن أن نظهر محاسن هذا الكتاب. بعد أن نوهنا بمطاعنه. و أول ما يسترعي النظر هو وصفه الدقيق السريع لكثير من الأمكنة، مما يدل على أنه رآها حقا. و من ذلك كلامه عن حمّام طبيعي قرب قرية صدد، قال: «كان مسيرنا أربع ساعات لطرف الشرق منحرف لجهة الشمال، فوصلنا و وجدنا عمارات قديمة و كثيرا من الخراب. ثم وجدنا مخدعا بقدر غرفة كبيرة لم تزل قائمة، عمارته على الطريقة القديمة بحجار كبيرة جدا، تهدّم منها فقط قسم من الحائط من جهة الباب، فسدّ نصفه. فدخلنا الغرفة، و وجدنا طاقة من جهة الشرق طولها نحو ذراع و عرضها كذلك، بناؤها قديم جدا، و يخرج من تلك الطاقة بخار عظيم بكثرة».

بوسعنا أن نعطي أمثلة كثيرة من هذا النوع كوصفه صدد، و القريتين، و آثار تدمر، و مغارة كبيرة قرب هذه البلدة الأثرية، و كلامه عن الدرعية و ريح السموم. و من أهم ما جاء في هذا الكتاب هو حديثه عن البادية و تقاليدها و قبائلها، فهو حديث الشاهد الأمين الذي يتكلم عما رآه و سمعه و عرفه بالخبرة و المشاهدة. و قد تعرض الصايغ لنواح عديدة من حياة البادية، مثل الرحيل في وقت السلم، و النساء في الهوادج، و أمامهن الفرسان الخبيرون بالضرب و الطعن، و الرحيل السريع في حالة الطوارئ، فتجدّ القبيلة بالسير المداوم، من غير نزول و لا راحة، بل الأكل على ظهور الجمال و النوم كذلك، و النساء تعجن و تخبز على ظهور الجمال أيضا. و يتكلم عن مكانة المرأة في المجتمع البدوي و تكريم أهل البادية لها، و عن الطب البدوي، و الخوة و النخوة و العطفة، بل إنه يفرد فصلا بتمامه لعادات أهل الوبر، و يحدثنا مطولا عن مراسيم الزواج. و نعتقد أن الصفحات التي جاء فيها وصف حفلة زواج ابن الأمير برجس من أحسن ما كتبه الصايغ في مذكراته، و يماثلها بالدقة كلامه عن العادات المتبعة عند البدو حين طلب النجدة. و يصف أيضا الحرب على ظهور الجمال، و يتحدث عن المعارك مع الوهابيين و عن سلاح البدو يومئذ، و نعلم أن السيف و الرمح كانا من الأسلحة التي‏

23

يكثر استعمالها في البادية، و إن منهم من كان يلبس الخوذة و قميص الزرد، أما الأسلحة النارية فإن الدراج عندهم البارودة ذات الفتيل.

و من أغرب ما جاء في مذكرات الصايغ عن أعراف البادية عادة «دفن الحصى»، و لا يكون ذلك إلا بعد الصلح التام و صفاء القلوب بين خصمين عنيدين و عدوين لدودين طال الخلاف بينهما، و جرى عليهما من جراء ذلك الأمور العظام. و عندئذ ينسى كل منهما ما مضى، و لا يطالب بثأر أو مال. و يعلمنا الصايغ كيف تتم عملية دفن الحصى و ما هو مغزاها، إذ شاهد ذلك عيانا بعد أن رضي الدريعي بالصلح مع مهنا الفاضل، فوصفها ثم قال: فتعجبنا أنا و الشيخ إبراهيم (لاسكاريس) من ذلك، لأننا ما كنا رأينا هذه النكتة و لا سمعنا بها. و يظهر أن هذه العادة طاعنة بالقدم، إذ تكلم عنها، كما قلت أعلاه، شهاب الدين العمري في كتابه: «التعريف بالمصطلح الشريف» (18)، و وصفها أيضا ابن ناظر الجيش في تثقيف التعريف‏ (19)، و القلقشندي في «صبح الأعشى» (20).

و لا نعلم أن أحدا من المختصين بالبادية و أحوالها أتى على ذكرها، مما يثبت صدق رواية الصايغ. و اعتقادنا أنها زالت اليوم، غير أن ذكرها بقي محفوظا عند بدو الأردن، فهم يقولون حفر و دفن، و «حفار و دفان عليهما أدامة إلى يوم القيامة».

و لا يسعنا هنا أن نعدد جميع محاسن كتاب فتح اللّه الصايغ‏ (21)، و في قراءته أكبر برهان، لأنه على الرغم من أخطائه التاريخية و ميل مؤلفه إلى الغلو، وثيقة حية عن بلاد الشام و باديته. و هذا الاطراء لا يعني أن صاحبه صدق في كل شي‏ء. فقد يكون زاد في قصة لاسكاريس و نمقها، و لكنها ليست من مبتدعاته،

____________

(18) شهاب الدين العمري، التعريف بالمصطلح الشريف، ص 165 و ما بعدها، القاهرة، 1312.

(19) ابن ناظر الجيش، تثقيف التعريف، مخطوطة الاسكوريال، ورقة 97 و 98. انظر أيضا مقالنا بالفرنسية:

«دفن الذنوب عند العرب» مجلة تاريخ الديانات، نيسان- حزيران 1959، ص 215 و ما بعدها، و أيضا الموسوعة الإسلامية، مادة «دفن».

(20) القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الانشا، ج 13، ص 352 و ما بعدها، دار الكتب السلطانية، القاهرة، 1918.

(21) أتينا على ذكر بعض هذه المحاسن في مجلة العرب، ج 11، 12، س 20، 1406/ 1986، ص 775- 798.

24

و نراه يتحدث عن البدو و أحوالهم بدقة و معرفة وسعة اطلاع لا تتأتى إلا لرجل عاش معهم ردحا من الزمن.

المخطوطة

قد خلط الذين ترجموا للصائغ بين مذكراته التي نقوم بنشرها اليوم و مؤلفه الآخر الموسوم «بكتاب المقترب في حوادث الحضر و العرب». و يوجد من هذا الكتاب عدة نسخ، الواحدة منها في باريس، تحت رقم 1685 عربي، و لعلها بخط المؤلف. أما قصة رحلته فلا يوجد منها إلا نسخة واحدة في العالم، و هي التي اشتراها لامرتين و محفوظة أيضا في المكتبة الوطنية بباريس، قسم المخطوطات العربية، تحت رقم 2298.

و تحوي هذه المخطوطة على مئة و تسع و عشرين ورقة أي على مئتين و ست و خمسين صفحة، بقياس 15* 5 ر 21، في كل منها نحو ثلاثة و عشرين سطرا.

إلا أن الورقة 2/ 114 و نصف الورقة 2/ 116 و الورقة 117 و 118 و 2/ 119 بقيت بيضاء. و الخط غير جميل و لكنه سهل القراءة نسبيا. غير أنه شديد الرصّ، إلا في الورقات الأخيرة من الكتاب، و اعتبارا من الورقة رقم 119. و بسبب هذا الرص الشديد لم يبق في الصفحة إلا هامش ضيق جدا. و لذا عند تجليد المخطوطة، دخل عدد من الكلمات في جلد الكتاب و كذلك بعض العبارات المضافة في الهوامش، فصعبت بسبب ذلك قراءة المذكرات.

لغة المؤلف‏

إلا أن الصعوبة الكبرى متأتية من لغة المؤلف لأنه يكتب بلغة هي أقرب إلى اللهجة الحلبية منها إلى العربية الفصحى، و مع ذلك إننا نجد في مذكراته عددا من التعابير الإسلامية و الآيات القرآنية لحن فيها الصايغ، و نراه يحاول أن يفصح و لكنه لا يراعي مبادئ الإعراب فيقع في أغلاط نحوية و لغوية لا حصر لها. و علاوة على ذلك أنه كثيرا ما يبدل حروفا بحروف و يخلط بين المضخمة و اللينة فتصبح‏

25

الصاد سينا (عسر بدلا من عصر) و القاف كافا و الزين ذالا و الضاد دالا و الظاء ذالا و العكس بالعكس فيكتب أستغيظ بدلا من استغيث و حضر بدلا من حذر، و ركاد بدلا من رقاد ... و كذلك يخلط بين التاء المفتوحة و التاء المربوطة و يكثر من استعمال التعابير و الألفاظ التي يصعب فهمها على غير الحلبيين العريقين، و هناك أيضا عدد من الكلمات البدوية و التركية و العجمية و الفرنسية التي تحتاج أيضا إلى شرح و تعليق، خاصة أن طبع هذا الكتاب، مع الأمانة التامة لنص المؤلف، وفقا لأصول النشر المرعية عادة، يؤدي إلى نتائج غير مرضية بسبب كثرة الهوامش لا يضاح المعنى و المبنى، فيرمي القارئ الكتاب من يده من الملل، مع أن الموضوع شيّق جذاب.

و لذا رأينا أن من العبث الحرص على الأمانة الحرفية في عمل لا يمتاز بصبغة أدبية أو فلسفية و أن من الأولى تنقيح نص المؤلف و إعادة صياغته أحيانا، مع مراعاة الأصل و الاحتفاظ بما يمكن حفظه من التعابير و أسلوب الإنشاء، و لكن إتماما للفائدة، ذكرنا في الهوامش، بين هلالين مزدوجين، الكلمات الخاصة باللهجة الحلبية. و نحن بعملنا هذا لم نأت ببدعة جديدة، إنما اتبعنا العادة المرعية في نشر اليوميات أو الحوليات المكتوبة باللهجات القديمة، و نجد أمثالا على ذلك أيضا في أشهر كتب الأدب، مثل كتاب الأغاني، بل في كتب الحديث نفسها فكم من مرة نقرأ بعد الحديث المنقول العبارة التالية: «أو كما قال»، و معنى ذلك أن المحدث حفظ المعنى و لم يذكر النص بحذافيره. و مما لا شك فيه أن أهمية كتب الرحلات في موادها و ليس في إنشائها. فابن بطّوطة لم يكتب رحلته، و لكن أملاها على ابن جزيّ و لا نعلم إذا كان أملاها باللغة العامية أو الفصحى، فهل ينقص ذلك من فضل مؤلفها. و كذلك الأمر برحلة ماركو بولو فهو أملاها أيضا، و الأقرب إلى الظن أن الحديث جرى بلهجة سكان البندقية، إلا أن كاتب الرحلة سبكها بإحدى اللهجات الفرنسية القديمة و لو طبعت اليوم بهذه اللهجة لما تمكن من قراءتها إلا عدد قليل من الناس. و من البديهي أن مذكرات الصايغ ليست ذخرا أدبيا أو نصا فلسفيا لنحرص عليها حرصنا على المعلقات و إن هي إلا وثيقة تاريخية و جغرافية و عمرانية هامة، أما اللغة التي كتبت بها فثانوية بالنسبة إلى المعلومات الأساسية التي ذكرها صاحب الرحلة.

