الرحلة الحجازية المسماة الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف‏

- شكيب أرسلان المزيد...
519 /
5

[مقدمة المصحّح‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد خاتم النبيين، و على آله الطاهرين، و أصحابه الغرّ الميامين، و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

و بعد فإنّ الأمير شكيب أرسلان (رحمه اللّه تعالى) نموذج فذّ من الرجال، فهو شاعر، ناثر، مؤرخ، مجاهد، سياسي، رحّالة، عركته الأيام، و حنكته التجارب، و حمل بين جنبيه قلبا مفعما بحب العروبة و الإسلام، و قد تجلّت هذه الصفات في كل ما كتبه، و هي أجلى ما تكون في كتابه هذا الرحلة الحجازية المسمّاة «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» الذي وصف فيه رحلته إلى البلد الحرام، لأداء مناسك الحج في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين.

و أسلوب الأمير أسلوب رفيع، مشرق الديباجة، غنّي بالألفاظ، يكسب قارئه ذخيرة لغوية، و ذوقا أدبيا رفيعا، و إنّ كثيرا من النصوص التي كتبها الأمير تستحقّ أن تحفظ عن ظهر قلب، لأنّها من عيون الأدب، انظر إلى وصفه لميناء جدة: «و لم يقع بصري على شي‏ء يشبه‏

6

مياه بحر جدّة في البهاء و اللمعان، كنت كيفما نظرت يمنة أو يسرة أشاهد خطوطا طويلة عريضة في البحر أشبه بقوس قزح في تعدد الألوان، و تألق الأنوار، من أحمر و أزرق و بنفسجي و عنّابي و برتقالي و أخضر. و لا فرق بين هذه الخطوط و بين قوس قزح سوى أن هذه الخطوط مستقيمة، و أن قسيّ قزح مقوّسة، و أن هذه في السماء و هاتيك في الماء، و قد تشبه هذه الخطوط ذيول الطواويس، لا فرق بينها إلا في كون هذه الذيول المنسحبة على وجه البحر عظيمة جدا تمتدّ مئات من الأمتار، و بعرض عشرات منها، و لكن في تعدّد الألوان و موازاة بعضها لبعض و شدّة تألّقها الآخذة بالأبصار لا تجد بينهما بونا.

فكأن في كلّ جهة من بحر جدة مسرح طواويس سابحة في اللّجج الخضر، و ظهورها إلى سطح الماء، الواحد منها بقدر ألف طاووس مما نعهد» (1).

و انظر إلى حديثه عن مكة، و عن دعوة إبراهيم عليه الصلاة و السلام الناس إلى الحج فيقول:

«فبدعوة إبراهيم هوت إلى هذا المكان و إلى المتمكنين فيه أفئدة، و رفرت عليهم جوانح من جميع فجاج الأرض، ترى الناس من ألوف من السنين يحجّون إلى البيت المحرم، و يحرمون قبل الوصول إليه بمراحل، و يوفضون إليه كأنما يوفضون إلى أنزه بقاع البسيطة، و أطيبها نجعة، لا يكادون يصدّقون أنهم مشاهدوه من شدة الوجد و غلبة الهيام، حتى إذا شاهدوه فاضت العبرات، و خفقت الجوانح، و تمايلت الأطراف، و انتقل الناس إلى عالم تكاد تقول: إنه غير هذا العالم» (2).

ثم يقول: «و كم رأت طريق البيت الحرام من هذه المحارات و هذه‏

____________

(1) ص (41).

(2) ص (49).

7

الشقادف، و كم رأت من راكب و فارس، و حاف و ناعل، و كم تطهّرت نفوس، و تهذبت أرواح، و صفت قلوب، و زكت أعمال، و خزيت شياطين، و حقنت دماء، و كفكفت دموع، و صينت أموال ... كل ذلك بسبب هذه الآية الكريمة: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97] (1).

