عرف الطيب من أخبار مكة ومدينة الحبيب‏

- محمد بن محمد عاقولي المزيد...
95 /
5

مقدمة المحقق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

لا نعرف عن بدايات التأليف فى تاريخ مكة، و خاصة المؤلفات التى أفاد منها اللاحقون سوى مؤلف فى تاريخ مكة للحسن بن يسار البصرى المتوفى سنة 110 ه، الذى كتب رسالة عن «فضائل مكة المشرفة» كانت فيما بعد أحد المصادر الرئيسية للفاسى المتوفى سنة 832 ه، فى كتابه «شفاء الغرام» و فى كتابه «الزهور المقتطفة فى تاريخ مكة المشرفة».

و مؤلف آخر فى تاريخ مكة لعثمان بن ساج المتوفى سنة 180 ه، و يرجح أن كتابه فى تاريخ مكة كان أحد مصادر الأزرقى المتوفى نحو سنة 250، فى كتابه «أخبار مكة».

ثم جاء أبو الوليد الأزرقى فكتب فى «أخبار مكة» و قد استقى كثيرا من معلوماته الواردة فى كتابه عن عبد اللّه بن عباس و تلاميذه، حيث كانت لديهم معلومات و فيرة عن مكة.

و يبدو أن الأزرقى كان مولعا بمعرفة الأخبار التاريخية و روايتها، كما أن اسمه يظهر كمصدر للمعلومات عن تاريخ مكة القديم، و كذلك فيما يتعلق بتاريخها الإسلامى و ما صاحبه من أحداث.

و قد استغرق ثلاثة أرباع كتابه ذكر قصص كانت قد نمت فى الجاهلية حول حرم مكة و وصف الشعائر ذات الصلة بمكة.

أما الربع الباقى فيبحث فى الأماكن المقدسة الأخرى من مكة بالإضافة إلى الحديث عن الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) و معاصريه من المكيين، و عن خطط مكة و أطرافها.

و قد حظيت مرويات الأزرقى باهتمامات المؤرخين اللاحقين حتى عهد الفاسى و العهود اللاحقة.

6

كما كتب الفاكهى مؤرخ مكة المتوفى سنة 272 ه كتابا فى «تاريخ مكة» أشاد به الفاسى، حيث ذكر أن كتابه فى أخبار مكة حسن جدا، لكثرة ما فيه من الفوائد النفيسة، و فيه غنية عن كتاب الأزرقى، و كتاب الأزرقى لا يغنى عنه، لأنه ذكر فيه أشياء كثيرة حسنة مفيدة جدّا لم يذكرها الأزرقى، و أفاد فى المعنى الذى ذكره الأزرقى أشياء كثيرة لم يفدها الأزرقى.

و لا شك أن الفاكهى دوّن فى كتابه المعلومات التاريخية التى تجمعت حتى ذلك الوقت لدى أهل طبقته عن مكة، فكتب عن تاريخها القديم قبل الإسلام على ضوء القصص و الروايات التى تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل.

و قد ظل الفاكهى لفترات طويلة تجاوزت عصره، من أبرز وجوه مكة الفكرية لدى مؤرخى مكة.

و قد استفاد مؤرخو مكة اللاحقون إلى حد بعيد من كتاب الفاكهى، كما أفادت منه المؤلفات اللاحقة حتى عصر الفاسى و من بعده.

و بعد إسهامات كل من الأزرقى و الفاكهى انقطع التأريخ تقريبا للحجاز منذ أواخر القرن الثالث الهجرى إلا ما يتصدق به عليه المؤرخون الطارئون تكريما للمدن المقدسة، و تعريفا بها، و إشادة بفضائلها.

و قد أكد على ذلك الفاسى بعد أن ذكر فضل السبق فى تدوين تاريخ مكة لكل من الأزرقى و الفاكهى، فقال: «و كانا- أى الأزرقى و الفاكهى- فى المائة الثالثة، و من عصرهما إلى تأريخه- شفاء الغرام- خمسمائة سنة و نحو أربعين سنة و أزيد، و لم يصنف بعدهما فى المعنى الذى صنفا فيه أحد ... و إنى لأعجب من إهمال فضلاء مكة بعد الأزرقى للتأليف على منوال تاريخه، و من تركهم تأليفا لتاريخ مكة يحتوى على معرفة أعيانها، من أهلهم و غيرهم، من ولاتها و أئمتها و قضاتها و خطبائها و علمائها، كما وضع فضلاء غيرها من البلاد».

و كيفما كان الأمر فقد افتتح مدرسة التاريخ فى مكة تقى الدين الفاسى، أعظم أساتذتها بآثاره الخالدة، و التى برز فيها فيما بعد: النجم عمر بن فهد المتوفى‏

7

سنة 885 ه، و عز الدين عبد العزيز بن فهد المتوفى سنة 922 ه، و جار اللّه بن فهد المتوفى سنة 954 ه، و غيرهم.

و الدارس لكتابات الفاسى يلحظ أنه شكل بكتاباته مدرسة تاريخية مستقلة عن غيرها من مدارس الشام و مصر، كما يلحظ أنه أدرك أهمية الأخبار المستقاة من المصادر الرئيسية ثم تتبع حوادث مكة و كتب عنها حسب مشاهداته و إحساساته و ما يصله من معلومات.

و يعدّ هذا الصنيع من الملامح المميزة لمدرسة التاريخ فى مكة وقتئذ، حيث اتصفت كتابة التاريخ منذ عصر الفاسى بجمع و تلخيص ما أنجزه المؤرخون السابقون، ثم كتابة ما تلا ذلك من الأحداث التاريخية.

و الكتاب الذى نقدم له اليوم من الكتابات التى اتسمت بتلخيص ما أنجزه المؤرخون السابقون، فهو خلاصة لكتاب أخبار مكة و لما جاء فيها من الآثار، لأبى الوليد الأزرقى (ت نحو 250 ه).

و كتاب آخر، هو: جامع الأصول فى أحاديث الرسول لمجد الدين ابن الأثير الجزرى (ت 606 ه).

و قد تناول العاقولى فى كتابه: أحوال البيت الحرام و المشاعر العظام و مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم).

و كتاب العاقولى سبق أن طبع عن مكتبة مدبولى بالقاهرة سنة 1989 م، و هى طبعة رديئة سقيمة أساءت إساءة بالغة إلى الكتاب و مؤلفه.

و ما أسهل على من له إلمام بمعرفة هذا الفن أن يسود عشرات الصفحات فى إحصاء الأخطاء البيّنة الواضحة، و تعليقاتنا على الكتاب شاهد صدق على صحة ذلك.

و ثمة أخطاء فاحشة غير الأخطاء الوارد بمتن الكتاب، و هى الأخطاء التى لحقت بالتعريف ببعض الأعلام فى الحواشى، و قد بلغت بعض هذه الأخطاء من القبح ما يندى له الجبين، و سوف أشير فقط إلى واحد منها ليكون القراء و الدارسون على بيّنة من بقيتها.

8

جاء فى طبعة مدبولى ص 127: «عبد اللّه بن عدىّ بن الحمراء».

و بالهامش: «هو أبو أحمد بن عدى بن عبد اللّه بن محمد بن مبارك الجرجانى، ولد سنة 277 ه، و مات سنة 365 ه انظر ترجمته فى: مرآة الجنان 2/ 371، البداية و النهاية 11/ 283، تاريخ جرجان 225، تذكرة الحفاظ 3/ 940، شذرات الذهب 3/ 51، طبقات الشافعية للسبكى 3/ 315، اللباب 1/ 219، و هكذا أثقل المصحح حواشى الكتاب بأخطاء كان فى غنى عنها لو أن منهجه اتسم بإعمال الفكر و الرويّة.

ذلك أن عبد اللّه بن عدى بن الحمراء المذكور بالمتن صحابى، و قد أورد حديث: «و اللّه إنك لخير أرض اللّه ...» ابن عبد البر حين ترجم لابن الحمراء فى الاستيعاب- ص 949.

و من ثم يجب على الباحثين و الدارسين أن يأخذوا ما كتب بالحواشى عن بعض الأعلام بكثير من الحذر و الحيطة.

و المصحح فى بعض الأحيان يضع إضافات بالمتن، و يشير فى الهامش بقوله:

«إضافة من عندنا» كما فى ص 74 من طبعته، و الإضافة تكون موجودة عند الأزرقى.

و ذكر فى المقدمة: «أن هذا الكتاب هو تهذيب و تلخيص كبار أمهات الكتب التاريخية و الجغرافية و المعمارية و خاصة كتاب «أخبار مكة للأزرقى، و كتاب معجم البلدان لياقوت، و كتاب فتوح البلدان للبلاذرى، و كتاب معجم ما استعجم للبكرى و غيرها من الكتب التى تناولت تاريخ مكة و المدينة».

قلت: لم يهذب المصنف أو يلخص الكتب المذكورة، و إنما رجع إلى كتابين فقط ذكرهما فى المقدمة بقوله: «فإن كتابنا هذا «عرف الطيب من أخبار مكة و مدينة الحبيب» يشتمل على خلاصة كتاب أبى الوليد الأزرقى، و جامع الأصول لمجد الدين ابن الأثير الجزرى».

و مؤلف الكتاب هو: محمد بن عبد اللّه الواسطى الأصل البغدادى، غياث الدين، أبو المكارم، ابن العاقولى (733- 797 ه) عالم بغداد و مدرسها فى‏

9

عصره، ولد بها، و كان هو و أبوه و جده كبراءها، انتهت إليهم الرياسة فى العلم و التدريس، و لما دخل تيمور لنك بغداد، هرب ابن العاقولى منه، فنهبت أمواله، و رجع بعد ذلك فتوفى فيها.

