رحلة الهولندي الدكتور ليونهارت راوولف

- ليونهارت راوولف المزيد...
262 /
5

كلمة الناشر

منذ الحملات الصليبية على الشرق العربي انتبه الأوروبيون إلى أهمية الشرق عامة و الوطن العربي خاصة باعتبار هذه المناطق مفاتيح كنوز كبيرة معدنية و غذائية و بشرية و اقتصادية و أسواق رائجة لبضائعها. لذا فقد وصل هذه البقاع العديد من الباحثين و المختصين يدرسون و يبحثون و ينقبون عمّا ضمته هذه الأقطار من ثروات هائلة. و من أقدم تلك الرحلات العلمية الأوروبية إلى الشرق بل و أهمها رحلة العالم و الطبيب الهولندي الدكتور ليونهارت راوولف إلى الشرق التي وقعت في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي. و مع أن الغاية الأساسية من هذه الرحلة كانت- كما هو معروف جمع النباتات و الأعشاب التي لها علاقة بالطبّ و العلاج و التي تنمو في بلدان الشرق، و الشرق الأوسط بالذات فإن الجوهر الأصلي لها هو حثّ أوروبا على استعمار هذه البقاع و امتصاص خيراتها بكل الطرق و الوسائل و هي بداية السيطرة و الأطماع الأوروبية للشرق بأكمله.

طبعت هذه الرحلة باللغة الألمانية سنة 1581 م في ليدن، ثم طبعت باللغة الإنكليزية سنة 1693 م في لندن.

6

أهداف الرحلة:

الهدف المعلن لهذه الرحلة التي قام بها الدكتور راوولف الهولندي إلى هذه المنطقة من شرقنا العربي هو التعرّف و جمع أنواع كثيرة من النباتات و الأشجار التي تنبت في أراضي هذه البلدان و التحقق من فوائدها الغذائية و بالأخص الطبيّة.

و قد حفظت بشكل جيد النباتات التي جمعها راوولف خلال رحلته في أربعة مجلدات ضخمة حيث اعتبرت من أعظم الأشياء النادرة الغالية.

و أصبحت ملك جامعة ليدن الهولندية.

و حاول راوولف أن يعود لبلده و معه نماذج كثيرة من نباتات و أعشاب بلاد المشرق التي جاءها، و ركز جلّ اهتمامه على فوائد هذه النباتات الطبية بصورة أساسية للاستفادة منها في صناعة الأدوية. و فعلا تهيأت له بعض المقومات الناجحة لجمع العديد من نماذج نباتات الوطن العربي و اعتبرت مصدرا هامّا من مصادر دراسة النباتات العربية. و مع أن رحلة ليونهارت راوولف كانت علمية بحتة فإنها رحلة قيّمة تخللها الصدق و الأمانة في أكثر الأحيان في الوصف لكل شي‏ء شاهده، و بذلك فإنها تشكّل أساسا لدراسة الأحوال الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية للأقطار التي حلّ فيها، و وصف ما شاهدته عيناه من أمور عجيبة و ما صادفه من معوقات و مشاكل محزنة أحيانا. و هي بحق رحلة جامعة و شاملة و مفيدة. و وثيقة موضوعية عن الوضع العام للبلدان العربية إبان حكم الدولة العثمانية. و من فوائد رحلة المشرق بشكل خاص وصفه لما حلّ ببغداد من كوارث و وباء الطاعون المميت و الجوع المرعب و الفيضان المدمر الذي أغرق هذه المدينة الجميلة بطغيانه.

بداية الرحلة:

عند ما خرج الرحالة راوولف في الثامن عشر من أيار سنة 1573 م‏

7

من مدينة او غسبرغ الهولندية كانت محطته الأولى في الشرق العربي مدينة طرابلس في لبنان. و من بين ما وصفه عن المصنوعات صناعة الحرير و أشار إلى توفر كميات كبيرة من الحرير في مدينة دمشق و ذلك لكثرة أشجار التوت أو التكي. قال إن هناك «.. كثرة فائقة من أشجار التوت الضخمة الشامخة ذات الأوراق الكثيرة التي تتغذى عليها دودة القز. علما أن ثمار التوت هذه تكون بيضاء اللون و تنقل في سلال و تباع للعامة».

التوت أو الفرصاد:

(الاسم العلمي‏Morus ، و الإنكليزي‏Mulberry -tree ) أشجار برية و زراعية من فصيلة التوتيات، تنتشر في المناطق الحارة و المعتدلة.

و أنواعها المعروفة أكثر من ثلاثين نوعا و أشهرها التوت الأبيض‏Morus alba الذي يربى على أوراقه دود القز و هو الذي وصفه راوولف في رحلته. و في العراق يسمى التكي و هذا النوع صيني الأصل و نقله العرب إلى أنحاء العالم الإسلامي خلال الفتوحات العربية الإسلامية.

و وصف أعشابا يستخرج منها مادة بوتاسية تستخدم في صناعة الصابون سماها شوان(Shvan) و هي غير ذلك قال: «و يستخرج هذا البوتاس أو القلى من أعشاب يطلق عليها العرب اسم شنان، و هو على نوعين.

و أحد هذين النوعين لا يختلف عن نبات القلى المعروف إذ يتألف من نبتة سميكة كثيرة العقد ذات أغصان صغيرة تتفرع منها و لها في رؤوسها عدة عقد و من تحتها أوراق مدببة.

أما النوع الثاني فتكون سيقانه كثيرة مليئة بالعقد و جذور ملونة.

و ينمو هذان النوعان من الأعشاب بكميات هائلة حيث يتم حرقها و تحويلها إلى رماد فوق الجبال. و عند حرقها تسيل مادة زيتية تلتصق بالرماد فتصبح صلبة أشبه بالحجارة بعد أن تفقد حرارتها و يجلب المسلمون هذا الرماد من الجبال على ظهور الإبل فيبيعونه لبعض التجار

8

الذين يتاجرون به فيصدرون قسما منه إلى البلاد الأجنبية بينما يصنعون من القسم الآخر مادة الصابون».

و الأشنان أو الأشنان:

(الاسم العلمي‏Salicomia ) و الإنكليزي(Saltwort) نبات عشبي من فصيلة السرمقيات له ثمانية أنواع مواطنها حوض البحر الأبيض المتوسط و المحيط الأطلسي سيقانها مفصلية دقيقة فروعها متقابلة، عديمة الورق أزهارها سنبلية التجميع. ثمارها خفية الشكل صغيرة يستخرج منها ملح القلى بعد الحرق.

و النوع الذي قصده راوولف هو اشنان القلى (أبو قابس، خريس(Salicomia herbacea .

و خلال وجوده في منطقة حلب السورية وصف أهم نباتاتها و أشجارها الغذائية و الصناعية قائلا: «حلب محاطة بتلال صخرية و أوديتها ذات تربة طباشيرية و مع ذلك فلا تعوزها الحنطة و لا الشعير و غيرهما من الحبوب لأن أرضها خصبة، و يبدأ الحصاد فيها عادة في شهري نيسان و أيار. و لا يوجد في هذه الأودية سوى القليل من أشجار البلوط، و الأعشاب الجافة، ذلك لأن الجفاف فيها شديد و أرضها رملية في حين ترى التلال و عرة ملأى بالأدغال ليس فيها سوى القليل من العشب الجاف، و لذلك وجدنا السكان يعلفون مواشيهم الشعير و التبن الذي تدوسه أدوات الدراسة التي تجرها الثيران. و كذلك وجدنا الأودية مليئة بأشجار الزيتون و هذا هو الذي جعل الأهلين هنا ينتجون في كل سنة مئات الألوف من أطنان زيت الزيتون الذي يستعمل في صناعة الصابون.

و إلى جانب ذلك توجد بساتين كثيرة لأشجار اللوز و التين و السفرجل و التوت الأبيض و الفستق الذي يجمعه المسلمون في فصل الربيع بكميات كبيرة فيملحونه و يقشرونه و يأكلونه مثلما نفعل نحن بنبات الجنجل، جنجل: أعشاب عارشة من فصيلة القراصيات لها نوعان: الجنجل الشائع‏

9

و الجنجل الياباني تصل إلى ارتفاع 8 أمتار. و هي من النباتات الزراعية الصناعية اسمها العلمي(Humulus) و الإنكليزي-Hop .

و تكثر بساتين البرتقال و الليمون و الرمان و الخوخ و غيرها غير أن ثمار التفاح و الكمثرى تعد قليلة بالنسبة إلى الثمار الأخرى، و تكون صغيرة الحجم و غير ملونة بالشكل المعروف في بلادنا. و يعقب ذلك وجود كثرة من حاصلات الرقي و البطيخ و الخيار و ما شاكلها فضلا عن وفرة أنواع الخضار. و لقد شاهدت ثلاثة أنواع من الباذنجان تختلف ألوانه بين الأسود و البني، و الفاصولية و غيرها من الخضار التي تباع بكثرة في الأسواق و تطبخ لتهيئة الطعام اليومي، كما أنهم كثيرا ما يتناولون بعض هذه الخضروات و هي فجة أي دون طبخ.

و هناك نوع من اللوبياء أو الكستناء تطبخ أو تحمص ثم تنزع قشورها و هم يتناولونها عند ما يجلسون في المقاهي، كما يقدمونها على مائدة الطعام بعد انتهاء الوجبات عوضا عن الحلويات أو الفواكه مثل الزبيب و الجوز و غيرهما.

و يستمر راوولف في وصف النباتات التي شاهدها قائلا: «و هناك عدة نباتات تستعمل طعاما بالطبخ منها العدس. و هذا ذكرني بنبتة مماثلة يسميها العرب «ماش» و هي في شكلها و أوراقها تشبه نبتة الفاصوليا عندنا. و لقد أشار «سيرابيو» إلى هذه النبتة باسم «مليس» في الفصل 116 من كتابه، كما أشار إليها ابن سينا أيضا باسم «ميس» في الفصل 488 من كتابه. غير أن العالم النباتي الشهير «كارلوسي كلوفيوس» سماها في كتابه «موجز النباتات الهندية» باسم «مونغو» و قد وجدت الأتراك يحبون تناول الماش (اسمه العلمي‏Phaseolus aureus» -P .mungo «) و بالإنكليزية(Mung bean) كثيرا و لا سيما مع الرز. و الماش نبات عشبي زراعي حولي من فصيلة القرنيات الفراشية. تنتشر زراعة هذا النبات في أنحاء أقطار الشرق. الساق فرعاء قائمة، أوراقه معنقة مركبة ثلاثية. و ريقاتها بيضية

10

النصل. الأزهار صفر خضر المواج. الثمار قرون أسطوانية ضيقة مستطيلة، بزوره كروية الشكل سمراء اللون أو خضراء بالأسود. تحوي البذور على العناصر الغذائية التالية 80، 23% من المواد الأزوتية، 46، 1% من المواد الدهنية، 15، 62% من المواد النشوية.

و بعد ذلك تناول راوولف في وصف رحلته الشرقية هذه نباتا آخر يجلب من بلاد فارس (إيران) إلى مدينة حلب، قال: «و هم يجلبون من بلاد فارس في أكياس من الجلد كميات كبيرة من (المن) يسمونه (طرنجبيل-(Trunschibill و يجمعونه من نبتة يسميها العرب «عاقول» و «الحاجي».- عاقول، حاج، زنجبيل العجم، اشترغار، الاسم العلمي(Alhagi mannifera ,Al -maurorum) و الإنكليزي(Comel thom ,Hebrew (manna plant نبات عشبي ليفي معشوشب معمر من فصيلة القرنيات، الساق شائكة فرعاء تصل إلى نحو 100 سم، فروعه نحيلة الشوك، أوراقه بسيطة كاملة مستطيلة، و هو من النباتات التي تفرز المن و يقال إن منّ بني اسرائيل كان من فرزه لأنه كثير الوجود في صحراء سينا و هذا هو السبب الذي يجعله يمتزج مع أشواك صغيرة و قش أحمر اللون. و لهذا المن شي‏ء من الحبوب أحيانا على غرار حبات (الكزبرة) عندنا. و لذلك فهو في كل مظاهره يشبه (المن) الموجود في بلادنا و الذي نجنيه من شجر «اللاركس» كما أن هذا المن يشبه المن الذي تناوله الإسرائيليون الذي وفره اللّه فكان على شكل معجزة خارقة للطبيعة. اللاركس-(Larix Deciduamill) و معنى اللاركس باللاتيني المتساقطة الأوراق أو المنفضة. و اللاركس شجرة مخروطية ارتفاعها بين 25- 30 مترا، سمراء القلف راتنجية. و بزوره بيضوية الشكل سمراء اللون. و موطن هذه الأشجار جبال الألب و وسط و جنوب أوروبا. و تعرف شجرة اللاركس بالاسم العربي (الأرزيّة) و هذا الاسم من وضع الأمير مصطفى الشهابي (رحمه اللّه).

