تاريخ دمشق - ج2

- حمزة بن أسد بن القلانسي المزيد...
576 /
1

و في سنة ستين و ثلاثمائة (*)

في ذي القعدة وصل القرامطة إلى دمشق، و نصبوا على أسوارها السلالم، و تعلقوا بها و فتحوها قصدا، و أوقعوا بأهلها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و شنعوا بأهلها و قتلوا و اليها جعفر بن فلاح، و سبب ذلك أنهم لما رأوا أن جعفرا استولى على الشام أهمهم أمره و أزعجهم و قلقوا، لأنهم كانوا قرروا مع ابن طغج أن يحمل إليهم في كل عام ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملكها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على المسير إلى الشام، و صاحبهم وقتئذ الحسن بن أحمد بن بهرام القرمطي فأرسل إلى عز الدولة بختيار يستمد منه المعونة بالسلاح و المال، فأجابه الى ذلك و استقر الحال أنهم إذا ساروا الى الكوفة سائرين الى الشام حملوا الذي استقر، فلما وصلوا الكوفة أوصل اليهم ذلك و ساروا الى دمشق، و بلغ خبر وصولهم الى جعفر، فاحتقرهم و استهان بهم «و لم يدر المخبأ له و لم يصل اليه قول القائل: «إذا كان عدوك نملة فلا تنام له»، و قد تقتل النملة الثعبان و الأسد» (1) و لم يحتط (2) و يحترز منهم و لم يعمل لهم حسابا، فكبسوه بظاهر دمشق‏ (3) و قتلوه من حيث لا يشعر بهم و غنموا ماله‏

____________

(*) بداية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت بن سنان.

(1) يبدو أن هذه الجملة مقحمة في الأصل.

(2) في الأصل- يحتاط-.

(3) في مرآة الزمان- مخطوطة أحمد الثالث- 11/ 88- و: و فيها [360 ه] و توفي جعفر بن فلاح أحد قواد المصريين، و أول أمير ولي لهم دمشق، و كان فيمن خرج مع جوهر من المغرب، و شهد معه فتوح مصر، ثم بعثه جوهر إلى الشام، فتغلب على الرملة سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، و أقام بدمشق.

و لخمس خلون من صفر من هذه السنة، أمر المؤذنين بجامع دمشق أن يؤذنوا-

2

و أنعامه من ناطق و صامت‏ (1).

____________

بحي على خير العمل، و كذا بالمساجد، و كان ينزل بمكان يقال له الدّكة بين نهري يزيد و تورا، و قيل هي فوق يزيد قريبا من دير مران، فجاء أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي الى دمشق و يلقب بالاعصم، و كان جعفر مريضا، فخرج فقاتله فقتله القرمطي في ذي القعدة و قيل في شوال.

(1) اصطدم الفاطميون أثناء فتحهم لدمشق بجماعات الأحداث فيها، الذين شكلوا نوعا من أنواع المليشيات الشعبية البلدية، و كان محمد بن عصودا من بين زعماء أحداث دمشق الذين تصدوا لجعفر بن فلاح، و عندما أخفق بالمقاومة غادر دمشق إلى الأحساء حيث استنجد بقرامطتها، و من حسن الحظ أن المقريزي حفظ لنا في كتاب المقفى تراجم لجعفر بن فلاح و الحسن الاعصم زعيم القرامطة، و ترجمة الأعصم نشرتها في كتابي أخبار القرامطة، أما ما جاء عن علاقة جعفر ابن فلاح بالقرامطة فهاكم هو: (من مخطوطة مجلد برتو باشا في استانبول:

301- 302).

.... و أما محمد بن عصودا فإنه لما انهزم، سار الى الأحساء، هو و ظالم بن مرهوب العقيلي، و حثا القرامطة على المسير الى الشام، فوافق ذلك منهم الغرض، لأن الاخشيدية كانت تحمل في كل سنة الى القرامطة مالا، فلما أخذ جوهر مصر، انقطع المال عن القرامطة فأخذوا في الجهاز للمسير الى الشام.

و كثرت الأخبار بمسير القرامطة الى الشام، و أنهم نزلوا على الكوفة، و كتبوا الى الخليفة ببغداد، فأنفذ اليهم خزانة سلاح، و كتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب عبد اللّه بن ناصر الدولة بن حمدان، من مال الرحبة، و أنهم ساروا من الكوفة الى الرحبة و أخذوا من ابن حمدان المبلغ، فكتب جعفر الى غلامه فتوح و هو على أنطاكية يأمره بالرحيل فوافاه الكتاب مستهل شهر رمضان، فشرع في شد أحماله، و نظر الناس اليه فجفلوا و رموا خيمهم، و أراقوا طعامهم، و أخذوا في السير مجدين الى دمشق، فلما وافوا جعفر أراد أن يقاتل بهم القرامطة، فلم يقفوا، و طلب كل قوم موضعهم، و لم يبالوا بالموكلين على الطرق.

و عندما نزل القرامطة على الرحبة أكرمهم أبو تغلب، و بعث الى الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، المعروف بالأعصم، كبيرهم يقول له: هذا شي‏ء أردت أن أسير فيه بنفسي لكني مقيم في هذا الموضع الى أن يرد إلي خبرك، فإن احتجت الى سيري سرت إليك، و نادى في عسكره من أراد السير من الجند-

3

و بعد ملكهم لدمشق أمنوا من بقي من أهلها، و عزموا المسير الى الرملة و استولوا على جميع ما بينهما، فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ساروا منها الى يافا، فتحصنوا بها، و ملك القرامطة الرملة بعد قتال شديد و خسائر جمة، و بعد استتباب الأمر لهم قصدوا المسير الى مصر و تركوا على يافا من يحصرها.

و عند دخولهم مصر اجتمع عليهم خلق كثير من العرب و غيرهم من الجند و الإخشيدية و الكافورية، فنزلوا بفناء مدينة الشمس على مقربة من مصر قريبا من قرية البلسم أو البيلسان و تعرف «بعين» شمس، و اجتمع جند جوهر

____________

الاخشيدية و غيرهم الى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه، و قد أذنا له في المسير و المعسكران واحد، فخرج الى القرامطة كثير من الاخشيدية الذين كانوا بمصر و فلسطين، ممن فر من جوهر و جعفر بن فلاح، و كان جعفر لما أخذ طبرية بعث الى أبي تغلب ابن حمدان بداع يقال له أبو طالب التنوخي، يقول له: إنا سائرون اليك فتقيم لنا الدعوة، فلما قدم الداعي على أبي تغلب و هو بالموصل، و أدى الرسالة، قال له: هذا ما لا يتم لأننا في دهليز بغداد، و العساكر منا قريبة، و لكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار، أمكن ما ذكرته، فانصرف بغير شي‏ء.

ثم ان الحسن بن أحمد القرمطي، سار عن الرحبة الى أن قرب من دمشق، فجمع جعفر خواصه و استشارهم، فاتفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البرية قبل أن يتمكنوا من العمارة، فخرج اليهم و لقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم عنه عدة من أصحابه، فولى في عدة ممن معه، و ركب القرامطة أقفيتهم، و قد تكاثرت العربان من كل ناحية، و صعد الغبار، فلم يعرف كبير من صغير، و وجد جعفر قتيلا لا يعرف له قاتل، و كانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين و ثلاثمائة.

فامتلأت أيدي القرامطة بما احتووا عليه من المال و السلاح و غيره، و خرج محمد بن عصودا إلى جثة جعفر بن فلاح، و هي مطروحة في الطريق، فأخذ رأسه و صلبه على حائط داره، أراد بذلك أخذ ثأر أخيه اسحق بن عصودا، و ملك القرامطة دمشق، و ورد الخبر بذلك على جوهر القائد، فاستعد لحرب القرامطة ...

4

الصقلبي قائد المعز لدين اللّه، و خرجوا اليهم، فاقتتلوا غير مرة فلم يظفروا بهم في جميع تلك الأيام، و ما حصل منهم من الفظائع من قطع الطريق و النهب و السلب و سطوهم على القرى و هتكهم الأعراض يعجز القلم عن وصفه لعنهم اللّه.

ثم انهم تقدموا و زحفوا و حصروا عسكر جوهر و ضايقوهم و حصروهم حصارا شديدا، ثم ان جند جوهر خرجوا يوما من مصر و حملوا على القرامطة من الميمنة فانهزم من بها من العرب و غيرهم، و قصدوا خيام القرامطة فنهبوها و كبسوهم فيها فاضطروا الى الهزيمة، و ولوا الأدبار راحلين إلى الشام، فنزلوا الرملة ثم حصروا يافا حصارا شديدا و ضيقوا على من بها، فسير القاهد جوهر نجدة من عسكره لأصحابه المحصورين بها، و معهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل القرامطة مراكبهم اليها فأخذوا مراكب جوهر و لم ينج منها غير مركبين، فغنمهما مراكب الروم.

و للحسن بن بهرام زعيم القرامطة شعر فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين اللّه العلوي الفاطمي الافريقي يقول:

زعمت رجال الغرب أني هبتها* * * فدمي إذا ما بينهم مطلول‏

يا مصر إن لم أسق أرضك من دمي‏* * * يروي ثراك فلا سقاني النيل‏

و في صباح الغد أخذ جند جوهر يرمون القرامطة بقوارير النفط، و أعملوا فيهم السلاح حتى اضطروهم الى الجلاء عن الحصار، و رحلوا الى الشام فتبعوهم، و واصلهم المعز و جوهر بالنجدات حتى أجلوهم عن بعض القرى و المدن‏ (1).

____________

(1) جاء في ترجمة جوهر الصقلبي، في كتاب المقفي للمقريزي- مجلد برتو باشا:

311، مزيدا من التفاصيل هاكم هي:

5

و في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة تقوى القرامطة، و عزموا أن يعودوا لمحاربة المعز الفاطمي العلوي صاحب مصر و افريقية، فتجمعت جموعهم و ساروا من الإحساء، و في مقدمتهم زعيمهم الحسن بن أحمد قاصدين ديار مصر فنزلوا بها و حصروها، فلما سمع المعز لدين اللّه قصد القرامطة قبل وصولهم الى مصر، كتب اليهم كتابا (1)، يذكر فيه فضل نفسه و أهل بيته، و أن دعوة القرامطة كانت له و آبائه من قبله، و توعدهم و هددهم و سير الكتاب اليهم، فكتبوا اليه «جوابك: وصل الذي قل تحصيله، و كثر تفصيله، و نحن حاضرون اليك على إثره و السلام». و ساروا حتى وصلوا عين شمس فخيموا بها، و أنشب القتال، و حصروا مصر حصرا شديدا، و أفسدوا و نهبوا القرى و قطعوا السبيل، و كثرت جموعهم، و التف حولهم من العرب و قطاع الطريق جمع كبير، و كان ممن حضر معهم و انضم اليهم الأمير حسان بن الجراح الطائي أمير العرب ببادية

____________

... ورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم القرمطي الى دمشق، و قتل جعفر بن فلاح، و استيلاء القرامطة على دمشق، و قصدهم مصر، فتأهب جوهر لقتالهم، و حفر جوهر خندقا، و عمل عليه بابين من حديد، و بنى القنطرة على الخليج ظاهر القاهرة، و حفر خندق السري بن الحكم، و فرق السلاح على العساكر، فوجد رقاعا في الجامع العتيق فيها التحذير منه فجمع الناس و وبخهم فاعتذروا له فقبل عذرهم، و نزل القرامطة عين شمس في المحرم سنة احدى و ستين، فاستعد جوهر و ضبط الداخل و الخارج.

و في مستهل ربيع الأول التحم القتال بين القرامطة و بينه على باب القاهرة، فقتل من الفريقين جماعة و أسر كثير، ثم استراحوا في ثانيه، و التقوا في ثالثه، فاقتتلوا قتالا كثيرا قتل فيه ما شاء اللّه من الخلق، و انهزم القرمطي يوم الأحد ثالث ربيع الأول، و نهب سواده، و مر على طريق القلزم- السويس حاليا- و نودي في مدينة مصر: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم و خمسون خلعة و خمسون سرج محلى على دوابها، و ثلاث جوائز ...

(1) أنظره في نص المقريزي في اتعاظ الحنفا بين نصوص كتابي أخبار القرامطة.

6

الشام، و معه جمع عظيم، فلما رأى ذلك المعز استعظم الأمر، و تحير و ارتبك في أمره، فجمع حاشيته و وزراءه‏ (*)

... (1) و تحصنوا بالسور و عظم الأمر على المعزّ و تحيّر في أمره و لم ينفعه كتابه إليه و لا ترهيبه عليه و لم يقدم على الظهور بعسكره اليه‏ (2)، و كان حسان بن جراح الطائي‏ (3) بعسكره مع القرمطي، و كان قوته و شدته به،

____________

(*) نهاية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت، حيث تتطابق المعلومات بعد ذلك.

(1) نهاية سقط من أول الكتاب مقداره أربع عشرة ورقة.

(2) إثر احتلال جوهر الصقلبي لمصر وجه القائد جعفر بن فلاح نحو الشام فاصطدم ببقايا القوى الاخشيدية في فلسطين فقهرها، و من ثم أخذ الطريق نحو دمشق فاصطدم في منطقة حوران بقبائل عقيل مستعينا عليها ببني مرة و فزارة ثم وصل دمشق فاصطدم الفاطميون بأهل المدينة يتقدمهم أحداث المدينة.

