رحلة ريج المقيم البريطاني في العراق

- كلوديوس جيمس ريج المزيد...
432 /
5

حياة المستر ريج‏

ولد (كلوديوس جيمس ريج) كاتب هذه اليوميات في 28 آذار سنة 1787 م. على مقربة من (ديجون) من أعمال (بورغوندي) في فرنسا. ثم نقل و هو طفل إلى (بريستول) في إنكلترا حيث قضى السنوات الأولى من حياته برعاية والديه.

و لقد ظهرت عليه أمارات النبوغ الفائق منذ نعومة أظفاره. فإنه عندما كان يجتاز مراحل الدراسة الاعتيادية و يتلقى مبادى‏ء اللغتين اللاتينية و اليونانية على يد أحد أقربائه، ساقه حب الاطلاع الموفق إلى تعلم لغات عصرية متعددة بدون معلم، مستعينا بالكتب. و لما بلغ الثامنة أو التاسعة من عمره عثر على مخطوط عربي في خزانة أحد و جهاء (بريستول)، فساورته رغبة شديدة بالوقوف على هذه اللغة. فكان ذلك الحافز الذي وجه الرغبة الملحة التي كانت تختمر في ذهنه، و التي و طّد العزم على تحقيقها أكثر من أي شي‏ء آخر، و هي ميله إلى دراسة العلوم الشرقية التي كان لها الأثر الفعال في توجيه حياته المقبلة. فقد تمكن بواسطة كتاب في النحو، و قاموس و بعض المخطوطات التي استعارها من المستر (فوكس) في (بريستول) من إتقان هذه اللّغة العسيرة قراءة و كتابة، و أن يتخاطب بها بسهولة و ذلاقة كبيرتين، حتى إذا ما بلغ الخامسة عشرة من عمره، قاده هذا التوجيه الفكري الراسخ في ذهنه إلى‏

6

المثابرة على تحقيقه بلا ملل، و إلى أن يحرز تقدّما بارزا في لغات شرقية عديدة بينها العبرية و الكلدانية و الفارسية و التركية.

و حدث في تلك الأثناء أنه بينما كان يتنزه ذات مساء في (كينكزدن) من ضواحي (بريستول)، أن صادف رجلا تركيّا، فساقته الرغبة باختيار مدى إتقانه النطق باللّغة التركية بحيث يفهمها منه أحد أبنائها، فتقدم من الرجل و خاطبه بهذه اللّغة. و بعد أن أظهر التركي سروره و دهشته من أن يخاطب بلغته على غير انتظار، أعلم محدثه بأنه يحترف التجارة و أنه الآن في مأزق لأن السفينة التي كان يركبها قد تحطمت عند شواطى‏ء إيرلندا.

و إلى جانب سرور المستر ريج بنجاح تجربته أراد أن يظهر امتنانه من هذا الغريب فانبرى لإسعافه.

ثم لم تلبث براعته الفائقة في هذا المسلك الدراسي غير المطروق أن أثارت اهتمام معارفه الأقربين. فقدمه المستر- الدكتور فيما بعد- (مارشمان) إلى الدكتور (رايلند) و هو يومئذ من أعلام رجال اللاهوت في ذلك البلد. فتمكن بذلك من إنماء علاقته بعدد آخر من رجال الأدب في (بريستول)، كان أخصهم المستر (فوكس) الذي ظل المستر ريج يذكره على الدوام بود خاص و عرفان الجميل، و الذي بفضل إرشاده و الرجوع إلى مكتبته تمكّن من إحراز التقدم الذي بلغه يومئذ في دراساته الشرقية المحببة.

على أنه بالرغم من استلفاته الأنظار إلى اتجاه دراساته غير الاعتيادية، فإنه لم يكن أقل مباشرة على تهذيب نفسه بوجه عام. فقد امتاز في هذا العهد المبكر من حياته بخلّته العالية السّخية الأبية، و الهمة التي أظهرها في شتى صفات الرجولة و الكمال.

و قد دلّه الاتجاه الذي انصرفت إليه دراسته مثلما دل غيره على أن الهند ستكون خير مرشح لإظهار نبوغه في المستقبل. ففي عام 1803 تمكّن أحد أصدقائه المهتمين به من التوسط له لدى شركة الهند الشرقية

7

لتعيينه طالبا حربيّا في الخدمة العسكرية. و عندما أعلمه هذا الصديق بتعيينه، مبديا أسفه لأنه لم يتمكّن من أن يجد له منصبا خيرا من هذا، أظهر المستر ريج شدة اعتماده على نفسه فاندفع يقول بسرور: «دعني فقط أصل إلى الهند، و اترك الباقي إليّ».

هكذا أصبح ميدان العمل الواسع الذي كان حتى الآن يجول في مخيلته، و بالأحرى بعيدا عنه، في متناول يديه. و راحت تملأ ذهنه كل الخيالات النيرة التي تلوح عادة لأنظار آمال الشباب، فأسرع إلى لندن، و راجع دائرة الهند لإتمام الإجراءات الضرورية التي كان عليه أن يتمها قبل تسلمه مهام وظيفته.

و في هذه الفترة كتب (روبرت هول) المشهور الرسالة التي نقتطف منها العبارات التالية إلى صديقه (السير جيمس ماكنتوش)، حيث يظهر فيها أكثر من أي شي‏ء آخر ما كان المستر ريج يتركه في نفوس المتصلين به حتى في هذه الحقبة المبكرة من حياته.

«شيفورد، بالقرب من كمبرج 30 كانون الأول 1803».

«اسمحوا لي قبل أن أختتم رسالتي، أن ألفت اهتمامكم إلى سيد شاب يدعى المستر ريج، الذي سيرافقكم في نفس الأسطول الذي سيقلكم إلى بومباي، كطالب حربي».

«إنه من أهالي (بريستول) و قد كان لي السرور بمقابلته مؤخرا، و هو شاب فوق المستوى المعتاد، تمكّن بدون مساعدة أو بالقليل منها من تعلم لغات الشرق، فأتقن العبرية و الكلدانية و الفارسية و العربية و بالإضافة إلى اللاتينية و الفرنسية مع بعض الوقوف على اللّغة الصينية التي بدأ يحل رموزها و هو لما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره».

«و هو اليوم في السابعة عشرة من العمر، تساوره رغبة ملحة للسفر إلى الهند ليتاح له الانغمار في ميله الشديد إلى الآداب الشرقية، و لذلك‏

8

و بعد مشاق عديدة تمكّن بالأخير من الحصول على منصب طالب حربي».

«إنه شاب من عائلة كريمة، ذو شخصية و حذق عظيمين، و يدعى كما بينته لكم على ما أظن المستر ريج. و إذا وجدتم من المناسب منحه شرف التعرف إليكم، فإني على ثقة من أنه سوف لا يجعلكم تندمون على عطفكم و تلطفكم».

هذا و بينما كان المستر ريج ينتظر في دائرة الهند، إذ اتجهت أنظار المستر- و الان السير تشارلس و يلكس- المعروف بعلو كعبه في لغات الشرق إلى مقدرة هذا الطالب العسكري في اللغات الشرقية، فقد وجده بعد الاختبار أعظم مما كان يتوقع، و أن حذقه كان غير اعتيادي إذا قورن بالوسائل التي تمكّن بها من تعلم هذه اللغات. و لذلك فإنه لم يلبث أن عرضه على أعضاء مجلس الإدارة كشاب يحمل من النبوغ الفريد النادر مما يجعله يشرّف أية مهمة يضطلع بها تحت رعايتهم.

و بناء على هذه التوصيات التي عرضت بشأن مؤهلات المستر ريج فقد عينه المرحوم (إدوار باري) بتقدير كلّي لوظيفة كاتب تحريرات في مؤسسة بومباي و هكذا تغيرت وجهته من الخدمة العسكرية إلى الخدمة المدنية في تلك المصلحة. و لأجل أن يتمكن من إتقان اللغتين العربية و التركية اللتين سبق أن أحرز فيهما تقدما غير منتظر، ألحق بسكر تارية المستر (لوك) الذي كان يومئذ في طريقه إلى مصر كقنصل عام للحكومة البريطانية. و قد حفظت له وظيفته خلافا لما اعتادته الشركة خلال اضطلاعه بهذه المهمة كمن قد تسلمها فعلا في الهند.

أقلع المستر ريج في مطلع عام 1804 على ظهر سفينة شحن تدعى هندستان للالتحاق بالمستر (لوك) في البحر الأبيض المتوسط و لكن النار شبت في هذه السفينة لسبب ما في خليج (روماس) في إيطاليا فالتجأ المستر ريج إلى شاطى‏ء (قاتالونيا) مع الملّاحين، و من هناك استأنف‏

9

سفره إلى (مالطة) بمعاونة صديق له من (بريستول) ينتمي إلى فرقة الارتجافيين‏ (1). و بعد إقامة طويلة في إيطاليا أتقن اللّغة الإيطالية الجميلة و انكب على دراسة الموسيقى، و ذلك الفن الذي ظل يتوسع به في كل أدوار حياته بكل حماس و لذة.

و لقد لاءمت إيطاليا اتجاهه الفكري أكثر من أي قطر آخر زاره، فكان يرجع بذاكرته إليها بسرور عظيم. و حدث أن توفي صديقه المحبوب المهذب المستر (لوك) قبل تسلمه مهام منصبه، و عندئذ سمح مجلس المدراء للمستر ريج أن يتجه في سفرته الوجهة التي يظنها أكثر موافقة لبلوغ هدفه المنشود، مسترشدا بآراء المستر (و يلكنس) القيمة، و على هذا فقد توجه من (مالطة) إلى (إستانبول) مارّا في طريقه بجزائر يونانية عديدة.

و حدث أنه بينما كانت السفينة التي استقلها مارّة بالأرخبيل، أن ظهرت ذات يوم سفينة ذات مظهر مريب تتجه نحو السفينة التي كان هو أحد ركابها. فحسبوا أنها كانت سفينة قرصان فاتخذت كافة التدابير الدفاعية ضدها. لكنهم وجدوا عند اقترابها منهم أنها كانت سفينة تجارية تركية فانتقل إليها المستر ريج مع جماعة أخرى. و قبل أن يمر عليه وقت طويل فوق سطح السفينة شاهد تركيّا أنيق البزة يتطلع إليه بإمعان، الأمر الذي استرعى انتباهه. و أخيرا تقدم التركي منه و قال له:

- سيدي، إني أعرفك.

فأجاب المستر ريج: و أنا أيضا قد رأيتك قبل هذا.

____________

(1) الارتجافيون: زمرة بروتستانتية محصورة في سكان إنكلتره و أميركا، يعتقدون بإنزال الوحي عليهم أثناء القيام بفروضهم الدينية، و هم تهيبا لاقتبال الوحي يرجفون أجسامهم، و لذلك أطلق الإفرنسيون عليهم اسم‏Les Trembleurs ، و نعتهم الإنكليز بThe Qualsers .- المترجم-.

10

أعقب ذلك تفاهم تبين منه أنه هو ذلك الرجل الذي كان قد انبرى المستر ريج إلى نجدته في (بريستول).

و قد أقام المستر ريج مدة في إستانبول و منها انتقل إلى إزمير.

و هناك انخرط في مدرسة مع أترابه من الشبان الأتراك لإتقان خصائص اللّغة التركية و دقائقها قراءة و كتابة، و التعمق في اكتساب مختلف أنواع العلوم الإسلامية. و قام خلال هذه المدة بسفرات مهمة متعددة في آسيا الصغرى، ثم عين معاونا للكولونيل (ميسيت) القنصل العام البريطاني بمصر، فسافر إلى الإسكندرية بطريق (قبرص).

و استفاد من إقامته بمصر في إتقان اللّغة العربية و لهجاتها المختلفة، و في الوقت نفسه كان يقضي أوقات فراغه بالتمرن على الفروسية و استعمال السيف و الرمح، و هما السلاحان اللذان اشتهر المماليك باستعمالهما. فلا غرابة أن يكتسب شخص مثله جمع إلى صفات الرجولة أخلاقا رقيقة و ذكاء متوقدا مع خفة في الروح، احترام و اهتمام الكولونيل (ميسيت) أكثر من كل معارفه الآخرين من الإفرنج، و أن يشعر جميعهم بالأسف لفراقه عندما انتهت المهمة التي زار من أجلها مصر، و أزفت ساعة رحيله عنها.

و لقد قرر أن يكون سفره إلى الخليج برّا، فبارح مصر متنكرا بزي مملوك، فتجول في معظم أنحاء فلسطين و سوريا. و اعتمادا على براعته بلغة الترك و أطوارهم، خاطر بزيارة دمشق عندما كانت معظم قوافل الحجاج محتشدة فيها بطريقها إلى مكة، فدخل المسجد الكبير و هذا عمل كان يومئذ يكلفه حياته لو انكشف أمره بأنه مسيحي.