26

و نحن نعلم أننا من جراء هذا التصرف بنص الكتاب قد نتعرض لنقد الذين يحرصون على الأمانة اللفظية، مع أن تصرفنا بقي محصورا في نطاق اللغة و النحو و بذلنا ما في وسعنا لنحافظ على ألفاظ المؤلف و تعابيره بعد ردها إلى الفصحى.

و جوابنا أن لو لا هذا التصرف لصعب جدا نشر هذه المخطوطة. و نحن لم نقم بهذا العمل الشاق الدقيق إلا ليصبح كتاب الصايغ سهل القراءة، على متناول يد كل ناطق بالضاد، و لو بقي على علاته لاستفاد منه خاصة الحلبيون و علماء اللهجات و قد راعينا حقوق هذه الفئة من الناس، إذ ذكرنا في الهوامش كل ما له صلة باللهجة العامية، كما افردنا فهرسا للكلمات الفنية و الأجنبية مع شرحها، و فهارس للأعلام و الأماكن و القبائل.

و على ذكر أسماء الأعلام لا يسعنا إلا أن نردد ما كتبناه في مقدمة «بغية المستفيد» من صعوبة ضبطها، إذ ليس لها من قاعدة، و قد أهمل المؤلفون المعاصرون هذه الناحية، فنكاد لا نجد أسما مضبوطا في «معجم القبائل القديمة و الحديثة» لعمر كحّالة، أو في «عشائر الشام» لوصفي زكريّا. و لكن دقة اللغات الأوروبية لا تسمح للمؤلف أو المحقق أن يختار من الأمرين ما هو أسهل عليه، و لا بدّ من ضبط صحيح، إذ عليه أن يكتب جميع الحروف الصوتية و الصامتة (22).

*** يقول المثل الحلبي: «أعرج حلب وصل إلى الهند». و قد حقق فتح اللّه الصايغ هذا القول السائر أو يكاد لأنه كان صحيح القدمين. و لكنه زاد عليه إذ ابتدأ برحلته و هو في العشرين من عمره، و وصل إلى الهند عبر الصحراء، بعد أن قطع بادية الشام و اجتاز مفاوز العراق و إيران، تم ذهب إلى الدرعية عاصمة الوهّابيين، و وصف بدقة كل ما شاهده، و أبقى لنا مذكراته التي تعد بحق من التراث القومي السوري العربي.

____________

(22) أما معجم القبائل المملكة العربية السعودية للشيخ حمد الجاسر، فإنه مضبوط و مشكل طبق المرام، انظر هامش رقم 1.

27

و إني سعيد بتقديم هذا العمل إلى أبناء وطني الأول و إلى كل ناطق بالضاد، و فخور بفتح اللّه الصايغ ابن مسقط رأسي حلب، و شاكر للشاعر الخالد لامرتين، الذي اشترى هذه المذكرات و حفظها و عمل على ترجمتها، و لفرنسا التي كرمت مؤلف هذه الرحلة، فعينته عاملا قنصليا في حلب.

و أشكر أيضا كل من أعانني على إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود، و أخص بالذكر الشيخ حمد الجاسر صاحب مجلة العرب الغرّاء، لأنه كان أول من استرعى انتباهي إلى هذه الرحلة و نشر ملاحظاتي على تعليق الشيخ الحنبلي، و لا تفوتني الإشارة إلى المساعدة القيمة التي قدمها لي شيخ أدباء الأردن الأستاذ روكس بن زائد العزيزي إذ أفادني في ضبط عدد من أسماء الأعلام و القبائل. و أراني عاجزا عن شكر ابن أختي الأب الياس ناقوز إذ كان صلة وصل بيني و بين دور النشر السورية إلى أن تكللت مساعيه بالنجاح إذ وافقت دار طلاس الغنية عن التعريف، المشهورة بجودة الطبع و دقة الاخراج، على تولي هذا العمل فله، و لها، و لمديرها العام سيادة اللواء اكليل الأتاسي‏ (23) كل أمتناني و السلام.

د. يوسف شلحد مدير أبحاث فخري في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي مدرس الانتروبولوجيا الثقافية في جامعة السوربون الجديدة سابقا

____________

(23) تم كتابة هذه السطور من قبل الدكتور يوسف شلحد قبل وفاة مدير دار طلاس اللواء إكليل الأتاسي.

تغمده اللّه برحمته.

28

[تصوير]

29

[تصوير]

30

[تصوير]

31

نمره 1

[صفقة تجارية خاسرة] (1)

ورقة 2/ 2 أقول، أنا الفقير إلى اللّه، فتح اللّه ولد أنطوان الصايغ اللاتيني، من سكان‏ (2) حلب الشهباء المحروسة. فحين بلغت من العمر ثماني عشرة سنة، أردت أن أتعاطى البيع و الشراء سعيا وراء أرباح التجارة. فأخذت جانب رزق من حلب، و توجهت إلى جزيرة قبرص، و ابتدأت أبيع و أشتري مع تجارها، و ذلك من ابتداء سنة 1808 إلى ابتداء سنة 1809.

فرأيت أنه من المستحسن أن أبعث إرسالية إلى ترييسته من بضائع قبرص. فهممت بذلك و استأجرت مركب القبطان تومازو جفاليتيونه. و الشحنة من نبيذ كمنداري و قطن و حرير و اسفنج و حنظل. و سافر المركب المذكور في 28 آذار سنة 1809 قاصدا مدينة ترييسته.

فبعد سفره بقليل من الأيام، التقى بمركب إنكليز. و بما أن الحرب كانت عندئذ على أشدها، فإنه أخذه غنيمة و قاده إلى مالطه.

____________

(1) جميع العناوين من المحقق، و كذلك تقسيم الكتاب و تبوييه، و على العموم كل كلمة أو عبارة وردت بين معكوفين [] هي من المحقق.

(2) «قطّان»

إن لغة فتح اللّه الصايغ أقرب إلى اللهجة الحلبية العامية منها إلى العربية الفصحى، فلكي يسهل فهم هذا الكتاب على كل قارئ عربي، لم نحتفظ بجميع الكلمات و التعابير العامية التي استعملها المؤلف، إذ قد يصعب إدراكها على غير الحلبيين العريقين. و لكن إتماما للفائدة ذكرنا أهمها في الهوامش. فكل كلمة أو تعبير جاء بين هلالين مزدوجين «» هو من لغة الصايغ الحلبية، و كل ما جاء بين قوسين ()، في نص الكتاب، هو أيضا من المؤلف.

32

فحين بلغني ذلك اشتد علي القهر. ثم قوّمت حساباتي فوجدت أحوالي متأخرة جدا. فاضطررت أن أغادر جزيرة قبرص، فتوجهت إلى بلدي حلب.

و بعد دخولي إلى بلدي بقليل من الأيام، دعيت عند بعض الأحباب الإفرنج إلى العشاء، و كان هناك عدد من المدعوين غيري، و من جملتهم واحد يعتبرونه جدا مع أنه زري الهيئة. فبعد العشاء صار بسط و انشراح، و حديث لأجل تمضية السهرة. و كان هذا الرجل الغريب الزي دائما جالسا إلى جانبي، و يحبّ أن يسمع حديثي. فسألت بعض الحاضرين من هو هذا الرجل فأجابوني أنه من أكابر بلاد الإفرنج، يقال له الخواجة تيودور لاسكاريس دي فنتيميل، من عظماء أشراف مالطة سابقا (3). فبعد أن سمعت ذلك ازداد إعتباري له جدا، و أثناء الحديث، أعلمته أني أحب الموسيقى و أضرب على آلات الطرب.

فثاني يوم للقائنا حضر إلى بيتي و معه كمنجة قدمها لي هدية و قال لي: يا حبيبي، إنك عزيز علي، و أود أن أعاملك مثل ولدي. و بما أنك تحب الموسيقى جئت بهذه الكمنجة، و أرجو أن 1/ 3 تقبلها مني./ فقبلتها منه و صار عندي عزيزا جدا لأنه وهبني شيئا يسرني.

و ثاني يوم أتى إلى عندي، و استمر على هذه الحالة عدة أيام، و كان دائما حديثه معي بحكايات و أمور غريبة، حتى فهم عقلي و أطباعي جيدا. ثم بعد ذلك قال لي يا ولدي أريد منك أن تعلمني اللسان العربي‏ (4)، قراءة و كتابة و حديثا، و أنا أعطيك كل شهر مئة غرش، تعلمني ساعة فقط، فأخذني العجب من ذلك، و قلت في نفسي أنا لا أستحق هذه الأجرة، و لا جرت العادة، في بلادنا أن تعطى مثل هذه الإجرة للمعلم. فابتدأت أعلمه ساعة كل يوم، على حسب الشرط الذي صار بيننا، و أقمنا على هذه الحالة ستة أشهر.

ثم بعد هذه المدة كان تعلم نوعا ما، و صار يتكلم و يقرأ و يكتب قليلا، فقال لي: يا ولدي الحبيب أنت دائما عينك بالمتجر، و تحب البيع و الشراء و أرباح التجارة، فقم بنا نتسوق بعض البضائع التي تنفق في نواحي بلاد حماة و حمص و ضيعهما. و لكن يا حبيبي، أريد منك أن تعاهدني باللّه أنك تمشي معي بموجب ما أقول لك، و لا تخالفني.

فكان جوابي: الذي تريده أنا أعمل به. فقال: أريد منك عدم البحث و التفتيش عن جميع‏

____________

(3) في السطور الأخيرة من هذه الصفحة من المخطوطة بياض، سقطت بسببه عدة كلمات. إنما المعنى واضح.

(4) «لسان العرابي».

33

ما أقول و أفعل، أريد منك أيضا طاعة عمياء، مهما قلت لك تفعله من غير مراجعة و لا سؤال عن سبب فعل ذلك، و لو ظهر لك أن ذلك خلاف لما يجب أو يقتضي عمله، عليك أن تفعله و تبقى ساكنا و سوف ترى ثمرة قولي. فكنت تارة أضحك في قلبي، و تارة أراجع حالي و أقول في نفسي لا بد من أمر كبير للغاية.

ثم ابتدأنا نتسوق. فقلت له يا سيدي ما ذا تريد أن نشتري من البضائع.