أما علم الأمير فهو دائرة معارف، يتحف قارئه بكل فريدة، و يطرفه بكل نادرة:

كالبحر يقذف للقريب لآلئا* * * جودا، و يبعث للبعيد سحائبا

كالبدر من حيث التفتّ وجدته‏* * * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

و ما أقرب أسلوبه من أسلوب الجاحظ في استطراداته، إلا أن الجاحظ يجمع بين الجد و الهزل، و الأمير شكيب جادّ جاد.

و هو في هذا الكتاب يجمع بين مباحث جغرافية، و تاريخية، و اجتماعية، و مسائل عمرانية، و اقتصادية، و دقائق لغوية و أدبية.

ففي التاريخ تحدّث فيما تحدث عن تاريخ العمارة عند العرب من بناء مدن و قصور و سدود وقني، و تحدّث عن مشاهير من بنوا و شادوا، كالناصر الأموي، و عبد المؤمن الموحدي، و المنصور السعدي، و مولاي إسماعيل سلطان المغرب، و الجواد الأصبهاني، و عبد اللّه بن كريز الأموي.

و لم يغفل شهيرات النساء اللائي ساهمن في هذه المكرمات كزبيدة زوج الرشيد.

كما تناول مباحث جغرافية عن الحجاز بعامة، و منطقة الطائف بخاصة، فتحدّث عن التضاريس، و المناخ، و المياه، و الثروات‏

____________

(1) ص (81).

8

المعدنية، و ماضي ذلك و حاضره و مستقبله، كما تحدّث عن أهمية هذه المنطقة سياحيا.

كما تحدّث بإفاضة عن سوق عكاظ و مكانته في التاريخ، و انتقد أساليب المستشرقين في إثارة الشبهات‏ (1).

أما السياسة فتحدّث عن هموم العرب، و أسباب تخلّفهم، و السبيل إلى نهضتهم من إنشاء طرق مواصلات، إلى اهتمام بالعلوم التطبيقية الحديثة، إلى اعتناء بالصناعة و الزراعة و الصحة، على أن يتمّ ذلك كله بأيد عربية لا سلطان للاستعمار عليها، و لو أردتّ استعراض آرائه في هذا الباب لطالت المقدمة، و لكن أحب أن أشير إلى إيمانه بالوحدة العربية ذلك الإيمان الذي عبّر عنه بقوله:

«إن الأمة العربية سائرة إلى الوحدة مهما عارض في ذلك اللئام من أعدائها، و المتفلسفون من أبنائها، و هذه الوحدة آتية لا ريب فيها» (2).

كما تحدّث عن سكان الحجاز في القديم و الحديث معتمدا في بعض ذلك على سجلات الدولة العثمانية.

أما اللغة و الأدب، فقلّما مرّ اسم مكان إلا و ذكر الأمير المناسبة بين الاسم و المسمّى، و ذكر شيئا عن تاريخه، و ما قيل فيه من شعر.

و من الجدير بالذكر أنّ الأمير كان قد نشر ثلث الكتاب مقالات في مجلة «الشورى»، ثم استكمل كتابته، و عهد إلى صديقه السيد محمد رشيد رضا أمر طباعته، و تصحيحه، و التقديم له، و التعليق عليه‏ (3)، فقام السيد رشيد بطباعته في دار المنار عام (1350 ه).

و لما كانت هذه الرحلة جمّة الفوائد أردت إحياءها بنشرها مرة ثانية

____________

(1) ص (150).

(2) ص (273) و لكن هذه الوحدة لن تتحقق إلا بالإسلام و تحت رايته.

(3) و قد ميزت تعليقاته بكلمة مصححه.

9

في حلة قشيبة، و أن أضع بين يدي القراء كتابا ينتفعون به في لغتهم و معارفهم في عصر كثر فيه الغثاء، و قلّ ما ينفع الناس.

