نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن ونسب القحطانية

- عبد الرحمن بن علي ابن ديبع المزيد...
312 /
5

المقدمة [الشارح‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

سبحانك اللهم و بحمدك حمدا يوافي نعمك و يكافئ مزيدك، و تبارك اسمك يا ذا الجلال و الإكرام، و تعالى جدك، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك، أنت المستعان، و عليك البلاغ، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و أشهد أن محمدا عبدك و خاتم أنبيائك و رسلك- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)- بعثته بالرسالة الخالدة للناس كافة، رحمة للعالمين، سيدا للخلق أجمعين، اللهم صلّ و سلّم و بارك عليه و على آله و أصحابه و أتباعه و إخوانه الغر الميامين، و من اصطفيت من عبادك الصالحين، و من سار على نهجهم القويم إلى يوم الدين.

اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أعوذ بك من شر ما استعاذك منه، اللهم اغفر لي و لوالدي و للمؤمنين يوم يقوم الحساب، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، و في الآخرة حسنة، و قنا عذاب النار. أما بعد:

فإن من حكمته تعالى في خلقه أن جعل الناس ينتشرون في الأرض أمما و شعوبا و قبائل مختلفي الألوان و الألسنة و المساكن و الطبائع و المواهب و الطاقات.

و جعل لكل أمة خصائص في أفرادها و في بلادها تختلف عن الأخرى، منسكا و شرعة و منهاجا، و مزايا و خصائص و سجايا.

و طلب إلى الجميع أن يستبقوا الخيرات، و يتفكروا في خلق السموات و الأرض، و يعبدوا اللّه تعالى حق عبادته، لا فضل لأحد منهم على غيره إلا بالتقوى.

يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏، وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات 49/ 13].

6

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏ [الروم 30/ 22].

و فتح بينهم مجال السعي و التنافس، فمن الأمم من أفلحت و فازت بنعيمي الدنيا و الآخرة، و صنعت الحضارة، و سبقت إليه، و تمتعت بها، و حمت مكتسباتها في الحياة بكل ما تملكه من قوة و علم، فتفتح البلاد، و تحكم بما أنزل اللّه، فتنشر العدل و السلام، و تصون الأرض و الإنسان.

و منها من فازت بنعيم الدنيا فحسب فأسهمت في بناء أمجادها فيها، و تدمير غيرها بما تملك من أسباب العلم و القوة، و وسائل الإرهاب و الإيذاء، أو انغمست بعد ذلك في ملذاتها و ملاهيها و شهواتها، فنسيت ربّها و أنفسها و ما خلقت له، فسلّط اللّه عليها من هو أقوى منها و أعتى، لا يرحمها، يستبد بها، فيستعبد إنسانها و يستغل أراضيها مدّعيا تحضيرها تحت شعارات و أسماء شتى، يخدع بها الناس كالوصاية و الانتداب و الحماية و الدفاع المشترك و الاستعمار، فتخسر بذلك الدنيا و الآخرة معا، بدليل قوله تعالى:

وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ [الحشر 59/ 19].

و منها من تخلفت عن أسباب الدنيا أو نامت، و ادعت العمل للآخرة وحدها و نسيان الدنيا، فلم تظفر منهما بشي‏ء، و استغل أعداؤها نومها، فاعتدوا عليها و انتهكوا حرماتها بانحرافها عن سنن الحياة التي أوصانا بها اللّه تعالى إذ يقول:

وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏ [القصص 28/ 77].

و الحياة لا تستقر على حال، فقد ينام الصاحي، و يصحو النائم، و يضعف القوي، و يقوى الضعيف أو يموت.

و يلجأ مفكرو الأمم في حال ضعفها خاصة إلى بعثها من جديد، و تقويتها بتوحيدها، و بثّ روح النهضة بين أبناء أمتهم، مذكرين بخصائصها التي منحها اللّه تعالى إياها، مفتخرين بماضيها، إن كان لها ماض مجيد، أو يدّعونه، ليربطوا الحاضر بالماضي‏

7

و يبنوا المستقبل المنشود لها، فما أقبح من يهدم الماضي مدّعيا أن ما عنده من الحاضر يكفيه لحياة لا انفصال فيها بين ماض و حاضر و مستقبل.

و هذا ما صنعه الإمام المحدث المؤرخ وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الديبع الشيباني الشافعي في كتابه (نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن و نسب القحطانية)، فقد عاش في القرنين التاسع و العاشر للهجرة، و بلاد العرب و الإسلام تعيش في عصر مضطرب يمتلئ بالأحداث الجسام، و تتصارع فيه الأفكار و الأقوام.

فما العصر؟ و من المؤلف؟ و ما الكتاب؟

عصر المؤلف ابن الديبع و مجمل الأحداث فيه‏ (1)

امتدت حياة المؤلف حوالي (79) عاما هجريا من عام (866- 944 م)- (1461- 1537 م)، فشهد عصرا مضطربا تزاحمت فيه الأحداث العالمية، سياسيّها و عسكريّها و مدنيّها و اجتماعيّها، على بلاد العرب و الإسلام عامة، و على بلاد اليمن خاصة، و على الأسر الحاكمة في اليمن على الوجه الأخص.

فقد شهد المؤلف في اليمن حكم الدولتين الظاهرية و الناصرية، ثم رأى تدخل العثمانيين في شؤون اليمن حتى صارت فيما بعد، ولاية تابعة لهم معاكسة عنيدة.

- أ- قامت الدولة الطاهرية بين عامي (855- 923 ه)- (1451- 1517 م)، فترعرع المؤلف و شبّ في ظلّها، و رأى نهايتها، و كان قد أنشأها قبل ولادته بحوالي عقد من الزمن، مؤسسها الأول طاهر بن معوضة، الذي كان ينسب نفسه للأمويين من قريش، و يحظى بحماية الملك الناصر أحمد الرسولي و يساعده في تثبيت ملكه كل من ولديه:

____________

(1) ينظر للتوسع في هذا البحث: كتاب الدول الإسلامية لستانلي بول، و حدائق الأنوار لابن الديبع الشيباني، و بغية المستفيد بأخبار زبيد، و ذيله (الفضل المزيد)، و قرة العيون بأخبار اليمن الميمون له أيضا.

8

1- الملك الظافر صلاح الدين عامر الأول بن طاهر بن معوضة (811- 869 ه)- (1408- 1464 م).

2- الملك المجاهد شمس الدين علي بن طاهر بن معوضة (809- 883 ه)- (1406- 1478 م). و كان أحب إلى أهل اليمن من أخيه عامر و أكبر منه سنا، كريما فاضلا حازما شديدا على الباغين و الظلمة و المفسدين.

و سيطر الأب و ولداه على المدن الساحلية و القريبة من الساحل اليمني، و تلقبوا بالسلاطين، ثم اقتسم الولدان فيما بعد الملك و الحكم، فكان لعامر الأول زبيد و ما جاورها، من حيس إلى عدن، و ما يلحق ذلك كتعز و إب، و ضم إليها ذمارا، ثم حاول الاستيلاء على صنعاء، فهاجمها خمس مرات فامتنعت عليه، ثم قتل على بابها في عام (869 ه- 1464 م) أي بعد ولادة المؤلف بحوالي ثلاث سنوات.

و كان لعلي أرض تهامة من حرض إلى حيس، مدنها و بنادرها و برها و بحرها، مع ما يتصل بذلك من جزائر فرسان و كمران.

و لما قتل أخوه عامر الأول ضم لنفسه ما كان يحكمه أخوه من بلاد اليمن، فاتسع بذلك ملكه، و اشتهر بعدله و سهره على الإصلاح، و فرضه الرسوم من أجل ذلك، و حبه للعمران و بناء المساجد و الربط، و القيام بالأعمال الزراعية كغرس النخل و قصب السكر و الأرز، و له في كل من زبيد و عدن و تعز و غيرها آثار شاهدة على ذلك.

و في عام (877 ه- 1472 م) ولّى الملك المجاهد على بعض مقاليد الحكم ابن أخيه عبد الوهاب بن داوود بن طاهر بن معوضة (866- 894 ه)- (1462- 1489 م)، و كان أهلا لذلك حليما ذا رأى و بأس.

و لما توفي الملك المجاهد عام (883 ه- 1478 م) خلفه ابن أخيه ذاك بالسلطنة، و تلقب بالملك المنصور تاج الدين عبد الوهاب، فكانت له آثار فى اليمن، و أقام في زيد، و توفي فيها عام (894 ه- 1489 م).

و خلف الملك المنصور تاج الدين عبد الوهاب في السلطنة ولده الملك الظافر صلاح الدين عامر الثاني بن عبد الوهاب بن داوود بن طاهر بن معوضة سنة (894 ه- 1489 م).

9

و كان شديد الشكيمة بطاشا، أقام في زبيد، و استولى على صنعاء ففتك ببعض أعيانها، و امتد سلطانه في جميع اليمن.

و من مآثره عمارة الجامع الأعظم في زبيد، و عمارة مدرستين، و إجراء العين في تعز، و بناء مدرسة عظيمة في عدن و كثير من المساجد و المدارس و الصهاريج و الآبار في أماكن مختلفة.

و على الرغم من قسوة الملك الظافر صلاح الدين عامر الثاني و بطشه و شدة فتكه بالناس، فإنه لم يستطع الوقوف ضد تدهور الأحوال العامة في اليمن، و استهتار بعض الناس بأمور الدين و استحلالهم المحارم، و انحلال الأخلاق العامة و انتشار المفاسد، و انهيار القيم و المثل الاجتماعية، و سوء الحالة الصحية.

و قد أدرك ابن الديبع حكم عامر الثاني كله، و تألم لما آلت إليه أحوال قومه من مفاسد سجلها في تاريخه (الفضل المزيد) في وقائع شهر صفر من سنة (908 ه- 1502 م) و كتب يقول:

«ظهر في هذا الوقت في زبيد من الفسوق و الفجور و شرب الخمور و شهادة الزور، ما لم يكن يعهده مثله، حتى لقد وجد جماعة في نهار رمضان يشربون الخمور، و بنى بعضهم بزوجة أبيه، و تظاهروا بصحبة الأحداث، و حمل بعض الصبيان إلى الأماكن المظلمة للفحش، و فشا في الناس الحبوب المعروفة بالنار الفارسي بسبب ذلك، و اللّه الواقي» (2).

و في سنة (914 ه- 1508 م) بدأ البرتغاليون بعبور البحر الأحمر، و وصلت أساطيلهم البحرية إلى سواحل الهند، و ظهروا في بنادر أرض اليمن، أي مرافئها البحرية، متسللين إليها من المحيط الأطلسي من وراء جبال القمر حيث منابع ماء نهر النيل، و اعتدوا على أراضي الهند، و على سلطان كجرات فيها السلطان (خليل شاه- مظفر شاه- ابن السلطان محمود شاه الكجراتي)، و واصلوا أذاهم حتى بلغوا جزيرة العرب و مرافئ اليمن و موانئها.

____________

(2) غاية الأماني في أخبار القطر اليماني 2/ 632

10

فاستنجد سلطان كجرات بملك مصر السلطان (قانصوه الغوري) المملوكي الجركسي، و طلب إليه عونه لمقاتلة الفرنجة المعتدين، فاستجاب (قانصوه الغوري) للنداء، و أعلن الجهاد في سبيل اللّه لدفع الأذى عن المسلمين و بلادهم، و سيّر أسطولا بحريا بقيادة أحد أمرائه (حسين الكردي)، و جهز معه عسكرا من الترك المغاربة المعروفين ب (اللّوند) في نحو خمسين غرابا، أي مركبا بحريا يجدّف بمئة و أربعين مجدافا، فاتجه هذا الجيش إلى جدة أولا، فتقوّى بالمال، و تأثّل، و جمع خزائن من كل صنف، توجه بها إلى الهند في حدود سنة (921 ه- 1515 م) و دخلها، و التقى سلطان كجرات، فأكرمه و عظمه و أنعم عليه إنعاما كبيرا.

فلما علم الفرنجة المعتدون بقدومه، فرّواهاربين عن موانئ كجرات إلى مرافئ الدكن و تحصنوا بقلعة (غوّا) خائبين منهزمين‏ (3).

و عاد الأمن و السلام إلى الهند، و انتهت مهمة حسين الكردي فيها، و كان عليه أن يعود إلى مصر عن طريق جدة، لكنه عرّج بأسطوله، و هو في طريق العودة، إلى شواطئ اليمن، و طلب إلى السلطان عامر الثاني سنة (922 ه- 1516 م) إعانته بشى‏ء من الميرة لخروجه لقتال الفرنجة البرتغاليين، الذين كانوا يعتدون على بلاد المسلمين، و يتخطفون مراكبهم، فامتنع عامر، و دارت الحرب بينهما في قلة من الجراكسة من جيش الكردي مزودين بالبنادق النارية التي لا عهد لليمنيين بها، و كثرة من اليمنيين من أصحاب عامر، فرّوا و انهزموا لما هاجمهم جنود الكردي بالبنادق فسمعت أصواتها، و قتلوا كثيرا منهم، و تتبعوهم، و استولى القائد الكردي على زبيد سنة (922 ه- 1516 م)، و نصب (برسباي) أخاه أو أحد مماليكه، نائبا له فيها.