أما المن الذي يسقط على الأشواك فقد أكده كل من (سيرابيو)

11

و (ابن سينا) في الفصول التي تناولا فيها هذه المادة من مؤلفاتهم و كانوا يسمونها (تسريابين) و (طرنجيين). كذلك عرفه العالم النباتي الشهير (كارلوس كلوفيوس) و أكده في كتابه (موجز النباتات الهندية) و لقد عثرت في أطراف حلب على بعض هذه الشجيرات التي يبلغ ارتفاعها حوالي ذراع و تتفرع منها عدة سيقان مدورة تنقسم بدورها إلى عدة أقسام كالزهرة- و يستخدم الأهلون هذه الشجيرات للتنظيف و التعقيم، إذ إنهم يأخذون كمية منها يغلونها بالماء. طرنجيين- ترنجبين- منّ(manna) مادة من مزيج من السكر و المسنيت و الدكسترين تفرزه بعض النباتات أو بواسطة حز اللحاء أو بتأثير و خز بعض الحشرات كقرمزية المن و غيرها.

و الطرنجبين أنواع عديدة تختلف باختلاف مصادرها و طرق جمعها. و ما خلا ذلك فإن لديهم نوعا آخر من المن شبيه بالنوع السابق. و هذا النوع يرسل إلى بلادنا (كالبرية) عن طريق البندقية.

و قد جاء في الدراسات العلمية الحديثة أن المن أنواع كثيرة منها:- المن الذي يعرف باسم (ترنجبين) و هو عسل الندى و هو عبارة عن مادة سكرية تفرزها بعض النباتات إفرازا طبيعيّا أو بتأثير حشرة قرمزية المن القشرية (الاسم العلمي-(manna Scale in Sect coccus manni ferus و من أهم هذه النباتات:

1- الطرفاء النيلية (تكثر في صحراء سيناء) الاسم العلمي‏Variety ,(Tamarix nilotica) )Mannifera - من الفصيلة الطرفاوية.

2- الشيح (الاسم العلمي-(Artemisia herba -alba )- من الفصيلة المركبة (الأنبوبية الزهر).

3- الحاج (نوع من العاقول أو شوك الجمل)(alhagi) (تكثر في أفغانستان و إيران) (الاسم العلمي-(Alhagi manniferum ) من فصيلة القرنيات. و جاء ذكر هذا النبات في النصوص البابلية و النصوص الآشورية (عثر على نص في كركميش قرب حلب).

12

4- شجر الخلاف (الاسم العلمي-(Salix Viminalis الاسم الإنكليزي(Osier) (نوع من الصفصاف القصير الورق) و ينبت في الأماكن الرطبة. و يقع عليه الشير خشك و هو نوع من المن.

5- شجرة الميليز(Melissa) (حبق ترنجاني بادر نجوية) أو الترنجان (إغريقية) كما عرفه ابن البيطار، يتبع الفصيلة الشفوية و المستعمل منه الأوراق له رائحة ليمونية و يسيل منه ما يسمى (بمن بربانسون).

6- الحزاز (نوع من الطحالب) و هي الأشنة أو شيبة العجوز كما سماها ابن البيطار. و هذه الأشنات تؤكل و تحتوي نشا كثيرا و يسمى هذا النوع (المن السماوي أو المن الساقط من السماء و يكثر (في إيران و حول جبال أرارات في تركيا).

7- الدردار (الاسم العلمي-(Fraxinus omus و هي أهم مصادر المن في الوقت الحاضر. (تكثر في جنوب أوروبا و بالأخص في إيطاليا). و قد سمى ابن البيطار هذا النبات (لسان العصفور) و لهذه النباتات أنواع كثيرة لكن الذي يهمنا هنا النوع الذي يسمى (لسان العصفور المزهرة أو الدردار المزهرة) و هي الشجرة التي تنتج المن و تسمى (ديش) كذلك. و يعتبر المن الجيد الذي يجلب من منطقة (كالابريا- في جزيرة صقلية الإيطالية) و هذا النوع نفسه الذي ذكره راوولف أنه شاهده في حلب. و هذا يؤكد أن هذه الأشجار قد نقلت إلى أوروبا عن طريق صقلية و هذا المن يتصف باللون الأصفر الجاف إلى البياض و له طعم حلو تتخلله مرارة خفيفة.

و يشير الدكتور جابر الشكري حول تكوّن المن بقوله: «و المن الذي يؤخذ من بعض أنواع أشجار الطرفاء أو الأثل أو غيرها يسيل من شقوق تحدثها بعض الحشرات التي تعيش على هذه الشجيرات و لا يستبعد أن‏

13

يكون لهذه الحشرات دخل في تكوين المن. و هذا النوع من المن هو المأخوذ من طور سيناء، و ورد ذكره في القرآن الكريم.

و يظن بعض العلماء أن المن الذي نزل على بني اسرائيل هو نوع من الأشنات تنبت على الحجر أو الشجر، غنية بالنشا، حلو الطعم يؤكل، و ليس هذا المن الذي نعرفه الآن.

إن المن من نوع الراتنجات أو الصموغ التي تنضح من النباتات و يحصل عليه من إحداث شقوق في لحاء الأشجار التي عمرها بحدود ثماني سنوات، حيث يسيل النضح من هذه الشقوق، و يجمع في أوعية خاصة أو يترك على اللحاء حيث يجف ثم يجمع». و أثناء وصفه مدينة حلب ذكر الدكتور راوولف أن هناك الكثير من نباتات التوابل تجلب لهذه المدينة من بلدان أخرى. قال: «و هم يجلبون إلى هنا كثيرا من الأفاويه من أمثال (الدار صيني) و الدار صيني قرفة سرنديب، قرفة سيلان، دارسين (العراق) الاسم العلمي(Cinnamomum Zeylanicum) و الإنكليزي(Common Cinnamom tree ,Cinnamon .

شجرة زراعية من الأفاوية، موطنها سيلان و بعض مناطق الصين المتاخمة للهند. ساقها فرعاء تصل إلى عشرة أمتار في الارتفاع أزهارها صغيرة الحجم غبراء اللون. ازهرارها عنقودي التجميع. الثمار عنبية جميع أعضاء الشجرة عطرية تستخرج منها الأدهان و الطيوب. و يستخرج من لحاء الساق و الفروع صنف جيد من الأفاويه المسماة بالدارسين عندنا في العراق.

الفلفل و الفلفل- لهذا النبات حوالي 600 نوع و لكن يبدو أن الذي ذكره راوولف في رحلته هو الفلفل المسمى بالحلو أو فلفل إفرنجي اسمه العلمي(Pimenta) و الإنكليزي(Allspice ,pimento و هي شجرة برية و زراعية من فصيلة الآسيات تكثر في البلاد الحارة ثمارها بقدر حبة

14

الحمص، قرمزية اللون، عطرة، يستخرج منها عطر و يستعمل مسحوقها في الأكل كتابل ممتاز.

الهيل و الهيل- يسمى أيضا هال، هيلبوا، قاقلة، شوشمة، شوشمير الاسم العلمي(Amomum) نباتات جذمورية طبية عطرية برية و زراعية من فصيلة الزنجيبليات من نباتات المناطق الحارة أنواعه عديدة، تنتشر في الهند و الهند الصينية و جزيرة جاوة و الصين و سيلان. المستعمل منها بذورها المسماة (حب الهال أو الهيل). و هي بذورها ضمة و منبهة للقلب و للقوة الجنسية طاردة للرياح، مسكنة للمغص و مدرة للطمث و كذلك ادهانها. و اعتقد أن الهيل الذي ذكره راوولف هو النوع المستورد من سيلان.

جوز الطيب و جوز الطيب- جوزبوا، بسباسة، الطيب، الاسم العلمي(Myristica Fragrans) و الإنكليزي(Nutmeg tree) من نباتات البلاد الاستوائية المستعمل من هذا النبات ثمارها شبه الكروية الشكل، لحمية القشور أصفر اللون كالمشمش، قطرها 5 سم قشرة الثمرة تنفلق عند النضج عن جوزة خشبية الغلاف، سمراء اللون. و جوز الطيب من التوابل العطرية المستحبة دهنها منبه شديد الفاعلية و هاضم و طارد للرياح و هذه النباتات أشجار هرمية الشكل تعلو إلى حوالي 10 أمتار. و قشر جوز الطيب و غيرها من الجذور الصينية التي يستعملها العرب بوفرة جذور ثمينة يسمونها «الراوند» و الراوند- الاسم العلمي(Rheum) و الإنكليزي(Rhubarb) . نباتات عشبية جذمورية طبية معمرة من فصيلة البطباطيات، أنواعه كثيرة، كبيرة الحجم. ضمية الأوراق أزهارها عثكولية الثمار عنبية.

و نتابع وصف الدكتور راوولف للنباتات من خلال رحلته المشرقية هذه فيقول:

«من بين المواد التي يجلبها التجار من الهند بعض القصب الطويل‏

15

الصلب الممتلى‏ء بمادة لزجة ذات لون أصفر. و يكون هذا القصب على نوعين قصير و طويل. فأما الطويل فهو أصلب و يستعمله الشيوخ و العرج بدلا من العكاكيز أما النوع الآخر فيصنعون منه القسي و السهام حيث تجد الأتراك يغلفونها بأغلفة حريرية مختلفة الألوان و يتباهون بها كثيرا.

كذلك توجد في الحوانيت أنواع أخرى من القصب القصير المجوف الصقيل ذي الألوان البنية و الحمر. و هذه الأنواع يستعملها الأتراك و المسلمون و غيرهم من أبناء الأقطار الشرقية لغرض الكتابة بها، ذلك أنهم لا يستعملون ريش الإوز لهذا الغرض. و فضلا عن ذلك يوجد نوع من العصي يجلبها الحجاج معهم من «مكة» حين يذهبون لزيارة قبر نبيهم (محمد) (صلى اللّه عليه و سلم). و أهل تلك البلاد و لا سيما العرب يحملونها معهم على ظهور الخيل بدلا من الرماح لأنها قوية و طويلة و خفيفة ...».

ربما قصد هنا الدكتور راوولف القصب الهندي(Canneguin ghan) الذي يصل طوله في النمو إلى أربعة أمتار، في داخل التجويف مادة سكرية صفراء اللون. و عني بوصفه هذا القصب الصيني‏Canne) (dechine و هو أصفر اللون متوسط الارتفاع ينتشر في الصين و الهند و الهند الصينية كان التجار العرب يجلبونه من الهند على متن السفن.

و هناك أنواع عديدة يجلبها التجار العرب المسلمون من الهند و الصين من القصب الذي كان يستعمل فعلا لأغراض الكتابة و كسهام و رؤوس للحراب المستعملة في الحروب و من أشهر هذه الأنواع القصب الفارسي(Arundo isiaca) .

و يستغرب الدكتور راوولف من وجود شراب غريب عرفه بالقهوة كان في وقته غير معروف في أوروبا. و لنستمع لوصفه: من بين الأشربة التي يتعاطونها في هذه البلاد، شراب حسن جدّا يسمونه «قهوة» أسود اللون كالجير تماما، و هو مفيد جدّا للمرض و لا سيما أمراض المعدة ... و هم يصبّونه في أقداح صينية و هو جدّا ساخن فيرفعون القدح‏

16

إلى شفاههم لكنهم لا يتناولون منه سوى شفة واحدة بين آونة و أخرى.

و تدار عليهم هذه الأقداح حين يجلسون و هم يصنعون في هذا الماء ثمرة يدعونها (بنرو-(Bunru) ، هي في حجمها و شكلها و لونها تشبه ثمرة التوت، و لها قشرتان رقيقتان تحيطان بها. و قد انبأوني عنها بأنهم يجلبونها من الهند».

القهوة أو البن التي ذكرها راوولف هي شجيرات برية و زراعية (الاسم العلمي(Coffea و الإنكليزي(Coffee tree) . موطنها الأصلي الحبشة و قد انتقلت بواسطة العرب إلى اليمن و الهند و أمريكا الجنوبية، و هي من نباتات المناطق الحارة الاستوائية. أوراقها دائمة الخضار.

و أزهارها بيض عطرية. المستعمل منها حبوبها المنبسطة أخدودية من الداخل، لونها أخضر باهت. و القهوة هي نقيع البن المحمص المسحوق المغلي في الماء.

عندما وصل راوولف مدينة الفلوجة الحالية في محافظة الأنبار عن طريق نهر الفرات قادما من حلب قال: «لم أر هنا أية نباتات تستحق الاهتمام سوى الخلجان الذي يسمى عندنا في هولندا باسم (السذاب) و هو ينمو بكثرة في الوديان الجافة. كما شاهدنا على مقربة من الطريق أول نوع من شجرة نسميها نحن (سم الكلب) و هي بأوراقها و عذوقها تشبه (شجرة الخالندين) شبها كبيرا. كما شاهدنا مساحات شاسعة من الأراضي مزروعة بنوع من القمح التركي ندعوه «جلجان» بالإضافة إلى مساحات أخرى زرعت بالقطن و بأشجار (الأيسولا) المليئة بالحليب و هي تغطي مساحات واسعة من الأراضي الخالية التي يمكن زرعها بالقمح.

و لقد وجدنا هنا نبتة (السمقونيا) التي يؤتى بها إلى حلب و التي يمكن مزجها مع حبات الأيسولا. و على مقربة من المدينة كانت أشجار (الأكاسيا) تنمو بكميات و فيرة و هم يسمونها هنا باسم (الشوك) و الشاموك و ثماره أكبر حجما و أكثر وفرة مما رأيت من أمثاله في أي مكان آخر».

17

و الخالنجان أو الخولنجان (الاسم العلمي-(Alpinia galanga و الإنكليزي(galingale) عشب أملس ريزومي معمر طبي، له رائحة عطرية طعمه شديد الحرافة، و الجزء المستعمل طيبا هو الريزومات. و هو ليس السذاب كما أشار بذلك راوولف و أوراقه تشابه أوراق السذاب و بالإضافة إلى استعماله الطبي يعتبر قابلا حسنا ذا نكهة طيبة.