من كتبه: البيان لما يصلح لإقامة الدين من البلدان، و شرح منهاج البيضاوى، و شرح مصابيح البغوى، و الدراية فى معرفة الرواية، و كفاية الناسك فى معرفة المناسك.

هذا و قد استندت فى تحقيق نص كتاب «عرف الطيب من أخبار مكة و مدينة الحبيب» إلى مصورة عن دار الكتاب المصرية رقم 5247، تاريخ، كتبت بخط نسخى سنة 1148 ه، فى 15 ورقة، و مسطرتها 25 سطرا.

و اللّه أرجو أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين‏

القاهرة فى مايو 2007

ربيع الآخر 1428 ه

د. على عمر

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

() صفحة العنوان من نسخة دار الكتب‏

12

() الصفحة الأولى من المخطوطة

13

() الصفحة الأخيرة من المخطوطة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم‏ (1).

الحمد للّه الذى جعل البيت الحرام مثابة (2) للناس و أمنا، و كساه الإجلال و الإعظام‏ (3) تفضلا منه و منّا، و الصلاة على سيدنا محمد الممنون علينا به، حيث ابتعثه اللّه تعالى منّا [و على‏] (4) آله و أصحابه فأعطى، فجمع رسوله ما تمنّى.

و بعد: فإن كتابنا هذا: «عرف الطيب من أخبار مكة و مدينة الحبيب» يشتمل على خلاصة كتاب أبى الوليد الأزرقى، و جامع الأصول لمجد الدين المبارك ابن الأثير الجزرى، من أحوال البيت الحرام، و المشاعر (5) العظام، و مدينة محمد عليه أفضل [الصلاة و] (6) السلام.

يحتوى على ثلاثة أبواب، منزه عن الإطناب و الإسهاب.

و أما كتاب الأزرقى فإنه روايتنا عن جماعة منهم الشيخ [العلامة] (7) عز الدين محمد (8) بن عبد اللّه الشافعى، عن مسند الدنيا فخر الدين أبى الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسى، عن أبى الفرج عبد الرحمن بن على الجوزى، عن القاضى أبى بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارى، عن أبى طالب محمد بن على بن أبى الفتح الحربى‏ (9) العشارى، عن أبى بكر أحمد بن أبى‏

____________

(1) بعدها فى المطبوع: «تسليما» و ليست فى الأصل.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «ثنابة» و هو تحريف قبيح.

(3) فى المطبوع: «جلالا و عظمة» و المثبت من قراءة النص، و هو نفس النص الذى رجع إليه مصحح المطبوع.

(4) ساقط من المطبوع.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «البيت الحرام و الأكثار».

(6) ما بين حاصرتين ساقط من المطبوع.

(7) ساقط من المطبوع‏

(8) تحرف فى المطبوع إلى: «إبراهيم».

(9) تحرف فى المطبوع إلى: العربى» و هو تحريف قبيح، صوابه من الأصل، و مثله لدى الخطيب البغدادى.

16

موسى‏ (1) بن عبد الصمد الهاشمى، عن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الهاشمى، عن أبى الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحى بن الوليد [بن الأزرق‏] (2) الأزرقى الغسانى المؤلف.

و أما كتاب «جامع الأصول» (3) فإن روايتنا عن جماعة منهم: الشيخ عز الدين الحسين بن محمد الشافعى، عن شيخه فخر الدين أبى الفضل عبد اللّه بن أبى الثناء محمود بن داود بن بلدجى، عن مجد الدين المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزرى‏ (4) المؤلف، و باللّه تعالى العون و التوفيق، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

____________

(1) تحرف فى الأصل و المطبوع إلى: «أحمد بن موسى» و صوابه من تاريخ بغداد 5/ 64.

(2) ساقط من المطبوع‏

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «جامع الأحوال، و اسم الكتاب كاملا: «جامع الأصول فى أحاديث الرسول».

(4) أسماء رواة كتاب الأزرقى و كتاب ابن الأثير نسبت إلى غير مصادرها فى حواشى طبعة مدبولى، و قارن بما ورد بشأنها ص 19- 22 تجد عجبا.

17

الباب الأول فى ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض و ما جاء فى ذلك‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

عن سعيد بن المسيب قال: قال كعب الأحبار: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق اللّه عز و جل السموات و الأرض‏ (1).

عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض بعث اللّه ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة فى موضع [هذا] البيت كأنها قبة فدحا اللّه تعالى الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها اللّه تعالى بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت [مكة] أم القرى‏ (2).

عن ليث بن معاذ قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا [سبعة] منها فى السماء إلى العرش، و سبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى، و أعلاها الذى يلى العرش، البيت المعمور، لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، و لكل بيت من أهل السماء و من أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت‏ (3).

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: لما أهبط اللّه عز و جل آدم (عليه السلام) إلى الأرض من الجنة كان رأسه فى السماء و رجلاه فى الأرض و هو مثل الفلك من رعدته، قال فطأطأ اللّه عز و جل منه إلى ستين ذراعا فقال: يا رب ما لى لا أسمع أصوات الملائكة و لا أحسهم؟ قال خطيئتك يا آدم، و لكن اذهب فابن لى بيتا فطف به و اذكرنى حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع‏ (4) حول عرشى، قال:

فأقبل آدم (عليه السلام) يتخطّى فطويت له الأرض و قبضت له المفاوز فصارت كل مفازة يمر بها خطوة و قبض له ما كان من مخاض ماء أو بحر فجعل له خطوة و لم تقع‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 31.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 32 و ما بين حاصرتين منه.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 35 و ما بين حاصرتين منه.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «تضع» و صوابه من الأصل، و مثله لدى الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف‏

20

قدمه فى شى‏ء من الأرض إلا صار عمرانا [و بركة] حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام، و إن جبرئيل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة الصخر ما لا يطيق [حمل‏] الصخرة منها ثلاثون رجلا، و أنه بناه من خمسة أجبل، من لبنان، و طور زيتا، و طور سينا، و الجودى، و حراء حتى استوى على وجه الأرض‏ (1).

عن عبد اللّه بن أبى زياد [أنه‏] قال: لما أهبط اللّه تعالى آدم (عليه السلام) من الجنة قال: يا آدم ابن لى بيتا بحذاء بيتى الذى فى السماء تتعبد فيه أنت و ولدك كما تتعبد ملائكتى حول عرشى، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة فقذفت فيها الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، و هبط آدم (عليه السلام) بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها اللّه سبحانه و تعالى‏ (2).

ذكر البيت المعمور

عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فى حديث به قال: سمى البيت المعمور لأنه‏ (3) يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم ينزلون إذا أمسوا فيطوفون بالكعبة يسلمون على النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم ينصرفون فلا تنالهم النوبة حتى تقوم الساعة (4).

ذكر حج آدم (عليه السلام) و دعائه لذريته‏

عن أبى المليح [أنه‏] قال: كان أبو هريرة يقول حج آدم (عليه السلام) فقضى المناسك، فلما حج قال‏ (5) أى رب إن لكل عامل جزاء، قال اللّه تعالى: أما أنت يا آدم فقد

____________

(1) الأزرقى 1/ 36 و ما بين حاصرتين منه.

(2) الأزرقى 1/ 43 و ما بين حاصرتين منه.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «أنه».

(4) الأزرقى 1/ 49.

(5) فى هامش المطبوع: «وردت فى الأصل قالوا».

قلت: لم ترد فى الأصل و إنما وردت فى حاشية الأصل بلفظ: «قال».

21

غفرت [لك‏] و أما ذريتك فمن جاء منهم [هذا] البيت فباء بذنبه غفرت له، فحج آدم فاستقبلته الملائكة بالردم، فقالت: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام، قال فماذا كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، فكان آدم إذا طاف يقول هؤلاء الكلمات، و كان طواف آدم (عليه السلام) سبعة أسابيع بالليل و خمسة أسابيع بالنهار (1).

قال نافع: كان ابن عمر (عليه السلام) يفعل ذلك‏ (2).

عن عثمان بن ساج قال أخبرنى سعيد أن آدم (عليه السلام) حج على رجليه سبعين حجة ماشيا و أن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: بر حجك يا آدم، أما إنه حججنا قبلك بألفى عام‏ (3).

ذكر بناء ولد آدم (عليه السلام) البيت بعد آدم (عليه السلام)

عن وهب بن منبه قال: لما رفعت الخيمة التى عزى اللّه بها آدم (عليه السلام) من حلية الجنة حين وضعت له بمكة فى موضع البيت، و مات آدم (عليه السلام) فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين و الحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه [هم‏] و من بعدهم حتى كان زمن نوح (عليه السلام) فنسفه الغرق و غير مكانه حتى بوئ لإبراهيم (عليه السلام)(4).

عن عثمان بن ساج قال: بلغنا- و اللّه تعالى أعلم- أن إبراهيم خليل اللّه تعالى عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض مشارقها و مغاربها فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل اللّه، اخترت حرم اللّه فى الأرض، قال: فنباه من حجارة سبعة أجبل، قال: و يقولون خمسة، و كانت الملائكة تأتى بالحجارة إلى إبراهيم (عليه السلام) من تلك الجبال‏ (5).

____________

(1) الأزرقى 1/ 43 و ما بين حاصرتين منه.

(2) الأزرقى 1/ 43.

(3) الأزرقى 1/ 45.

(4) الأزرقى 1/ 51 و ما بين حاصرتين منه.

(5) الأزرقى 1/ 53.