فقال: كندكي‏ (5) أحمر، أعني خام مصبوغ أحمر يؤتى به لحلب من تفليس‏ (6)، أحد بلاد الكرج، و كذلك مسابح كهربا، ماسات مربوطات، و مرجان، و خرز ملون الأشكال، و أساور زجاج‏ (7)، و مناديل خمريات يسمونها في حلب كساجور، و إبر، و دبابيس، و مرايا صغيرة، و بخور البان، و ميعة (8) ورق، و شملات سود قزّ و حرير، و قمصان قز حمر مطبوعات 2/ 3 بأسود، و أمشاط خشب، و لجم خيل، و فلفل و قرنفل،/ و سكر نبات، و مسابح عرق لؤلؤ، و كمّون. فبلغ ثمن جميع ذلك أحد عشر ألف غرش. فوضعنا في الصناديق ما يمكن وضعه، و ما يمكن ربطه حزمناه حزما (9) و دبرنا كل أمورنا و أنهينا جميع أشغالنا من حلب. و كان كل من يرى ذلك يضحك مننا و يقول: عمرنا لم نر مثل هؤلاء التجار، وا أسفاه‏ (10) على هذه الغروش التي صرفتوها. و خصوصا أن الخواجه لاسكاريس، لأجل تدبير مآربه و تمشية أشغاله و وصوله إلى مرامه، كان يظهر حاله نوعا ما خفيف العقل، و كان دائما بهيئة (11) زرية، يرخي لحيته، و يلبس مشلحا أسود، و برجله صرماية (12) حمراء، و برأسه لفة و سخة، إذا تكلم معه أحد يعمل كأنه لم يسمع، يأكل بالسوق و يقوم بحركات تحوج الناس أن تقول عنه أنه مجنون و يضحكون منه. و أما أنا فما كنت قط أضحك منه، لأنه كان حين يدخل الغرفة و يغلق بابها و أنا معه، ينتقل إلى درجة فيلسوف عظيم، و يبدأ يضحك من الناس الذين ضحكوا منه و استهزؤا به، و يقول لي: ما ذا يقولون عني يا ولدي؟ فأقول: يقولون عنك أنك‏

____________

(5) كلمة من الفارسية.

(6) تفليس، بفتح التاء و تكسر (ياقوت، معجم البلدان).

(7) «قذاذ».

(8) بخّور.

(9) «عملنا فردات».

(10) «يا حيف».

(11) «كسم».

(12) حذاء يلبسه خاصة البدو و الفلاحون.

34

مجنون عديم العقل كليا. فيقول: و أنت ما ذا تقول عني يا حبيبي؟ فأقول له: إنك معلم جليل و أعظم الفلاسفة الموجودين بعصرنا هذا. فيضحك و يقول إنك لم تر بعد شيئا مني، و لكن سوف ترى أفعال أبيك الروحي لاسكاريس. و لكن لا تسألني عن شي‏ء أبدا إنما انظر بعينيك ما سيقع مني شيئا فشيئا.

ثم بعد ذلك جميعه شددنا الأحمال و دبرنا كل أمورنا لأجل السفر. و قبل سفرنا بيومين جاء بزئبق و وضع معه أجزاوات هو يعرفها، و جعل الزئبق مثل الدهن، و ملأ منه علبة. فقلت له يا سيدي و والدي: لما ذا يصلح هذا؟ قال: ألم أقل لك مهما رأيت لا تسأل عنه.

قلت: نعم، و لكني أظن أن هذا السؤال لا يضرك الجواب عليه. قال: إنه لأجل القمل كي لا يقرب منا، تدهن خيطا منه و تضعه في رقبتك فلا يجي‏ء القمل نحوك. فقلت له: يا سيدي 1/ 4 هل تظن أن قمل أهالي حماة و حمص يسعى على الأرض؟ فضحك و قال: إن الشرط الأول/ الذي شرطه عليك ألّا تبحث عما أفعل بل تنظر بعينيك فقط.

ثم ثاني يوم من بعد هذا الحديث قال لي: يا ولدي كنت مزمعا على السفر عاجلا، و لكني رأيت من المستحسن أن أبقى في حلب ثلاثين نهارا، من غير عمل شي‏ء كليا، بل إن هذه الأيام الثلاثين جعلتها لك، تمضيها بالبسط (13) و الغناء و اللعب و السهرات، و الانشراح مع النساء، و جميع أنواع اللهو (14)، و اصرف مهما أردت، فإن هذا الصندوق المملؤ دراهم كله لك، لا تتوقف عن شي‏ء كليا. فأخذت أقول في نفسي: يا صبي، اللّه و العالم، هذا كلام من يريد أن تودع الدنيا، و كأن منتهى حياتي سيكون على يده، و عند ذلك رميت كل هم و غم و كرب عن بالي، و ابتدأت بالبسط و السهرات و البساتين و المآكل اللذيذة و الفرح، و عملت كل ما يلذني و يسر خاطري. و أقمت ثلاثين نهارا على هذا الحال، و هو كل يوم يحضر إلى عندي و يقول لي: كن مسرورا و لا تتوقف من شي‏ء. فما زلت على هذا الحال حتى مضت الأيام الموعودة. فقال لي: يا عزيزي قد انتهت الثلاثون يوما، فهلمّ بنا نسافر و نربح المكاسب.

فقلت في بالي: ليس عليك علامات الذين مرادهم أن يكسبوا، و لكني سأكون طويل البال و إن شاء اللّه سوف أعرف مرادك.

____________

(13) «بالكيفيات».

(14) «المكيفيات».

35

ثم بعد ذلك وجدنا قافلة متجهة إلى حماة، فأكترينا منها و أعطيناها الأحمال و ودعنا الأهل و المحبين و الإخوان و سافرنا على بركة الرحمن.

36

[الابتداء بالرحيل‏]

و كان خروجنا من حلب في 18 شباط سنة 1810، نهار الخميس صباحا. و كان مسيرنا اثنتي عشرة ساعة إلى قصبة (1) يقال لها سرمين، فدخلنا إلى القصبة المذكورة و قضينا الليل فيها. و ثاني يوم سافرنا باكرا إلى بلد يقال لها معرّة النّعمان، في الطريق ما بين حلب و حماة. و هذه البلدة تبعث على الإنشراح، جيدة الماء، طيبة الهواء. فقال لي الخواجه لاسكاريس: أجد لنا مكانا ننزل به، لإن القافلة ستبقى يومين في المعرة. فرحت إلى خان 2/ 4 و أخذت غرفة (2) ليومين. ففي هذه البلد يقوم سوق‏ (3) كل يوم أحد/ و يأتي أناس من كل القرى و الضيع للبيع و الشراء و يكون ذلك النهار فرجة [للحاضرين‏]. فقمنا يوم الأحد الذي هو ثاني يوم وصولنا، و ذهبنا إلى السوق لنتفرج. و بينما نحن دائرون التفت فما وجدت الخواجه لاسكاريس، فصرت أدور عليه بين الناس، و بعد حصة وجدته جالسا عند حائط و إلى جانبه بدوي قذر، زري المنظر، و هو يتحدث معه. فقلت له: ما ذا تتكلم مع هذا البدوي الوسخ، و أنت تكاد أن تعرف لسانه، و كيف تفهم منه، و ما ذا يلذك من حديث رجل مثله. فقال: إن هذا النهار سعيد عندي إذ صار لي أن أتكلم مع واحد من البدو.

فقلت في بالي صدق من قال عنك أنك سخيف العقل.

____________

(1) القصبة: البلدة الكبيرة.

(2) «أوضه».

(3) «بازار».

37

ثم قام الخواجه لاسكاريس، و اشترى خبزا و جبنا و أعطاهما للبدوي، و سأله عن اسمه، فقال البدوي اسمي هلال، ثم انصرف. و مضى ذلك النهار، و ثاني يوم. سافرنا من المعرة إلى خان شيخون، و كان مسيرنا مدة ست ساعات فقط. ثم في اليوم التالي سافرنا من شيخون إلى حماة، و لكن كان برد و هواء عاصف و رعد و أحوال كئيبة جدا، فوصلنا إلى حماة وقت المغرب، و كان مسيرنا تسع ساعات. فدخلنا البلد و نحن لا نعرف أحدا و لا أحد يعرفنا، فنمنا تلك الليلة في حي‏ (4) يقال له الحاضر. ثم ثاني يوم قال لي: قم و ابحث لنا عن غرفة (5) ننزل بها و نضع فيها رزقنا. فذهبت و أخذت غرفة في قيصرية يقال قيصرية أسعد باشا، و نقلت الرزق من عند المكاري و أعطيته الكراء، و جهزت الغرفة بكل اللوازم، و ظننت أني ثاني يوم سأفتح الرزق و آخذ بالبيع و الشراء، على حسب عوايد الناس. و في تلك الليلة قلت له: يا سيدي، غدا إن شاء اللّه سنفتح هذا الرزق و نبتدئ بالبيع. فضحك و قال: يا ابني، كل ما في رأسك هو التجارة، و لو كنت تعرف غيرها من المهن لعلمت أن منها التي تفوقها بالأرباح. و لكن لا عتب عليك لأنك لم تر في حياتك إلا المتجر. و أنا عندي أرذل كل 1/ 5 الصناعات التجارة. فقلت في عقلي: و لكن ما ذا سنصنع بهذا الرزق/ الذي معنا؟ هل سنرميه‏ (6)؟

ثم أقمنا في حماة نحو عشرين يوما. و لا حاجة للشرح عنها، لأنها بلد مشهورة و معروفة من كل الناس. و إنما نتكلم عما حصل لنا فيها. فبعد دخولنا بأربعة أيام توجه الخواجه لاسكاريس وحده، من غير أن يعطيني خبرا أو يقول لي أني ذاهب أتنزه بالبلد. فوصل إلى القلعة، لأن لها قلعة قديمة متهدمة، ما بها شي‏ء عمار كليا غير جبلها فقط، فصعد إلى القلعة ليراها. و بينما هو يدور بها وجد بعض الأوباش‏ (7) الذين يصعدون إلى القلعة ليلعبوا بالقمار، في مخادعها المتخربة، كي لا يراهم أحد و يخبر الحاكم، لأن هذا شي‏ء ممنوع من الحاكم.

فالخواجه المذكور حين طلع، ابتدأ يقيس بخطواته القلعة عرضا و طولا. و كان فيها بعض الأوباش يلعبون بالقمار، فرأوا أنه غريب الزي، و أنه يقيس القلعة. فهجموا عليه و أمسكوا به و قالو له: أنت رجل غريب تقيس القلعة، و تريد أن تخرج منها كنزا، فإن أرضيتنا تركنا

____________

(4) «صايح».

(5) «أوضه».

(6) «بدنا نكبّ هل الرزق».

(7) «أناس معترين».

38

سبيلك، و إلا أعلمنا بك الحاكم. فبعد جدال طويل هرب منهم، و عاد إلى غرفتنا، و أخبرني بما جرى.

و بعد قليل من الوقت إذ حضر أربعة تفنكجيّة (8) من طرف المتسلم، فدخلوا القيصرية، و وقف اثنان منهم على بابها، و أخذ الاثنان الآخران بتفتيش غرفها الواحدة بعد الأخرى، و معهما الذي راح و اشتكى، إلى أن دخلا غرفتنا. فقال المشتكي: هذا هو الرجل فأمسكوه. فقبضا عليه و عليّ أيضا، و قفلا باب الغرفة، و أخذا مفتاحها و ذهبا بنا عند الحاكم.