و كان العرب يشربونه مغليّا في اللبن ضد السعال و البرد و كمقو للباه، و نقل العقار إلى أوروبا و ظل يستعمل كمنبه عطري معوي إلى عهد قريب.

و نبات (سم الكلب أو قاتل الكلب) الذي ذكره راوولف يسمى أيضا (خوشان، خانق الكلب) اسمه العلمي(Apocynum) و الإنكليزي(Indianhemp ,Dogsbanc) شجيرات طبية معمرة من فصيلة الدفليات، ساقها و فروعها ليفية منتصبة، أزهارها صغيرة جريسية، ثمارها نحيلة مستطيلة، بزورها دقيقة. يستفاد من البزور و الأوراق في عدة مستحضرات طبية مسهلة و مقيئة. و يستخرج من الألياف خيوط كالقنب.

و ذكر راوولف عن قمح سماه الجلجلان و هو ليس بقمح إنما هو السمسم أو السمسق (الاسم العلمي‏Sesamum oleifrum و الإنكليزي(Sesame ,Gingelly ,Gingili) . نبات عشبي حولي زراعي دهني من السمسقيات، جذوره و تدية يستفاد من بزوره الزيتية التي يستخرج منها بالعصر. و البزور الصغيرة الحجم مفلطحة إهليلجية، لونها يختلف بألوانها ما بين الأبيض و التبني و الأصفر و الأسمر و الأسود. يكثر في الهند و بلاد الشرق العربي. و ذكر راوولف نباتا سماه الأيسولا(Esula) ، و هو عشب يسمى في العراق باسم (الزريقة) بتشديد الراء.

يجمع البدو بزورها السمراء اللون و هي بحجم حبة العدس حيث يحمصونها و من ثم يأكلونها و تضم أوراق هذه النباتات مادة حليبية.

18

و ذكر راوولف نبات السمقونيا (المحمودة) (الاسم العلمي(Convolvulus Scammonia ,C .Syriacus . و الإنكليزي‏Scammony Plant) . نبات عشبي طبي ليفي عارش من فصيلة اللبلابيات. أزهاره بوقية الشكل، صفراء اللون مشربة البياض. يستخرج من جذوره عصارة راتنجية صمغية لها استعمالات كثيرة في الطب.

و نوع أشجار الأكاسيا أو الأقاقيا التي ذكرها الدكتور راوولف الأكاسيا العربية أو سنط عربي أو قرظ أو شوكية قبطية، الاسم العلمي(Acacia arabica) و الإنكليزي(Gum -Arabic tree) .

شجرة برية و زراعية مبذولة تكثر في الشرق العربي. و يستخرج منها الصمغ الأحمر. و أغصانها مشوكة مما حدا بأكثر الناس أن يعتبروها أحد أنواع الشوك و أزهارها ذات عطر حسن. و وصف راوولف نباتا يصطاد بواسطة بذوره الأسماك في نهر دجلة عند مكوثه في بغداد قائلا: «و حين أراد ملاحو قاربنا اصطياد السمك شرعوا يرمون في النهر بحبات ممزوجة بمادة (الكوكولوس-(Cocculos و هو ثمر يسمونه (دم السمك) فبعد أن يطفو السمك على سطح الماء تماما يقفز الملاحون من القارب و يمسكون بأعداد منه». و الكوكولوس التي ذكرها راوولف في رحلته نبات يسمى سم السمك أو قاتل الحوت (سمي كذلك لأنه يقتل السمك إذا خلط بالماء)- سيكران الحوت و يسمى بالفارسية (ماهيزهره- ماهيز هرج أي سم السمك) من العائلة(Menispermaceae) و اسمه العلمي‏Anamirta) (Cocculus ,Anamirta paniculata و الإنكليزي(Cocculus indicus plant) .

و عندنا في العراق يعرف باسم (الزهر) لثمر هذه العشبة البرية، و هذا الثمر عبارة عن بذور مثل بزور الفلفل أسمر اللون يحتوي على مادة سامة يستعملها صيادو السمك بعد أن تسحق و تخلط بالعجين أو أي مادة أخرى و تلقى في النهر و عند ما تتناولها الأسماك تتسمم و تطفو على الماء و هو صيد سهل لكن القانون العراقي يحرم العمل به بشكل صارم.

19

و جاء في الموسوعة في علوم الطبيعة الجزء الأول، ص 570:

(سنديل «الاسم العلمي»Anamirta paniculata و الإنكليزي» Cocklesplant ,Cocculusindicus «نبات بري و زراعي معمر وحيد الجنس و النوع من فصيلة القمريات. موطنه البلاد الحارة أخصها الآسيوية. ثماره طيبة مخدرة، مسهلة و مقيئة شائعة الاستعمال تدعى سم السمك).

و ذكر راوولف نبات الزرنب و قال إن جذور هذا النبات تستعمل في معالجة أوجاع الظهر. و هذا النبات المسمى أيضا (زرنباد، زرنبة اسمه العلمي(Zingiber Zerumbet ,Amomum Zerumbet و الإنكليزي‏Wild) (ginger ,Broad -leaved ginger .

هو نبات بري طبي جذموري من فصيلة الزنجبيليات. له عطر نافع للفم و يزيل روائح البصل و الثوم منه. و هو كذلك منبه معوي يحلل الرياح و يقوي القلب، الساق منتصبة حولي يصل من 100- 120 سم بالارتفاع، أزهاره هامية كبيرة الحجم ذات لون كبريتي محمر.

و له أيضا فوائد طبية أخرى لمعالجة أوجاع المفاصل و الظهر و غيرها. و أشار الدكتور راوولف أثناء سفره في نهر الفرات في إحدى السفن الصغيرة متوجها إلى العراق قادما من سوريا إلى مجموعة من النباتات قائلا: «و كنت اغتنم الفرصة حين نزولنا إلى اليابسة فأروح أفتش عن النباتات القريبة في المكان. و قد عثرت على أنواع خاصة من نبتة «الأزهار المحززة» و هي تشبه النوع المعروف منه في بلادنا لكن ليس لها ذات ميزته، و نوع من شجر (العجرم) من فصيلة ذكرها المؤرخ «كلوفيوس» و هو ذو أوراق سميكة تشبه شجرة (الودنة) فضلا عن السذاب و نوع غريب من الصفصاف يسميه السكان باسمه القديم هو (الغرب)، بالإضافة إلى الطرفاء و هي من أنواع كبيرة و عالية تشبه أشجار التوت و النخيل مما يمكن مشاهدتها من بعيد بسبب ضخامتها و ارتفاعها و هي‏

20

تشبه الطرفاء في بلادنا لكنها أكثر ضخامة و ارتفاعا، و أوراقها طرية ذات رؤوس وردية الألوان».

و العجرم- (باقل- ثغام «الجزائر»- بلبل «بربرية»- شعران «العراق»- نشمة. (الاسم العلمي‏Anabasis articulata ,Anabasis (prostrata أشجار شائكة من أنواع العفص من الفصيلة(Salsolaceae) و نبات الودنة(House leek) شجيرة صغيرة لها سوق سميكة و أزهارها وردية اللون.

و جاء ذكر السذاب في وصف راوولف و هو سذاب البر و هو عشب طبي بري (اسمه العلمي(Ruta montana) و الإنكليزي‏Mountain rue ,wild) (rue . يرتفع إلى حوالي 80 سم. ساقه ليفية خميلة اللحاء. الأزهار، صفر باهتة.

و اندهش راوولف من أحد أنواع أشجار الصفاف الذي اعتبره نباتا غريبا. و الذي ذكره الدكتور راوولف هو الصفصاف مستح أو الصفصاف الرومي و هو غرب (واحدته غربة) و هي (الخلاف أيضا)، صفصاف رومي (مصر)، إطا (يونانية(Itea (الاسم العلمي(Salix babylonica و الإنكليزي(Weeping Willow ,Mourning Willow) شجرة متوسطة الحجم تصل إلى ارتفاع عشرة أمتار، فروعها منبسطة، أوراقها سنانية ضيقة، يحب الأراضي الكثيرة الماء، يستفاد من سيقانها في بعض الصناعات الخشبية.

و الطرفة التي ذكرها راوولف من خلال رحلته هو (الأثل العراقي المسمى طرفة أو أثل دجلة-(Tamarixtigrensis) . و هي أشجار و شجيرات من فصيلة الأثليات أو الطرفيات أوراقها حرشفية، أزهارها سنبلية التجميع صغيرة بيض أو وردية اللون. ينمو في جميع الأتربة من الرملية الصحراوية إلى الطينية و من الجافة إلى المائية و هو يصلح للسياجات الحية قرب الشواطئ فهو لا يتأثر بالأملاح البحرية، يستفاد من أخشابه في عدة صناعات زراعية و صناعة السفن الصغيرة و المتوسطة. و يوجد نوع‏

21

يسمى بأثل المن(Tamarix mannifera) . أي (الطرفاء) يجني منها مادة سكرية غذائية تسببها حشرة غشائية الأجنحة توخز الزهر و جرادة الأملوج فتعسل المن المعروف بالطرفة.

و تحدث عن نبات يبدو على ما يظهر أنه يشاهده لأول مرة عند ما قال: «... كما وجدت بعض الأشجار الأخرى التي يسمونها بالعاقول».

و العاقول (حاج- اسمه العلمي-Alhagi manniferum ,(Amaurorum و الإنكليزي(Camal thorn ,Hebrew manna plant) و لم يكن العاقول أشجارا بل شجيرات عشبية ليفية مخشوشبة معمرة من فصيلة القرنيات ساقه شائكة فرعاء تصل في الارتفاع إلى أكثر من 100 سم. الفروع نحيلة الشوك، أوراقه بسيطة كاملة مستطيلة.

و في مكان آخر تناول راوولف جانبا آخر من دراسته للنباتات التي بذل من أجلها الغالي و الثمين للظفر بمعلومات كافية عنها، قال: «و هناك أنواع أخرى لأعشاب لطيفة و غريبة تنمو بكثرة في الرمال. و لكل واحدة من هذه النباتات ما بين خمس و ثمان سيقان يدخل أحدها في الآخر و لها مفاصل كثيرة و لذلك تنمو و هي تزحف فوق الأرض أكثر مما تنمو قائمة.

و تنبثق من كل واحدة ثلاث أو أربع أوراق مدورة تشبه أوراق شجر السماق و الزعتر و تظهر فوق كل نبتة من هذه نجمة تشبه الزهرة البيضاء ذات ست أوراق مدببة و هي بهذا تكون شبيهة بنبتة (ورنبثو غالوم) المعروفة عندنا، و كل واحدة منها ذات سوق خاصة، و لم أر فيها أية حبوب و كانت جذورها صغيرة و نسيجية و هي مشابهة في شكلها للنبتة المتعددة الأوراق التي ذكرها ديسقوريدس».

و جاء ذكر السماق في رحلة راوولف و هو يقصد ذاك النوع المسمى (سماق الدباغين، تمتم. الاسم العلمي(Rhus coriaria) و الإنكليزي(Sumach ,Tanners sumach) . و هو النوع المعروف المبذول في لبنان و سوريا، شجيرة تصل في الارتفاع من 100- 400 سم، لها أزهار خضراء

22

اللون، البذور شديدة الصلابة مصقولة، أوراقه دباغية، (ثماره من التوابل الحامضة العافصية).

و أما الزعتر الذي ذكره راوولف فهو نبات(Origanum) طبي بري عطري. و يسمى أيضا صعتر أو سعتر.

و كان وصف راوولف لنبات شبيه بنبات (الأورنبثو غالوم) إنما هو في الحقيقة لنبات يعرف في علم النبات العربي باشراس صوصلاء أو صاصل أو لبن الطير من فصيلة الزنبقيات.

و هو بالذات (الأشراس الخنثى-

Omithogalum Stachyoides,( Omithogalum arabicum

و الإنكليزي(Star of Bethlehem) . كبير الأزهار الخضراء اللون ينبت بريّا في بعض المناطق من سوريا و فلسطين.

و يستخرج من بصله نوع من الشراس الجيد.

و عند وصول راوولف إلى مدينة (عنه) عن طريق نهر الفرات وصفها وصفا موضوعيّا قائلا: تشتهر هذه المدينة بجمالها و ذلك لكثرة الأشجار المثمرة فيها من أمثال الزيتون و الليمون و البرتقال و الرمان و الليمون الحامض و كذلك أشجار النخيل التي لم أر لها شبيها بما شاهدته من أمثالها في سفراتي.

فقد كانت هذه النخيل سميكة و صلبة للغاية و حين ذهبت مع بعض رفاقنا إلى المدينة وجدنا كميات كبيرة من الفواكه لم تعجبهم إطلاقا و قد رأينا بينها نوعين من الفواكه التي اعتادوا جلبها إلى بلادنا أحدهما أحمر اللون و الآخر أصفر أطلق عليهما «سيرابيو» اسم «هيرون» و ذلك في الفصل التاسع و الستين من كتابه، و مع أنهما أقل حجما مما هو لدينا إلا أنهما من نوع جيد و ذي طعم لذيذ».