و كان مضيفه، و هو تركي مستقيم، قد سحرته شخصيته و بذل قصاراه لإقناعه على البقاء بدمشق عارضا عليه مصالحه و الزواج من ابنته.

و من حلب قصد البصرة عن طريق ماردين و بغداد، و منها أقلع إلى بومباي فبلغها في أوائل أيلول سنة 1807.

11

و لقد مر بنا أن القس المحترم (روبرت هول) كان قد قدم المستر ريج للسير (ج. جيمس ماكنتوش) بصورة خاصة في الوقت الذي كان يتوقع أن يسافر معه إلى الهند بنفس الأسطول. فلما تغيرت وجهه المستر ريج، أتيح له قبل إقلاعه في السفينة (هندستان) بمدة و جيزة أن يزور السير (جيمس) في مقره يومئذ في (رايد) انتظارا للإقلاع إلى الهند. و قد نشأت بين الاثنين مناسبات حتى إن المستر ريج أقام عنده عند وصوله إلى (بومباي). أما نتيجة هذه العلاقة فيمكن استخلاصها من عبارات السير (جيمس) نفسه في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه:

«لعلك تتذكر ما كنت قد طالعته في الصحف في سنة 1803 أن المستر باري مدير إدارة الشركة الحالي كان قد أسند منصب كاتب تحريرات إلى شاب يدعى ريج لمجرد تقرير قدمه إليه المستر (و يلكنس) عن براعته العجيبة باللغات الشرقية، لا لغرض خاص أو لمجرد معرفة شخصية. و قد سافر هذا الشاب كمعاون للمستر (لوك) الذي كان قد عين قنصلا في الإسكندرية، و منذ أن توفي هذا، سافر المستر ريج في معظم أنحاء آسيا التركية باتجاهات عديدة، و هو مجهز بقلمه و بعين فنان و بالشخصية و الشجاعة اللتين يحتاج إليهما المسافر في بلاد «بربرية».

فلقد اكتسب من البراعة بلغات الشرق و عاداته قدرا، بحيث تنكر بزي تركي من كرجستان و أقام بدمشق عدة أسابيع بين الألوف المؤلفة من الحجاج الذين كانوا بطريقهم إلى مكة، دون أن يرتاب به أشد المتعصبين المسلمين يقظة و شراسة.

و قد قدمه إلى صديقي المستر (هول) و تلقيت رسائل عديدة منه، فدعوته لزيارتي في بيتي فأقام معنا عند وصوله هذه الجزيرة (بومباي) في أوائل أيلول سنة 1807.

و لقد وجدنا فيه أكثر مما كنا نتوقع، و شعرنا بأن اطلاعه العجيب على العلوم الشرقية لا يمثل إلا جانبا صغيرا من مؤهلاته. فقد وجدته‏

12

أديبا بارعا في اللغات الكلاسيكية، يجيد الفرنسية و الإيطالية قراءة و كتابة كأحسن المثقفين من أبناء هاتين اللغتين. و قد جمع إلى شخصيته القوية و مظهره و سلوكه كمالا و ظرفا في جميع تصرفاته؛ و رجولة مع ذكاء و دعابة و مشاعر. و قد بلغ من سروري بعلمه و براعته ما جعلني أعدّه من الفلاسفة، و حسبته جديرا بأن يرشح للانتماء إلى «هيكل الحكمة» من جانب صديقنا (دوغلاس ستيوارت). و عندما سافرت إلى (ملبار) تركته في بيت صديقي الفيلسوف (ارسكين) المنهمك بوضع كتابه «فلسفة الفكر البشري». فلما عدت من سفري وجدت أن هذا الطالب في الفلسفة يرغب في أن يكون صهري. و مع أنه كان غير مثر و حتى بدون وظيفة، فلا أخالك تشك في أنني وافقت على زواجه من ابنتي الكبرى بكل امتنان. لأنه استطاع هذا أن يكتشف بفطنته و يقدر بصفاته شعور هذه الفتاة الفياض و تواضعها و طهارتها و طبيعتها الرقيقة تلك الصفات التي أؤمل أن تجعل منها مصدر سعادة له مدى الحياة.

و بعد ذلك بقليل دعت المصلحة العامة الملحة تعيين مقيم لنا ببغداد، فأجمعت آراء الكل على أن المستر ريج هو الشخص الوحيد الجدير بهذا المنصب، و قد تم تعيينه فعلا. و بذلك حصل على الترفيع مرتين قبل بلوغه الرابعة و العشرين من عمره لمجرد كفاءته، و لقد تزوج من ابنتي و سافرا معا إلى بغداد».

أما في رسالة إلى المستر هول في حوالي ذلك الوقت فقد قال:

«لقد أصبح ريج الذي رشحته لي صهري، و إنه لصهر لا يتردد أشد الأبوين حبّا لابنتهما عن وضع مقدراتها في يده».

أما ريج فبعد احتفاله بزواجه في 22 كانون الثاني 1808 بمدة و جيزة سافر إلى مقر مقيميته التي كانت تضم بغداد و البصرة، فأقام ببغداد حيث مقر الباشا، و حيث يمكّنه موقعها المتوسط من إدارة شؤونه‏

13

السياسيّة مع الباشوية و الحصول على أنباء ما كان يدور في أوروبا في تلك الحقبة المليئة بالحوادث التي كان ينتظر أن يغزو فيها (نابوليون) إنكلترا و الهند؛ و بفضل روحيته العالية و بعد نظره في الشؤون السياسية و وقوفه التام على العادات الأهلية و وافر كرمه، اكتسب بسرعة فائقة الاحترام العميق من الحكومة المحلية و الأهلين معا.

و جريا على ما كان معتادا في الحكم التركي نشبت في عهد مقيميته ثورات حكومية و حصلت تبديلات بين الباشوات و قد تمكن المستر ريج بفضل أخلاقه العالية أن يمنح الحماية في بيته لكثير ممن كانت حياتهم في خطر من جراء الانقلابات السياسية، في ظروف غير اعتيادية أحيانا، و حتى أنه كان من حين إلى آخر يمنح هذه الحماية لعائلات الجانب المخذول التي ما كانت لتتخلص لو لا هذا الملجأ الذي لم يكن يجرؤ أحد على خرق حرمته. و كان من دواعي ارتياحه أن يرى حوله مفعول عدالته الرسمية هذه، و حسن نيته؛ و أحيانا لم يكن الناس يقيمون وزنا لوعود باشواتهم و أعيانهم إلا إذا كانت مدعومة بضمانه.

و لقد قضى حوالي ست سنوات ببغداد و لا رفيق أوروبي له سوى زوجه و المستر (هاين) جراح المقيمية الذي كان معاونا له أيضا. فكان يقضي أوقات فراغه من أعماله الرسمية في تتبع دراساته المحببة له.

فجمع المصادر الملازمة لكتاب في تاريخ باشوية بغداد و أحوالها الجغرافية و الإحصائية، و ابتدأ بجمع مجموعته من المخطوطات الشرقية التي لم يدّخر من أجل جمعها مجهودا أو نفقات. و قد نشرت فهارس هذه المجموعة كما كانت عليها في حينه في بضعة أعداد من مجلة «مناجم الشرق» التي كانت تصدر في (فينا) و فيها أصدق برهان على مدح النجاح الذي أحرزه في مباحثه.

و قد نظم كذلك مجموعة غنية بالأنواط و المسكوكات‏

14

و المجوهرات و الأحجار المنقوشة التي عثر عليها في بابل و نينوى و طيسفون و بغداد. و قام برحلة إلى بابل لدراسة آثار تلك المدينة القديمة، فجمع نتاج ملاحظاته في كتابه «مذكرات في خرائب بابل» الذي طبع لأول مرة في (فينا) في مجلة «مناجم الشرق» و من ثم تم طبعها في إنكلترا. و قد وصفت مجلة «ادن يه ره رفيو» هذا الكتاب حق الوصف بقولها: «إنه رواية متواضعة و صريحة في مشاهداته خلال زيارته القصيرة، و يكفيها اعتبارا ما تمتاز به من خلوها من التحقيقات التي لا طائل تحتها أو التخمينات الارتجالية، إذ كانت خير برهان على براعة المؤلف في العلوم الشرقية و الكلاسيكية، و ابتعاده عن الادّعاء الفارغ و المباهاة الفظة، و ذلك نتيجة طبيعية لعلمه المكين».

و بعد سنة 1816 بقليل أصدر الميجر (ره نل) صحيفته المسماة «اركيئو لوجيا» فنشر فيها ملاحظات في تخطيط بابل القديمة مستندة على مشاهدات و اكتشافات كلوديوس جيمس ريج، و قد أظهر الشك في بعض آرائه. و على هذا قام المستر ريج برحلة أخرى إلى بابل لدرس مواقعها، فنشر في لندن عام 1818 كتابه «مذكرات ثانية في بابل» تحتوي على تحقيقات في المقارنة بين الأوصاف القديمة لبابل و الآثار التي لا تزال تشاهد في مواقعها مبنية على ملاحظات الميجر ره نل». و قد أيد في مذكراته الثانية هذه، استنتاجاته الأولى و أضاف فهرسا قيما في عاديات بابل مزينا بالصور المحفورة، فقوبلت هذه المذكرات الثانية باهتمام عظيم في جميع أنحاء أوروبا لأنها ألقت ضوءا جديدا على هذا الموضوع الذي يهم كل قراء التاريخ المقدس أو القديم.

و في أواخر عام 1813 اضطر المستر ريج لأسباب صحية أن يترك مقيمية بغداد في رعاية معاونه المستر (هاين) و يسافر إلى استانبول برفقة زوجه، فقضى فيها مدة بضيافة صديقه المستر و الان (السير روبرت لستن) الذي كان يومئذ سفيرا لبريطانيا لدى الباب العالي. و قد حملته اعتبارات‏

15

شتى في أوائل عام 1814 على إطالة سفرته مارّا ببلغاريا و بلاد الإفلاق و المجر حتى (فينّا)، و من ثم وصل إلى باريس، و كانت جيوش الحلفاء قد احتلتها توّا.

كانت تلك الأيام مليئة بالأحداث المثيرة. و باستثناء سفرة قصيرة قام بها إلى (بازل) حيث التقى مع صديقه و حميه السير (جيمس ماكنتوش) فإنه بقي في هذه العاصمة (باريس) حيث أتيحت له الفرص لمقابلة الشخصيات المهمة التي كانت محتشدة فيها في الأيام الخطيرة، إلى أن رجع (بونابارت) ففرق شملهم و جعلهم يعودون كل إلى جيشه أو بلاده.

و بطريق عودته إلى بغداد مر المستر ريج (بسويسرا) و (ميلان) و منها إلى (البندقية) حيث ودع مكرها البلاد الإيطالية الوداع الأخير. فعبر إلى (تريه سته) و منها سافر بطريق (كورفو) و الأرخبيل إلى استانبول، و قد مر بطريقه على عدد من تلك الجزائر فنزل إليها لارتياد موقع (طروادة) القديم و من (استانبول) عاد إلى (بغداد) بطريق آسيا الصغرى، مارّا قدر المستطاع بطريق يختلف عن طريق سفره إلى أوروبا، و موجها اهتمامه بصورة خاصة إلى جغرافية تلك البلاد سيما مواقع سلاسل الجبال. و لما قارب وادي الرافدين زار أديرة السريان و الكلدان و جمع المعلومات عن العنصر الغريب المعروف باليزيدية.

و بعد وصوله مقر مقيميته و اصل تتبعاته القديمة، و تمكّن خلال السنوات الخمس التي قضاها فيها، من إضافة مخطوطات جديدة إلى مجموعته بحيث أصبحت أوسع و أثمن مجموعة يمتلكها أي شخص في الشرق. و قد ساعدته إقامته ببغداد على هذه المزية الفريدة. و توسعت كذلك مجموعته من المسكوكات اليونانية و البرثية و الساسانية و الإسلامية كما توسعت مجموعته من المجوهرات و الأحجار المحفورة سيما الأسطوانات البابلية. و قد قام خلال هذه المدة برحلته الثانية إلى بابل، و قد مرّ بنا ذكرها. و في سنة 1820 أصبحت حالته الصحية تفتقر إلى‏

16

تغيير بيئته (الهواء) فقام برحلة إلى كردستان و هي الرحلة التي تضمنت هذه اليوميات حوادثها.

و خلال عودته قام بزيارات متعددة للكنائس المسيحية في مواطن الكلدان سيما تلك التي لم تتح له مشاهدتها في سفراته السابقة فتمكّن من أن يجمع و يضيف إلى مكتبته عددا من النصوص السريانية و الكلدانية القديمة القيّمة للكتاب المقدس عدا مخطوطات نادرة أخرى.