و الأحداث هي منظمة شبه عسكرية شعبية بلدية، و كان من بين زعماء أحداث دمشق مقدم اسمه محمد بن عصودا، تصدى فيمن تصدى لجعفر بن فلاح إنما عندما أخفق هرب من دمشق يريد الأحساء و قد رافقه ظالم بن موهوب (أو مرهوب) العقيلي، و هناك في عاصمة دولة القرامطة أطلع الحسن الأعصم زعيم القرامطة على حوادث الشام الجديدة، و كان للقرامطة أتاوة سنوية كبيرة يأخذونها من الاخشيدية حكام الشام قطعت بالاحتلال الفاطمي، لهذا و لأسباب كثيرة ساق الأعصم جيوشه إلى الشام بعدما نال تشجيع و مساعدة بغداد، فأوقع بقوات ابن فلاح و قتل ابن فلاح نفسه ثم توجه نحو مصر و حاصر القاهرة دون نجاح، حيث انسحب القرمطي عائدا إلى الشام، و عند ارتفاع خطر القرامطة، راسل جوهر الصقلبي الخليفة المعز لدين اللّه الفاطمي و دعاه إلى القدوم الى مصر فلبى الدعوة، سنة 362 ه/ 973 م، و في سنة 363 ه وصل القرامطة مجددا الى مصر و حاصروا المعز، و طال الحصار على المعز، و كتب الى القرمطي رسالة مطولة بالغة الأهمية، و لقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في كتابي أخبار القرامطة، دمشق 1981، كما أنني نشرت في ملاحق كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية، ط. دمشق 1975، ص: 313- 348 ترجمه كل من جعفر بن فلاح و جوهر الصقلبي من مخطوطة كتاب المقفي للمقريزي.

(3) حسان بن علي بن جراح أمير قبائل في فلسطين، انظر كتابي أخبار القرامطة:

62، 190، 387، 404.

7

و نظر المعز في أمره فإذا ليس له به طاقة، فأعمل فكرته و رويته في أمره و شاور أهل الرأي من خاصته و جنده في أمره فقالوا: ليس فيه حيلة غير فلّ عسكره، و ليس يقدر على فلّه إلّا بابن جراح، فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم عسكره، فأجابهم إلى ذلك، ثم نظروا في كثرة المال فاستعظموه، فضربوا دنانير من صفر و طلوها بالذهب و جعلوها في أكياس، و جعلوا في رأس كل كيس منها يسيرا من دنانير الذهب الخلاص، و حملوها الى ثقة ابن جراح، و قد كانوا توثقوا منه و عاهدوه على الوفاء، و ترك الغدر إذا وصل المال إليه، فلما عرف وصول المال إليه عمل في فلّ عسكر القرمطي، و تقدم إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران، و نشبت الحرب.

فلما اشتد القتال ولّى ابن جراح منهزما و تبعه أصحابه، فكان في جمع كثيف، فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم في عسكره بعد الاستظهار و القوة، و تحيّر في أمره، و لزمه الثبات و المحاربة بعسكره و أجهد نفسه في القتال حتى يتخلص، و لم يكن له بهم طاقة، و كانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب، و قد قويت نفوس المغاربة بانفلال ابن جراح، فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره و طلبوا معسكره، فظفروا بمن فيه، و أسروا منه تقدير ألف و خمسمائة رجل، و انتهبوا سواده و ما فيه، و ضربوا أعناق من أسروه، و ذلك في شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.

ثم جرّدوا في طلب القرمطي القائد أبا محمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل فاتبعه و تثاقل في سيره خوفا من رجوعه عليه، و تم القرمطي على حاله في انهزامه حتى نزل على أذرعات‏ (1)، و انفذ أبا المنجا في طائفة من‏

____________

(1) هي مدينة درعا الحالية في سورية.

8

الجند إلى دمشق، و كان ابنه قبل ذلك واليا عليها (1)، و رحل القرمطي في البرية طالبا بلده الاحساء، و نيته العود، و رحل أبو محمود مقدم عسكر [7 ظ] المغاربة (2) عند معرفته ذاك و نزل باذرعات في منزل القرمطي.

***

____________

(1) هو كاتب الحسن الأعصم، وقع بالأسر و حمل إلى القاهرة حيث أطلق المعز سراحه بعدما توصل إلى شراء السلم القرمطي بكمية من الذهب و أتاوة سنوية.

أنظر أخبار القرامطة: 190- 191.

(2) أي عساكر الخلافة الفاطمية حيث كان جلهم من بربر الشمال الأفريقي.

9

ذكر ولاية ظالم بن موهوب‏ (1) العقيلي لدمشق في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة من قبل المعز لدين اللّه‏

وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي الى دمشق واليا عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة عقيب نوبة القرمطي، فدخلها و تمكن أمره في ولايتها و تأثلت حاله في إيالتها، و توفرت عدته و عدته، و اشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا و ولده صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما، و حبسهم و أخذ أموالهم و استغراق أحوالهم.

و اتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل الى دمشق في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة، و نزل بالشماسية (2)، فخرج ظالم متلقيا له و مستبشرا به، و مبتهجا بنزوله، و مستأنسا بحلوله لما كان مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق و نزوله عليها، ثم أن ظالما أنزل أبا محمود المقدم الدكة المعروفة (3) و حمل اليه أبا المنجا صاحب القرمطي المعتقل المعروف بالنابلسي‏ (4) الذي كان هرب من الرملة متقربا اليه و إلى المغاربة

____________

(1) هو ابن مرهوب في بعض نقول المقريزي في كتاب المقفى، و يبدو أن الادارة الفاطمية قد كسبته إلى صفها بعدما كان إلى جانب القرامطة، لتفتت القوى المساندة للقرامطة و لتستفيد من قوى عقيل في الشام الجنوبي ضد القرامطة و القوى المحلية.

(2) عند مسجد القدم، كان المأمون أقام بها مرصدا فلكيا، و في ياقوت أنها محلة من دمشق. أنظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق. ط. دمشق 1956 ص:

126، غوطة دمشق ص: 236.

(3) موضع بظاهر دمشق فوق نهر يزيد، يعرف الآن باسم الدواسة. غوطة دمشق ص: 232.

(4) أبو بكر النابلسي، وصفه القاضي عبد الجبار الهمذاني برئيس فقهاء الشام.

أنظر أخبار القرامطة: 190.

10

بذلك، فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب و حملهما الى مصر، فلما وصلا الى المعزّ لدين اللّه أمر بحبس أبي المنجا و ولده و قال للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة و واحدا في الروم؟ فاعترف بذلك، فأمر بسلخه، فسلخ وحشي جلده تبنا و صلب.

و لما نزل القائد أبو محمود المقدّم على دمشق في عسكره اضطرب الناس و قلقوا، و امتدت أيدي المغاربة في العيث و الفساد في نواحي البلد، و أخذ من يصادف في الطرقات و المسالك و كان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجّا قد أخذ انسانا و قتله، فظهر الغوغاء و حملة السلاح، و قتلوا أصحاب المسالح، و كثر من يطلب الفتن من العوام، و طمعت المغاربة في نهب القرى و أخذ القوافل ظاهر البلد، و لم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه فيهم، و لم (8 و) يقبلوا أمره و لا امتثلوا زجره.

و كان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد، و قد عرف ظالم أن الرعية تكره المغاربة [فكثر] في [البلد] (1) الفساد و قطع الطريق على الصدّار و الورّاد، و امتنع السفار من المجي‏ء و الذهاب، و عدلوا في ذلك عن نهج الصواب، و نزح أهل القرى منها إلى البلد، و خلت من أهلها و استوحش ظاهر البلد و باطنه.

فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب القصّارين من ناحية الميدان‏ (2) فكثر الصائح في البلد، و خرج الناس بالسلاح، و ثارث الأحداث، و خرج أصحاب ظالم و وقع القتال، و ظالم يظهر

____________

(1) من المقدر أن سقطا قد وقع هنا، و أضيف ما بين الحواصر كيما يستقيم المعنى.

(2) كان في دمشق أربعة ميادين هي: ميدان الحصا، و ميدان الشرف الأعلى، و ميدان ابن أتابك، و ميدان القصر. غوطة دمشق: 92.

11

أنه يريد الصلاح و الدفع عن البلد، و لم يكاشف في الأمر (1)، و وجد الناس حجة للمقال و الشكوى لما يجري عليهم، فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلّة (2) قد أقبلت من حوران، فأخذوها و قتلوا منها ثلاثة نفر، فجاء أهل القتلى و حملوهم و طرحوهم في الجامع‏ (3) فكثر الناس عليهم و بالغوا في المقال و الانكار لأجلهم، و غلقت الأسواق، و مشى الناس بعضهم إلى بعض، و نفرت قلوبهم، و استوحشوا و خافوا.

فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية (4)، إلى اللؤلؤة، فقال قائل: كان بالأمس آخر النهار قوم من المغاربة و من البادية في جنينة في القنوات‏ (5) فقتلت المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد، و قد وقع بينهم حرب و قد ثارت الفتنة بباب الجابية (6) فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاث ابن عم لأبي محمود، فظهر القوم من غد في طلب الرجل، و كان مسكنه في ناحية قينية،

____________

(1) أي لم يكاشف أبا محمد العداء. أنظر كتابي أخبار القرامطة: 64.

(2) تتبع الحرجلة الآن ناحية الكسوة في محافظة دمشق، و هي الى الشرق من الكسوة تبعد عنها/ 8 كم/ و عن دمشق/ 28 كم/. التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية، ط. دمشق 1968 ص 13.

(3) من المرجح المراد به «الجامع الأموي».

(4) كانت مقابل الباب الصغير: الأعلاق الحظيرة، قسم دمشق ط. دمشق، 1956 ص: 152.

(5) من أشهر مناطق مدينة دمشق ما تزال تحمل هذا الاسم.

(6) معروف مكانه في دمشق على مقربة من القنوات ما يزال يحمل هذا الاسم، منه كان الانطلاق إلى الجابية، أشهر مناطق تجمع القبائل العربية في جنوب الشام، و الجابية الآن على مقربة من بلدة نوى في حوران، و لم أهتد إلى معرفة ورد بن زياد هذا. أنظر تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 187.

12

فأقبلوا يريدون بيته، و انتشرت خيلهم و رجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة و القنوات إلى باب الجابية و باب الحديد (1)، فظفروا بالقصارين عند باب الحديد، فأخذوا ما كان معهم من الثياب، فصاح الناس: «النفير»، و لبسوا السلاح، و خرج أصحاب ظالم مع الرعية، و زحفت المغاربة حتى بلغوا قريبا من سور البلد و ليس في مقابلتهم من يذودهم و يدافعهم، فنفر إليهم أهل البلد من (8 ظ) كل ناحية و نشب القتال، و نكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية، و قصدوا الباب الصغير و امتد الناس خلف المغاربة و صعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة و طرحوا النار فيها فاحترقت، و هي أول نار طرحت في البلد و زحفت الرعية و أصحاب ظالم إلى المغاربة و ضايقوهم مضايقة ألجؤوهم إلى الصعود فوق مسجد ابراهيم، و كان ذلك منهم جهلا و اغترارا و كان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق‏ (2) شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث و أصحاب ظالم فانهزموا من المرج الى خلف المرمى، و تبعتهم المغاربة، فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار الإمارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردى، و أمر بغلق باب الحديد (3)، و رتب قوما من أصحابه على جسر باناس لئلا ينهزم الناس، فلما شاهد انهزام الناس و المغاربة في إثرهم ضرب بيده على فخذه، ثم استدعى رمحه، و عبر الجسر و معه فرقة من أصحابه، و حمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد، و صاح الناس في الميدان «النفير»، فانهزم ظالم و أصحابه و جاءت المغاربة نحو الفراديس، و دخلوا الدروب، و ملكوا السطوح و طرحوا النار في الفراديس‏ (4)، و كان هناك من البنيان‏

____________

(1) ذكره ابن عساكر في تاريخه: 2/ 186 بقوله: «هو الآن خاص بالقلعة التي أحدثت غربي البلد».

(2) كان تحت المنارة الغربية للمسجد الأموي، تاريخ دمشق لابن عساكر ط.

دمشق 1954: 2/ 158.

(3) في موقع قلعة دمشق حاليا، سمي بذلك لأن كله حديد. تاريخ دمشق: 2/ 186.

(4) محلة من محال دمشق، كان لها باب خاص نسب إليها، حيث منطقة العمارة حاليا. تاريخ دمشق: 2/ 186. منادمة الأطلال لعبد القادر بدران ط.

دمشق 1379: 42.