كما أحببت أن أحيي تراث رجال أمتنا، الذي جاهدوا في سبيل رقّيها حقّ الجهاد، و تحمّلوا من أجل ذلك التشريد و النفي و الفقر و الحرمان، فما وهنوا و ما استكانوا، و تركوا من الآثار ما يعجز عنه اليوم جيل بأكمله.

عملي في الكتاب‏

1- صححت الأصل، و ذلك بالرجوع إلى المصادر التي نقل عنها الأمير، مثل «صفة جزيرة العرب» و «معجم البلدان» و «طبقات ابن سعد» و «ما رأيت و ما سمعت» و «رحلة ابن جبير» و «وفيات الأعيان» و غير ذلك.

2- و ضبطت ما يحتاج إلى ضبط، إذ قارى‏ء اليوم غير قارى‏ء الأمس.

3- عزوت الآيات إلى مواضعها في المصحف الشريف، كما خرّجت الأحاديث الواردة.

4- شرحت بعض الألفاظ الغريبة الواردة في الكتاب.

5- علقت على بعض المواضع، و حصرت تعليقاتي بحاصرتين، تمييزا لها عن تعليقات الأمير و السيد رشيد رضا (رحمهما اللّه تعالى).

6- أثبت المستدركات التي ألحقها الأمير في نهاية الكتاب في مواضعها.

7- وضع الأمير لكتابه اسمين هما «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» (1)، أو «الرحلة الحجازية» فقدّمت الثاني على الأول لأنه أوضح و أسهل حفظا.

____________

(1) (الارتسامات): الانطباعات، و (أقدس مطاف): بيت اللّه الحرام.

10

8- ألحقت بالكتاب ملحقين بقلم الأمير شكيب، لهما علاقة بهذا الكتاب، و هما: «تاريخ العرب الأقدمين» و «الأنساب». من كتاب الأمير (ملحق للجزء الأول من تاريخ ابن خلدون).

9- صدّرت الكتاب بترجمة للأمير.

10- زودت الكتاب ببعض الخرائط و الصور التوضيحية و الوثائقية.

11- وضعت للكتاب فهارس كاملة تسهّل الرجوع إليه.

و في الختام أسأل اللّه تعالى أن يتقبل عملي إنه سميع قريب و الحمد للّه رب العالمين.

دمشق 22/ 6/ 1421 ه و كتبه 1/ 10/ 2000 م حسن السّماحي سويدان‏

11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدّمة السيّد محمّد رشيد رضا

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:

27- 28].

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].

يحجّ بيت اللّه الحرام، و يزور مسجد رسوله و روضته عليه أفضل الصلاة و السلام ألوف كثيرة من مسلمي الآفاق، أكثرهم من العوام و الفقراء، و بعضهم من العلماء و الأدباء و الكتاب و الشعراء، و يقلّ في جملتهم من يفقه ما يعمل، و من يعي ما يسمع، و من يعقل ما ينظر.

و يقلّ في هؤلاء من يكتب لإخوانه المسلمين ما يفيدهم شيئا لا يجدونه في كتب الفقه أو التاريخ و الرحلات و الأدب.

بل نرى من حجّاج إخواننا المصريين من يكتبون في كلّ عام ما يغضب اللّه تعالى، و يسوء جيرانه في حرمه، و جيران رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) في روضته، و خدّام قاصدي هذين الحرمين من المطوفين و المزورين، و حكامهما الحافظين لأمن السّكان، و آمين البيت الحرام، و أطباءهما

12

المحافظين على صحة أهلهما، و صحة من يتشرّف بأداء المناسك و الزيارة فيهما، بل يكتبون ما ينفّر المسلمين من إقامة هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، و يصدّهم عن إحياء هذه الجامعة العامة التي امتاز بها على جميع الأديان، فهذا يشكو من شدّة الحرّ، و ذاك يتململ من كثرة النفقة، و آخر يتبرّم بما يزعم من تقصير المطوفين و طمعهم.