و كان قد وطّد العزم في هذه الأيام على السفر إلى بومباي حيث عينه حاكمها الكلّي الاحترام (ماونت ستيوه رت الفنستن) في منصب خطير، لكنه حدث أن هو جمت دار المقيمية هجوما عنيفا لا مبرر له بأمر الباشا أو بتحريضه. و قد نجح المستر ريج في صد هذا الهجوم بقوة السلاح، و توجه إلى البصرة فبقي فيها حتى دفعت التعويضات المطلوبة.

و في أثناء انتظاره تعليمات حكومته استغل الوقت فقام بسياحة إلى (شيراز) و منها توجه لزيارة خرائب (برسه بوليس) و ضريح (كورش) و بقايا العاديات الأخرى الموجودة في تلك الضواحي.

و في أثناء إقامته في (شيراز) تفشت فيها الهيضة بشدة نشرت الرعب في العالم. فخلال بضعة أيام مات ستة آلاف شخص من سكان البلدة البالغ عددهم نحو الأربعين ألفا، و على أثر ذلك هجر البلدة أميرها مع أفراد عائلته و كبار أعيانها و وجهائها و من استطاع ذلك من أبناء الطبقة الفقيرة.

أما المستر ريج فقد أبى أن يبارح المدينة. و إنما بذل كل جهده لتسكين روع الأهلين و إسعاف المرضى و المحتضرين. و كان يقضي أوقاته أياما عديدة في زيارتهم و إسعافهم بالأدوية الضرورية. و قد أسعدت قلبه مشاعر الاعتراف بالجميل و الشكر التي أظهرها له الناس الذين انبرى لإسعافهم.

17

لكن هذه الآفة كانت قد أنشبت أظفارها فيه أيضا. و ظهرت عليه أعراض الهيضة عند خروجه من الحمام في 4 تشرين الأول، و على الرغم من العناية و الإسعافات التي أجريت له قضى نحبه في صبيحة اليوم التالي 5 تشرين الأول و دفن في (جهان نما) في إحدى الحدائق الملكية التي كان يقيم بها في تلك الأيام، و حيث نصب له تمثال تخليدا لذكراه.

هذه هي خلاصة نشاط هذا الرجل الفذ، ناهيك عن نبوغه و مزاياه و تحصيله، ففي العبارات القصيرة البليغة التي أجملت فيها شخصيتان مثل (روبرت هول) و (السير جيمس ماكنتوش) سيرة هذا الرجل ما يغني عن تكرار سردها بأقلام من هم دونهما مقدرة، إذ قلّما تعرّف إليه أحد إلا و أصبح مأخوذا بأخلاقه مسرورا بمزاياه عدا تقديره لمؤهلاته الواسعة الفريدة. فقد كانت السرعة التي تعلم بها اللغات و الفنون ترجع إلى غريزة كامنة فيه أكثر من المجهود الذي بذله. ففي الحقبة الأخيرة من حياته باشر مسح البلاد العربية التابعة للدولة التركية بنفس السهولة التي حصل بها على معلوماته الرياضية العالية التي كانت تفتقر إليها مهمته.

و كان العرب و الأتراك معا يقدّرون فيه علمه الواسع في آدابهم. أما بين جماعة أصحابه فكان دائما قطب الدائرة المحبب، إذ كان على استعداد للانخراط في كل ملاهيهم بدون كلفة، تعجبه الروح المرحة و الفكاهة، فكان بمثابة الروح في الولائم، و يظهر أكثر الحاضرين سعادة و هو أصغرهم سنّا.

كان ملتهب العاطفة، نشطها. و كان بين الأصحاب الخل الوفي الصميم. كان شديد الحب لزوجته، و كان الشعور الديني فيه عميقا.

و كانت شخصيته القوية تمكّنه من قيادة مرؤوسيه و السيطرة عليهم. و قلّما بلغت الأخلاق البريطانية الشهرة التي بلغتها في بلاد العرب التركية في الأيام التي تقلد فيها منصبه ببغداد.

و لقد كانت مذكراته عن بابل الأثر الوحيد الذي نشره في حياته،

18

عدا بعض المقالات التي نشرها في مجلة «مناجم الشرق». و قد خلف مخطوطات عديدة سيما يومياته المسهبة عن طريق سفره من بغداد إلى استانبول، و هي السفرة الوحيدة- على ما يظن- التي رافقته بها السيدة ريج على ظهر جواد، كذلك خلف يومياته عن سفره من استانبول إلى (فينا) و من باريس عائدا إلى بغداد، عدا يومياته في كردستان المطبوعة في هذا الكتاب و أوراق أخرى عديدة في موضوعات متفرقة.

أما مجموعته القيّمة من المخطوطات الشرقية و المسكوكات و العاديات، فقد اشتراها البرلمان البريطاني لمنفعة المتحف البريطاني حيث هي الآن.

و لسنا بحاجة للتحدث في موضوع صفحات هذا الكتاب فإنها تتحدث عن نفسها. إنها يوميات شخص فذ عن بلاد جديدة. نقول جديدة و إن وجدت أخبار متفرقة عنها في يوميات الرحالة الآخرين الذين مرّوا عفوا و سراعا ببعض أقسامها. أما هذه اليوميات فإنها تلقي ضوءا جديدا ساطعا على جغرافية كردستان و عادات أهلها. و إن النقاط الجغرافية التي تم التحقيق فيها لما تساعد على تعيين المواقع ليس في مختلف نواحي كردستان فحسب و إنما هي الأصقاع المجاورة لهذا الجزء من آسيا.

و مما لا شك فيه أن المستر ريج كان يرغب في نشر مباحثه و ملاحظاته عن سفرته هذه‏ (1). فقد استعان فيها بكافة وسائل المسح‏

____________

(1) جاء في رسالة كتبها (جيمس بيلي فريزر) إلى (ويليم ارسكن) في بومباي، مؤرخة، شيراز 6 تشرين الأول 1821 أي بعد وفاة المستر ريج بيوم واحد، العبارات التالية:

«عثرت بين الكتب التي وجدتها لديه على دفاتر تعليقات و مذكرات لا أشك في أنها ذات قيمة كبيرة. فهي تحتوي على ملاحظات جغرافية و فلكية نحن بأمس الحاجة إليها في خرائطنا الإيرانية. و جميع هذه التعليقات و الملاحظات عن كردستان إما أن تكون موجودة بين هذه الأوراق أو أنها بين الأوراق التي خلفها في (بوشهر). و إنها ستكون خسارة لا تعوض للجمهور فيما لو فقدت. و لقد حرصنا على أن لا تفلت منّا-

19

الفني، و عين في يوميانه بكل دقة النقاط التي كانت توجه سيره. و لو كان الأجل يمتد به لنشر هذه الأوراق على الجمهور بنفسه، فلربما كان يضفي عليها الشي‏ء الكثير من ألوان مخيلته، و يضيف إليها الكثير من المعلومات التي كانت تزدحم في دماغه و رهن إشارته، و التي لم يذكرها في يومياته في حينها.

و في الوقت نفسه فإنه بفضل جمعه بين دقة التخطيط و براعة القلم بالإضافة إلى المسح الفني، فقد أنجز في بعض أقسام كردستان التي كانت عبارة عن مجموعة مجهولة في أحسن خرائطنا، المهمة التي لم يتم إنجازها بصورة متقنة في أي قسم آخر من آسيا. و هذا إبداع مشرّف له و للبلاد التي ينتسب إليها.

____________

- أو تضيع علينا أية قصاصة من الورق كانت في مكتبه، فقد تحتوي هذه الوريقات على مذكرات لها قيمتها. و قد سمعت المستر ريج يقول مرة، إن كافة الخرائط الموجودة حاليّا عن هذه الجزء من آسيا مشحونة بالأغلاط، و عبر عن رغبته في أن يتم مشروع خرائطه الخاصة التي كان يريد أن يضعها بنفسه. و نجد كذلك نسخة جد قيمة من الكتابات المسمارية الموجودة في (برسه بولس) كلها مكتوبة بخط يده.

و قد كان عازما على إرسال نسخة منها إلى الأستاذ (غروتيفند) في ألمانيا».

الليلة الأربعاء الخميس في 11 آذار 1970 في بيروت سمعت راديو بغداد يقول بأن ثورة الكرد قد انتهت بصورة نهائية بين العرب و الكرد عسى أن يكون ذلك صحيحا.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بداية الرحلة

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الفصل الأول الرحيل من دار الإقامة- كيفية السفر- وصف جماعتنا- الزوابع- كفري- الخرائب الساسانية- ضيافة رئيس عشيرة البيات- منابع النفط في (طوز خورماتو)

*** بغداد 16 نيسان 1820: تخلصا من حر صيف من أصياف بغداد الشديد، عزمت هذا العام على زيارة جبال كردستان، إذ قيل لنا بأننا سنلاقي فيها مناخا يختلف اختلافا كليّا عمّا هو في بغداد (1)، و لما كانت كردستان بلادا غير معروفة

____________

(1) إنه لمن الصعب أن أتصور أن الحرّ الذي يعم بغداد لمدة خمسة أشهر على وجه التقريب، يضاهيه أي حرّ آخر في أي جزء من العالم، و قد ندرك ذلك بعض الإدراك إذا ذكرنا بأن الأهلين في الأشهر من نيسان إلى تشرين الأول يضطرون إلى الالتجاء خلال حر النهار، إلى السراديب، و إلى النوم ليلا فوق سطوح بيوتهم، أما غرف البيوت في تلك المدة، فلا يمكن سكناها. و ترتفع درجة الحرارة عادة في شرفة مفيأة إلى 115 درجة، و قد شاهدت ارتفاعها حتى 120 درجة في وسط النهار، و إلى 110 درجات في العاشرة ليلا، و قد أزعجتنا كثيرا رياح السموم الحارة المحرقة، و أما رائحتها فكبريتية قوية- الناشرة.

24

في أوروبا إلا قليلا، و كان لي هناك الكثيرون من المعارف من مواطنيها الذين وصلتني منهم الكثير من الدعوات الملحّة لزيارتهم، فقد سرني أن تتاح لي فرصة أخرى لإرواء غليلي الذي لا تنطفى‏ء ناره، لمشاهدتي بلادا جديدة.

و إنني لأشعر في هذه المرة، أن من واجبي أن أسوح بصفتي الرسمية. و هذا مما جعل قرينتي السيدة (ريج) تتجشم متاعب السفرة المنهكة في محمل مستور أو ال «تختروان» (1) ترعاها الخادمات و حاشية الحرم‏ (2). و لتخفيف المتاعب عنها على قدر المستطاع ارتأيت أن يرسل معها جواد تمتطيه عندما لا تتعرض إلى الأنظار. و اضطررت شخصيّا بحكم واجبي و مركزي إلى استصحاب الكثير من موظفي دار الإقامة و خدمها، و استصحاب من طلب السماح له برفقتنا، كي نؤلف جماعة كثيرة العدد. و تخلصا من النفقات الواجب صرفها على الجنود المحليين الذين يرافقوننا لحمايتنا في الطريق، استصحبت حرسا مؤلفا من خمسة و عشرين سباهيّا و ضابط صفهم (سوبيدار)، و هم الذين خصصتهم حكومة (بومباي) كحرس خاص لدار الإقامة. و لهؤلاء الحراس حرمتهم، و هم رهط من الرجال البواسل، و كانوا جذلين برحلتهم هذه، على ما لاح لي.

____________

(1) هذا ما يعني كلمة (صب) في العبرية، التي أضحت عندنا في التوراةLitter أي هودج، كما جاء في الفقرة 20 من الإصحاح 66، اشعيا. و قد جاء في النسخة السبعينية(Septuagint) «هودج بغل». تلقت الناشرة هذه النبذة من صديق لها. (و قد جاء وصفه في رحلة ابن جبير في رحلته من بغداد إلى الموصل كما يلي:- «... في هودج موضوع على خشبتين معترضتين بين مطيتين الواحدة أمام الأخرى ...»- (المترجم).

(2) تعني كلمة «الحرم» القسم النسائي من عائلة تركية، و تستعمل هذه الكلمة المنفردة عندما يتجنب المسلم ذكر أهل بيته من نسوته أو بناته. و الكلمة تعني أيضا ذلك القسم من الدار الذي تسكنه الإناث. و الأتراك حذرون جدّا في التكلم شخصيّا عن- أقاربهم من النساء بدرجة أنهم يضطرون أحيانا إلى الإشارة إليهن بقولهم «إن بيتي مريض» أو «إن بيتي يرسل تحياته إلى بيتك».

25

و كان الباشا ذا لطف عميم في بذل كل ما في وسعه لتسهيل سفرتنا، و تزويدنا بالفرامين و الأوامر و الرسائل إلى ذوي الشأن ضمن منطقته، و بتوصيات حارة إلى باشا كردستان و رؤسائها.

اخترت قرية (الدوخلة) الخربة الواقعة على بعد واحد و عشرين ميلا شمالي بغداد، كمثابة أو محل ملاقاة عام للحرم و الأمتعة و الحرس و غيرهم من الجماعة الذين لم يرافقوني شخصيّا إليها.

