السقيفة وفدك‏

- أحمد بن عبد العزيز الجوهري المزيد...
160 /
3

[المدخل‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري. في السقيفة و فدك، و أبو بكر الجوهري هذا عالم محدّث، كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون، و رووا عنه مصنفاته ..

ابن أبي الحديد 16- 210

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة

: على اثر الظروف القاسية .. و الحوادث السياسيّة الدامية .. و الخلافات العاتية الطالبة للسيطرة و الغلبة .. التي اجتازت الوطن العربي، و انتابت العواصم الاسلامية. و فرضت حكومتها التوسّعية على الأمم و الشعوب الإسلامية، فأبادتها و شرّدتها و جعلتها طراق قددا، و فرقتها و دعتها متوزّعة متفرقة كقصصات الورق .. ضاع التراث الفكري .. و انهارت صروح و معالم الحضارة الثقافية، بصورة جعل التاريخ تلك الشخصية الاسلامية الزاخرة بالحيوية، و اليقظة الروحية التي غزت العالم من أقصاه الى أقصاه بالنشاطات الفكرية، و المعالم الثقافية.

أن الحوادث الدامية التي انتابت الوطن الإسلامي .. تركت في التراث الفكري رواسب قاتمة و آثارا جذرية من التقهقر و الانحطاط، في الحضارة الاسلامية لانها لم تدع للمسلمين في اكثر الاحايين فرصة التمتع بشي‏ء يسير من الاستقرار و الهدوء.

لقد توالت على التراث العربي، و المكتبة العربية نكبات و ويلات بسبب المنازعات العقائدية، و الأطماع التوسعية التي كانت تنتهي دائما الى احراق و اتلاف الكثير من الكتب النفيسة و بسبب الغزاة الفاتحين الذين احتّلوا البلاد الاسلامية و سلبوا ديارها و خربوا معالمها و مآثرها و كانت خزائن الكتب و دور النفائس الفكرية من جملة ما خربوا، و اننا في الوقت الحاضر لا نملك إلا الحزن و الاسى حينما نتصفح‏

8

التاريخ و نقرأ ما جرى على الخزائن و المكتبات من احراق و اغراق و اتلاف و تدمير، فقد أقام الفاتحون من الكتب جسرا على نهر دجلة، و رموا الكثير منها في مواقد المطابخ و الاتلاف و الحمامات.

و الذي نراه اليوم بأيدينا من التراث و من كتب الأقدمين لم يكن غير النذر اليسير من التراث الضخم الفخم الذي تركه السلف لنا، و اننا لنقرأ اسماء الكثيرين من العلماء و الأدباء و الرواة و المحدثين و لا يوجد بين ايدينا شي‏ء من آثارهم، كما اننا نقرأ اسماء لكثير من المؤلفات و المصنفات و لا أثر لها في دور الكتب العامة و الخاصة.

هذا و بعد هذه المرحلة الأليمة ... يأتي دور الغزو الغربي للشرق فحين بدأ الاستعمار الغربي يغزو الشرق بحيله و مواعيده الخلابة الفارغة اندفعت شرذمة من أذنابه و عيونه لنهب التراث الفكري و استعمار الجانب الثقافي بعد ان تهافت الغرب على نقل العلوم التي اشتغل العرب بها أبان نهضتهم العلمية، فكان تراثنا العلمي مبعثرا في الآفاق و موزعا في الأقطار فمنه جانب في مكاتب الأستانة، و جانب في الأسكوريال، و قسم كبير في مكتبات أوروبا و متاحفها، و قد انقضت السنون و تلتها اخواتها و ما زلنا حتى الساعة هذه نمشي على انتظار ما تجود به علينا أيدي المستشرقين من هذا التراث الحي الذي فيه النتاج العلمي و النتاج الأدبي و النتاج الروحي. لقد أخذ تراثنا الفكري طريقه الى الغرب، و شق ركبه اليه منذ سنين و قرون متمادية على يد نفر زيّن لهم، حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ‏ (1).

زيّن لهم و أغروهم بالأموال فجمعوا التراث الفكري و شروه ببخس‏ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، و أدعوه في الصناديق وجهوه الى الغرب بشتى الطرق و الوسائل، و هذا

____________

(1)- سورة آل عمران: 14.

9

كان ديدنهم مدى حياتهم.

هنا يكشف التاريخ القناع عن وجه واحد من هؤلاء، و يعرف بتاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي البغدادي الدمشقي المصري المتوفى 613 قال ابن خلكان: أوحد عصره في فنون الآداب و علو السماع، و شهرته تغني عن الأطناب في وصفه، سافر عن بغداد في شبابه، و استوطن حلب مدة، كان يبتاع الخليق و يسافر به الى بلاد الروم و يعود اليها، ثم انتقل الى دمشق و صحب الأمير عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه، و هو ابن اخي السلطان صلاح الدين، و اختص به و تقدم عنده و سافر في صحبته الى الديار المصرية و اقتنى من كتب خزائنها كل نفيس و عاد الى دمشق و استوطنها و قصده الناس و اخذوا عنه‏ (1).

و اللّه أعلم كم كان لدة أمثال تاج الدين ... و كم حملوا الى الروم من التراث ... و يمكن القول ان العراق ... و سورية ... كانا أول البلاد التي فقدت ثروتها الفكرية ... لهذا لا تخلو مكتبة كبرى في الغرب من مجموعة كبيرة تتناول البحث عن تاريخ العرب و الاسلام و ما يتصل بها من آثار و حضارة و أديان و لغات و سياسة و غير ذلك، كما أولوا البحوث الاسلامية عناية خاصة، و حرصوا أشد الحرص على اكتناز ما يصدر من المطبوعات في أغلب العواصم العربية و الاسلامية، أما ما ينشره المستشرقون من كتب عربية قديمة في الغرب فانهم يتسابقون الى احرازه و اختزانه و الانتفاع به.

ففي سنة 1943 م. أحرزت جامعة- برنستن- مجموعة كبيرة من المخطوطات العربية يقدر عددها بستة آلاف مخطوط اقتنتها من الاستاذ يهودا البغدادي صفقة واحدة بمبلغ 000/ 72 ألف دولار، و يهودا المذكور بغدادي الأصل طاف في بلدان الشرق الأدنى و لا سيما في مصر و جمع منها هذه الآلاف من‏

____________

(1)- وفيات الأعيان 2: 340 نسمة السحر 1: 242- خ-

10

المخطوطات و نقلها الى اميركة حيث استقر بها المقام في مكتبة جامعة برنستن‏ (1).

و مهما يكن من أمر فالتراث الفكري العربي منذ القرن السابع الهجري كان موضع نهب و حرق و تدمير و ابادة و تمزيق نفر من أذناب الغرب و شياطينه.

أجل اننا نقرأ اسماء الآلاف من العلماء و الرواة و الأدباء و لا نجد بين أيدينا شيئا من آثارهم، كما اننا نطالع أسماء لكثير من التصانيف و الموسوعات و لا أثر لها في خزائن الكتب و منهم على سبيل المثال، أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي فقد كان كثير العلم و الرواية و الأديب. و صاحب مدرسة و مكتبة و حوزة في البصرة و بغداد ... يجتمع اليه الأدباء و المحدثون و ينقلوا و يسجلوا ما يمليه عليهم، او يستمع الى قراءة كتبه و مؤلفاته سنين طويلة ...

و لا بد لعالم كهذا تصانيف و كتب و رسائل جمة ... غير أن لم يحفظ التاريخ لنا منه كتاب و لا رسالة و لا ورقة ... مع العلم كما سنوقفك عليه من أن مؤلفاته كانت متداولة و موجودة الى القرن السابع الهجري، و موضع عناية المحققين، و المصنفين، بحيث اتخذوها من المراجع الهامة، و حسبوها من المصادر الاسلامية او الأدبية الحية. قال عز الدين ابن ابي الحديد عنه: و أبو بكر الجوهري هذا عالم محدث، كثير الأدب، ثقة، ورع، اثنى عليه المحدثون، و رووا عنه مصنفاته‏ (2).

إن هذه الجملة على أختصارها ان دلّت على شي‏ء فانما تدل على وجود مصنفات لأبي بكر الجوهري ... في شتى المواضيع و مختلف البحوث ... غير أن التاريخ لم يحتفظ لنا بشي‏ء منها، حتى أن بعضا من المحققين و المتتبعين رغم البحث و التتبع في كافة مظان خزائن المخطوطات العربّية أعلن ان كثيرا من الكتب التي اصبحت‏

____________

(1)- جولة في دور الكتب الاميركية: 46.

(2)- شرح نهج البلاغة 16: 210.

11

من عداد التراث العربي المفقود لا تزال عناوينها و مقتبسات منها محفوظة في سائر المؤلفات و منها مثلا كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري‏ (1).

و اذا ما تصفحنا بعض المعاجم و المراجع الأدبية و التاريخية، لوجدناها زاخرة بروايات و احاديث تحدث بها أبو بكر الجوهري أو أملاها على المؤلفين، و منها مؤلفات أبي الفرج علي ابن الحسين الأصفهاني، و أبي عبيدة محمد بن عمران المرزباني، و أبي احمد الحسن بن عبد اللّه العسكري الخراساني، و أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي و غيرهم.

و لما كانت احاديث و روايات الجوهري مبثوثة في طيات الكتب و المعاجم و تعتبر بحق نصوصا تاريخية و أدبية أخذت على نفسي جمعها و لمها من الكتب و جعلها في كتب خاصة مستقلة باسمه مع ذكر المراجع التي نقلت و اخذت منها فكانت مؤلفاته كما يلي:

مؤلفات الجوهري‏

: تقع تصانيف الجوهري و تنقسم على جوانب شتى، و بحوث مختلفة من التاريخ و الأدب و الحديث و التفسير و كانت على النحو التالي:

أ- اخبار الشعراء

: جمعت فيه ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن أبي بكر الجوهري من أحاديث و أخبار الشعراء في كتابيه- الأغاني- و- مقاتل الطالبيين-

ب- السقيفة و فدك‏

: و يحتوي على جميع النصوص التي ذكرها ابن أبي الحديد في كتابه- شرح نهج البلاغة- عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري حسب ما كانت في خزانة كتبه منه‏

____________

(1)- الغارات 1: عو- المقدمة- ط ايران سنة 1395 ه تحقيق و تقديم المرحوم العلامة مير جلال الدين الحسيني الارموي المحدث. و يقع في مجلدين 372+ 749.

12

نسخة، و كذا نسخة اخرى منه في مكتبة بهاء الدين ابي الحسن علي الاربلي البغدادي صاحب كتاب- كشف الغمة-

ج- مآخذ العلماء على الشعراء

: و يضم ما ذكره ابو عبيد اللّه محمد المرزباني في كتابه- الموشح- عن أبي بكر الجوهري و هي مآخذ كتبها الجوهري الى المرزباني و هي مآخذ العلماء على الشعراء في عدة انواع من صناعة الشعر ... و اسأل اللّه جل شأنه ... التوفيق و الصحة و العون و العمر ... في اخراج الجميع و طبعه و نشره انه ولي التوفيق.

هذا و حدثني فقيه المحققين، و محقق الفقهاء، آية اللّه العظمى، و المرجع الديني الكريم السيد شهاب الدين النجفي المرعشي ... في قم انه شاهد في مكتبة المرحوم العلامة الشيخ محمد السماوي كتابا لأبي بكر الجوهري في علوم القرآن، و في الأغاني أحاديث جاءت عن الجوهري تثبت هذا الرأي.