22

عن مجاهد [أنه‏] قال: كان موضع الكعبة قد خفى و درس فى زمن الغرق فيما بين نوح و إبراهيم (عليهما السلام)، قال: فكان موضعه أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك و لا يثبت موضعه، و كان يأتيه المظلوم و المتعوذ من أقطار الأرض، و يدعو (1) عنده المكروب، فقلّ من دعا (2) هنالك إلا استجيب له، و كان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ اللّه مكانه لإبراهيم (عليه السلام)، لما (3) أراد من عمارة بيته و إظهار دينه و شرايعه‏ (4).

عن محمد بن إسحاق قال: لما أمر إبراهيم خليل اللّه تعالى أن يبنى البيت الحرام أقبل من أرمينية على البراق معه السكينة لها وجه يتكلم و هى بعد ريح هفافة، و معه ملك يدله على موضع البيت، حتى انتهى إلى مكة و بها إسماعيل، و هو يومئذ ابن عشرين سنة، و قد توفيت أمه قبل ذلك و دفنت فى موضع الحجر، فقال:

يا إسماعيل، إن اللّه عز و جل أمرنى أن أبنى له بيتا، فقال له إسماعيل: و أين موضعه؟

قال: فأشار الملك إلى موضع البيت، قال: فقاما يحفران عن القواعد ليس معهما غيرهما فبلغ إبراهيم الأساس- أساس آدم (عليه السلام) الأول- فحفر عن ربض فى البيت فوجد حجارة عظاما ما يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، ثم بنى على أساس آدم الأول و تطوقت السكينة كأنها حية على الأساس الأول، و قالت‏ (5):

يا إبراهيم، ابن علىّ فبنى عليها، فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابى نافر و لا جبار إلا رأيت عليه السكينة، فبنى البيت و جعل طوله فى السماء سبعة أذرع و عرضه فى الأرض اثنين و ثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامى الذى عند الحجر من وجهه، و جعل عرض ما بين الركن الشامى إلى الركن الغربى الذى فيه الحجر اثنين و عشرين ذراعا و جعل طول ظهرها من الركن الغربى إلى الركن اليمانى‏

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «و يدعوا» و هو تحريف قبيح.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «من دعاه».

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «و لما».

(4) الأزرقى 1/ 52.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «و قال».

23

أحد (1) و ثلاثين ذراعا، و جعل عرض شقها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرين ذراعا لذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب‏ (2).

قال و كذلك بنيان أساس آدم (عليه السلام)، و جعل بابها بالأرض غير مبوب حتى كان تبع [أسعد] الحميرى هو الذى جعل لها بابا و غلقا فارسيّا و كساها كسوة تامة، و نحر عندها (3).

قال: و جعل إبراهيم (عليه السلام) الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز فكان زربا لغنم إسماعيل (عليه السلام)(4).

قال: و حفر إبراهيم (عليه السلام) جبا فى بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى للكعبة و هو الجب الذى نصب عليه عمرو بن لحى، هبل، الصنم الذى كانت قريش تعبده و تستقسم‏ (5) عنده بالأزلام حين جاء به من هيت من أرض الجزيرة (6).

قال: و كان إبراهيم يبنى و ينقل له إسماعيل الحجارة على رقبته، فلما ارتفع البنيان قرب له المقام فكان يقوم عليه و يبنى و يحوله إسماعيل فى نواحى البيت حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود (7).

قال إبراهيم لإسماعيل (عليهما السلام) يا إسماعيل أبغنى حجرا أضعه هاهنا يكون للناس علما يبتدئون منه الطواف، فذهب إسماعيل يطلب له حجرا و رجع و قد جاءه جبريل (عليه السلام) بالحجر الأسود، و كان اللّه تعالى استودع الركن أبا قبيس حين غرّق اللّه تعالى الأرض زمن نوح (عليه السلام)، و قال: إذا رأيت خليلى يبنى بيتى فأخرجه له، قال: فجاءه إسماعيل فقال له: يا أبت من أين لك [هذا]؟ قال: جاءنى‏

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «أحط ثلاثين».

(2) الأزرقى 1/ 64/

(3) الأزرقى 1/ 64 و ما بين حاصرتين منه.

(4) الأزرقى 1/ 64.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «و تستقيم».

(6) الأزرقى 1/ 65.

(7) الأزرقى 1/ 65.

24

به من لم يكلنى‏ (1) إلى حجرك، جاء به جبريل (عليه السلام)، فلما وضع جبريل الحجر فى مكانه و بنى عليه إبراهيم (عليه السلام) و هو حينئذ يتلألأ بالأنوار من شدة بياضه فأضاء نوره شرقا و غربا و يمينا و شاما، قال فكان نوره يضى‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحى الحرم، قال: و إنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة فى الجاهلية و الإسلام‏ (2).

فأما حريقه فى الجاهلية فإنه ذهبت امرأة فى زمن قريش تجمر الكعبة فطارت شرارة فى أستار الكعبة فاحترقت الكعبة فاحترق الركن الأسود، و اسود، و توهنت الكعبة و كان الذى هاج قريشا على هدمها و بنائها (3).

و أما حريقه فى الإسلام ففى عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندى، احترقت الكعبة فاحترق الركن فتفلق ثلاث فلق حتى شد شعبه ابن الزبير بالفضة فسواده لذلك‏ (4).

قال: و لولا ما مس الركن من أنجاس الجاهلية و أرجاسها ما مسه ذو عاهة إلا شفى‏ (5).

عن على رضى اللّه عنه، قال: السكينة لها رأس كرأس الإنسان ثم هى بعد ريح هفافة (6).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «من لم يتكل».

(2) الأزرقى 1/ 65.

(3) الأزرقى 1/ 65.

(4) الأزرقى 1/ 65.

(5) الأزرقى 1/ 66.

(6) الأزرقى 1/ 66.

25

ذكر حج إبراهيم (عليه السلام) و أذانه بالحج و حج الأنبياء (عليهم السلام)

عن محمد بن إسحاق قال: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) من بناء البيت الحرام جاءه جبريل (عليه السلام) فقال له: طف به سبعا فطاف به سبعا هو و إسماعيل، يستلمان الأركان فى كل طواف فلما أكملا سبعا [هو و إسماعيل‏] صليا خلف المقام ركعتين، قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها: الصفا و المروة و منى و مزدلفة و عرفة، قال: فلما دخل منى و هبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل: ارمه فرماه إبراهيم بسبع حصيات مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس‏ (1).

ثم مضى إبراهيم [فى‏] حجه و جبريل (عليه السلام) يوقفه على المواقف و يعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة، فلما انتهى إليها قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال إبراهيم: نعم [قال‏]: فسميت عرفات بذلك‏ (2).

قال: ثم أمر إبراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج، قال: فقال له إبراهيم: يا رب و ما يبلغ صوتى؟ قال اللّه سبحانه: «أذن و علىّ البلاغ» قال: فعلا على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال و أطولها فجمعت له الأرض يومئذ سهلها و جبلها و برها و بحرها و إنسها و جنها حتى أسمعهم جميعا [قال‏] فأدخل أصبعيه فى أذنيه و أقبل بوجهه يمينا و شاما و شرقا و غربا و بدأ بشق اليمن فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابوه من تحت التخوم السبعة و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها، لبيك اللهمّ لبيك قال: و كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلّا أن اللّه أراد أن يجعل المقام آية فكان أثر قدميه فى المقام إلى اليوم، قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: لبيك‏

____________

(1) الأزرقى 1/ 66 و ما بين حاصرتين منه.

(2) الأزرقى 1/ 67 و ما بين حاصرتين منه.

26

اللهمّ لبيك، قال: فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم، و إنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ، فمن حج حجتين فقد كان أجاب مرتين، أو ثلاثا فثلاثا، على هذا، قال: و أثر قدمى إبراهيم (عليه السلام) فى المقام آية، و ذلك قوله تعالى:

فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (1) (سورة آل عمران: آية 97) الآية.

قال ابن إسحاق: و بلغنى أن آدم (عليه السلام) كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم و حجه إسحاق و سارة من الشام، قال: و كان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق، قال و حج بعده الأنبياء [و الأمم‏] (2).

عن مجاهد قال: حج إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) ماشيين‏ (3).

عن عبد اللّه بن ضمرة السلولى يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة و تسعين نبيّا جاءوا حجاجا فقبروا هنالك‏ (4).

عن محمد بن سابط (5) عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: كان النبى من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيتعبد فيها النبى و من معه حتى يموت [فيها] فمات بها نوح و هود و شعيب و صالح و قبورهم بين زمزم و الحجر (6).

عن عروة بن الزبير قال: بلغنى أن البيت وضع لآدم (عليه السلام) يطوف به و يعبد [اللّه‏] عنده و أن نوحا قد حجه، و جاءه و عظمه قبل الغرق فلما أصاب الأرض حين أهلك اللّه قوم نوح أصاب البيت ما أصاب الأرض من الغرق فكانت ربوة حمراء معروف مكانه، فبعث اللّه هودا إلى عاد فتشاغل بأمر قومه حتى هلك و لم يحجه، ثم بعث اللّه صالحا إلى ثمود فتشاغل حتى هلك و لم يحجه، ثم بوأه اللّه تعالى‏

____________

(1) الأزرقى 1/ 67 و ما بين حاصرتين منه.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 68 و ما بين حاصرتين منه.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 68.

(4) الأزرقى 1/ 68.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «سابق».

(6) الأزرقى 1/ 68 و ما بين حاصرتين منه.

27

لإبراهيم فحجه، و علم مناسكه، و دعا إلى زيارته، ثم لم يبعث اللّه تعالى نبيّا بعد إبراهيم إلّا حجه‏ (1).