و كان حاكم حماة في تلك الأيام رديئا ظالما يقال له سليم بك من بيت العظم. فحين دخولنا و اجهنا سعادته و وقفنا أمامه. فقال: من أين أنتم يا جماعة؟ فقلت يا سيدي أنا من حلب، و هذا الرجل من جزيرة قبرص. فقال ما هو سبب مجيئكم إلى هذه البلد؟ فقلت يا سيدي نحن جماعة تجار، و معنا رزق و نقصد باب اللّه. فقال كذبت يا ولد، أنتم جواسيس‏ (9)، 2/ 5 و اليوم كان رفيقك بالقلعة يقيسها و يريد إما إخراج كنز و إما أن يأتي بالكفار/ ليملكوا البلد، خذوهم و أودعوهم في السجن‏ (10). فحالا أخذونا و وضعونا بالسجن المظلم، و وضعوا الزنجير (11) بأرجلنا، و أغلقوا علينا الباب و ذهبوا. فابتدأ الخواجه لاسكاريس يضحك و يقول هل أنت مغتاظ (12) يا ولدي مما حصل لنا؟ فقلت لا، ما في أحسن من ذلك، و لكن يا حبيبي لو كنت قلت لي أنك تريد أن تزور القلعة، كنت ذهبت معك و دبرت المادة و ما تركتها تصل إلى هذا الحد. فقال: و كذلك سيصير لها تدبير إن شاء اللّه.

فبتنا تلك الليلة بالحبس. و عند المساء، صحت‏ (13) على السجان و أعطيته خمسة غروش، و طلبت منه أن يحضر لنا شيئا نأكله، و يشعل لنا ضوءا. فجاء العشاء و علق لنا قنديلا. فقضينا تلك الليلة من غير نوم و أكل جسدنا البراغيث‏ (14) و القمل، إلى أن أصبح الصباح و أتى الحاكم و كل أهل السرايا. فدعوت السجان و قلت له: يا محبنا ألا يوجد بين‏

____________

(8) تفنكجي (من التركية): رجل سلاحه التفنكة أي البندقية.

(9) «دواسيس».

(10) «حبس».

(11) «الجنزير».

(12) «محصور».

(13) «عيطت».

(14) «البراغيد».

39

الكتّاب النصارى من يقدر أن يسعى في خلاصنا؟ قال نعم، هنا شخص يدعى سليم اليازجي، غيّور، خدوم، يحب عمل الخير، و كنت سمعت به سابقا. فذهب و دعاه فأتى إلى باب الحبس. فسلمنا عليه و حكينا له القضية. فقال كونوا مطمئنين، لا يحدث إلا الخير.

و حالا دخل عند البك و حكى معه. فمن بعد تعب شديد أنهى القضية و صفا خاطر الحاكم.

فرجع عندنا و أفهمنا أن المسألة تحتاج إلى برطيل‏ (15) إلى جناب البك. فأعطاه الخواجه لاسكاريس ساعة تقدر بنحو مئتي غرش، و خاتما من الياقوت الأحمر قيمته نحو مئة غرش، و خمسين غرشا إلى التفنكجي و السجان‏ (16). و في الحال أمر البك بإطلاقنا من السجن.

فخرجنا و ذهبنا عنده، و أخذنا الإذن منه و توجهنا إلى غرفتنا.

و أقمنا بعد ذلك في حماة نحو عشرين يوما، كل يوم كنا نتنزه و ندور في أرجائها، و حقا إنها بلدة النزه، تشرح النفس، كثيرة المياه، فيها بساتين و نواعير، و العاصي يمر في وسطها، أهلها فصحاء، مهرة (17)، شعراء (18)، و أرباب فن و أصحاب ذوق، بلد من بلاد برّ الشام المشهورة بالجمال.

ثم بعد ذلك كنا تعرفنا ببعض الناس/ و لا سيما بالخواجه سليم اليازجي الذي كان خلصنا من يد الحاكم. فطلبنا من بعض الأحباب كتاب توصية لأحد سكان حمص يكون فقير الحال و لا يخطر على بال أحد، فأعطونا مكتوبا إلى رجل مسكين يصنع المشالح السود.

و كان المكتوب بهذه اللفظات: حضرة أخينا، إن حاملين هذه الأحرف المعلم إبراهيم القبرصي‏ (19) و المعلم فتح اللّه الحلبي من الحضّارين (يعنى الذي معه بضاعة تصلح للفلاحين و أهل الوبر)، و مرادهما أن يطلعا ببضاعتهما [إلى البادية] (20) لبيعها. فنرجو أن يكون نظركم عليهما في جميع ما تستطيعون عليه من المساعدة، و إنهما لا يضيعان اتعابكم و السلام.

و الغاية من هذا الكتاب أن نكون على صلة بشخص نستطيع أن نستشيره و نرجع إليه في أمورنا.

____________

(15) «بخشيش».

(16) «الحبّاس».

(17) «بهّار».

(18) «شعّار».

(19) «القبرصلي».

(20) زيادة من المحقق.

40

ثم سافرنا من حماة مع قافلة حمص، و الطريق من حماة إلى حمص اثنتا عشرة ساعة.

فبعد خروجنا من حماة بست ساعات وصلنا إلى نصف الدرب، إلى بلد قديمة يقال لها الرّستن‏ (21)، و هي الآن خراب و لم يبق منها إلا شي‏ء قليل، و لكن بها عمارات قديمة ظاهرة إلى الآن، و هي مثل قلعة على عاصي حماة، و أمامها جسر. و في السابق على ما جاء في التاريخ، كانت بلدا عظيمة منيعة حتى في زمن الفتح الإسلامي. و يخبر سلفنا الأب‏ (22) مارينس الذي أرّخ في مجلدين ما جرى أيام الفتح، في خلافة عمر الخليفة الثاني بعد محمد، مع الروم على زمن الملك أورليانوس الذي كان يومئذ بالقسطنطينية، إن جيش‏ (23) الإسلام عجز عن أخذ الرّستن، فعمل خالد بن الوليد، قائد الجيش الإسلامي يومئذ و صاحب القبر المشهور بحمص، حيلة ليضع يده على البلد.

و ذلك أنه أتى بأربعين صندوقا كبيرا و أدخل في كل واحد منها رجلا مسلحا و أغلق‏ (24) الصناديق، و لكن بنوع أنه يمكن لمن بداخلها أن يفتحها. ثم تقدم بكل جيشه إلى الرستن، و بعث رسولا إلى حاكم البلد يقول له: يا محبنا، لا حاجة لي بالرستن و لا أريد أخذها، و أنت صاحبي و صديقي، و مهما تطلب مني فعلى الرأس ثم العين. و الآن أنا متوجه إلى حلب لحصارها و إني سافتحها بعون اللّه، إنما معي أحمال و عفش و صناديق كثيرة 2/ 6 تتعبني جدا/ فأرجو منك، يا محب، أن تضع لي عندك بعض الصناديق التي لا أحتاج إليها الآن، و متى رجعت من حلب أستردها و أشكر فضلك. ففرح الحاكم من ذلك و قال في نفسه [إنه من المستحسن تلبية هذا الطلب‏] أولا لأني أكسب صداقة هذا القائد، و ثانيا أصرفه عني. أما الأمير خالد فإنه أمر رجاله الذين داخل الصناديق أن يفتحوها حالا متى سمعوا دق النواقيس، إذ تكون جموع النصارى وقتئذ في الكنيسة، و يهجموا على باب البلد و يفتحوه، و يكون هو مع عساكره واقفا أمام الباب، فيدخل و يملك البلد، إن شاء اللّه. فأدخل الحاكم الصناديق، و في اليوم الثاني، بينما كانت الناس بالصلاة، خرج الأربعون رجلا و ركضوا و فتحوا الباب، و دخل عسكر الإسلام، و ملك خالد البلد، و قتل الحاكم و جملة من الناس، و رتب‏

____________

(21) الرّستن: «بليدة قديمة كانت على نهر الميماس، و هذا النهر هو اليوم المعروف بالعاصي ... و الرستن بين حماة و حمص في نصف الطريق، بها آثار باقية إلى الآن تدل على جلالتها و هي خراب ... و هي في علو يشرف على العاصي». (ياقوت، معجم البلدان).

(22) «لابي» أي‏Iabbe .

(23) «أرضي»، و يكرر الصائغ هذه الكلمة في أماكن عديدة من مذكراته، و يريد بها الجيش.

(24) «سكّر».

41

حاكما من طرفه و توجه بعدئذ إلى حلب. فمن ذلك اليوم ابتدأ خراب هذه المدينة و لم يبق منها اليوم إلا الرسم.

ثم سافرنا من الرستن إلى حمص، فدخلناها بعد العصر، فسألنا حالا عن الرجل الذي نحمل إليه الرسالة، فدلونا على بيته. فذهبنا عنده و أعطيناه المكتوب، فقرأه و حالا رحّب بنا و أدخلنا بيته بكل إكرام. و بعد العشاء حضر عنده عدد من الناس من أمثاله ليسهروا، و من جملتهم رجل فقير الحال، بثياب رثة و لحية (25)، و لكنه كان فصيح اللسان حلو الحديث. فأخذ يتكلم عن العرب و أحوالهم و عما يحصل عندهم من الأمور. فانشرح الخواجه لاسكاريس من هذا الحديث، و قرّب هذا الرجل منه، و أخذ يتكلم معه بكل إنسانية و محبة، و يستفهم منه عن أحوال العرب. ثم سأله عن اسمه فقال له نوفل السّنكري أي الذي يصنع قرب السيوف و يصلح البنادق‏ (26). ثم أضاف قائلا: إنني في كل سنة، حين تقرب العربان من ديرة حمص، أذهب و أشتغل عندهم، و في الشتاء حين يشرّقون‏ (27) أعود إلى بيتي. و لي معارف و أصدقاء كثيرون من العرب. فسرّ الخواجه لاسكاريس من هذا الخبر و فرح، و التفت إلي و قال: إني رأيت هذه الليلة أخي و كل أهل بيتي. فقلت له: يا سيدي لا يوجد في هذا المكان أحد من بيت دي فنتيميل؟ فقال: إن معرفتي بنوفل أحسن عندي 1/ 7 من رؤية أخي./

ثم انصرف الناس، و أعد لنا صاحب البيت فراشا (28) واحدا لنومنا. و كان من عادة الخواجه لاسكاريس أن لا ينام مع أحد، و كان طبعي مثله. فقلت في نفسي: المسألة تحتاج إلى مسايرة و تدبير إلى أن ينام الخواجه لاسكاريس و عندئذ سأنسل بكل لطف و أنام على الأرض. و كذلك فكرّ هو أيضا بهذا الرأي. ثم أطفأنا النور لأنه ما كان يحب النوم في الضوء.

و انتظرت قليلا حتى ظننت أنه نام، ثم أنسللت من الفراش و التحفت بمشلحي و نمت على الأرض، و فعل هو كذلك. و حين أصبح الصباح وجد كل واحد منا صاحبه على الأرض و الفراش خاليا. فضحكنا جدا، و نهض حالا الخواجه لاسكاريس و عانقني و قبلني و قال لي:

____________

(25) «ذقن».

(26) «التفنك».

(27) يرحلون إلى الجهات الشرقية.

(28) «فرشة».

42

هذه بشارة خير، إذ تدل على أن نوايانا و قلوبنا متفقة. و أنت عندي مثل ولدي، و سوف ترى مني أشياء لم يرها قط أحد من أمثالك، بل لم يسمع بها من هم أكبر منك سنا.