مشايخه في الرواية

: يروي أبو بكر الجوهري في كتابه عن رجال أجمعت ائمة الجرح و التعديل على توثيقهم و صدقهم، كما ترجمت لهم أصحاب المعاجم و اثنو عليهم، و ترجموا لهم و ذكروهم بالتقدير و الاكبار، و هم من كبار الشيوخ و فطاحل السنة، لأن المؤلف كان يستقصي في وضع تأليفه الأحاديث من منابعها السليمة، و يتوخى الأخبار عن مصادرها الموثوقة الشافية حسب اعتقاده و علمه، و ان أتى فيه ما يخالف الحقيقة و الواقع في بعض الأحايين، فذكر احاديث و أخبار مباينة للحق الصراح و لذلك أشرنا اليها في الهوامش، و ترجمنا رجال السند، و أقوال ائمة الجرح و التعديل فيهم، لتمتاز الأحاديث الصحيحة من السقيمة، و المعتمدة من المختلفة، و لينتقى التاريخ عن المختلقات و الموضوعات، و يصفى من الشبه و الضلالات.

13

إن التاريخ ينبغي أن يتطهر من زلات الميول و العواطف، و يتجرد عن الأهواء و الاتجاهات الطائفية و السياسية، و يتنزه عن الهوى و الأهواء و الحب و التقليد الذي تبيد في صعيده الحقائق، و تتلاشى في ظلاله الواقع، كل ذلك لئلا يذهب الحق جفاء، و ما يفسد الناس و يضلهم فيمكث.

لقد روى المؤلف ... في كتابه هذا عن نفر عرفوا بالصدق و العدل و الثقة، و كثيرا ما نجده في نقله الحديث يبتدأه بقوله: أخبرنا، حدثني، حدثنا، انبأنا، و ما أكثرهم مشايخه في الرواية بيد أنه كثير النقل و الرواية عن:

أ- عمر بن شبة

: أبو زيد عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد بن رائطة بن أبي معاذ النميري البصري النحوي الأخباري البغدادي المتوفى 262 (1).

روى عن أبيه و عمر بن علي المقدمي، و مسعود بن واصل، و عبيد بن الطفيل، و عبد الوهاب الثقفي، و حسين الجعفي، و أبي داود الطيالسي، و ابي اسامة، و بشر بن عمر الزهراني، و ابن مهدي و القطان، و أبي أحمد الزبيري، و أبي عامر العقدي، و سعيد ابن عامر الضبعي، و أبي بدر شجاع بن الوليد، و أبي عاصم، و الأصمعي، و عبد الوهاب الخفاف، و عفان، و علي بن عاصم، و قريش بن انس، و غندر، و ابن أبي عدي، و معاذ بن معاذ، و معاوية بن هشام القصار، و الوليد بن هشام القحذمي، و أبي زيد الأنصاري، و مسلم بن ابراهيم فمن بعدهم.

و روى عنه، ابن ماجة، و ابو شعيب عبد اللّه بن الحسن الحراني، و احمد بن يحيى ثعلب النحوي، و احمد بن يحيى البلاذري، و ابن أبي الدنيا، و ابو نعيم‏

____________

(1)- الشذرات 2: 146. الغدير 1: 94. ابن النديم: 125. تهذيب التهذيب 7: 460 و فيه مات سنة اثنتين و مأتين و هو تصحيف. تاريخ بغداد 11: 208. تهذيب الاسماء 2: 16. معجم الأدباء 16:

60. تذكرة الحفاظ 2: 90. بغية الوعاة: 361. هدية العارفين 1: 780. وفيات الأعيان 3: 440.

العبر 1: 362. البداية و النهاية 11: 35.

14

بن عدي، و ابن صاعد، و ابن أبي حاتم، و اسماعيل بن العباس الوراق، و أبو الحسن علي بن عيسى الوزير، و ابو بكر محمد بن جعفر الخرائطي، و أحمد بن اسحاق بن بهلول، و احمد بن عبد العزيز الجوهري، و ابو بكر بن أبي داود، و ابو العباس السراج، و محمد بن زكريا الدقاق، و الحسين بن اسماعيل المحاملي، و محمد بن أحمد الأثرم، و محمد بن مخلد الدوري.

قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي و هو صدوق صاحب عربية و ادب، و قال الدارقطني ثقة، و ذكره ابن حبان في الثقات، و قال: مستقيم الحديث و كان صاحب أدب و شعر و أخبار و معرفة بأيام الناس. و قال الخطيب: كان ثقة عالما بالسير و أيام الناس و له تصانيف كثيرة و كان قد نزل في آخر عمره سر من رأى، و قال المرزباني في معجم الشعراء: اديب فقيه واسع الرواية صدوق ثقة. و قال مسلمة: ثقة انبأنا عنه المهرواني، و قال محمد بن سهل: راويته، كان اكثر الناس حديثا و خبرا، و كان صدوقا ذكيا نزل بغداد عند خراب البصرة (1).

ب- محمد بن زكريا الغلابي‏

: ابو جعفر محمد بن زكريا بن دينار الغلابي البصري الجوهري الاخباري، و قيل ابو عبد اللّه مات سنة 298 (2).

كان هذا الرجل وجها من وجوه اصحابنا بالبصرة، و كان اخباريا واسع العلم و صنف كتبا كثيرة، له كتب منها: الجمل الكبير، و الجمل المختصر، و كتاب صفين الكبير و كتاب صفين المختصر، مقتل الحسين (ع). كتاب النهر، كتاب الأجواد، كتاب الواقدين، مقتل أمير المؤمنين (ع)، أخبار زيد، أخبار فاطمة (ع)، كتاب الخيل، قال ابن النديم: كان ثقة صادقا. روى عن عبد

____________

(1)- تهذيب التهذيب 7: 460.

(2)- الشذرات 2: 206. تنقيح المقال 3: 117. النجاشي: 244. تأسيس الشيعة: 243، 252. ميزان الاعتدال 3: 550. هدية العارفين 2: 23 ايضاح المكنون 2: 286، 289، 309، 348، 540، 714، جامع الرواة 2: 114. ابن النديم: 121.

15

اللّه بن رجاء الغداني و طبقته، قال ابن حبان: يعتبر يحديثه، و قال السيد الصدر: ابو عبد اللّه محمد بن زكريا الغلابي البصري، إمام أهل السير و الآثار و التاريخ و الأشعار.

و ما جاء في الشذرات من تقييد وفاته 290 بعيد عن الصحة و الصواب ما ذكرناه.

ج- يعقوب بن شيبة

: أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور السدوسي البصري المتوفى 262 (1).

الحافظ أحد الأعلام و صاحب المسند المعلل، سمع علي بن عاصم، و يزيد بن هارون، و روح بن عبادة، و عفان بن مسلم، و يعلي بن عبيد، و معلى بن منصور، و محمد بن عبد اللّه الأنصاري، و أبا النضر هاشم بن القاسم، و اسور بن عامر، و أبا نعيم، و قبيصة ابن عتبة، و يحيى بن أبي بكر، و حسينا المروزي، و مسلم بن ابراهيم، و أبا الوليد الطيالسي، و محمد بن كثير، و أبا مسلمة التبوذكي، و أبا أحمد الزبيري، و احوص بن جواب، و خلقا كثيرا من أمثالهم.

روى عنه ابن ابنه محمد بن احمد بن يعقوب، و يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، و كان ثقة، سكن بغداد و حدث بها و صنف، كان في منزله أربعون لحافا أعدها لمن كان يبيت عنده من الوراقين لتبيض المسند و ثقله، و لزمه على ما خرج من المسند عشرة آلاف دينار، و كان من فقهاء البغداديين على قول مالك، من كبار اصحاب أحمد بن المعدل، و الحارث بن مسكين، و أخذ عن عدة من أصحاب مالك، و كان من ذوي السرو، كثير الرواية و التصنيف.

____________

(1)- تاريخ بغداد 14: 281. تذكرة الحفاظ 2: 141. البداية و النهاية 11: 35. النجوم الزاهرة 3: 37.

الشذرات 2: 149. كشف الظنون: 1678. هدية العارفين 2: 537. ايضاح المكنون 2: 482.

طبقات الحفاظ: 251.

16

د- احمد بن منصور الرمادي‏

: أبو بكر احمد بن منصور بن سيار بن معارك الرمادي المتوفى 265 (1).

حافظ ثقة سمع عبد الرزاق بن همام، و ابا النضر هاشم بن قاسم، و زيد بن الحباب، و يزيد بن أبي حكيم، و أبا داود الطيالسي، و يزيد بن هارون، و يحيى بن اسحاق السيلحيني، و أسود بن عامر، و معاذ بن فضالة، و علي بن الجعد، و أبا سلمة التبوذكي، و أبا حذيفة النهدي، و عمرو بن القاسم بن حكام، و القعني، و نعيم بن حماد المروزي، و سعيد بن أبي مريم، و يحيى بن بكير، و حرملة بن يحيى، و عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رواء، و عبد الملك بن ابراهيم الجدي، و أبا عاصم النبيل، و عفان بن مسلم، و عبيد اللّه بن موسى، و يحيى بن الحماني، و احمد بن حنبل، و هناء بن السري، و هارون ابن معروف، و عثمان بن عمر بن فارس، و هشام بن عمار، و رحيما و غيرهم من أهل العراق، و الحجاز، و اليمن، و الشام، و مصر، و كان قد رحل و اكثر السماع و الكتابة و صنف المسند.

كان أثبت من أبي بكر بن أبي شيبة، قال الدارقطني: احمد بن منصور الرمادي ثقة، توفي سنة 265 و قد استكمل ثلاثا و ثمانين سنة و صلى عليه ابراهيم بن أرمة الأصبهاني‏ (2).

ه- مغيرة بن محمد المهلبي‏

: أبو حاتم مغيرة بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي الأزدي المتوفى 378 (3).

____________

(1)- تهذيب التهذيب 1: 83. تاريخ بغداد 5: 151. ميزان الاعتدال 1: 158. معجم البلدان 3: 66.

الشذرات 2: 149. طبقات الحفاظ: 251.

(2)- تاريخ بغداد 5: 151.

(3)- تاريخ بغداد 13: 195: ابن النديم: 121.

17

كان أديبا اخباريا ثقة، حدث عن محمد بن عبد اللّه الأنصاري، و مسلم بن ابراهيم الأودي، و عبد اللّه بن رجاء الغداني، و عبد الغفار بن محمد الكلابي، و عمر بن عبد الوهاب الرماحي، و النضر بن حماد المهلبي، و هارون بن موسى الفروي، و النضر بن محمد الأودي، و سليمان الشاذكوني، و إسحاق بن ابراهيم الموصلي، روي عنه هارون بن محمد ابن عبد الملك الزيات، و محمد بن خلف بن المرزبان، و يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن البهلول، و محمد بن يحيى الصولي، و غيرهم و هو من أهل البصرة ورد بغداد و حدث بها و قال: دخلت على المتوكل فمثلت بين يديه قائما، قال فقال: انتسب، فقلت انا المغيرة ابن محمد فقال:

قتل المغيرة بعد طول تعرض‏* * * للقتل بين أسنة و صفائح‏

قال: فغمزني سيف حاجبه فقال لي أجبه، قال فقلت: و اللّه يا أمير المؤمنين لقد بر قسم أخي يزيد- و كان يزيد حاضرا- حين يقول:

فاحلف حلفة لا أتقيها* * * بخبث في اليمين و لا ارتياب‏

لوجهك أحسن الخلفاء وجها* * * و أسمحهم يدين و لا أحابي‏

قال: فجعل يردد الشعر حتى حفظه و اجازني بسبعة آلاف درهم‏ (1).

و- ابو بكر الوزان‏

: أبو بكر احمد بن اسحاق بن صالح بن عطاء الوزان البغدادي المتوفى 281 (2).

حدث ببغداد و سر من رأى، عن مسلم بن ابراهيم الفراهيدي، و الربيع بن‏

____________

(1)- تاريخ بغداد 13: 195.

(2)- تاريخ بغداد 4: 28.

18

يحيى الاشناني، و قرة بن حبيب القنوي، و هريم بن عثمان، و خالد بن خداش، و علي بن المديني، و سعد بن محمد الحرمي، و حبذل بن والق و غيرهم، قال الدارقطني: صدوق لا بأس به. مات بسر من رأى يوم السبت في أول يوم من المحرم سنة 281.