13

الرفيع الغاية في الحسن و البهاء ما لم ير مثله، و هو أحسن مكان كان بظاهر دمشق، و امتدت النار مشرقة حتى بلغت مسجد القاضي‏ (1) فأتت على دور لبني حذيفة و أخذت النار قلة، فأتلفت ما كان بين الفاخورة و حمام قاسم و كنيسة مريوحنا (2) و حين انهزم الناس و تكامل العسكر في المرج و الميدان، و ارتفع صياح المغاربة، و انهزم من على السطح من الرماة و النظارة، و امتدوا الى القنوات و دخلوا باب الحديد، و انتشروا، فلما عرفوا انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشمّاسية (3) في طلبه، فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى‏ (4) و الصغرى و القنوات و قينية (5) و أقبل الليل، و بات الناس على أسوأ حال و أشدّ خوف عظيم، و أعظم و جل، و تمكنت النار في تلك الليلة (9- و)، فأحرقت درب الفحامين، و درب القصارين، ثم أخذت مغربة إلى مسجد معاوية (6)، و أحرقت درب السماقي و ما حوله إلى حمام العجمي‏ (7)، ثم أخذت في زقاق المشّاطين و القنوات و قويت النار في اللؤلؤة الكبرى و الصغرى، و بلغت الى ناحية المشرق، واتت على الرصيف جميعه، و كانوا في وقت تمكنهم من باب الحديد، قد طرحوا النار في دار عمرو (8) بن مالك، و دار ابن طغج بن جفّ، فقويت‏

____________

(1) انظر الأعلاق الخطيرة لابن شداد، قسم دمشق، ط. دمشق 1956: 157.

(2) تحدث ابن عساكر عن بناء الجامع الأموي من قبل الوليد بن عبد الملك، و هدم كنيسة مر يوحنا فقال: «و أعطاهم- النصارى- الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد، الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس».

تاريخ دمشق: 2/ 20.

(3) عند مسجد القدم. غوطة دمشق: 236.

(4) هي محلة الحلبوني الحالية بدمشق. غوطة دمشق: 243.

(5) كانت القينية مقابل الباب الصغير. غوطة دمشق: 242.

(6) من أرض قينية على طريق المزة و داريا. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 152.

(7) في منطقة العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 300.

(8) أنظر ابن عساكر: 2/ 137.

14

النار في أخشاب و بطاين سقوف منقوشة، و ظهر لها في الليل ألسنة عالية و شرر عظيم، و كذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع، و ألقوا النار أيضا في باب الحديد، و المظلمة بإزاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب‏ (1) و وصلوا الى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل‏ (2) و وجدوا بين أيديهم من الرعيّة من منعهم دخول الزقاق، و دخل قوم من الرعية المظلمة و أدركوا [النار] و أطفؤوها، و قويت النار في دار ابن مالك فاحترقت و ما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك، ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن طغج و ما يليها إلى قصر عاتكة (3) و سوق الجعفري و الحوانيت، و التقت على قصر (4) حجاج، و أشرق الصبح و قد خلا المكان و اجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب و الفسقار (5) و النّواحي المعروفة بباب الحديد، و عملوا على المحاربة عن الدروب و الأزقة و أبواب الدور، فما لاح الصباح بضيائه إلا و قد بنوا حائط باب الحديد، و سدوا الباب و أتى اللّه بالفرج.

و قد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو و لعب و زفن‏ (6) و فرح و سرور بأخذ البلد من عدوهم، ينظرون الى النار تعمل في جنباته، و قد أتت عليه، فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد، و كان الناس قد غدوا إلى الميدان، و صعدوا السطح ينظرون نزول العسكر، و قد حارت عقول كثير من‏

____________

(1) من المعتقد أن محلة حجر الذهب كانت حيث العصرونية الآن شرقي القلعة.

الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 123.

(2) لم أقف عليها في المصادر المتوفرة.

(3) من أحياء دمشق الآن خارج باب الجابية يطلق عليه الآن «قبر عاتكة». غوضة دمشق: 256- 257.

(4) محلة كبيرة في ظاهر باب الجابية نسبت إلى الحجاج بن عبد الملك بن مروان.

غوطة دمشق: 253- 254.

(5) من المعتقد أنه سوق مدحت باشا الحالي. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 93.

(6) الزفن: اللعب و الدفع. النهاية لابن الأثير.

15

الناس من الخوف، فلما نظرت الدبادبة من كان على السطح، انحدر العسكر، و قد علت الأصوات بالنفير، فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام، و عدد الحرب و آلاتها و خرج قوم بمثل حربة (9 ظ) و عصا و فاس و كساء و مقلاع، و حمر عليها حجارة، و اشتد الناس في القتال، و نزل القائد أبو محمود في عسكره، فضرب في الميدان خيمة و أصبح الناس في شدة عظيمة، و بلية هائلة [و اجتمع الأشراف‏] (1) و ظهروا من البلد، و قد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار و المستورين يطلبون من اللّه تعالى الفرج، فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم، فنفرت من الصياح خيل هناك، فقيل لهم: أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد، فأذن لهم فلما حضروا لديه، و سلموا عليه، أحسن الرد عليهم، و بشّ بهم و قال: ما حالكم و ما الذي جاء بكم؟ فشكوا إليه أحوالهم، و الإضرار بهم، و المضايقة لهم، و خضعوا و ذلوا له و لطفوا به، فقال: ما نزلت في هذا المكان لقتالكم، و إنما نزلت لأردّ هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم- يعني أصحابه- و ما أوثر قتال رعية، فشكروا و دعوا له و أثنوا عليه، و انصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه، و جاؤوا إلى خيمته و اختلطوا بأصحابه و قد خف الخوف و الوجل عنهم، و دخلت المغاربة البلد لقضاء حوائجهم، و عاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله.

و ولى الشرطة لرجلين يقال لهما حمزة المغربي و الآخر يقال له ابن كشمرد من الاخشيدية، فدخلا في جمع كثير من الخيل و الرجالة فطافا في البلد بالملاهي و الزفن، و جلسا في مجلس الشرطة، و طاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد و السلاح ممن يريد الفساد و إثارة الفتن، و وجد الطائف الدروب قد ضيقت،

____________

(1) من المقدر وجود سقط بالأصل، و لعل ما أثبت بين الحاصرتين فيه تقويم و ايضاح.

16

فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشقّ هذا الأمر عليه و ضاق له صدره، فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى‏ (1)، يريد باب الصغير في جمع وافر، و وصل إلى سوق‏ (2) الغنم، فوجد درب سوق الغنم مسدودا، فعظم ذلك عليه، و غضب لأجله، و عاد إلى ورائه منكفئا حتى دخل من ناحية البطّاطين‏ (3) فشكا إلى أبي محمود، فقال:

إن القوم على ما هم عليه من العصيان و الخلاف، و كثرت الأقوال في مجلسه و لم يكن صاحب رأي سديد و لا تدبير حميد و لا حسن سياسة، و استدعى مشايخ البلد إليه (10 و) فدخلوا عليه فتوعدهم و أغلظ القول لهم، و قال:

إن لم يفتح هذا الباب و إلّا فأنتم مقيمون على الخلاف و العصيان، فقالوا:

أيها القائد لم يسدّ هذا الباب لعصيان و لا خلاف، و إنما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد و لا يؤثره من أهل الفساد و من يؤثر إثارة الفتنة و العناد، فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام و إن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه و لأحرقنه و لأقتلن كل من أصادفه فيه، فقالوا: نحن نطيع أمرك و لا نخالفه إذا استصوبت ذلك.

و خرجوا من عنده متحيرين في أمرهم و لا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس و أمور السلطان، فصاروا إلى باب الصغير، و اجتمع اليهم أهل الشرّة و غيرهم، و فيهم المعروف بالمارود رأس شطّار الأحداث، و أحاطوا بهم و سألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب، فقال بعضهم: يفتح و لا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب البلد،

____________

(1) المصلى قبلي دمشق من خارج محلة الميدان، و لم أجد عند ابن عساكر و ابن شداد ذكرا لجسر المصلى فأحدد مكانه. أنظر منادمة الأطلال: 389.

(2) يستدل من الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 134، أن هذا السوق كان على مقربة من باب الصغير.

(3) لم أقف على ذكر لهذه الناحية.

17

و قال قوم من أصحاب السلاح بالضد، فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب و إن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة و غيرهم، أو ثارث منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك و سببه، ثم إنهم فتحوه من وقتهم، فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين، و قال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود، و ما قال أهل الشره، و قد فتح الباب بأمركم، و لسنا نأمن أمرا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه، ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين، و أعملوا الرأي فيما بينهم، و قالوا: الصواب أن نأمرهم بسده، و كان ذلك منهم رأيا سديدا و تدبيرا [سليما] (1) و جرى بين رجل من أكابر المغاربة و رجل من أهل الشرة منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب عليه، فرفع البلدي سيفه و ضرب المغربي فقتله في سوق‏ (2) البقل، فغلظ الأمر و اضطرب البلد، و غلقت حوانيت الأسواق، و ثار العسكر بسبب المقتول، فعند ذلك وجدت المشايخ الحجّة في سدّ الباب لهذا الحادث، و انتهى الخبر الى القائد أبي محمود، ففرّق السلاح في أصحابه، و ثار أهل البلد و تأهبوا للمحاربة، و أصبح العسكر منحدرا يريد باب الصغير، (10 ظ) و كان عندهم العلم بتفريق السلاح، و الاستعداد للحرب، فتيقّظ الناس، فاحترزوا الى حين ارتفع النهار، و فتح الناس حوانيتهم و كان المعروف بابن المارود رأس الأحداث قد عرف هو و أصحابه أن قصد العسكر باب الصغير لأجلهم‏ (3)، و صاح الناس «النفير»، و ارتفعت الأصوات و تقدمت الرجالة، و انتشروا في سوق الدواب، (4) و عبروا الجسر و طرحوا النار في الطاحون قبليّ الجسر، و انتشروا في الطريق و المقابر يشاهدون‏

____________

(1) فراغ في الأصل، مقدار كلمة، و لعل ما وضعته بين حاصرتين يفي بالمعنى.

(2) أنظر تاريخ دمشق: 2/ 62. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 103.

(3) يستخلص من هذا الخبر و أخبار أخرى سيوردها ابن القلانسي حول الأحداث أن منطقة الباب الصغير كانت أشبه بقاعدة تجمع لقوى أحداث دمشق أو بمثابة ثكنة لهم.

(4) أنظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 155.

18

النار في دور عند مسجد الخضر، و امتدت الأحداث و الرعية في المقابر و وقع «النفير» في الأسواق، و كانوا في غفلة، فصاح فيهم صايح: أما يستيقظ من هو غافل، أما ينتبه من هو راقد، فغلقت حوانيت الأسواق و أضحى الناس من استشعار البلاء على ساق [و قدم‏] (1) و نزل القائد أبو محمود في محراب المصلى و كانت رجالته منتشرة في المقابر، فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية، و المحاربة على باب الصغير، و كان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي، فقال له: اللّه اللّه أيها القائد في الحرم و الأطفال و أتقياء الرجال، و لم يزل يخضع له و يلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد، و عاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة و كف عن القتال، و دخل صاحب النظر إلى البلد، و انتشر الفساد في سائر الضياع و الجهات، و طرحت النار في الأماكن و الحارات، و ثارت الفتنة و اشتدت النار، و عظم الخوف و فني العدد الكثير من الفريقين، و لم تزل الحرب متصلة مدة صفر و ربيع الأول، و بعض ربيع الآخر، و تقررت المصالحة (2) و الموادعة إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و صرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايته.

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

(2) كانت المصالحة سنة و أربع و ستين و ثلاثمائة، و ذكر ثابت بن سنان: «ثم استقر الرأي بين الدمشقيين و القائد أبي محمود على اخراج ظالم من البلد و يخلفه جيش بن الصمصامة، و هو ابن أخت أبي محمود» و كان «قدم إلى القاهرة فيمن قدم إليها مع المعز، و خرج مع خاله أبي محمود ابراهيم بن جعفر ابن فلاح الى الشام». أنظر أخبار القرامطة: 64- 65. مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 345.

19

شرح الحال في ذلك‏

لما استقر الصلح و الموادعة بين أهل دمشق و القائد أبي محمود مقدم العسكر المصري المعزي على ما تقدم شرحه، و خمدت نار الفتنة بعض الخمود، و ركدت ريحها بعض (11 و) الركود و سكنت نفوس أهل البلد و اطمأنت القلوب بين الفريقين اعتمد القائد أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق و حمايتها و لمّ ما تشعث منها بالفتنة المتصلة، لما رجاه عنده من الكفاية و الصرامة، و قدره فيه من النهضة و الشهامة، فدخلها واليا و نزل بقصر الثقفيّين‏ (1) في الدار المعروفة بالروذبادي، و أقام بها أياما.

فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر المغاربة بالفراديس فعاثت فيه، فثار الناس عليها و قتلوا من لحقوه منهم، و صاروا إلى قصر الثقفيّين، فهرب منهم جيش ابن الصمصامة الوالي في أصحابه فانتهبوا ما كان لهم فيه، و أصبح القائد منحدرا من العسكر في جمع كثير، و قصد جهة من البلد، و كبس موضعا كان قد سلم و وجد فيه أربعة من أهله فأخذ رؤوسهم و طرح النار فيه فاحترق، و قال القائد أبو محمود: إن أهل الشرّة في موضع يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد، فقصدهم من ناحية الباب‏ (2) الصغير و المقابر، فوقع «النفير» فقاتلتهم الأحداث و الرعية أشد قتال، و قد غلظ الأمر عليهم في أخذ رؤوس من يظفرون به، و نشبت الفتنة و الشر بينهم منذ أول جمادي اولى، و نشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم الى أن أقبل الليل،

____________

(1) على الأرجح أن قصر الثقفيين كان محلة من محال دمشق، حيث موقع القلعة اليوم مع جزء من العصرونية. انظر ابن عساكر: 2/ 76. قصور الحكام في دمشق مقال لعبد القادر ريحاوي نشر في مجلة الحوليات الأثرية م 22- 23 ص: 42- 43.