و هذه الفاكهة التي ذكرها راوولف هي بالأحرى ثمار نبات النبق (السدر) الذي يبدأ باللون الأخضر و بعد ذلك يصفر و يحمر. و النبق‏

23

أشجار كبيرة و لأوراقها و أثمارها فوائد طبية. و يستمر راوولف في وصف نباتات منطقة الأنبار الحالية و هو متجه إلى بغداد، يقول: «و لم أر في الطريق من النباتات الغريبة سوى ما شاهدته في حقول القمح من نبات (الماش) العربي الذي أشرت إليه قبلا و الذي يظن عنه أنه هو نبات (كوركورم) الذي ذكره (بليني) و كوركوروم‏Corchorum ، نبات متسلق ذو أزهار صفراء اللون. كذلك رأيت نبتة أخرى تشبه السمسم إلّا أن ساقها أطول و أمتن، و هي تحمل أزهارا صفرا ذات عروق حمر أو بنية اللون تنتهي بعقد طول الواحد منها بقدر الإصبع و بمقدار سمكه و مدببة عند الرأس، و لها خمسة أصناف تحوي البذور التي تشبه نوعا من الخباز الذي يسمى (أبو تيلون).

و لقد استفسرنا كثيرا عن هذه النبتة فلم نجد لها اسما آخر غير الاسم الذي يطلق عليها و هو (اللوبيا الهندية)، و لكن طبقا لمعلوماتي أعتبر هذه النبتة هي (النفل) التي أشار إليها (ثيوفراستس) في أماكن عديدة من كتابه».

و نبات أبو تيلون الذي ذكره راوولف هو أعشاب مخشوشبة الساق من فصيلة الخبازيات. أنواعه عديدة تنتشر في جميع أنحاء البيئات الحارة و المعتدلة. و هذه النباتات لها ثمار دولابية النفاج عند النضج و يستفاد من أوراقه اللعابية اللزجة كملين و من بذورها كمدر للبول و من سوقها و ألياف قشورها للغزل و النسيج.

و اللوبيا الهندية الذي قال عنها راوولف هي نفس اللوبيا أو اللوبياء في بلادنا اليوم و تسمى علميّا(Dolichos unguiculatus) و الإنكليزي(Black eyed dolichos ,Asparagus bean . و هي نباتات عشبية زراعية من فصيلة القرنيات الفراشية. أنواعها عديدة تزرع لقرونها الخضر البقلية أو لبزورها الجافة. و هي تنمو في جميع الأتربة القليلة الاندماج الممكن ريها.

24

و قد أخطأ راوولف عند ما اعتبر اللوبيا هي نفسها نبات النفل. فنبات النفل (الاسم العلمي(Trifolium و الإنكليزي(Clover) هو البرسيم نفسه و هي نباتات عشبية من فصيلة القرنيات الفراشية أنواعه المعروفة حوالي (150 نوعا) أكثرها بري مرعوي و بعضها زراعي علفي و منها الحولي و المعمر. جذورها تغور في التربة. أوراقها مركبة ثلاثية الوريقات.

أزهارها مختلفة الألوان، البذور كلوية الشكل صغيرة الحجم، سمراء اللون. و أوضح راوولف أهمية بعض النباتات العراقية في بعض الصناعات العسكرية، قال:

«و بارود المدافع هذا لا يصنع من ملح البارود مثلما يجري ذلك عندنا في أوروبا و إنما يستخرج من عصير شجرة من نوع الصفصاف يسميه الفرس (فير) بينما يدعوه العرب باسم «الغرب» كما أشرنا إلى ذلك قبلا. فهم يقطعون الأغصان الصغيرة من هذه الأشجار و أوراقها فيحرقونها و يحولونها إلى مسحوق يلقون به في الماء إلى أن تنفصل ذرات الملح عنه و إذ ذاك يصنعون منه بارود المدافع، و مع ذلك فهذا البارود ليس قويّا كالذي نصنعه نحن في بلادنا. و لقد أكد ذلك المؤرخ «بليني» في الفصل العاشر من الجزء الحادي و الثلاثين من كتابه إذ قال: «إن الناس في الأيام السالفة كانوا يستخلصون «النيتر» من أشجار البلوط».

و قد وصف راوولف نبات الحنظل السام قائلا: كذلك شاهدت على ضفاف النهر العالية كثيرا من نبات (الحنظل) لم أستطع أن أتحقق منه عن بعد، إلّا أنه لا يزال حتى الآن معروفا لدى السكان باسمه العربي القديم و هو «الحنظل». و الحنظل أو الحدج أو مرارة الصحارى أيضا- اسمه العلمي(Citrullus Colocynthis ,Cucumis colocynthis) و الإنكليزي(Colocynth ,Bitter apple) نبات حولي من فصيلة القرعيات يمد و يسير في الأرض عند نموه له أنواع كثيرة برية و زراعية. أزهارها صفر و ثمارها صغيرة الحجم و مختلفة الأشكال فمنها القرعي و البرتقالي و الإجاصي‏

25

و البطيخي. القشر رقيق جامد، لبها اسفنجي التركيب، أبيض اللون، شديد المرارة و الحرافة، و هو من أشد المسهلات القوية المفعول و هو كان و لا يزال من النباتات الطبية العامة. و أوضح راوولف عند مكوثه في بغداد أنه وجد أن أهالي بغداد يستخرجون الزيوت من الجوز و لنستمع ما يقوله: «كذلك استقطرت الزيوت من الجوز، و هو نوع جيد و متوفر بكثرة، و من الفستق الذي يحتفظ به السكان و يأكلونه مثلما نأكل نحن الأنواع الصغيرة من الجوز في بلادنا. و لقد تناولت هذا الفستق فوجدته جافّا غير مستساغ. و هذا النوع يسميه العرب باسم «بطم». و لقد شاهدت نوعين منه بحجم كبير و آخر صغير، و الكبير منه يشبه جوزة الفستق لكنه أقل استدارة و أقصر طولا. أما النوع الصغير فهو ذو قشرة صلبة تشبه حبة الحمص الكبيرة و هذه تماثل في شكلها النبتة المعروفة باسم (قرن الغزال) أو الذرة الهندية. و ينمو الكثير من هذه في ايجنيا و في فارس و بلاد ما بين النهرين و أرمينيا و غيرها. فهي بأوراقها الطويلة تشبه تلك الأشجار حيث يمكن تمييزها بيسر عن شجرة الفستق ذات الأوراق المدورة، و هي من النوع الذي قال عنه كل من الرازي و ابن سينا إنه ينمو في الهند».

و قد خلط راوولف بين أشجار الفستق و أشجار البطم حيث اعتبرها شجرة واحدة في حين أن الفستق أشجار زراعية معمرة تعيش أكثر من 300 سنة. و هي من فصيلة البطميات. أنواعها عديدة منبتها منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط من أشهرها الفستق الحلبي و التونسي و الإيراني و الصقلي و المغربي و القبرصي، و هي أشجار جبلية تتحمل درجات البرودة العالية و تساقط الثلوج. و أشجار الفستق تصل في الارتفاع إلى حوالي عشرة أمتار ثمارها زيتونية الشكل تتكون عند اكتمال نضجها من غلاف خارجي هش النسيج. و من غلاف داخلي خشبي المادة مؤلف من مصراعين ينشقان عن صلام أصفر اللون مأكول تلفه قشرة رقيقة لونها إلى الحمرة. الاسم العلمي للفستق(Pistacia vera) و الإنكليزي(Pistachio tree) .

26

أما البطم (ضراوة) فهي شجيرة فرعاء تعلو من 3- 5 أمتار الثمر كروية الشكل. يستخرج من لحاء سوقها مادة راتنجية فواحة كثيرة الاستعمال، ثمرته تدعى (الحبة الخضراء). قال ابن سينا: «إنه يجلو الجرب و القوباء» و قال الأنطاكي: «أوراقها تسود الشعر طلاء. و الحب يسخن الصدر و المعدة و يقطع البلغم و يزيد القوة الجنسية و يسمن عن تجربة. و دهنه يحلل أوجاع العصب و حصر البول شربا و يصلحه العسل.

و شربته إلى عشرة». الاسم العلمي للبطم(Pistacia terebinthus P .cabulica) و الإنكليزي(Turpentine tree ,Terebinth tree) .

و البطم من فصيلة البطميات. و أشهر أنواعه البطم الأخضر، برزق (الاسم العلمي(Pistacia khinjuk و الإنكليزي(East Indian mastiche) و هذا النوع ينتشر في الهند و مناطق الشرق الأوسط و من ضمنها العراق. و هناك نوع آخر المسمى بالبطم الشرقي أو بطم مستكي(Pistacia Ientiscus) و ثمرة الأخير أكبر من البطم الأخضر و هذا ما جعل راوولف يذكر هذين النوعين.

و ذكر راوولف نباتا آخر شاهده أثناء رحلته قادما إلى بغداد قال:

«لقد أشار «سرابيو» في الفصل الخامس و العشرين من كتابه إلى ثمر آخر دعاه باسم «العنصل» و قد شاهدته أنا و هو بقدر جوزة الفستق لين القشر، و لم أعثر عليه لدى أصحاب الحوانيت في هذه الأنحاء».

و العنصل الذي جاء في وصف الدكتور راوولف هو إشقيل الخريف أو بصل الفأر أو بصل الحية، اسمه العلمي(Scilla autumnalis) و الإنكليزي(Autum nal squill ,Winter hyacinth) . نباتات بصلية معمرة من فصيلة الزنبقيات. و الثمرة بصلة غليظة إجاصية الشكل، بيضاء اللون، أوراقها قرصية مستطيلة ضيقة شديدة الخضار لامعة المواج. أزهارها صغيرة لبدة وردية اللون. و هو طبي و يدخل في تركيب عدة مستحضرات و عقاقير و هو يدر البول و ينعش الصدر. و ينتشر على سفوح التلال و المرتفعات في المناطق الشرقية من العراق.

27

و أطلق راوولف على شجرة مجهولة اسم شجرة الموز و قال: «و عن شجرة الموز التي تنمو في الجزيرة العربية و تحمل ثمرا حلوا طيب المذاق يسمونه (واك-(Wac و هو مدور الشكل أحمر اللون بحجم البطيخ الهندي.

ترى هل كان هذا هو ثمر (المانغا) الذي أشار إليه كلوفيوس في تاريخه عن النباتات الهندية، و الذي كان ينقل بسبب جودته إلى فارس بحرا؟ فقد تركت ذلك لألم به فيما بعد».

و الشجرة التي اعتبرها راوولف مرة موز و مرة أخرى مانغا (العنبة الهندية) هي في الأحرى الخوخ البري أو الإجاص البري و هي شجيرات و جنبات حرجية زراعية من فصيلة الراتنجيات، أنواعه كثيرة. مواطنها البلاد الحارة. أوراقها صغيرة بارزة العروق. ثمارها مأكولة. الاسم العلمي(Spondias) و الإنكليزي(Spondias ,mombin ,Hog plum tree) و من أهم أنواعها خوخ البر الأحمر و خوخ البر الحلو و الخوخ الشائك.

و أضاف معقبا بهذا الوصف (أما الموز الذي قيل عنه إنه معروف في سوريا أيضا، فهو شجر يحمل ثمرا صغير الحجم مقوسا و رقيقا أصفر اللون يشبه البطيخ في شكله و هو حلو المذاق شهي الطعم، لكنه مضر بالصحة و لهذا السبب منع الإسكندر الكبير جنوده من تناوله». و أثناء توجهه إلى كركوك عن طريق نهر دجلة وصف راوولف بعض النباتات التي شاهدها قائلا: «و رحت في أثناء مكوثي في ذلك المكان أبحث عن النباتات فيه لكنني لم أعثر على شي‏ء منها لأنها في ذلك الوقت كانت قد بدأت تبرز من باطن الأرض. على أنني عثرت على أنواع من الخلنجان البري ذي جذور كبيرة و مدورة يسميه السكان (السرو) و يطلق عليه اليونانيون و اللاتينيون اسم (سبيروس)».

و هنا وقع راوولف في خطأ كبير عندما اعتبر الخلنجان البري هو السرو. في حين أن الخلنجان (الاسم العلمي(Erica و الإنكليزي(Heath ,

28

Heather )

.- شجيرات صغيرة برية و زراعية من فصيلة الخلنجيات أنواعه كثيرة تبلغ حوالي 400 نوع- أوراقه هدبية الشكل قصيرة.

أما السر و (الاسم العلمي(Cupressus و الإنكليزي(Cypress tree) فهي أشجار حرجية كبيرة من فصيلة الصنوبريات لها أنواع عديدة أهمها 15 نوعا. أوراقها دائمة الخضرة، أوراقها عروة، فلسية، متقابلة الثمار اكراز كروية الشكل. بزورها صغيرة مجنحة. و الجذور التي شاهدها راوولف هي حسب اعتقادي جذور أشجار السرو لأنها تتناسب و حجوم و ضخامة هذه الأشجار الخشبية التزينية.

و عند وصوله إلى مدينة الموصل وصف بعض الأنواع من الفاكهة، قال: «و لقد شاهدت نوعين من هذه الفواكه من جنس الجوز بأحجام كبيرة و صغيرة يسميه السكان باسم (البندق) كما شاهدت نوعا من البطيخ كبير الحجم بقدر قبضتي اليد كثير الانتشار هنا قيل لي عنه إنه يؤتى به من أرمينيا، و هو صلب أسمر اللون ليس حلو المذاق و هو كاليقطين و مع ذلك فهو حسن صالح للأكل و يحتوي على بذور صغيرة حمراء لا يشاهد المر، حين تناوله و هو يحل الجسم لكن ليس بالشكل المعروف عندنا من هذا الثمر.