و له غير هؤلاء من المشايخ الثقات الذين يروي المؤلف عنهم، و قد ترجمنا لهم حسب ما جاء في مطاوي الكتاب في الهوامش.

تلاميذه في الرواية

: كما أخذ أبو بكر الجوهري عن مشايخ الحديث و الرواية و من الذين أجمعت ائمة الجرح و التعديل على توثيقهم و ضبطهم كذلك يحدثنا التاريخ أن نقرأ من المحدثين و شيوخ الأدب و الشعر و التاريخ قد أخذوا عنه و وضعوا على أحاديثه و رواياته مؤلفاتهم و كتبهم، و هذا ان دلّ على شي‏ء فانما يدل على تضلع الجوهري و صدقه و وفور علمه و عبقريته، و انه كان موضع اعتماد و وثاقة المؤرخين، بحيث كانوا يشدون اليه الرحال و يقصدونه من كل صوب و حدب و يأخذون عنه و يسجلون ما يلقيه عليهم من أخبار و حكايات شتى، و احاديث مختلفة و قضايا متنوعة في التاريخ و الحديث و الأدب، و لم يأت في كل هذه الجوانب بما ينكر عليه.

لقد تخرج من مدرسة ابي بكر الجوهري ... رجال حفظوا التراث الاسلامي بثقافتهم، و خلّفوا ورائهم ثروة فكرية ضخمة، و مناعة علمية حية، بحيث أصبحوا من كبار المؤلفين الذين عرفتهم اللغة العربية خلال القرون المتطاولة، لأن كل واحد منهم كان ذا شخصية ثقافية متعددة الجوانب، كثيرة المعارف، و يكفينا للتعريف بشخصيته العلمية مؤلفاته التي اصبحت ضالة كل اديب و عالم و مؤرخ و باحث، و أقوله بصراحة: أن المؤلفين منذ القرن الرابع الهجري الى الآن عيال في التاريخ و الأدب على كل واحد من تلاميذ مدرسة الجوهري.

و هنا يجدر الاشارة الى بعض من تلاميذه في الرواية لنقف على مدى حيوية

19

الشيخ الجوهري الثقافية و مناعته الفكرية التي أخرجت أمثال هذا الرعيل من العلماء، فراحوا يثبتون روايتهم عن احمد بن عبد العزيز الجوهري في مؤلفاتهم.

1- أبو الفرج الأصبهاني‏

: أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمان بن مروان بن عبد اللّه بن مروان المعروف بالحمار آخر خلفاء الدولة الأموية في الشام، ابن محمد بن مروان بن الحكم بن ابي العباس بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الاصبهاني، البغدادي المتوفى 356 (1).

فاضل علمه محيط ما وجد له قاف، قد جمع الأدب له من طريق هو نزهة الخليع و نفس ذات عفاف، فكتبه سلوة المهموم، و على أغانيه خوافق القلوب تحوم، و له شعر يستعير منه النسيم اللطف، و يعلم من عكف عليه انه جامع الظرف، و أخذ عن كثير من العلماء يطول عددهم. و كان بحرا في اخبار الناس و أيام العرب و أنسابهم، و أحوال الشعراء الجاهليين و المخضرمين و المولدين.

و حكى عن الصاحب بن عباد، انه كان في أسفاره و تنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل اليه كتاب- الاغاني- لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه استغناء به عنها (2).

له تآليف مستملحة منها: الاغاني، القيان، الاماء الشواعر، الديارات، دعوة التجار، أخبار مجظة البرمكي، مقاتل الطالبيين، الحافات، آداب الغرباء.

أخذ ابو الفرج عن ابي بكر الجوهري و نقل و روى عنه الكثير و تخرج عليه‏

____________

(1)- ترجمة في: معجم المؤلفين 7: 78. الكنى و الألقاب 1: 138. ريحانة الأدب 7: 236. جامع الرواة 2:

409. معالم العلماء: 128. تاريخ آداب اللغة 2: 591. مجالس المؤمنين 1: 560. نسمة السحر 2- خ- سفينة البحار 2: 353.

(2)- نسمة السحر ج 2- حرف العين- خ-

20

و هذا ما نجده واضحا في كتابيه الأغاني و مقاتل الطالبيين فكثيرا ما يقول: حدثنا احمد بن عبد العزيز الجوهري، او اخبرنا الجوهري، و هذه العبارات جاءت من المجلد الأول ص 17 من الاغاني، و تكررت في جميع مجلداته الى المجلد الأخير و آخرها ص 181 من المجلد العشرين.

أما في مقاتل الطالبيين‏ (1) فقد روي عن الجوهري و نقل عنه في اكثر صفحات كتابه و نجده ص 171، 188، 189، 190، 191، 235، 236، 237، 238، 239، 240، 241، 242، 244، 245، 246، 247، 248، 268، 269.

و هذا ان دل على شي‏ء فانما يدل على ان ابا الفرج كان ملازما لمجلس الجوهري يسجل ما يمليه في شتى الجوانب التاريخية و الأدبية، و لعله استفاد من أبي بكر اكثر مما استفاده من غيره، و الغريب جدا أن مصنف فهارس كتاب الاغاني‏ (2) لم يذكر اسم احمد بن عبد العزيز الجوهري، في فهرست اسماء الرجال و النساء و القبائل، مع كثرة ما ورد في مجلدات الاغاني.

2- أبو عبيد اللّه المرزباني‏

: ابو عبيد اللّه محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد اللّه المرزباني الكاتب الخراساني الأصل البغدادي المولد و المتوفى 385 (3).

كان صاحب اخبار و رواية للآداب ثقة في الحديث صادق اللهجة واسع المعرفة كثير السماع، صنف كتبا كثيرة مستحسنة في فنون و كان أشياخه يحضرون عنده في داره فيسمعهم و يسمع منهم و كان عنده خمسون ما بين لحاف و دواج معدة لأهل العلم الذين يبيتون عنده، و كان عضد الدولة البويهي يجتاز على داره فيقف‏

____________

(1)- طبع النجف سنة 1385 تقديم المرحوم الاستاذ كاظم المظفر.

(2)- طبع ليدن عام 1318.

(3)- اخبار السيد الحميري: 7- 9.

21

ببابه حتى يخرج اليه فيسلم عليه و كان ابو علي الفارسي‏ (1) يقول: هو من محسني الدنيا.

ان كافة أصحاب المعاجم و السير ترجمت للمرزباني و نصت على صدقه و توثيقه و صحة ما يكتبه و يرويه، و له تصانيف كثيرة في أخبار الشعراء و شعرهم و منها: أخبار الشعراء المشهورين و المكثرين من المحدثين و أنسبائهم و أزمانهم أولهم بشار بن برد و آخرهم ابن المعتز. اخبار أبي تمام. أخبار ابي مسلم الخراساني.

أخبار البرامكة من ابتداء أمرهم الى أنتهائه. أخبار عبد الصمد بن المعزل الشاعر.

أشعار النساء. أشعار الجن. الأنوار و الاثمار فيما قيل في الورد و النرجس و جميع الأنوار من الشعر. الرياض في اخبار المتيمين من الشعراء الجاهليين و المخضرمين و الاسلاميين و المحدثين.

كتاب الأزمنة كتاب الأوائل في أخبار الفرس القدماء. الموشح فيما انكره العلماء على بعض الشعراء من كسر و لحن و عيوب الشعر. اخبار السيد الحميري‏ (2). المفيد في اخبار الشعراء و أحوالهم في الجاهلية و الاسلام. و دياناتهم و نحلهم. اخبار النحاة. معجم الشعرا. اخبار الغناء و الأصوات. اخبار المتكلمين. أخبار ابي حنيفة و أصحابه. شعر يزيد بن معاوية. كتاب التهاني.

كتاب المراثي. كتاب التعازي. المديح في الولائم و الدعوات و التراب. أخبار الاولاد و الزوجات و الأهل. اخبار الزهاد. شعراء الشيعة (3). ملوك كندة.

أخبار الاجواء.

الى غير هذا من الكتب و الرسائل، و قد استفاد في وضعه التآليف هذه من‏

____________

(1)- أبو علي الحسن بن احمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي النحوي المتوفى 377، فارس ميدان العلم و الادب، و الذي ينسل الى فضله من كل حدب، و كان إمام وقته في علم النحو.

(2)- طبع في النجف عام 1385/ 1965 و يقع في 71 ص.

(3)- لخصة السيد الأمين صاحب أعيان الشيعة، و طبع في النجف سنة 1388/ 1968 و يقع في 135.

22

حوزة شيخه و استاذه أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري كما صرح بذلك في كتابه الموشح مآخذ العلماء على الشعراء في عدة انواع من صناعة الشعر (1) في عدة صفحات منها ص 28، 47، 57، 64، 80، 82، 89، 101، 107، 108، 163، 171، 177، 188، 192، 208، 214، 216، 217، 224، 226، 252، 256، 261، 263، 280، 294، 295، 298، 319، 326، 329، 338، 340، 344، 354، 375.

ففي هذه الصحائف نجد المرزباني يصرح باسم الجوهري و نقله و روايته عنه، و يقول في بعض الأحايين: كتب إلي احمد بن عبد العزيز الجوهري، فبالإضافة الى الرواية يبدو ان كانت بينهما مراسلات أدبية، يسأله المرزباني عن قضايا تتعلق بالشعر و الشعراء و أخبارهم، و هذا دليل على علو كعب الجوهري في الادب و النقد، و اطلاعه الواسع على كتب الأدب، و اللغة و النحو و النقد.

3- أبو أحمد العسكري‏

: أبو احمد الحسن بن عبد اللّه بن سعيد بن الحسن بن اسماعيل بن زيد بن حكيم العسكري الخراساني المتوفى 382 (2).

كان احد الائمة في الادب و الحفظ. و كان راوية للاخبار و النوادر متوسعا في ذلك، و في التصريف في أنواع العلوم و التبحر في فنون الفهوم سمع ببغداد و البصرة و اصبهان و غيرها من أبي القاسم البغوي و أبي بكر بن دريد و نفطويه و غيرهم و اكثر و بالغ في الكتابة و اشتهر في الافاق بالدراية و الاتقان، و انتهت اليه رياسة التحديث و الاملاء للاداب و التدريس بقطر خوزستان، و رحل اليه الاجلاء، روى عنه ابو

____________

(1)- طبع بالقاهرة عام 1965 تحقيق علي محمد البجاوي.

(2)- معجم المؤلفين 3: 239 و يضاف الى مصادره، الكنى و الألقاب 1: 182. الأنساب: 390. خزانة الأدب 1: 97. ذكر اخبار اصفهان 1: 272. ريحانة الأدب 4: 136. قاموس الاعلام 4: 3153.

راهنماي دانشوران 2: 170. دائرة المعارف وجدي 6: 436. تاريخ آداب اللغة 2: 616. الاعلام 2:

211. نوابغ الرواة: 88.

23

نعيم الاصبهاني، و أبي سعد الماليني و غيرهما.

و كان الصاحب بن عباد الوزير الأديب المشهور يودّ الاجتماع به و لا يجد اليه سبيلا فقال لأميره مؤيد الدولة بن بويه ان معسكر مكرم قد اختلت أحوالها و احتاج الى كشفها بنفسي فاذن له في ذلك. فلما أتاها توقع أن يزوره ابو احمد العسكري فلم يزره فكتب الصاحب اليه:

و لما أبيتم أن تزوروا و قلتم‏* * * ضعفنا فلم نقدر على الوخدان‏

أتيناكم من بعد أرض نزوركم‏* * * و كم منزل بكر لنا و عوان‏

نسائلكم هل من قرى لنزيلكم‏* * * بمل‏ء جفون لا بمل‏ء جفان‏

و كتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر، فجاد به أبو احمد عن النثر بنثر مثله و عن هذه الأبيات بالبيت المشهور:

أهم بأمر الحزم لو استطيعه‏* * * و قد حيل بين العير و النزوان‏

فلما وقف الصاحب على الجواب عجب من اتفاق هذا البيت له، و قال:

و اللّه لو علمت انه يقع له هذا البيت لما كتبت اليه على هذا الروى.