و أرسل من يطارد عامرا الثاني و أخاه عبد الملك حتى قتلا، و هما يحاولان استعادة ملكهما من يد برسباي، في جبل نقم قرب صنعاء في الثالث و العشرين من ربيع السنة من عام (923 ه- 1517 م)، و بهذا انتهت دولة بني طاهر.

____________

(3) الدول الإسلامية، و حدائق الأنوار.

11

و حزن ابن الديبع لمقتلهما حزنا شديدا، و لا سيما أن من أمر بمطاردتهما و قتلهما هو الأمير الكردي الذي كان ظلوما غشوما سفاكا للدماء، كرديا محبوبا من السلطان الغوري، مكروها من أمراء الجراكسة الذين يعدونه دخيلا فيهم، فأبعده السلطان الغوري بهذه الحملة عنهم حماية له منهم، و رفعا لمنزلته إذا انتصر في حملته تلك.

و كذلك فإن الكردي لم يطلب المال من السلطان عامر للاستعانة به ضد الكفار، و هو في طريقه إلى الحرب، بل حين العودة منها، و هذا ما عدّه عامر ابتزازا و استغلالا يأباه، و لولا أن جنود عامر لم يألفوا البنادق النارية الحربية الجديدة لسحق حسين الكردي و من معه في اليمن.

و قد روى ابن الديبع أخبار عامر و أخيه عبد الملك في كتابيه (بغية المستفيد بأخبار مدينة زبيد) و (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون)، و تأثر جدا لنهايتيهما و رثاهما بقوله:

أخلاي، ضاع الدين من بعد عامر* * * و بعد أخيه أعدل الناس بالناس‏

فمذ فقدا، و اللّه، و اللّه، إننا* * * من الأمن و الإيناس في غاية الياس‏

و دخل الجراكسة صنعاء سنة (923 ه- 1517 م) ففعلوا أفاعيل منكرة.

- ب- و لم يكن بنو طاهر وحدهم في اليمن، فقد كان فيه عدة أمراء، يحكم كل منهم جزءا منه صغيرا أو كبيرا.

و كان من الذين أدركه ابن الديبع منهم:

1- المتوكل على اللّه (...- 879 ه)- (...- 1474 م):

و هو المطهر بن محمد بن سليمان يحيى بن حمزة، أبو محمد، الملقب بالمتوكل على اللّه، من أئمة الزيدية باليمن، دعا إلى نفسه سنة (840 ه)، و قاومه الناصر الزيدي أحمد بن محمد المطهر بن يحيى من أئمة الزيدية باليمن أيضا، المتوفى عام 867 ه.

و ما زالت صنعاء بينهما، يملكها أحدهما و ينتزعها منه الآخر إلى أن أسره الناصر

12

فحبسه في حصن الربعة، و فرّ من محبسه بعد مدة، و تغلب على الناصر، و اعتقله سنة (866 ه) و حبسه في كوكبان حتى مات في حبسه عام (867 ه) و نقل إلى صنعاء.

و حسنت حال المتوكل بعدئذ و استقر، إلى أن توفي بذمار (4).

و قام من بعده:

2- الهادي إلى الحق (845- 900 ه)- (1442- 1495 م):

و هو عز الدين بن الحسن بن علي المؤيد من أئمة الزيدية و علمائهم باليمن، ولد و نشأ في أعلى فللة، و انتقل إلى صعدة، ثم إلى تهامة، و برع فى علوم الدين، و دعا إلى نفسه، و تلقب بالهادي إلى الحق كجده، فبايعه أهل فللة سنة 879 ه، و أطاعته بلاد السودة و كحلان و الشرفين و البلاد الشامية في اليمن. و استمرت إمامته إلى أن توفي بصنعاء. و كان قد أنشأ عدة مساجد، و صنف كتبا منها المعراج في شرح المنهاج للعرشي، و الفتاوي و هو مجلد ضخم يعتمد عليه في مذهب الإمام زيد (5).

و قام من بعده ابنه:

3- الناصر الزيدي (862- 929 ه)- (1458- 1523 م):

و هو الحسن بن عز الدين الناصر للدين، فكان من أئمة الزيدية باليمن، دعا لنفسه في حصن كحلان، بعد وفاة والده سنة (900 ه- 1495 م)، و خطب له بمدينة صعدة، و ناوأه خصوم له، فلفقوا عليه قصة أوجبت حكم القضاء بفسخ إمامته، فمال عنه الناس، و استمر في قلة منهم، و توفي في مدينة فللة شمالي صنعاء، و كان فقيها فاضلا، له (القسطاس المقبول في شرح معيار العقول في الأصول) و (رسائل فيها أدب و بلاغة) (6).

و في خلال ذلك قام:

____________

(4) الأعلام 1/ 229، 230 و 7/ 254

(5) الأعلام 4/ 229

(6) الأعلام 2/ 199، و قد ورد خبره في بلوغ المرام في شرح مسك الختام ص 412 أنه تولى سنة 883 ه و توفي سنة 929 ه.

13

4- محمد بن الناصر (...- 908 ه) (...- 1503 م):

و هو محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر بن أحمد بن الإمام المطهر بن يحيى الحسني، أمير يماني من أهل العلم بالحديث، له كتاب فيه، و تولى مدينة صنعاء و بلادها أربعين سنة، و كان حسن السيرة محبوبا، و في أيامه أغار السلطان عامر بن عبد الوهاب على صنعاء، و جرت بينهما حروب، و مات بصنعاء (7).

و في الوقت نفسه ظهر:

5- المهدي العلوي (...- 943 ه) (...- 1536 م):

و هو أحمد بن يحيى بن الفضل، من سلالة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين الحسني العلوي، شمس الدين، إمام زيدي من كبار القائمين في اليمن، كان آباؤه يتوارثون الإمامة خفية في عهد الدولة الرسولية، و لما ظهر ضعف الرسوليين جهر المهدي أحمد بن يحيى بدعوته، فالتف حوله خلق كثير، و جعل جبال صنعاء قاعدة لملكه و استمر إلى أن توفي عام (943 ه- 1536 م) (8).

و قام من بعده ابنه:

6- المتوكل الزيدي (877- 965 ه)- (1473- 1558 م):

و هو يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن الإمام المهدي أحمد بن يحيى الحسني العلوي، المتوكل على اللّه من أئمة الزيدية في اليمن، و من فقهائهم و شعرائهم، بويع له بالإمامة في جبال صنعاء بعد وفاة أبيه سنة (943 ه- 1536 م)، و عظم أمره، فكانت له وقائع مع الترك، و أطاعته قبائل كثيرة، و شجر خلاف بينه و بين ابنه المطهر (محمد بن يحيى) أدى إلى استيلاء الأتراك على كثير من جهات اليمن، ثم اتفقا على أن يحتفظ الأب بالإمامة، و يتولى الابن سياسة البلاد فولي الأعمال و قاد الجيش، و ضربت السكة باسم‏

____________

(7) الأعلام 7/ 121

(8) الأعلام 1/ 270

14

المطهر في حياة أبيه، و استقر المتوكل في كوكبان، ثم انتقل إلى ظفير حجة و فقد بصره، و توفي بالظفير عام (965 ه- 1558 م) (9).

و قام من بعده ابنه هذا الإمام:

7- المطهر فخر الدين محمد بن يحيى الملقب بالناصر (908- 980 ه)- (1503- 1572 م):

بويع له في جبل صنعاء بعد وفاة والده، و عظم أمره، فملك ملكا واسعا في أعالي اليمن، و حاربه الأتراك العثمانيون حروبا طويلة، انتهت بالصلح معه، على أن تبقى له صعدة و كوكبان و أعمالها.

و استمر في ذلك إلى أن توفي عام (980 ه- 1572 م) (10) فخلفه أبناؤه من بعده في مقاومة العثمانيين.

- ج- ثم إن ابن الديبع قد عاصر من العثمانيين:

1- السلطان الغازي محمد الثاني- الفاتح- (833- 886 ه)- (1429- 1481 م):

و هو سابع سلاطين بني عثمان الذي افتتح القسطنطينية في 20 جمادى الأولى سنة 857 ه الموافق ل 29 أيار 1453 م أي قبل ولادة ابن الديبع بتسع سنوات تقريبا، و بذلك حقق نبوءة النبي العربي الكريم سيدنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما رواه عنه أحمد في مسنده إذ يقول:

عن عبد اللّه بن بشر الخثعمي عن أبيه أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، و لنعم الجيش ذلك الجيش» (11).

____________

(9) الأعلام 8/ 150، و العقيق اليماني و فيه أن دعوته كانت بعد وفاة المنصور باللّه محمد بن علي الوشلي سنة 911 ه و سماه يحيى بن شرف الدين بن شمس الدين.

(10) الأعلام 7/ 141 و المدارس الإسلامية في اليمن 279- 280

(11) مسند أحمد 4/ 335

15

و كذلك ورد: «عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي قال: بينما نحن حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نكتب إذ سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): أي المدينتين تفتح أولا، القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): مدينة هرقل تفتح أولا، يعني قسطنطينية» (12).

و قد فتحت القسطنطينية و تحققت فيها نبوءة الصادق المصدوق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لا بدّ أن تتحقق في رومية بقية النبوءة. ولكنا لا نزال ننتظر صحوة المسلمين و عودتهم إلى كتاب اللّه و سنته، لتتحقق على أيديهم تمام النبوءة بفتح رومية، فيعود العدل و السلام إلى أرجاء عالمنا المضطرب الملي‏ء بالمظالم و الحقد.

و قد حوّل السلطان محمد الفاتح اسم القسطنطينية إلى (إسلامبول) أي مدينة الإسلام أو تخت الإسلام، و هي ما تسمى (الآستانة) أو (إستانبول).

و حفظ التاريخ للرجل موقفه هذا في الدفاع عن الإسلام و انتصاره على الروم، الذي جاء بعد سنتين من تولّيه سدة الحكم سنة (855 ه- 1451 م) و هو ابن اثنين و عشرين عاما، يضج عزما و شبابا.

و ظن ملك الروم قسطنطين التاسع أن باستطاعته التحكم بأمر هذا الشاب و فرض الهيمنة عليه، فأرسل إليه يتهدده، و يطالبه بمضاعفة مبلغ الجزية السنوية التي كانت تدفع له، فكان الردّ عليه بفتح القسطنطينية، أبلغ ردّ و أقواه.

و خلف السلطان محمدا الفاتح من بعده السلطان بايزيد الثاني‏ (13).

2- السلطان بايزيد الثاني (...- 918 ه)- (...- 1512 م):

و قد أدرك ابن الديبع فترة حكمه كلها التي استمرت بين عامي (886- 918 ه)- (1481- 1512 م)، و هو ثامن سلاطين بني عثمان الذين حكموا قبله حسب الترتيب التالي:

1- عثمان الأول (679- 725 ه)- (1281- 1324 م).

2- أورخان (725- 761 ه)- (1324- 1360 م).

____________

(12) مسند أحمد 4/ 176

(13) رجال و مواقف تحت راية الإسلام لبسام العسلي ص 269- 273، دار الفكر بدمشق 1403 ه- 1983 م. و يراجع في أزمنة حكم سلاطين بني عثمان قبل السلطان بايزيد الثاني (الأطلس التاريخي لشوقي أبي خليل ص 67).

16

3- مراد الأول (760- 791 ه)- (1359- 1388 م).

4- بايزيد الأول (الصاعقة) (791- 805 ه- (1388- 1403 م)، و هو قد عاش من (761- 805 ه)- (1360- 1403 م)، وجابه حملة الصليبيين في نيقوبوليس و هزمهم فيها شر هزيمة في 23 ذي القعدة 798 ه- 27 أيلول 1396 م‏ (14).

5- محمد الأول (805- 824 ه)- (1403- 1421 م).

6- مراد الثاني (824- 855 ه) (1421- 1451 م).

7- محمد الثاني الفاتح (855- 886 ه)- (1451- 1481 م).

8- بايزيد الثاني (886- 918 ه)- (1481- 1512 م).

و قد جاء بعده ابنه السلطان سليم الأول الذي أدرك ابن الديبع فترة حكمه كلها، و هو:

3- السلطان سليم الأول (885- 926 ه)- (1480- 1519 م):

و هو سليم الأول (ياووز) بن بايزيد، تاسع سلاطين بني عثمان، و قد افتتح الشام و دخل حلب و دمشق و دان له الحجاز و لقب باسم حامي الحرمين الشريفين، و خطب له على المنابر باسم (سلطان البرين و خاقان البحرين) (15)، و دام حكمه من عام (918- 926 ه)- (1512- 1520 م).