رحلت من بغداد في ساعة متأخرة من اليوم، بالنظر إلى زيارة الكثيرين لي من المودعين راجين لي سفرة ميمونة. و لم يكن لهذا التأخير من أثر يذكر، إذ كانت المرحلة الأولى لا تتجاوز الخمسة أميال في مداها، و هي بستان صديقي القديم المضياف الحاج عبد اللّه بك، الذي رجاني أن أجعل من داره هذه المراح الأول.

امتطيت صهوة جوادي بعد الخامسة بعد الظهر توّا و وصلت البستان بين السادسة و السابعة، فاستقبلني البك ببالغ الحفاوة و وجدت أنه قد أعد لي وليمة تركية فخمة جدّا، كما و استقبلت صالحة خاتون السيدة ريج‏ (1) صديقتها استقبالا مضاهيا، و هي إحدى أرامل سليمان باشا الذي حكم بغداد مدة تنوف على العشرين عاما، و توفي في عام 1804. و مع أن سليمان باشا كان مملوكا كرجيّا لسلفه، فقد كان من ذوي الكفاءات المحمودة، فبقوته و سرعة قراره و حكمته أخضع العشائر العديدة ضمن منطقته، و خشيه الآخرون خارجها، فتحسنت الزراعة و التجارة، و ازدهرت (بغداد) ازدهارا عظيما إبان عهده الأبوي الرشيد. و قد خلف ثلاثة أولاد كانت لهم مكانة ودية في قلوب أهل المدينة إكراما لوالدهم، كما كان لهم مكانة عز لدى من خلف والدهم في الباشوية. و عاش الأخوان الآخران كل مع أمه عيشة مترفة، بقدر ما يسمح رغد العيش‏

____________

(1) راجع في الملحق «شذرات من مذكرات السيدة ريج».

26

لأمثالهما من ذوي الشأن و هم في مكان تراقبهم فيه أعين الحساد من الحكومة، سيما حين أصبح الأخ الثالث و هو الأكبر ذا منزلة يخشى منها كثيرا، و قد نجح أخيرا في الحصول على الباشوية بالغش و الخداع، و نعم بعز مركزه أعواما قليلة إلى أن تغلب عليه قاتله صهره داود، الذي تسلم بعد ذاك فرمانا من الباب العالي يؤيده في الحكم.

17 نيسان: استأذنت الحاج عبد اللّه بك و رحلت من داره الريفية في السابعة و الربع صباحا و كان الطريق يمر بأرض لا تروق للمرء مطلقا، فوصلت إلى مخيمنا في الواحدة إلا ربعا، فوجدته قائما هي (الدوخلة). أما قرينتي فقد وصلت إليه بعد ساعة. و طفت بعد الظهر في المخيم للتأكد من تجمع الجماعة و راحة أفرادها. إن إسكان هذا العدد من الناس في القرى الواقعة على الطريق لم يكن أمرا ميسورا، و لهذا اضطررت إلى استصحاب الخيم و إلى استصحاب رهط من العرب لنصبها و تقويضها مساء و صباحا. و كانت الخيم أربع عشرة أو خمس عشرة خيمة و هي أقل ما نكتفي به لإيواء جماعة يتراوح عددها بين الخمسين و الستين‏ (1). أما

____________

(1) كان (آغا ميناس) الضابط الرئيس الأهلي لدار الإقامة قائد هذه الجماعة المؤلفة من مسيحيين و يهود و أتراك و أرمن و فرس و هنود و هو من عائلة أرمنية لها مكانتها خدمت الحكومة البريطانية مدة طويلة. إن المنصب الذي يشغله و كفاءته الشخصية جعلاه أن يكون مدير إدارة المستر ريج البيتية في بغداد و قد استمر خلال هذه الجولة على القيام بالواجب ذاته، و كان أمين المال و المرافق، و قام بخدمة أضيافنا العديدين في طريقنا، و أدار شؤون المخيم، و زبدة القول إنه كان الرجل الأوحد الذي ينتظر الكل صدور الأوامر و طلب المعونة منه، و مع ذلك لم يستطع إرضاء أحد لأنه لم يستطع الإتيان بالمستحيلات. و كان يتحلى بالصبر الجميل، و روح الدعابة، اللذين يقتضيهما المنصب الذي يشغله. و ما كان يتعب في مسعاه لإراحة الكل، بل كان متحمسا لأداء واجبه كل التحمس- الناشرة.

27

الضجيج و الارتباك فلم يفارقا المخيم طيلة النهار حتى استقر كل من الجماعة في مكانه و حتى استقرت الأمور كما يجب. و أمطرت السماء في الليل مدرارا فتعرض لها البغالون و الخيامون المساكين، و الحيوانات، ذلك إذ لم يفكر أحد قط بحاجة هؤلاء إلى الخيام.

18 نيسان: ركبت و المستر (به لي نو) (1) في السادسة و الربع و برفقتنا عدد من الخيالة الخفيفة من حاشيتنا، قبل أن يتهيأ الآخرون للرحيل من المخيم.

شعرت بارتياح كلي لتخلصي من الارتباك و من ضوضاء عدة لغات متباينة. فالضوضاء، و صهيل الخيل، و دقات أجراس البغال و نباح الكلاب كلها من متممات المخيمات الشرقية عادة.

و تبعتنا رفيقتي من بعد، بتختروانها مع حاشيتها النسوية، و هن في الكجاوات (نوع من المحامل تحمل على جانبي البغل) و مع بعض الخيالة للحراسة.

تقضي علينا العادات، أو المراسيم التركية أن نفترق بجماعتنا تمام الافتراق. تركت الخيار للقوم ليتبعوا عاداتهم، و ينظمونا وفق تقديرهم للمراتب و العادات. فإنني عودت النفس على الدوام على اتباع التقاليد

____________

(1) المستر (به لي نو) ألماني من (توين غه ن‏Tubingen ). من مقاطعة (سوآب ياSuabia ) و قد تعرف عليه المستر ريج في (فينا) حيث كان في الكلية. إن شغفه بالأدب الشرقي، و رغبته في زيارة الشرق جعلاه يقترح على المستر ريج بوساطة (فون هام مه ر) مؤرخ تركيا، و هو صديق معروف، أن يستصحبه معه في عودته إلى بغداد. و قد سرّ ريج لتمكّنه من إسعاف رغبته بمنحه منصب السكرتير الخاص له.

لقد كان شابّا محبوبا، مثقفا ثقافة عالية، يميزه الحماس الذي عرف به مواطنوه، و مواظبتهم، و استقامتهم. و كان ذا قسط وافر من العلم، مولعا بدراسة الأجرومية و اللّغة، متحمسا لتتبعاته، و مكرسا وقته لها بروح ألمانية حقة.

28

المحلية على قدر ما يرتاح له ضميري و يقتضيه شرف بلادي. فالأتراك متمسكون بالمراسيم، و هم قوم يحرصون كل الحرص على المظاهر و الأبهة و يؤمنون بضرورتها، و ينظرون إلى كل من يتهاون في أمرها كما لو كان وضيعا و جاهلا، و غير معتاد على آداب المجتمع الراقي. و فوق كل ذلك فإنهم يستنكرون تعرض النسوة للأنظار، و الأسماع. و إنني لأميل إلى الاعتقاد بأن التركي الذي يتغلب على اشمئزازه من مثل هذه الأمور لا بد و أن يكون ممن أضاع البعض من خصاله الطيبة. و مهما كان الأمر لقد ثبت ذلك لي فيمن تعرفت عليهم. و إني لمتأكد التأكد كلّه بأننا لم نحظ بالحرمة التي لاقيناها و اللطف الذي شملنا من المسلمين إلا لاحترامنا عاداتهم في هذه النواحي و عدم مسّنا أحاسيسهم بإنكارنا عليهم معتقدات لا تضر، و لا ينتظر منا أن نقلعهم عنها على كل حال.

أصابنا التعب الشديد في مسيرة يومنا هذا من جراء الأوحال. و بين الثامنة و التاسعة ترجلنا لتناول كوب من القهوة في مكان اسمه (محسن باك) (1) و هو ضريح إمام صغير كائن على قناة متشعبة من الخالص‏ (2) و قد وصلنا إلى موقفنا في الثانية عشرة إلا ربعا، و كان في قاع قنال مندثر.

19 نيسان: هبت بعد ظهر البارحة العواصف من الشرق و الشمال الشرقي، و في السابعة و النصف هطلت أمطار شديدة، و أبرقت السماء و أرعدت.

ثم خفّت العاصفة ليلا، و تبددت الغيوم بعض التبدد، إلا أنها أعادت الكرة علينا بعد منتصف الليل بعاصفة أقوى شدة، و بمطر غزير و برق‏

____________

(1) جاءت تهجئة مثل هذه الكلمات في الأصل بطريقة غريبة عن التهجئة المتبعة في الإنكليزية في الوقت الراهن. و يشعر الإنسان عند تلفظها بعجمة محسوسة، ففي‏(Mukhsen Pauk) (مخسن بوك) (الخاء)Kh (حاء)h ، و (الواو)au (ألف)- المترجم.

(2) الخالص، قنال يتشعب من ديالى و يصب في دجلة.

29

و رعد دام حتى الصباح، فثقلت الخيام حتى أمسى من المحال تقريبا تقويضها و لفها و تحميلها، كما غمرت مياه الأمطار وجه الأرض فجعلتنا نقلع عن فكرة استئناف السفر في هذا اليوم. و كانت الأرض التي ضربنا بها خيمنا في القنال المندثر ملأى بالعقارب. فإن بيطرنا عندما كان يمهد مكانا منزويا في ضفة القنال، حسبه ملائما لنومه فيه عثر على أربع عقارب كما عثرت الجماعة على عدد و فير منها حول الخيم. و هذا أمر مألوف في جميع الطنوف و الأركام في هذه البلاد، فهناك طنف بالقرب من (شهربان) يعج بالعقارب. و هبت في الرابعة بعد الظهر ريح غربية تغلبت على الريح الجنوبية الشرقية.

درجة الحرارة: 66 د في السابعة ق. ظ و 76 د في الثالثة ب. ظ و 66 د في العاشرة ب. ظ.

20 نيسان: استمر هطول الأمطار الشديدة طوال الليل مما أدى إلى إزعاج جماعتنا المساكين إزعاجا شديدا، و أمسى الرحيل في هذا اليوم أيضا من الأمور المتعذرة. و بدأ الرعد و المطر عند الظهر و لكنه لم يدم كثيرا، إلا أن الرعد دام من الاتجاه الشمالي الغربي من الواحدة حتى الثالثة. و هبت أغلب العواصف من شمال مخيمنا. ثم تشتتت الغيوم و انجلت السماء مع هبوب ريح خفيفة من شمال الشمال الشرقي. و إنني لا أتذكر مطلقا موسما عجيبا كهذا، أما تأثيره فينا نحن المسافرين فكان مزعجا. و كانت درجة الحرارة أثناء العاصفة 66 د.

21 نيسان: عمّ البرق الأفق طوال الليل، و الرعد بعيد عنا، الأمر الذي أقلقنا كثيرا و كانت الريح عند الصباح شرقية و جنوبية شرقية.

30

استأنفنا المسير في السادسة و النصف تحت رذاذ من المطر، أتت به ريح جنوبية شرقية. و رافقتنا غيوم المطر ردحا من الزمن، و لم تبخل علينا بتفريغات بين آونة و أخرى. و كان معنا في رحلتنا اليوم عشرة أو خمسة عشر قرويّا لترميم الجسور أو تمهيد الطرق الرديئة للتختروان. و كان مسيرنا صعبا، خضنا فيه المياه و الأوحال في أغلب أقسام الطريق حتى وصلنا إلى (جوبوق) في العاشرة قبل الظهر، فنزلنا بأرض مضربنا القديم‏ (1) و قد وجدناها جافة. و سبقنا التختروان في المسير بنصف ساعة، لكنه وصل بعدنا بعشر دقائق. و من محاذير السفر مع جماعة كبيرة هو أن القرويين يخفون كل ذخيرة جيدة نسبة قد تكون في حوزتهم حذر سلبها منهم، و على الأخص إذا علموا أن بين الجماعة من هم من موظفي الحكومة.