و هذا البيت لصخر بن عمرو بن الشريد أخي الخنساء و هو من جملة أبيات، فقد كان صخر هذا حضر محاربة بني اسد فطعنه ربيعة بن ثور الاسدي فأدخل بعض الدرع في جنبه و بقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، و امه و زوجته سليمى تمرضانه فضجرت زوجته منه فمرت بها امه فسألتها عن حاله فقالت: ما هو حي فيرجي، و لا ميت فينسي، فسمعها صخر فأنشد:

أرى أم صخر لا تملّ عيادتي‏* * * و ملّت سليمى مضجعي و مكاني‏

و ما كنت أخشى ان اكون جنازة* * * عليك و من يغتر بالحدثان‏

لعمري لقد نبهت من كان نائما* * * و أسمعت من كانت له اذنان‏

و أي امرى‏ء ساوى بأم حليلة* * * فلا عاش الّا في شقي و هوان‏

24

أهم بأمر الحزم لو اسطيعه‏* * * و قد حيل بين العير و النزوان‏

فللموت خبر من حياة كأنها* * * معرس يعسوب برأس سنان‏

له تصانيف منها: البديعية. التصحيف. الحكم و الامثال. ديوان شعر.

الزواجر. المنطق. راحة الأرواح. المختلف و المؤتلف. و غير ذلك. ولد ابو احمد العسكري شوال 293 و مات من ذي الحجة 382. و اخذ و تتلمذ على ابي بكر الجوهري و سمع منه و كتب عنه الكثير و اعترف به في تصانيفه و أقر على وثاقته و ضبطه، فقال في كتابه شرح ما يقع فيه التصحيف و التحريف ص 457 ما نصه:

و قرأت على ابي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري، و كان ضابطا صحيح العلم.

4- ابو القاسم الطبراني‏

: ابو القاسم سليمان بن احمد بن أيوب بن مطير الطبراني اللخمي المتوفى 360 (1). من كبار الحفاظ رحل في طلب الحديث من الشام الى العراق و الحجاز و اليمن و مصر و غيرها من الأمصار الاسلامية و سمع الكثير و عدد شيوخه الف شيخ و يقال له مسند الدنيا يروي عنه ابو نعيم الأصبهاني، و له مصنفات اشهرها المعاجم الثلاثة الكبير و الأوسط و الصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، الأوائل، تفسير القرآن كبير.

أخذ من طائفة كبيرة من العلماء و قرأ عليهم و منهم الجوهري فقد روى عنه و أخذ منه كما صرح بذلك في المعجم الصغير 1: 59.

ولد بطبرية الشام سنة 260 و سكن اصبهان الى ان توفي بها سنة 360 و دفن‏

____________

(1)- طبع بالقاهرة عام 1965 تحقيق علي محمد البجاوي.

25

بقرب حمة الدوسي الصحابي و صلى عليه ابو نعيم صاحب حلية الأولياء، و كان له مائة سنة و عشرة أشهر و كان ثقة صدوقا واسع الحفظ بصيرا بالعلل و الرجال و الأبواب كثير التصانيف و اول سماعه في سنة 273 بطبرية المنسوب اليها ثم رحل الى البلدان، و قال ابن ناصر الدين هو مسند الآفاق ثقة له المعاجم الثلاثة المنسوبة اليه و كان يقول عن الأوسط هو روحي لأنه تعب عليه.

كتاب السقيفة و فدك‏

: لم يحتفظ التاريخ لأبى بكر الجوهري البغدادي البصري كتابا غير مؤلفه السقيفة و فدك- و كأن التاريخ أهمل هذا العالم المحدث مع و فور علمه و جهاده الفكري و ألقاه في زاوية الخمول و النسيان فلم يتوجه نحوه اصحاب المعاجم، و لم يتقرب الى حوزته رجال البحث و التحقيق و لذلك لم نجد له في ثنايا المعاجم تراجم شافية و دراسات ضافية، و لعل كتابه هذا كان الباعث في خموله و خموده.

و مهما يكن من أمر فقد أهمله رجال الحديث و الدراية مع علمهم بوجوده و كونه من الرواة و المحدثين فنجد مثلا ابن حجر عندما يترجم في كتابه تهذيب التهذيب‏ (1) لواحد من شيوخ الجوهري و هو ابو زيد عمر بن شبة المتوفى 262 يذكر الرواة عنه فيقول: روي عنه .. و احمد بن عبد العزيز الجوهري ... و لم يترجم له في حرف الألف من معجمه، و لا في الكنى و الالقاب من كتابه.

مع العلم ان ابا بكر الجوهري كان في الرعيل الأول من طبقة المحدثين و الرواة الذين أفرد لهم ابن حجر و غيره في كتبهم تراجم وافية و عقد لهم صفحات الثناء و التقدير، و قد سارت بذكره الركبان و كانت له حلقات حديث و دراية و ادب في الكوفة و البصرة و بغداد.

و كان على شاكلته الحافظ ابي بكر احمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام‏

____________

(1)- تهذيب التهذيب 7: 460.

26

463 فلم يترجم له في تاريخه مع ترجمته لتلميذ الجوهري أبي الفرج الاصفهاني‏ (1) علي بن الحسين صاحب الاغاني و مطالعته لكتاب الأغاني و مقاتل الطالبيين و ... و اعترافه بهذه التصانيف التي وقعت اليه و فيهما الكثير من عبارات: حدثني احمد بن عبد العزيز الجوهري ... و من هنا يحق لنا أن نطالب بالدقة و الاتقان في البحث و التأليف في التأريخ لأنها اولى مراحل التأليف، و دراسة حياة الرجال من أهم ركائز البحث ... و لعل للخطيب البغدادي ... و زميله ابن حجر ... عذرا و رأيا محترما في عدم ذكر الجوهري:

لعل لها عذرا و أنت تلوم‏* * * و كم لائم قد لام و هو مليم‏

إن التاريخ لم يعهد لأبي بكر كتابا غير- السقيفة و فدك- و كان متداولا و موجودا و موضع المطالعة و المراجعة حتى القرن السابع الهجري، الّا انه فقد بعد هذا التاريخ، و لم نجد اشارة في الفهارس اليه و هذا ما اعترف و صرح به:

أ- عز الدين عبد الحميد بن محمد بن محمد بن الحسين بن ابي الحديد المعتزلي المدائني الأديب المؤرخ الحكيم الشاعر شارح نهج البلاغة و المتوفى 655 فقد كانت لديه نسخة من الكتاب و اكثر النقل عنه فقال: و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك، و ابو بكر الجوهري هذا عالم محدث، كثير الأدب، ثقة ورع اثنى عليه المحدثون، و رووا عنه مصنفاته‏ (2).

و قال ايضا: و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب، و هو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين‏ (3).

____________

(1)- تاريخ بغداد 11: 398.

(2)- ابن ابي الحديد 16: 210.

(3)- ابن أبي الحديد 2: 60.

27

ب- بهاء الدين أبو الحسن علي بن فخر الدين عيسى بن أبي الفتح الأربلي البغدادي المتوفى 693 (1) العالم الفاضل المحدث الثقة الشاعر الاديب المنشى‏ء جامع الفضائل و المحاسن، كان ذا ثروة و شوكة اشتغل بالتأليف و التصنيف و العبادة و الرياضة له كتب منها- كشف الغمة في معرفة الائمة (2) نقل في كتابه عن كتاب الجوهري فقال: و حيث انتهى بنا القول الى هنا فلنذكر خطبة فاطمة (ع) فانها من محاسن الخطب و بدايعها، عليها مسحة من نور النبوة، و فيها عبقة من أرج الرسالة، و قد أوردها المؤالف و المخالف، و نقلتها من كتاب السقيفة عن عمر بن شبة تأليف أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقرؤة على مؤلفها المذكور، قرأت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين و عشرين و ثلثمائة ...

و قال ايضا في كتابه: هذه الخطبة نقلتها من كتاب السقيفة و كانت النسخة مع قدمها مغلوطة فحققتها من مواضع اخر (3).

ان النصوص هذه ان دلت على شي‏ء فانها تدل على وجود الكتاب الى القرن السابع الهجري كما حدثنا عنه ابن ابي الحديد و الأربلي ... و لما كان الكتاب الى القرن السابع الهجري كما حدثنا عنه ابن ابي الحديد و الأربلي ... و لما كان الكتاب هذا تراثا فكريا إسلاميا و سندا تأريخيا كثر النقل عنه بالواسطة لعدم وجوده، و اعتمد على ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه. لذلك كانت فيّ رغبة ملحة و بواعث جمة في اخراج و افراز هذه النصوص من شرح النهج جمعه و اخراجه في كتاب خاص.

فقد سبرت شرح النهج في طبعته الجديدة (4) من المجلد الاول الى آخر مجلده‏

____________

(1)- ترجمته في: الكنى و الألقاب 2: 18. فوات الوفيات 2: 66. الوافي 12: 135. كشف الظنون:

1492، 1939. ايضاح المكنون 1: 180. الفوائد الرضوية 1: 314. هدية العارفين 1: 714.

روضات الجنات 4: 341. امل الآمل 2: 195. تأسيس الشيعة: 130. الذريعة 18: 47. ريحانة الأدب 1: 125. الغدير 5: 446.

(2)- طبع في العراق و ايران.

(3)- كشف الغمة 1: 492 و 479 ط ايران.

(4)- طبع القاهرة سنة 1378 تحقيق السيد محمد ابو الفضل ابراهيم.

28

و نقلت ما ذكره ابن ابي الحديد عن كتاب السقيفة و فدك، مع الاشارة في الهامش الى المجلد و الصفحة، و ترجمت لمشايخه و للرواة، و ادعمت احاديثه بمصادر و مراجع اخرى في الحديث و التاريخ، و منحت كل رواية رقما بالتسلسل، مع افراز كل رواية من اختها الى وضع فهارس فنية في آخره، و كان من توفيق اللّه و تسديده ان اخرج الكتاب بهذا النهج الذي تراه.

و حين وقف على عملي هذا بعض العاملين في حقل التاريخ و التحقيق قابلوني بالتشجيع و التقدير و حفزوني على انهائه و اتمامه لافتقار المكتبة العربية اليه.

ان الكتاب هذا و ان لم يكن بكامل كتاب- السقيفة و فدك- و بتمامه، إلا انه جزء منه، و الذي حفظه لنا ابن أبي الحديد و سجله على صفحات كتابه القيم شرح نهج البلاغة- و لعل التاريخ يكشف القناع في المستقبل عن وجود نسخة منه، و ليس ذلك على اللّه بعزيز.

فالشكر للّه سبحانه على منحه التوفيق ... و له الحمد و المنة على ما أسداه من العناية، و للّه جل شأنه الحمد أولا و آخرا.

مصادر ترجمة الجوهري‏

: لم تكن لأبي بكر الجوهري في المعاجم ترجمة ضافية، و لا لمحة عن حياته، و لا اشارة الى تاريخه، لذلك كانت حياته غامضة، و أحواله مبهمة لم يكشف التاريخ عنها القناع بصورة باتة، بيد اننا نجد في بعض المعاجم اشارة عابرة اليه و الاكتفاء بذكر اسمه و تأليفه مع اليقين انه كان في الرعيل الاول من الذين احترمتهم الخاصة و العامة و أذعنت لحيويته العلمية الشيعة و السنة، و نقل الرواة عنه الكثير من القضايا بحيث ابتنوا على ثقافنه مؤلفاتهم في الحديث و الأدب.