و كذلك دخل السلطان سليم مصر، و قتل سلطانها قانصوه الغوري في معركة مرج دابق بتاريخ 25 رجب الخير سنة 922 ه الموافق ل 24 آب 1516 م‏ (16)، و أسر الأمير طومان باي الذي خلف قانصوه في سلطنة مصر بتاريخ 21 ربيع الأول سنة 923 ه الموافق 13 نيسان سنة 1517 م، و صلبه في القاهرة (17).

____________

(14) رجال و مواقف تحت راية الإسلام ص 264- 268

(15) حدائق الأنوار ص 1159

(16) حدائق الأنوار ص م/ 47

(17) الدول الإسلامية ص 170

17

كما أسهم السلطان سليم في دعم خير الدين بربروس المجاهد في البحر في الدفاع عن الجزائر و إنقاذ مسلمي الأندلس، فقد أمده بإرسال أربعة عشر سفينة محملة بالمقاتلين الأشداء و الإمدادات ضد الإسبان خاصة، و ضد الفرنج عامة، فهاجم الإسبان الذين كانوا قد بسطوا نفوذهم على الجزائر، فما زال بهم حتى أخرجهم منها سنة (922 ه- 1516 م)، و ارتاع الإسبان لظهور هذه القوة الجديدة التي لم يحسبوا لها حسابها، فأخذوا في الإعداد للرد عليها، و قام الكاردينال (خميني أو خمينيس) بتجهيز حملة جديدة ضد الجزائر ضمت 35 سفينة تحمل ثمانية آلاف رجل أبحرت إلى الجزائر فاصطدمت في 30 أيلول سنة 1516 م- 922 ه بالمقاومة المنظمة الضارية بقيادة بربروس، و فشلت الحملة و خسر الإسبانيون نصف قوتهم، و ما زال بهم حتى حرر الجزائر منهم.

لقد عرف خير الدين أنه لا سبيل له لمقاومة الهجوم الصليبي الشامل إلا بدفاع إسلامي شامل، و أنه لا بد للوصول إلى هذه الغاية من تحرير كل ما تبقى من المغرب العربي الإسلامي، و انتزاعه من قبضة الإسبان.

و في إحدى المعارك القاسية ضد الإسبان خسر خير الدين أخاه القائد (عروج) نصيره و ساعده، فكانت صدمة، اضطرت معها شيوخ الجزائر و أصحاب الرأي فيها إلى الاتصال بالسلطان سليم، و عرضهم عليه أن تكون دولتهم الفتية جزءا من الدولة العثمانية- الإسلامية، فوافق السلطان و عين خير الدين حاكما لها.

و أرسل السلطان سليم قوة لدعم الجزائر ضمت أربعة آلاف مجاهد مع كميات ضخمة من الإمدادات.

و نظم شارلكان حملة قوية ضمت قوات من كل أوربة، سارت إلى الجزائر سنة (925 ه- 1519 م)، فتصدى لها خير الدين و من معه من أهل الجزائر و الجنود العثمانيين، و دمروا الأسطول الفرنجي كله في مياه الجزائر، و غنم أبناء الجزائر ما حمله الصليبيون من مدافع و ذخائر و إمدادات، كما خسر الإسبان في البحر أربعة آلاف قتيل من المقاتلين، و أسر المسلمون منهم ثلاثة آلاف مقاتل.

و هذا ما يفسر حقد كل الغربيين المر على العثمانيين و تشويههم سمعتهم ما وسعهم ذلك‏

18

ليفرقوا بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة بقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ‏ [الأنبياء 21/ 92]. و قوله أيضا: وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏ [المؤمنون 23/ 52]، فهل نعي ذلك أو نكفر به؟؟!!

أعاد خير الدين تنظيم الجزائر و تحصينها و الجهاد في سبيل اللّه في البحر ضد الفرنج، فتصاعدت حملة محاكم التفتيش ضد بقايا مسلمي الأندلس الذين قاموا بثورة فشلت سنة (937 ه- 1531 م)، و احتشد الثوار المسلمون على ساحل البحر، فأسرع خير الدين لإنقاذهم و معه 36 سفينة، نقل فيها إلى الجزائر على سبع مرات متتالية سبعين ألفا من المسلمين.

و أعدّ شارلكان حملة ضخمة ضد الجزائر سنة (941 ه- 1535 م)، لم تحقق من هدفها إلا الاستيلاء على تونس و ذبح أهلها من المسلمين.

و عاد شارلكان بحملة جديدة ضد الجزائر سنة (947 ه- 1541 م) ضمت أفضل نبلاء أوربة، و بلغت قوتها 24 ألف مقاتل، و 450 سفينة ضخمة، و 65 سفينة حربية، غير أن الحملة فشلت و مات شارلكان مقهورا، و عاش بربروس ظافرا، و بقيت رايات المسلمين خفاقة عالية.

و عينت الدولة العثمانية بربروس وزيرا للحربية فيها. و كان الكتاب الغربيون قد وصفوه في أشعارهم و كتبهم بالقرصان و بكل أوصاف الرعب، و ما هو بالقرصان، و إنما هو المجاهد في سبيل اللّه الذى اختار البحر ميدانا لجهاده، فارتبط الجهاد في البحر باسمه زمنا طويلا (18)، و كانوا هم المعتدين الغادرين دوما و أبدا حتى يومنا هذا، فهلّا من بربروس صنديد، يعيد لنا من جديد مجدنا و عزتنا، و التاريخ يعيد نفسه باستمرار!!!

أما في اليمن فكان السلطان سليم قد اعترف بإمارة حسين الكردي على اليمن، لكن الشكاوى الثقيلة التي قدمت إليه من ظلمه، و ما بدر منه من حركات مشبوهة، أسفرت عن إعدامه عام (923 ه- 1517 م) بأمر من السلطان سليم إلى أمير مكة الشريف بركات،

____________

(18) رجال و مواقف تحت راية الإسلام ص 278- 282

19

الذي أخذه مقيدا إلى جدة، و ربطه بحجر كبير و أغرقه في بحرها، فأكلته الأسماك بعد ما قتل ما شاء اللّه من العباد (19).

و كان يرافق حسين الكردي بأسطوله الذي أقلع به من مصر إلى الهند، و عرّج به إلى اليمن أعداد كثيرة من الجراكسة، تمكنوا من إنشاء إمارة صغيرة في زبيد، و دخلوا صنعاء عام (923 ه- 1517 م)، و استولى برسباي على تعز في 6 صفر 923 ه- 1517 م، و استمر يحكمها حتى مات بزبيد في جمادى الآخرة سنة 923 ه- 1517 م، و خلفه أمير جركسي آخر اسمه إسكندر (20).

و كان هؤلاء الجراكسة في اليمن قد قصدوا المتوكل على اللّه شرف الدين يحيى بن شمس الدين ابن الإمام المهدي أحمد بن يحيى الآنف الذكر، فوقع الصلح على بقاء الجراكسة في صنعاء، و الإمام في حصن ثلا، و اشترط الجراكسة ملاقاة الإمام الذي استشار أصحابه فأشير عليه بعدم ذلك، لما جبل عليه أولئك الجراكسة من المكر و الغدر ففعل، فلما علم الجراكسة ذلك عادوا إلى القتال فلم يظفروا بطائل.

و لما علموا باستيلاء السلطان سليم على مصر عرض زعماؤهم الطاعة للسلطان و ذكروا اسمه في الخطبة، و كفوا عن مقاتلة الإمام المتوكل، و رجعوا عما كانوا فيه من القتال بعد عبثهم باليمن، و قتلهم النفوس البريئة، و هتكهم الحرم و نهبهم الأموال.

و انفرد الإمام المتوكل بالحكم فدانت له صنعاء و بلادها، و صعدة و ما بينهما من المدن، ثم وسع حدوده بعد مقتل عامر الثانى، فافتتح من بلاد بني طاهر التعكر و قاهرة تعز و حراز (21).

و كذلك فإن أكثر الانكشارية الذين رافقوا السلطان سليما إلى مصر، قصدوا اليمن، فمنهم من أنشأ هناك حكما خاصا به، و منهم من اتفق مع الجراكسة في الحكم، و كانوا بصورة متلاحقة في صراع فيما بينهم و بين الأئمة المحليين.

____________

(19) الدول الإسلامية 213، و حدائق الأنوار م/ 48

(20) حدائق الأنوار م/ 48

(21) حدائق الأنوار م/ 47

20

و قد أدرجت التواريخ أسماء المتقدمين من هؤلاء الأتراك الذين عرفوا بتسمية (روملو لوندلر- اللوند الأروام)، و هم من الجند الأتراك، بحارة الأسطول المجندين من الأناضول‏ (22).

و استمر السلطان سليم في الحكم حتى وفاته في 8 شوال سنة 926 ه الموافق ل 22 أيلول 1520 م، و هو في طريقه إلى (أدرنة)، و خلفه ابنه سليمان خان الأول القانوني‏ (23).

4- السلطان الغازي سليمان خان الأول القانوني (900- 974 ه)- (1495- 1566 م):

و هو سليمان الأول ابن سليم الأول، عاشر سلاطين بني عثمان، و هو يمثل العصر الذهبي للأتراك العثمانيين، فسمي لذلك في المصادر الغربية ب (سليمان الفاخر)، و لقب بالقانوني لكثرة ما سنّ من التشريعات الإصلاحية و جعلها دستورا للحكم.

و بعد وفاة والده السلطان سليم تولى مقاليد السلطة بتاريخ 16 شوال 926 ه الموافق ل 30 أيلول 1520 م، و دام حكمه نصف قرن، و كان قد ورث إمبراطورية امتدت من حدود النمسا غربا حتى مشارف إيران شرقا، و هذا ما جعل الحرب وسيلة لا بديل عنها للاحتفاظ بهذا الميراث، و قد تعددت في عهده جبهات القتال برا و بحرا، كما تعددت الدول التي وقفت موقف العداء للسلطان و الدولة الإسلامية.

و في عهده قامت سياسة البرتغال في حربها مع الدولة العثمانية على تخريب الاقتصاد العثماني بتحويل تجارة الشرق عن طريقي السويس و الخليج العربي و الهند و إفريقية الشمالية حتى مدخل البحر الأحمر و المحيط الهندي، فكان ذلك سببا في العناية التي أولاها السلطان سليمان للأسطول العثماني في البحر الأحمر و المحيط الهندي بتكليف الوالي (سليمان باشا الخادم) تجهيز نواة هذا الأسطول في السويس‏ (24).

و مع اتساع الدولة الكبير كانت الإدارة القوية الحازمة و القدرة التنظيمية العالية،

____________

(22) الدول الإسلامية 213

(23) حدائق الأنوار 1159 و م/ 48

(24) حدائق الأنوار 1161، و القاموس الإسلامي 3/ 464

21

و الرؤية الواضحة للأمور، و هذا ما توافر في السلطان سليمان، إذ تولى الحكم و هو في السادسة و العشرين من عمره، و الدولة في أوج شبابها المتفتح، فكان لقاء الشباب بين الإنسان و الدولة.

شبّ السلطان سليمان، و إسبانية تحتل المرتبة الأولى في العداء ضد المسلمين، و المسلمون يلقون أشد أنواع التعذيب و الإيذاء من محاكم التفتيش في الأندلس بجرائم و مجازر يندى لها وجه التاريخ، و لم يكتف نصارى الأندلس بذلك بل انتقلوا إلى الهجوم على بلدان المغرب العربي الإسلامي، فلما اعتلى السلطان سليمان سدة الحكم، حاصر طائفة الإسبتارية أعدى أعداء الإسلام حينئذ، و أشدهم تعرضا لسفن المسلمين في البحر، فاضطرهم بعد معارك عنيفة ضارية إلى إخلاء جزيرة رودس و الانسحاب منها إلى مالطة.

ثم وجه ضربة مؤلمة إلى ملك إسبانية شارلكان حين استجاب لطلب خصمه ملك فرنسة و حالفه و دعمه ضده.

و كذلك قاد بنفسه جيوشه في معركة وادي موهاكس (مهاج) في 20 ذي القعدة سنة (932 ه- 1526 م)، و سحق جيش المجر، و قتل ملكهم لويس، و دخل (بودا) و حول كنيستها إلى مسجد، ثم انتقل إلى (فيينا) و استولى عليها، و أثبت أن كفاءته العسكرية لا تقل بحال من الأحوال عن كفاءته السياسية.

ثم وجه الأسطول الإسلامي بقيادة خير الدين بربروس، فعمل على طرد الإسبانيين من الجزائر وتونس و حررهما، ثم استولى على نيس سنة (950 ه- 1543 م)، و انتقل منها إلى طولون، و أقام فيها حوالي ستة أشهر.