و أغرب من كلّ هذا أنّ منهم من ينتقدون منع البدع و الخرافات، و الطواف بالقبور، و الاستغاثة بالأموات، و إنّ منهم من كتب في هذا الشهر مشنّعا على حكومة الحجاز التقصير في عمارة مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و تجديد فرشه، و هو يعلم أنّ حكومة الحجاز الحاضرة على فقرها (1) قد فعلت ما لم تفعله حكومة قبلها؛ من حفظ الأمن، و تسهيل السبل، و توفير المياه، و الاسعافات الصحية للحاج، فإنّ هذا قد صار متواترا.

و يعلم أيضا أنّ حكومته‏ (2) هو قد منعت ما كانت ترسله إلى الحرمين و أهلهما من الأموال و الحقوق المقرّرة لهما، التي كانت ترسلها في كلّ عام، و أنّ هذه الحقوق هي بعض ما وقفه الملوك و الأمراء و أهل البرّ من الأغنياء.

و يعلم أن وزارة الأوقاف تجبي من أوقاف الحرمين في كلّ عام مئات الألوف من الجنيهات، و تصرفها في غير ما وقفت عليه.

و يعلم أيضا أنّ الحكومة التركية قد استحالت حكومة لا دينية، و ضمّت أوقاف الحرمين إلى أملاكها، بل هي تمنع من يريد الحج من شعبها، و حجتها الظاهرة على هذا المنع أنّ الترك أحقّ بأموالهم أن تبقى في بلادهم من أن تصرف في بلاد العرب!!.

____________

(1) [كتبت هذه المقدمة قبل أكثر من ثمانين عاما].

(2) [الحكومة المصرية آنذاك‏].

13

و خير من هؤلاء الصادّين عن سبيل اللّه، المنفّرين عن شعائر اللّه، و المؤذين لجيران اللّه من يؤلّفون كتبا في رحلاتهم الحجازية، ينقلون فيها أحكام المناسك الفقهية، و بعض الأخبار التاريخية و الأدبية، و قد كتبوا في رحلاتهم و في الصحف ما أبلاه الحق من وصف أمن الحجاز، و توفير أسباب الراحة للحاجّ، و الثناء على الحكومة السعودية، و رجاء الخير العظيم للإسلام فيها.

بيد أنّك قلّما ترى فيما كتبوا عبرة جديدة، أو شيئا من الاقتراحات المفيدة، أو ترغيبا في البذل لعمارة المسجد الحرام، و مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، أو لتسهيل السبيل على الحجاج و الزائرين، و توفير المياه لهم و للمقيمين، اقتداء بما كان من فعل السلف الصالحين.

دع ما هو أعلى من ذلك منزعا، و أروى مشرعا، و أبعد في الإصلاح غاية، و أقوى في درء الخطر عن الإسلام وقاية، فقد علم الواقفون على سياسة الاستعمار الأوربي أنّ خطره قد أحاط بجزيرة العرب، و نفوذ بعض دوله تغلغل في بعض أنحائها، ثم طفق يوغل في أحشائها، و يلغ في دمائها، فإنّ المستعمرين قد استولوا على سكة الحديد الحجازية، التي كان الغرض الظاهر القريب من إنشائها تسهيل أداء الفريضة، و الباطن البعيد حفظ الجزيرة نفسها من الاستعمار الأوربي، و من قتل الإسلام في عقر داره، و إزاحته عن قراره، تمهيدا لمحوه من الأرض كلها.

كذلك كان شأن المسلمين في حجهم و زيارتهم، و كذلك كان ما دونوا في رحلاتهم و مقالاتهم، إلى أن أذن اللّه تعالى لعبده المجاهد في سبيله بماله و نفسه، و لسانه و قلمه، و علمه و عمله، الأمير شكيب أرسلان، الذي بحق لقّبته أمته بأمير البيان- أن يستجيب لأذان إبراهيم خليل الرحمن (صلى اللّه عليه و سلم)، فيؤدّي فريضة الحجّ، و يمرض مرضا يضطره بعد أداء المناسك إلى الالتجاء إلى الطائف، و التوقّل في جبالها و ذراها،