ثم خرجنا نتنزه بالبلد، و أول شي‏ء عملناه هو السؤال عن دكان نوفل السنكري.

فذهبنا عنده و قلنا له: قم و در بنا اليوم في بلدك و نحن نعطيك ما ستكسبه من مهنتك‏ (29).

فأغلق‏ (30) دكانه و بدأ يدور بنا في حمص. و لا حاجة لإطالة الكلام عن هذه المدينة فهي معروفة مشهورة في الآفاق. و لكن بالمختصر (31)، إنها بلد طيبة الهواء جدا، يبعد العاصي عنها نحو ساعة، و لكن أهلها حفروا خليجا من العاصي إلى البلد ليستقي من مائه نحو ثمانية آلاف نسمة، و هي حصينة، يدور بها سور من الحجر الأسود، و لها أربعة أبواب تغلق عند المغرب و تفتح وقت طلوع الشمس، و في وسطها قلعة على شكل‏ (32) قلعة حماة و حلب، و لكنها خراب.

و بينما نحن نتجول مررنا بدكاكين تصنع فيها الفروات الغنيميّات‏ (33)، وجهها جلدها (34)، و تصبغ عادة باللون الأحمر. فاشتريت فروتين، كل واحدة بعشرين غرشا، لأنها صالحة جدا للسفر، على الطريق، و للنوم و لو تحت الثلج، و تدفّئ كثيرا.

2/ 7 ثم استأجرنا غرفة بالخان، و نقلنا حوائجنا و رزقنا و بتنا تلك الليلة فيها، و قلنا/ لنوفل أن يحضر عندنا غدا، لأننا كنا مسرورين جدا منه. فهو رجل حلو الطباع، حسن السلوك، متواضع، طلق اللسان، خبير بالأمور التي نريد معرفتها. فحضر في اليوم الثاني فقلنا له:

يا عزيز، نرجو منك أن تبقى معنا و في خدمتنا طول مدة إقامتنا في حمص، فلا تشتغل و ليكن عملك معنا. ثم سألناه عن كسبه اليومي فقال ثلاثة غروش. فقلنا له نحن نعطيك أربعة.

فاستكثر الرجل بخيرنا و قال مهما أردتم فأمروني به.

و كان الخواجه لاسكاريس يرغب في هذا الرجل، لأنه بحكم عمله، له معرفة جيدة بعشائر العرب. فهو يذهب عندهم كل سنة، و يشتغل ستة أشهر الصيف، إذ يكون العربان‏

____________

(29) «كارك».

(30) «سكّر».

(31) «بالمقنصر».

(32) «كسم».

(33) من جلد الأغنام.

(34) الجلد يكون إلى الخارج و الصوف إلى الداخل.

43

قد قربوا من الديرة (35)، و في الشتاء، حين يتوغلون في البادية على حسب عوائدهم، يعود إلى داره و يعمل في دكانه بالبلد.

ثم ابتدأ الخواجه لاسكاريس يسأله، بكل رقة، و رويدا رويدا، عن العرب و أحوالهم و مزاياهم و طباعهم و معيشتهم و سلوكهم و شؤونهم و ضيافتهم، و عن أمور كثيرة، و هو يرد عليه بالصدق و الصواب دون تردد. فسررنا منه جدا لأنه أفادنا جدا في أمور يقتضي علينا معرفتها.

و كنا نتجول كل يوم في البلد، و نتنزه في بساتينها و ذلك لتمضية الوقت، إلى أن يمضي الشتاء و يقرب عربان هذه الديار من المعمورة، حتى نتمكن من الوصول إليهم. لأن من عادة العربان أن يبتدؤا بالتوغل في البادية من شهر تشرين الأول، فيذهبون إلى الجهات الشرقية (36) بجمالهم و خيلهم و مواشيهم، حيث يجدون الدف‏ء و الماء و المراعي. و هم دائما في حل و ترحال لا يستقيمون في منزلة أكثر من يومين أو ثلاثة أيام، و يظلون على تشريقهم إلى أن يصل البعض منهم إلى بغداد، و البعض إلى البصرة و شط العرب حيث يلتقي الدجلة و الفرات و تصب مياههما في خليج‏ (37) العجم. ثم من شهر شباط يبتدؤن بالاقتراب من نواحي بلاد 1/ 8 سورية، و في شهر نيسان يظهرون في الديار الشامية، و هذه حالهم دائما./

و بعد ذلك قال لي الخواجه لاسكاريس: يا فتح اللّه، أريد منك أن تشتري لنا عشر فروات مثل التي اشتريتها، و عشرة مشالح سود و خمسين كوفية (38). و الكوفية تصير مدورة بحجم‏ (39) المنديل‏ (40)، و هي مصنوعة من غزل و حرير مصبوغ أحمر و أصفر و أخضر. و هذه الكوفية لا بدّ منها على رأس كل بدوي، مهما كان عمره و مقامه، من الراعي الصغير الفقير الحال إلى الأمير الكبير، و لا يمكن أن يستغني عنها أحد. حمص تشتغل هذه السلع، و كذلك حماة و دمشق و حلب و بغداد و الموصل و ماردين و البصرة، و كل البلاد التي تحت حكم بغداد و كركوت، و مع ذلك فإن جميع ما يصنع في هذه الديار من الكوفيات لا يسد بحاجة العربان.

____________

(35) الديار.

(36) «يشرّقوا».

(37) «بوغاظ».

(38) «كيفية».

(39) «قدّ».

(40) «محرمة».

44

لأن الكوفية، مهما كانت متانتها، لا تثبت‏ (41) على رأس البدوي أكثر من سنة. فهو يستعملها لتقيه من الحر و البرد. و هي في الوقت نفسه منديل للمخاط، و منشفة للوجه و الأيدي و مسح العرق. و الخلاصة أنها كثيرة المنافع، بل إن نصف كسوة البدوي كوفيته.

و أهل البادية هم بذلك على صواب، إذ لا بدّ من كوفية في البادية (42). كما تبين لنا بعد الخبرة و المشاهدة، لأنها ترد عن الوجه و الأذنين و الرقبة حر الشمس و وهجها صيفا، و تقي من البرد و الهواء و المطر شتاء. و هي نافعة جدا، و ثمنها يختلف على حسب صنفها. فالصنف العالي منها يبلغ ثمنه سبعة أو ثمانية غروش. أما الصنف الواطي فيكون ثمنه ثلاثة أو أربعة غروش. و بلغ ثمن جميع ما اشتريناه و ذكرناه آنفا نحو ست مائة غرش، فحزمناه و وضعناه مع جملة الرزق في الغرفة.

و قال لنا نوفل في بعض الأيام هل ترغبون في زيارة القلعة و رؤيتها (43). قلنا نعم و لكننا نخاف أن يحصل لنا ما حصل بحماة. فقال أنا المسؤول عن كل ما يحدث. فتوجهنا إلى القلعة، و صعدنا إلى أعلاها، و زرنا كامل المخادع، لأنها بها من العمار القديم القائم أكثر من حماة. و بينما نحن ندور فيها، وصلنا إلى مكان مثل المغارة، فنزلنا و وجدنا في صدر المغارة ماء جارية آتية من الغرب و رائحة نحو الشرق، و هي تخرج من طاقة طولها ذراعان و عرضها ذراع، و تجري الماء نحو أربعة أذرع، ثم تدخل في شباك من حديد متجه نحو المشرق، إلا أن هذه 2/ 8 المياه غزيرة قوية، يمكن أن تدير حجر طاحون، و هي تنحدر من المغرب/ و تجري نحو الشرق، و لا يعرف أحد من أين تأتي و لا إلى أين مجراها. فشربنا منها و هي ماء طيبة عظيمة، و لكنها في مكان مخفي نوعا ما، و لا يتجرأ (44) إلا القليل من الناس على النزول إلى المغارة لرؤية هذه الماء.

و أخبرنا نوفل أنه سمع من بعض الرجال الطاعنين في السن‏ (45) أن هذا الشباك كان سدّ في الزمن القديم فجرى الماء في خندق القلعة. و لكن بعد ستة أشهر حضر درويش من العجم و صعد إلى القلعة و فتح الشباك. و سمع به الحاكم فأمر بإحضاره و أراد قتله، لأنه عمل شيئا، و لم يأخذ إذن الحاكم. ففدى الدرويش نفسه بمبلغ من المال، قدمه للحاكم، حتى صفح عنه.

____________

(41) «تضاين».

(42) «الجول».

(43) «تتفرجوا».

(44) «له جراعا».

(45) «اختيارية»- ختيارية.

45

و كتب الحاكم لعنة على كل من يسد هذا الشباك مرة أخرى. و يكاد أن يكون هذا المكان مجهولا الآن، و لا يعرفه إلا القليل من الناس، لأنه في موضع مخفي جدا، و قد سدّ ثلثا باب المغارة بالحجارة كي لا يدخلها (46) أحد.

ثم نزلنا من القلعة، و قد أخذنا العجب مما شاهدناه، و ذهبنا إلى غرفتنا حيث استرحنا و أكلنا ما لدينا من الزاد. ثم قال لي الخواجه لاسكاريس: يا حبيبي هل تقيد بالورق كل ما رأينا؟ فقلت: لا، لأنك لم تسألني ذلك. فقال: فكر بجميع ما وقع لنا من يوم خروجنا من حلب و قيده، و أريد منك أن تسجل، كل يوم، جميع ما نراه و ما يجري علينا، من مليح و من قبيح. و عند المساء تقرأ لي ما كتبته حتى أقيده عندي باللغة الفرنسية. فقلت: سمعا و طاعة. و من ذلك اليوم ابتدأت أحرر كل ما يحدث لنا يوما بعد يوم. و عند المساء، قبل النوم، اقرأ له ما كتبت، و هو بدوره يقيد عنده، في كتاب خاص، جميع ما حدث في ذلك النهار، و احفظ عندي في صندوقي الورقة الطيارة. و استمريت على هذا الحال، كل يوم أكتب ما يقع لنا و ما نشاهد و نسمع، مدة ست سنوات سياحتنا، بل إني تابعت التدوين مدة عدة أيام بعد نياحة المرحوم لاسكاريس أبي الروحي، الذي قضى نحبه [في نهاية رحلتنا]، كما 1/ 9 سنشرحه لمسامعكم الكريمة/ في آخر هذه السيرة.

ثم أقمنا في حمص ثلاثين يوما. و من جملة ما شاهدناه و عرفناه أن أهلها كرام‏ (47)، أصحاء الأجسام، أنقياء الدم. حمر الوجوه، نساؤها جميلات و كذلك رجالها، إلا أنهم غشماء، خلافا لأهل حماة، مع أن المسافة بين البلدين لا تزيد على اثنتي عشرة ساعة، كما ذكرناه سابقا. و هذا الفرق العظيم في الطباع ناتج عن الماء مع أن البلدين يشربان من العاصي. إلا أن الماء تتغير بمرورها في الأراضي، و لذا فإن الماء الداخلة إلى حماة زرقاء صافية.