و بذلك أنقذ ديار الإسلام من غزو الفرنج، و أظهر للإسلام و المسلمين من العزة و القوة ما كان عليه حالهم أيام الفتح الأولى، فاتصل عهده بعهد السلف الصالح من الخلفاء الراشدين و من سار على هديهم من الأمويين و العباسيين.

و تمسك بنهج كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فحارب المنحرفين عن ذلك في بلاد فارس و كانوا بقيادة طهماسب فأخضعهم و أعادهم للجادة.

22

و هكذا جاهد في سبيل اللّه تعالى في الداخل و في الخارج، و اعتز باللّه تعالى فأعزّه، و أعزّ به المسلمين، و كيف لا؟! و اللّه تعالى يقول: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ [المنافقون 63/ 8].

و كان يستهل كتبه بالآية الكريمة: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ [النمل 27/ 30].

و كان له من الآثار في كل عاصمة من عواصم الإسلام ما يفتخر به الدهر، فقد بنى واحدا و ثمانين جامعا كبيرا، و اثنين و خمسين مسجدا صغيرا، و خمسا و خمسين مدرسة عامة، و سبعة معاهد لدراسة القرآن الكريم، و سبع عشرة تكية لإطعام الفقراء مجانا.

و غير ذلك كثير مما هو قائم حتى الآن، و لا يستطيع إنكاره أي عدو حاقد أو متفرنج مهووس. و يحفظ التاريخ إلى الأبد لرجل التاريخ مواقفه المشرفة تلك‏ (25).

أما في اليمن فقد عزل السلطان سليمان الأمير إسكندر عن اليمن سنة (927 ه- 1520 م)، و قد تتابع على إمارتها في عهده رؤساء من الأتراك اللوند، و هم بحارة الأسطول المجندون من الأناضول، و كان أولهم (كمال بك) سنة (927 ه- 1521 م) الذي صرع على أيدي جنوده سنة (930 ه- 1524 م) فخلفه (إسكندر)، ثم تلاه (حسين بك) سنة (931 ه- 1524 م)، ثم تبعه (الروملي مصطفى) سنة (935 ه- 1529 م)، ثم عقبه (سيد علي بك) لبضعة أشهر في سنة (935 ه 1529 م)، و جاء بعده آخر أمراء اللوند حكما في اليمن (إسكندر) من سنة (937- 943 ه)- (1530- 1536 م).

ثم أسند السلطان سليمان الأول حكم اليمن إلى ولاة من العثمانيين بدأهم ب (بهرام بك) سنة (943 ه- 1536 م). و لم يكن حظ هؤلاء في اليمن أفضل من سابقيهم اللوند، فقد عجزوا من جهة عن حسم الخلافات بين الجنود من الإنكشارية أنفسهم، الذين وفدوا إلى اليمن من مصر في جيش السلطان سليم الأول، و كذلك لم يتمكنوا من جهة أخرى من إطفاء الفتن التي كانت تشتعل في اليمن بين حين و آخر، و هذا ما سبب الفشل الذريع لمعظم هؤلاء الولاة الأتراك، حتى لو كانوا ممن عرفوا بحسن التدبير، ففقد كل منهم مركزه و مكانته‏

____________

(25) رجال و مواقف تحت راية الإسلام ص 274- 277

23

و اعتباره، و هذا ما أتاح الفرصة للأئمة الزيديين، فحصنوا معاقلهم و قلاعهم، و سبّبوا للعثمانيين إزعاجات، لم تمكنهم من تثبيت حكمهم في اليمن الذي كان ينتفض عليهم كثيرا كلما سنحت له الفرصة.

و لئن سالم بعض الأئمة اليمنيين الولاة الأتراك أحيانا، فإن بعضهم الآخر قد أبى الخضوع لهم و قاومهم ما وسعته المقاومة (26).

و في عهد السلطان سليمان الأول عاود البرتغاليون الاعتداء على الهند و استولوا على بنادرها و أكثروا أذاهم لبنادر اليمن، و حاولوا الاستيلاء على عدن و وصلوا إلى بندر جدة و بنادر السويس، و عاثوا في البحر فسادا، و أخذوا سفائن الحجاج و التجار غصبا، و أعملوا في المسلمين و أموالهم أسرا و قتلا و نهبا، و فتكوا بسلطان كجرات (السعيد الشهيد (بهادر شاه))، و قتلوه غدرا في 3 رمضان (944 ه- 1537 م) على ظهر سفينة برتغالية أمام (ديو) في الهند.

و كان هذا (بهادر شاه) الذي تسلطن على (كجرات) في 24 شوال (922 ه- 1526 م)، و قد طلب العون من السلطان سليمان الأول لدفع البرتغاليين و أذاهم عن بلاده و غيرها من البلدان العربية و الإسلامية، فاستجاب له السلطان سليمان الأول، و وجه من مصر أسطولا بحريا جرارا من السفن و الرجال، سار به إلى أرض الهند، ليقطع دابر الكفار، و ينظف تلك الأقطار من الكفرة الفجار، ففتح عدن و مسقط و جزيرة هرمز، و استولى على أغلب الحصون التي أقامها البرتغاليون ما بين جنوب الجزيرة العربية و بلاد الهند (27).

و لكن هذا الأسطول العثماني السليماني العتيد، كان بقيادة (خادم سليمان الأرنؤوطي) المشهور بالظلم و الغدر و عدم الوفاء، فلما مرّ بالسواحل اليمنية فتح صاحب عدن الأمير (عامر بن داوود بن طاهر بن معوضة) له باب عدن، و زيّن الأسواق بوصول العسكر المنصور السليماني، و إذا بخادم سليمان ينزل قواته أمام باب عدن، و يقبض بحيلة

____________

(26) حدائق الأنوار م/ 48- م/ 49

(27) حدائق الأنوار م/ 49، و رجال و مواقف تحت راية الإسلام ص 277

24

على (عامر بن داوود) و يفتك به و يصلبه على صاري السفينة سنة (944 ه- 1537 م) تلك السنة التي توفي فيها المصنف ابن الديبع.

و كذلك فعل بالأمير (أحمد) صاحب زبيد الذي كان من جملة اللّوند الذين استولوا على تلك الديار، فأعطاه (خادم سليمان) الأمان، ثم طلبه إليه و قتله، و ولى موضعه أميرا ممن كان معه.

و هكذا دخل خادم سليمان اليمن، و يعد دخوله أول فتح عثماني لليمن‏ (28).

و إذا كان لا بد للحرب من ضحايا لا يمكن تفاديها، فإن ما حصل من الغدر في اليمن لم يكن بأمر أو رغبة من السلطان سليمان الذي نفى خادم سليمان، و أمضى زهاء نصف قرن بحكم المسلمين، فكانت سيرته أحسن سيرة، و عهده عهد خير و يمن و بركة على المسلمين، و عهد شدة و قوة على أعداء الإسلام و المسلمين، و ظل كذلك حتى توفي متأثرا بمرض النقرس في عام (975 ه- 1566 م) (29)، (رحمه اللّه) واسعة، و عوضنا عنه اليوم من يصون البلاد و يحرر العباد من الظلم الاستعماري القائم في كل مكان من هذه المعمورة التي نعيش فوقها.

- د- و يتبين من كل ما ذكر آنفا، أن ابن الديبع قد عاش في اليمن البلد العربي الإسلامي، و شهد الأفراح و الأتراح التي حدثت في عصره، و رأى توزع اليمن إلى إمارات تتصارع على السلطة عليها صراعا قويا تلك الأسر اليمنية المتنازعة على حكم اليمن، و ما جرّ إليه ذلك من فتن و اضطرابات قبلية و عصبية و مذهبية و غيرها.

و لئن كان المؤلف قد ولد بعد حوالي عقد من الزمن من فتح القسطنطينية، ودك آخر معاقل الظلم و البغي و العدوان على أمته، و أدرك عزة الإسلام على يد سليمان القانوني العثماني و قائده خير الدين بربروس، اللذين طردا الإسبانيين من الجزائر و تونس، فإنه أيضا قد شهد تسلل البرتغاليين المتتابع إلى السواحل اليمنية و الهندية، و كيف صدتها قوات‏

____________

(28) حدائق الأنوار م/ 50

(29) رجال و مواقف تحت راية الإسلام ص 277

25

الأسطول المملوكي المصري بقيادة حسين الكردي أولا، ثم قوات الأسطول العثماني بقيادة خادم سليمان ثانيا، و ما كان لذلك من أثر في نزول القوات المصرية المملوكية في اليمن و دخول الجراكسة إليها و سيطرتهم على بعض مدنها و حكمهم إياها، ثم في دخول اليمن في التبعية للسلطان العثماني بعد زوال الحكم المملوكي في الشام و مصر، مما أدى إلى قيام الأمراء اليمنيين المحليين و الأئمة الزيديين بمقاومة الأمراء الجراكسة أولا، ثم العثمانيين ثانيا الذين أخفق أمراؤهم المتتابعون في حكم اليمن، و اختلفوا فيما بينهم اختلافا شديدا.

و ليس لنا هنا أن ننكر أهمية جبال اليمن و طبيعة أرضها التي جعلتها معاقل منيعة، تمتنع على الغزاة فتحافظ اليمن على استقلالها و حرية أبنائها.

و قد عاصر ابن الديبع كل هذه الأحداث و سجلها في كتبه و شعره فكان بحق قلم التاريخ الصادق المسجل لعصره، و الناطق باسمه إلى الأبد.

و بعد، فهذا إيجاز عن عصر المؤلف، فماذا عن المؤلف؟!!

المؤلف: ابن الديبع‏

اسمه و نسبه:

هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر بن علي بن يوسف بن أحمد بن عمر وجيه الدين الشيباني العبدري الزبيدي الشافعي، المعروف بابن الديبع (866- 944 ه)- (1461- 1537 م).

و الديبع‏ (30) لقب لجده الأعلى علي بن يوسف، و معناه بلغة النوبة في السودان:

الأبيض.

و كنيته (أبو محمد) في شذرات الذهب‏ (31)، و تاريخ النور السافر (32).

____________

(30) الديبع: بفتح الدال في البرق اليماني في الفتح العثماني لقطب الدين الحنفي، و هو بكسر الدال بضبط محمد حامد الفقي في ترجمته لابن الديبع في مقدمة كتاب ابن الديبع تيسير الوصول إلى جامع الأصول.

(31) شذرات الذهب 8/ 255

(32) تاريخ النور السافر 212

26

و (أبو الفرج) في حدائق الأنوار و مطالع الأسرار (33).

و (أبو عبد اللّه) في تاريخ آداب اللغة العربية (34).

هذا و قد ترجم المؤلف لنفسه في آخر كتابه بغية المستفيد بأخبار زبيد (35) عن الفترة التي عاشها حتى تاريخ إصداره الكتاب فقال:

مولده‏

: كان مولدي بمدينة زبيد المحروسة في عصر يوم الخميس الرابع من شهر اللّه الحرام المحرم أول سنة ست و ستين و ثمان مئة بمنزل والدي منها.

نشأته‏

: قال: و غاب والدي عن مدينة زبيد في آخر السنة التي ولدت فيها، و لم تره عيني قط، و نشأت في حجر جدي لأمي العلامة الصالح العارف باللّه تعالى شرف الدين أبي المعروف إسماعيل بن محمد بن مبارز الشافعي (رحمه اللّه). و انتفعت بدعائه لي في أوقات الإجابة و غيرها، و هو الذي حدب علي [و تولى العناية الفائقة بي‏] و ربّاني [التربية الصالحة] و أطعمني و سقاني و كساني و واساني و علمني [العلم النافع المفيد] و أوصاني جزاه اللّه عني بالإحسان، و قابله بالرحمة و الرضوان.

و كان (رحمه اللّه) يؤثرني حتى على أولاده الذين لصلبه، آثره اللّه بحبه و قربه، ثم توفى اللّه تعالى والدي إلى رحمته ببندر الديو من بلاد الهند في أواخر سنة ست و سبعين، [و ليس لي من العمر سوى عشر سنين‏]، و لم يحصل لي من ميراثه سوى ثمانية دنانير ذهبا، و كان (رحمه اللّه) قد سافر إلى بلاد الهند في طلب الرزق، و ترك ابنه في زبيد طفلا صغيرا دون سن الفطام.

حجته الأولى: قال: ثم حججت إلى بيت اللّه الحرام في آخر سنة ثلاث و ثمانين و ثمان مئة، و أنفقت الثمانية الدنانير التي ورثتها من والدي- (رحمه اللّه)- في تلك الحجة.

____________

(33) حدائق الأنوار م/ 55

(34) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 3/ 335

(35) بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد، و ينظر في ذلك أيضا، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة للشيخ نجم الدين الغزي 2/ 158، و تاريخ النور السافر في أخبار القرن العاشر، ص 212- 221، و البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1/ 335- 336

27

موجز عن حياته بعد حجته الأولى: قال: ثم تقدمت بعد الحج إلى مدينة زبيد، و قد توفي بها جدي المذكور في حال غيبتي، و كانت وفاته ضحى يوم الأربعاء منتصف المحرم سنة أربع و ثمانين و ثمان مئة عن ثمانين سنة غير أربعة أشهر (رحمه اللّه تعالى)، و كان قدومي يوم رابع موته.