و قد اعتاد السكان أن يتناولوه بكميات كبيرة عند الصباح مثلما يفعل ذلك سكان جبل لبنان بالنسبة إلى الجبنة. و لكن هل كان هذا هو (المن الحجازي) الذي أشار العرب إليه، أم هو النوع الذي أشار إليه (ابن سينا) في الجزء الثاني، المقالة الثانية من الفصل الخامس و السبعين، فذلك أمر لم أتحقق منه».

لقد خلط راوولف في وصفه هذا النوع بين فواكه المكسرات فهو يعتبر الجوز و البندق نوعا واحدا كبيرا صغيرا و لكن لكل من هذين النباتين مميزات خاصة به و يختلف بعضها عن بعض في أمور علمية كثيرة.

29

فالجوز أشجار كبيرة من فصيلة الجوزيات، اسمه العلمي(Juglans regia) و الإنكليزي(Wainut tree) . أنواعه كثيرة، تصل الأشجار إلى 24 مترا ارتفاعا. ثماره لذيذة اللباب المستحب الطعم، قشورها الخشبية غليظة سميكة. ملساء البشرة، سريعة التفكيك و لون الثمر جوزية اللون، أول تكوين الثمرة تكون بجلد أخضر لين و شيئا فشيئا يصلب و ييبس فيتغير لونه. و ينتشر الجوز في شمال قطرنا العراق و بالأخص المناطق المرتفعة.

أما البندق فهو أشجار و شجيرات برية و زراعية من فصيلة التبوليات السومليات أنواعه قليلة. و النوع الذي شاهده راوولف في مناطق الموصل و ما يحيط بها أو قريب منها هو البندق البري، الاسم العلمي(Corylus Sytvestris) و الإنكليزي(Wild filbert) . تعلو هذه الأشجار إلى حوالي 6- 10 أمتار.

مواطنها تركية و منطقه البلقان و شمال العراق و شمال غربي إيران، ساقها ملساء. ثمارها صغيرة خملية القشرة مستطيلة الشكل.

و شاهد راوولف ما أسماه بطيخا أسود اللون و له بذور حمراء. و هو بالحقيقة الرقي كما يسمى في العراق و سوريا نسبة إلى مدينة الرقة السورية. و في بعض الأقطار العربية يسمى بطيخ أو بطيخ أحمر أو دلاع كما في المغرب أو بطيخ هندي او فريز، اسمه العلمي‏

( Citrullusvulgari s, Cucumis Citrullus, Cucurbita citrullus )

و الإنكليزي(Water -melon) .

و الرقي نبات عشبي حولي بري و زراعي من فصيلة القرعيات يزرع لثماره المأكولة. له أنواع عديدة منها الصغير و الكبير و بأشكال مختلفة و ألوان مميزة كالأخضر الباهت و المقلم بالأخضر الباهت و الغامق و الأخضر المسود.

و لون البذور و أشكالها مختلفة أيضا فمنها الأسود و الأصفر الباهت الأحمر. و من المعروف أن أحسن أنواع الرقي في العراق ما يزرع في‏

30

محافظة نينوى بثماره و بزوره الحمر الكبيرة الحجم المرغوبة المأكل.

و الرقي من الثمار المنعشة التي تروي الغليل و تدر البول و تفيد المصابين بالإمساك و البواسير. و تبلغ نسبة الماء نحو 91% في الرقي و 8% من المواد السكرية.

و هو ليس المن الحجازي أو أي نوع من أنواع المن الذي توهمه راوولف و تساءل عنه.

31

بداية رحلة الدكتور ليونهارت راوولف‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الفصل الأول‏ (*) مدينة طرابلس‏

ضواحيها الخصبة. عظم التجارة فيها. فخامة الحمامات و الأبنية المهمة الأخرى التي تشاهد هناهك‏ (**) شاهدنا على شاطى‏ء البحر، قبل أن نهبط طرابلس، خمس قلاع أشبه بالأبراج الشامخة تبلغ المسافة بين الواحدة و الأخرى مدى إطلاقة بندقية حيث يوجد بعض الجنود الإنكشاريين في حامية هناك لمراقبة السفن في الميناء (و كانت محاطة بالصخور إلى حد ما) و كذلك لغرض حماية دائرة الكمرك و جملة من المخازن (حيث يمكن رؤية كل أنواع السلع التي يؤتى بها من معظم أنحاء العالم) من أية محاولة أو هجوم معاد. على أنه ما أن غربت الشمس و بدأ الظلام يرخي سدوله حتى بذلنا

____________

* يتضمن الفصل الأول من الرحلة وصفا لخروج راوولف من هولندا و وصوله إلى طرابلس حيث غادر هو و صديقه «فردريك رنتزن» مدينة أو غسبرغ في اليوم الثامن عشر من أيار سنة 1573 م فاجتازوا هولندا إلى فرنسا و بلغا مدينة مارسيليا في اليوم الخامس من حزيران ثم أبحرا منها في اليوم الثاني من أيلول و قد وصلت السفينة جزيرة قبرص في الخامس و العشرين من ذلك الشهر ثم أقلعت منها لتصل إلى ميناء طرابلس في الثلاثين من أيلول ذاته.

** سبقت الإشارة إلى أن راوولف كان يركز اهتمامه في الدرجة الأولى على أسماء النباتات في أي مكان يصل إليه، و يحتفظ بنماذج منها معه و لذلك فهو يسهب كثيرا في الحديث عن هذه النباتات و عما ورد لها من ذكر في كتب بعض العلماء التي اطلع عليها قبل رحلته إلى بلاد المشرق.

34

كل ما استطعنا بذله للإسراع في الوصول إلى المدينة التي كانت تبعد عنا مسيرة ساعة واحدة، و قد صحبنا بعض الجنود الأتراك المسلحين بنبابيت قوية حسنة الصنع قيل لي عنها إنها تستعمل بصفة عامة لمطاردة الذئاب التي يسمونها «بنات آوى» حيث يوجد عدد كبير منها في هذه البلدان و تستخدم لتعقب الفرائس و مطاردتها و البحث عنها ليلا.

و في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن هذه الحيوانات اقترب عدد منها قريبا منا لكنها ما إن رأتنا حتى استدارت و ولت هاربة، و حين بلغنا بوابة المدينة وجدناها مغلقة و إذ ذاك استدعى أحد أصدقائنا، و كان ينتظر قدومنا للترحيب بنا، بعض الفرنسيين الذين كانوا ينزلون في نزل يسمونه «فندقا» (1) بلغتهم، و هو يقع على مقربة من بوابة المدينة و يمتد إلى سورها تماما، و طلبت إلى واحد منهم بأن ينهض بأعباء الذهاب إلى آمر المدينة (2) و يسأله أن يسمح بفتح البوابة و يدعنا ندخل منها، و ذاك أمر كان هؤلاء الفرنسيون جد راغبين في حدوثه. على أنه في الوقت الذي كنا واقفين فيه أمام البوابة، أسرع شخص آخر معاد لصديقنا ذاك فحرض بعض الأتراك و العرب بالإطباق علينا، و هذا ما كانوا يرغبون فيه، و عندئذ أقبل هؤلاء علينا مسرعين من بوابة أخرى قريبة من السور ليست مغلقة فهاجمونا و انهالوا علينا ضربا ثم أمسكوا بنا، و لا سيما بصديقنا الطيب الذي فعلوا كل ذلك بسببه، كما وجه آخرون منهم بنادقهم نحونا إلى درجة خيل لنا فيها أنهم سيقطعوننا إربا.

و في الوقت الذي كان يجري فيه كل هذا، فتحت البوابة و أقبل‏

____________

(1) كتب الرحالة كلمة فندق بلفظها العربي و بالحروف الإفرنجيةFondique و المقصود بكلمة (بلغتهم)، هو لغة أهل الشام و ليس لغة الفرنسيين كما قد يتوهم القارى‏ء ذلك.

(2) آمر المدينة يقصد به الحاكم العسكري فيها و قد ذكره المؤلف باسم «سنجق» أي حامل رتبة لواء في الجيش.

35

علينا بعض الفرنسيين و معهم قنصلهم نفسه لمساعدتنا، فتحدثوا إلى أولئك الرجال، و حثوهم بلطف على إطلاق سراحنا، و أن تودع القضية إلى الآمر و القاضي للبت فيها، و هذا ما وافقوا عليه في النهاية. و هكذا قدمنا بعد ذلك الاستقبال المعادي، إلى فندق الفرنسيين فبتنا الليلة فيه.

لقد كان موقف القنصل عظيما في هذه الحادثة. ذلك لأنه اعتبر مثل هذه الإجراءات مسيئة جدّا إلى أبناء قومه، و لهذا تقدم بشكاوى و أجرى تحريات كثيرة إلى أن عثر في الأخير على الشخص الذي سبب تلك الحادثة.

مضينا صباح اليوم التالي إلى منزل أصدقائنا للمكوث فيه فترة من الزمن معهم. و في ذات الوقت بدأنا نتجول في المدينة- و نحن نرتدي نفس ملابسنا الأوروبية- لمشاهدة ما فيها و هذه المدينة تقع في سوريا المسماة «فينيقيا» التي تمتد أراضيها إلى شاطى‏ء البحر بما في ذلك بيروت، و صيدا، و صور، و عكا حتى جبل الكرمل.

و مدينة طرابلس واسعة نوعا ما، غاصة بالناس، و ذات ثراء حسن و ذلك بسبب وجود كميات كبيرة من السلع التي تجلب إليها كل يوم بطريق البر و البحر. كما أن المدينة تقع في أرض منبسطة تجاور أحد سفوح جبال لبنان، يتصل بها سهل واسع يمتد إلى شاطى‏ء البحر، حيث تستطيع أن تشاهد مزارع الكروم الوفيرة و البساتين الجميلة التي تحاط من كل أطرافها تقريبا بسياج، و هي تتألف في الدرجة الأولى من أشجار الرمان و البرتقال و الليمون و التفاح و غيرها، كما توجد بعض أشجار النخيل و تكون هذه واطئة و هي تنمو و تتكاثر بنفسها. و حين دخلنا هذه البساتين وجدنا فيها كل أنواع الأشجار و مختلف الأزهار، فضلا عن أشجار الزيتون و اللوز و الجوز و ما شاكلها.

أما عند شاطى‏ء البحر و على مقربة من مدينة طرابلس القديمة (التي دمرتها الزلازل مع مدن أنطاكية و غيرها سنة 1183 م، و لم تبق منها سوى‏

36

آثار قليلة) فلا يوجد شي‏ء سوى ينابيع تسقي البساتين، و ذلك ما كان بعض التجار في المدينة يتذكرونه. غير أن هذه البساتين قد طغت عليها مياه البحر فأتلفتها و غطتها بالرمال، فلا ترى الآن في مواضعها سوى أراض رملية أشبه بالصحارى العربية. و مع ذلك فأهل طرابلس لا يحتاجون إلى المياه بسبب وجود عدد من الأنهار التي تنحدر مياهها من الجبال، و تجري بعض هذه الأنهار عبر المدينة بينما تروي الأخرى الحقول و البساتين، و على هذا فأهل طرابلس ليسوا في حاجة إلى الماء سواء لاستعماله في منازلهم أو لإرواء بساتينهم و حدائقهم.

أما المدينة الجديدة فهي غير محصنة تحصينا قويّا ذلك لأن الأسوار التي تحيط بها ضعيفة، و أن في مستطاع أي امرى‏ء أن يدخل المدينة و يخرج منها، أثناء الليل، من أماكن عديدة. على أنه توجد داخل المدينة قلعة تقبع على مرتفع قريب من الساحل و تقيم فيها حامية قليلة من الجند الإنكشاريين. و يعيش أهل المدينة في منازل واطئة واهنة البناء ذات سطوح منبسطة على غرار ما هو شائع منها في الشرق، ذلك لأن القوم هناك يجعلون سطوح منازلهم مستوية بحيث تستطيع أن تمشي فوقها على امتداد المنزل كله، كما يستطيع أصحاب المنازل المجاورة أن يسيروا على سطوح منازلهم لزيارة جيرانهم، فضلا عن أنهم ينامون فوق هذه السطوح أيام الصيف أحيانا. و على هذا فإن من المصيب حقا، ما قرأناه في إنجيل مرقس (الفصل الثاني) و إنجيل لوقا (الفصل الخامس) عن الرجال الأربعة الذين حملوا الرجل الأعمى إلى المسيح، فلما لم يستطيعوا الوصول إليه، بسبب شدة الزحام، نقلوه من فوق سطوح المنازل، ثم أنزلوه إلى أرضية الغرفة التي كان فيها السيد المسيح.