عادت السماء فتلبدت بالغيوم مساء، و بدأ البرق بعد الغروب في الشمال و الشمال الغربي، و سرعان ما هب نسيم عليل من ذينك الاتجاهين و لكنه ما إن هب إلا و تغلبت عليه ريح قوية من الجنوب الشرقي، ثم غدا الأفق أسود يحاكي جناح الغراب في لونه و عاد البرق يومض في جميع الآفاق و ميضا متتابعا لا أذكر له مثيلا. و لكن الرعد لم يزل بعيدا عنا، أما الأفق في الغرب فكان حالكا، و انعدام الضوء كان يضاهي ما تخيله اللورد (بايرون) في حلمه الرهيب عن انطفاء نور الشمس. ما كنا نشعر برهبة ذلك الظلام إلا عند الفترات القصيرة بين و مضات البرق، حيث كان يظهر لنا ساطعا بنوره في ذياك المكان الحالك، و كنا نرى أسهم النور تصيب الأرض بين آونة و أخرى. و كان وهج البرق كلما أنار الأصقاع، أظهر لنا حارسا هنديّا متكئا على بندقيته، و خيمة احتمت بها جماعة من البغالين، أو رهطا من المسافرين المتعبين‏

____________

(1) يشير المستر (ريج) بذلك إلى سفرة قام بها سابقا إلى جنوب كردستان ليبحث في خرائب (قصر شيرين) و (حوش كه ره ك)، و في الملحق نجد مذكراته فيها.

31

يشقّون طريقهم عبر الصحراء الموحشة. لقد كان المنظر من المناظر التي يعتز بها الشعراء الاعتزاز كله. إلا أنه جعلنا في حال مؤلمة من ترقب ما سنلاقيه من العواصف أو السيول التي لن تقو على مقاومتها خيامنا الرقيقة الممزقة بعض التمزيق. و أخيرا لاح أن العاصفة انطلقت نحو الجنوب الغربي منا بعد أن ناوأتها تيارات معاكسة عليا صفعتها من كل الجهات، و لم يصبنا منها إلا جزء من زخة مطر شديدة استمرت ثلاث ساعات (من التاسعة حتى الثانية عشرة) ثم أعقبتها هبات ريح جنوبية شرقية قوية. أما البراغيث و البعوض، و ذكراي لمتاعبي في بغداد فقد حرمتني لذة النوم حتى الصباح تقريبا حيث استسلمت إليه آنذاك.

22 نيسان: عندما نهضت في الخامسة و النصف من صباح اليوم وجدت السماء قد ارتدت رداء رصاصيّا غامقا، ينذر بيوم ممطر على وجه التأكيد فتخليت عن فكرة استئناف السفر. و قد بدأ المطر يتساقط في جو بارد منذ السادسة و النصف تقريبا فاستمر طيلة النهار مما خيب آمالنا الخيبة كلها. ثم صحت السماء عند الغروب و هبت ريح جنوبية شرقية.

درجة الحرارة 63 د في السابعة ق. ظ، و 67 د في الثالثة ب. ظ، و 62 د في العاشرة ب. ظ.

23 نيسان: ليلة صافية بديعة، و نسيم عليل من الجنوب الشرقي. هبت عند الصباح ريح شمالية غربية، و لكن ما كادت تهب إلا و تغلبت عليها ريح جنوبية شرقية أقوى.

امتطينا صهوات الجياد في السادسة و الربع، فشاهدنا تلال خرائب بالقرب من (جوبوق)، إلا أن المجال لم يكن فسيحا لنا للتلبث‏

32

و معاينتها. و اضطررنا إلى العدول عن طريقنا و إلى التوجه نحو (ديالى) تجنبا من البرك التي كونتها مياه الأمطار يوم أمس. و كانت سلسلة جبال (زاغروس) الممتدة إلى (طاووق) تؤلف الحدود النهائية لمجال رؤيتنا حالما تركنا قرية (جوبوق) الكائنة في أرض منخفضة بعض الانخفاض.

وصلنا في التاسعة إلى (ده لي عباس) فوجدنا أن الخراب قد حل بالمنزل- الخان-(Post -House) تماما فهجر، فنصبنا خيمنا بين المنزل و بين قنال (الخالص) حيث كان يوصل ضفتيه جسر ذو قوسين و قوس إضافي عند كل من رأسيه احتياطا لطوارى‏ء الفيضان، و كان اتجاه مسيرنا العام شمالا. أما التختروان و الأمتعة فقد سارت في السادسة و النصف فوصلتنا في العاشرة. لقد أخبرنا القرويون بأن الأمطار هطلت عندهم مدة ثمانية أيام متوالية فغمرت الأرض بتمامها. و في ليلة الثلاثاء شوهد من هذه القرية سقوط ثلاث صواعق، أو شهب تخر بسرعة متناهية من الغرب نحو تلول حمرين. و في الحقيقة إن كثرة التفريغات الكهربائية كانت هائلة. و لم يسبق لي أن شاهدت برقا متواصلا، ساطعا طوال الأيام منذ أن ساءت الأحوال الجوية. و ما كدنا نصل مضربنا إلا و هبت الرياح الشديدة من الجنوب ثم تبدلت إلى الغرب الجنوبي عند المغيب. و دام البرق على شدته طوال الليل من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي دون رعد. و كان الليل هادئا، و الغيوم خفيفة.

الحرارة 60 د في السادسة ق. ظ، و 74 د في الثالثة ب. ظ و 64 د في العاشرة ب. ظ.

24 نيسان: لم نتمكّن من طرق الممر المباشر في تلال حمرين، إذ كانت جميع السبل بين التلول و (ده لي عباس) مغمورة بالمياه في الغالب، و كان مستنقع (البو فرج) الملي‏ء بالمياه عن يسارنا يمتد حتى (دلتاوه)، فانتهجنا

33

ممرنا القديم الذي سرنا به في رحلتنا السابقة. ركبنا في الخامسة و النصف فخضنا البرك العديدة و الأوحال الكثيرة نحو الممر فوصلناه في السادسة و النصف، و هذا الخانق (القطع في الجبل) الذي ذكرناه فيما مضى، فتحه جد فيض اللّه آغا (صديق لي في بغداد) في عهد عمر باشا، و اسمه (صاقال طوتان) و معناه القابض على اللحية. و في السابعة و النصف اجتزنا الطريق إلى (بارادان) و هنا يتفرع إلى اليمين حيث يوصلنا إلى القرية التي نقصدها، إلا أننا علمنا أنه أمسى من الصعب جدّا خوض (نارين) لارتفاع مياهه من جراء الأمطار الهاطلة أخيرا. و في الثامنة و الربع اجتزنا الجبال فتركناها على يسارنا حتى وصلنا جسر (نارين) في العاشرة و الثلث. فرأينا أن مياه هذا النهر كانت قد ارتفعت إلى ما يقارب العشرة أقدام، و لكنها انخفضت ثانية انخفاضا كليّا تقريبا. فشربنا القهوة هنا ثم استأنفنا السير في الحادية عشرة، بمحاذاة النهر لا على الطريق المباشر تجنبا من أوحال عميقة لتربة نطرونية- نايتروس آزوتيه- تركناها عن يميننا.

و في الواحدة إلا ثلثا وصلنا إلى (التلة السوداء) (قه ره ته به). أما التختروان فتحرك في السادسة و التحق بنا في الثانية و النصف. و سبب تأخره سيره من (نارين) باتجاه مستقيم موحل عوضا عن استدارته متجنبا الأوحال كما تجنبناها.

ففي الناحية الجنوبية من القرية و على اتصال بها، و بالقرب من مخيمنا، طنف مرتفع تعلوه مقبرة صغيرة، يسميه الأهلون (نماز قيلان ته به) أو تل المصلى، و هو المصلى الذي يؤمّونه للصلاة في العيدين.

صعدت الطنف لتسجيل بعض الاتجاهات بالقنباص (البوصلة) فلاحظت من فوري بأن الطنف اصطناعي، الأمر الذي جعل (آغا سيد) (1). ينقب‏

____________

(1) السكرتير الإيراني للمستر (ريج).

34

فيه، و ما شرع بالتنقيب إلا و عثر على فخارة رميم و فيها بعض العظام و هي كالفخارات المعثور عليها في (بابل) و (سلوقية-(Seleucia و على أثر استمرارنا في التنقيب عثرنا على عدد آخر منها، إلا أنها كانت هشة لا يمكن إخراجها من الأرض إلا مهشمة. و كانت فتات الفخارات متناثرة على وجه الأديم، و سطح الطنف مليئا بها و إني أعتقد و الحالة هذه بأن هذا الطنف ما كان إلا دخمة(Dakhma) أو مرقدا يلقي الفرس عبدة النار موتاهم عليه، ثم أصبح مدفنا، و مصلى للمسلمين. و أخبرني الأهلون بأنهم كانوا يعثرون في هذا الطنف أحيانا على بعض الحلى الفضة الصغيرة و لكن لم يكن لديهم نماذج منها. و يقع هذا الطنف في أقصى القرية من الجنوب و يتراوح ارتفاع أعلى قمة منه بين 15 و 20 قدما عن سطح الأرض.

درجة الحرارة 60 د في السادسة ق. ظ، و 74 د في الثالثة ب. ظ، و 64 د في العاشرة ب. ظ.

25 نيسان: سرنا في الخامسة و النصف فوق تلول حصوية، تقع (قه ره ته به) على منحدرها الغربي و كان المنحدر و هو ضلع من التلول ذاتها بسيط الميل جدّا، ينتهي عند واد صغير. و من هذا الضلع يبدأ النزول بمنحدر طويل إلى جسر (جمن) الذي وصلناه في السابعة و الربع. و بعد اجتيازنا مسيلا عريضا في التاسعة و الدقيقة العاشرة صباحا ترجلنا لشرب القهوة بعيد ارتقائنا مرتفعا بسيط الميل أيضا. و في العاشرة و الثلث استأنفنا المسير فوصلنا (كفري) في الحادية عشرة.

و في (كفري) لم نجد الضابط- رئيس القرية- و قد خرج لاستقبالي مع خمسة عشر خيالا عند المسيل، إلا أننا أضعنا بعضنا البعض في شعاب منحدرات التلول، أما التختروان فسار في السادسة، و التحق بنا في الثانية

35

عشرة. و كان عبور (كورده ره) أو واديها صعبا شاقا. و استغربت الاستغراب كله من وجود جالية يهودية صغيرة و كنيس لها في (كفري).

و الناس هنا يأكلون بصلات نبات يجمعونها بكثرة من جميع الأنحاء، و حجمها كحجم بصيلات ال(Shallot) تسمى بال (جه زه دوم-(Chezedum و هي تؤكل بعد شيّها قليلا و طعمها طعم الكستناء (1).

درجة الحرارة 82 د في الثالثة ب. ظ، و 64 د في العاشرة ب. ظ.

26 نيسان: خلال مسيرتي مساء البارحة، إلى الجرف الواقع وراء (كفري)، سمعت صدفة بخرائب تدعى (قه ره أوغلان) فاتجهت إليها من فوري لمشاهدتها. و في صباح اليوم رجعنا إليها و معنا جماعة من القرويين يحملون المعاول و المجارف فمكثوا عندها مدة أربع ساعات يحفرون و ينقبون حولنا، و فيما يلي وصف مختصر لتلك الخرائب:

على بعد نصف ميل إلى الجنوب الشرقي من (كفري) و في قاع المسيل، معالم جدران و اطئة أو أسس جدران كشفت عنها الأمطار التي هطلت أخيرا. وجدت في أحد الجدران قطعة من الخافقي (معجون المرمر المطلي) المنقوش. و كنت حريصا لأحفر كثيرا في هذه الخرائب لأقف على حقيقة الأثر و تاريخه. و بنتيجة الحفر كشفنا عن غرفة صغيرة، أو بالأحرى عن بقاياها و هي جدار ارتفاعه أربعة أقدام تقريبا و مدخل.

فالغرفة صغيرة لا تتجاوز سعتها الاثني عشر قدما مربعا، و الجدار مبنى من أحجار جبسية غير منحوتة- كأحجار قصر شيرين- مملوطة بالجبس، و قد نقش الملاط بمجاميع. و استخرجنا بعض القطع من الجبس و عليها نقوش ورود أو نقوش عربية الطراز، و كان لون النقوش أحمر براقا أما لون‏

____________

(1) تسمى في هذه الأنحاء في يومنا هذا، ب (جه ده نه)- المترجم.

36

خطوطها الأساسية فأسود، و لون سطحها لون الجبس نفسه. و كانت هذه الألوان جميعها كأنها حديثة العهد نضرة. و لما كانت الجوانب خالية من أي أثر من النقوش، يخيّل إليّ بأن تلك القطع إنما هي من شظايا السقف.

و عثرنا على بعض القطع من الفحم النباتي أيضا. و كشفنا عن هذه الغرفة و عن قسم من غرفة أخرى. و يظهر أن هذه تؤلف قسما من سلسلة من حجرات تمتد قليلا إلى غرب الجنوبي الغربي و إلى شرق الشمال الشرقي، و قد ظهر أن هنالك أثرا لخمس أو ست حجر منها و أنها في صف منفرد، و أن الجانب الشمالي منها قد أسند بدعائم صغيرة مدورة.