فأقمت بزبيد في أطيب عيش و أتم سرور عند خالي و سيدي الفقيه جمال الدين أبي النجا محمد الطيب بن إسماعيل بن محمد بن مبارز [فأحسن تربيتي و تهذيبي، و أتقن تعليمي و اعتنى بي العناية المجدية]، جزاه اللّه تعالى عني خيرا.

حجته الثانية: قال: و لم أزل عنده حتى ذهبت إلى الحجة الثانية في أواخر سنة خمس و ثمانين و ثمان مئة، فرجعت إلى مدينة زبيد سالما غانما.

عودة إلى متابعة موجز حياته: قال: ثم منّ اللّه علي بصحبة شيخنا الإمام العلامة المحدث بقية أهل اليمن زين الدين أبي العباس أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي الزبيدي‏ (36)، كان اللّه له، و ارتحلت في حياته بإشارته إلى بيت الفقيه ابن عجيل لزيارة الفقهاء بني جغمان.

حجته الثالثة و زيارة المسجد النبوي الشريف: قال: ثم حججت الحجة الثالثة في سنة ست و تسعين و ثمان مئة، و زرت بعد الحج مسجد سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أواخر ذي الحجة منها.

عودة إلى متابعة موجز حياته: قال: ثم رجعت إلى مكة المشرفة في المحرم من سنة سبع و تسعين و ثمان مئة، فمنّ اللّه عليّ بلقاء الشيخ الإمام، حافظ العصر، مسند الدنيا، فريد الوقت شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري‏

____________

(36) أحمد الشرجي الزبيدي: (812- 893 ه)- (1410- 1488 م): محدث البلاد اليمنية في عصره، نسبته إلى شرجة (حيس في جنوبي زبيد)، و اشتهر و توفي في زبيد، له: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، و هو مختصر صحيح البخاري، و يعرف بمختصر الزبيدي، و طبقات الخواص في سير أولياء اليمن، و الفوائد، و نزهة الأحباب، و غيرها. (الأعلام 1/ 91).

28

الشافعي‏ (37) فيها، فصحبته و انتفعت به، و كان يجلّني و يشير إليّ و يعظمني و يقدمني على سائر الطلبة، و يؤثرني، و أحسن إلىّ كثيرا جزاه اللّه عني خيرا.

و لما ألفت كتابي هذا بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد وقف عليه مولانا السلطان الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بن داوود طاهر، جدّد اللّه سعوده، و نصر جنده، طلبني إلى مجلسه الشريف العالي المنيف و استجاده و استحسنه.

ثم اختصرت منه كتابي المسمى العقد الباهر في تاريخ دولة جديه بني طاهر و والده، و مآثرهم الحميدة، و دولتهم المباركة الميمونة السعيدة، فلما وقف عليه مولانا السلطان أضاف علي مواهب الجود و الإحسان، و أجازني من مواهبه الهنية بجائزة ميمونة سنية.

ثم حصل هذا التاريخ تحصيلا عظيما، و تقدمت به إلى مولانا السلطان، و هو إذ ذاك بمحروسته المقرانة مقيما، و قدمت إليه فأثابني بثواب عليه، و أفاض علي من مواهبه و كرمه ما يقصر صوب الغمام عن غزير ديمه، و لم أزل عنده في روض أريض، وجود فياض عريض، حتى أذن لي في الرجوع إلى وطني، و خلع علي خلعة نفيسة، و أكرمني و تصدق علي بيتا منه سلطانية بمدينة زبيد للسكنى، و أعطاني قطعة نخل بوادي زبيد، و صيّرني لإحسانه قنّا، و تلافاني بعد الضعف و تدارك، و جعل لي قراءة الحديث بجامع زبيد على المنبر المبارك، فرجعت مسرورا إلى الوطن في نعمة وافرة، و حال حسن شاكرا لجوده و إحسانه، معترفا بفضله و امتنانه، سائلا اللّه تعالى أن يجمع الخلق على طاعته، و أن يمد في أيام دولته، و أن يعز بمتابعته كل صبار شكور، و يذل بمخالفته كل ختال كفور، و يجمع له بين نصره العزيز و فتحه المبين، و يجعل كلمة الحق باقية فيه و في عقبه إلى يوم الدين، آمين:

آمين آمين لا أرضى بواحدة* * * حتى أضيف إليها ألف آمينا

____________

(37) محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي، مؤرخ حجة، و عالم بالحديث و التفسير و الأدب، أصله من (سخا) من قرى مصر، و مولده في القاهرة، و وفاته بالمدينة، ساح في البلدان سياحة طويلة، و صنف زهاء مئتي كتاب أشهرها (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع)، ترجم نفسه فيه بثلاثين صفحة، و له كتب كثيرة غيره. (الأعلام 6/ 194- 195).

29

و لما سقط السلطان عامر الثاني و أخوه عبد الملك في نقم قرب صنعاء في قتالهما قوات الأمير حسين الكردي الجركسية تأثّر ابن الديبع لمصرعهما فرثاهما حزينا متألما بقوله:

أخلاي، ضاع الدين من بعد (عامر)* * * و بعد أخيه أعدل الناس بالناس‏

فمذ فقدا، و اللّه، و اللّه، إننا* * * من الأمن و الإيناس في غاية الياس‏

وفاته‏

: و لم يزل ابن الديبع بعدهما على الإفادة و ملازمة بيته و مسجده لتدريس الحديث و العبادة، و اشتغاله بخصوصيته عما لا يعنيه، حتى كانت وفاته، و انتقل إلى رحمته تعالى بمدينة زبيد في ضحى يوم الجمعة السادس و العشرين من شهر رجب سنة (944 ه- 1537 م)، و صلي عليه في جامع الأشاعرة، و دفن بتربة (باب سهام) عند قبة (الشيخ إسماعيل الجبرتي)، و خلفه ولده (علي) يقرأ الحديث عوضه في جامع زبيد الكبير رحمهما اللّه تعالى.

جهاده‏

: عاصر ابن الديبع ما جرى في اليمن و العالمين العربي و الإسلامي من وقائع، و لا سيما غارات البرتغاليين على اليمن، و مهاجمتهم للسفن اليمنية و ركابها و نهبهم ما عليها من حمولة و أسرهم التجار، و استعبادهم لأحرار المسلمين، و قتلهم النفوس البريئة و لواذهم بالفرار، فآلمه ذلك، و ثار حمية لدين اللّه تعالى، و دعا للجهاد عزة للإسلام و المسلمين، و يشهد على ذلك خطبته التي خاطب بها جماهير اليمنيين المؤمنين و هو يحضهم على الدفاع عن البلاد، و فيها يقول:

«إخواني، يا لها صفقة خطيرة في بيع هذه الأنفس الحقيرة، المشتري فيها ربّ العالمين، و الواسطة فيها سيد المرسلين، و الثمن‏ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏ [آل عمران 3/ 133]، فأوجبوا رحمكم اللّه صفقة هذا البيع الرابح بالثمن الجزيل الراجح، ف لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ‏ [الصافات 37/ 61]، وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ‏ [المطففون 83/ 26].

فالجهاد الجهاد، أيها المؤمنون!! الجنة الجنة، أيها الموقنون!! و قاتلوا دون أنفسكم و أموالكم أعداء اللّه الفجار، و ارفعوا عن أنفسكم شؤم العار و النار، فقد جاؤوكم‏ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [المجادلة 58/ 5] بكفرهم، و يستأصلون شأفة الإسلام و المسلمين بمكرهم، و قَدْ

30

بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران 3/ 118]، وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏ [التوبة 9/ 36] (38).

تعصبه لقومه و إخلاصه لهم‏

: ابن الديبع مؤرخ محدث من أهل زبيد، لا يتلكأ في تسخير نفسه و علمه و قلمه و تآليفه و تصانيفه و شعره في سبيل اليمن، و كرامة أبنائه، و وفائه لهما معا، فهو حين يصنف مثلا (حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار (صلّى اللّه عليه و سلم)) ينتهز الفرصة ليعقد فصلا فيه، يتحدث عن وفد أهل اليمن على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و فضائل أهلها (39).

كما يقدم للقسم الثاني من كتابه هذا بخطبة في الحثّ على الجهاد في سبيل اللّه بالأنفس و الأموال‏ (40)، لأن اليمن آنئذ كان يتعرض لهجمات البرتغاليين عليه كما أسلفت.

بل إنه ليتجاوز هذا كثيرا حين يؤلف كتبا واسعة في تاريخ اليمن و فضائلها سآتي على ذكرها خلال الحديث عن كتبه، إن شاء اللّه تعالى، و لا سيما كتابه هذا الذي بين أيدينا (نشر المحاسن اليمنية)، فهو على الرغم من أنه محدث كبير، لا يورد الأخبار إلا بعد التحقق من وقوعها، و التيقن من صحتها عقلا و نقلا، شأنه في ذلك شأن المحدّثين، القدامى و المعاصرين، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، و يثور على المشعوذين و الدجالين الذين ظهروا في اليمن، و ما يزالون يظهرون في كل مكان و حين، و يحرض العلماء و ذوي السلطان عليهم.

فهو على الرغم من ذلك كله لا يتقيد بهذا المنهج تقيدا دقيقا حين يأتى على بعض أخبار المتصوفة في اليمن، أو حين يعود الأمر إلى الإشادة بمحاسن بلاد اليمن أو فضائل أهلها، و المشهورين منهم، منذ أقدم العصور إلى عصره الذي يعيش فيه، فيغض طرفه قليلا، أو يتغاضى عما لا يعجبه منهم.

____________

(38) حدائق الأنوار م/ 52 و 443- 448

(39) حدائق الأنوار ص 714- 716

(40) حدائق الأنوار ص 443- 448

31

و مع هذا كله، فهو أمين على التراث و الدين و التاريخ كل الأمانة، لا يعيبه فيها تعصبه ذاك، و لا يطعن في إمامته في العلوم التي برز فيها عن جدارة كبيرة و استحقاق عظيم يحسد عليه.

شعره:

كان لابن الديبع موهبة شعرية، غير أن اشتغاله بعلوم الدين و التاريخ، و اجتهاده بالتأليف لم يترك له مجالا لنظم الشعر الفني الأدبي للأدب ذاته، و إنما كانت نفسه تنطلق على سجيتها لتعبر عن شاعريتها بصورة صادقة لطيفة، تعليقا على أمر ذي شأن، أو تسجيلا لخاطر ذي بال، أو دعوة لإقامة الحق و نصرة الدين، أو في مسائل علمية.

و لذلك فإن ما وصل إلينا من شعره يعد من شعر العلماء، و منه الشعر الذي أورده في كتابه هذا (نشر المحاسن اليمانية) و منه:

قصيدته التائية في سبب تأليفه كتاب نشر المحاسن و مطلعها:

كملت تتمته بسبعة أبوب‏* * * ألفتها و بها رسمت كتابي‏

و قصيدته التائية إلى يحيي بن عمر الذئابي و مطلعها:

بربك يا طرسي إذا جئت منبرا* * * بمدرسة الضنجوج دار الأحبة

و قصيدته الرائية التي يحرض فيها العلماء و ذوي السلطان على مناصرة الدين، و زجر البدعي المبتدع ابن الشيخ أحمد، مدعي النبوة في سحير، و مطلعها:

كتاب الخالق الملك الكبير* * * شفاء للملوك و للصدور

و قصيدته التي أرسلها إلى أحد المشعوذين مدعي الكرامة و الولاية في قوّر، فولّى هاربا حين وصلته تلك القصيدة فورا، و مطلعها:

يا أيها الرجل العظيم الشان‏* * * يا واصلا من أبعد الأوطان‏

و في هذا كله يراجع للاطلاع عليه مسرد الشعر في فهارس كتابنا هذا، و يعاد إلى متنه لتعرف النصوص كلها و مناسباتها، و استيفاء دراستها فيه.