عن مجاهد قال: حج موسى النبى (عليه السلام) على جمل أحمر فمر بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان مئتزر بإحداهما مرتدى بالأخرى، فطاف بالبيت ثم طاف بين الصفا و المروة، فبينما هو يلبى بين الصفا و المروة إذ سمع صوتا من السماء، و هو يقول: لبيك عبدى أنا معك، فخر موسى ساجدا (2).

عن عثمان بن ساج قال: أخبرنى صادق أنه بلغه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: لقد مر بفج الروحاء، أو قال: لقد مر بهذا الفج سبعون نبّا على نوق حمر خطمها الليف، و لبوسهم العباء و تلبيتهم شتى منهم يونس بن متى، فكان يونس يقول:

لبيك فراج الكرب لبيك، و كان موسى يقول: لبيك أنا عبد لبيك [لبيك‏] قال:

و تلبية عيسى لبيك أنا عبدك، ابن أمتك، بنت عبديك لبيك‏ (3).

عن عطاء بن السائب: أن إبراهيم (عليه السلام) رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره فسأله ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذى القرنين، قال و أين هو؟ قال هو:

بالأبطح، فتلقاه إبراهيم (عليه السلام) فاعتنقه، فقيل لذى القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب و هذا يمشى فحج‏ (4) ماشيا.

ذكر بناء قريش الكعبة فى الجاهلية

عن أبى الطفيل قال: قلت: يا خال حدثنى عن بنيان الكعبة قبل أن تبنيها (5) قريش قال: كانت برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق و توضع الكسوة على الجدر ثم تدلى [ثم‏] إن سفينة للروم أقبلت حتى إذا كانت بالشعيبة، و هى يومئذ

____________

(1) النص فيه تحريف و سقط، و قد اعتمدنا فى تكملته و تصويبه على ما ورد بالأصل، و مثله لدى الأزرقى 1/ 72 الذى ينقل عنه المصنف.

(2) الأزرقى 1/ 68.

(3) الأزرقى 1/ 73 و ما بين حاصرتين من الأصل و الأزرقى.

(4) الأزرقى 1/ 74.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «أن بنتها».

28

بساحل مكة، قبل جدّة فانكسرت فسمعت [بها] قريش فركبوا إليها و أخذوا خشبها و روميّا [كان فيها] يقال له باقوم، نجارا بناء، فلما قدموا به مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا فاجتمعوا لذلك و نقلوا الحجارة [من‏] الضواحى فبينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينقلها معهم إذ انكشفت نمرته، فنودى يا محمد، عورتك، فذلك‏ (1) أول ما (2) نودى، و اللّه تعالى أعلم، فما رئيت له عورة بعدها، فلما جمعوا الحجارة و هموا بنقضها خرجت لهم حية سوداء الظهر، بيضاء البطن لها رأس مثل رأس الجدى تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند المقام، و هو يومئذ فى مكانه اليوم، ثم قالوا: ربنا أردنا عمارة بيتك، فرأوا طائرا أسود ظهره أبيض بطنه، أصفر الرجلين، أخذها فجرها حتى أدخلها أجياد، ثم هدموها و بنوها عشرين ذراعا طولها، قال أبو الطفيل: فاستقصرت قريش لقصر الخشب فتركوا منها فى الحجر ستة أذرع و شبرا (3).

عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه قال: لما احترقت الكعبة فى الجاهلية هدمتها قريش لتبنيها فكشفت عن ركن من أركانها الأساس فإذا حجر فيه مكتوب: أنا يعفر لى عبد قرا (4)، أقرأ على ربى السلام من رأس ثلاثة آلاف سنة (5).

ذكر الجب الذى كان فى الكعبة و مال الكعبة

عن مجاهد قال: كان فى الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم خليل الرحمن و إسماعيل (صلوات اللّه عليهما) حين رفعا (6) القواعد و كان يكون فيه ما يهدى للكعبة [من‏] حلىّ أو ذهب أو فضة أو طيب أو غير ذلك، و كانت الكعبة ليس لها سقف فسرق منها على عهد جرهم مال مرة بعد مرة، و كانت‏

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «فلذلك».

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «أول من»

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 157 و ما بين حاصرتين منه.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «يغفر بن عبد قرأ» و صوابه لدى الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف.

(5) الأزرقى 1/ 173.

(6) تحرف فى المطبوع إلى: «دفعا».

29

جرهم ترتضى‏ (1) لذلك رجلا يكون عليه يحرسه، فبينا رجل ممن ارتضوا به عندها إذ سولت له نفسه فنظر حتى إذا انتصف النهار و قامت الظلال و قامت المجالس و انقطعت الطرق، و مكة إذ ذاك شديدة الحر، بسط رداءه ثم نزل فى البئر فأخرج ما فيها فجعله فى ثوبه، فأرسل اللّه حجرا من البئر فحبسه حتى راح الناس فوجدوه، فأخرجوه و أعادوا ما وجدوا فى ثوبه فى البئر فسميت تلك البئر الأخسف [فلما أن خسف‏] بالجرهمى و حبسه اللّه عز و جل، بعث اللّه تعالى عند ذلك ثعبانا فأسكنه فى ذلك الجب فى بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة يحرس ما فيه فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه و فتح فاه، فلا يراه أحد إلا ذعر منه، و كان ربما يشرف على جدار الكعبة، فأقام على ذلك فى زمن جرهم و زمن خزاعة و صدرا من عصر قريش، حتى اجتمعت قريش فى الجاهلية على هدم البيت و عمارته، فحال بينهم و بين هدمه حتى دعت قريش عند المقام عليه و النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) معهم [و هو] يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحى بعد، فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصغير (2).

عن عمرة بن عبيد عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال: لقد هممت أن لا أدع فى الكعبة صفراء و لا بيضاء إلا قسمتها، فقال له أبىّ بن كعب: و اللّه ما ذلك لك، فقال عمر: لم؟ فقال إن اللّه عز و جل قد بين موضع كل مال و أقره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال عمر: صدقت‏ (3).

عن الواقدى قال: و ذكروا أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) وجد فى الجب الذى كان فى الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت، و أن علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه قال: يا رسول اللّه، لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه، ثم ذكر لأبى بكر فلم يحركه‏ (4).

____________

(1) تحرف فى الأصل و المطبوع إلى: «ترتفى» و صوابه لدى الأزرقى.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 244 و ما بين حاصرتين منه.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 245.

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 246.

30

قال أبو الوليد الأزرقى حدثنى جدى و غيره من مشيخة (1) أهل مكة و بعض الحجبة: أن الحسين بن الحسن العلوى عمد إلى خزانة الكعبة فى سنة مائتين فى الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة فأخذ مما فيها مالا عظيما و انتقله إليه، و قال ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا لا تنتفع به، نحن أحق به نستعين به على حربنا (2).

عن عبيد اللّه بن زرارة قال: إن مال الكعبة كان يدعى الأبرق، و لم يخالط مالا قط إلا محقه، و لم يرزأ منه أحد قط من أصحابنا إلا بان النقص من ماله، و أدنى ما يصيب‏ (3) صاحبه أن يشدد عليه الموت‏ (4).

عن ابن عمر رضى اللّه عنه أنه كان فى دار خالد بن أسيد بمكة فجاءه رجل فقال:

أرسل معى بحلى إلى الكعبة، فقال: له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ما أحمقكم يا أهل العراق، أما فيكم مسكين؟ أما فيكم يتيم؟ أما فيكم فقير؟ إن كعبة اللّه لغنية عن الذهب و الفضة و لو شاء اللّه لجعلها ذهبا و فضة (5).

ذكر من كسا الكعبة فى الجاهلية

عن أبى هريرة عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه نهى عن سب أسعد الحميرى، و هو تبع، و كان هو أول من كسا الكعبة (6).

عن محمد بن إسحاق قال: بلغنى عن غير واحد من أهل العلم أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تبع، و هو أسعد، أرى فى النوم أنه يكسوها فكساها الأنطاع ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصايل [ثياب‏] حبرة من عصب اليمن و جعل لها بابا يغلق‏ (7).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «شيخة» و هو تحريف قبيح.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 246.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «يصب».

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 247.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 249.

(6) أخبار مكة للأزرقى 1/ 249.

(7) أخبار مكة للأزرقى 1/ 249.

31

عن ابن أبى مليكة قال: كانت قريش فى الجاهلية (1) ترافد فى كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصى بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة (2) بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر (3) بن مخزوم، و كان يختلف إلى اليمن يتجر بها فأثرى فى المال فقال لقريش: أنا أكسو وحدى الكعبة سنة و جميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتى مات‏ (4).

ذكر كسوة الكعبة فى الإسلام و طيبها

عن ابن المهاجر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) خطب الناس يوم عاشوراء فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): هذا يوم عاشوراء يوم تنقضى‏ (5) فيه السنة، و تستر فيه الكعبة، و ترفع فيه الأعمال، و لم يكتب عليكم صيامه و أنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم‏ (6).

عن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج حتى كانت بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء و جمالا، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار (7).

عن ابن عمر رضى اللّه عنه أنه كان يكسو بدنه إذا أراد أن يحرم، القباطى و الحبرة، فإذا كان يوم عرفة ألبسها إياها، فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان فناطها على الكعبة (8).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «قريش و الجاهلية».

(2) تحرف فى الأصل إلى: «أبو زمعة» و صوابه لدى الأزرقى.