و هذا ان دل على شي‏ء فانما يدل على ان الغموض إكتنف حياة هذا العيلم منذ

29

حياته و لم يبق لنا غير كلمات عن حياته كما اشار اليها ابن ابي الحديد (1) من انه عالم محدث كثير الادب، ثقة ورع، اثنى عليه المحدثون، و رووا عنه مصنفاته- و مهما يكن من أمر فالثبت المفهرسي التالي يضم بعض المراجع التي اقتصرت على ذكر اسمه و نقلت عن مؤلفاته الاحاديث و الاخبار و هو مرتب حسب الحروف:

أعيان الشيعة السيد محسن الأمين العاملي 9: 3 ط صيدا الأغاني ابو الفرج علي بن الحسين الاصفهاني 1: 17 ط بولاق الأوراق ابو بكر محمد بن يحيى الصولي: 64 ط لبنان 1979 تنقيح المقال الشيخ عبد اللّه المامقاني 1: 64 تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني 7: 460 ط حيدرآباد جامع الرواة الميرزا محمد علي الاردبيلي 1: 52.

جلاء العيون السيد عبد اللّه شبر 1: 202 ط النجف جنة العاصمة السيد حسن مير جهاني الاصفهاني: 266 ط ايران حقيقة جاويدان الشيخ محمد باقر ملبوني: 53 دستور معالم الحكم القاضي محمد بن سلامة: 199.

راهنماي دانشوران السيد علي اكبر البرقعي 1: 179 ط قم روضات الجنات السيد محمد باقر الخوانساري الذريعة الشيخ اغابزرك الطهراني 12: 206 شرح نهج البلاغة ابن ابي الحديد المعتزلي 16: 210 ط القاهرة

____________

(1)- شرح النهج 16: 210.

30

شرح ما يقع فيه التصحيف ابو احمد الحسن بن عبد اللّه العسكري: 457 الصراط المستقيم البياضي الشيخ زين الدين 3: 7.

طبقات اعلام الشيعة 45 الشيخ آغابزرك: 28 الغدير الشيخ عبد الحسين الأميني 8: 301 فدك السيد محمد حسين القزويني: 146 الفهرست الشيخ الطوسي: 30 قاموس الرجال الشيخ محمد تقي التستري 1: 355 ط ايران كشف الغمة ابو الفتح الاربلي 1: 479- 492 ط النجف المجالس السنية السيد الأمين 2: 94.

معالم العلماء رشد الدين ابن شهر اشوب: 18 ط ايران المعجم الصغير ابو القاسم الطبراني 1: 59 مقاتل الطالبيين أبو الفرج الاصفهاني: 171، 188، 189، 190، 191.

ملكة اسلام الشيخ خليل كمره‏اي: لغته فارسية الموشح ابو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزباني: 641 ط مصر الفهرست.

النص و الاجتهاد السيد عبد الحسين شرف الدين: 106 ط 1386 هدية الأحباب الشيخ عباس القمي: 35 ط النجف.

عقيدة الجوهري‏

: ما يتركه العالم و الأديب على صفحة الوجود من اثر فكري و جهود علمي نثرا أو شعرا فانه ترجمان عن اتجاهاته الدينية و الاجتماعية و السياسية لان العالم او الاديب او الناثر و الشاعر يعكس معتقداته و احاسيسه في أثره، و التأليف مرآة صافية تعبر عما نحن بصدد التحدث فيه، و بالكتاب نقف على ما في اعماق قلب مؤلفه من خواطر و عقائد و مبادى‏ء و ما هو عليه منها، و على ضوء هذا المعيار الفكري نتوصل الى عقيدة الجوهري المبثوثة في خلال سطور كتابه- السقيفة و فدك- و المشعشعة على‏

31

صفحات تأليفه.

أن ابا بكر الجوهري ... جمع في كتابه أحاديث و روايات مخالفة للشيعة الامامية ... و متباينة لمعتقداتها الاسلامية الصريحة الواضحة ... و متضادة لسيرتها النبوية المركزة ... دون ان يتناول الحديث او الرواية بالنقاش و الرد، كما ستطالعها في الكتاب، فهو اذن من علماء السنة و لا شك في ذلك، بالاضافة الى ان ذكر حديث او اخبار موافقة لمفاهيم الشيعة لم يكن دليلا على تشيع الرجل.

هذا و لدينا مصادر تثبت عدم تشيعه و مخالفته له كما أن مشايخه الذين تلقف عنهم الحديث و العلم و الادب ليس فيهم من عرف بالتشيع او كان شيعيا حتى يظهر أثره في نفس الجوهري بوضوح على اني تصفحت جميع المواضيع الخاصة به من جميع وجوهها فلم أجد للتشيع أي اثر فيه أو مجال ضيق يمكن به نسبته اليه ... و لذلك يمكن القول ان لا شك و لا تردد من كونه مخالفا للشيعة كما صرحت به النصوص التاريخية. و منها:

أ- ابن أبي الحديد، فقد جعل كتاب الجوهري- السقيفة و فدك- من امهات مصادر كتابه- شرح نهج البلاغة- و نقل الكثير الكثير من تأليفه مع انه قال في مقدمة شرحه في الفصل الاول من- فدك-: الفصل الأول، فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم، لا من كتب الشيعة و رجالهم، لأنا مشترطون على أنفسنا ألا نحفل بذلك، و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري، في السقيفة و فدك، و ما وقع من الاختلاف و الاضطراب عقب وفاة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و ابو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الادب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته‏ (1).

ب- أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي البغدادي المتوفى 693، فهو ايضا نقل خطبة فاطمة الزهراء (ع) من كتاب الجوهري و قال قبل ذكره الخطبة: و قد

____________

(1)- شرح ابن أبي الحديد 16: 210.

32

أوردها المؤالف و المخالف و نقلتها من كتاب السقيفة عن عمر بن شبة تأليف أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقرؤة على مؤلفها المذكور، و قرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين و عشرين و ثلثمائة روى عن رجاله من عدة طرق‏ (1).

ج- السيد عبد اللّه بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن علي الشبر الحسيني المتوفى 1242 هجري قال في كتابه: و روى عن العامة و الخاصة بأسانيد عديدة عنها (ع) انها خطبت هذه الخطبة العظيمة في ملأ من المهاجرين و الانصار و غيرهم، رواها من العامة احمد بن عبد العزيز الجوهري و ابن أبي الحديد و غيرهما (2).

د- الشيخ عبد اللّه بن الشيخ حسن بن المولى عبد اللّه المامقاني المتوفى 1351 قال: بل ظاهر ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة كون الرجل عاميا و كون كتابه في السقيفة نافعا لهم قال في الكلام على فدك في الفصل الأول فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه اهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم لانا مشترطون على أنفسنا ان لا نحفل بذلك و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري و هو عالم محدث كثير الادب ثقة ورع اثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته، انتهى، فانه صريح في انه من ثقاة المخالفين و علمائهم‏ (3).

فهذه الكلمات صريحة على ان الجوهري من علماء العامة و ثقاتهم و في المعاجم الكثير من امثال هذه العبارات بيد ان بعضا من اصحاب التراجم و التاريخ نسبه الى التشيع و ذلك لعدم وقوفه على كتاب- السقيفة- و أول من التبس عليه الأمر وظنه من الشيعة و رجالهم شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن بن علي المتوفى 460 رضي اللّه تعالى عنه ... فقد ذكر في فهرسته الذي جمع فيه جماعة من شيوخ‏

____________

(1)- كشف الغمة 1: 480.

(2)- جلاء العيون 1: 202.

(3)- تنقيح المقال 1: 64.

33

الشيعة من أصحاب الحديث و ما صنفوه من التصانيف و رووه من الاصول فقال:

أحمد بن عبد العزيز الجوهري له كتاب السقيفة (1).

ثم تبعه رشيد الدين محمد بن علي بن شهراشوب السردي البغدادي الحلبي المتوفى 588 فذكره في فهرست كتب الشيعة و اسماء المصنفين منهم قديما و حديثا فقال: احمد بن عبد العزيز الجوهري له السقيفة (2).

و اعتمد الاخرون على ما جاء في المصدرين السالفين- الفهرست و معالم العلماء- و حسبوه شيعيا من دون الوقوف على كتابه و مطالعته.

و الغريب ان بعضا من المؤلفين مع ترددّه و شكه في عقيدته يفرد له ترجمة خاصة في كتابه و يجعله من أعيان الشيعة، أو من طبقات اعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري، و انا لا استطيع اتخاذ ما ذكره الشيخ الطوسي رحمة اللّه و بركاته عليه ...

و تفرده به نصا و دليلا على تشيعه مع وجود كتابه الناطق على عكس ما ذهب اليه الشيخ الطوسي.

هذا ما توخيت بيانه للحق، و تبيانه للحقيقة و ما انتهى اليه علمي القاصر الضعيف ... باختصار و لو قصدنا التفصيل لطال المقام و المقال ...

وفاة الجوهري‏

: أسلفنا القول ان لم تكن في المعاجم ترجمة لابي بكر الجوهري. فحياته مجهولة تكتنفها الغموض و الجهل حتى عام وفاته إلا انه يعتبر من الذين عاشوا في القرنين الثالث و الرابع الهجريين غير ان ابا بكر محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن العباس بن محمد بن صول تكين الطولي الشطرنجي الكاتب المعروف و المتوفى بالبصرة سنة 335/ 336 قال: و فيها- اي سنة 323- توفي احمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب عمر بن شبة بالبصرة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر (3).

____________

(1)- فهرست الشيخ: 30.

(2)- معالم العلماء: 18.

(3)- الاوراق- اخبار الراضي-: 64.

34

هذا و الذي ينبغي الاشارة اليه في نهاية الحديث ان ابا بكر الجوهري دخل ميدان الأدب و الحديث و التفسير عناية و حرصا منه على صيانة التراث الفكري الاسلامي ... منذ شبابه و منذ الوقت الذي كان يتدرج على طريق العلم بين البصرة و بغداد، و نجد هذه العناية و الاهتمامات منه واضحة أشد الوضوح في تصانيفه التي اشير اليها، و ظلت ماثلة على صفحات المراجع العلمية و الأدبية.

و اللّه أسأل ان يرزقني التوفيق و الاخلاص و السداد في القول و العمل و الفكر ... و ان يتقبل هذا الجهد العلمي لوجهه خالصا ... فمنه ألتمس الجزاء فيما قصدت ... و سبحانه الهادي و الموفق ... و عليه توكلت و اليه أنيب ...

شوال سنة 1401 محمد هادي الأميني عفى اللّه عنه و عن والديه ايران- طهران ص. ب: 634/ 71

35

القسم الأول: السّقيفة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

عن عمر بن شبة، عن محمد بن منصور (1)، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال:

كان النبي (ص)، قد بعث أبا سفيان ساعيا فرجع من سعايته و قد مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فلقيه قوم فسألهم، فقالوا: مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: من ولي بعده، قيل: أبو بكر، قال: ابو فضيل قالوا: نعم قال: فما فعل المستضعفان: على و العباس، أما و الذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما.

قال أبو بكر، و ذكر الراوي و هو جعفر بن سليمان: ان ابا سفيان قال: شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال: اني لارى عجاجة لا يطفئها الا الدم، فقال: فكلم عمر أبا بكر فقال: ان ابا سفيان قد قدم و انا لا نأمن شره، فدفع له ما في يده فتركه و رضى‏

(2)

.

و روى‏

ان أبا سفيان قال: لما بويع عثمان، كان هذا الأمر في تيم و انّى لتيم هذا الأمر ثم صار الى عدي فأبعد و ابعد، ثم رجعت الى منازلها و استقر الأمر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة ..

____________

(1)- الصحيح احمد بن منصور الرمادي، و مرت ترجمته.