32

و من شعره ما أورده صاحب كتاب النور السافر (41)، و منه في اللغات التي نزل بها القرآن الكريم قوله:

نزل القران بلفظ سبع قبائل‏* * * و هم قريش مع خزاعة و اليمن‏

و تميم ثم هذيل و السعدان سعد* * * هزيم مع سعد بن بكر فاعلمن‏

و له في مصنفات النووي:

أيها السالك نهج المصطفى‏* * * تابعا سنته في كل حين‏

غير كتب النووي لا تعتمد* * * و تنزه في رياض الصالحين‏

و له في الأربعين النووية:

أيها الطالبون علم حديث‏* * * هذه أربعون حقا صحيحه‏

كلها غير سبعة فحسان‏* * * فاعتمدها فإنها لصحيحه‏

و له في صحيحي البخاري و مسلم:

تنازع قوم في البخاري و مسلم‏* * * لديّ، و قالوا: أي ذين يقدّم‏

فقلت: لقد فاق البخاري صحة* * * كما فاق في حسن الصناعة مسلم‏

و له أيضا فيهما:

قالوا: لمسلم سبق‏* * * قلت: البخاريّ جلّى‏

قالوا: تكرر فيه‏* * * قلت: المكرر أحلى‏

و قد بلغه من بعض فضلاء عصره أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خضب لحيته، فأنكر ذلك عليه و كتب بهذه الأبيات:

و اللّه ما وقّر المختار من مضر* * * من ادعى أنه للشيب قد خضبا

لم يبلغ الخضب فيما قاله أنس‏* * * و هو الخبير به من دون من صحبا

إذ كان خادمه دهرا ملازمه‏* * * ليلا و صبحا مقيما عنده حقبا

قالوا له: احمرّ منه الشعر؟ قال: نعم‏* * * من كثرة الطيب تلك الحمرة اكتسبا

____________

(41) كتاب النور السافر 318- 220

33

ما شاب شيبا إلى فعل الخضاب دعا* * * بل كان يدخل تحت الحصر لو حسبا

إذا تدهّن وارى الدهن ذاك فلا* * * يرى له أثرا من رام أو طلبا

و من يقل: قد أرتني أم سلمة مخضوبا* * * من الشعر، أي من طيبه انخضبا

إذ لم يقل: إنها قالت له: خضب‏* * * النبي، هذا مقال الحق قد وجبا

و من روى صبغه بالصفرة اعتبروا* * * ما قال في ثوبه أو فعله أدبا

لا في الشعور، و قس ما قيل فيه على‏* * * ما قيل: أن لرسول اللّه قد كتبا

و من شعره في التوحيد:

كفاني من عجزي و فخري أنني‏* * * جبلت على التوحيد و اخترته طبعا

و أني لم أشرك بربي غيره‏* * * و أني للرحمن عبد له أدعى‏

و منه أيضا:

يا رب كم أنعمت من نعمة* * * علي مع عجزي و تقصيري‏

إن لم تقبّل عملي لم يكن‏* * * بنافعي جدي و تشميري‏

و منه قوله:

أذنبت و الرحمن ذو منّة* * * بالعفو و الغفران للمذنبين‏

أوقعني في الذنب تقديره‏* * * و هو تعالى أرحم الراحمين‏

و منه أيضا:

قالت لي النفس: أما تستحي؟!* * * فقلت: توفيقي على خالقي‏

قد أحسن الرحمن فيما مضى‏* * * لا بدّ أن يحسن فيما بقي‏

و له وقد اشترى جارية اسمها حرير:

حرير لعمري جنة لي و جنّة* * * بها اللّه أغناني و كنت فقيرا

صبرت فساق اللّه لي أحسن الجزا* * * على حسن صبري جنة و حريرا

و له في كتابه تيسير الوصول:

34

كتابي (تيسير الوصول) الذي حوى‏* * * أصول الحديث الست عز نظيره‏

فمن بمعانيه اعتنى و دروسه‏* * * و تحصيله استغنى و دام سروره‏

و له في الدعاء للملك الظافر و عامر بن عبد الوهاب:

آمين آمين لا أرضى بواحدة* * * حتى أضيف إليها ألف آمينا

و له في رثائه و أخيه معا:

أخلاي ضاع الدين من بعد عامر* * * و بعد أخيه أعدل الناس بالناس‏

فمذ فقدا، و اللّه، و اللّه، إننا* * * من الأمن و الإيناس في غاية الياس‏

و له فيما أوله كاف من أعضاء الإنسان:

أعضاء ابن آدم فيها ما بأوله‏* * * كاف، و عدتها عشر، هي الكوع‏

كف و كتف و كبد كاهل و كلى‏* * * و كمرة كفل كعب و كرسوع‏

و له في الزبيب الرازقي:

يا أهل صنعا قد رزقتم جنة* * * أنهارها حفت بلطف الخالق‏

و رزقتم فيها زبيبا أبيضا* * * و بلا نوى فتنعموا بالرازقي‏

و له في مقامات الحريري:

أحب مقامات الحريري لأنها* * * لدى مسمعي أحلى من المن و السلوى‏

و لست بهذا القول أول قائل‏* * * برئت إلى الرحمن من كذب الدعوى‏

فقد قال قبلي ابن العجيل لصحبه‏* * * بغير تحاش: هذه طبق الحلوى‏

و كان إماما لا يجازف في الذي‏* * * يفوه به فوه، و حاشاه أن يغوى‏

و قد أجاز لمن أدرك حياته أن يروي عنه فقال:

أجزت لمدركي وقتي و عصري‏* * * رواية ما تجوز روايتي له‏

من المقروء و المسموع طرا* * * و ما ألفت من كتب قليله‏

و ما لي من مجاز من شيوخي‏* * * من الكتب القصيرة و الطويله‏

و أرجو اللّه يختم لي بخير* * * و يرحمني برحمته الجزيله‏

35

مكانته العلمية:

جاء في مقدمة كتاب حدائق الأنوار أنه:

الشيخ الإمام العلامة، الأوحد، المحقق، الفهامة، محدث اليمن، و مؤرخها، و محيي علوم الأثر بها (42).

أما في تاريخ النور السافر (43) فهو:

الشيخ الإمام الحافظ الحجة، المتقن، شيخ الإسلام، علامة الأنام، الجهبذ الإمام، مسند الدنيا، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين، خاتمة المحققين، شيخ مشايخنا المبرزين، وجيه الدين الشافعي العالم الفاضل ملحق الأواخر بالأوائل، أخذ عمن لا يحصى، و أخذ عنه الأكابر.

و قال عنه السخاوي أستاذه في الضوء اللامع‏ (44):

قرأ علي بلوغ المرام و غيره، و هو فاضل يقظ راغب في التحصيل و الاستفادة، نفع اللّه به آمين.

و قال فيه صاحب شذرات الذهب‏ (45):

و كان ثقة صالحا حافظا للأخبار و الآثار، متواضعا، انتهت إليه رئاسة الرحلة في علم الحديث، و قصده الطلبة من نواحي الأرض، و أجاز لمن أدرك حياته أن يروي عنه.

و قال فيه الشوكاني في البدر الطالع‏ (46):

له شهرة في اليمن طائلة، و جعل له السلطان عامر بن عبد الوهاب قراءة الحديث بمسجد زبيد.

____________

(42) حدائق الأنوار ص م/ 55

(43) تاريخ النور السافر 212

(44) الضوء اللامع 4/ 105

(45) شذرات الذهب 8/ 255

(46) البدر الطالع 1/ 336

36

أساتذته:

يعرض ابن الديبع في كتابه بغية المستفيد مراحل تعليمه و يخبرنا بأساتذته الذين كان لهم فضل عليه، و هم‏ (47):

1- شرف الدين أبو المعروف إسماعيل بن عمر بن مبارز الشافعي (...- 884 ه)- (...- 1479 م):

و هو جد ابن الديبع نفسه، و قد نشأ في حجره، و ترعرع في كنفه و فيه يقول:

و كان على قدم في عبادة اللّه عز و جل، محافظا على قيام الليل و إحياء ما بين العشاءين، و ملازمة الجماعة في الصلوات المفروضات، تاليا لكتاب اللّه تعالى، عارفا بسنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أخذ العلم عن غير واحد من أشياخ قطره و غيرهم، كالعلامة نور الدين الفخري، و الخطيب كمال الدين الضجاعي، و النفيس العلوي، و الشيخ أبي الفتح المارفي، و المقري شمس الدين الجزري، و القاضي زين الدين مكي و غيرهم، رحمة اللّه عليهم، و صحب الشيخ الصالح شرف الدين أبا المعروف، و إسماعيل بن أبي بكر الجبرتي الصوفي، و قرأ كتب القوم و حفظها، و كانت له اليد الطولى في فتح مغلقها.

2- نور الدين علي بن أبي بكر خطاب و فيه يقول:

ثم إني تعلمت القرآن الكريم عند سيدي الفقيه نور الدين علي بن أبي بكر خطاب، كان اللّه له، حتى بلغت سورة (يس) و انتفعت به كثيرا، فظهرت نجابتي عنده.

3- جمال الدين أبو النجا محمد الطيب بن إسماعيل بن مبارز

، الفقيه فرضي زبيد، خال ابن الديبع نفسه، و فيه يقول:

ثم انتقلت إلى سيدي و خالي الفقيه جمال الدين ... جزاه اللّه تعالى عني خيرا، فلما رأى نجابتي أمرني بنقل القرآن العظيم، من أول سورة البقرة إلى آخره، فقرأته عنده شرفا واحدا حتى ختمته، و حفظته بذلك الشرف عن ظهر القلب و أنا ابن عشر سنين و للّه الحمد.

____________

(47) ترجمة المؤلف لنفسه في كتاب بغية المستفيد و تاريخ النور السافر 212- 221

37

ثم أخذت بعد ختم القرآن الكريم على خالي المذكور في علم القراءات السبع فنقلت الشاطبية، ثم قرأت القراءات عنده مفردة و مجموعة، و تم لي ذلك بحمد اللّه و عونه، ثم أخذت في علم العربية، و بعض البهجة على خالي المذكور، و على غيره، و أخذت عليه خصوصا في علم الحساب و الجبر و المقابلة و المساحة (الهندسة) و الفرائض و الفقه حتى انتفعت في كل علم منها.

4- عمر بن محمد الفتى بن معيبد الأشعري و يقول فيه:

ثم قرأت كتاب الزبد في الفقه للإمام شرف الدين البارزي قراءة بحث و تحقيق و فهم و تدقيق في سنة (883 ه- 1478 م) على شيخنا الإمام العلامة الصالح المعمر تقي الدين مفتي المسلمين أبي حفص عمر بن محمد الفتى بن معيبد الأشعري (رحمه اللّه) في سنة ثلاث و ثمانين و ثمان مئة.

5- زين الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي و يقول فيه:

ثم منّ اللّه علي بصحبة شيخنا الإمام العلامة المحدث بقية أهل اليمن، زين الدين أبي العباس ... كان اللّه له، فأخذت عليه في علم حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان هو المرشد إلى ذلك، جزاه اللّه عني أحسن الجزاء، فقرأت عنده صحيح البخاري و مسلم و سنن أبي داوود و الترمذي و النسائي و موطأ الإمام مالك، و الشفاء للقاضي عياض، و عمل اليوم و الليلة لابن السني، و الشمائل للترمذي، و الرسالة للقشيري، و جميع مؤلفاته و مصنفاته، و ما لا يحصى من الأجزاء و الكتب اللطيفة، و به تخرجت و انتفعت، و ألفت في حياته كتابي المسمى بغاية المطلوب و أعظم المنة فيما يغفر اللّه به الذنوب و يوجب به الجنة، و هو الذي تعلمت منه صنعة التأليف و التصنيف، و ارتحلت في حياته بإشارته إلى بيت الفقيه ابن عجيل لزيارة الفقهاء بني جغمان.

6- جمال الدين أبو أحمد محمد الطاهر بن أحمد عمر بن جغمان، و فيه يقول:

فأخذت الفقه بها (ببيت الفقيه ابن عجيل) على شيخنا الإمام الصالح المقري، وليّ اللّه تعالى، جمال الدين أبي أحمد محمد ... فقرأت عليه منهاج الطالبين للنووي جميعه، و من الحاوي الصغير و تيسيره للبارزي، و نظمه لابن الوردي، إلى ثلث كل كتاب منها.

38

7- برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي القاسم بن جغمان، و فيه يقول:

و أخذت في الحديث بها (بيت الفقيه ابن عجيل) على شيخنا الإمام الأوحد الصالح ذي الفنون العديدة، و المآثر الحميدة، برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أبي القاسم بن جغمان، فقرأت عليه كتاب الأذكار للإمام النووي، و الشمائل للترمذي، وعدة الحصن الحصين للجزري، و غير ذلك، و سمعت عنده بقراءة غيري مجالس من صحيح البخاري و مسلم، و بعضا من كتاب الإرشاد مختصر الحاوي للعلامة شرف الدين ابن المقري و غير ذلك.

8- شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري الشافعي، و يقول فيه:

ثم رجعت إلى مكة المشرفة في المحرم من سنة سبع و تسعين و ثمان مئة فمنّ اللّه عليّ بلقاء الشيخ الإمام، حافظ العصر، مسند الدنيا، فريد الوقت، شمس الدين أبي الخير ...