14

و التنقّل في مزارعها و قراها، و الهبوط في أخيافها و أوديتها، فينال الشفاء و العافية من مرضه، و من مرض سابق له، بما شمّ من هواء نقيّ، و شرب من ماء رويّ، و جنى من ثمر شهيّ، و يشاهد ما ثمّ من قابلية للعمران، لا يكاد يفضلها مكان، في عصر عمّ الحجاز فيه العدل و الأمان، و أن يصف ذلك بقلمه السيّال، و بيانه السّلسال، الذي يجري فتكبو في غاياته جياد الفرسان، و من ذا الذي يطمع في لحاق أمير البيان في مثل هذا الميدان؛ ميدان التاريخ و علم الاجتماع و العمران، و ما فيه من عبر السياسة في هذا الزمان، لا سيّما سياسة الأمة العربية و الإسلام؟!

أحمد اللّه تعالى أن وفّق أخي شكيبا لأداء المناسك، و شهود ما قرنه بها القرآن من المنافع، و إنّما هي منافع أمته، لا منافع شخصه و أسرته، و أن يسّر له السير في تلك الأرض، لفقه ما أرشده إليه عقله، و هدي له قلبّه، فيعرف بنفسه جبالها و وهادها، و أغوارها و أنجادها، و سهوبها و صفاصفها (1)، و مجاهلها و معارفها، ثم يبعث ما دفن في بطون الكتب من تاريخ عمرانها، و كنوز معادنها، مع بيان أماكنها، و وسائل استخراجها من مكامنها، و يجلّي للعقول ما فيها من العبر البالغة، و يقرن بها وصف حالتها الحاضرة، و يستنبط منهما ما يجب على الأمة العربية و حكوماتها، و الشعوب الإسلامية و زعمائها، من توجيه أصدق ما أوتوا من إرادة و عزيمة، و أفضل ما أعطوا من علم و ثروة، في سبيل عمران الحجاز، و صيانته من خطر الاستعمار، و أنّ ذلك لا يتمّ لهم إلا بعمران جزيرة العرب كلّها، لأنّ انتقاصها من أطرافها يفضي إلى الإحاطة بسائر أكنافها.

تلك الغاية البعيدة المرمى هي التي وضع لها الأمير رحلته الحجازية التي سمّاها «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاجّ إلى أقدس مطاف» و قد أقام الدلائل على إمكان ما دعا إليه و سهولته؛ من قابلية في المكان، و مواتاة في الزمان، و أشار إلى ما يعترض به على ذلك من‏

____________

(1) [سهولها].

15

شبهات داحضة، و كرّ عليها بما ينقضها من حجج ناهضة، بما لم يبق لمعتذر عذرا مقبولا، و لا لمقصّر قولا معقولا.

ثم إنه لم يقف في ارتساماته دون هذا المقصد الأسمى، بل ألمّ فيها بكل ما يهمّ المسلم من حال الحجاز و أهله و حكومته، فأفاض القول في تعظيم شأن المياه فيه، و ما يرجى من زيادتها بالوسائل العصرية، و لا سيّما الآبار الإرتوازية.

و استشهد التاريخ على ما كان من عناية السلف الصالح بعمرانه، و حبس الأوقاف الواسعة عليه، و عناية الخلف الطالح بتخريب ما عمروا، و إضاعة أكثر ما وقفوا، و تمهيد حكامهم الفاسقين سبيل ذلك لسالبي ملكهم من المستعمرين، و ضرب لذلك الأمثال بتاريخ أكبر المعمرين من الملوك و الأمراء و الوزراء.

و أسهب في بيان أحوال المطوّفين و المزوّرين و قناعتهم، و ما يجب من إصلاح حالهم، و نوّه فيها بفضل الحكومة السعودية الحاضرة، و خدمة ملكها للحجاز، و أعظمها و المقدّم منها تعميم الأمنة في بدو البلاد و حضرها، قريبها و بعيدها، و ما يرجى بحكمته من سائر أركان الإصلاح فيها.