(2)- ابن أبي الحديد 2: 44. تاريخ الطبري 3: 202 عن هشام عن عوانة. الكامل 2: 325. و ابو سفيان هو ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم النبي (ص) و أخوه من الرضاعة. ارضعتها الحليمة السعدية. امه المغيرة و قيل اسمه كنيته و المغيرة أخوه، و كان من يؤذي الرسول الأعظم (ص) و يهجوه و يؤذي المسلمين- الاصابة 4: 90-

38

و حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال: ذاكرت اسماعيل بن اسحاق القاضي، عند الحديث و ان ابا سفيان قال لعثمان: بأبي انت انفق و لا تكن كأبي حجر، و تداولوها يا بني امية تداول الولدان الكرة، فو اللّه ما من جنة و لا نار، و كان الزبير حاضرا فقال عثمان لأبي سفيان أعزب فقال: يا بني ا هاهنا أحد قال الزبير: نعم و اللّه لأكتمها عليك، قال فقال اسماعيل: هذا باطل قلت: و كيف ذلك قال: ما انكر هذا من أبي سفيان، و لكن انكر ان يكون سمعه عثمان و لم يضرب عنقه‏

(1)

.

و جاء ابو سفيان الى عليّ (عليه السّلام) فقال: وليتم على هذا الأمر أذل بيت قريش، أما و اللّه لئن شئت لأملانها على أبي فضيل خيلا و رجلا، فقال علي (عليه السّلام): طالما غششت الاسلام و أهله، فما ضررتهم شيئا لا حاجة لنا الى خيلك و رجلك. لو لا انا رأينا ابا بكر لها أهلا لما تركناه‏

(2)

.

و لما بويع لأبي بكر، كان الزبير، و المقداد، يختلفان في جماعة من الناس الى عليّ، و هو في بيت فاطمة، فيتشاورون و يتراجعون امورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة (عليها السّلام) و قال يا بنت رسول اللّه تامني احد من الخلق احب الينا من أبيك، و ما من أحد أحب الينا منك بعد أبيك، و أيم اللّه ما ذاك بما نعى ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان آمر بتحريق البيت عليهم، فلما خرج عمر جاءوها فقالت: تعلمون ان عمر جاءني و حلف لي باللّه ان عدتم ليحرقن عليكم البيت، و أيم اللّه ليمضينّ لما حلف له، فانصرفوا عناء راشدين، فلم يرجعوا الى بيتها و ذهبوا فبايعوا لأبي بكر [1].

____________

[1] ابن أبي الحديد 2: 45. تاريخ الطبري 3: 198 عن زياد بن كليب ابو معشر التميمي الكوفي مات سنة 120، قال حاتم: ليس بالمتين في حفظه، تهذيب التهذيب 3: 382. ميزان الاعتدال 2: 92.

لم يباييع امير المؤمنين عليّ (ع) طول حياته، و لم يتمكن أحد من ارغامه على البيعة لأنه (عليه السّلام) كان بنصّ:

____________

(1)- ابن ابي الحديد 2: 44.

(2)- ابن ابي الحديد 2: 45. تاريخ الطبري 3: 202 عن محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي، عن ابن قتيبة، عن مالك بن مغول، عن ابن الجر. و الحديث ليس بصحيح سنده محمد بن عثمان بن صفوان، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 641، و قال: قال ابو حاتم، منكر الحديث.

39

عن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه و سألته كيف به فاستوى جالسا فقلت: لقد أصبحت بحمد اللّه‏

____________

النبي (ص) أولى من غيره، و لان الامامة و الخلافة كانت ثابتة فيه، و كيف يبايع و هو على يقين صادق و اعتقاد راسخ من ان الصحابة و على يقين من أن محل عليّ (ع) منها محل القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل و لا يرقى اليه الطير، فسدل دونها ثوبا، و طوى عنها كشحا و طفق يرتأي بين أن يصول بيد حذاء، أو يصير على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، و يشب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأى أن الصبر على هاتا أحجى، فصيروا في العين قذى، و في الحلق كيف يبايع ابو الحسن (ع) و هو يقول بصراحة و شهامة لأبي بكر: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي.

و لو فرضنا بيعته لأبي بكر فمعناها انه (ع) صادق و وافق على امامة أبي بكر، فما معنى هذه الخطب و المناشدات و الاحتجاجات التي صدرت منه (ع) خلال حكومة ابي بكر و عمر و عثمان في عدة مناسبات و مشاهدات، و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا- النساء: 115.

و لشيخ الطائفة الشيخ المفيد محمد البغدادي حديث في الدلالة على أن أمير المؤمنين (ع) لم يبايع أبا بكر، فقد قال رضي اللّه عنه: قد اجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين (ع) تأخر عن بيعة أبي بكر فالمقلل يقول تأخره ثلاثة أيام، و منهم من يقول: تأخر حتى ماتت فاطمة (عليها السّلام) ثم بايع بعد موتها، و منهم من يقول تأخر أربعين يوما، و منهم من يقول: تأخر ستة أشهر، و المحققون من أهل الأمامة يقولون لم يبايع ساعة قط فقد حصل الاجماع على تأخره عن البيعة ثم اختلفوا في بيعته بعد ذلك على ما قدمناه به الشرح.

فمما يدل على انه لم يبايع البتة انه ليس يخلو تأخره من أن يكون هدى و تركه ضلالا أو يكون ضلالا و تركه هدى و صوابا أو يكون صوابا و تركه صوابا، أو يكون خطأ و تركه خطأ، فلو كان التأخر ضلالا و باطلا لكان أمير المؤمنين (ع) قد ضل بعد النبي (ص) بترك الهدى الذي كان يجب المصير اليه و قد أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين (ع) لم يقع منه ضلال بعد النبي (ص) و لا في طول زمان أبي بكر و أيام عمر و عثمان و صدرا من أيامه حتى خالفت الخوارج عند التحكيم و فارقت الأمة، و بطل أن يكون تأخره عن بيعة أبي بكر ضلالا، و ان كان تأخره هدى و صوابا و تركه خطأ و ضلالا فليس يجوز أن يعدل عن الصواب الى الخطأ و لا عن الهدى الى الضلال سيما و الاجماع واقع على انه لم يظهر منه ضلال في أيام الثلاثة الذين تقدموا عليه، و محال أن يكون التأخر خطأ و تركه خطأ للإجماع على بطلان ذلك أيضا و لما يوجبه القياس من فساد هذا المقال.

و ليس يصح أن يكون صوابا و تركه صوابا لأن الحق لا يكون في جهتين مختلفتين و لا على و صفين متضادين و لأن القوم المخالفين لنا في هذه المسألة مجمعون على انه لم يكن اشكال في جواز الاختيار و صحة امامة أبي بكر، و انما الناس بين قائلين، قائل من الشيعة يقول: ان امامة أبا بكر كانت فاسدة فلا يصح القول بها أبدا، و قائل من الناصبة يقول انها كانت صحيحة و لم يكن على أحد ريب في صوابها اذ جهة استحقاق الامامة هو ظاهر العدالة و النسب و العلم و القدرة على القيام بالأمور، و لم تكن هذه الأمور تلتبس على أحد في أبي بكر عندهم و على ما يذهبون اليه فلا يصح مع ذلك ان يكون المتأخر عن بيعته مصيبا أبدا لأنه لا يكون متأخرا لفقد الدليل بل لا يكون متأخر الشبهة و انما يتأخر اذا ثبت أنه تأخر للعناد فثبت بما بيناه أن أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يبايع‏

40

بارئا، فقال: اما اني على ما ترى لوجع، و جعلتم لي معشر المهاجرين شغلا على وجعي، و جعلت لكم عهدا مني من بعدي و اخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أتفه رجاء ان يكون الأمر له، و رأيتم الدنيا قد أقبلت، و اللّه لتتخذن ستور الحرير و نضائد الديباج، و قائلون ضجائع الصوف الأذربي كأن احدكم على حسك السعدان، و اللّه لئن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ لخير له من أن يسبح في غمرة الدنيا، و انكم غدا لأولى ضال بالناس يجورون عن الطريق يمينا و شمالا، يا هاوي الطريق جرت، انما هو البجر او الفجر، فقال له عبد الرحمن: لا تكثر على ما بك فيهيضك، و اللّه ما أردت إلّا خيرا، و ان صاحبك لذو خير، و ما الناس إلا رجلان، رجل رأى ما رأيت، فلا خلاف عليك منه، و رجل رأى غير ذلك و انما يشير عليك برأيه، فسكن و سكت هنيهة، فقال عبد الرحمن: ما أرى بك بأسا و الحمد للّه، فلا بأس على الدنيا، فو اللّه ان علمناك الا صالحا مصلحا، فقال: اما اني لا آسي إلا على ثلاث فعلتهن، وددت اني لم أفعلهن، و ثلاث لم أفعلهن وددت اني فعلتهن، و ثلاث وددت اني سألت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عنهن.

فأما الثلاث التي فعلتهن و وددت اني لم أكن فعلتها، فوددت اني لم أكن كشفت عن بيت فاطمة و تركته و لو اغلق على حرب، و وددت اني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق احد الرجلين، عمر أو ابو عبيدة، فكان اميرا و كنت وزيرا، و وددت اني اذا اثبت بالفجاءة لم اكن احرقته و كنت قتلته بالحديد أو اطلقته.

____________

أبا بكر على شي‏ء من الوجوه كما ذكرناه و قدمناه، و قد كانت الناصية غافلة عن هذا الاستخراج في موافقتها على أن أمير المؤمنين (عليه السّلام) تأخر عن البيعة وقتا ما، و لو فطنت له لسبقت بالخلاف فيه عن الاجماع و ما أبعد أنهم سير تكبون ذلك اذا وقفوا على هذا الكلام غير ان الاجماع السابق لمرتكب ذلك بحجة و يسقط قوله فيهون قصته و لا يحتاج معه الى الاكثار- الفصول للخارة: 31.

41

و اما الثلاث التي تركتها و وددت اني فعلتها، فوددت اني يوم اتيت بالاشعث كنت ضربت عنقه، فانه يخيل الي انه لا يرى شرا إلا أعان عليه، و وددت اني حيث وجهت خالدا الى اهل الردة اقمت بذي القصة، فان ظفر المسلمون و الا كنت ردءا لهم، و وددت حيث وجهت خالدا الى الشام، كنت وجهت عمر الى العراق فأكون قد بسطت كلتا يدي، اليمين و الشمال في سبيل اللّه.

و أما الثلاث اللواتي وددت اني كنت سألت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عنهن، فوددت اني سألته هذا الأمر فكنا لا ننازعه أهله، وددت اني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب، وددت اني سألته عن ميراث العمة و ابنة الاخت فان في نفسي منهما حاجة

(1)

.

عن أبي المنذر، هشام بن محمد بن السائب‏ (2) عن أبيه عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:

كان بين العباس و عليّ مباعدة، فلقى ابن عباس عليا فقال: ان كان لك في النظر الى عمّك حاجة فأته، و ما أراك تلقاه بعدها فوجم لها، و قال:

تقدمني و استأذن. فتقدمته و استأذنت له، فاذن فدخل، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، و أقبل علي (عليه السّلام) على يده و رجله يقبلهما و يقول يا عم: ارض عني رضي اللّه عنك. قال: قد رضيت عنك.

____________

(1)- ابن أبي الحديد 2: 45- 47.

الأموال: 131. تاريخ الطبري 4: 52. الامامة و السياسة 1: 23. مروج الذهب 1: 414. العقد الفريد 2: 254. الغدير 7: 170. مصالب القواصب 1: خ.

(2)- أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي مات 204/ 206 محدث، شابة، مؤرخ من أهل الكوفة قدم بغداد و حدث بها حفظ القرآن في ثلاثة أيام، روى عنه ابنه العباس، و خليفة بن الخياط، و شباب العصفري، و محمد بن سعد كاتب الواقدي، و محمد بن أبي السرى، و أبو الأشعث احمد بن محمد المقدام و غيرهم، له مؤلفات عدة مطبوعة. تاريخ بغداد 14: 45. معجم الأدباء 19: 287. لسان الميزان 6:

196. النجاشي: 305. مرآة الجنان 2: 29. مصفى المقال: 493. منهج المقال: 367.