(3) تحرف فى الأصل و المطبوع إلى: «عمرو» و صوابه من الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف، و مثله لدى ابن حزم فى الجمهرة ص 144.

(4) تاريخ مكة للأزرقى 1/ 251.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «تقضى».

(6) الأزرقى 1/ 252.

(7) أخبار مكة للأزرقى 1/ 252.

(8) أخبار مكة للأزرقى 1/ 253.

32

عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبى حبيبة عن أبيه قال: كسى البيت فى الجاهلية الأنطاع، ثم كساه النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) الثياب اليمانية، ثم كساه عمر و عثمان رضى اللّه عنهما القباطى، ثم كساه الحجاج الديباج، و يقال: أول من كساه الديباج يزيد بن معاوية، و يقال: ابن الزبير رضى اللّه عنهما، و يقال: عبد الملك بن مروان، و أول‏ (1) من خلّق جوف الكعبة ابن الزبير (2).

عن حبيب بن أبى ثابت‏ (3) قال كسا النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) الكعبة و كساها أبو بكر و عمر رضى اللّه عنهما (4).

عن عائشة رضى اللّه عنها قالت: كسوة البيت على الأمراء (5).

عن عائشة رضى اللّه عنها قالت: طيبوا البيت فإن ذلك من تطهيره‏ (6).

ذكر تجريد الكعبة

عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه كان ينزع كسوة البيت فى كل سنة فيقسمها على الحجاج فيستظلون بها على السمر بمكة (7).

عن عبد اللّه بن إسحاق الحجبى‏ (8) عن جدته فاطمة بنت عبد اللّه قالت حج المهدى فجرد الكعبة و طلا جدرانها من خارج بالغالية و المسك و العنبر، قالت:

فأخبرنى جدك- تعنى زوجها محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحجبى- قال:

صعدنا على ظهر الكعبة بقوارير من الغالية فجعلنا نفرغها على جدران الكعبة من خارج من جوانبها كلها و عبيد الكعبة قد خرطوا فى البكار التى يخاط عليها ثياب الكعبة يطلون بالغالية جدارنها من أسفلها إلى أعلاها (9).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «أول» و صوابه لدى الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 253.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «حبيب بن ثابت» و صوابه لدى الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف.

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 253.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 254.

(6) أخبار مكة للأزرقى 1/ 257.

(7) أخبار مكة للأزرقى 1/ 259.

(8) تحرف فى المطبوع إلى: «الحجى» و هو تحريف قبيح.

(9) أخبار مكة للأزرقى 1/ 263.

33

عن أبى الوليد قال: حدثنى جدى قال: حج المهدى أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فرفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى إنها قد أثقلتها (1) و يخاف على جدرانها من ثقل الكسوة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا ثم ضمخها (2) من خارجها بالغالية و المسك و العنبر و طلا جدرانها كلها من أسفلها إلى أعلاها من جوانبها كلها، ثم أفرغ عليها ثلاث كسى من قباطى و خز و ديباج، و المهدى قاعد على ظهر المسجد مما يلى دار الندوة و ينظر إليها و هى تطلى بالغالية و حين كسيت ثم لم يحرك و لم يخفف عنها من كسوتها شى‏ء حتى كان سنة المائتين فكثرت الكسوة أيضا عليها جدّا، فجردها حسين بن حسن الطالبى فى الفتنة و هو يومئذ قد أخذ مكة ليالى دعت المبيضة إلى أنفسها و أخذوا مكة، فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا، و كان تجريد الحسين بن الحسن إياها أول يوم من المحرم يوم السبت سنة مائتين، ثم كساها حسين بن الحسن كسوتين من قز، إحداهما صفراء و الأخرى بيضاء، مكتوب بينهما: بسم اللّه الرحمن الرحيم، و صلى اللّه على محمد النبى و على أهل بيته الطيبين [الطاهرين‏] الأخيار، أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل‏ (3) محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) بعمل هذه الكسوة لبيت اللّه الحرام‏ (4).

ذكر ذرع البيت الحرام من خارج‏

طولها فى السماء سبعة و عشرون ذراعا، و ذرع طول وجه الكعبة من الركن الأسود إلى الركن الشامى خمسة و عشرون ذراعا، و ذرع دبرها من الركن اليمانى إلى الركن الغربى خمسة و عشرون ذراعا، و ذرع شقها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرون ذراعا، و ذرع شقها الذى فيه الحجر من الركن الشامى إلى الركن الغربى واحد و عشرون ذراعا، و ذرع جميع الكعبة مكسرا من أربعمائة

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «أثقلها».

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «ضمنها».

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «داعية إلى محمد».

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 263، 264 و ما بين حاصرتين منه.

34

ذراع و ثمانية عشر ذراعا، و ذرع بعد (1) جدار الكعبة ذراعان، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا، و الكعبة لها سقفان أحدهما فوق الآخر (2).

ذرع الكعبة من داخل‏

قال أبو الوليد: ذرع طول الكعبة فى السماء من داخلها إلى السقف الأسفل مما يلى الكعبة ثمانية عشر ذراعا و نصف، و طول الكعبة فى السماء إلى السقف‏ (3) الأعلى عشرون ذراعا، و فى سقف الكعبة أربع روازن نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل للضوء، و على الروازن رخام، كان ابن الزبير رضى اللّه عنه أتى به من اليمن من صنعاء، و بين السقفين فرجة، و ذرع التحجير الذى فوق ظهر سطح الكعبة ذراعان و نصف، و ذرع عرض جدر التحجير كما يدور ذراع، و فى التحجير ملبن مربع من ساج فى جدرات سطح الكعبة كما يدور، و فيه حلق حديد تشد فيها ثياب الكعبة، و كانت أرض سطح الكعبة بالفسيفساء ثم كانت تكف- عليهم إذا جاء المطر فقلعته الحجبة بعد سنة المائتين و شيدوه بالمرمر المطبوخ و الجص، شيدته تشييدا (4).

و ميزاب الكعبة فى وسط الجدر الذى يلى الحجر بين الركن الشامى و الركن الغربى يسكب فى بطن الحجر، و ذرع طول الميزاب أربعة أذرع وسعته ثمانية أصابع فى ارتفاع مثلها، و الميزاب ملبس صفائح ذهب داخله و خارجه، و كان الذى جعل الذهب الوليد بن عبد الملك‏ (5).

و ذرع مسيل الماء فى الجدر ذراع و سبعة عشر إصبعا، و ذرع داخل الكعبة من وجهها من الركن الذى فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامى و فيه باب الكعبة تسعة عشر ذراعا و عشر أصابع، و ذرع ما بين الركن الشامى إلى الركن الغربى،

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «نفذ» و صوابه لدى الفاسى فى شفاء الغرام و هو ينقل عن المصنف.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 289.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «الثقف».

(4) الأزرقى 1/ 291.

(5) الأزرقى 1/ 291.

35

و هو الشق الذى يلى الحجر خمسة عشر ذراعا و ثمانية عشر إصبعا، و ذراع ما بين الركن الغربى إلى الركن اليمانى و هو ظهر الكعبة عشرون ذراعا و ستة أصابع، و ذرع ما بين الركن اليمانى إلى الركن الأسود ستة عشر ذراعا و ستة أصابع‏ (1).

و فى الكعبة ثلاثة كراسى من ساج، طول كل كرسى فى السماء ذراع و نصف، و عرض كل كرسى منها ذراع و ثمانية أصابع فى مثلها، و الكراسى ملبسة صفائح ذهب، و فوق الذهب ديباج، و تحت الكراسى رخام أحمر بقدر سعة الكراسى، و طول الرخام فى السماء سبعة أصابع، و على الكراسى أساطين متفرقة ملبسة.

الأسطوانة الأولى التى على باب الكعبة ثلثها ملبس صفائح ذهب و فضة و بقيتها مموهة، و ذرع غلظها ثلاثة أذرع.

و الأسطوانة الثانية و هى الوسطى من الأساطين ملبسة صفايح ذهب و فضة، و ذرع غلظها (2) ثلاثة أذرع، و الأسطوانة الثالثة و هى التى تلى الحجر ثلثها ملبس صفايح الذهب و بقيتها مموهة و ذرع غلظها ذراعان و نصف و فوق الأساطين كراسى ساج مربعة منقوشة بالذهب و الزخرف، و على الكراسى ثلاث جوايز ساج أطرافها على الجدر الذى فيه باب الكعبة، و أطرافها الأخرى على الجدر الذى يستقبل باب الكعبة و الجوايز منقوشة بالذهب و الزخرف، و يدور تحت السقف إفريز منقوش بالذهب و الزخرف، و تحت الإفريز طوق من فسيفساء (3).

و ذرع ما بين الأسطوانة الأولى إلى الأسطوانة الثانية أربعة أذرع و نصف، و ذرع ما بين الأسطوانة [الثانية إلى الأسطوانة الثالثة أربعة أذرع و نصف، و ذرع ما بين الأسطوانة] (4) الثالثة إلى الجدر الذى يلى الحجر ذراعان و ثمانية أصابع،

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 291.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «غلظتها».

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 291.

(4) ما بين حاصرتين ساقط من المطبوع و هو فى الأصل، و مثله لدى الأزرقى الذى ينقل عنه المصنف.

36

و بين الأساطين من المعاليق سبعة و عشرون معلاقا، و المعاليق فى ثلثى الأساطين و المعاليق فى عمد حديد (1) و سلاسل المعاليق فضة، و بين الجدر الذى بين الحجر الأسود و الركن اليمانى إلى الأسطوانة الأولى أحد عشر معلاقا، و من الأسطوانة الثانية ثمان معاليق فيها تاجان، و من الأسطوانة الثانية إلى الأسطوانة الثالثة ثمان معاليق، و هذه المعاليق كانت موجودة إلى سنة تسع و ثلاثين و مائتين‏ (2).