و ليست لهذه المنازل أبواب أو مداخل كبيرة من الشارع مثلما هو عليه الأمر في بلادنا الأوروبية (عدا منازل قلة من التجار) ذلك لأنهم لا

37

يستعملون عربات الركوب أو الأثقال، و إنما يقتصر كل بيت على باب صغيرة واطئة لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أقدام أحيانا. و على هذا فليس في مستطاعك أن تدخل مثل هذه البيوت دون أن تحني رأسك. و في كثير من البيوت الواسعة تكون هذه المداخل مظلمة إلى درجة يخيل فيها للمرء أنه داخل إلى كهف أو زنزانة. و لكن حين تمشي في هذا المدخل إلى البيت تجد فيه باحات واسعة يغتسل فيها أهل البيت، كما تجد صالات كبيرة مبلطة بالإضافة إلى السلالم التي ترتفع بمقدار درجتين أو ثلاث، و هي مبلطة تبليطا حسنا و متينا بالرخام الذي يحافظون على نظافته و يغطونه بالسجاد الذي يجلسون عليه. و يقوم فوق هذه السلالم طاق يظل مفتوحا من جانب واحد حيث يجلس الأتراك تحته لينتعشوا بالهواء البارد، و هذا ما يحدث أيام الصيف بصفة رئيسية.

و تغلق أبواب المنازل عادة بمغاليق مصنوعة من الخشب مجوفة من الداخل، يغلقونها بمفاتيح خشبية أيضا يبلغ طولها طول الكف. و تدق في هذه المفاتيح خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة مسامير أو أسلاك قوية على انتظام و تناسق في مسافات محدودة بحيث تتلاءم هذه مع المسامير الأخرى المثبتة داخل القفل فيدفعون بهذه المفاتيح إلى أمام أو يغلقونها من الخلف حسبما يشاؤون.

و شوارع المدينة ضيقة لكنها مبلطة بأحجار كبيرة و تقوم في وسطها قنوات يبلغ عرض الواحدة منها عشر بوصات و هكذا يستطيع البعير الموسق بالأحمال أن يسير فيها بأمان، كما يستطيع المرء أن يخطو من فوقها أيضا. و يقول أهل المدينة إن هذه القنوات قد صنعت على هذه الشاكلة لكي ترغم الإبل و الحمير و غيرها من الدواب الأخرى التي تصل المدينة في قوافل كبيرة كل يوم، على السير فيها واحدا إثر الآخر و بانتظام، في حين يستطيع الناس أن يسيروا في الشوارع دون أن تعيقهم تلك الدواب.

38

و كثيرا ما تكون هذه القنوات نظيفة و جافة و ذلك لوجود مجار خفية مغطاة بأحجار واسعة. هذا بالإضافة إلى أن مياه الأمطار و كذلك مياه الآبار تنساب في هذه القنوات.

و ليس لدى سكان طرابلس من الأبنية الجميلة القائمة ما يفاخرون به سوى المساجد التي لا يسمح لغير المسلم بالدخول إليها إلا إذا فكر في أن يتخلى عن دينه.

و هناك بعض المساكن الواسعة التي يسميها المواطنون المحليون «كروان صاري» (1) و هذه توجد فيها حوانيت أو مخازن كبيرة و عديدة، تجاورها غرف منظمة في حين تقوم في الوسط باحة واسعة، و يستطيع التجار الأجانب الذين يجلبون بضائعهم في قوافل كل يوم أن ينزلوا في هذه المساكن على اعتبار أن الأتراك لا يملكون فنادق أخرى غيرها.

و كل هذه المساكن أو الفنادق ملك خاص للسلطان أو للباشا الذي يتبعه، و هي موجودة في عدد من المدن، و يحصل القوم من ورائها على إيرادات سنوية مثلما يفعل ذلك البنادقة في مدينة البندقية خارج البيت الألماني منها.

و ما خلا هذه المباني هناك الحمامات الفخمة التي تفوق المباني الأخرى بجمالها و تستحق المشاهدة فعلا.

و لما كان الأتراك و المسلمون و العرب و غيرهم ملزمين، حسب الشريعة الإسلامية، بالوضوء دوما لتنقية أنفسهم مما يقترفونه من الذنوب اليومية (2)، بل بالأحرى للذهاب إلى المسجد، فإنهم لذلك يحتفظون‏

____________

(1) كروان صاري عبارة تركية تعني المكان أو النزل الذي تقصده قوافل المسافرين و هو ما يعرف عندنا في العراق بالخان.

(2) يحاول الرحالة أن يفصل الأتراك عن المسلمين، و هذه هي النزعة الاستعمارية التي ما تزال تسعى إلى تفريق الشعوب و تمزيق وحدتها، و تتجاهل هذه النزعة عمدا أن-

39

بهذه الحمامات أو البيوت الساخنة التي تظل دافئة و في درجة معتدلة من الحرارة و التي لا يستوفى عنها سوى رسوم بسيطة و لا تحتاج إلا إلى أقل ما يتصوره الإنسان من الوقود و تكون جاهزة للاستعمال ليل نهار.

في هذه الحمامات أقباء كبيرة و عميقة تحت الأرض أشبه بالزنزانات الكبيرة يلتصق الواحد منها بالآخر و ليس فيه سوى كوتين أحدهما في أعلاه لا يزيد قطرها عن ثلاث أو أربع بوصات، و الثانية تحتها أكثر منها سعة، يودعون فيها الحطب أو بعر الإبل أو ثفالة العنب المعصور، و تكون هذه المواد جافة و تبعث حرارة شديدة كالحرارة التي يبعثها الفحم البحري أو الطحلب الذي يستعمله سكان البلاد الواطئة أو الأقطار الأخرى التي لا تتوفر فيها كميات كافية من الأخشاب. و عند إشعال هذه المواد تبعث حرارة قوية داخل القبو كله. و مع ذلك يكون هذا القبو مغلقا لا نرى أثرا للدخان أو البخار فيه، و لو أنه في بعض الأحيان يكون شديد الحرارة. و لا تخمد النار في هذه الحمامات لأن هناك من يعنى بها و يوفر لها الوقود اللازم بصفة متواصلة. و لكل حمام من هذه الحمامات التي شيدت بفخامة طبقا لعادات الإغريق و الرومان، صالة جميلة على مقربة من مدخله مبلطة تبليطا عجيبا مثل بقية أرض الحمام ذاته و تكون مكفتة بالرخام المنقوش بمختلف الألوان نقشا فنيّا بديعا و في أعلاها قبة يغطيها طاق في شكل كرة.

و تقوم حول جدران الحمام مقاعد يخلع الناس عليها ملابسهم و هذا هو القسم الأول من الحمام. (و كان القدماء يستعملون خمسة من هذه‏

____________

- المسلمين أمة واحدة، مهما اختلفت قومياتهم و أجناسهم و أقطارهم، و لذلك كانت البلاد الإسلامية كلها تعرف بدار الإسلام.

أما ما ذكره عن الوضوء فإن القصد من الوضوء هو تعويد المسلم على النظافة دائما بحيث عند ما يؤم المسجد أو غيره للصلاة يكون بدنه و ثيابه نقية من أي درن بالإضافة إلى نقاوة نفسه و ذهنه.

40

المقاعد يسمونها منزع الحمام). و تشاهد في وسط الحمام نافورات بديعة تتدفق مياهها باستمرار و يستطيع كل فرد يخرج من الحمام أن يتناول منها المياه العذبة و أن يغسل المآزر التي استعملها أثناء الاغتسال في الحمام.

و تصف هذه المآزر على شكل صفوف معلقة على القبو و على ارتفاع قامتين أو ثلاث قامات و بانتظام يثير الإعجاب، و ذلك أنهم يعلقونها هناك بعصي طويلة كيما تجف و تصبح مستوية و كأنها قد بسطت و سويت باليد و ذلك عمل يستحق الإعجاب، إذا إنهم يستأنفون استعمالها مرة أخرى و لهذا ينزلونها من أماكنها بذات العصي التي رفعوها بها ثم يجمعونها على مقربة من النافورة.

و هذه المآزر ذات ألوان متباينة، و تعطى قطعتان منها لكل مستحم يدخل إلى الحمام و اثنتان أخريان حين يخرج منه، واحدة يلف بها رأسه و الثانية يأتزر بها.

و حين تتوجه إلى مكان الاغتسال لا بد لك أن تمر بغرفتين أو ثلاث غرف كل واحدة منها أكثر دفئا من الأخرى، و يعلو كل واحدة رواق مدور إلى أن تبلغ الغرفة الكبيرة، و تكون هذه الأروقة ذات فتحات متقاربة منتظمة مغطاة بالزجاج العجيب الذي يجعلها مضيئة و يضفي عليها زخرفة جميلة أيضا.

و في هذه الغرف جملة من الأواني المصنوعة من المرمر يوضع فيها الماء و تنتشر حول أركان الغرفة الكبرى. و هناك ثلاث أو أربع غرف صغرى تحتجز لبعض القوم الذين يفضلون الاغتسال في معزل عن بقية الآخرين و من دون أدنى مضايقة، و ما خلا ذلك توجد غرفة أخرى يقوم في وسطها خزان كبير من المرمر يستطيع المرء أن يغتسل فيه إذا ما أصابه العرق، و في هذا الخزان عدد من الحنفيات تستطيع أن تحصل بواسطتها على الكمية التي تحتاج إليها من الماء من ذلك الخزان.

و يجري تسخين كل هذه الغرف بذات الحرارة. و يقبل الأتراك‏

41

و المسلمون، و هم من أمتين لهما ذات العقيدة الدينية و العادات‏ (1)، على الاستحمام في هذه الحمامات و دخولها صراحة. أما النساء فإنهن يفدن بأعداد كبيرة إلى هذه المحلات الفخمة و لا يجتمعن في أي مكان آخر عدا قبور موتاهن، و أمثال هذه الأماكن لا يمكن العثور عليه بحالة جيدة.

حين تدخل إلى الحمام يتلقاك أحد الخدم و هم من الزنوج المسلمين عادة فيطرحك على الأرض و يبدأ بدلك كل مفاصلك، و بعد أن ينتهي من ذلك يفركها ثانية، ثم يطوي ذراعيك و يضعها الواحد فوق الآخر على صدرك و يشدهما بقوة لبعض الوقت تحت ركبتيه و من ثم يثنيهما و يمدهما بحيث تبدو و كأنك أسير بين يديه بينما يظل رأسك منتصبا.

و قد حدث ذات مرة أن ذهبنا إلى الحمام و تولى أحد الخدم تدليك مفاصلنا فضغط أثناء ذلك على رقبة أحد رفاقي فظل ذلك الرفيق لا يستطيع حراك رقبته لعدة أيام.

بعد أن ينتهي الخادم من هذه العملية يقلبك على بطنك و يروح يدلك أعضاء جسمك ثانية فيدوس كتفيك بقدميه و يفرك ظهرك بيديه و من ثم يتركك و يخرج من الحمام.

و حينما تضطجع لتستريح أو لتعرق جسمك يأتيك الخادم بمادة يقتلع بها الشعر في جسمك، ذلك أن القوم لا يتركون أي نوع من الشعر فوق أجسامهم. و تتألف هذه المادة من الجير و الزرنيخ على شكل مسحوق يواف بالماء، يغطى به شعرك و يترك هنيهة إلى أن يجد الخادم بأن الشعر قد أخذ يتساقط و إذ ذاك يغسل مكانه بالماء غسلا جيدا قبل أن تشعر بحرقته، و عندئذ يأتيك بمئزر من القماش الأبيض النظيف و يلف به بدنك.

____________

(1) يكرر الرحالة نفس النزعة الاستعمارية في فصل الأتراك عن المسلمين في حين أن الرابطة الإسلامية هي التي توحد المسلمين في شتى البلدان.

42

أما المآزر التي سبقت الإشارة عنها فتكون بيضاء أشبه بالمنسوجات القطنية لكن خيوطها أشد و أصلب، و تلك يجلبها الحجاج معهم من «مكة» و هي تصنع من ألياف نوع من الشجر.

و أخيرا يغسل الخدم رؤوس المستحمين، و يستعملون في ذلك أحيانا، و لا سيما بالنسبة للنساء، راسبا يشبه الرماد يغسل به الرأس لأنه ينظف الشعر و يطيله. و هناك نوع من راسب آخر تأكله النساء علانية مثلما اعتادت النساء في بلادنا الأوروبية أن يأكلن الفحم و بعض المواد الأخرى أحيانا.

و تكون هذه الحمامات مباحة لدخول الأجانب إليها من أمثال الألمان و الفرنسيين و الإيرانيين و غيرهم، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الأتراك و المسلمين، و لكن ينبغي على هؤلاء أن لا يأتوا إلى هذه الحمامات في الأوقات التي تكون فيها النساء موجودة هناك، و إلا عرضوا حياتهم للخطر.

على أن في مقدورك أن تميز الحمامات التي تستحم النساء فيها، إذ المعتاد أن توضع ستارة على باب الحمام المواجه للشارع. فإذا ما رأى الرجل الذي يريد الدخول إلى الحمام تلك الستارة دلف إلى باب آخر غيره.

و عن الحركة في المدينة، فإنه بالنظر إلى وفرة مختلف أنواع السلع التي تجلب إليها من أماكن قاصية جدّا، يشاهد عدد كبير من التجار فيها معظمهم من الفرنسيين و الإيطاليين لهم رئيسان حكيمان فاهمان و مدربان يعيش أحدهما، و هو فرنسي، هنا في طرابلس بينما يعيش الآخر، و هو بندقي، في حلب، و يطلق على هذين اسم قناصل، و ذلك لمساعدة أبناء وطنهم و تقديم الاستشارات المفيدة لهم. و لقد أرسل هذان القنصلان من قبل حكومتيها فاستقرا هنا و أصبحا يتمتعان بامتيازات كبيرة منحها لهما السلطان التركي كيما يستطيع التجار أن يحملوا بضائعهم معهم و أن يدافعا

43

عنهم ضد أي أذى يتعرضون له من الأتراك و المسلمين، و ممارسة المتاجرة و التعامل مع الآخرين دون أدنى مضايقة.