42

ثم قال: يا ابن اخي قد أشرت عليك باشياء ثلاثة فلم تقبل، و رأيت في عاقبتهما ما كرهت، و ها أناذا اشير عليك برأي رابع فان قبلته، و إلا نالك ما نالك مما كان قبله، قال: و ما ذاك يا عم، قال: اشرت عليك في مرض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ان تسأله فان كان الأمر فينا أعطاناه، و ان كان في غيرنا أوصى بنا، فقلت: اخشى ان منعناه لا يعطيناه أحد بعده. فمضت تلك، فلما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أتانا ابو سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك الى ان نبايعك و قلت لك: ابسط يدك ابايعك، و يبايعك هذا الشيخ فانا ان بايعناك لم يختلف عليك احد من بني عبد مناف، و اذا بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك أحد من قريش، و اذا بايعتك قريش لم يختلف عليك احد من العرب فقلت: لنا بجهاز رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، شغل و هذا الأمر فليس نخشى عليه فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة. فقلت يا عم ما هذا قلت: و ما دعوناك اليه فأبيت قلت: سبحان اللّه أو يكون هذا قلت: نعم، قلت: أفلا يرد، قلت لك و هل ردّ مثل هذا قط. ثم أشرت عليك حين طعن عمر فقلت: لا تدخل نفسك في الشورى، فانك ان اعتزلتهم قدموك و ان ساويتهم تقدموك فدخلت معهم فكان ما رأيت.

ثم الان اشير عليك برأي رابع، فان قبلته و إلا نالك ما نالك مما كان قبله، اني أرى هذا الرجل- عثمان- قد أخذ في امور، و اللّه لكأني بالعرب قد سارت اليه حتى ينحر في بيته كما ينحر الجمل، و اللّه ان كان ذلك و أنت بالمدينة ألزمك الناس به، و اذا كان ذلك لم تنل من الأمر شيئا الا من بعد شر لا خير معه.

قال عبد اللّه بن عباس: فلما كان يوم الجمل عرضت له و قد قتل طلحة.

و قد أكثر أهل الكوفة في سبه و غمصه، فقال علي (عليه السّلام): اما و اللّه لئن قالوا ذلك. لقد كان كما قال أخو جعفي

:

فتى كان يد فيه الغنى من صديقه‏* * * اذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

ثم قال: و اللّه لكأن عمّي كان ينظر من وراء ستر دقيق، و اللّه ما نلت من‏

43

هذا الأمر شيئا إلّا بعد شرّ لا خير معه‏

(1)

.

عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة

. ان سلمان، و الزبير، و الأنصار، كان هواهم ان يبايعوا عليا (عليه السّلام) بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله).

فلما بويع أبو بكر، قال سلمان: اصبتم الخبرة و اخطأتم المعدن‏

(2)

.

و أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا علي بن أبي هاشم، قال: حدثنا عمر بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت قال‏

قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا السن منكم، و أخطأتم أهل بيت نبيكم لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان، و لاكلتموها رغدا

(3)

.

و أخبرنا عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن يحيى قال: حدثنا غسان بن عبد الحميد قال‏

: لما أكثر الناس في تخلّف علي (عليه السّلام) عن بيعة ابي بكر، و اشتد أبو بكر و عمر عليه في ذلك خرجت ام مسطح بن اثاثة، فوقفت عند القبر و قالت

:

كانت أمور و انباء و هنبئة* * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

____________

(1)- ابن أبي الحديد 2: 48. و الحديث لا يعتد عليه لأن في سنده ابو النضر محمد بن السائب بن بشر ابن عمرو بن عبد الحارث بن عبد العزى الكلبي المتوفى 146، فقد قال عنه معتمر بن سليمان عن أبيه كان بالكوفة كذا بان أحدهما الكلبي، و قال الدوري: ليس بشي‏ء، و قال معاوية بن صالح عن يحى ضعيف، و قال أبو عاصم زعم لي سفيان الثوري، قال: قال الكلبي: ما حدثت عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه، و قال الأصمعي: عن قرة بن خالد، كانوا يرون أن الكلبي يزرف يعني يكذب، و قال يزيد بن هارون: كبر الكلبي و غلب عليه النسيان، و قال ابو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، هو ذاهب الحديث لا يشتغل به، و قال النسائي: ليس بثقة و لا يكتب حديثه، و قال علي بن الجنيد و الحاكم أبو أحمد و الدار قطني:

متروك. و قال الجوزجاني: كذاب ساقط، و قال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر من ان يحتاج الى الاغراق في وصفه روى عن أبي صالح التفسير، و أبو صالح لم يسمع من ابن عباس لا يحل الاحتجاج به، و قال الساجي: متروك الحديث، و قال الحاكم ابو عبد اللّه: روى عن ابي صالح أحاديث موضوعة.

تهذيب التهذيب 9: 178. ميزان الاعتدال 3: 556.

(2)- ابن أبي الحديد 2: 49.

(3)- ابن أبي الحديد 2: 49.

44

انا فقدناك فقد الأرض وابلها* * * و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب‏ (1)

.

أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود قال:

غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، و غضب علي و الزبير فدخلا بيت فاطمة (عليها السّلام) معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم اسيد بن خضير، و سلمة بن سلامة بن وقش، و هما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة (عليها السّلام) و ناشدتهم اللّه، فاخذوا سيفي علي و الزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما، ثم اخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس و اعتذر اليهم و قال: ان بيعتي كانت فلتة وقى اللّه شرها، و خشيت الفتنة، و أيم اللّه ما حرصت عليها يوما قط، و لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة و لا يدان، و لوددت أن اقوى الناس عليه مكاني، و جعل يعتذر اليهم، فقبل المهاجرون عذره. و قال علي و الزبير: ما غضبنا إلا في المشورة و انا لنرى أبا بكر أحق الناس بها، انه لصاحب الغار، و انا لنعرف له سنة، و لقد أمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، بالصلاة بالناس و هو حيّ [1].

____________

[1] اذا كانت الصلاة بالناس في حياة النبي الأقدس (ص) دليلا على امامة الرجل و نصا على خلافته، و تفضيلا له على سائر الصحابة فان بين الصحابة الكثير من الذين أمرهم النبي (ص) بالصلاة بالناس مع ما كان عليه الرسول (ص) من الصحة و الاستقامة و الحيوية، و تلزمهم دعوى الأمامة و الخلافة، غير انهم لم يحسبوها دليلا و طريقا اليها و منهم على سبيل المثال:

____________

(1)- ابن أبي الحديد 3: 49.

طبقات ابن سعد 8: 228. الغدير 7: 79، و قد يعزى البيتان مع أبيات أخرى الى الصديقة فاطمة (سلام اللّه عليها)، و تمامها هكذا:

و كل أصل له قربى و منزلة* * * عند الأله على الأدنين مقترب‏

أيات رجال لنا نجوى صدورهم‏* * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

تجهمتنا رجال و استخف بنا* * * لما فقدت و كل الأرض مغتصب‏

و كنت بدرا و نورا يستضاء به‏* * * عليك ينزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا* * * فقد فقدت و كل الخبر محتجب‏

فليت قبلك كان الموت صادفنا* * * لما مضيت و حالت دونك الكتب‏

قال الراوي: فما رأينا يوما أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم.

45

و روى‏

ان ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الدين حضروا مع عمر في بيت فاطمة (عليها السّلام)، و ثابت هذا أخو بني الحارث بن الخرزج.

و روى ان محمد بن سلمة كان معهم، و إن محمدا هو الذي كسر سيف الزبير

(1)

.

حدثني يعقوب بن شبة، عن أحمد بن أيوب، عن ابراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق عن الزهري عن عبد اللّه بن عباس قال:

خرج علي (عليه السّلام) على الناس من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، في مرضه فقال له الناس: كيف اصبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، يا ابا الحسن قال: اصبح بحمد اللّه بارئا قال: فأخذ العباس بيد عليّ ثم قال: يا علي انت عبد العصا بعد ثلاث احلف لقد رأيت الموت في وجهه، و انى لاعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه فاذكر له هذا الأمر ان كان فينا أعلمنا، و ان كان في غيرنا أوصى بنا، فقال لا أفعل و اللّه ان منعناه اليوم لا يؤتيناه الناس بعده قال: فتوفي‏

____________

عبد الرحمن بن عوف المتوفى 31/ 32 فقد صلّى رسول اللّه (ص) خلفه في سفرة سافرها الاصابة 2: 416.

اسد الغابة 3: 316. تهذيب التهذيب 6: 245، و فيه: صلّى رسول اللّه (ص) وراءه في غزوة الاستيعاب 2: 395.

عمرو بن ام مكتوم القرشي، و يقال اسمه عبد اللّه و عمرو و هو ابن قيس بن رائدة بن الأصم قتل في معركة القادسية، و كان النبي (ص) يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلّي بالناس. الاصابة 2: 523.

اسد الغابة 4: 126. الاستيعاب 2: 502 و فيه: استخلفه رسول اللّه (ص) على المدينة ثلاث عشرة مرة.

أبو رهم كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس الغفاري ... استخلفه النبي (ص) على المدينة في غزوة الفتح. الاصابة 4: 71. تهذيب التهذيب 8: 443. اسد الغابة 4: 250. الاستيعاب 3: 316.

و منهم ايضا ابن عبد المنذر فقد خلفه النبي (ص) على المدينة في غزوة بدر ليصلي بالناس، و استخلف (ص) في غزوة خيبر للصلاة بالناس ابي ذر الغفاري، و كذلك في غزوة الحديبية اقام رسول اللّه (ص) ابن عرفطة، و في غزوة ذات السلاسل استخلف (ص) سعد بن عبادة الى غيرهم من الصحابة.

____________

(1)- ابن أبي الحديد 2: 5.

الامامة و السياسة 1: 11. تاريخ الطبري 3: 199. الرياض النضره 1: 167.

46

رسول اللّه ذلك اليوم‏

(1)

..

و حدثني المغيرة بن محمد المهلبي من حفظه، و عمر بن شبة من كتابه باسناد رفعه الي أبي سعيد الخدري قال: سمعت البراء بن عازب يقول‏

: لم ازل لبنى هاشم محبا، فلما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) خفت ان تتمالأ قريش على اخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فكنت أتردد الى بني هاشم و هم عند النبي (صلى اللّه عليه و آله) في الحجرة، و أتفقد وجوه قريش، فاني كذلك اذ فقدت أبا بكر و عمر و اذ قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، و اذا قائل آخر يقول: قد بويع أبا بكر فلم ألبث و اذا أنا بأبي بكر قد اقبل و معه عمر و ابو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة و هم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه، و قدموه فمدوا يده فمسحوها على يد ابي بكر يبايعه، شاء ذلك او أبى، فانكرت عقلي و خرجت اشتد حتى انتهيت الى بني هاشم و الباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا و قلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس: تربت أيديكم الى آخر الدهر، أما اني قد أمرتكم فعصيتموني. فمكثت أكابد ما في نفسي، و رايت في الليل المقداد و سلمان و أبا ذر و عبادة ابن الصامت، و ابا الهيثم بن التيهان، و حذيفة و عمارا، و هم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.

فلما كان بليل خرجت الى المسجد فلما صرت فيه تذكرت اني كنت اسمع همهمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، بالقرآن فامتنعت من مكاني فخرجت الى الفضاء، فضاء بني قضاعة، و أجد نفرا يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا، فانصرفت عنهم، فعرفوني و ما أعرفهم فدعوني اليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الاسود، و عبادة الصامت، و سلمان الفارسي، و أباذر، و حذيفة، و أبا الهيثم بن‏

____________

(1)- ابن أبي الحديد 2: 51. تاريخ الطبري 3: عن ابن حميد عن سلمة قال: حدثنا محمد بن اسحاق. الكامل 2: 321. سيرة ابن هشام 4: 332.

47

التيهان، و اذا حذيفة يقول لهم: و اللّه ليكونن ما أخبرتكم به و اللّه ما كذبت و لا كذبت، و اذا القوم يريدون ان يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.