(2) في الأصل: الخامس، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

20

فاضطرب البلد و اشتد خوف أهله و وجلهم، و خربت المنازل، و ضعفت النفوس، و انقطعت المواد، و استدت بالخوف المسالك و الطرقات، و بطل البيع و الشراء، و قطع الماء عن البلد، و عدم الناس القني و الحمامات، و مات ضعفاء الناس على الطرقات، و هلك الخلق الكثير من الجوع و البرد في أكثر الجهات، و انتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ولاية القائد ريّان الخادم عقيب هذه الفتنة في بقية سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.

شرح الأمر في ذلك‏

قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين اللّه بما يجري على أهل دمشق من الحروب، و إحراق المنازل، و النهب و القتل و السلب، و إخافة المسالك، و قطع الطرقات، و أن القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف أهل الفساد و المنع (11 ظ) لمن يقصد الشر من أهل العيث و العناد، و لذلك فقد خربت الأعمال، و اختلت الجهات، و ترادفت الأنباء بذلك إليه و تواترت الأخبار بجلية الحال عليه، فأنكر استمرار مثل ذلك، و أكبره و استبشعه، و كتب إلى القائد ريّان الخادم والي طرابلس يأمره بالمسير الى دمشق، لمشاهدة حالها، و كشف أمور أهلها، و المطالعة بحقيقة الأمر فيها، و أن يصرف القائد أبا محمود عنها، فامتثل القائد ريّان الأمر في ذلك، و سار من طرابلس، و وصل إلى دمشق، فشاهدها و كشف أحوال أهلها و أمور الرعية بها، و تقدم الى القائد أبي محمود بالانكفاء عنها، فرحل عن دمشق الى الرملة في عدّة خفيفة من عسكره، و بقي الأكثر مع القائد ريّان، و كان ذلك بقضاء اللّه و تقديره و نفاذ حكمه، و تمادت الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور الفتكين التركي المعزي البويهي الواصل‏ (1).

____________

(1) الواصل من العراق.

21

ولاية ألفتكين‏ (1) المعزي لدمشق في بقية سنة أربع‏ (2) و ستين و ثلاثمائة و ما بعدها و شرح السبب في ذلك‏

قد مضى ذكر ما جرى عليه أمر القائد ريان المعزي‏ (3) الخادم في تولية أمر دمشق، و ما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها، و اتصال الحروب بها، و ما اعتمده من النظر في تسديد أحوالها و تدارك إصلاح اختلالها بعد ذلك، و تسكين نفوس من بها، و وافق هذه الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن و الوقائع بين الديلم و الأتراك و ما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار ابن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي، و ما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور و ردّ الأمر في التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور ألفتكين المعزي و الرئاسة عليهم، لسكونهم الى سداده و جميل فعله في الأعمال، و اقتصادهم و اعتمادهم عليه في إخماد ثائرة الفتنة، و سكنت نفوس الأجناد ببغداد.

و في ذي القعدة من سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة وردت الأخبار بخلع المطيع للّه و استخلاف ولده الطائع للّه عند اشتداد الفتنة بين الديلم و الأتراك، و أقام على هذه (12 و) الحال برهة خفيفة، ثم ثارت الفتنة و اتصلت الحوادث،

____________

(1) يرد رسم هذا الاسم في المصادر بأشكال مختلفة: منها هفتكين، بغتكين، ألفتكين، ألبتكين، و الصحيح هو «ألب تكين أي عبد جلد» و يجوز القول ألف بدلا من ألب فالباء و الفاء سواء في الأسماء المعربة عن التركية. انظر ديوان لغات الترك، تأليف محمود الكاشغري. ط. الآستانة: 1333 ه: 1/ 346- 347.

(2) في الأصل ثلاث و هو خطأ واضح، انظر أخبار القرامطة: 64- 65.

(3) ألفتكين المعزي و ريان المعزي، أما الأول فنسبة إلى معز الدولة البويهي، و أما الثاني فنسبة الى المعز لدين اللّه الفاطمي.

22

و زاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب الفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين‏ (1) الغلمان، و وصل أولا إلى ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت، فأقام بها أياما قلائل، و سار منها الى دمشق و الأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملّكها و الغلبة عليها و التحكم فيها، فنزل بظاهرها، و خرج إليه شيوخها و أشرافها و خدموه و أظهروا السرور به، و سألوه الإقامة عندهم، و النظر في أحوالهم، و كف الأحداث الذين بينهم، ودفع الأذيّة المتوجهة عليهم منهم، فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثّق منهم و توثقوا منه بالأيمان المؤكدة و المواثيق المشددة على الطاعة و المساعدة، و دخل البلد و أحسن السيرة و قمع أهل الفساد و أذلّ عصب ذوي العيث و العناد، و قامت له هيبة في الصدور، و صلح به ما كان فاسدا من الأمور، و كانت العرب قد استولت على سواد البلد و ما يتصل به، فقصدهم و أوقع بهم، و قتل كثيرا منهم، و ظهر لهم من شجاعته و شهامته و قوة نفس من في جهته و جملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته و النزول على حكمه، و العمل بإشارته و أمر بتقرير إمضاء الاقطاعات القديمة، و ارتجاع ما سوى ذلك، و أحسن التدبير و السياسة في ترتيب العمال في الأعمال، و أنعم النظر في أبواب المال و وجوه الاستغلال، فاستقام له الأمر، و ثبتت قدمه في الولاية، و سكن أهل دمشق إلى نظره.

و كاتب المعز مكاتبة على سبيل المداجاة و المغالطة و المدامجة و التمويه و الانقياد له و الطاعة لأوامره، فأجابه بالاحماد له و الارتضاء بمذهبه، و الاستدعاء له الى حضرته، ليشاهده و يصطفيه لنفسه، و يعيده إلى ولايته بعد ذلك مكرما مولى مشرّفا، فلم يثق إلى ذلك، و لا سكنت نفسه إليه و امتنع من الإجابة إلى ما بعثه عليه.

____________

(1) أي كبار الغلمان، و من أجل حوادث الصراع التركي الديلمي انظر تجارب الأمم لمسكويه، ط. القاهرة 1915: 316- 343، و وصل ألفتكين الى الشام عام 364 ه.

23

و وافق أن المعز لدين اللّه اعتل العلة التي قضى فيها نحبه و صار إلى رحمة ربه في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة و كان مولده بالمهدية (1)، و عمره خمس و أربعون سنة، و مولده سنة تسع عشرة (12 ظ) و ثلاثمائة، و مدة أيامه في الخلافة ثلاث و عشرون سنة و ستة أشهر و أمه أم ولد، و نقش خاتمه «بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم»، و كان عالما فاضلا شجاعا جاريا على منهاج أبيه في حسن السيرة و انصاف الرعية (2)، ثم عدل عن ذلك و تظاهر بعلم الباطن، ورد من كان باقيا من الدعاة في أيام أبيه و أذن لهم في الاعلان بمذهبهم، و لم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب‏ (3)، و قام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور العزيز باللّه، مولوده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة.

و لما عرف حال الحاجب ألفتكين جهز إليه عسكرا كثيرا مع القائد جوهر المعزي، و يجري الأمر بينهما على ما هو مشروح في موضعه، و اتفق خروج ابن الشمشقيق‏ (4) متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور، فاستولى على‏

____________

(1) معروفة بالجمهورية التونسية بناها المهدي سنة 300 ه/ 913 م على شاطي‏ء البحر الأبيض المتوسط، و أرضها بالأصل أشبه «بجزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصل بزند». انظر كتابي العصر العباسي منذ القرن الرابع و حتى سقوط بغداد، ط. دمشق 1982، ص: 231: 231- 238.

(2) تردد بعض المصادر أن المنصور اسماعيل أوقف النشاط الدعوي و تظاهر بالتقرب إلى أهل السنة و ذلك أثناء تصديه لثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي.

(3) يريد بهذا قدوم المعز من تونس إلى مصر بعدما تعرضت للخطر القرمطي.

(4) هو الامبراطورJOhn I Tzimisces و لفظة شمشقيق لفظة أرمنية معناها القصير (969- 976)، و كان ابن الزيات مقدم أهل طرسوس التي كانت أعظم مدن الثغور، و قد أفرد ابن العديم في المجلدة الأولى من كتابه بغية الطلب فصلا خاصا حول مدينة طرسوس، أهم ما فيه مواد نقلها عن أبي عثمان الطرسوسي (ت في مطلع القرن الخامس) صاحب كتاب سير الثغور، و طرسوس الآن قائمة داخل الحدود التركية و غالبية سكانها عرب يتقنون العربية، في محراب مسجدها دفن الخليفة المأمون العباسي.

24

أكثرها ودعت أبا بكر بن الزيات الضرورة إلى مصالحته و الدخول في طاعته و المسير في عدة وافرة من أهل طرسوس و الثغور في خدمته، و فعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك، فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص و افتتحها و انتقل عنها إلى بعلبك و ملكها، و أراد قصد دمشق، و كتب ابن الزيات الى ألفتكين و أهل دمشق يعرفهم قوة متملّك الروم، و أنهم لا يقدرون على مقاومته، و لا يتمكنون من محاربته، و يشير عليهم بالدخول في طاعته و النزول على حكم إشارته، و أصغى ألفتكين و أهل البلد إلى ذلك، و علموا أن فيه المصلحة، و قرروا ما يستكفونه به ليصبحوا في كنف السلامة، و يأمنوا شرّ العساكر الواصلة إليهم، و كتب إليه بقبول الاشارة و ردّ الأمر إليه فيما يدبره، و العمل فيه بما يراه و يستصوبه، فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم، و قال له: قد وردت كتب ألفتكين و أهل دمشق بالإنقياد للملك إلى ما يرومه منهم، و يرسم حمله إليه من الخراج عن بلدهم و سألوا أمانه، و حسن الرأفة و المحاماة عنهم، فقال له: قد قبلت طاعتهم، و أمرت بايمانهم على نفوسهم و أموالهم، و رضيت منهم بالخراج، و أنفذ إليهم صليبا بالأمان، و أنفذ (1) ابن الزيات إليهم مع المعروف بالدمشقي صاحبه، و كان من وجوه (13- و) الطرسوسين، فتلقوه بالمسرة و الاكرام و الشكر الزائد عن حسن السفارة و جميل الوساطة، و أشار ابن الزيات على ألفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي و عدة، و أفضل ترتيب و هيئة، و استصحب أشراف البلد و شيوخه، و لقيه فأقبل عليه و أكرمه و الدمشقيين فيما خاطبهم به من الجميل، و عاملهم به من وكيد العناية و مرضي الرعاية، و توسط ابن الزيات ما بينه و بينهم على تقرير مائة ألف درهم.

____________

(1) في الأصل: «فأنفذه» أي الصليب، و هذا يفيد تكرار العبارة، و لا يتفق مع سياق الخبر و بقيته، و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

25

و سار ابن الشمشقيق‏ (1) إلى دمشق لمشاهدتها، فلما وصل إليها و نزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها، و تقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها، و ترك الإعتراض لشي‏ء من عملها، و دخل ألفتكين و الشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة و جمعها، و تحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها، و حملوا إليه ما جاز حمله، و حصل المال المقرر له في بدره، و خرج ألفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبا و الطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه، فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه، و قد كانت الحال تأكدت بين ألفتكين و ابن الزيات فتلقاه و وصاه بالتذلل له و الزيادة في التعظم له، و التقرب إليه و أعلمه أن ذلك ينفق عليه، ففعل ألفتكين ما أشار به، و ترجل له هو و أصحابه، و ابن الزيات، عند قربهم منه، و قبلوا الأرض مرارا، فسر الملك بذلك و أمرهم بالركوب، فركبوا و أسند إلى ألفتكين، و سأله عن حاله فأجابه جوابا استرجعه حجة فيه، و كان الملك فارسا يحب الفرسان، فلعب الفتكين و ابن الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه، و شاهد من فروسية الفتكين‏

____________

(1) قاد هذا الامبراطور أول جيش بيزنطي توغل في أعماق بلاد الشام منذ الفتح الاسلامي، و قد تحدث في رسالة بعث بها إلى أشوت الثالث ملك أرمينية عن أهداف حملته فبين أنها أهداف صليبية بحتة، ذلك أنه أراد احتلال القدس أو حسب تعبيره أراد تحريرها من المسلمين، لكن كما قال: «لولا وجود المسلمين المغاربة الذين يعيشون هناك و لو لا اعتصامهم في القلاع الساحلية لدخلنا بيت المقدس و صلينا للرب في الأماكن المقدسة». هذا و تحدث يحيى بن سعيد الأنطاكي عن حملة الامبراطور البيزنطي و وصوله إلى دمشق فذكر أنه «قاطع أهلها على ستين ألف دينار يحملونها إليه في كل عام، و كتب عليهم بذلك كتابا و أخذ خطوط الأشراف، و أخذ جماعة منهم رهينة، و استدعى خروج ألفتكين إليه فخرج في أربعة غلمان فأكرمه الملك، و ضرب له مضربا مفردا و أفطر عنده في تلك الليلة فخلع عليه الملك و وهب له ما أخذ به خطوط أهل دمشق من المال و أطلق أيضا الرهائن، و حمله على فرس بسرج و لجام». انظر تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ط. بيروت: 1909 ص: 145- 146.