فيها، فصحبته و انتفعت به، و أخذت عليه في علم الحديث النبوي، و سمعت عنده كثيرا من صحيحي البخاري و مسلم، و من كتاب مشكاة المصابيح للتبريزي، و جملة من ألفية الحديث، و قرأت عليه كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ أبي الفضل بن حجر، و بعضا من كتاب سيرة ابن سيد الناس اليعمري، المسماة بعيون الأثر، و بعضا من كتاب رياض الصالحين للنووي، و ثلاثيات البخاري، و ما لا يحصى من الأجزاء و المسلسلات، و كان يجلني و يؤثرني، و أحسن إليّ كثيرا جزاه اللّه عني خيرا.

9- محمد بن عبد السلام الناشري و فيه يقول:

أخبرني شيخنا القاضي العلامة العدل الفقيه محمد بن عبد السلام الناشري، كان اللّه له، و زاد فضله ... إلخ.

10- حسن بن عثمان المنبهي و فيه يقول في الباب السابع من كتابنا هذا (نشر المحاسن) (48):

____________

(48) كتاب نشر المحاسن اليمنية هذا الفصل السابع.

39

الفقيه الضابط العالم المرابط بدر الدين، عمدة العلماء المفتين، شيخنا و إمامنا و قدوتنا، بدر الدين حسن بن عثمان المنبهي، و كانت إقامته في الدوحاء، و كانت له سيرة محمودة و فضائل مشهودة، تفقه عليه جماعة من طلبة العلم، و قرأت عليه عدة كتب من مسموعات الفقه و الفرائض، و استفدت من مذاكرته فوائد جمة، فجزاه اللّه عني خيرا، و عامله باللطف و الرحمن آمين آمين.

ثم إنه يقول في كتابه بغية المستفيد: و قد انتفعت بدعاء كل من مشايخي المذكورين و محبتهم لي، رحم اللّه جميعهم و شكر صنعهم‏ (49).

تلامذته:

قال العيدروس‏ (50) صاحب تاريخ النور السافر في أعيان القرن العاشر:

أخذ عن [ابن الديبع‏] الأكابر مثل:

1- العلامة ابن زياد:

[و هو عبد الرحمن بن عبد الكريم بن إبراهيم بن علي بن زياد الغيثي المقصري الزبيدي‏ (51)، و المقصري نسبة إلى المقاصرة من بطون عك بن عدنان أبو الضياء (900- 975 ه)- (1494- 1568 م). و هو فقيه شافعي من أهل زبيد مولدا و وفاة، تفقه و أفتى و اشتهر، و كفّ بصره سنة 964 ه فاستمر على عادته في التدريس و الإفتاء و التصنيف‏ (52)].

2- و السيد الحافظ الطاهر بن حسين الأهدل.

3- و الشيخ أحمد بن علي المزجاجي‏ (53).

____________

(49) تاريخ النور السافر ص 214

(50) العيدروس: هو شمس الشموس محيي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد اللّه العيدروس.

(51) المدارس الإسلامية في اليمن ص 151

(52) الأعلام 3/ 311

(53) و انظر في هؤلاء الثلاثة أيضا شذرات الذهب 8/ 255

40

4- و شيخ بن عبد اللّه بن شيخ بن عبد اللّه العيدروس، و هو والد مؤلف كتاب تاريخ النور السافر و فيه يقول‏ (54):

و اجتمع به (بابن الديبع) سيدي الوالد بزبيد سنة اثنتين و أربعين و تسع مئة و أخذ عنه، [و هو فقيه يماني، ولد في تريم من بلاد حضرموت، و دخل الهند سنة (958 ه) فأقام بها، و توفي في أحمد آباد بالهند، و من كتبه العقد النبوي و السر المصطفوي و غيره‏] (55).

5- أبو السعادات الفاكهي المكي‏ (56).

و غيرهم كثير، رحمهم اللّه أجمعين.

و قد أجاز ابن الديبع لكل من أدرك حياته أن يروي عنه.

مؤلفاته:

تدل مؤلفات ابن الديبع على غزارة علمه و سيولة قلمه، و قد سخرهما ابتغاء مرضاة اللّه تعالى في الذبّ عن دينه، و الجهاد في سبيله، و الاعتصام بكتاب اللّه تعالى، و السنة النبوية الشريفة، فبرع في علوم القرآن الكريم و الحديث الشريف و أصوله، و التحقيق فيه، و التصنيف في التاريخ و فنونه، و لا سيما التاريخ اليمني، و قد اشتهر ذكره و بعد صيته، و صنف التصانيف الكثيرة التي لم يصل منها إلينا إلا القليل.

- أ-

و منها في أمور الدين و في الحديث النبوي الشريف الذي بلغ فيه ما يدل على تعمقه في علوم الحديث و تبصره فيه و منها:

1- تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول:

و قد بلغ فيه القمة في المعرفة و حسن الاختيار و التقدير، و قد اختار فيه روائع الأحاديث التي ضمها كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري، الحاوي لأحاديث الكتب‏

____________

(54) تاريخ النور السافر ص 221

(55) الأعلام 3/ 182

(56) تاريخ النور السافر ص 217

41

الستة، و قد اختصره اختصارا حسنا، فمحص زبدة هذه الكتب، و أتى بالنافع المفيد و الشائع الناجع، فتداوله الطلاب و انتفعوا به.

2- تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث:

و قد محص فيه كتاب أستاذه (الشمس السخاوي) المسمى (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث الدائرة على الألسنة)، فأثبت في كتابه الشائع من تلك الأحاديث، و نبه عليه، لتقريبه للطالبين و تيسيره للراغبين، و شذب فيه ما ليس من الحديث و نبّه عليه.

3- حدائق الأنوار و مطالع الأسرار:

و هو في السيرة النبوية، و قد اختار موضوعاته من أمهات مقروءاته في كتب السيرة النبوية الشريفة، فأوردها فيه، فجاءت سيرته نقية من الشوائب، واضحة البيان، مشرقة الأسلوب، يستسيغها الذهن، و تستروح إليها النفس و يطمئن القلب، و يقبل عليها أيما إقبال، و يدل مضمونه و نهجه على أنه من تأليف إمام كبير في علم الحديث، و له فيه و في فنونه باع طويل.

4- غاية المطلوب و أعظم المنة فيما يغفر اللّه تعالى به الذنوب و يوجب الجنة:

و قد ألفه في حياة أستاذه أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي.

5- كشف الكربة في شرح دعاء الإمام أبي حربة:

و قد ألفه بعد رجوعه من الحج إلى وطنه عام (896 ه).

6- مصباح المشكاة.

7- اختلاف الفرقة الإسلامية في تكفير المعاهدين:

و هم فرقة من الباطنية، و قد ذكر سبب تأليفه هذا الكتاب في كتابه هذا (نشر المحاسن اليمانية) فقال‏ (57):

____________

(57) نشر المحاسن اليمانية، القصة الثالثة في الخاتمة.

42

و سبب ذلك أنه كان في وصاب الأعلى منهم طائفة ... و لهم عقائد فاسدات، و تأليفات مخالفات، فظهر رجل صوفي أصله من ريمة يسمى الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم ... أعلموه بأفعالهم و مقاصدهم و فساد عقائدهم ... فلما لاح له فسادهم و فهم عنادهم، استغاث عليهم بطوائف المسلمين، و أخرجهم من الحصن و المعشار أجمعين ...

فلما وقف الشيخ على مصنفاتهم و عرف فساد عقائدهم ازداد غيظا، و أمر بقتلهم و استرقاق أولادهم و نسائهم، فخرجوا من الأوطان، و تمزقت أحوالهم في جميع البلدان.

فلما كان الأمر كذلك انتهى العلم إلى الفقيه العلامة تاج العارفين شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري إلى زبيد، فاستقبح فعل الشيخ، و أنكر عليه و لامه و كتب إليه فقال:

إن هؤلاء يعدل بهم عن أحكام الدين؟!!

فضاق صدر الشيخ من كتابه و عتب عليه في جوابه، و من تلك الساعة لم يزل بينهم الجدال في المكاتبات و الرسائل و البلاغات، حتى اجتمع من تلك الرسائل كتاب كامل.

فلما وقفت على ذلك جمعته و ألفته و سميته كتاب (اختلاف الفرقة الإسلامية في تكفير المعاهدين)، و هم فرقة من الباطنية، و هو كتاب مفيد فيه من الحجج الواضحات و البراهين القاطعات، و الدلائل و الاستشهادات، و الدقائق و البحوثات، و المسائل و الجوابات، ما يتعجب منه الناظر، و ينشرح به الخاطر.

- ب-

و منها في التاريخ، و تدل مؤلفاته التاريخية على أنه مؤرخ واسع الاطلاع، عظيم الزاد من هذا العلم و منها:

1- بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد:

و هو كتاب مطول في تاريخ مدينة زبيد و من أسسها من الملوك، رتبه على السنين للأسر التي حكمت زبيد من أول عهدها حتى آخر المئة التاسعة من عصره، و نقل فيه عن‏

43

مؤرخي اليمن قبله، مثل (عمارة اليمني) و (الجندي) و (الخزرجي) و (ابن عبد المجيد القرشي) النسابة و (شرف الدين ابن المقري) و غيرهم و فيه يقول‏ (58):

إني لم أجد بين المؤرخين من أفرد تاريخا لأئمة اليمن و ملوكها و بني طاهر، فألفت كتابي هذا، و رتبته على مقدمة في فضل اليمن و أهله، و قسمته عشرة أبواب، في ذكر مدينة زبيد و فضلها و وصفها و جغرافيتها و من تملكها و ذراريهم، و ملوك الحبشة باليمن، و من قام بعدهم [دولة دولة إلى الدولة المعاصرة له‏] من بني زياد و بني نجاح و وزرائهم و الصليحيين و بني مهدي و بني أيوب و بني رسول و علي الطاهري و ابنه عبد الوهاب و ابنه محمد.

و قد ألفته بعد كتابي كشف الكربة في شرح دعاء الإمام أبي حربة، و جعلته في أخبار مدينة زبيد، و لما وقف عليه مولانا السلطان الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بن داوود طاهر، جدد اللّه سعوده و نصر جنوده، و طلبني إلى مجلسه الشريف العالي المنيف، و استجاده و استحسنه، و دعاني و نبهني على إلحاق أشياء فيه، كنت أغفلتها، و استدراك فوائد و شوارد لم أكن ذكرتها.

2- العقد الباهر في تاريخ دولة بني طاهر:

و قد ضمنه ابن الديبع تاريخ الدولة الطاهرية و فيه يقول:

ثم اختصرت من كتابي بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد كتابي المسمى بالعقد الباهر في تاريخ دولة بني طاهر، ذكرت فيه دولة جديه بني طاهر و والده، و مآثرهم الحميدة، و دولتهم المباركة الميمونة السعيدة.

فلما وقف عليه مولانا السلطان، أضاف علي مواهب الجود و الإحسان، و أجازني من مواهبه الهنية بجائزة ميمونة سنية، ثم حصل هذا التاريخ تحصيلا عظيما، و تقدمت به إلى مولانا السلطان، و هو إذ ذاك بمحروسته المقرانة مقيما، و قدمت إليه فأثابني بثوابه عليه، و أفاض علي من مواهبه و كرمه ما يقصر صوب الغمام عن غزير ديمه.

____________

(58) بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد.

44

3- الفضل المزيد على بغية المستفيد:

و جعله ذيلا على كتابه (بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد)، أرّخ فيه من سنة (901- 923 ه)- (1495- 1517 م)، و هو تاريخ فتح السلطان سليم للشام و مصر مرتبا على السنين.

4- أحسن السلوك في نظم من ولي مدينة زبيد من الملوك:

و هو منظومة شعرية ختم بها كتابه (الفضل المزيد)، و جعلها أرجوزة في تاريخ مدينة زبيد، رتب فيها الأسماء على السنين إلى سنة (923 ه).

5- قرة العيون في أخبار اليمن الميمون إلى سنة (923 ه) و فيه يقول:

إني اطلعت على ما ألفه القوم في اليمن، فوجدت كتاب أبي الحسن الخزرجي المسمى بالعسجد أحسنها فجعلته قاعدة مؤلفي هذا، و أضفت إليه من غيره إلى آخر دولة بني طاهر.

و قد رتبته على ثلاثة أبواب في ذكر اليمن و في ملك صنعاء و عدن، و في ذكر مدينة زبيد و أمرائها و ملوكها، و في ذكر الدولة الطاهرية (و هو أول من أرّخ لها).

6- تاريخ الدولتين الطاهرية و الناصرية.

7- تحفة الزمن بفضائل اليمن:

و يشتمل على أحاديث و آيات.

8- فضل اليمن و أهله:

و هو مختصر في فضائل اليمن.

9- مختصر طبقات الملك الأشرف الرسولي.

10- المعراج.

11- مولد شريف نبوي.

12- نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن و نسب القحطانية:

و هو كتابنا هذا فماذا عنه؟؟!!