و إلى شرقي ذلك، تحت التلول الكائنة على حافة المسيل (و قد تآكل الوجه الغربي منه) رابية مرتفعة وسيعة جدّا، بهيئة مربعة استخرج العمال منها عددا من الفخارات و جاؤوا إليّ بقطع منها. و كانت من خزف خشن طلي داخلها بطلاء أسود تشبه ما عثر عليه في (سلوقية) و (بابل) تمام الشبه. ولديّ سراج خزفي صغير عثر عليه هنالك، و هو يشبه الأسرجة التي يستعملها القرويون في هذه الأيام.

و كثيرا ما يعثر على المسكوكات الذهب و الفضة هنا، و القرويون يميعونها من فورهم. و إني لأشعر بأسف شديد لعدم تمكّني من مشاهدة أية قطعة منها، و لو شاهدت واحدة منها لكونت فكرة أفضل و أعم عن أزمنة تلك الخرائب. هذا و إن الجرار و فخارات الرميم تغريني على أن أنسبها إلى عهد الساسانيين.

و يوجد على قمة هذه الرابية آثار أبنية، و من قمة الرابية على طوار سفوحها حتى حضيضها و من ثم حتى قبالة (كفري) توجد آثار أبنية قديمة أيضا، الكثير منها يحتوي على سهاء- طوابق أرضية-(Basement) مربعة- كسهاء خرائب (قصر شيرين) و (حوش كه ره ك)- و إن لم تكن مرتفعة عن سطح الأرض كثيرا. وسعة الخرائب هذه تقارب الميل طولا و ربع الميل عرضا. قمنا بالحفر في أماكن عديدة من هذا المحل و لم نعثر على شي‏ء.

37

و هنالك أيضا آثار جدار عند الضفة الغربية من المسيل، و كذلك إذا عبرنا المسيل عبورا مائلا نحو (كفري) وجدنا أنقاض أبنية صلبة ضخمة قوضتها السيول. و يظن القرويون أنها بقايا سد أنشئ عبر المسيل، إلا أنني أعتقد شخصيّا أنها أنقاض سور المدينة. أما طرازه فيضاهي طراز الأقسام الأخرى من الخرائب شيد من حجر غير منحوت و بني بناء قويّا بالنورة.

فبقاياه الموجودة في وسط المسيل تظهر لنا بوضوح أن المسيل ما كان في مجراه الحالي عندما كانت المدينة قائمة. و يحتمل حقّا أن السيول قد استغلت للزراعة حينذاك.

و ينسب الأهلون تلك الآثار إلى ال (كاوور) أو الكفار. إن اطلاعنا الناقص عن الإمبراطورية الساسانية لا يمكننا في الحقيقة من أن نقول عن هذا المحل شيئا. و إني لا أشك في أن تكون له أية صلة بحروب الرومانيين مع تلك الإمبراطورية، تلك الصلة التي بها وحدها نتمكّن من الوقوف على بعض الأمور المتعلقة بهذا المحل.

و في شمال الشمال الغربي من أعالي المسيل يوجد بعض آثار تنقيب في صخرة تسمى (بيوت الكفار). فذهب المستر (به ل لي نو) لرؤية البعض من تلك الآثار في التلول و هي على بعد 10 دقائق للراكب من أقصى الجنوب من الخرائب، فوجد بعض غرف مدافن كشف عنها و لها أبواب منخفضة جدّا، و في داخلها ثلاثة أماكن للجثث، ذات سعة صغيرة طولها خمسة أقدام تقريبا. إن أسس هذه الحفريات تشبه أسس مدافن الأخمنيين(AchAEmenian) في (نقش رستم)، و لكن لا أثر عليها أو كتابة أو نقش. و توجد إلى مسافة ثلاثة أميال تقريبا من الخرائب و على قمة تل، آثار بناء ينعته الأهلون ب (قيز قلعه سي) أي حصن الفتاة، وجد فيه بعض الفخارات و العظام. و قد شاهد المستر (به ل لي نو) إحدى الفخارات أيضا. و ليس في هذا المكان عدا ذلك ما يستحق الذكر، و هو يقع تقريبا قبالة (اون ايكي إمام) الأئمة الاثنا عشر.

38

عند رجوعنا إلى مضربنا، وجدنا رسولا من محمود باشا (1) بانتظارنا. و قد جاءنا مساء الأمس مراسل منه يستفسر عن وصولنا، و ليقف على الطريق التي نزمع سلوكها. و قد سافر كلاهما صباح اليوم قاصدين السليمانية، حيث سيرسل منها الباشا رائدا «مهماندار»، يستقبلنا في (قه ره حسن)، و طريق (قه ره حسن) هو الذي استقر رأينا على سلوكه أخيرا لسهولة سير التختروان عليه.

و في كفري بعض النخيل، يقال إن التمر لا ينضج فيها بخلاف (طوز خور ماتو). و خلال مكوثنا في كفري أهارت المياه جوانب عظيمة من الجروف.

درجة الحرارة 82 د في الثالثة ب. ظ، و الريح شمالية غربية.

27 نيسان: ركبنا صباح اليوم لمشاهدة خرائب (اسكي كفري) الواقعة في الجنوب الغربي من (كفري)، و على مسافة ساعتين في السهل. كنت أظن على الدوام أن خرائب (اسكي كفري) هي في الحقيقة المحل الذي كانت مدينة (كفري) قائمة فيه فيما مضى، و لكنني وجدت الآن أن (كفري) كانت و لا تزال في مكانها الراهن، و أن هذه الخرائب إنما هي تراث أزمنة الكاوور. و مررنا و نحن في طريقنا نحو هذه الخرائب بالكثير من الطواحين و هي كأبراج صغيرة في وسط جنائن كفري، تديرها سواق اصطناعية صغيرة.

و تقوم على مقربة من (اسكي كفري) رابية اصطناعية جسيمة، كرابية (مجيليبه) (2)، و هي ذات سفوح شاقولية تقريبا إلا حيث التآكلات‏

____________

(1) باشا السليمانية.

(2) إحدى خرائب (بابل) راجع الصفحة 28 من «مذكرات في خرائب بابل» بقلم كلوديوس جيمس ريج.

39

العميقة أو الأخاديد التي أحدثتها الأمطار. و اكتشف أخيرا في أحد هذه الأخاديد قبو صغير مشيد بالطابوق الخشن الشواء فيه فخارات رميم عديدة عثروا في بعضها على مسكوكات ذهب لم أوفق في الحصول على واحدة منها. و قد انطمر القبو تقريبا بانهيار الأتربة أو الأركام التي تتألف منها الرابية. و طول هذه الرابية من الشمال إلى الجنوب تسعمائة و ستون قدما، أما عرضها من الشرق إلى الغرب فأقل من ذلك بقليل، و ارتفاعها سبعة و خمسون قدما. و هذه الأبعاد و إن كانت تقريبية، فباستطاعتنا اعتبارها مقاربة للحقيقة، و قد قاسها النجار و ساعده في ذلك آغا سيد.

و إنني ذهبت في خلال المسح للاستراحة في ظل أخدود أحدثته الأمطار، إذ كانت الريح جنوبية شرقية و الجو شديد الحرارة. و قد نلت قسطا من الراحة، فنسيت تعبي و استعدت قواي. و في الواقع إن هذا الأخدود كان أحسن الأماكن التي يمكن البحث فيها عن الآثار القديمة، كونه ما زال أخدودا حديثا فتحته الأمطار أخيرا. فحفرنا عنده و عثرنا على الكثير من العظام البشرية الصغيرة و على قطع من فخارات الرميم و كلها مطلية من الداخل بطلاء أسود. و لكن الخزف كان يختلف عما سبق لنا وصفه، فالبعض منه خشن لا نقوش عليه، و البعض الآخر من نوع دقيق جميل، و الأجمل من كل هذه أخزاف عليها رسوم غزلان و أبقار في مجاميع دائرية صغيرة، و حملنا معنا كل ما عثرنا عليه منها. و قد بذلنا ما في طاقتنا لاستخراج فخارة صحيحة لكننا لم نفلح، و إن كان ذلك ما يعثر عليه في الأغلب و على الأخص عندما تجرف مياه الأمطار الشديدة التراب عنها.

أمرت الجماعة أن تستمر على الحفر في جميع الأنحاء و لكنهم لم يعوضوا عن تعبهم إلا بما عثروا عليه من بعض الشظايا المعدنية الصدئة، و بعض قطع نحاس و زجاج و خرزة بلورية صغيرة. هذا و قد اتخذت التدابير للحصول على فخارة رميم سالمة.

و كلما تعمقنا في حفر هذا الأخدود كشفنا عن تربة سوداء عفنة

40

جدّا، و أنقاض أكواز و شظايا عظام صغيرة. و في وسط الرابية مقبرة عربية صغيرة. و هكذا نرى الآن أن رميم المسلم يختلط برميم الفارسي عابد النار. هذا و لا أرى إلا أن هذه الرابية كانت رابية ساسانية خصصت لإلقاء جثث الموتى عليها، و لا شك لي في ذلك من حيث مظهرها و طبيعتها، و شكل الشظايا التي عثرنا عليها فيها.

تمتد إلى الشمال و إلى الغرب من هذه الرابية، أركام خرائب صغيرة، تظهر أن المكان هذا كان واسعا رحبا. و توجد في الغرب ربوة أكبر من الروابي الأخرى تدعى (آش طوقان). و عند رجوعنا إلى مضربنا، و بعد مسير ربع ساعة للراكب، وصلنا إلى بعض بقايا سور صغير ربما كان سور المدينة نفسها، و إن كان القرويون يعتقدون بأنه بقايا سد أقيم لدرء الفيضان من مسيل (كفري)، و لم يبق منه إلا قسم لا يتجاوز ارتفاعه بضعة أقدام، و طوله ثلاثمائة يردة، و هو مشيّد من أحجار كروية ذات تجاويف صغيرة في القسم الخارجي منها. و الأرض من الطرف الداخلي من الجدار باتجاه الخرائب أعلى مما هي عليه في الشمال أو في الطرف الخارجي منه و هي تشبه دكة أو مصطبة أدعمت بهذا الحائط. و لا أشك في أن الحائط ذاته يعود تاريخه إلى عهد آثار (قصر شيرين) و (حوش كه ره ك). و إلى مسافة أبعد نحو الشمال و باتجاه (كفري) إلى ما وراء الحائط، لا نجد أثرا للخرائب. لقد بارحنا (اسكي كفري) في الساعة العاشرة و الربع، و وصلنا (كفري) قبل الثانية عشرة بعشر دقائق.

كنت قد أوعزت بجلب أية قطعة من المسكوكات أو العاديات الأخرى التي يعثر عليها عند القرويين. و قد جاءني (روبين) في هذا اليوم بثلاث قطع من المسكوكات و بقطعة حجر منحوت حصل عليها من أصدقائه اليهود، إلا أنها كانت بعيدة كل البعد عن أن تلقي ضوءا على تاريخ الخرائب المجاورة و كأنها صنعت خصيصا لتحير الإنسان و تزيد غموضه في الأمر، و كانت إحدى المسكوكات أرساسية(Arsacian)

41

و الثانية ساسانية و الثالثة كوفية. أما الحجر المنحوت فكان نوطا يمثل ظفرا رومانيّا. و هكذا أتيح لي أخيرا الحصول على عادية ساسانية لطيفة جدّا، عليها بعض الكتابة. و في مكان اسمه (اون ايكي إمام) الأئمة الإثنا عشر و الذي يبعد عن كفري أربعة عشر ميلا تقريبا ربوة أخرى من الروابي العديدة في هذه الربوع، و الظاهر أن عهدها يرجع إلى عهد الخرائب الساسانية، المبعثرة في تلك الأماكن تبعثرا واسعا. و قبالة أون‏ايكي إمام، في سلسلة التلول الجبسية، نجد منابع النفط. و قد اكتشف منبع صغير قبل عام في تلك التلول على مسيرة بضع دقائق غربي (كفري). أما القروي الذي اكتشفه فقد اعتقلته الحكومة التركية و جلدته جلدا مبرحا لحمله على الاعتراف فيما إذا باع نفطا من المنبع قبل الإعلان عن اكتشافه. و بنتيجة التعذيب الذي لاقاه من جراء اكتشافه المشؤوم هذا اضطر على الهجرة و بيته إلى إيران، حيث استوطن مرتاحا كما يدّعي.

و من الصدف أنه كان في كفري و أنا فيها، لقضاء أعمال له و قد قص علي القصة بذاته فقال: «إن اللّه لم يهنى‏ء الأتراك بالنفط لظلمهم، إذ إن المنبع الذي كان فياضا جدّا عند اكتشافي له، نشف عندما جلدت، أما الآن فلا تنبع منه إلا بضع قطرات لا شأن لها».

درجة الحرارة 81 د في الثالثة ب. ظ، و 66 د في العاشرة ب. ظ رياح خفيفة متقلبة، و مطر قليل من الغرب ليلا، و برق في الشرق.