تاريخ الامبراطورية البيزنطية (بالانكليزية) تأليف أ. أ. فازلييف- كندا 1952: 1/ 309- 310.

26

ما أعجبه، فتقدم إليه بالزيادة في اللعب و التفرد به ففعل، و التفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على ألفتين، و قال: هذا غلام نجيب و قد أعجبني ما شاهدته منه في حسن أفعاله و جميع أحواله، فأعلم ابن الزيات ألفتكين، فترجل و قبل الأرض و شكره و دعا له، فأمره بالركوب فركب و قال لابن الزيات: عرّفه أن ملكي‏ (1) قد وهب له الخراج و ترك طلبه منه، فأعاد ألفتكين الترجل و الشكر (13 ظ) و الدعاء، و عاد الملك إلى بلاطه و ألفتكين معه أثناء مسيره يلعب و يرى بالزوبين‏ (2)، و الملك شديد التوفر عليه، حتى إذا نزل أحضره و خلع عليه، و حمله على شهري، و استهداه الملك الفرس الذي كان تحته، و السلاح الذي عليه الرمح، فعاد و أضاف اليه عشرين فرسا بتجافيفها و عدة رماح و شيئا كثيرا من أصناف الثياب و الطيب و التحف التي يتحف بها مثله، فشكره الملك على هذا الفعل، و قبل الفرس و آلته، ورد ما سوى ذلك و كافأه على الهدية بأثواب ديباج كثيرة، و صياغات و شهاريّ و بغلات.

و سار على طريق الساحل فنزل على صيدا، و خرج إليه أبو الفتح بن الشيخ، و كان رجلا جليل القدر، و معه شيوخ البلد، و لقوه و قرروا معه أمرهم على مال أعطوه إياه و هدية حملوها إليه، و انصرف عنهم على سلم و موادعة، و انتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه، فقاتلهم و افتتح الثغر عنوة و نهبه و سبى السبي الكثير منه، و توجه الى جبيل فاعتصم أهلها عليه، و جرى أمرها مجرى بيروت، و نزل على طرابلس فأقام عليها تقدير أربعين يوما يقاتل أهلها

____________

(1) أي ملك ابن الزيات الامبراطور نفسه صاحب الخطاب حسب الطريقة البيزنطية في الرسوم، أو لعل الامبراطور لم يرد نفسه، ذلك أنه حكم باسم ولدي الامبراطور رومانوس الثالث و هما باسيل الثاني و قسطنطين الثامن، أنظر كتاب أوربا في العصور الوسطى لسعيد عبد الفتاح عاشور. ط. القاهرة 1966 ص: 422- 426.

(2) حربة ذات رأسين، باللغة الفارسية.

27

و يقاتلونه، فبينما هو على ذلك إذ دسّ اليه خال بسيل و قسطنطين سما فاعتل منه، و رحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك، و قطع ما كان في بساتينها من شجر التين و هو يجري هناك مجرى النخل في البصرة، و حفزه المرض الذي لحقه و استخلف البرجي‏ (1) البطريق على منازلتها و توجه الى القسطنطينة، و توفي بعد أن افتتح البرجي أنطاكية في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة.

و ورد (2) الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين اللّه صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان مولده بالمهدية على أربع ساعات و أربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و عمره خمس و أربعون سنة، و تقلد الأمر بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و مدة أيامه بمصر ثلاث سنين، و انتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز باللّه، و قد تقدم ذكر ذاك إلا أن هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية.

و قيل أن المعز كان (14 و) مغرى بعلم النجوم، و النظر فيما يقتضيه أحوال مولده و أحكام طالعه، فحكم له بقطع فيه و استشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض و يتوارى فيه إلى حين زوال الوقت و تقضّيه، فعمل على ذلك، و أحضر قواده و كتابه، و قال لهم: إن بيني و بين اللّه تعالى عهدا في وعد وعدنيه، و قد قرب أوانه، و جعلت ولدي نزارا ولي العهد بعدي، و لقّبته العزيز باللّه، و استخلفته عليكم، و على تدبير أموركم مدة غيبتي، فالزموا الطاعة له و المناصحة و اسلكوا الطريق الواضحة، فقالوا له: الأمر أمرك و نحن عبيدك و خدمك، و وصى إلى العزيز بما أراد، و جعل‏

____________

(1) ميخائيل البرجي. انظر تاريخ يحيى بن سعيد: 147.

(2) في الأصل و لما، و لا وجه لها، و لعل ما أثبته هو الصواب.

28

جوهرا مدبره و المشار إليه في الأمور و تنفيذها بين يديه، و نزل إلى السرداب الذي اتخذه، و أقام فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأوا غماما سائرا ترجلوا الى الأرض و أوموا إليه بالسلام بقدر ذاك، ثم خرج بعد ذلك و جلس للناس، فدخلوا إليه على طبقاتهم و خدموه بأدعيتهم و ما أقام على هذه الحال الّا مديدة و اعتل علته التي قضى فيها نحبه‏ (1).

و قام العزيز باللّه في منصبه، و قد كان ألفتكين [بدمشق‏] (2) و القرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا الى دمشق في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان الذي وافى منهم اسحق و كسرى و جعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية، و وافى معهم كثير من العجم، و أكرمهم ألفتكين، و حمل إليهم الميرة، و خرج نحوهم، و أقاموا على دمشق أياما و رحلوا متوجهين الى الرملة، و كان أبو محمود ابراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا، فلما نزلوا الرملة شرعوا في القتال، و لما أمن ألفتكين من ناحية مصر و الرملة عمل على أخذ ثغور الساحل، وسا فيمن اجتمع إليه، و نزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليا و معه رؤوس من المغاربة، و معهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم‏

____________

(1) فكرة الغيبة في هذه الرواية مقبولة، بصرف النظر عما أحاط بها هنا من أخبار، و فكرة الغيبة موجودة لدى معظم فرق الشيعة، فالكيسانية اعتقدوا بغيبة محمد بن الحنفية، و بعدهم رأى الاثنا عشرية و ما زالوا يرون أن الامام الثاني عشر تغيب في غار في سامراء و أنه مهدي الزمان و سيظهر عندما يحين الوقت، و كذلك اعتقد الدروز بغيبة الحاكم بأمر اللّه، و الجديد المختلف في غيبة المعز هنا ان غيبته كانت محدودة المدة محدودة الهدف، و هي هنا مرتبطة بمكانة الامام الدينية لدى الاسماعيلية و بما ورد في القرآن الكريم عن غيبة النبي موسى (عليه السلام)، هذا و مفيد أن نشير هنا أن يحيى بن سعيد الأنطاكي:

146، ذكر أن وفاة المعز كتمت مدة ثمانية أشهر.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق و يتضح المعنى، فالقرامطة كاتبوا ألفتكين «بأنهم قاصدون الشام»، و لم يقوموا لا هم و لا ألفتكين بالكتابة للعزيز الفاطمي.

29

ذكره في دمشق، فقاتلوه و كانوا في كثرة و طمعوا في ألفتكين، و امتدوا خلفه و نزل على نهر و طفت الرعية من صيدا، و خرج منهم خلق كثير، و قال ألفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس، و تبعوهم، فحملت عليهم الأتراك، و رمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور (14 ظ) و أقبلوا باللتوت‏ (1) عليهم و داسوهم بالخيل عليها التجافيف‏ (2)، فانهزموا و أخذهم السيف، و كان ظالم ابن موهوب معهم، فانهزم إلى صور و أحصي القتلى فكانوا أربعة آلاف، و طمع في أخذ عكا و توجه نحوها.

و قد كان العزيز باللّه كاتب ألفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين اللّه من الاستمالة، و وعده بالاصطناع إذا (3) أخذت عليه البيعة، و ظهرت منه الطاعة، فأجابه فيه جوابا فيه بعض الغلظة، و قال: هذا بلد أخذته بالسيف و ما أدين فيه لأحد بطاعة و لا أقبل منه أمرا، و غاظ العزيز هذا الجواب منه، و أحفظه و استشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس‏ (4) وزيره فيما يدبّر أمر

____________

(1) في الأصل «أقلبوا» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه و اللتوت جمع لت و هو العمود أو ما ناظره بالفارسية.

(2) هو شي‏ء من سلاح يترك على الفرس بغية الأذى، و قد يلبسه الانسان أيضا.

النهاية لابن الأثير.

(3) في الأصل «و أخذت» و هو غير مستقيم المعنى و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

(4) عراقي الأصل من يهودها، قدم الرملة و عمل بها ثم توجه إلى مصر حيث التحق بكافور الأخشيدي، فنفق عنه و أعلن اسلامه فاستوزره، توجه بعد وفاة كافور إلى افريقية فالتحق بالفاطميين و رافق جيوشهم التي فتحت مصر، و في مصر وضع أسس نظام الادارة الفاطمي بشكل يكاد يكون علميا، كما كتب في الدعوة الاسماعيلية و أسهم في اعادة تنظيمها، تسلم الوزارة الفاطمية أكثر من مرة، و توفي في أيام العزيز، و المثير في أمره أن وثائق الجنيزا اليهودية المصرية المعاصرة له تشير إليه باسم الأخ يعقوب مما يدفع إلى القول بأنه تمسك باليهودية و تظاهر بالاسلام. انظر كتاب «يهود في الحياة الاقتصادية و السياسية للاسلام الوسيط» تأليف والتر فيشل (بالانكليزية) ط. لندن 1968 ص: 45- 68. مجتمع البحر الأبيض المتوسط، تأليف س. د. جويتين (بالانكليزية) كاليفورنيا 1967 ص: 33- 34. الاشارة إلى من نال الوزارة لعلي بن منجب الصيرفي ط.

القاهرة 1924 ص: 19- 23.

30

ألفتكين به، فأشار باخراج القائد جوهر إليه مع العساكر، فأمر بالشروع في ذلك و ترتيب الأمر فيه.

و عرف ألفتكين ذلك و ما وقع العزم عليه، فجمع وجوه أهل دمشق و أشرافها و شيوخها، و قال لهم: قد علمتم أنني لم أتوسطكم و أتولى تدبيركم إلا عن رأيكم و مرادكم، و قد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به، و أنا منصرف عنكم و داخل إلى بلاد الروم، و عامل على طلب موضع أكون فيه، و أستمد ما أحتاج إليه منه، لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم، و تصل به المضرة إليكم، و كان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد، و لأنهم أمويون، و لقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم، فقالوا: اما اخترناك لرئاستنا، و سياستنا على أن [لا] نمكنك من تركنا و مفارقتنا أو نألوك جهدا من نفوسنا و مساعدتنا و نفوسنا دونك، و بين يديك في المدافعة عنك، و جددوا له التوثقة على الطاعة و المناصحة.

و فصل جوهر في العسكر الكثيف‏ (1) من مصر بعد أن استصحب أمانا من العزيز باللّه لألفتكين، و خاتما و دستا من ثيابه و كتابا إليه بالعفو عنه، و عمّا فرط منه، فلما حصل بالرملة كاتب ألفتكين بالرفق و الملاطفة، و أن يبلغ له ما يريد و أعلمه ما قرّره له مع العزيز باللّه، و أخذه أمانه المؤكد و التشريف الفاخر، و أشار عليه في أثناء ذلك بترك إثارة الفتنة و أن يطلب صلاح الحال من جهته و أقرب طرقه، فلما وصل الكتاب إليه و وقف عليه، أجابه عنه بالجميل من (15 و) الجواب، و المرضيّ من الخطاب، و الشكر على ما بذله له من نفسه، و غالطه في المقال و احتجّ عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه‏

____________

(1) ذكر المقريزي في كتابه المقفي في ترجمة جوهر الصقلبي: «و سار من القاهرة في عسكر لم يخرج الى الشام قبله مثله، بلغت عدتهم عشرين ألفا». أنظر كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية ص: 242.

31

و تدبيره عليه، و كان كاتب ألفتكين المعروف بابن الخمّار، و هو يرى غير رأي المغاربة، و يزري عنده على اعتقادهم، و يقرّر في نفسه وجوب قتالهم، و وقف جوهر على كتابه فعلم أنه مصرّ على الحرب، فسار إليه حتى إذا قرب منه، و وصل إلى دمشق نزل في العسكر بالشماسيّة، و برز إليه ألفتكين في أصحابه و من حشده من العرب و غيرهم، و نشبت الحرب بين الفريقين، و اتصلت مدة شهرين، و قتل فيها عدد كثير من الطائفتين، و ظهر من شجاعة ألفتكين و الغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس، و تحصّلت لهم الهيبة القوية في القلوب، و أشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن أحمد القرمطي‏ (1)، و استدعائه للاجتماع به على دفع المغاربة، ففعل و سار الحسن متوجها إليه في عسكره، و عرف جوهر خبره، فعلم أنه متى حصل بين عدوّين ربما تمّ عليه مكروه منهما، فرجع إلى طبرية، و وصل الحسن بن أحمد إلى ألفتكين، و اجتمعا و تحالفا، و تعاقدا و سارا في أثر جوهر، فاندفع منهما إلى الرملة، و أقام بها، و أنفذ رحله و أثقاله إلى عسقلان، و كتب إلى العزيز يعرّفه بصورة الحال و يستأذنه في قصد عسقلان إن دعته إلى ذلك ضرورة، و وافى ألفتكين و الحسن بن أحمد القرمطي و نزلا على الرملة، و نازلا جوهرا و قاتلاه، و اجتمع إليهما من رجال الشام و عربها تقدير خمسين ألف فارس و راجل، و نزلوا بنهر الطواحين‏ (2) على ثلاثة فراسخ من البلد و لا ماء لأهله إلا منه، فقطعاه عنهم، و احتاج جوهر و عسكره إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج و غناء له قليل، و مادّته إلى نفاد، و رأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام و مقاومة القوم، فرحل إلى عسقلان في أول الليل، و وصل إليها في آخره، و تبعه ألفتكين و القرمطي إليها، و نزلا عليها و حاصراه فيها، و ضاقت الميرة به،

____________

(1) الحسن الأعصم زعيم قرامطة الأحساء انظره في كتابي أخبار القرامطة: 68، 73، 363- 383، 393، 402- 405.