بينما مياه حمص بيضاء مثل الحليب، فعرفنا أن الفرق بين سكان البلدين ناتج عن هذه الحركة.

و بعد ذلك قلنا لنوفل: نريد أن نتوجه إلى قرية صدد، و نرغب من همتك أن تجد لنا أناسا يحملون بضائعنا و يذهبون بنا إلى صدد. فقال على الرأس و العين. و غاب ساعة من‏

____________

(46) «يفوت».

(47) «محسنين».

46

الزمن ثم عاد و قال لنا: اصبروا إلى يوم الأربعاء إذ يحضر أناس من صدد ليبيعوا أعبية (48) في حمص، و ذلك لأن كل يوم أربعاء يقوم سوق‏ (49)، و يحضر الناس من كامل إيالة (50)، حمص للبيع و الشراء، من أعبية و مشالح و فوط حمام للنساء و زنانير حرير، و هذه هي البضائع التي تصنع بحمص. فحين صار يوم الوعد، حضر أناس من أهالي صدد و باعوا أرزاقهم، و اتصل نوفل بهم، و كلمهم، و جاء بهم إلى غرفتنا، و تم الكراء معهم.

و في اليوم التالي خرجنا من حمص باكرا مع ثمانية أشخاص من أهالي صدد، و كان نوفل بصحبتنا، و أخذنا معنا كل رزقنا و توجهنا نحو باب اللّه الكريم. و كان مسيرنا دائما إلى المشرق، لأن صدد تقع شرقي حمص‏ (51)، و هي تبعد عنها اثنتي عشرة ساعة تماما. و بعد مسيرنا بخمس ساعات، وصلنا إلى ماء جارية عظيمة آتية من ناحية المشرق و متجهة إلى قلعة حسا (52)، و القلعة المذكورة تقع قبلي حمص، على عشر ساعات منها، و هي مخصصة لنزول الحجاج بها في مسيرهم للشام‏ (53)، و عليها آغا من قبل والي الشام يقال له أسعد آغا ابن 2/ 9 مسقل‏ (54)/. فشربنا من هذه الماء و ملأنا الجود (55) منها، و الجود هي قربة صغيرة من الجلد.

فحملناها و تابعنا طريقنا، إذ ليس أمامنا غير هذه الماء حتى صدد. أما الطريق فسهلة، غير و عرة، لا تقطعها جبال و وديان أو غير ذلك من العقبات. و بعد نزولنا على الماء سرنا مدة سبع ساعات، حتى وصلنا إلى صدد، مع غياب الشمس. فمشى نوفل أمامنا إلى بيت الشيخ، لأن الشيخ و الضيعة جميعها من النصارى السّريان القدماء، فرحبوا بنا و استقبلونا أحسن استقبال. و الشيخ رجل عظيم فهيم طاعن بالسن، يقال له عسّاف أبو إبراهيم، و له خمسة أولاد شباب و أربع بنات، و قد زوجهم كلهم، و هم يعيشون معه في بيته، و لهم أولاد.

و الخلاصة أن هذه العائلة مكونة من أولاد الشيخ و بناته، و نساء أولاده و رجال بناته و أولادهم‏

____________

(48) «عبي».

(49) «بازار».

(50) ولاية، إيالة، و المعنى واحد.

(51) الصحيح، أن قرية صدد تقع في الجنوب الشرقي من حمص.

(52) ما بين الكرك و معان.

(53) الصايغ يكتب دائما الشام و يعني بها تارة بلاد سورية و تارة مدينة دمشق.

(54) كذا، و لعله يريد مصقل.

(55) الجود و الجمع إجودة، جلد جدي يدبغ و يستعمل لجلب الماء (روكس العزيزي).

47

و خدامهم و رعياهم‏ (56)، و هي تعد نحو ستين نفرا. فحين تدخل بيته تظن أنك في عرس أو احتفال، مع أن جميع الحاضرين يشكلون عائلة واحدة.

ثم سألنا الشيخ عن سبب حضورنا إلى هذه الديار، و إذا كنا نرغب في الإقامة عنده أو نود الذهاب إلى مكان آخر؟ فكان جوابنا: يا سيدي، نحن جماعة تجار، كنا سابقا في قبرص، و أما الآن فبسبب الحروب المتواصلة بين الإفرنج، انقطع‏ (57) البحر و لم يبق لنا باب للتجارة و أصبحنا نخشى الفقر. فرأينا من المستحسن أن نذهب إلى حلب للبيع و الشراء، و لكننا وجدنا أيضا في هذه المدينة عددا من كبار التجار الأغنياء نحن لا نصلح لسمسرتهم.

فتم رأينا عندئذ على جلب بضاعة حضّارين‏ (58) تصلح للبر و العرب، و نسترزق من باب اللّه.

فقال: هذا رأي صالح مناسب يا اخواني، و لكن ما هي بضاعتكم؟ فعرفناه بجميع ما معنا فقال: بضاعتكم هذه أكثرها يروج عند العرب، و لكنكم لستم من الذين يستطيعون الوصول إليهم و الإقامة عندهم، إلى أن يتم لكم بيع بضاعتكم، فهذا أمر صعب جدا 1/ 10 و يحصل لكم منه ضرر و أذية، و لا سمح اللّه قد يكون ذلك سببا لنهاية حياتكم، و يتأتى عنه تعب شديد لأن معاشرة العرب صعبة جدا بسبب طمعهم المشهور، فإن لم تعطوهم طلبهم عن طيبة خاطر (59) أخذوه غصبا (60)، و إن أكثرتم عليهم الكلام قد يقتلونكم. فأنتم جماعة أرقاء القلوب، سمحاء كرام‏ (61)، وجهكم حيي، لستم أهلا لهذه الأمور الصعبة.

و الرأي عندي، إن سمعتم كلامي، أن تعرضوا غدا بضاعتكم و تبيعوا منها ما يسهله اللّه، و تحملوا الباقي و ترجعوا به إلى حمص حيث تعملون على تصفيته، ثم تعودون إلى بلدكم فتكسبون أرواحكم و مالكم. و دار الحديث بين الحضور و صار كل من بالمحضر (62) يعطي نصيحته. فاصفر وجه الخواجه لاسكاريس من هذا الكلام، و التفت نحوي، و قال باللغة الإيطالية: ما ذا تقول بهذا الخبر الذي قطع قلبي يا ولدي؟ فقلت له: إن كل هذا الحديث لا يسوى عندي تينة يابسة، و اعلم يا سيدي أن من يذهب إلى الحرب عليه أن يقطع الأمل‏

____________

(56) كذا و المعنى غير واضح، و لعله يريد الرعيان.

(57) «ارتبط».

(58) الحضّار: التاجر المتجول الذي معه بضائع تصلح للفلاحين و أهل البادية.

(59) «بالطيب».

(60) «بالزور».

(61) «شلابية».

(62) المجلس.

48

من رجوعه إلى الوطن، و نحن ذاهبون إلى أماكن و عند أناس أنجس من الحرب. و عند ما أفهمتني أنك تنوي الذهاب عند العرب، ما عدت أفكر أني سأعود إلى وطني بالسلامة، بل أني سأقتل و تأكل جسدي و حوش الفلاة (63)، أو قد يقوم ابن حلال بطمر جسدي‏ (64) في الرمل، أمّا أن أرجع بالسلامة، فإن الأمل ضعيف. و لذا يجب أن تكون قوي العزم. و اعلم أن هذا الشيخ و إن كان طاعنا في السن و فهيما، و لكن معرفته لا تتعدى أمور قريته و فلاحيه و بيته و أولاده. أما الأمور مثل التي نسعى نحن في تحقيقها (65)، فهي لا تدخل في عقله و لا سمع بها قط. و عليه كن مرتاح البال و لا تخش شيئا، فبعون حامينا، سلطان الخير، لا يحصل لنا شر أبدا. و لكن لا تعد إلى مثل هذا الحديث مع شيخ القرية، و لا تذكر اسم العرب بفمك أمامه، و لكن طاوعه على عقله إلى أن تتسهل أمورنا و تكون طبق مرامنا.

فسرّ الخواجه لاسكاريس من هذا الكلام و قال: الآن أصبحت متأملا بك كما أني 2/ 20 متأمل باللّه. ثم انصرف الناس، و قمنا بدورنا و دخلنا إلى غرفة فرشت لنا، و نمنا تلك الليلة./

____________

(63) «الجول».

(64) «أو بصح ابن حلال بطمر جسدي».

(65) يستدل من هذا الكلام على أن لاسكاريس كان أطلع ترجمانه على حقيقة نواياه، أو على البعض منها، و لكن يظهر من سياق القصة، أن الصايغ ظل جاهلا غايات معلمه إلى حين ذهابه عند الدّريعي بن شعلان (انظر ص 95).

49

نمره 2

[أول لقاء مع البدو]

و ثاني يوم قمنا دوّرنا بالضيعة، فوجدناها ضيعة عظيمة، تحوي على مائتي بيت. جميع سكانها نصارى سريان، من غير أحد مخالطهم مطلقا. صنعتهم شغل العبي و المشالح. فيها خمس كنائس و خمسة قسوس، كل واحد منها له كنيسة. ماؤها يجرى من عينين، و عندهم قليل من البساتين، لأن جميعهم مشغولون بصنعتهم، و يزرعون قليلا من الحنطة و الشعير و يحصلون على ما يكفيهم نصف السنة فقط، و السبب أن كل زرعهم سقي من العين لقلة الأمطار و أكثر السنين لا تسقط الأمطار قطعا، و لذا فإن زرعهم قليل، و هم يتقاسمون الماء بالساعة. و أما ما ينقصهم من مؤنة و لوازم، فإنهم يستوردونها جميعها من حمص. و في وسط القرية برج قديم العمارة كبير الارتفاع.

و يتحدث أهل صدد بتاريخ عمارة قريتهم و لما ذا سميت صددا. فلهذا الاسم تفسير، فمعنى صدد أنهم صدّوهم و منعوهم عن التقدم أكثر مما تقدموا. و السبب هو أن جدود سكان صدد كانوا سابقا مقيمين في طرابلس الشام. و كان هناك حاكم يقال له رومان، من قبل ملك الروم بالقسطنطينية. و هؤلاء الروم كانوا مشهورين بجورهم و ردائتهم في ذلك الزمن.

أما الحاكم المذكور، فإنه استبد بهؤلاء السريان المساكين و ظلمهم ظلما لا يطاق فاضطروا إلى الجلاء بكامل أسرهم و أرزاقهم مما قدروا على حمله، و هربوا إلى حمص، و منها إلى البراري، قاصدين بغداد. فأرسل رومان عساكر خلفهم، لنهبهم و قتلهم و إرجاع من بقي منهم. فما

50

لحقهم العسكر إلا بعد أن بعدوا عن حمص اثنتي عشرة ساعة، فصدهم الجند، و منعهم عن التقدم زيادة، و وقع بينهم قتال، و نهب العسكر أموالهم. ثم أنهم كتبوا كتابا إلى الحاكم رومان و طلبوا منه الإذن بالإقامة بتلك الأرض، و تعمير قرية لهم، فأذن بذلك، و رجع العسكر عنهم. و كل واحد منهم بنى له بيتا و أقام به، و كان عددهم يومئذ ثلاث مئة عائلة. فلهذا السبب سميت قريتهم صددا.