28 نيسان: ركبنا جيادنا صباحا في السادسة إلا ثلث، و قد حضر الضابط معنا و أصرّ على مرافقتي إلى مسافة من الطريق. و طريقنا على سلسلة تلول حصوية تتشعب من تلال (كفري) و تتصل بالتلال التي اجتزناها قبل بضعة أيام، و لا يقاطع طريقنا إلا مسيل (كفري) ذلك المسيل الذي شق لنفسه طريقا في وادي (جمن) الذي مررنا به بطريقنا إلى (اسكي‏

42

كفري) (1) و في السابعة اجتزنا التلول، فوطئنا سهل البيات و هو سهل ينحدر انحدارا تدريجيّا من تلال (كفري) إلى (جمن)، و كان سهلا كثير الزرع في هذه النواحي. و في السابعة و الربع مررنا بشعب يسيل فيه جدول صغير من مياه الأمطار. و في الثامنة و الثلث وصلنا إلى (قورو جاي) و هو مسيل واسع لم يبق فيه إلا القليل من مياه الأمطار، و لكنها قد ملأته قبل بضعة أيام حتى إنها طغت على السهل، كما لاحظنا من الآثار التي تركها الفيضان. و كان هنا مضرب للتركمان البيات، فجاء رئيس العشيرة حسن أو كما ينعت أحيانا ب «قه ره قوش بك»، يدعوني لتناول الطعام معه، و كان رجلا نضر المحيا، و سيم الطلعة ذا لحية لطيفة بيضاء، و ذا ذكاء مفرط، و طلاقة لسان، و سلوك حسن كأنه وليد حياة قضاها كلها في بلاط شرقي. و قد أخبرني بأن البيات إنما حازوا على المنطقة عطية من السلطان و لم يدفعوا مالا عنها إلى الحكومة العثمانية، إلا أنهم لقاء ذلك مكلفون بالخدمة العسكرية في الوقت الحاضر إلى باشا بغداد عندما يقوم بحركات يقودها شخصيّا في الميدان. و أخبرني أيضا بأن نادر شاه عندما غزا و احتل المنطقة أرجع البياتيين إلى أحضان عشيرة البيات الكبرى في (خراسان)، و أن معظم ما تبقى منهم الآن هم من عائلة الرئيس ذاته. غير أنه أضاف قائلا: و بالرغم من ذلك فإذا مست الضرورة فبوسعهم جمع ألف فارس. و يوجد في حمى البيات البعض من العرب، و العشائر الكسيحة، أما خيولهم فكريمة. و كان رئيس العشيرة على علم تام بوجود عشيرة البيات الكبرى في خراسان و لكنه لم يتمكن من إعلامي بتاريخ نزوح أفخاذ العشيرة إلى هذه البلاد للمرة الأولى. و في الحقيقة أن العرب أحسن المؤرخين، و أحسن رواة الأنساب في الشرق.

____________

(1) و على الطريقة ذاتها، تتفرع تلال حصوية فرعية من جبل حمرين فوق (قه ره ته به) و من سلسلة (زه نك آباد).

43

استأذنت البك و أنا مسرور جدّا من مقابلته و محادثته، و امتطينا جيادنا ثانية في التاسعة فمررنا بمزارع كثيرة أغلبها حقول شعير، و قد نضج البعض منه، و الفلاحون منهمكون بحصده. و جاءني الحصادون ببعض السنابل فألقوها على الطريق أمام جوادي و هم يصرخون «سحقا لأعدائكم هكذا ..» متوقعين بضع دريهمات لقاء ذلك، و في الشرق ينتهز كل حادث لاستدرار العطايا أو الهدايا.

و في التاسعة و النصف وصلنا إلى (قيزيل خرابة)- الخرابة الحمراء- و هي على الطريق. و كانت الروابي أو الطنوف ظاهرة، منتشرة انتشارا يمتد باتجاه حمرين و هو عن يسارنا، حيث شاهدنا هناك ربوة كبيرة جدّا كربوة (اسكي كفري)، و قد قيل لنا إنها من آثار الكاوور، و من المحتمل جدّا إنها ساسانية، إلا أنني لا ألزم نفسي بهذا الادّعاء و أؤكده كما كان الأمر في اسكي كفري.

بعد برهة قليلة مررنا بخرابة أخرى، و الظاهر أنها متصلة بالمدينة التي تؤلف (قيزيل خرابة) قسما منها. و في الحادية عشرة إلا ربعا مررنا بقرية بياتية كبيرة هجرها أهلوها الآن، إذ إنهم يضربون في هذا الموسم المضارب في السهل تخلصا من البراغيث، و سهرا على الغلال؛ و قد شاهدنا الكثير من هذه المضارب في جميع الأنحاء.

و في الحادية عشرة و الدقيقة العاشرة مررنا بقرية أخرى كبيرة، و قد غابت الآن عن أنظارنا جبال حمرين التي كانت عن يسارنا طيلة مسير النهار لانعطافها نحو الغرب أكثر فأكثر. و بانت لنا (طوز خورماتو) و اتجاهها 20 د إلى الشمال الغربي. و قبل وصولنا إليها بربع ساعة اجتزنا مسيلا عريضا جدّا، و ارتفاع المياه الجارية فيه الآن يصل إلى الركاب و عرضها بضع ياردات فقط، أما في الخريف فيقل عن ذلك. و قد فاض المسيل من جراء الأمطار الغريزة و هو يسمى ب (آق صو) و ينحدر من (إبراهيم خانجي).

44

و رأينا عن يسارنا و على مسافة ساعتين قرية (يه ني جه)، و هي تقع على طريق البريد الحالي من بغداد إلى (طاووق).

و في الثانية و النصف، بعد أن عبرنا المسيل نصبت شمسيتي‏ (1) لأستظل بها و أرسلت عريفا إلى المدينة ليهيّئ لي (السراي) (2) و ليعلن قدومي. و بعد مدة وجيزة جاءني الحاكم و وكيل عمر بك و هو المتصرف بالمدينة تصرفا تيماريّا (3) ورثه عن أبيه، فامتطينا جيادنا و مررنا ببساتين النخيل و البرتقال و الليمون و التين و المشمش و الرمان و الزيتون و هي تكتنف المدينة بكاملها، ثم أسكنونا دار عمر بك المريحة، و كانت دارا فخمة بالنسبة إلى مسكن ريفي في بغداد؛ أما سائر المدينة فكان كلها من الطوف، و سكانها أتراك أغلبهم من الإسماعيلية أو «جراغ سونديره ن» (4). أمطرت السماء بردا في (طوزخور ماتو) ليلة السبت،

____________

(1) الشمسية: الواقية من الشمس، خيمة صغيرة خفيفة يمكن نصبها و تقويضها بسرعة.

و يحملها الأتراك عادة سواء في خروجهم إلى الصيد أو في تجولاتهم كلما بعدوا عن بيوتهم، فكلما أرادوا الوقوف و الراحة- و ذلك ما يعملونه عادة في أوسط النهار لشرب القهوة- نصبوا الشمسية.

ملحوظة: في هذه الحاشية التباس. كانت الشمسية و استعمالها مألوفين في الغرب و الشرق. و قد أطلق تعبير (الشمسية) عليها في الشرق سواء وقتنا من الشمس أو المطر. و أرى أن الشمسية الوارد وصفها في النص هي ما تشبه المظلة التي تنصب في الجنائن و على سواحل البحار في أيامنا هذه- المترجم.

(2) أو القصر: كانت طوزخورماتو ملك عمر بك، و هو بغدادي، و قد أبدى الرغبة لتهيئة داره لضيافة المستر ريج و عائلته فيها.

(3) التيمار: هي الأراضي الأميرية التي تمنح إلى البعض ليستغلوا عشر غلتها لقاء ما يجندونه من الجنود المعين عددهم وسوقهم إلى الحروب عند الطلب- المترجم.

(4) «جراغ سونديره ن» أي مطفئو الأسرجة. هؤلاء أناس منتشرون في أصقاع تركيا و على ما أعتقد في أصقاع إيران أيضا. و مراسيمهم الدينية أو معتقداتهم معلومة قليلا أو بالأحرى مجهولة. و كل الذي تعلمه عنهم أنهم غير مسلمين، إلا أنهم قد أخذوا-

45

فألحقت خسائر فادحة بالبساتين، و قد وصفوا البرد وصفا قالوا فيه إن حجم الواحدة منه كان كبيرا جدّا. و يظهر لي أن ليلة سقوط البرد هي الليلة التي أزعجتنا في (جوبوق). و تقع (طوز خور ماتو) بالقرب من تلول (كفري)، و هي إلى غرب الممر الذي يشق تلك التلول تماما و الذي يسيل منه (آق صو) إلى السهل. ففي هذا الممر يوجد بئر نفط و مملحة، و إلى مسافة أخرى جنوبا في التلال، يوجد منبع نفط آخر، و لا مملحة.

التحق بنا التختروان بعد نصف ساعة من وصولنا، و كانت ساعة حركته السادسة. و كانت مسيرتنا هذا اليوم أطول مما يجب أن تكون بكثير لو أننا اتبعنا الطريق المستقيم المارّ بمحاذاة التلول، إلا أن ال (اودا باشي)- مدير المخيم- أراد أن ينهي مرحلتنا عند البيات، و أن يجعل من الطريق مرحلتين سهلتين، غير أنني عند وصولي إلى البيات خطر لي أن من الأفضل الإسراع للاستفادة من جودة النهار.

29 نيسان: نهضت صباح اليوم مندفعا لمشاهدة تحف الضواحي، فالحفرة النفطية تقع في ممر التلال، و هي إلى الجنوب الشرقي من المدينة بمسافة ميل واحد تقريبا، و لوقوعها في وسط المسيل تطغى مياهه عليها أحيانا فتتعطل زمنا كما حدث في الصيف الماضي. و عمق الحفرة 15 قدما تقريبا، و فيها عشرة أقدام من الماء يطفو على سطحه مائع النفط الأسود تعلوه فقاقيع صغيرة على الدوام، و الناس يدلون منه المائع من قعره فيقشطون النفط من أعلاه و يسكبون ماءه في ساقية تصبه في مجموعة

____________

- منهم أسماء مختلفة على اختلاف الأماكن. و هم خجلون جدّا، سكوت، و ذلك عن خوف. و قد يكون خوفهم هذا ناشئا من حذرهم من إيقاظ روح الاضطهاد الفعلي في أسيادهم- الناشرة. (هذا ما جاء في الحاشية نثبته دون تعليق- المترجم).

46

أحواض صغيرة مستطيلة حفرت بين الحصى، و يتركونه هنالك إلى أن يتبلور إلى ملح جيد ذي حبات ناعمة بيضاء لامعة لا مرارة فيها. و تصدر كميات و فيرة من هذا الملح إلى كردستان، و يقدّر وارده السنوي بعشرين ألف قرش توزع على أفراد عائلة المرحوم الدفتردار (1). أما النفط فملك القرية، و يصرف قسم منه على المنزل- الخان- أو يباع لإعالة المنزل بوارده و يخصص قسم آخر منه للمعاهد الدينية و غيرها. و مقدار الاستخراج اليومي من النفط من هذه الحفرة جرتان تقريبا سعة كل منها ست حقات‏ (2) أو «بطمان» بغدادي واحد. و أما منبع النفط فهو في قعر الحفرة أو البئر حيث يشترك القرويون بأجمعهم في تنظيفه مرة في السنة، فتوزع الأطعمة على الفقراء و تذبح القرابين، و تدق الطبول و ينفخ في المزامير، و كل ذلك لضمان طفوح المنبع بوفرة. و من الجائز جدّا أن هذه مراسيم انتقلت إليهم من الأزمنة الغابرة. و منابع النفط الرئيسية هي في التلال، إلى جنوبي هذه الحفرة بمسافة بعيدة باتّجاه (كفري)، و يتراوح عددها بين الخمسة أو الستة منابع، و هي أغزر إنتاجا من هذه البئر، و لم يعثر على الملح هناك. و من المحتمل أن يعثر على النفط في معظم أنحاء هذه السلسلة تقريبا، و يوجد بالقرب من حفرة النفط في التلال، الشب أو الزاغ و كذلك الطباشير، و كل هذه من الأنواع ذات الذرات البيضاء الدقيقة و المتماسكة؛ إلا أن الأهلين لا يستفيدون من هذه الموارد الطبيعية. و قد عثروا على تربة صاروا يستغلونها لتحميض بعض الصنوف من طعامهم، و لا شك أنها حامضة زاجية. و يوجد الكبريت أيضا، و القرويون يستعملونه لمداواة الجرب أو الحكة التي تصيبهم أو تصيب أنعامهم.

و لأنتقل الآن إلى وصف الممر ذاته. فهو يمتد إلى الشرق و الغرب‏

____________

(1) مأمور خزينة الباب العالي، و هو والد عمر بك.