(2) نهر الرملة كانت عنده طواحين كثيرة- معجم البلدان.

32

و غلت الأسعار عنده، و كان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في البحر، و اشتدّت الحال حتى أكلت المغاربة و أهل البلد الدواب الميتة، و ابتاعوا الخبز إذا وجدوه (15 ظ) حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزّي، و كان جوهر شجاعا مبارزا، و ربّما خرج و تقدّم و إذا وجد فرصة من ألفتكين دعاه إلى الطاعة و بذل له البذول المرغّبة فيسترجعه ألفتكين و يسترجله و يهم أن يقبل منه و يجيبه، ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد و ابن الخمّار الكاتب، و يمنعناه و يخوّفانه و يحذّرانه، و زاد الضيق و الشدّة على المغاربة، و تصوّر جوهر العطب إن لم يعمل الحيلة في الخلاص، فراسل ألفتكين سرا و سأله القرب منه و الاجتماع معه، ففعل ذلك ألفتكين و وقفا على فرسيهما فقال له جوهر: قد علمت ما يجمعني و إياك من حرمة الاسلام و حرمة الدين، و هذه فتنة قد طالت و أريقت فيها الدماء، و نحن المأخوذون بها عند اللّه تعالى، و قد دعوتك إلى الصلح و الموادعة و الدخول في السلم و الطاعة، و بذلت لك كل اقتراح، و إرادة و احسان و ولاية فأبيت إلّا القبول ممّن يشبّ نار الفتنة و يستر عنك وجه النصيحة، فراقب اللّه تعالى، و راجع نفسك و غلّب رأيك على هوى غيرك، فقال له ألفتكين: أنا و اللّه واثق بك و بصحة الرأي و المشورة منك، لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه و لا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي، فقال له: إذا كان الرأي و الأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلا على الأمانة و ما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر و امتنع الصبر و أريد أن تمن عليّ بنفسي و بهؤلاء المسلمين الذين معي و عندي، و تذمّ لي لأمضي و أعود إلى صاحبي شاكرا، و تكون قد جمعت بين حقن الدماء، و اصطناع المعروف، و عقدت عليّ و على صاحبي منّة تحسن الأحدوثة عنك فيها، و ربّما أملت المقابلة لك عنها، فقال له ألفتكين: أفعل و أمنّ على أن أعلّق سيفي و رمح الحسن بن أحمد على باب عسقلان و تخرج أنت و أصحابك من‏

33

تحتهما، فرضي جوهر بذلك و تعاهدا و تصافحا عليه، و أخذ ختم ألفتكين رهنا على الوفاء به و افترقا، و عاد ألفتكين إلى عسكره و جوهر إلى البلد، و أنفذ جوهر إلى ألفتكين ألطافا كثيرة و مالا فقبل ذلك منه و كافأه عليه، و أنفذ ألفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه و بين جوهر، (16 و) فركب الحسن إليه و قال له: لقد أخطأت فيما فعلته و بذلته، و جوهر هذا ذو رأي و حزم و دعاء و مكر و قد استقلّك بما عقده معك، و سيرجع إلى صاحبه و يحمله على قصدنا، ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا، و من الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو و أصحابه جوعا و تأخذهم بالسيف، فقال له ألفتكين: قد عاهدته و حلفت له و ما استجيز الغدر به، و علقا السيف و الرمح و خرج جوهر و أصحابه تحتهما، و وصل إلى مصر و دخل على العزيز باللّه و شرح له الحال و استفحال أمره و من معه، فقال له: ما الرأي؟ قال: إن كنت تريدهم فاخرج بنفسك إليهم و الّا فإنهم واردون على أثري.

فأمر العزيز بإخراج الأموال و وضع العطاء في الرجال، و برّز برزوا كليا و استصحب الخزائن و الذخائر و توابيت آبائه على عادة القوم في ذلك، و سار جوهر على مقدّمته، و وردت الأخبار على ألفتكين و الحسن و القرمطي بما جرى، فعادا إلى الرملة، و جمعا العرب و اتفقا و احتشدا و تأهبا و استعدّا، و ورد العزيز في العساكر، و نزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة و ألفتكين و القرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران، و بات العسكران على إعداد للحرب، و باكراها و قد اصطفّ كل منهما ميمنة و قلبا و ميسرة، و جال ألفتكين بين الصفّين يكرّ و يحمل و يطعن و يضرب، فقال العزيز لجوهر: أرني ألفتكين: فأشار إليه و قيل أنّه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا، و عليه كذاغند أصفر، و هو يطعن تارة بالرمح و يضرب أخرى بالسيف و الناس يتحامونه و يتّقونه، فأعجب العزيز ما رأى منه و من هيئته، و على رأسه المظلّة و وقف و أنفذ إليه ركابيا

34

يختص بخدمته يقال له نميرة و قال له: قل: يا ألفتكين أنا العزيز و قد أزعجتني عن سرير ملكي، و أخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي و أنا مسامحك بجميع ذلك، و صافح لك عنه، فاترك ما أنت عليه ولذ بالعفو (16 ظ) مني فلك عهد اللّه و ميثاقه أني أو منك و أصطفيك و أنوّه باسمك، و أجعلك إسفهسلّار (1) عسكري، و أهب لك الشام بأسره و أتركه في يدك، فمضي نميرة الركابي إليه و أعاد الرسالة عليه، فخرج بحيث يراه الناس، و ترجّل و قبّل الأرض مرارا، و مرّغ خدّيه عليها معفّرا، و قال له: قل لأمير المؤمنين لو تقدّم هذا القول منك لسارعت إليه و أطعت أمرك، فأما الآن فليس إلا ما ترى، و عاد نميرة و قال ذلك للعزيز، فقال له: ارجع إليه و قل له يقرب مني، و يكون بحيث أراه و يراني، فإن استحققت أن يضرب في وجهي بالسيف فليفعل، فمضى نميرة و قال له ذلك، فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين و أنابذه بالحرب، و قد خرج الأمر عن يدي، ثم حمل على الميسرة فكسرها و قتل كثيرا ممن كان فيها، و شاهد العزيز ما جرى، و كان في القلب فراسل الميمنة بالحملة و حمل هو و المظلّة على رأسه، فانهزم ألفتكين و القرمطي و وضع السيف في عسكريهما، فقتل منه نحو عشرين ألف رجل و مضى الحسن القرمطي هاربا على وجهه، و عاد العزيز إلى معسكره، و نزل في مضاربه، و جلس الأسرى بحضرته، و العرب تجيئه بمن يقع في أيديها من أصحاب ألفتكين، و الخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك، و قد بذل لمن يجيئه بألفتكين مائة ألف دينار، و كان ألفتكين يميل إلى المفرج بن غفل بن الجراح و يتمرده لأنه كان وضي‏ء الوجه صبيحه، و شاع ذلك عنه فيه و اتفق أن انهزم، فطلب ساحل البحر و معه ثلاثة من غلمانه رفقائه و به جراح، و قد كدّه العطش فلقيته سريّة من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه و قال له: احملني إلى‏

____________

(1) فارسية تعني القائد العام.

35

أهلك، ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنى‏ (1) أنزله فيها و أحضره ماء و فاكهة، و وكل به جماعة من أصحابه، و بادر إلى العزيز فتوثّق منه في المال الذي بذله في ألفتكين، ثم عرّفه حصوله في يده، و أخذ جوهرا و مضى فسلمه إليه، و ورد المبشرون إلى العزيز بحصوله، فتقدم بضرب نوبة من مضاربه و فرشها، و إعداد ما يحتاج إلى إعداده من الآلات (17 و) للاستعمال فيها، و إحضار كل من حصل في الأسر منسوبا إليه فأحضر، و أومنوا و كسوا، و رتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته، و وصل ألفتكين و قد خرج العسكر لاستقباله، و هو غير شاكّ في أنه مقتول، فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة، و كانت قريبا من مضاربة و بين يديه مختار الصقلبي صاحب الصقر في جماعة من الخدم و الصقالبة يمنعون الناس منه، و يحولون بينه و بينهم، فلما رأى القوّاد و الصقالبة و المغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم و قبلوا الأرض، ففعل ألفتكين مثل ذلك، و دخل المضارب المعدّة له فشاهد أصحابه و حاشيته على ما كانوا عليه من الحال، و العمل في خدمته، و حمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه، فرمى نفسه الى الأرض و رمى ما على رأسه و عفر خديه على التراب، و بكى بكاء شديدا (2) سمع منه نشيجه، و قال: ما استحققت الإبقاء عليّ فضلا عن العفو الكريم و الاحسان الجسيم، و لكن مولانا أبى إلا ما تقتضيه أعرافه الشريفة و أخلاقه المنيفة، و امتنع من الجلوس في الدست و قعد بين يديه، و أتاه بعد ساعة أمين الدولة

____________

(1) ذكرها ياقوت في معجمه فقال: قرية بفلسطين فيها قبض على ألفتكين المعزي و حمل إلى العزيز.

(2) أورد يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه ص: 154- 155، و المقريزي في ترجمته لجوهر، معلومات تتوافق مع معلومات ابن القلانسي و تختلف و هي جميعا متكاملة مفيد العودة إليها. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 342- 343. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي. ط القاهرة 1967: 1/ 236- 246.

36

الحسن بن عمّار، و هو أجلّ كتّابه و جوهر و معهما من الخدم على أيديهم الثياب، فسلّما عليه و أعلماه رضى العزيز عنه و تجاوزه عن الهفوة الواقعة منه، و ألبسه جوهر دستا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب، و قال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سوء الاستشعار، و عدت إلى حال السكون و الانبساط، فجدّد الدعاء و تقبيل الأرض، و شكر جوهرا على ما ظهر منه في أمره، و عاد الحسن و جوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه، و واصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة و الملاطفة في الفواكه و المطاعم، و تقدم من غد إلى البازياريّة و أصحاب الجوارح بالمصير الى باب مضربه، و راسله بالركوب الى الصيد تأنيسا له، و قاد إليه عدّة من دواب بمراكبها فركب و هو يشاهد القتلى من أصحابه، و عاد من متصيّده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع، و النفاطون بالمشاعل، و نزل في (17 ط) مضاربه، فلما كان في الليل ركب العزيز إليه و دخل عليه، فبادر إلى استقباله و تقبيل الأرض و تعفير خديه بالتراب، فأخذ العزيز بيده و أمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات، ثم جلس فسأله عن خبره و خاطبه بما سكن نفسه، و قال له: ما نقمت عليك إلا أنني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحيي مني فأبيت، و قد عفوت الآن عن ذلك، وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به، و سأصطنع لك اصطناعا يسير ذكره، و أفعل معك فعلا أزيد على أملك و أمنيتك فيه، فبكى ألفتكين بين يديه، و قال: قد تفضّلت يا أمير المؤمنين عليّ تفضلا ما استحققته و لا قدرته، و أرجو أن يوفقني اللّه بخدمتك و مقابلة نعمتك، و أنس ألفتكين بعد ذلك و خاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة و التقريرات المتتابعة، و نزلوا على مقاديرهم، و رتبهم في مواضعه، و استحجبه العزيز، و جعله من أخص خاصته و أقرب صاحب من خدمة حضرته.

و كان العزيز قد أنفذ النّجب بالرسل و الكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي، فلحقوه بطبرية، و أعادوا عليه الرسائل بالصفح عمّا جرى منه،

37

و الدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه و يصطفيه، و التماس ما يريده ليبلغه له، و يرجع إلى بلاده فأقام على أمره، و ترددت المراسلات إليه و منه، و الوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له و لأصحابه، تحمل إليه في كل سنة، و يكونوا على الطاعة و الموادعة، و حمل إليه مال سنة و أضيف اليه ثياب كثيرة و خيل بمراكب، و توجه إليه جوهر و قاضي الرملة، فاستحلفاه للعزيز على الوفاء و المصالحة، و أخذا له المواثيق المشدودة المؤكدة، و أعطياه المال و الخلع و الحملان و انصرف إلى الأحساء (1)، و عاد العزيز إلى مصر و ألفتكين حاجبه، و لم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات.