قال أبو الوليد: فى الجدر الذى يقابل باب الكعبة و هو دبرها جزعة سوداء مخططة ببياض و ذرع سعتها اثنا عشر إصبعا فى مثلها، و هى مدورة و حولها طوق ذهب عرضه ثلاثة أصابع، و هى تستقبل من دخل [من‏] باب الكعبة، و ارتفاعها من بطن الكعبة ستة أذرع و نصف، يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) مقابل موضعها جعلها حيال حاجبه الأيمن، قال أبو الوليد: و هذه الجزعة أرسل بها الوليد بن عبد الملك فجعلت هناك‏ (3).

درج الكعبة: قال أبو الوليد و فى الكعبة إذا دخلتها على يمينك درجة يظهر عليها إلى سطح الكعبة و هى مربعة مع جدرى الكعبة فى زاوية الركن الشامى منها داخل فى الكعبة من جدرها الذى فيه بابها ثلاثة أذرع و نصف، و ذرع الجدر الآخر الذى يلى الحجر ثلاثة أذرع و نصف، و ذرع باب الدرجة (4) فى السماء ثلاثة أذرع و نصف [و ذرع عرضه‏] ذراع و نصف، و بابها ساج فرد أعسر، و هو فى حد جدر الكعبة و كان ساجه باديا ليس عليه ذهب و لا فضة حتى أمر أمير المؤمنين المتوكل على اللّه فضربت على الباب صفايح من فضة و جعل له غلق‏ (5) من فضة فى المحرم سنة سبع و ثلاثين و مائتين، و على الباب ملبن ساج ملبس فضة، و فى الباب حلقة فضة و على الباب قفل من حديد فى الملبن الذى يلى جدار

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «عهد جديد» و هو تحريف قبيح.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 292.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 293 و ما بين حاصرتين منه.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «الوجهة».

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «علق» بالعين المهملة.

37

الكعبة، و باب الدرجة عن يمين من دخل الكعبة مقابله، و طول الدرجة فى السماء من بطن الكعبة عشرون ذراعا، و عدد أضفارها ثمانية و أربعون ضفرا، و فيها ثمان مستراحات، و عرض الدرجة ذراع و أربعة أصابع، و فى الدرجة ثمانى كوى داخلة فى الكعبة، منها أربع حيال الباب و أربع حيال الأسطوانة التى تلى الجدر الذى يلى الحجر، و على بابها الذى يلى سطح الكعبة باب ساج طوله ذراعان و نصف، و عرض ذلك [الباب‏] ذراعان‏ (1).

ذكر باب الكعبة

ذرع باب الكعبة فى السماء ستة أذرع و عشرة أصابع، و هما مصراعان عرض كل مصراع ذراع و ثمانية عشر إصبعا، و عود (2) الباب ساج و غلظه ثلاثة أصابع، فإذا أغلقا فعرضهما ثلاثة أذرع و نصف‏ (3).

و ملبن باب الكعبة الذى يطأ عليه من دخلها داخل الجدر عشرة أصابع، و الملبن ساج و ملبس صفايح ذهب، و عرض [وجه الملبن عشرة أصابع، و عرض‏] وجهه الآخر أربعة أصابع، و وجه الباب ملبس صفايح ذهب، و فى الباب الأيسر أنف الباب ملبس ذهبا منقوشا طرفاه‏ (4) [مربعان‏] و على الأنف كتاب فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ «وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ».

(سورة البقرة: آية 149)

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 294 و ما بين حاصرتين منه.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «عود».

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 307.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «طرفاء» بالهمزة فى آخره.

38

ذكر صفة الشاذروان و ذرع الكعبة من خارجها

فى السماء من البلاط المفروش حولها تسعة (1) و عشرون ذراعا و ستة عشر إصبعا، و طولها من الشاذروان سبعة و عشرون ذراعا، و عدد حجارة الشاذروان التى حول الكعبة ثمانية و ستون حجرا فى ثلاثة وجوه، من ذلك حد الركن الغربى إلى الركن اليمانى خمسة و عشرون حجرا منها حجر طوله ثلاثة أذرع و نصف و هو عتبة الباب الذى سد فى ظهر الكعبة، و بينه و بين الركن اليمانى أربعة أذرع، و فى الركن اليمانى حجر مدور، و بين الركن اليمانى و الركن الأسود ثلاثة أذرع و اثنا عشر أصبعا ليس فيه شاذروان، و من حد الركن الشامى [إلى الركن‏] الذى فيه الحجر الأسود ثلاثة و عشرون حجرا، و من الشاذروان الذى يلى الملتزم إلى الركن الذى فيه الحجر الأسود ذراعان ليس فيهما شاذروان و هو الملتزم، و طول الشاذروان فى السماء ستة عشر إصبعا، و عرضه ذراع، و طول درجة الكعبة التى يصعد عليها الناس إلى بطن الكعبة من خارج ثمانية أذرع و نصف، و عرضها ثلاثة أذرع، و فيها من الدرج ثلاث عشرة درجة و هى من خشب الساج‏ (2).

ذكر الحجر

عن عائشة رضى اللّه عنها [أنها] قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلى فيه فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيدى فأدخلنى فى الحجر و قال لى: صلى فى الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت و لكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت‏ (3).

عن المبارك بن حسان الأنماطى قال: رأيت عمر بن عبد العزيز فى الحجر فسمعته يقول شكا إسماعيل (عليه السلام) إلى ربه عز و جل حرّ مكة فأوحى اللّه إليه إنى‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 308.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 309 و ما بين حاصرتين منه.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 312 و ما بين حاصرتين منه.

39

أفتح لك بابا من الجنة فى الحجر يجرى عليك [منه‏] الروح إلى يوم القيامة و فى ذلك الموضع توفى، قال خالد بن سلمة المخزومى: فيرون أن ذلك الموضع ما بين الميزاب إلى باب الحجر الغربى فيه قبره‏ (1).

عن صفوان بن عبد اللّه بن صفوان الجمحى قال: حفر (2) ابن الزبير الحجر فوجد فيه سقطا من حجارة خضر فسأل‏ (3) قريشا عنه فلم يجد عند أحد منهم فيه علما، قال: فأرسل إلى عبد اللّه بن صفوان فسأله فقال: هذا قبر إسماعيل (عليه السلام) فلا تحركه، قال: فتركه‏ (4).

و قال ابن إسحاق: كان قبر إسماعيل و قبر أمه هاجر فى الحجر (5).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 312 و ما بين حاصرتين منه.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «حضر» بالفاء المعجمة.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «قال».

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 312.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 313 و قد تحرف الحجر فى المطبوع إلى: «الحجرة».

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب الثانى فى ذكر الملتزم و غيره من الأماكن‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

ذكر الملتزم و القيام فى ظهر الكعبة

عن أبى الزبير المكى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: الملتزم و المدعى و المتعوذ ما بين الحجر و الباب، قال أبو الزبير فدعوت هنالك فاستجيب لى‏ (1).

عن مجاهد قال: رأيت ابن عباس و هو يستعيذ ما بين الركن و الباب‏ (2).

عن مجاهد قال: ما بين الركن و الباب يدعى الملتزم، و لا يقوم عبد ثمّ فيدعو اللّه عز و جل بشى‏ء إلا استجاب له‏ (3).

عن مجاهد قال: الصق خديك بالكعبة و لا تضع جبهتك‏ (4).

عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد اللّه بن عمرو فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللّه من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن و الباب فوضع صدره و وجهه و ذراعيه و كفه بسطا، و قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يفعل‏ (5).

عن عطاء قال: مر ابن الزبير بعبد اللّه بن عباس بين الباب و الركن الأسود فقال ليس ها هنا الملتزم، الملتزم دبر البيت، قال ابن عباس: هناك ملتزم عجايز قريش‏ (6).

عن مجاهد قال: قال معاوية بن أبى سفيان: من قام عند ظهر البيت فدعا استجيب له و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ (7).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 347.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 347.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 347.

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 347.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 347.

(6) أخبار مكة للأزرقى 1/ 348.

(7) أخبار مكة للأزرقى 1/ 348.

44

عن أيوب قال: رأيت القاسم بن محمد و عمر بن عبد العزيز يقفان فى ظهر الكعبه بحيال الباب فيتعوذان و يدعوان‏ (1).

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: من التزم الكعبة ثم دعا استجيب له [فقيل له‏]: و إن كانت استلامة واحدة؟ قال: و إن كانت أوشك من برق الخلب‏ (2).

عن عبد اللّه بن أبى سليمان مولى بنى مخزوم أنه قال: طاف آدم (عليه السلام) سبعا بالبيت حتى نزل ثم صلى و جاه باب الكعبة ركعتين ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سريرتى و علانيتى فاقبل معذرتى، و تعلم ما فى نفسى و ما عندى فاغفر لى ذنوبى، و تعلم حاجتى فأعطنى سؤلى، اللهم إنى أسألك إيمانا يباشر قلبى و يقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبنى إلا ما كتبت لى و الرضا بما قضيت علىّ، فأوحى اللّه إليه يا آدم قد دعوتنى بدعوات و استجبت لك، و لن يدعونى بها أحد من ولدك إلا كشفت همومه و غمومه و كففت عليه ضيعته، و نزعت الفقر من قلبه، و جعلت الغنى بين عينه، و تجرت له من وراء تجارة كل تاجر و أتته الدنيا [و هى‏] راغمة و إن كان لا يريدها (3).