(2) الحقة تساوي الباينتين و نصف الباينت من المكاييل الإنكليزية (أي 568، من الليتر الواحد).

47

و يشبه ممر (كفري) في هيئته و مظهره، و إن كان بمقياس أوسع. و إلى الجانب الغربي من التل الذي يقابل السهل نجد الطبقات الأرضية أفقية متوازية، أما في الجانب الشمالي من الممر فإنها مائلة نحو الأسفل بزاوية 45 درجة، و هي مقوّسة أو محدبة نوعا ما. و التلال في الطرف الجنوبي ترابية أكثر، و قد خددتها الأمطار و فتتها تارة في قسم منها بعض الأعمدة منعزلة. و يمكن لنا القول في الحقيقة بأن حفرة البئر واقعة في هذه الردم على حافة قاع المسيل، و الجبس ظاهر في كل ناحية، و التلال في الطرف الشمالي متكونة من حجر رملي، و تحت كل هذه الأتربة و الأحجار الرملية- كما شاهدت ذلك في طاق أو مقلع في أسفل الجرف- ألواح من الصلصال(Clay Slate) أو صلصال متحجر أزرق. أما المياه فتنصبّ جميعها في الاتجاه الشمالي من الممر حيث شقت التلول فجعلت منها و هدة أو جرفا. و يوجد على أعلى الجرف أنقاض سور حصن قديم يصعب معرفة تاريخه، و قد يكون ساسانيّا. و في حضيض الجرف غور صغير في صخرة يحوي نفطا، و قد عقد على الغور طاق بكتل أحجار جبسية مربعة كبيرة، و الظاهر أن هذا البناء قديم العهد جدّا. وفاتني أن أذكر وجود جذع خشب فوق سطح الماء في بئر النفط الكبير، و قد ثبت من طرفيه بجانبي البئر، و يقال إن هذا الجذع قديم، كقدم عهد الكاوور، و إنما دام بفضل النفط و كرامته. و ينسب الناس أيضا الحصن إلى الكاوور (1). و في الأرض فوق حضيض تل الحصن بالقرب من حفرة النفط الصغيرة شاهدت الكثير من البقع الصفراء اللامعة، تنتشر منها رائحة كبريت قوية. و الأهلون يعتقدون بأن الجرف هذا هو حامي مدينة (طوز خور ماتو) العتيد، و هم يدّعون بأنه يدرأ السيول عن المدينة. و على قمة التلال في الجانب الشمالي من الممر مقام صغير، يطل على السهل،

____________

(1) إن أصل كلمة (كاوور) «كه به ر»، أو عابد النار. و هي الآن مترادفة إلى كلمة (كافر) و تطلق على الذين سبقوا المسلمين في العهد و على الأوروبيين كذلك.

48

إشارة إلى قصة خرافية وقعت هناك، و تنسب إلى الإمام عليّ. فإنهم يقولون إن مصباحا يضي‏ء من تلقاء نفسه في عشية كل جمعة في ذلك المرقد. و قد تكون هذه مثل ظاهرة (بابا كوركور) (1) الطبيعية. و بعد انتهائنا من مشاهدتنا حفر النفط تجولنا حول المدينة عن طريق الناحية الغربية من المسيل لمشاهدة بعض الخرائب، إلا أننا لم نجد ما يستحق الملاحظة إلا قليلا. و مررنا بلفيف من القرويين المنشغلين في كرخ القنال، و هم يشتغلون على دق الطبل و أصوات المزمار و النقارة، و الحصادين يحصدون بعض المزارع. و رأينا غربي المدينة بعض روابي الردم التي لا تميزها ميزة عن غيرها و قد تكون قديمة بسبب وجود بعض العاديات فيها على ما يقال، غير أنني لم أتمكن من العثور على أي واحدة منها حتى الآن. و قد رأينا على دكة بناء مربعة صغيرة دعامة من البناء قائمة- مبنية بناء خشنا- و الظاهر أنها لم تكن قديمة جدّا. و إلى الشمال قليلا منها، رأينا ست دعامات أخرى، و كلها تؤلف قسما من بناء مستطيل، و هو باتجاه شرقي غربي. و يظهر أن البناء كان مؤلفا من عمارة و جناحين أو شرفتين. و تقع باب العمارة إلى الغرب، يقابلها في شرقي العمارة مخرج أو فتحة كلا جانبيها يسند بمسند أو ركيزة نصف دائرية، و كلها معقودة، أما طرز البناء فخشن جدّا. و أظن أن هذه العمارة كانت كنيسة و هي تشبه خرائب الكنائس الكلدانية أو السريانية التي شاهدتها شبها عظيما. و الروابي مبعثرة على الأرض إلى مسافة بعيدة الأمر الذي يدل على أن هذا الموقع كان في الأزمنة القديمة موقعا له أهميته. و من الرابية الرئيسة كانت جبال حمرين تظهر للعيان في الأفق الغربي، و يقال‏

____________

(1) (بابا كور كور) كلمة تطلق على محل يبعد عن كركوك ثلاثة أميال، تتعالى منه لهب نفطية بيضاء من أماكن عديدة في بقعة صغيرة مستديرة. و يكاد أن يكون من المحقق ما ذهب إليه (دانفيل) بأن هذا المحل هو كور كورا بطليموس. راجع كتاب (دانفيل) المعنون «الفرات و دجلة» الصفحة 108 من الطبعة الرابعة.

49

إن بعدها تسع ساعات تقريبا. و من هنا يمكن لنا أن نرى بوضوح حيدان سلسلة (قه ره ته به)، أو (زه نك آباد) من جبال حمرين باتجاه شرقي أكثر.

و يقال إن الحصن الخرب أو السور على التل في المضيق كان يمتد عابرا المضيق نفسه، حيث حصر النهر في مجرى ملائم شيد فوقه جسر.

و الظاهر أن هذا محتمل، إذ إن كلّا من السور و الجرف ينتهي فجأة في مكان واحد، كأنهما يمتدان إلى مسافة أبعد إلى جانب المسيل. و يقال إن رجلا مات أخيرا عن عمر 120 سنة قال إنه يتذكر بأن الجرف و الجدار كانا يمتدان إلى مسافة أبعد مما هما عليه الآن عبر المسيل، و أن المسيل كان محصورا في قنال أضيق، و قال إنه سمع هذه الرواية من شيوخ طاعنين في السن. و من المحتمل أن يكون ذلك حاجزا- دربند- لوقاية البلاد من غارات الكرد الذين لا بد و أنهم كانوا في جميع العهود جيرانا مقلقين. و هذا هو أحد الممرات التي تؤدي إلى كردستان، و يتفرع منه طريق يصل إلى (إبراهيم خانجي) و هو وعر، إذ يمر طوال الوقت على سلاسل تلال صغيرة. إن المسافة بين (طوز خور ماتو) و (إبراهيم خانجي) تسع ساعات، و من (كفري) إلى (إبراهيم خانجي) تسع ساعات أيضا، و الطريق مستو و جيد.

و عقب وصولنا بقليل جاءنا محمد آغا، و هو «أيشيق آغاسي» محمود باشا أي رئيس التشريفات و قد عينه لمرافقتنا في ضيافته رائدا (مهماندار) و كان يحمل إليّ رسائل ظريفة من محمود باشا تفيض رقة.

و يوجد في (طوز خور ماتو) منزل- دار استراحة- يحتوي على ثمانين جوادا.

درجة الحرارة 64 د في السادسة ق. ظ، و 70 د في الثانية عشرة، و 66 د في الثالثة ب. ظ.

الريح جنوبية شرقية، و هبوبها شديد، رافقتها الأمطار بعد الظهر.

50

مدينة كفري المسورة (*) تحت سفوح سلسلة من التلال‏

30 نيسان: شعرت بتوعك كثير أقعدني عن التجوال. و لكنني جمعت المعلومات التالية: إن نهر (آق صو) أو (خور ماتو) ينبع في (علي ده للو) في (قره داغ) من (كردستان)، مارّا ب (إبراهيم خانجي) موافيا (طوز خور ماتو). و لكل من الطواحين في هذه البلاد برج صغير مشيد من الطوف يؤلف جزءا منها، كي يقيم فيها حارس لمراقبة اللصوص، لأن‏

____________

(*) أضاف المترجم هذه الصورة إلى الكتاب نقلا عن المجلد الثاني من كتاب «رحلات في ما بين النهرين» لمؤلفه الرحالة جه ي، أس، بوكينكهام المطبوع عام 1827 في لندن.

51

كل الأماكن في الحدود الكردية عرضة لغارات شقاة ذلك القوم. و تقدر نفوس (طوز خور ماتو) بخمسة آلاف تقريبا.

درجة الحرارة 62 د في السابعة ق. ظ، و 71 د في الثالثة ب. ظ، و 66 د في العاشرة ب. ظ. الريح شمالية في الصباح، و في الثانية ب. ظ هبت عاصفة خفيفة من الغرب مع مطر قليل. برق ساطع ليلا، بدأ من الغرب و انتقل إلى الجنوب.

لم يمر علينا يوم دون برق منذ أن تركنا بغداد.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الفصل الثاني مغادرة طوز خور ماتو

- وادي ليلان- مخيم يوسف آغا- ضيافته- الدخول إلى كردستان- الزرع و مظهر البلاد- هدايا مؤن من باشا السليمانية- الوصول إلى مضربنا قبل السليمانية- زيارة الباشا- أمجاد الكرد

*** 1 أيار: غادرنا (طوز خور ماتو) في الخامسة و النصف. و كان اتجاه طريقنا 75 درجة إلى الشمال الغربي. سرنا و التلول الجبسية قريبة من يميننا، و عن يسارنا سهل ينحدر انحدارا تدريجيّا جدّا نحو جبال حمرين التي كانت تبدو لنا بوضوح. و يظهر أنها كانت تنعطف في هذا المكان، أو أنها تدنو من ناحية الغرب، و كانت أقرب النقاط إلينا منها مسننة كجدار سور ذي أبراج، أما اتجاهها فخمس و ثمانون درجة إلى الشمال الغربي.

و يشق نهر (العظيم) (1) الجبال على بعد نصف ساعة من تحت هذه‏

____________

(1) العظيم هو الجدول الرئيسي الذي تنصب فيه مياه (كركوك) و (طاووق) و (طوز خور ماتو).

54

النقطة، و تحت ذلك نجد (ده ميرقبو) و هو مضيق قد حصن فيما مضى، حيث توجد باب حديدية هناك. و إلى ما وراء تلك النقطة المسننة في التلال يظهر أن السلسلة تنعطف ثانية نحو الغرب. و في الساعة السابعة قبل الظهر كان اتجاه طريقنا شماليّا غربيّا ب (45) درجة. و هنا تبدو التلول الجبسية و كأنها قد انتهت، إلا أنني أعتقد أنها في الحقيقة لم تنته، بل الأحرى أصبحت سلسلة تلال حصوية منخفضة تميل نحو الغرب، تظهر فيها الأحجار الرملية هنا و هناك. و أصبح طريقنا بمحاذاة التلال الحصوية و هي عن يميننا. و في الثامنة إلا ثلثا لاحت مآذن (طاووق) لأبصارنا.

ذهبت إلى تل صغير- و هو أحد تلال السلسلة الفرعية الحصوية- على يمين الطريق مباشرة و من هنا أتيحت لي فرصة جيدة لرؤية (طاووق) و (طوز خور ماتو) في آن واحد، في النهايتين الشمالية و الجنوبية من الأفق. و كانت (طاووق) على 15 درجة شمالية غربية و (طوز خور ماتو) على 15 درجة جنوبية شرقية. و من هنا أيضا ظهر لي أن السلسلة الجبسية تنتهي حالا في أقصاها الشمالي إذ يتشعب من حافتها الغربية خط التلال الحصوية الذي كنا نسير بمحاذاته ساعة كاملة، و الخط يتجه نحو الشرق. أما الساحة الوسطى فتؤلف حوضا مليئا بالردم، أو التلول الحصوية و قد خددتها أو جزأتها إلى تلال صغيرة، مجاري مياه الأمطار أو سيولها التي تجمعت بدورها فكونت المسيلات. و على بعد بضعة ياردات يوجد كهريز و هو أول ما شاهدناه في هذا الطريق. و الكهريز قناة تحت الأرض لإسالة مياه منبع في التلال إلى المزارع في السهول، و تمر القناة بآبار أو حفر على مسافات تعين خط القنال. و على مسيرة عشر دقائق أخرى مسيل عريض امتلأ بمياه الأمطار التي هطلت بغتة بغزارة، و هذا المسيل في منتصف الطريق بين (طاووق) و (طوز خور ماتو). و على مسافة غير بعيدة منه نجد مسيلا آخر أصغر مملوءا بالمياه الصافية. و لقد أصبح طريقنا الآن متموجا تموجا خفيفا. و وصلنا في العاشرة إلى (طاووق‏