و وصل العزيز الى مصر و القاهرة، فدخلها و نزل في قصره و أنزل ألفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير، و ركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه، و وافاه فيمن وافاه أبو الفرج (18 و) يعقوب ابن يوسف بن كلّس الوزير، بعد أن لاطفه و هاداه، و زاد أمر ألفتكين بين يدي العزيز، و تكبر على ابن كلس الوزير، و امتنع من قصده، و الركوب إليه و أمره العزيز فلم يفعل، و تدرجت الوحشة بينهما حتى قويت و استحكمت، و أعمل الحيلة الوزير في الراحة منه، و دسّ إليه سما فقتله به، و لما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا عليه، و اتهم ابن كلس و اعتقله نيفا و أربعين يوما صح له خمسمائة ألف دينار، و وفقت الأمور باعتزاله النظر فيها، فأعاده العزيز و جدّد اصطناعه و استخدامه.

____________

(1) ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا 1/ 249 «أن العزيز لما سار من الرملة بألفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح» أمير قبائل طي‏ء، و لا شك أنه استهدف من وراء ذلك أن تقوم طي‏ء حليفة القرامطة فيما مضى بالدفاع عن فلسطين و بالتالي حماية حدود مصر من القرامطة، لكن هذه القبائل نشطت ضد الفاطميين لتحقيق مطامح خاصة بها.

38

ولاية قسام التراب لدمشق بعد الحاجب ألفتكين‏

المقدم ذكره و السبب في غلبته على الأمر في سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة و ما آل أمره إليه السبب في غلبة قسّام على ولاية دمشق أن ألفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه و قدمه و اعتمد عليه و سكن في كثير من أمره إليه، فصار له بذلك صيت يخشى به و يرجى له، و اتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد ألفتكين و فراغه من شجعان الرجال، و كان فيه المعروف بحميدان قد وليه‏ (1)، و أمر فيه و نهى و أخذ و أعطى، ففسد الأمر بين قسّام و بين حميدان، فصار حميدان من تحت حكم قسّام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث و استيلائه على البلد، فطرده قسّام عن الولاية و نهب أصحابه ما كان في داره، و خرج هاربا، فتمكن قسّام من البلد، و استقامت حاله فيه و اجتمعت إليه الرجال، و كثر ما في يده و قويت شوكته و تضاعفت عدته و عدته، و ولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير و هو ضميمة لقسّام، و اتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الديلم و العرب من بني حمدان، و هروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية و الجبال إلى أن خرج الى حوران، فقصد دمشق و نزل عليها فمنع قسّام من دخول أحد من رجاله إليها، و وصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد، فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق، فكلم العامل قسّاما في ذلك فأذن له فيه، و دخل أصحابه (18 ظ) البلد و قد كان طمع أن يوليه العزيز، و كان قسّام قد خاف من ذلك و سعى قوم بينهما، و كان أبو تغلب نازلا بالمزة (2)،

____________

(1) ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا: 1/ 249 أن العزيز الفاطمي أنفذ قبل عودته من الرملة إلى مصر «واليا من العرب يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي رجل».

(2) أنظر تجارب الأمم لمسكوية: 2/ 383- 392.

39

فأقام بها شهورا فشق على قسّام مقامه و ظن أنه يلي البلد، فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب أبي تغلب في باب الجابية، و كان نشوانا، فجرد سيفه و قال: إلى كم يكون هذا العيّار، فعظم ذلك على قسّام و تخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه و من معه، ففسد الأمر بينهما بهذا السبب، و تقدم قسّام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب، فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلا و قتلوا منهم جماعة، و عاد من أفلت منهم الى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم و دوابهم، فلم يتمكن أبو تغلب من شي‏ء يفعله، و كتب الى مصر بذلك، فلما وقف ابن كلس الوزير على الكتاب أنهاه إلى العزيز، فعلم العزيز أن هذا من تدبير الوزير و حيله، و كتب قسّام إلى مصر يذكر أن أبا تغلب قد حصر دمشق و مد يده في الغوطة، و خرج من مصر غلام لابن كلس يقال له الفضل بن أبي الفضل في عسكر كثيف للحيلة على أبي تغلب و إهلاكه، و نزل الرملة و أوصل الى ابن جراح سجلا بولاية الرملة و قال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير اليها ليأخذها بسيفه، و أنا معين لك عليه، و كان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوّار (1) و نزل عليه، و سار الفضل، و نزل طبرية و راسل أبا تغلب في الاجتماع معه، و كان الفضل يهوديا أولا، و كان أبوه طبيبا، فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية، فأعلم ذلك، فقال:

كلّ منا على سرير، فاجتمعا في طبرية و جلس كل منهما على سرير، و جرت بينهما محاورات على أن الرملة ولاية لأبي تغلب و يقلع ابن جرّاح منها «و أنا معين لك عليه» و قرر ذلك في نفسه، و سار الفضل الى دمشق يجبي الخراج و يفضّه في الجند، و زاد في العطاء، و زاد في جنده و عسكره، و سار عن دمشق و أخذ طريق الساحل، و شرع أبو تغلب في أمره، و توجه نحو الرملة و قد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي، فهرب ابن جرّاح (19 و) منها، و جعل يحشد العرب و يحشد ثقة بمعونة الفضل له، و كذلك‏

____________

(1) هو أحد ينابيع بلدة الحمة- المحتلة-.

40

أبو تغلب مثله أيضا، فلما توجه الفضل على الساحل و نزل على عسقلان، و قصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره، و سارت بنو عقيل و شبل بن معروف و اصطفوا لقتال الطائيين‏ (1) و أبو تغلب واقف في مصافّه، و عاد الفضل و اجتمع مع ابن الجرّاح بعسكره، و كان معه مغاربة كثيرة، فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جرّاح؟ فقال: على هذا جرت الموافقة بيني و بينه، فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جرّاح حملوا يريدون الدخول معهم، فقالوا لابي تغلب: إحمل في إثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر، فبقي متحيرا و علم أن الحيلة قد تمّت عليه، فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه و ساروا مع أصحابهم، و أقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه، ثم انهزم هو، فلم يدر في أي طريق يأخذ، و كانت عدته في الغابة جميعها، و ذكر انه لم يتقدّم اليه رجل إلا ضربه، و لم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جرّاح يقال له منيع فصاح إليه: يا انسان اسمع مني أنا أنجو بك، و ظن أن كلامه حق، فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت عليّ لنجوت بك، و كان يتكلم معه و هو يقرب منه و بيده رمح، فطول الرمح و هو يكلمه و هو يظن ألا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شي‏ء، فطعن عرقوب فرسه، فوقف به الفرس فأخذه و سار به الى ابن جراح، فأركب جملا و أشهر بالرملة و قتله و أحرقه، و ذلك في صفر سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و خلت الديار لابن جراح، و أتت بنو طي‏ء على الناس‏ (2)، و شملهم البلاء منهم.

و كان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا شديدا لأنه كان عازما على انفاذ العساكر إلى مصر، فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه و بين أخيه و اشتغاله به سنة تسع و ستين و ثلاثمائة (3).

____________

(1) في الأصل و اصطلوا القتال للطائيين، و هي عبارة فيها تصحيف و غموض دفع ناشر الكتاب إلى قراءة عبارة للطائيين «للطاس» و لعل ما أثبتناه هو الصواب.

(2) عند يحيى بن سعيد الأنطاكي المزيد من المعلومات ص: 159- 160. أنظر أيضا تجارب الأمم: 2/ 401- 404.

(3) أنظر ذيل أبي شجاع على تجارب الأمم: 1/ 9.

41

سنة تسع و ستين و ثلاثمائة

فيها خرج العسكر المصري مع القائد سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف من المغاربة، و وصل إلى دمشق فصادف قسّاما قد غلب عليها، فنزل في بستان الوزير (19 ظ) بزقاق الرمان‏ (1)، و عسكر حوله في دور هناك، فثقل أمره على قسّام، و طال مقامه في غير شي‏ء، و قلّت نفقته و رام أن يظهر صرامة فيتمكن من البلد، فقال لقسّام: لا يحملن أحد سلاحا، فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من يتولاها و يمنع من خفارة تؤخذ منها و حمل السلاح فيها، فأعلم قسّام ذلك، فقال: لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا على ما كنتم عليه، و ثار قسام و من معه الى الجامع، و صاروا إلى البستان الذي فيه سلمان فأخرجوهم، و خرج سلمان و أصحابه الى الدكة، و نزل على نهر يزيد، و قسام جالس في الجامع و لم يشهد الحرب مع أصحابه، و قد أحضر المشايخ، و كتب بما جرى إلى مصر، و عمل محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب و قاتله ليكون لك معونة على ما يريده»، فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه، و أنفذ رسله و كتابه إلى سلمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق، فرحل عنها و كان مقامه بها شهورا من سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و رجع القائد أبو محمود إلى دمشق، و لما تمّ للفضل ما دبره على أبي تغلب و وافق الاغراض عزموا على إعمال الحيلة على ابن جرّاح لأن أمره كبر و شرّه ظهر، (2) و توجه الى قسّام ليعمل أيضا عليه، و أظهر أنه يريد المسير الى‏

____________

(1) قرب العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 141.

(2) شكل نشاط أمراء طي‏ء من آل الجراح في فلسطين خطرا كبيرا على الخلافة الفاطمية، و قد نلحظ مشاعر الادارة الفاطمية تجاه هذا الخطر في وصية يعقوب ابن كلس للخليفة العزيز عندما زاره و هو على فراش الموت حيث قال له فيما قال: «سالم الروم ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و السكة، و لا تبق على مفرج بن دغفل متى اعترضت لك فيه فرصة» أنظر الاشارة الى من نال الوزارة: 23.

42

حمص و حلب ليأخذهما، و جمع بني عقيل و نزل بظاهر دمشق، و علم ابن الجراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره و أمر أصحابه بالرحيل، و ركب أصحاب الفضل و أخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس، و سار ابن جرّاح عن دمشق، و انضمت بنو عقيل إلى الفضل مع شبل و ظالم في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة و بطل كل ما أراد الفضل عمله من الحيلة على ابن جراح و قسّام، و رحل عن دمشق في طلب ابن جرّاح، و جدّ في طلبه فبعد عنه، و كتب ابن جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل بالكف عنه، و عاد الفضل الى مصر و عاد ابن جراح الى فلسطين فأخربها و أهلك من فيها، و كان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئا يأكله فلا يجده، و مات الناس بالجوع، و خربت الأعمال.

و أمّا دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر، و كان بكجور قد ولي حمص من قبل سعد (20 و) الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فواصل إليها الغلة مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام، و عمرت الطرقات، و جعل فيها من يخفر سالكيها، و كانت العرب قد طمعت في عمل دمشق و أفسدت الغوطة، و كان بها القائد أبو محمود و اليها في ضعف، و هو ضميمة لقسّام فهلك في دمشق في سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة:

قارا و يبرود و معلولا و التينة و صيدنايا و المعرة و تلفيتا (1) و غيرها من ضياع جبل سنير (2) فحماها من العرب و الحرامية، و حسنت حال دمشق بذلك، و كاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة السلاح، فاجتمع إليه حين فعل‏

____________

(1) ما تزال جميعا معروفة بهذه الأسماء في محافظة دمشق في سورية.

(2) هو جبل القلمون الحالي. غوطة دمشق 14.

43

ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد، و كانوا حوله إذا ركب من داره، فقهر بهم المغاربة، و استظهر عليهم في سنة سبعين و ثلاثمائة (1).

و فيها وردت الأخبار بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم الاثنين ثامن شوال، و كتم أمره، و كانت مدته بالعراق خمس سنين و نصفا، و انتهى ذلك إلى الوزير ابن كلس، فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك، و خلع عليه، و أمنوا بعد وفاته و عملوا على الخروج إلى الشام‏ (2).

***

____________

(1) قامت دولة الفاطميين على عواتق قبيلة كتامة البربرية، ولدى سيطرة الخلافة الفاطمية على الشمال الافريقي ازداد حجم جيشها بدخول بربر من غير كتامة فيه، كما اشترى الخلفاء عددا صغيرا من الأرقاء الصقالبة و استخدموهم في الجيش و وصل بعض هؤلاء إلى مراتب قيادية مثل جوهر، و عندما فتحت مصر و بعد انتقال الخليفة المعز إليها ظل عماد الجيش الفاطمي البربر، و برهن هذا الجيش عن عجزه في حروب الشام و الصراع مع القرامطة، مما دفع الخليفة العزيز إلى التفكير بتجنيد بعض الأتراك و سواهم، و لهذا رأينا مدى حرصه على ألفتكين، و من هنا نفهم كيف حدث اغتيال ألفتكين بسرعة مدهشة، و يلاحظ نجاح العزيز في تأسيس كتائب من الترك و الديلم، و قيامه بتجنيد كميات كبيرة من زنوج أفريقية، و منح هذا التنويع بعض الفوائد للخلافة الفاطمية إنما سبب لها العديد من الأزمات الخطيرة أيضا.

(2) كان عضد الدولة أعظم رجالات الدولة البويهية، و لقد أخذ ملك بني بويه بعد وفاته في الانحدار وقوتهم بالضعف، و المفيد الاشارة إليه هنا أن وفاة عضد الدولة كانت سنة 372 ه/ 983 م و ليس سنة 370 كما ورد هنا. أنظر مسكويه: 2/ 380- 417. ذيل تجارب الأمم: 3/ 53- 75. المنتظم لابن الجوزي: 7/ 38- 118. تاريخ ابن خلدون. ط بيروت: 4/ 947- 975.