قال أبو الوليد: حدثنى أحمد بن نصر العرنى عن عثمان بن اليمان عن حفص ابن سليمان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) طاف أدم بالبيت سبعا حين نزل ... ثم نسق مثل هذا الحديث‏ (4).

قال أبو الوليد: ذرع الملتزم، و هو ما بين الكعبة و حد الركن الأسود أربعة أذرع‏ (5).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 348.

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 348 و ما بين حاصرتين منه.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 348 و ما بين حاصرتين منه.

(4) أخبار مكة للأزرقى 1/ 349.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 350.

45

الصلاة فى وجه الكعبة

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال أمّنى‏ (1) جبريل عند باب الكعبة مرتين‏ (2).

عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: البيت كله قبلة، و قبلته وجهه، فإن أخطأك وجهه فقبلة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قبلة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) ما بين الميزاب إلى الركن الشامى الذى يلى المقام‏ (3).

الحطيم و أين موضعه‏ (4)

عن مسلم بن خالد الزنجى قال: الحطيم‏ (5) ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر، و كان إساف و نايلة رجل و امرأة دخلا الكعبة فقبّلها فيها فمسخا حجرين فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما فى مكان زمزم و نصب الآخر فى وجه الكعبة ليعتبر بهما الناس و يزدجروا عن مثل ما ارتكبا.

قال: فسمى هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان و يستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقلّ من دعا هنالك على ظالم إلا أهلك، و قلّ من حلف‏ (6) هناك إثما (7) إلا عجّلت له العقوبة، فكان ذلك يحجز (8) بين الناس عن الظلم و يتهيب الناس الأيمان هنالك، فلم يزل ذلك حتى جاء اللّه عز و جل بالإسلام فأخر اللّه تعالى ذلك لما أراد إلى يوم القيامة (9).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «أتانى».

(2) أخبار مكة للأزرقى 1/ 350.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 350.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «يلى المقام و أى موضعه».

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «قال: كان تحطيم» و هو تحريف قبيح جدّا.

(6) تحرف فى المطبوع إلى: «خلف» بالخاء المعجمة.

(7) تحرف فى المطبوع إلى: «إيمانا».

(8) تحرف فى المطبوع إلى: «يحجر» بالراء المهملة.

(9) أخبار مكة 2/ 23.

46

المقام و الأثر الذى فيه‏

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: ليس فى الأرض من الجنة إلا الركن الأسود و المقام، فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة، و لولا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه‏ (1).

عن مجاهد فى قوله سبحانه و تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ‏ (سورة آل عمران: آية 97) قال: أثر قدميه فى المقام (صلّى اللّه عليه و سلم)(2).

عن قتادة: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ (سورة البقرة: آية 125) [قال‏] إنما أمروا أن يصلوا عنده و لم يؤمروا بمسحه، و لقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، و لقد ذكر لنا بعض من رأى أثره و أصابعه فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق و انماح‏ (3).

قال أبو الوليد: و ذرع المقام ذراع، و المقام مربع سعة أعلاه أربع عشرة إصبعا فى أربع عشرة إصبعا، و من أسفله مثل ذلك، و فى طرفيه من أعلاه‏ (4)، و من أسفله طوق من ذهب، و عرض حجر المقام من نواحيه إحدى و عشرون إصبعا، و وسطه مربع و القدمان داخلتان فى الحجر سبعة أصابع، و دخولهما منحرفتان، و بين القدمين من الحجر إصبعان و وسطه قد استدق من التمسح به‏ (5).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 2/ 29.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 29.

(3) أخبار مكة للأزرقى 2/ 29.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «من أعلام».

(5) أخبار مكة للأزرقى 2/ 38.

47

ذكر بئر زمزم‏

عن وهب بن منبه قال فى زمزم و الذى نفسى بيده إنها لفى كتاب اللّه مضنونة [و إنها لفى كتاب اللّه برة، و إنها لفى كتاب اللّه شراب الأبرار] (1) و إنها لفى كتاب اللّه طعام طعم و شفاء سقم‏ (2).

عن إبراهيم بن نافع عن ابن أبى حسين‏ (3) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث إلى سهيل ابن عمرو يستهديه من ماء زمزم، فبعث إليه براويتين و جعل عليهما كرا غوطيا (4).

عن جابر رضى اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: [ماء] زمزم لما شرب له‏ (5).

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» (6).

عن عطاء أن كعب الأحبار حمل منها اثنتى عشرة راوية إلى الشام‏ (7).

عن الضحاك بن مزاحم قال: بلغنى أن التضلع‏ (8) من ماء زمزم براءة من النفاق، و أن ماءها يذهب بالصداع، و أن الاطلاع فيها يجلو البصر (9)، و أنه سيأتى عليها زمان تكون أعذب من النيل و الفرات‏ (10).

قال أبو محمد الخزاعى و قد رأينا ذلك فى سنة (11) إحدى و اثنتين و ثمانين و مائتين، و ذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة فسال واديها بأسيال عظام فى سنة

____________

(1) ما بين حاصرتين ساقط من المطبوع.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 49.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «عن أبى حسين».

(4) أخبار مكة للأزرقى 2/ 50.

(5) أخبار مكة للأزرقى 2/ 52، و ما بين حاصرتين منه.

(6) أخبار مكة للأزرقى 2/ 52.

(7) أخبار مكة للأزرقى 2/ 52.

(8) تحرف فى المطبوع إلى: «التطلع».

(9) تحرف فى المطبوع إلى: «الصبر» و هو تحريف قبيح.

(10) أخبار مكة للأزرقى 2/ 54.

(11) تحرف فى المطبوع إلى: «و قد روينا ذلك فى مسند إحدى» و هو تحريف قبيح جدّا.

48

تسع و سبعين و سنة ثمانين و مائتين، فكثر ماء زمزم و ارتفع حتى قارب رأسها فلم يكن بينه و بين شفتها العليا إلا سبعة أذرع أو نحوها، و ما رأيتها قط كذلك و لا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك، و عذبت‏ (1) جدّا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التى يشربها أهلها (2).

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: رأيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) نزع له دلو من [ماء] زمزم فشرب قائما (3).

عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: كنا مع النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فى صفة (4) [زمزم‏] فأمر بدلو فنزعت له من البئر فوضعها على شفة (5) البئر ثم وضع يده من تحت عراقى الدلو ثم قال: باسم اللّه، ثم كرع فيها فأطال ثم أطال فرفع رأسه فقال: الحمد للّه، ثم عاد فقال: باسم اللّه [ثم كرع فيها فأطال، و هو دون الأول، ثم رفع رأسه فقال: الحمد للّه، ثم كرع فيها فقال: بسم اللّه، فأطال‏] (6)، و هو دون الثانى، ثم رفع رأسه فقال: الحمد للّه، ثم قال (صلّى اللّه عليه و سلم): علامة ما بيننا و بين المنافقين لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا (7).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «و غربت».

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 54.

(3) أخبار مكة للأزرقى 2/ 57، و ما بين حاصرتين منه.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «فى اصله».

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «شقة».

(6) ما بين حاصرتين ساقط من المطبوع.

(7) أخبار مكة للأزرقى 2/ 57.

49

ذكر [حد] (1) المسجد الحرام و فضله و فضل الصلاة فيه‏

عن على الأزدى‏ (2) قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنا لنجد فى كتاب اللّه المنزل أن حدّ المسجد من الحزورة (3) إلى المسعى‏ (4).

عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصى قال: أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم (عليه السلام) من الحزورة إلى المسعى‏ (5) إلى مخرج سيل‏ (6) أجياد (7).

عن عبد الجبار بن الورد المكى قال: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول: المسجد الحرام الحرم كله‏ (8).

عن ابن جريج قال: كان المسجد الحرام ليس عليه جدرات محاطة إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبوابا (9) يدخل منها [الناس‏] من كل نواحيه، فضاق على الناس، فاشترى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه دورا فهدمها، و هدم على من قرب من المسجد، و أبى بعضهم أن يأخذ الثمن و تمنع من البيع فوضعت أثمانها فى خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا و قال لهم عمر: إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها و لم تنزل [الكعبة] عليكم، ثم كثر الناس فى زمان عثمان فوسع المسجد و اشترى من قوم و أبى آخرون أن يبيعوا فهدم عليهم فصيحوا به فدعاهم فقال: إنما جرأكم‏ (10) علىّ حلمى عنكم، قد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد فاحتذيت على مثاله [فصيحتم‏].

____________

(1) ساقط من المطبوع.

(2) تحرف فى المطبوع إلى: «الأزمى».

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «الخزورة» بالخاء المعجمة.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «السعى» و الخبر لدى الأزرقى 2/ 62.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «السّعى».

(6) تحرف فى المطبوع إلى: «سبيل».

(7) أخبار مكة للأزرقى 2/ 62.

(8) فى الأصل: «أجمع» و تحرف فى المطبوع إلى: «الحرم ما جمع» و المثبت رواية الأزرقى 2/ 62.

(9) تحرف فى المطبوع إلى: «بين الدور لها بوابا» و هو تحريف قبيح جدا.

(10) تحرف فى المطبوع إلى: «جزاكم».

50

ثم زاد الخلفاء فيه زيادات أخرى‏ (1).