ثم فتحنا بضاعتنا، كي نري للناس أننا تجار، و نستر مقصودنا. فصرنا نبيعهم، و أكثر ما بعناه هو الخام الأحمر، لأن جميع نسائهم تلبس من هذا اللون. فبعنا شيئا قليلا بمقدار خمس مئة غرش. و بعد يومين أو ثلاثة وقف البيع لأن أهل صدد أخذوا كفايتهم، فصرنا نمضي الوقت، إلى أن يحل وقت تقرب العرب من الحاضرة (1). و أخبرنا بعض سكان 1/ 11 صدد أنه يوجد، بعيدا عن هذه القرية، عمارة قديمة متهدمة/ بها حمام طبيعي، لأن الماء السخن طبيعي، بل إنه من البخار. كما سنشرحه. فتشوقنا إلى رؤية ذلك المكان و طلبنا من الشيخ أن يأمر بعض الناس أن يصحبونا لنذهب و نرى ذلك المكان. و في اليوم الثاني قمنا باكرا و كان يرافقنا خمسة أنفار من القرية بواردية (2)، و كان نوفل بصحبتنا أيضا. فكان مسيرنا أربع ساعات لطرف الشرق، منحرفين لجهة الشمال. فوصلنا و وجدنا عمارات قديمة و خرابا كثيرا، ثم وجدنا مخدعا بحجم غرفة كبيرة، لم يزل واقفا، بناؤه على الطريقة القديمة بالأحجار الكبيرة جدا، إنما سقطت منه فقط قطعة من الحائط، من جهة الباب، فسدّت نحو نصفه. فدخلنا و وجدنا طاقة من جهة الشرق، طولها نحو ذراع و عرضها كذلك، قديمة البناء جدا، و يخرج من تلك الطاقة بخار (3) كثيف بكثرة. و أخبرنا الذين معنا أننا إذا رمينا شيئا في هذه الطاقة فإن البخار يصعده مرة ثانية (4) إلى فوق. فرمينا محرمة و مسكنا الساعة، فبعد دقيقة و نصف طلعت إلى فوق، ثم وقعت أمامنا. فأخذنا قميصا و رمينا به، فبعد عشر دقائق طلع مع البخار و وقع أمامنا. و أخبرنا بعضهم أن أناسا رموا مشلحا، الذي ثقله نحو رطلين من الوزن الحلبي، فرفعه البخار.

ثم بعد ذلك خلعنا ثيابنا، و لم يبق علينا إلا القميص، و جلسنا جانب الطاقة، فأبتدأنا

____________

(1) «الديرة».

(2) رجال يحملون البارودة أي البندقية.

(3) «هبّال».

(4) «ثاني مرا» أي من جديد.

51

نعرق عرقا عظيما، حتى ساح العرق من أجسادنا على الأرض، كأنه مجرى ماء. فقمنا و تبدلنا و لبسنا حوائجنا، إلا أننا وجدنا نشاطا و خفة بالجسد أحسن من حمام الماء بكثير.

و هذه الحمام كان يقصدها الناس للاستشفاء (5) سابقا، و إلى يومنا هذا ما زال الذين يعرفونها، و هم أهالي صدد و سكان تلك الديار، يصفها بعضهم إلى بعض لأجل عدد من الأمراض، و يتم شفاؤهم بها.

ثم رجعنا إلى صدد، و كان المساء فنمنا تلك الليلة بكل راحة و هدوء، و ذلك كان من فعل الحمام. و من ذلك الوقت، إلى حين انتهاء سياحتنا، لم نر المرض في جسدنا، لأن جميع الصدأ و الغش اللذين كانا في جسمنا ذهبا مع العرق، و الواقع أن رائحة العرق التي فاحت منا بفعل البخار كانت كريهة جدا، فبان لنا أن جميع ما خرج هو الغش الذي يحدث القروح 2/ 11 و الأوجاع في جسم الإنسان./ و هذا شي‏ء معلوم، و الذين بنوا هذه الحمام كانوا عارفين نفعها و جعلوها طبا.

و بعد ذلك اقمنا بعض الأيام، إلا أننا كنا متكدرين إذ ليس هناك من جديد نراه.

فعزمنا على التوجه إلى ضيعة يقال لها القريتين، و هي تبعد عن صدد عشر ساعات، و تقع نصب شرقيها (6). فاستكرينا من أهالي صدد و حزمنا أحمالنا و بتنا تلك الليلة على أهبة السفر.

فقال لنا نوفل: يا جماعة، أسماؤكم لا تناسب هذه الديرة و خصوصا عند العرب، فيقتضي لكم أسماء دارجة تصلح عند العرب و الحضر، (فالعرب هم سكان بيوت الشعر و البادية، و الحضر هم سكان القرى و البلاد). فاعتمد رأينا على تسمية الخواجه لاسكاريس شيخ إبراهيم القبرصي‏ (7)، و أتخذت لي اسم عبد اللّه الخطيب أعني الكاتب، باصطلاح لغة العرب.

و ثاني يوم من الصباح ودعنا الشيخ و كامل المحبين و توجهنا على اسم اللّه. فبعد مسيرنا بأربع ساعات وصلنا إلى ضيعتين، الواحدة أمام الأخرى و الطريق بينهما، الواحدة على اليمين و الأخرى على اليسار، يقال لهما مهين و حوارين، و بينهما ماء جارية تكفي لهما. و في كل ضيعة فقط نحو عشرين بيتا، لأن أكثرها خراب، و المسافة بين القريتين نحو عشر دقائق‏

____________

(5) «حمام حكمة».

(6) «و هي بعيدة عن صدد عشرة ساعات شرقيها نصب»، و هذا غير صحيح لأن القريتين تقع شرقي جنوبي صدد.

(7) سبقت هذه التسمية في رسالة توصية (انظر اعلاه صفحة 39).

52

فقط. و في وسط كل قرية برج شامخ عال، قديم العمارة جدا، على صفة (8) عمارة ما قبل ظهور البارود. و لباس أهلهما كلباس العرب و كذلك كلامهم. فجلسنا و أكلنا ما كان معنا من الزاد، و أملأنا جود الماء، إذ لم يبق أمامنا من ماء قبل القريتين، و هو المكان الذي نقصده، على بعد ست ساعات من الطريق التي أمامنا. فمشينا إلى ما بعد غياب الشمس و وصلنا بالسلامة و دخلنا القريتين. و كان معنا كتاب توصية من شيخ عسّاف، شيخ صدد، إلى خوري سرياني. فذهبنا إلى بيت الخوري و سلمناه الكتاب، فترحب بنا و أدخلنا بيته بكل إكرام، و نمنا تلك الليلة. و ثاني يوم قمنا لنرى المحل الذي نحن به، فوجدنا أنها ضيعة كبيرة جدا يحق لها أن تسمى القريتين أي الضيعتين. بها نصارى سريان قدم نحو عشرين عائلة فقط، و بها إسلام نحو مايتين و خمسين عائلة. و شيخها رجل محترم‏ (9) يقال له الحاج سليم.

الدعّاس. و هذا الشيخ عليه وظيفة كل سنة، فهو يحمل نصف حملة الحج إلى وزير الشام.

نحو مئتي حمل: شعيرا و طحينا و بقكسمات‏ (10) و خيما و حنطة و سمنا و جميع لوازم حملة الحج.

1/ 12 أما النصف الثاني فملزوم به شيخ تدمر الذي سوف نتكلم عنه بالاختصار (11)./

فهذه الضيعة حصينة، من دائرها حيطان ملتحمة و بيوت متلاصقة بعضها ببعض.

و ليس لها غير باب واحد فقط. و سبب ذلك خوفهم من العربان أن يسطوا عليهم، لأنهم يخافون كثيرا من العرب، حيث أنهم في البادية. ثم لها ماء كافية لهم جارية، و نبعها بعيد عن الضيعة نحو خمس ساعات، من محل يقال له شعب اللوز، و لها بساتين و كروم عنب، و زرعهم سقي على الماء يقتسمونها بالساعة الرملية بينهم. و عليهم ميري‏ (12) إلى وزير الشام يخصصونه على ساعات الماء و يقطعونه من أجرتهم حين يحملون لوازم الحج.

و قبل كل شي‏ء قال الخوري: سيروا بنا نسلم على الشيخ سليم الدعّاس، لأن هذا شي‏ء واجب جدا. فسألنا عن سبب حضورنا إلى نواحيهم، فكان جوابنا نحن تجار قصدنا البيع و الشراء، كما كنا ذكرنا السبب لشيخ صدد. فقبل منا ذلك و قال عن العرب كما قال الشيخ عساف بل أكثر. فقلت لها: يا سيدي كل ما تقوله صحيح، و الشيخ عساف نهانا أيضا عن‏

____________

(8) «كسم».

(9) «معتبر».

(10) بقكسمات: نوع من الكعك.

(11) «بالاقتصار».

(12) ميري أي ضريبة، من العربية أميري.

53

التوجه عند العرب، و نحن قبلنا نصحه و لم يبق لنا رغبة في الذهاب عند العرب، إنما نشتهي فقط الوصول إلى تدمر، عسانا نستطيع أن نبيع شيئا من أرزاقنا. فقال و هذا الأمر أيضا صعب لأن تدمر هي أشكال العربان. فإذا رأوكم طمعوا بكم و يصير لنا بسببكم وجع رأس و تعب، و ابتدأ يحكي لنا حكايات عن العربان و فعلهم الردي، و الخوري يصادق على كلامه حتى قطعا قلوبنا بحديثهما. و بعد ذلك حضر الغداء فتغدينا عنده و شربنا القهوة و ذهبنا إلى بيت الخوري. فقال لي الشيخ إبراهيم القبرصي: ما هو رأيك يا ولدي؟ فقلت له: يا سيدي هذا رجل قلبه محروق جدا من العرب، لأنه تحت حكمهم، و دائما يثقلون عليه، و من يثقل على الناس لا يكون محبوبا. و أما نحن فليس بيننا و بين العربان عداوة، و إذا مشينا معهم بكل محبة و إكرام ما أظن أنه يحصل لنا منهم تنكيد. فقال: و أنا عند ظنك.

و كنا كل يوم نذهب لزيارة الشيخ نحو ساعة من الزمن. و في بعض الأيام قال لي:

عندي نظارة معكوسة فهل تستطيع يا عبد اللّه أن تصلحها لي، و أنك إن استطعت 2/ 12 اصلاحها سميتك شاطرا (13). ثم احضر النظارة فأخذتها و فتحتها، فوجدت أن/ بعض الزجاجات‏ (14) واقعة من محلها، فأعدتها إلى مكانها، ثم مسحت سائر الزجاجات و أعطيته النظارة، فأخذها و نظر فيها، فتبين له أنها صحت كما كانت. فسرّ (15) جدا و قال لي:

الآن‏ (16) عرفت أنك معلم جليل، و أنك عندي صاحب عقل. و صار يحبني جدا و يسميني الشاطر صاحب العقل.