44

سنة احدى و سبعين و ثلاثمائة

فيها وقع الاهتمام بتجهيز العساكر المصرية إلى ابن جرّاح، و قد اشتهر أمره بإرتكاب العيث و الفساد و إخراب البلاد، فلما سار العسكر من مصر، القائد بلتكين التركي‏ (1) و كان فيها أعجام و مغاربة و من كل الطوائف، فنزل الرملة، و أجفل ابن جرّاح، و كان قد قوي أمره و صار معه جند يرمون بالنشّاب، و خلق عظيم، و سار معه بشارة (2) والي طبرية و اجتمع إليه من العرب من قيس و غيرها جمع كثير و نشبت الحرب بين الفريقين، و كان بلتكين المقدم قد خرج على ابن جراح من ورائه بعد اشتداد الحرب، فانهزمو و أخذهم بالسيف و أسر ابن جرّاح و أفلت و نهب عسكره، و قصد أرض حمص في البرية، و قصد أنطاكية و استجار بصاحبها فأجاره و أمنه، و صادف خروج بارديس من قسطنطينة في عسكر عظيم يريد أرض الإسلام فخاف ابن جرّاح، و كاتب بكجور خوفا على نفسه‏ (3)، و كان القائد بلتكين (20 ظ) المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة [اثنتين‏] (4) و سبعين و ثلاثمائة، و كان على‏

____________

(1) هو من رجالات ألفتكين، و ورد اسمه في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي: 163 «تلتكين» و لعل صورته هنا ولدى يحيى بن سعيد تصحيف «ألبتكين» و مفيد أن نشير هنا أن المقريزي يؤرخ لقدومه سنة 472. انظر اتعاظ الحنفا:

1/ 256.

(2) بشارة الخادم من غلمان الحمدانية فر من حلب إلى مصر مع عدد من الغلمان فانتدب لولاية طبرية. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 255. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 306- 308.

(3) ذكر يحيى بن سعيد: 163- 164، أن ابن دغفل التجأ إلى أنطاكية و كتب إلى الامبراطور باسيل الثاني ملتمسا منه النجدة؛ و بين الأنطاكي أن الامبراطور بعث الدمشق بردس الفوقاس.

(4) في الأصل: «سبعين و ثلاثمائة» و هو خطأ صوابه ما أثبتناه و تداركناه بين حاصرتين. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 256، و لاحظ سياق الخبر.

45

العسكر منشا بن الغرّار اليهودي، فتلطف أمر قسام فلم يتمكن من ذلك، و كان بدمشق مع قسّام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال، و قد كان ولي البلد بعد مهلك خاله القائد أبي محمود في سنة سبعين، و لما نزل القائد بلتكين مقدّم العسكر المصري على المزة و جده رجلا أحمق، فلم يحفل به و دخل على منشا الكاتب، فقال: إني قضيت حق هذا القائد و لم يجي‏ء إليّ و لم يقض حقي، و أنا الوالي، فهزأ به منشا و قال له: نعم أنت الوالي، و ظن إنما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد، و قالوا: تخرج أنت و من معك إلى ظاهر البلد، فخرج هو و من معه، فعسكر نحو مسجد ابراهيم (عليه السلام)، و كان عسكر بشارة نازلا في ذلك المكان، و كانت المراسلة بينهم و بين قسّام أن يسلم البلد و يكون هو آمنا على نفسه و من معه، فعلم قسّام أنهم إن بقوا في البلد أهلكوه و من معه، فقال لا أسلم البلد، و ضبط أصحابه.

فلما كان يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة وقع بين قوم من أصحاب قسّام و قوم من أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة، و أقبل في غد أصحاب جيش بن الصمصامة، فخرج أصحابه إليهم فطردوهم، ثم نشبت الحرب و أحرق ربض باب شرقي، و أطلقت النار في عدة مواضع و ملكوا الشاغور، و دخلت الأتراك على خيلهم في البطّاطين و أحرقوا سقيفة و عدّة مواضع و مساجد و عمها الخراب بعد ما كانت عليه من حسن العمارة، و اشتد بالناس الخوف و المضرة، فاجتمع الناس و كلموا قسّاما بأن يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه فلان لهم و ذل بعد تحيره و تبلده، و قال: افعلوا ما شئتم، و كان اجتماع الناس لطفا من اللّه تعالى، فخرجوا إليه و خاطبوه، فصرف أصحابه عن القتال و عن الأبواب، و انصرف أصحاب قسّام إليه فوجدوه خائفا، فأخذ كل لنفسه، و رجع المشاريخ إلى قسّام فقالوا له: قد أجاب القائد الى ما تحب و أمنك على نفسك و أصحابك،

46

فخاطبوه بذلك و هو ساكت حائر و قد بان ذلك في وجهه، فلما رأوه كذلك خافوا أن يعود عن تسليم البلد، [و اجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد احترقت داره و هم كثير بقسام: انتقم اللّه ممن أذلنا و أحرق دورنا و شتتنا و تركنا مطرحين على الطريق، فوجب قلبه من سماع صياحهم و قال:

أسلم البلد] (1) على أمان لي و لأصحابي (21 و) فعاد المشايخ إلى بلتكين القائد و أعلموه الخطاب و الجواب فأجابهم إلى ما طلب، و قال لهم: نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا اليوم، فقالوا: افعل ما تحب و توثر فولى البلد حاجبا يقال له خطلخ في خيل و رجل فدخل المدينة من يومه، و كان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و الدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه، و لم يعرض لقسّام و لا لأحد من أصحابه، و تفرق أصحابه عنه، و أقام يومين و استتر، و قيل هرب فصاروا إلى داره و أخذوا ما فيها و حولها من دور أصحابه، و طلب، فلم يوجد، و نودي عليه و بذل لمن يظهره خمسون ألف درهم، و لمن يدل على مكان [أولاده‏] (2) عشرون ألفا، فقال لهم قائل: «هو في كنيسة اليهود بين البطاين» فجاؤوا إلى الديّان و قالوا: نريد أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها بالنار فإن قسّاما فيها، فأصعدهم، و دار بهم فيها فلم يروا أثرا و لا عرفوا له خبرا، فلما أخذت امرأته و ولده، قالت لمن سمع منها: ما تنتظر يا مشوم، و كان عند رجل في الحائر (3) و لم يفطن به أحد، فخرج في الليل إلى العسكر، فوقف على خيمة منشا الكاتب، و قال: رجل يريد أن يدخل الى الرئيس، فقالوا: و من هو، قال: قسام، فدخل عليه على غير أمان، فبعث إلى القائد بلتكين فأعلمه‏

____________

(1) وقع سقط بالأصل لم يتنبه له الناسخ، و تم تدارك ما بين الحاصرتين من اتعاظ الحنفا: 1/ 257.

(2) في الأصل مكانه و التقويم من اتعاظ الحنفاء: 1/ 258 و حسب سياق بقية الخبر.

(3) أي البستان أو ما يشبه ذلك من الأمكنة المضروب حولها جدار أو سور.

47

فأخذه إليه و أدخله عليه، و حملوه إلى خيمة، و قالوا له: مدّ رجلك، فقال:

ما أفعل أنا جئتكم بأمان، فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به، فمدّ رجله فقيد و حمل إلى مصر، فعفي عنه لما جاءهم في الامان، و كان قسّام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا (1) من قوم يقال لهم الحارثيون بطن من العرب نشأ بدمشق، و كان يعمل في التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار من مقدّمي الأحداث و حملة السلاح و طالبي الشر، فصار من حزبه و تزايد أمره إلى ما انتهى إليه.

***

____________

(1) ما زال قبره معروفا بها باسم سيدي قسيم.

48

ولاية بكجور لدمشق و السبب في ذلك في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة (1)

كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر أنه كان غلاما مملوكا لقرغويه أحد غلمان سيف الدولة (21 ظ) ابن حمدان صاحب حلب، و كان قرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة، و منع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها، و دفعه عنها، فسار أبو المعالي إلى حماة و رفنية (2) و كان ينزل مهما (3) في عسكره، و كانت الروم قد خربت حمصا و أعمالها و نزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه‏ (4) فلقي مولاه أبا المعالي، و سار معه، و نزل على حمص و شرع في عمارتها و لمّ شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة على غفلة من أهلها و غرة ممن بها و اجتهد رقتاش في عمارتها و تحصينها و أبو المعالي يقوي أمره بها و يشد شوكته فيها، و كان قرغويه قد استناب بكجور في حلب، فلما قوي أمره قبض على مولاه و حبسه في قلعة حلب و ملك البلد و أقام تقدير ست سنين‏ (5)، و كوتب أبو المعالي من حلب و أطمع في‏

____________

(1) في الأصل «اثنتين و سبعين» و هو خطأ يخالف ما سبق و يعارض روايات بقية المصادر لهذا اقتضى التقويم، انظر زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم ط دمشق 1951: 1/ 177- 178. اتعاظ الحنفا: 1/ 258- 259.

تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ط. بيروت: 3/ 287- 288.

(2) كانت عبارة عن بليدة صغيرة ذات قلعة صغيرة غربي حماه، على مرحلة منها، اندثرت و قام مقامها بارين أو بعرين- تقويم البلدان لأبي الفداء. ط باريس 1840: 258- 259.

(3) كذا في الأصل و لعلها تصحيف «بهما».

(4) قلعة صغيرة مستطيلة لها منعة في ذيل الجبل، و هي عن أفامية في جهة الشمال و الغرب على نحو مرحلة- تقويم البلدان: 260- 261.

(5) تفاصيل هذا كله عند ابن العديم في زبدة الحلب: 1/ 157- 170.

49

تملك البلد في رجال قرغويه، و أن يكونوا عونا له على أمره، فجمع بني كلاب و من أمكنه و نهض صوب حلب و نزل على معرة النعمان فملكها و أخذ منها غلاما كان غلب عليها يقال له زهير (1) فقتله، و سار عنها فنزل حلب سنة ست و ستين و ثلاثمائة فأقام عليها تقدير أربعة أشهر، ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها، و تحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه، فقال بكجور: أريد يتوسط بيني و بينك وجوه البلد من بني كلاب، فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما، و أخذوا له العهد و الميثاق و الأمان على نفسه و ولده و ماله و أنه لا يغدر به و يوليه حمصا على أنه ينحدر من القلعة و يسلمها، و لا يأخذ منها شيئا الا ما لا بد منه، فأجابه إلى ذلك، فولاه حمصا لما نزل من القلعة و سلمها، و وفى له بكل ما عاهده عليه، و سار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة، و صرف همه إلى عمارتها و كان أمره كل يوم فيها الى الزيادة بعد الدخول إليها في الضعف، و اتفق له أن أعمال دمشق من حوران و البثنية قد اختلت و خربت على ما تقدم ذكره من قلّة القوت بها و غلاء السعر فيها، و جلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد و كثر الناس عنده.

و كان في بكجور جور، و كان مجتهدا في العمارة (22 و) و أمن السبل و الطرق، فلما انقطعت الغلات عن دمشق، و مات بها كثير من الناس جوعا من أهل حوران و البثنية و رغب الناس الجالبون منها في حمل الغلّة إلى دمشق، مكّنهم من ذلك، و حمى لهم الطرق في تردّدهم بادين و عائدين، فحسن حال حمص، و كثر السفر إليها و منها، و كانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق، و كان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف و قسّام غالب عليه، و اتفق وفاة أبي محمود ابراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره و حماها من العرب،

____________

(1) هو زهير الحمداني في زبدة الحلب: 1/ 170- 171.

50

و حسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة، و كان بكجور يكاتب العزيز باللّه بمصر و ورد الجواب عليه بأن «تصير الى بابنا لنوليك دمشق»، و كان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب و الرامح، و جمع الجمع الكثير و أخرجهم الى حرب ألفتكين و جرى من أمره ما ذكر في موضعه.

فلما كان في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب، و بين بكجور، و راسله بأن يخرج من بلده‏ (1) فكتب بكجور إلى العزيز يسأله إنجاز الوعد بولاية دمشق، ودعت الحاجة إلى عود القائد بلتكين مقدّم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس و قتله، و قادت الضرورة العزيز إلى أن ولّى بكجور دمشق، و كتب الى بلتكين و منشا كاتب الجيش بأن يسلّم البلد الى بكجور و يرحل عنه، و قد كان كتب أيضا كتابا الى العزيز «أن أنفذ إليّ عسكرا لآخذ لك حلب»، و أطمعه في ذلك، فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم و نزل على حلب و حصرها مدة يسيرة، فظهر دمستق الروم بارديس و نزل على أنطاكية و عزم على كبس بكجور، على حلب، فكتب اليه ابن جرّاح يحذره فرحل عن حلب، و تبعه عسكر الروم في إثره و تمّ بكجور و نزل على حمص و حمل ما كان له إلى بعلبك، و نزل في جوسية (2) في جمع عظيم، و نزل ملك الروم‏ (3) ميماس حمص، و لم يعرض للبلد و دخل المدينة و شاهد (22 ظ) الكنيسة و رحل عنها متوجها الى البقيعة (4) يريد طرابلس،

____________

(1) انظر زبدة الحلب: 1/ 176- 177.

(2) معروفة باسمها هذا حتى الآن عند ملتقى الحدود السورية مع شمال لبنان.

(3) معروف حتى الآن بهذا الاسم فيه أجمل حدائق و منتزهات ضواحي حمص.

(4) في لبنان على طريق طرابلس تحمل نفس الاسم حتى الآن.