و ما يزال هؤلاء القناصل يرتدون نفس ملابسهم الوطنية المصنوعة غالبا من الستن الأحمر أو البنفسجي أو الحرير الدمشقي و غيره، و هم يتمتعون بالاحترام الفائق و يجلبون معهم من بلادهم الخياطين و صانعي الأحذية، لكن الأشخاص الرئيسين الذين يأتون بهم، يتألفون من الأطباء و الصيادلة و الجراحين و الإداريين، و فضلا عن ذلك فإنهم يحتفظون بمترجميهم الحاذقين في اللغتين التركية و العربية، و أخص بالذكر منهم، القنصل البندقي الذي أمضى هناك ما لا يقل عن ثلاث سنوات، و عند ما انتهت مهمته بعث دوق البندقية بقنصل آخر مكانه، و عند ما يصل هذا القنصل الجديد إلى طرابلس لا يجرأ على النزول إلى الشاطى‏ء قبل أن يستقبله القنصل السابق على ظهر السفينة التي أقبل عليها.

و قد خصصت لهذين القنصلين بنايتان كبيرتان يسمون الواحدة منهما فندقا، و هما تقعان على مقربة من بوابتي المدينة اللتين تؤديان إلى المرفأ و إلى شاطى‏ء البحر، و ذلك لكي يسهل عليهما إرسال سلعهما من هناك إلى داخل المدينة و خارجها.

و على طول النهار و عرضه يرى المسلمون بأعداد كبيرة و هم ينتظرون مع حميرهم فرصة نقل التجار و الملاحين مع سلعهم إلى المدينة و منها. و هناك بيتان كبيران فيهما عدد كبير من الأروقة و الغرف يتوفر فيهما السكن للتجار و خزن بضائعهم فيهما.

و يقيم مع الفرنسيين أناس من «جنوا» و فلورنس و سانت لوك و غيرها، و من الألمان و الهولنديين و سواهم، في حين يعيش مع البنادقة أناس من «كانديا» و «كورفو» و غيرهما.

و ليس لأي من هذه الفنادق أكثر من باب كبيرة واحدة يحرسها

44

الجنود الانكشاريون و حين يدخل أسيادهم القناصل إلى هذه الفنادق يصحبهم في ذلك عدد من التجار و الخدم. و يتمتع هؤلاء القناصل بنفوذ كبير لدى الأتراك و المسلمين، بل إن سلطتهم تتجاوز سلطة الباشا نفسه.

فتراهم على الدوام يسيرون و يتقدمهم جنودهم بأعداد كبيرة و هم يحملون الهراوات الطويلة يضربون بها المارة لإخلاء الطريق حتى و إن كان أولئك المارة من الأتراك أنفسهم.

و يدخل التجار يوميّا في مفاوضات مع اليهود الذين يعرفون عدة لغات، و يعلمون بالأسعار التي تباع بها السلع و تشترى. و لذلك ترى هؤلاء اليهود يساعدون في عقد صفقات بيع السلع، و في دفع النقود، و تنظيم قوائم التحويل النقدي التي يحتفظون بجداولها.

و لقد رأيت بصفة رئيسة ثلاثة أنواع من النقود الفضية هي «الأسبر» (1) و المعدني، و السيجست‏ (2). و هذه النقود جيدة و هي سارية المفعول في كل أنحاء تركيا. و حين يتم دفع مبالغ كبيرة منها لا يجري عدها كلها تماما و إنما يعد جزء منها يتم وزنه، و من ثم تقاس بقية النقود على أساس ذلك الوزن. أما عن النقود الذهبية فليس لديهم سوى «الدوكات» (3) التي تصنع من الذهب الخالص و تكون نادرة جدّا. و ما خلا ذلك يصعب رؤية أي من العملات الأخرى.

على أن هناك المزيد من الدوكات البندقية «التستون» (4) و «الجواشيم» و «التالر» الفرنسية. و هم لا يدفعون مع هذه العملات‏

____________

(1) الأسبرAspers عملة هولندية.

(2) سيجست‏Saijest من عملات أوروبا الوسطى في ذلك الوقت.

(3) الدوكةDocat عملة إيطالية كانت تعادل ستة شلنات انكليزية في ذلك الوقت.

(4) تستون‏Teston و جواشيم‏Joachim و تاليرThaler و كلها من العملات الفرنسية التي كانت شائعة في فرنسا منذ العصور الوسطى.

45

قوائم الصرف و المبالغ الكبيرة حسب، بل و يحولونها إلى عملاتهم الخاصة، و لذلك يتوفر عدد كبير من اليهود في كل أنحاء تركيا و في كل مدينة تجارية، و بصفة خاصة في مدينة حلب و في طرابلس هذه التي أنشأوا لهم فيها عمارة واسعة و بيعة فاخرة.

و يمسك هؤلاء اليهود بزمام إيرادات الكمارك التي يستوفيها السلطان التركي، و لذلك فليس مستطاعا إرسال بضاعة ما إلى تركيا أو خروجها منها دون أن تكون تحت متناولهم، و ذلك أمر يسبب القلق الشديد لجميع التجار، إذ إن على هؤلاء إن هم أرادوا شراء حاجة من اليهود، أن يكونوا في منتهى الحذر من أن يغشوا لأن اليهودي ملي‏ء بالغش، كما يعترفون هم أنفسهم بأن أحدا لا يستطيع الحصول على أي شي‏ء منهم إلا إذا كان أكثر منهم خداعا، كيما يجرأ على أن يقايض معهم سلعة بأخرى.

و بالنسبة إلى البضائع يشاهد المرء عدة أنواع منها في الخانات كما أشرت إلى ذلك قبلا. غير أن الجزء الرئيس من البضائع يتوفر في الأسواق أو في البيوت التي تتعامل بالبيع و الشراء، أو في محلات المقايضة. و هذه المحلات طويلة و واسعة يكون البعض منها على شكل أروقة، و البعض الآخر مسقف بالأخشاب بحيث تستطيع أن تتمشى و تساوم و تشتري دون أن تبتل بماء المطر. كذلك تقوم على جانبي محلات المقايضة هذه حوانيت إضافة إلى أصحاب الحرف و الصناعات و صانعي الأحذية و الخياطين و السراجين و مطرزي الحرير و الخراطين و صانعي السكاكين و النساجين و العطارين و بائعي الفواكه و صانعي الأدوات النحاسية و أدوات الطبخ و كثيرين غيرهم ممن تراهم موزعين في شوارع المدينة و محلاتها.

و يبعث التجار بكميات كبيرة من الحرير إذ إن هناك عدد و فير منهم لا يتعاملون بأية بضاعة سوى الحرير الذي يؤتى به من المناطق المجاورة من أمثال لبنان التي يسكنها أناس كثيرون يمارسون صنع الحرير و غزله،

46

أو من دمشق بالدرجة الأولى حيث تتوفر فيها كميات كبيرة من الحرير مما يستطيع التاجر أن يشتريه بسرعة و بكميات تقدر بعدة آلاف من الدوكات، و ذلك بالنظر إلى وجود كثرة فائقة من أشجار «التوت» (1) الضخمة الشامخة ذات الأوراق الكثيرة التي تتغذى عليها دودة القز. علما أن ثمار التوت هذه تكون بيضاء اللون و تنقل في سلال و تباع لعامة الناس.

و هكذا تجد في الأسواق عددا كبيرا من صانعي الحرير الذين يصنعون مختلف المطرزات الحريرية بألوان متباينة و هم يمارسون أعمالهم هذه أمام حوانيتهم حيث تجد الواحد منهم، حين يريد برم خيوط الحرير، يمسك بخيطين يربط أحدهما بإحدى قدميه ثم يبدأ يبرمه و هكذا، و مثل هذا يفعل الخراطون أيضا الذين يمسكون بالحديد الذي يريدون خرطه بين أقدامهم و أيديهم.

و في أوقات محدودة من السنة تجلب إلى هذه الأسواق من دمشق و غيرها من الأماكن القريبة منها كميات وفيرة من الزبيب الطيب المذاق‏ (2) الذي لا توجد فيه سوى حبة واحدة، حيث يتم شحن عدة سفن بهذا الزبيب من هناك إلى بلادنا الأوروبية. فهذه السلع و أمثالها يؤتى بها يوميّا إلى الأسواق التي تستقبلها، و كذلك السجاد النادر و الحرائر الغالية المطرزة بأشكال الورود و الأزهار من مختلف الألوان و التي يبدو البعض منها و كأنه من الذهب الخالص.

على أن كثرة التجار الذين يتعاملون بالصابون و القلى تفوق سواهم من التجار الآخرين و لذلك ترى عدة سفن توسق بالبوتاس و الصابون و ترسل كل سنة من هناك إلى البندقية إذ إن مادة البوتاس تستخدم في صناعة الزجاج مثلما هو الأمر في صناعة الصابون.

____________

(1) ذكر المؤلف كلمة التوت هذه بلفظها العربي.

(2) ذكره المؤلف بلفظه العربي‏Cebib .

47

و يستخرج هذا البوتاس أو القلى من أعشاب يطلق عليها العرب اسم «شنان» (1) و هو على نوعين (و قد ألصقت شيئا منه- مع مواد أخرى- على الورق). و أحد هذين النوعين لا يختلف عن نبات القلى المعروف عندنا إذ يتألف من نبتة سميكة كثيرة العقد ذات أغصان صغيرة تتفرع منها و لها في رؤوسها عدة عقد و من تحتها أوراق مدببة. أما النوع الثاني فتكون سيقانه كثيرة مليئة بالعقد و جذوره ملونة.

و ينمو هذان النوعان من الأعشاب بكميات هائلة حيث يتم حرقها و تحويلها إلى رماد فوق الجبال. و عند حرقها تسيل منها مادة زيتية تلتصق بالرماد فتصبح صلبة أشبه بالحجارة بعد أن تفقد حرارتها.

و يجلب المسلمون هذا الرماد من الجبال على ظهور الإبل فيبيعونه لبعض التجار الذين يتاجرون به فيصدرون قسما منه إلى البلاد الأجنبية بينما يصنعون من القسم الآخر مادة الصابون طبقا للكمية المتوفرة لديهم و حاجتهم إليها.

و لقد شرحوا لي الطريقة التي يصنعون بها الصابون في سوريا. ذلك أنهم يأخذون ألفا و مائتي وزن (أو اثنتي عشرة مائة) من هذا الرماد فيقسمونه في فصل الشتاء إلى أربعة أقسام و في فصل الصيف إلى ثمانية أقسام ذلك لأن الصابون سرعان ما يتجمد أيام الشتاء لأن الحرارة تتأثر بالبرودة الخارجية أكثر من الصيف. يؤخذ القسم الأول من هذه الأقسام في شكل طبقة رقيقة تصب في وعاء أو في قدر كبير مصنوع من الحجر، و يكون قعره مصنوعا من صفيحة نحاسية سميكة جدّا بعد أن يكونوا قد وضعوا فيه مسبقا ألفا و ستمائة وزن من الزيت أو الشحم ثم يتركونه يتجمد لمدة أربع و عشرين ساعة و بعد ذلك يضيفون إليه كل يوم طبقة أخرى من قسم آخر. و لكن قبل أن يتجمد الصابون (و هو يحتاج في ذلك‏

____________

(1) سماه المؤلف خطأ باسم شوان‏Shvan .

48

إلى خمسة أيام في الشتاء و إلى تسعة أو عشرة أيام في الصيف) يأخذون مائة وزن من الجير فيمزجونه مع الرماد ثم يسحبون من هذا المزيج طبقة يتركونها مدة يومين قبل أن يضعوها في القدر و ذلك بكميات تزيد أو تنقص تبعا لسمك الطبقة ورقتها.

و لكن إذا حدث و تكونت كمية كبيرة في القدر فإنهم إذ ذاك يرفعون صفيحة النحاس من القدر فلا تبقى فيه سوى الكمية المناسبة من المزيج و بعد أن يتجمد يخرجونه منه، و يوضع في صحن من النحاس يتسع لثمانية أو عشرة باوندات، الصابون الذي يطفو على سطح المزيج و يسكبونه على الأرض ثم يغطونه بالجير أو الطباشير و يتركونه على هذه الشاكلة مدة يوم واحد في الشتاء و يومين في الصيف كيما يتصلب إلى درجة أنهم يستطيعون السير فوقه، و عندئذ يصقلونه و يقطعونه إلى قطع صغيرة و يبصمون علاماتهم عليها.

49

الفصل الثاني ظأفراد الطبقة العليا من رجال الأتراك و نسائهم، أعمالهم و دوائرهم، عاداتهم و تقاليدهم و ملابسهم‏

تعد مدينة طرابلس أكبر بكثير من بقية المدن و الولايات القريبة منها و التي تخضع للسلطان التركي الذي يحتفظ بضباط له في كل الأماكن الأخرى و هم يحكمون تلك البلاد طبقا لرغائبه، و يحمونها من كل الأضرار و الأخطار.