قال أبو الوليد (رحمه اللّه تعالى): ذرع المسجد الحرام مكسرا مائة ألف ذراع و عشرون ألف ذراع، و ذرع المسجد الحرام طولا من باب بنى جمح إلى باب بنى هاشم الذى عنده العلم الأخضر مقابل دار العباس بن عبد المطلب، أربعمائة ذراع و أربعة أذرع مع جدريه يمر فى بطن الحجر لاصقا بجدر الكعبة، و عرضه من باب دار الندوة إلى الجدر الذى يلى الوادى عند باب الصفا لا صقا بوجه الكعبة ثلاثمائة ذراع و أربعة أذرع و ذرع [عرض‏] المسجد الحرام من المنارة التى عند المسعى إلى المنارة التى عند باب بنى شيبة الكبير مائتا ذراع و ثمانية و سبعون ذراعا، و ذرع عرض المسجد الحرام من منارة باب أجياد إلى منارة بنى سهم مائتا ذراع و ثمانية و سبعون ذراعا (2).

و عدد أساطين المسجد الحرام من شقه الشرقى مائة و ثلاث أسطوانات، و من شقه الغربى مائة أسطوانة، و خمس أسطوانات، و من شقه الشامى مائة و خمس و ثلاثون أسطوانة، و [من‏] شقه اليمانى مائة و إحدى و أربعون أسطوانة، فجميع ما فيه من الأساطين أربعمائة أسطوانة و أربع و ثمانون أسطوانة، طول كل أسطوانة عشرة أذرع، و تدويرها ثلاثة أذرع، و بعضها (3) يزيد على بعض فى الطول و الغلظ، و ذرع ما بين كل أسطوانتين ستة أذرع و ثلاثة عشر إصبعا (4).

قال أبو الوليد، (رحمه اللّه تعالى): و فى المسجد الحرام ثلاثة و عشرون بابا فيها ثلاث و أربعون طاقا، منها فى الشق الذى يلى المسعى، و هو الشرقى، خمسة أبواب، و هو إحدى عشرة طاقا (5).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 2/ 68 و ما بين حاصرتين منه.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 81 و ما بين حاصرتين منه.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «أذرع وجها يزيد».

(4) أخبار مكة 2/ 82.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «إحدى عشرة نطاقا» و الخبر لدى الأزرقى 2/ 86.

51

فضل المسجد الحرام و الصلاة فيه‏

عن أبى سعيد الخدرى قال: قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلم): تشد الرحال‏ (1) إلى ثلاثة مساجد:

المسجد الحرام، و مسجدى هذا، و المسجد الأقصى‏ (2).

عن سعيد بن المسيب قال: استأذن رجل من عمر بن الخطاب فى إتيان بيت المقدس، فقال له اذهب فتجهز، فإذا تجهزت فأعلمنى، فلما تجهز جاءه فقال له عمر: اجعلها عمرة، قال: و مر به رجلان و هو يعرض إبل الصدقة فقال لهما: من أين جئتما؟ فقالا: من بيت المقدس، قال: فعلاهما بالدرة، قال: أحج كحج البيت، قالوا: إنما كنا مجتازين‏ (3).

عن عطاء بن أبى رباح قال: جاء رجل إلى الرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الفتح فقال:

إنى نذرت أن أصلى فى بيت [المقدس‏] فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ها هنا [فصلّ‏] فرد ذلك عليه ثلاثا، فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلم): و الذى نفسى بيده لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان‏ (4).

عن ابن أبى مليكة (5) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام أفضل من خمس و عشرين صلاة فيما سواه من المساجد (6).

عن ابن الزبير (7) قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلم): فضل المسجد الحرام على مسجدى مائة صلاة (8).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «الرجال» بالجيم المعجمة.

(2) الأزرقى 2/ 63.

(3) الأزرقى 2/ 63.

(4) الأزرقى 2/ 63 و ما بين حاصرتين منه.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «عن أبى مليكة».

(6) الأزرقى 2/ 64.

(7) تحرف فى المطبوع إلى: «أبى الزبير».

(8) الأزرقى 2/ 64.

52

ذكر الصفا و ذرع ما بينه و بين الركن الأسود

و ذرع ما بين الصفا و المروة.

قال أبو الوليد (رحمه اللّه تعالى): و ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا مائتا ذراع و اثنان و ستون ذراعا و ثمانية عشر أصبعا، و ذرع ما بين المقام إلى المسجد الذى يخرج منه إلى الصفا مائة ذراع و أربعة و ستون ذراعا و نصف، و ذرع ما بين باب المسجد الذى يخرج منه إلى الصفا إلى وسط الصفا مائة ذراع و اثنا عشرة ذراعا و نصف، و على الصفا اثنتا عشرة درجة حجارة، و من وسط الصفا إلى علم المسعى الذى فى حد المنارة مائة ذراع و اثنان و أربعون ذراعا و نصف، و العلم أسطوانة طولها ثلاثة أذرع، و هى مبنية فى حدّ المنارة، و هى من الأرض على أربعة أذرع، و هى ملبسة بفسيفساء و فوقها لوح طوله ذراع و ثمانية عشر إصبعا، و عرضه ذراع، مكتوب فيه بالذهب و فوقة طوق ساج، و ذرع ما بين العلم الذى فى حد المنارة إلى العلم الأخضر الذى على باب المسجد، و هو المسعى، مائة ذراع و اثنا عشر ذراعا، و السعى بين العلمين، و طول العلم الذى على باب المسجد عشرة أذرع و أربعة عشر إصبعا، منه أسطوانة مبيضة ستة أذرع، و فوقها أسطوانة طولها ذراعان و عشرون إصبعا، و هى ملبسة فسيفساء أخضر، و فوقها لوح طوله ذراع و ثمانية عشر إصبعا، و اللوح مكتوب فيه بالذهب، و ذرع ما بين العلم الذى على باب المسجد إلى المروة خمس عشرة درجة، و ذرع ما بين الصفا و المروة سبعمائة ذراع و ستة و ستون ذراعا و نصف، و ذرع ما بين العلم الذى على باب المسجد إلى العلم الذى بحذائه على باب دار العباس بن عبد المطلب، و بينهما عرض المسعى خمسة و ثلاثون ذراعا و نصف، و من العلم الذى على باب دار العباس إلى العلم الذى عند دار ابن عباد (1)، الذى بحذاء العلم الذى فى حد المنارة و بينهما الوادى مائة ذراع و إحدى و عشرون ذراعا (2).

____________

(1) تحرف فى المطبوع إلى: «بن عباس».

(2) الأزرقى 2/ 118.

53

ذرع طواف سبع بالكعبة

قال أبو الوليد: [ذرع طواف سبع بالكعبة] ثمانمائة و ستة و ثلاثون ذراعا و عشرون إصبعا، و من المقام إلى الصفا مائتا ذراع و سبعة و سبعون ذراعا، و من الصفا إلى المروة طواف واحد سبعمائة و ستة و ستون ذراعا و نصف، يكون سبع بينهما خمسة آلاف و ثلاثمائة ذراع و خمسة و ستون ذراعا و نصفا (1).

ذكر بناء درج الصفا و المروة

قال أبو الوليد: حدثنى جدى أحمد بن محمد، قال: كان الصفا و المروة يسند فيهما من سعى بينهما، و لم يكن بينهما بناء و لا درج، حتى كان عبد الصمد بن على فى خلافة أبى جعفر المنصور فبنى درجهما التى هى اليوم درجهما (2).

ذكر الحرم و كيف حرم‏

عن وهب بن منبه أن آدم (عليه السلام) اشتد بكاؤه و حزنه لما كان من عظيم المصيبة، حتى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه و لتبكى لبكائه، فعزاه اللّه بخيمة من خيام الجنة وضعها بمكة فى موضع الكعبة قبل أن تكون، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، و فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة يلتهب [فيها نور] من نور الجنة، فكان ضوء ذلك النور ينتهى إلى موضع الحرم، فلما سار آدم (عليه السلام) [إلى‏] مكة حرسه اللّه و حرس تلك الخيمة بالملائكة، فكانوا يقفون على مواقع أنصاب الحرم يحرسونه و يزودون عنه سكان الأرض، و سكانها يومئذ الجن و الشياطين، فلا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شى‏ء من الجنة، لأن من نظر إلى شى‏ء منها وجبت له، و الأرض يومئذ نقية (3) طاهرة طيبة، لم تنجس، و لم تسفك فيها الدماء، و لم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها اللّه سبحانه يومئذ مستقرّا لملائكته،

____________

(1) الأزرقى 2/ 120.

(2) الأزرقى 2/ 120.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «بقية».

54

و جعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبحون الليل و النهار لا يفترون، فلم تزل تلك الخيمة مكانها حتى قبض اللّه عز و جل آدم (عليه السلام)، ثم رفعها إليه‏ (1).

ذكر أول من نصب أنصاب الحرم‏

عن ابن عباس، رضى اللّه عنهما، أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم يريه ذلك جبريل (عليه السلام)، فلما كان عام الفتح بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تميم بن أسد الخزاعى فجدد ما رثى منها (2).

ذكر حدود الحرم‏

قال أبو الوليد، (رحمه اللّه تعالى): من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت غفار (3) ثلاثة أميال، و من طريق اليمن من طرق إضاءة لبن فى ثنية لبن على سبعة أميال، و من طريق جدة منقطع الأعشاش عشرة أميال، و من طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة، على أحد عشر ميلا، و من طريق العراق على ثنية خل‏ (4) بالمقطع على سبعة أميال، و من طريق الجعرانة فى شعب‏ (5) آل عبد اللّه بن خالد بن أسيد على تسعة أميال‏ (6).

____________

(1) الأزرقى 2/ 127 و ما بين حاصرتين منه.

(2) الأزرقى 2/ 128.

(3) تحرف فى المطبوع إلى: «تغار» و هو تحريف قبيح.

(4) تحرف فى المطبوع إلى: «حد».

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «شعث».

(6) أخبار مكة للأزرقى 2/ 130.