ثم قال ائتوا أبي بن كعب فقد علم كما علمت قال: فانطلقنا الى ابي، فضربنا عليه بابه حتى صار خلف الباب، فقال: من أنتم فكلمه المقداد فقال: ما حاجتكم فقال له: افتح عليك بابك، فان الأمر اعظم من ان يجرى من وراء حجاب، قال: ما أنا بفاتح بابي، و قد عرفت ما جئتم له كأنكم أردتم النظر فيهذا العقد فقلنا نعم، فقال أ فيكم حذيفة فقلنا نعم، قال: فالقول ما قال: و باللّه ما افتح عني بابي حتى تجرى على ما هي جارية، و لما يكون بعدها شر منها و الى اللّه المشتكى.

و بلغ الخبر ابا بكر، و عمر، فأرسلا الى أبي عبيدة و المغيرة بن شعبة، فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: ان تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا فيكون له و لعقبه، فتقطعوا به من ناحية علي، و يكون لكم حجة عند الناس على عليّ، اذا مال معكم العباس.

فانطلق ابو بكر، و عمر، و ابو عبيدة، و المغيرة، حتى دخلوا على العباس، و ذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فحمد أبو بكر اللّه و أثنى عليه و قال:

إن اللّه ابتعث لكم محمدا (صلى اللّه عليه و آله) نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن اللّه عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين فاختاروني عليهم واليا، و لأمورهم راعيا، فتوليت ذلك، و ما أخاف بعون اللّه و تسديده وهنا و لا حيرة و لا جبنا،

وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏

، و ما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين، يتخذ لكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع، و خطبه البديع، فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عما مالوا اليه، فقد جئناك، و نحن نريد ان نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، و لمن بعدك من عقبك اذ كنت عم رسول اللّه صلى‏

48

اللّه عليه و آله، و ان كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و مكان أهلك، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم و على رسلكم بني هاشم، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منّا و منكم.

فاعترض كلامه عمر، و خرج الى مذهبه في الخشونة و الوعيد و اتيان الأمر من أصعب جهاته، فقال: اي و اللّه، و اخرى انا لم نأتكم حاجة اليكم، و لكن كرهنا ان يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم و بهم فانظروا لأنفسكم و عامتهم، ثم سكت.

فتكلم العباس، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: ان اللّه ابتعث محمدا نبيا، كما وصفت، و وليا للمؤمنين، فمن اللّه به على امته حتى اختار له ما عنده، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى، فان كنت برسول اللّه طلبت فحقنا أخذت، و ان كنت بالمؤمنين فنحن منهم، و ما تقدمنا في أمركم فرطا، و لا حللنا وسطا، و لا نزحنا شحطا، فان كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين، فما وجب اذ كنا كارهين و ما أبعد قولك انهم طعنوا من قولك انهم مالوا اليك، و اما ما بذلت لنا فان يكن حقك اعطيتناه فامسكه عليك، و ان يكن حق المؤمنين فليس لك ان تحكم فيه، و ان يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض، و ما اقول هذا اروم صرفك عما دخلت فيه، و لكن للحجة نصيبها من البيان، و أما قولك، ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منا و منكم، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها. و أما قولك يا عمر، انك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدمتموه أول ذلك، و باللّه المستعان‏

(1)

.

أخبرنا أحمد بن اسحاق بن صالح قال: حدثنا عبد اللّه بن عمر عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال‏

: لما توفي النبي (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1)- ابن أبي الحديد 1: 219.

الامامة و السياسة 1: 15. تاريخ اليعقوبي 2: 103. الغدير 7: 93. سيرة ابن هشام 4: 340.

49

اجتمعت الأنصار الى سعد بن عبادة، فأتاهم ابو بكر، و عمر، و أبو عبيدة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير و منكم أمير، انا و اللّه ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، و لكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم، و آباءهم، و أخوانهم، فقال عمر بن الخطاب، اذا كان ذلك قمت ان استطعت. فتكلم أبو بكر فقال:

نحن الامراء و أنتم الوزراء، و الأمر بيننا نصفان كشق الا بلمة

(1)

فبويع و كان أول من بايعه بشير بن سعد، والد النعمان بن بشير.

فلما اجتمع الناس على أبي بكر، قسم قسما

(2)

بين نساء المهاجرين و الأنصار فبعث الى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا قال: قسّم قسمة ابو بكر للنساء قالت: ا تراشونني عن ديني و اللّه لا أقبل منه شيئا، فردته عليه‏

(3)

.

حدثني يعقوب بين شيبة باسناد رفعه الى طلحة بن مصرف‏ (4) قال:

قلت لهذيل بن شرحبيل انّ الناس يقولون: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أوصى الى علي (عليه السّلام)، فقال: ابو بكر يتأمر على وصي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ودّ ابو بكر انه وجد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه عهدا فخزم أنفه‏

(5)

.

و حدثني أحمد بن اسحاق بن صالح، قال: حدثني عبد اللّه بن عمر بن‏

____________

(1)- الابلمة: بضم الهمزة و اللام و فتحهما و كسرهما: خوصة المقل. يقول: نحن و اياكم في الحكم سواء، لا فضل لأمير على مأمور، كالخوصة اذا شقت اثنتين متاسويتين.

(2)- القسم: العطاء.

(3)- ابن أبي الحديد 2: 52.

(4)- ابو محمد طلحة بن معروف بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني اليامي الكوفي المتوفى 112، كان عثمانيا، و أما هزيل بن شرحبيل الازدي الكوفي فانه لم يدرك النبي (ص) و ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين. تهذيب التهذيب 5: 25. الاصابة 3: 619. الطبقات الكبرى 2: 260.

(5)- ابن أبي الحديد 2: 53. الطبقات الكبرى 2: 260 و فيه عن وكيع بن الجراح، و شعيب بن الحرب عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف. و وكيع بن الجراح مجروح جدا و قد قدح فيه احمد بن حنبل بثلاث جرحات.

50

معاذ عن ابن عون، قال: حدثني رجل من زريق‏

ان عمر كان يومئذ، قال:

يعني يوم بويع أبو بكر- محتجزا

(1)

- يهرول بين يدي أبي بكر و يقول: ألا إن الناس قد بايعوا ابا بكر، قال: فجاء ابو بكر حتى جلس على منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أما بعد فاني وليتكم و لست بخيركم، و لكنه نزل القرآن، و سنت السنن، و علمنا فتعلمنا ان اكيس الكيس التقى، و أحمق الحمق الفجور، و ان اقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بالحق، و اضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، ايها الناس انما انا متبع و لست بمبتدع، اذا أحسنت فأعينوني، و اذا زغت فقومّوني‏

(2)

.

و حدثني ابو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا احمد بن معاوية، قال:

حدثني النضر بن شميل قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال‏

: لما جلس ابو بكر على المنبر. كان علي و الزبير و ناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر اليهم فقال: و الذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة او لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الانصار، و زياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به ابو بكر و هو على المنبر، اضرب به الحجر، قال ابو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، و يقال: هذه ضربة سيف الزبير.

ثم قال ابو بكر: دعوهم فسيأتي اللّه بهم، قال: فخرجوا اليه بعد ذلك فبايعوه‏

(3)

. و قد روى في رواية اخرى ان سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت‏

____________

(1)- يقال: احتجز بالأزار اذا شده على وسطه.

(2)- ابن أبي الحديد 2: 56. تاريخ الطبري 3: 203 بصورة مفصلة. العقد الفريد 2: 130 عيون الاخبار 2: 234. سيرة ابن هشام 2: 430. جمهرة خطب العرب 1: 180.

(3)- ابن أبي الحديد 2: 56. تاريخ الطبري 3: 199.

51

فاطمة (عليها السّلام)، و المقداد بن الأسود ايضا، و انهم اجتمعوا على ان يبايعوا عليا (عليه السّلام)، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج اليه الزبير بالسيف، و خرجت فاطمة (عليها السّلام) تبكي و تصيح فنهنهت من الناس، و قالوا: ليس عندنا معصية و لا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، و انما اجتمعنا لنولّف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر و اطمأن الناس‏

(1)

.

و حدثني ابو زيد عمر بن شبة قال: أخبرنا ابو بكر الباهلي. قال: حدثنا اسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال‏

: سأل ابو بكر فقال: أين الزبير، فقيل عند عليّ و قد تقلّد سيفه، فقال: قم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر و قام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه و قال: يا خالد دونكه فامسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ و احتبس فأخذ بيده و قال: قم فأبى ان يقوم، فحمله و دفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، و رأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة و قالت: يا ابا بكر ما أسرع ما اغرتم على أهل بيت رسول اللّه، و اللّه لا أكلم عمر حتى ألقى اللّه، قال: فمشى اليها أبو بكر بعد ذلك و شفع لعمر و طلب اليها فرضيت عنه‏

(2)

.

و حدثنا أبو زيد قال: حدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا الحرامي قال:

حدثنا الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن ابن عباس، قال:

مرّ بعليّ و عنده ابن عباس بفناء داره فسلّم، فسألاه: اين تريد فقال: مالي بينبع‏

____________

(1)- ابن ابي الحديد 2: 56.

(2)- ابن أبي الحديد 2: 57. كفاية الطالب: 370. صحيح البخاري فرض الخمس. صحيح مسلم 2:

72. مسند احمد 1: 6. تاريخ الطبري 3: 202. سنن البيهقي 6: 300. ابن كثير 5: 285.

تاريخ الخميس 2: 193. الغدير 7: 226. النص و الاجتهاد: 82. مصالب القواصب 1: خ.

52

قال عليّ: أفلا نصل جناحك و نقوم معك؟ فقال: بلى، فقال لابن عباس: قم معه، قال فشبك أصابعه في أصابعي، و معنى حتى اذا خلفنا البقيع، قال: يا ابن عباس، أما و اللّه ان كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول اللّه الا إنا خفناه على اثنتين، قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بدا معه في مسألته عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين: ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنه، و حبه بنى عبد المطلب‏

(1)

.

و حدثني أبو زيد قال: حدثنا هارون بن عمر باسناد رفعه الى ابن عباس (رحمه اللّه تعالى) قال‏

: تفرق الناس ليلة الجابية

(2)

عن عمر فسار كل واحد مع إلفه، ثم صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا، فحادثته فشكى الي تخلف عليّ عنه، فقلت: ألم يعتذر اليك؟ قال: بلى، فقلت: هو ما اعتذر به، قال: يا ابن عباس، إنّ أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر، ان قومكم كرهوا ان يجمعوا لكم الخلافة و النبوة، قلت: لم ذاك يا أمير المؤمنين الم تنلهم خيرا، قال بلى و لكنهم لو فعلوا لكنتم عليهم جحفا

(3)

.

و أخبرنا أبو زيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال: حدثنا علي بن هشام مرفوعا الى عاصم بن عمرو بن قتادة، قال:

لقى علي (عليه السّلام) عمر، فقال له علي (عليه السّلام): انشدك اللّه هل استخلفك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: لا، قال: فكيف تصنع أ أنت و صاحبك، قال: أما صاحبي فقد مضى لسبيله، و ما أنا فسأخلعها من عنقي الى عنقك فقال: جدع اللّه أنف من ينقذك منها، لا و لكن جعلني اللّه علما، فاذا قمت فمن خالفني ضلّ‏

(4)

.

و أخبرنا أبو زيد، عن هارون بن عمر، عن محمد بن سعيد بن الفضل‏

____________

(1)- ابن أبي الحديد 2: 57.

(2)- الجابية: قرية من أعمال دمشق، ذكر ياقوت إن عمر خطب فيه خطبته المشهورة معجم البلدان 2: 91.

(3)- ابن أبي الحديد 2: 57. و جحفا جحفا: أي فخرا فخرا و شرفا شرفا.

(4)- ابن أبي الحديد 2: 58.