45

كتاب ابن الديبع نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن و نسب القحطانية

أ- توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه:

1- جاء في الصفحة 548 في الجزأين الأول و الثاني من المجلد الرابع لمجلة الزهراء الصادرة في القاهرة في الربيعين من عام (1346 ه)، بحث تحت عنوان:

(تواريخ مخطوطة للبلاد اليمنية) و فيه ما يلي:

«أربع تواريخ مخطوطة للبلاد اليمانية:

قرة العيون لابن الديبع عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الشيباني المعروف بالديبع.

نشر المحاسن اليمنية.

روح الروح.

اللطائف السنية.

أما قرة العيون فهو في مجلد واحد معه كتابان سيأتيك ذكرهما ....

أما الكتاب الثاني في هذا المجلد فهو (كتاب الذخيرة و كشف التوقيع لأهل البصيرة في تأويل الأحكام في الليالي و الأيام) و يغلب على الظن أنه لمؤلف قرة العيون ....

46

و يتابع بعد ذلك في ص 553 الحديث عن نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن و نسب القحطانية فيقول:

و يليهما هذا الكتاب، و يظهر أنه لمؤلف قرة العيون، و قد ذكر جملة من علماء اليمن و أفاضلها منهم الفقيه العلامة شرف الدين إسماعيل المقري صاحب عنوان الشرف المتوفى سنة (837 ه).

و هو في 27 صفحة عدد سطورها كسطور الكتابين السابقين.

و الكتب الثلاثة بخط واحد، و هذا الكتاب على صغر حجمه غزير المادة كثير الفوائد قال في خطبته:

الحمد للّه الذي أخرج الموجودات من العدم إلى الوجود .... [خطبة كتابنا هذا نفسها].

و هذا المجلد المشتمل على هذه الكتب الثلاثة ابتاعه الشيخ أحمد رجب الحلبي، حينما كان في صنعاء بوظيفة مفتي لواء سنة (1355 ه)، و بقي هناك نحو أربع سنوات، كما ابتاع غيره من مخطوطات أحضرها إلى مدينة حلب، و كانت وفاته في حوالي سنة 1336 ه و الكتاب الآن في خزانة ولده.

ثم يتحدث الدكتور صلاح الدين المنجد في ص 553 من المجلة نفسها عن الكتاب، فيقول تحت عنوان:

النشر في كتاب نشر المحاسن اليمانية .... تأليف عبد الرحمن بن علي الديبع في القرن التاسع، و يذكر أن له في الظاهرية مخطوطتين بالرقمين 37547 و 37549» (59).

____________

(59) مجلة الزهراء- القاهرة 4/ 1346 ه.

47

2- جاء في ص م/ 60 من كتاب حدائق الأنوار و مطالع الأسرار لابن الديبع أنّ له كتاب (نشر المحاسن اليمانية في خصائص اليمن و نسب القحطانية) و أن منه نسخة مخطوطة في عام (928 ه) في 34 ورقة بالمكتبة الظاهرية بدمشق لابن الديبع الشيباني الشافعي وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد (866- 944 ه)- (1461- 1537 م).

3- جاء في فهرس التاريخ لمخطوطات المكتبة الظاهرية للأستاذ خالد الريان اسم الكتاب تحت رقم 3485 في ص 701 منه، و يصفه أنه في 63 صفحة كتب في سنة (1334 ه) (60).

4- جاء في فهرس التاريخ و ملحقاته لمخطوطات المكتبة الظاهرية للدكتور يوسف العش اسم الكتاب و مؤلفه ابن الديبع، تحت رقم 829 في ص 101 منه.

و يصف الدكتور العش الكتاب أنه في 63 صفحة قياسها 23* 18 سم، و مسطرتها 24 سطرا، و في سم واحد حاشية، و هو بخط رقعي و فيه ألفاظ و إشارات بالحمرة، و قد علقه محمود شكري عبد اللّه الآلوسي 1334 ه.

[و يظهر أن هذه النسخة هي عينها النسخة التي تحدث عنها الأستاذ خالد الريان آنفا، و قد فقد منها صفحة غلاف الكتاب التي أشار إليها الدكتور العش، و عليها رقم الظاهرية (829)، و استبدل بها ورقة أخرى وضع عليها الرقم 3485 الذي ذكره الأستاذ الريان‏].

ثم يذكر الدكتور العش محتويات الكتاب مشيرا إلى أرقام الصفحات فيه فيقول:

____________

(60) فهرس التاريخ لخالد الريان ص 701

48

ص 2 شرح خصائص اليمن.

11 الآثار العلوية و ما يحمد منها و ما يدم و ما جاء في ذكر الجنوب المنسوبة إلى اليمن.

16 نسب قحطان.

24 بطون قحطان و مساكنهم في اليمن و الشام و غيرهما من البلدان و بيان قبائل حمير و كهلان.

28 من تولى أمر الحرمين الشريفين و سكن فيهما من ذرية قحطان.

38 ذكاء فطن القحطانيين و كرم طباعهم.

45 ذكر و صاب و من فيها من القبائل المعروفين و العلماء و الصالحين.

54 الخاتمة فيما ظهر في وصاب من القصص و العجائب و الأمور الغرائب‏ (61).

و هذه المخطوطة التي يصفها الدكتور العش هي عينها المخطوطة الوحيدة التي اعتمدتها لتحقيق الكتاب إلا أنها تحمل رقم الظاهرية 3485/ تاريخ، التي تحدث عنها الأستاذ الريان، كما أسلفت، و التي لم أستطع الحصول على غيرها على الرغم من سعيي الحثيث إلى ذلك.

و فضلا عن نسبة تأليف كتاب نشر المحاسن اليمانية لابن الديبع في أكثر من مصدر، كما سبق ذكره، فإن من استعراض أسماء أساتذة المؤلف و من عاصرهم من الذين وردت أسماؤهم في كتابنا هذا المحقق، أو وردت أسماؤهم في كتبه الأخرى كحدائق الأنوار، و بغية المستفيد، و النور السافر، و كذلك من دراسة شعره في كتبه و أسلوبه في الكتاب فيها جميعا، و نقل الأخبار بنصها في كتابه نشر المحاسن‏

____________

(61) فهرس التاريخ و ملحقاته تأليف الدكتور يوسف العش ص 101

49

هذا، و غيره من كتبه الأخرى، فإننا نجد تطابقا يكاد يكون تاما. و هذا ما يجعلني أثق بصحة نسبة كتابنا المحقق (نشر المحاسن اليمنية) إلى مؤلفه (ابن الديبع) نسبة لا مجال للشك أو الريب فيها.

وصف نسخة المخطوطة المحققة:

يبدو كما ذكرت آنفا، أن صفحة الغلاف الأولى للكتاب و عنوانه و اسم مؤلفه قد فقدت، فأخذ عنوانه من خطبة الكتاب المذكورة في الصفحة التالية لصفحة الغلاف مباشرة، و التي ورد فيها بشكل واضح لا غموض فيه.

ثم صنع الناسخ ورقة غلاف جديدة كتب فيها بالخط الريحاني (اسم الكتاب)، ثم توبعت الكتابة بالخط الرقعي بقوله:

«لأحد فضلاء وصاب في بلاد اليمن، و لم أقف على اسمه و لم يذكر اسم هذا الكتاب في كشف الظنون، و لم أقف على زمن المؤلف و لا ترجمته».

ثم كتب في وسط الصفحة نفسها:

«و صاب جبل يحاذي زبيد باليمن فيه عدة بلاد و قرى و حصون».

و على هذه الصفحة ذاتها ظهرت أختام المكتبة الظاهرية و دار الكتب العربية بدمشق. هذا في ورقة الغلاف، أما الكتاب نفسه، فقد نسخه الأستاذ محمود شكري بن عبد اللّه الآلوسي، و قد نقله صفحة صفحة معقبا بين الصفحات بالكلمات التي تثبت في آخر كل صفحة يمنى ما يدل على أول كلمة من الصفحة اليسرى لتدل على تتابع النص.

و قد حشّى الناسخ النص أحيانا قليلة جدا بخط أصغر حجما من خط المتن فيه، بشروح و تعليقات أو إيضاحات لبعض مفردات النص، كما في الصفحة الثانية من النسخة المخطوطة المنقول عنها، و كذلك في الصفحات الرابعة و الخامسة

50

و الثامنة و الحادية عشرة و الخامسة و العشرين و السادسة و الخمسين و التاسعة و الخمسين و الثالثة و الستين.

و كان يضع خط الاهتمام فوق بعض الكلمات لأهميتها أو للأبواب و الفصول، فصلا للكلام عما سبقه، و تنبيها لبداية بحث جديد في المتن، و ذلك على الطريقة العربية الأصيلة في رسم علامات الترقيم:

و قد ترك قليلا من الفراغات لكلمة أو كلمتين في موضع، يبدو أنه لم يتبين المكتوب فيه في الأصل المنسوخ عنه، كما أشار في الهامش في موضع آخر إلى نقص الأصل بقوله: (كذا الأصل) كما في الصفحة الأخيرة من المخطوط.

و كان أحيانا يتابع نقل النص في هامش الصفحة لعدم اتساعها و لأهمية ربط الكلام في الصفحة نفسها قبل الانتقال إلى غيرها.

و النسخة التي نقل عنها تامة كاملة بيد أنه أشار في الصفحة السادسة و الخمسين إلى أن خرما في الكتاب أسقط أولا، تسعة أبيات من قصيدة هناك، ثم أسقط نحوا من تسعة أبيات أخرى في الصفحة نفسها بعد ذكر بعض أبيات القصيدة بعد الخرم الأول، و هذا هو الخرم المزدوج الوحيد في الكتاب، و لم أستطع ترميمه.

و كان عند ما يكتب كلاما من المتن في الهامش يذيّله بكلمة (صح) و يوقع جانبه كما في الصفحة التاسعة و الخمسين من المخطوط.

و عند ما انتهى الكتاب و أعلن المؤلف تمامه، ذيّله الناسخ الآلوسي بقوله:

تم تحريره على يد الفقير إليه تعالى محمود شكري بن عبد اللّه الآلوسي صباح يوم الثلاثاء في 22 صفر 1334 ه أواسط كانون الأول [1916]، و يظهر خاتم دار الكتب العربية بدمشق واضحا في وسط الهامش الأيمن، و قد علقت على ذلك هناك بالترجمة للناسخ، و هو من أفاضل العلماء بالتاريخ و الأدب والدين، و من‏

51

دعاة الإصلاح السياسي المتمسكين بالسنة، المحاربين للبدع، المتصدرين للتدريس و التأليف و الدعوة إلى اللّه تعالى، (رحمه اللّه) رحمة واسعة. آمين.

أما بقية صفات عملية النسخ فهي لا تختلف عما جاء به الدكتور يوسف العش، و سجلته له قبل قليل، عند توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، إلا في مسطرة الورقة، التي لم تكن ثابتة على الرقم الذي ذكره الدكتور العش، (24) سطرا في جميع صفحات الكتاب، و يبدو أنه أحصى ذلك من بعض صفحات الكتاب لا كله.

و أما الرسم الإملائي، فإن الناسخ قد اعتمد قواعده المتعارف عليها في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، فهو يهمل همزة القطع كثيرا جدا، سواء كانت ترسم فوق الألف أم تحتها، كما أهمل رسم التنوين في جميع حالاته رفعا و نصبا و جرأ، و لكنه اعتنى غالبا برسم الهمزة المتوسطة و المتطرفة و المدة.

و أما الألف اللينة، الممدودة منها أو المقصورة، فقد اضطرب في رسمها اضطرابا ليس له فيه قاعدة أو ضابط، بل إنه أحيانا يزيد الألف بعد واو ليست ضمير الجماعة كما في (بنوا نمر).

ثم إنه كان يقلب أحيانا كتابة بعض الحروف، فيكتب الضاد ظاء أو بالعكس، أو يهمل إعجام الحروف الواجبة الإعجام فيوقعنا في لبس كبير لا يستطاع معه الوصول إلى الحق الكامل فيه كما في قوله ص 46 من المخطوط:

(و بلد بني علس؟؟؟ معروفة بزفن ممتدة من العود بين إلى حد الركه؟؟؟).

و هو يحار في رسم بعض الكلمات فيرسمها كما يتوهمها كما في ص 46 من المخطوط أيضا:

(و أن العبادل الذين يتحدب منهم يتحمل).

52

فيضطرني إلى التأويل و الرجوع إلى المظان الكثيرة لاكتشاف الصواب فيها، و هذا ما يجعل النقل عن نسخة المخطوط هذه صعبا يحتاج إلى تنبه كامل و تيقظ حذر.

و لعل سبب ذلك أن الناسخ كان يعاني من النسخة الأصلية التي كان ينقل عنها أضعاف ما عانيته في النقل عن نسخته التي نقلت عنه منها.

53

الراموز الأول: الصفحة الأولى من الكتاب‏

54

الراموز الثاني: الصفحة الثانية من الكتاب‏