و يطلق على هؤلاء الرؤساء اسم لواء أو باشا و هم يعتبرون حكام الدولة و الممسكين بزمامها، إذ إن تحت إمرتهم عدد من الفرسان، يزيد أو يقل تبعا لإيرادات الولايات التي يلتزمون بإدارتها. و هؤلاء الباشوات من العسكريين الشجعان المدربين الذين يقودون رجالهم عدة مرات في الأسبوع لتدريبهم، راكبين أو مترجلين، على استعمال السهام و النشاشيب و تسجل لهم علاماتهم بالقفز من فوق صواري عالية و بإطلاق السهام أثناء ركضهم، على استعداد لدخول الميدان في الحال و محاربة الأعداء.

و يعمل تحت إمرة هؤلاء الألوية عدد آخر من الضباط و الآمرين. و يكون الصوباشيون‏ (1) و القضاة هم المبرزون بين هؤلاء الموظفين و هم يعينون من قبل الباشا في الأماكن القريبة كي ييسروا له عمله في المحلات التي لا يستطيع المكوث فيها.

____________

(1) الصوباشي رتبة وظيفية تعادل رتبة مدير الشرطة عندنا.

50

و يستدعى لإدارة مثل هذه الأماكن مواطنون من سكنتها لا يمكثون فيها أكثر من نصف سنة، و هم يبتون في كل المسائل الإجرامية، و لديهم سلطة تعذيب المجرمين لإرغامهم على الاعتراف بجرائمهم، كما أنهم يصحبون المجرمين الذين يحكم عليهم بالسجن أو الموت إلى الأماكن التي يتم فيها تنفيذ مثل هذه العقوبات.

و غالبا ما كنت أرى أولئك الجنود راكبين. و في إحدى المرات شاهدتهم يصحبون مجرما حكم عليه بالموت و قد أركبوه على ظهر بعير، و أوثقوا ذراعيه و ساروا به إلى ساحة الإعدام بعد أن وضعوا بين صدره و كتفيه مصباحين متقدين مزودين بالشحم فكان الدهن المتقطر من الشحم يسيل على جسده فيحرقه بشدة.

و ينفذ الأتراك عددا من العقوبات لجملة من الجرائم التي تقترف أعداد كبيرة منها، و منها معاقبة اللصوص و القتلة و قطاع الطرق و المغتصبين و ما شاكلهم. و كذلك يستخدم الأتراك عددا كبيرا من الضباط و الموظفين يبعثون بهم إلى مختلف الأصقاع لمطاردة الذين يشتبه بهم لخروجهم على القوانين و إلقاء القبض عليهم، و ضربهم و إصابتهم بجروح.

أما بالنسبة إلى الاعتداءات و المخالفات الأخرى فإن الأتراك يحاكمون أمام حاكم يسمونه «قاضيا» و هو من الملمين بالقوانين و ممارسة المحاكمة و إصدار الأحكام بعد الاستماع إلى الشهادات و تمحيصها.

فإذا كان الحكم عن دين أودع المدين السجن في الحال إلى أن يسدد الدين الذي بذمته، أو أن يجد وسيلة أخرى يضمن بها تسديد دينه، و إن كان الحكم عن مخالفة للقانون حكم عليه بالغرامة أو الجلد.

و يعمل تحت إمرة القاضي عدد من الأتباع و الجواسيس الذين يبعث بهم يوميّا للتجسس على من يخرقون القوانين، من أمثال أولئك الذين‏

51

يتناولون المسكرات، أو يمتنعون عن أداء الصلاة أو الصوم، أو مخالفة القوانين الموضوعة بأية وسيلة أخرى. فإذا عثروا على واحد من هؤلاء جاؤوا به أمام القاضي الذي يفرض عليه العقوبة طبقا للذنب الذي اقترفه.

فإذا لم يستطع دفع الغرامة مثلا حكم عليه بالجلد عدة مرات على قفا قدميه، و إلا وجب عليه أن يدفع عن كل جلدة نصف «بني» و نظرا لكثرة أمثال هؤلاء المخالفين الذين يؤتى بهم أمام القاضي كل يوم، و يحكم على القسم الأعظم منهم بالجلد، فقد كنا أثناء وجودنا في الفندق الفرنسي، الذي يقع قبالة مقر القاضي، نسمع عويل أولئك التعساء و صراخهم.

و رغم انشغال القاضي بالبت في هذه المخالفات فإن قضايا الزواج تأخذ جزءا كبيرا من وقته. ذلك لأن كل من يريد أن يتزوج عليه أن يقصد القاضي ليعقد له عقد زواجه المثبتة صورته في كتاب بين يديه. و يعتمد عليه في حالة وقوع خلاف بين الزوجين حيث يحق للأتراك و المسلمين أن يتزوجوا من عدة زوجات، و أن يطلقوهن لأدنى سبب‏ (1). و يسلم القاضي المتزوجين نسخا من عقود الزواج التي تكتب لعامة الناس على ورق ناعم مستو. أما الأثرياء فتكتب عقود نكاحهم على قطعة من القماش الحريري الأبيض يبلغ طولها زهاء ياردة. و لا تشتمل هذه العقود إلا على كلمات قليلة يكتبونها بأحرف قصيرة ذلك أن كل قطعة من هذه القطع لا تحتوي أكثر من ثمانية أو عشرة أسطر تفصل بين كل سطر و آخر مسافة بوصتين.

و لأداء هذه المهمة يحتفظ القاضي بجملة من الكتبة الذين غالبا ما يكتبون و هم يضعون أوراقهم على ركبهم بدلا من المناضد أو الموائد.

____________

(1) هذا قول هراء من الرحالة فالمسلم لا يحق له أن تكون في عصمته، و في وقت واحد، أكثر من أربع زوجات شريطة أن يعدل بينهن فإذا ما فقد العدل يقتصر الأمر على زوجة واحدة.

أما الطلاق فإنه لا يقع لأدنى سبب كما ذكر الرحالة ذلك فإن شروط الطلاق كثيرة و ثقيلة و لا يسمح به إلا إذا توفرت تلك الشروط كلها.

52

و يلبس أمراء الألوية و الصوباشيون و القضاة الذين أشرت إليهم قبلا و كذلك زوجاتهم أغلى الملابس و أثمن أنواع الحرير المطرز بالورود و بمختلف الألوان. و غالبا ما تقدم إليهم هذه الملابس من الأناس الذين لهم معاملات عندهم، إذ إن هؤلاء الحكام لا يودون أن ينفقوا من نقودهم شيئا، و ذلك بقصد تأييد تلك المعاملات و نوال الحظوة بينهم. فهؤلاء الحكام شديد و الجشع، و إذا لم تقدم لهم العطايا لا يؤدون سوى القليل من الأعمال.

و لما كان الباشوات و أمراء الألوية الذين يديرون الممالك و الولايات تحت إمرة السلطان يدركون جيدا أن بقاءهم في هذه الأماكن لا يزيد على ثلاث سنوات، و أن عليهم أن ينتقلوا منها إلى أماكن أخرى حالما يأمرهم السلطان بذلك، و قد تكون هذه على مسافات بعيدة جدّا، فإنهم لهذا السبب يتطلعون دوما إلى الثراء و الغنى فيحصلون على الهبات أو يرفعون من قبل البلاط إلى منصب أو وظيفة أعلى، و حتى إذا لم يحصلوا على هذا المنصب فإنهم يحققون لهم ثراء كبيرا نتيجة المنزلة الرفيعة التي أصابوها قبلا.

حين كنت في طرابلس تولى أحد أمراء الألوية هذا المنصب الذي كان يشغله آمر لواء سابق له. و هكذا توجه اللواء الجديد إلى دائرته يحف به رجال حرسه، و استقبلته المدينة استقبالا فخما، و كان موكبه يتألف معظمه من الفرسان و حملة السهام و الرماح و التروس، بالإضافة إلى حملة الطبول و المزامير و غيرها و كانت هذه الرماح و الأسلحة متوجة ببعض المعادن الصقيلة البراقة، كما كانت ركاب سروجهم تلتمع من مسافات بعيدة.

و يود كل هؤلاء الموظفون أن يظهروا، عند أداء وظائفهم، بمظاهر العظمة و مع ذلك فكلهم عرضة للجشع (و هو أصل كل الشرور) و التطلع إلى الهبات و الرشاوى، و تلفيق التهم ضد الأبرياء في سبيل الحصول على‏

53

الأموال. و على هذا فإن من اليسير جدّا على من يريد الانتقام من خصمه أن يثير له المتاعب و يلحق به الخسائر عن طريق تقديم الهبات إلى الموظفين، و لا يختلف أحد عن هذا في شي‏ء قط. فهم في سبيل المال الحرام، لا يأنفون إطلاقا من معاقبة الأبرياء إذا ما كان هؤلاء من الأغنياء أو الغرباء، و لذلك فإن الموظفين الذين يعملون تحت إمرة الصوباشين في مثل هذه الأمور حاذقون جدّا، إذ تراهم يتعقبون كل من يعارضهم أو لا ينساق إليهم.

و لما كانت مدة بقائهم في مناصبهم قصيرة، فإن هؤلاء الصوباشين يبذلون قصارى جهودهم في زيادة ثرائهم في أسرع وقت مستطاع، و هم في هذا لا يخشون أمراء الألوية و لا الباشوات لأن هؤلاء شركاء معهم في هذه الغنائم و أنهم يتلقون أنصبتهم من هذه الغنائم كل أسبوع. و بعبارة موجزة إن في مقدور أي فرد ارتكب جريمة ما أن ينجو من العقاب و يعود رجلا صالحا مثلما كان عليه قبلا إذا ما قدم الرشوة إلى هؤلاء الحاكمين.

و لكن هؤلاء الموظفين عرضة للمحاكمة، كما نصت القوانين على ذلك، أمام قضاة كبار يسمونهم «قضاة الشرع» و التعرض للعقوبة جزاء ابتزازهم الأموال. و يعتبر الأتراك هؤلاء القضاة بأنهم المعلمون الأساسيون للشريعة الإسلامية و هم يمتازون بالذكاء و المعرفة ولديهم سلطة محاكمة كل الموظفين و الضباط و لا سيما القضاة، و الحكم عليهم، و الإفراج عنهم تبعا لمخالفتهم. و يتنقل قضاة الشرع من مدينة إلى أخرى للاطلاع على كيفية تطبيق العدالة من قبل القضاة و يخشى هؤلاء كثيرا مقدم قضاة الشرع إلى أماكن عملهم و إذا ما وجدوا أنفسهم مذنبين بارتكاب جريمة ما فإنهم يهربون من أماكن عملهم في أغلب الأوقات.

و إذا ما شكا الناس أولئك القضاة عند قضاة الشرع عوقبوا بالجلد علانية، و نقلوا من أماكن عملهم. أما إذا كانت الجريمة جسيمة فإنهم يشنقون أو يحرقون و هذا ما يحدث غالبا في هذه البلدان.

54

أما إذا اعتدى القاضي على أحد الناس فإن المعتدى عليه لن ينتظر مقدم قضاة الشرع ليرفع إليهم شكواه، و إنما يسلك طريقة أخرى و ذلك بأن يعرض شكواه على الباب العالي أو إلى محكمة السلطان أو أن يذهب بنفسه إلى هناك ليقدم شكواه بصفة شخصية. و سرعان ما يسمع جواب شكواه تلك. فقد علمت أن مثل هذه القضايا ينظر فيها مرة كل أسبوعين.

و إذا كان أحد المشتكين فقيرا تقوم المحكمة بأوده إلى أن تنتهي قضيته.

و لقد وقعت مثل هذه الحادثة قبلا لمترجم القنصل البندقي الذي نجح في شكواه ضد أحد الصوباشيين حين أراد هذا أن يسلبه، لكنه لم يستطع أن يثبت أية تهمة عليه تكون موجبة للعقاب، و إذ ذاك وجد الصوباشي طريقة لذلك بأن أمر أحد خدمه أن يخفي عاهرة في بيت المترجم دون علم منه ليكون ذلك دليلا كافيا لاتهامه. و نفذ الخادم تلك العملية فعلا، و هرع موظفو القاضي إلى البيت ففتشوه و عثروا على العاهرة فيه فألقي القبض على المترجم وزج به في السجن دون أن يسمح له بالدفاع عن نفسه و تبرئته، و أنه كان يجهل تلك الواقعة جهلا تاما و لم يستطع أن يقنع القاضي ببراءته بكل الوسائل، و هكذا حكم عليه بأداء غرامة مقدارها تسعمائة دوكة أرغم على دفعها. و قد أثار هذا الأمر قلق المترجم لأنه لم يستطع دفع هذه العقوبة القاسية عنه. و لما كان رجلا مجربا و خبيرا بالقوانين السارية المفعول فقد أعد له جوادا، دون علم من القاضي، و انطلق به إلى اسطنبول ليرفع شكواه بنفسه إلى محكمة السلطان و قد نجح في ذلك و أعلنت براءته من التهمة التي أسندت إليه.

و لما كانت هذه المحكمة تعاقب بشدة من يقترفون الظلم، فإن ذلك القاضي لم ينج من العقاب، إذ لم يلبث السلطان أن أرسل بعد فترة قصيرة بأحد سيافيه و معه تذكرة قصيرة يطلب فيها إرسال رأس القاضي مع حامل تلك التذكرة. و قد فزع القاضي لذلك فزعا شديدا لكنه بعد أن استرحم زوجة رسول السلطان سلم نفسه إليه، و هذا هو السبب الذي‏