و بعد ثلاثة أو أربعة أيام قال لنا الخوري موسى و هو الشخص الذي نحن بضيافته:

يا جماعة افتحوا رزقكم و بيعوا الذي يقسمه اللّه لكم. فاضطررنا غصبا عنا، كي نستر حقيقة أمرنا، أن نعرض بضائعنا، و أخذنا نبيع في الساحة، أمام بيت الشيخ الواقع في وسط القرية.

فصار الناس يفدون علينا و يقعدونا عندنا و يقبضون لنا الدراهم من النساء. و كان من أكثر الناس ألفة لنا شاب يقال له حسيسون الكعب. فبعد أربعة أو خمسة أيام انتهي البيع و رفعنا البضاعة و أخذنا نتنزه بالقرية، فجاءني حسيسون و قال لي: يا سيدي هل عندك للسرّ مطرح؟ قلت: نعم، ماذا تريد؟ قال: مادة سرية جدا، على أن تعطيني كلاما بأنك لا تخبر

____________

(13) أي ماهرا.

(14) «البلوراة».

(15) «فانحظ».

(16) «هلق».

54

أحدا بها. قلت: معاذ اللّه لا يمكن أن تطلع من فمي إلى مخلوق. قال في مغارة بعيدة ساعة عن القرية خابية ملآنة ذهبا، و هذه القطعة منها. و أعطاني قطعة ذهبية قديمة من سكّة تدمر، و قد صودرت مع حوائج الخواجه لاسكاريس بعد نياحته في مصر القاهرة. فحين أعطاني الذهب حققت ذلك‏ (17)، و قال لي: «إنني لست قادرا على تصريف الذهب، و لذا أرى أن تذهب معي سرا حتى أريكه، ثم تنقله رويدا رويدا، و تصرفه و تعطيني عملة دارجة المبلغ الذي يسمح به خاطرك». ففرحت و قلت بنفسي أن لا أكلم الشيخ إبراهيم بهذا الأمر إلا بعد أن أرى جليلة الخبر.

و في اليوم الثاني انسللت من الجماعة، و طلع حسيسون خارج القرية و اجتمعنا و مشينا سوية. و كان معه بندقية (18) و سيف و عصا رأسها مكتل به مسامير من حديد يسمونها كناة. فسرنا نحو ساعة من الزمن، و أنا ليس معي غير قصبة التوتون‏ (19)، إلى أن وصلنا إلى مغارة مظلمة. فدخلنا إلى صدر المغارة إلا أني لم أجد فيها شيئا. فقلت له: أين الخابية؟

فاصفر لونه‏ (20) و قال: ايش‏ (21) رماك معي؟ أعلم أن اليوم آخر حياتك في هذه الدينا، و كنت قتلتك قبل أن انزع عنك ثيابك، إلا أنها تتلوث بالدماء و تصبح غير صالحة. فإذا اشلح ثيابك و اعطني الكيس الذي كنت تضع فيه الدراهم ثمن البضائع التي بعتها للناس نحو ألف 1/ 13 غرش، و هذه طمعتي بك، و تأكد أنك لن ترى النور/ بعد اليوم. فابتدأت آخذه بالكلام اللين و أكدت له أني سأعطيه أكثر مما هو متأمل أن يأخذ مني، و أني لن أحكي لأحد و لن تطلع من فمي هذه الدعوى. فقال: هذا الكلام لا يفيدك، فإذا أنا أطلقتك لا بدّ أن تحكي و تكون سبب موتي. فصرت أحلف له بالأيمان العظام و الأقسام الكبار أني لن أحكي، و أني سأعطيه شيئا كثيرا إذا سمح لي بدمي. فقال: لا يمكن ذلك و أني لم أحضرك إلى هذا المكان لتبقى حيا، بل لأقتلك و أطفي‏ء خبرك، لأني إذا أبقيتك على قيد الحياة أموت أنا. فمن بعد كلام كثير و جدال طويل اسند بارودته على الحائط و الكناة جنبها، و هجم علي مثل الذئب على الخاروف، و مراده أن يأخذ ثيابي و بعد ذلك يقتلني. ثم وصل إلي و أمسكني، و كان أكبر

____________

(17) كذا في الأصل و لعل الصائغ يريد أن يقول: تحققت من صحة كلامه.

(18) «تفنكه».

(19) التبغ.

(20) من العجب أن يرى الصائغ في الظلمة اصفرار وجه عدوه.

(21) أي شي‏ء.

55

مني عمرا و اقتدارا، قويا جدا، يأكل ثلاثة مثلي، فتضرعت إلى اللّه تعالى و استغثت بسيدي سلطان الخيرات الذي هو حاميني، و تصور أمامي كامل إخواني و أهلي و أحبائي و قلت في بالي: ما اشنعها من موتات، و عزّت علي الدنيا و خرّت الدموع من عيوني و قلت: إيه يا جبار، يا قوي، يا باسط الأرض و رافع السماء، يا مخلص عبيدك من الشدائد، أن تعينني و تخلصني من يد هذا الظالم، ثم التفت إليه و قلت: يا صاحبي أي عداوة بيننا و أي سبب يحملك على سفك دمي في هذا المكان المنقطع، و أي أذية و أي ضرر صدر مني في حقك؟

أما تعلم أن يوم اللّه قريب و يطالبك خالقي بدمي؟ فعبس وجهه و حملق فيّ بعينيه و أمسكني و جذبني إليه، و أخذنا نتعارك، و وجدت في نفسي قوة عظيمة من حلاوة الروح و الخوف من الموت. و ظللنا في صراع نحو ساعة من الزمن، حتى خمش وجهي و رقبتي و خدش يديّ و ساحت دمائي من كل أطرافي و تمزقت ثيابي و أصبحت في حالة لا توصف، و أنا دائما غير قاطع أملي من الدنيا و مفكر في حيلة يكون بها نجاتي من يد هذا الشرير. و أثناء ذلك تمكن من القبض على عنقي و حاول أن يخنقني و ضغط (22) بكل قواه، أما أنا فما كنت كسلان، 2/ 13 و قبضت بكلتا يدي على كيسه بين فخذيه/ و اطبقت‏ (23) عليه بكل عزمي، فزاغ بصره و اصفر لونه و وقع على الأرض مغشيا عليه لا يدرك شيئا. فحالا أخذت سيفه من جانبه ثم التفت و أخذت البارودة و الكناة و خرجت من باب المغارة و أنا من فرحي لا أصدق حالي، و مشيت على الدرب طالبا الضيعة. و بعد نحو ربع ساعة نظرت إلى الخلف فرأيته راكضا. و هو يصيح و يستجير بي و يطلب مني أن أقف، فوقفت لأني لم أبق خائفا منه فالسلاح بيدي. فحين أصبح قريبا مني أخذ يبكي و يتوسل إلي و يقول: ما أصغر عقلك، أنا لعبت معك حتى أجرب صداقتك و أنت ظننت أني كنت على جد؟ فأخذت البارودة بيدي و قلت و حق من خلصني من يدك و هو جبار السموات و الأرض. إن خطوت خطوة ثانية نحوي‏ (24) ملأت‏ (25) بطنك رصاصا. و اعلم أنه لم يبق لك خلاص، و إن شاء اللّه إني سأجعل قتلك شهرة حتى يتأدب كل ملعون مثلك. فحين رأى أن محاولته قد فشلت، و هو عارف أنه مذنب جدا و أنه إن عاد إلى القرية سيقتله الشيخ سليم، فحينئذ أرتدّ إلى الوراء و هام على وجهه في البرية.

____________

(22) «قرّط».

(23) «قرّطت».

(24) «صوبي».

(25) «عبّيت».

56

و أما الشيخ إبراهيم و نوفل و الخوري موسى فإنهم قاموا من النوم فما وجدوني. فصاروا في حيرة عظيمة، و ابتدأوا يبحثون عني في أماكن عديدة، فما وجدوا لي أثرا. فصار الشيخ إبراهيم في قلق عظيم و حدثه قلبه أني واقع في ضيق، لأنه على معرفة بعاداتي، فقال: إنه ما ذهب قط إلى مكان من غير علمي، و لا بد لغيابه هذا من سبب كبير. ثم خرجوا إلى ضواحي القرية و أخذوا يطوفون بالبساتين للبحث عني. و بينما هم يفتشون عني، إذ رأوني من بعيد مقبلا عليهم، فتساءلوا إذا كان القادم هو أنا حقيقة. فقال الشيخ إبراهيم: هذا الشخص ليس عبد اللّه لأن معه بارودة و سلاح و بيده سيف، فمن أين جاء بهذه الأسلحة؟

فحين قربت منهم عرفوني فركضوا نحوي من فرحهم. و حين وصلوا رأوني بتلك الحالة التي لا توصف: وجهي مخدش و دمي سائح و يديّ مسلّخة و رقبتي مجروحة و كل وجهي و عنقي 1/ 14 و يديّ مدمية، و أنا من فرحي بنجاتي و رؤيتي لهم ابتدأت أبكي و هم كذلك،/ و لم يستطيعوا أن يفهموا مني حقيقة ما جرى علي إذ طفح علي البكاء. ثم دخلوا القرية و اجتمعت الناس خلفي و صاروا يتساءلون عن الذي فعل بهذا الشاب هذا الفعل. و أدخلوني إلى بيت الشيخ سليم. و لما رآني في تلك الحالة الشنيعة انتصب قائما مثل المجانين و أجلسني و أمر لي بماء، فشربت حتى سكن روعي ثم قال أخبرني عن قصتك بالمختصر فقلت له: «حسيسون احتال علي و أراد قتلي و اللّه نصرني عليه». فغاب عن الوجود من هذا الخبر و قال: «له سوالف سابقة مثل هذه، و لكن لا بدّ من قتله في هذا اليوم». ثم أمر أربعة خيالة أن يركبوا حالا و يجدّوا في طلبه، و لا يدخلوه القرية و لكن يقومون بشنقه على باب القريتين من غير مراجعة. فركب الخيالة الأربعة بكل سرعة، و كان من بينهم عبد للشيخ سليم، و كان لا يحب حسيسون فأخذ حبلا تحت أبطه‏ (26) لكي يشنقه حالا، على حسب أمر سيده.

أما أنا، فأخذوني إلى بيت الخوري، و سخّنوا لي ماء و مسحوا دمائي، و دهنوا جروحاتي ببلسم و أجلسوني على الفراش.

أما الخيالة فداروا بكل اجتهاد إلى غروب الشمس، فما وجدوا لحسيسون أثرا فرجعوا.

و بعد مدة بلغنا أنه يخدم كعسكري بدمشق، و من ذلك اليوم ما عاد دخل القريتين.

و بعد هذه الأيام بقليل ابتدأ العربان يغرّبون و يظهرون في نواحي تدمر و القريتين، و صارت أخبارهم متواصله في البلاد، و ابتدأ يحضر منهم أناس للقريتين و يخبرون عن بعضهم،

____________

(26) «في عبه».