و قد منّ عليّ بأن عهد بنشر هذه «الارتسامات» إليّ، بأن أطبعها بمطبعة المنار، و أشرف على تصحيحها بنفسي، لتعذّر إرسال مثل الطبع‏ (1) إليه في أوربة، ليتولّى تصحيحها بنفسه، بل منّ عليّ بالأذن لي بتعليق بعض الحواشي على بعض المواضع التي أرى التعليق عليها مفيدا لقارئيها، ليكون اسمي مقرونا باسمه في هذا الأثر الخالد له في خدمة العرب و الإسلام، كما منّ عليّ قبله بمثله في رسالته التي جعل عنوانها «لماذا تأخر المسلمون، و لماذا تقدّم غيرهم»؟ و هي هي الرسالة التي: سارت بها الركبان تطوي نفنفا فنفنفا (2)، و سبسبا فسبسبا (3)،

____________

(1) [تجارب الطبع‏].

(2) [واديا].

(3) [صحراء].

16

فاضطربت بها بعض دول الاستعمار (1)، و زلزلت زلزالا شديدا، حتى قيل لنا: إنّها أغرت حكومة سورية (2) بمنع نشرها فيها، و هي أحقّ بها و أهلها، فانفردت بهذه العداوة للإسلام دون من أغروها بها.

و لما كان سماح الأمير حفظه اللّه لي بهذا و ذاك إعلاما لقارئي «الرسالة» و «الرحلة» بما بيننا من الأخوة الإسلامية الصادقة، و الاتفاق في المقاصد الإصلاحية النافعة للأمة العربية و الشعوب الإسلامية، التي نفخ روحها في كلّ منّا شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بالتّبع لأستاذه موقظ الشرق و حكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني، (قدّس اللّه روحهما)، و أجزل ثوابهما.

هذا و إنّ الأمير- أمتع بعلمه و عمله، و لسانه و قلمه- قد وضع للرحلة حواشي كثيرة، عزوتها إليه في مواضعها، و كان يجب أن أشير إلى ذلك في ديباجتها، و لكنني ما علمت بها إلا عند بلوغ أول حاشية منها (3).

و قد كان لي وقفة و نظر في اقتراحه على الحكومات المختلفة في الدين و السياسة أن تشدّد على حجّاج بلادها الفقراء، فيما تفرضه من الشروط للسّماح لهم بالّسفر إلى الحجاز، لا لأنّ هذا الاقتراح منكر في نفسه، بل لأنّ الحكومات الاستعمارية التي تكره للمسلمين- المرزوئين بسيطرتها عليهم- أن يؤدوا هذه الفريضة، لم تقصّر في إرهاقهم بالشروط المالية و الصحيّة، بل أنا أعلم علم اليقين أنّ جميع الدول الاستعمارية تمقت قيام المسلمين بهذه الفريضة، و تتعاون على صدّهم عنها بما تستطيع من حول و حيلة، و لو لا مال بواخرها و تجارتها من المنافع من نقل الحجّاج لكان تشديدهم في الصدّ أكبر، و لكن‏

____________

(1) [فرنسة].

(2) [الخاضعة آنذاك للانتداب الفرنسي‏].

(3) [وضعت عقب تعليقات السيد محمد رضا رشيد (رحمه اللّه تعالى) كلمة (مصححه) تمييزا لها عن تعليقات الأمير، أما تعليقاتي فهي بين حاصرتين‏].

17

ما وضعوه من العواثير و العقاب في سبيل الحج باسم المحافظة على الصحة قد أنالهم بعض مرادهم منه بقلّة من يتحمّل مشقته من ملوك المسلمين، و أمرائهم المترفين، و أغنيائهم المحسنين، و زعمائهم المفكرين.

و قد كانوا حاولوا أن يقرّروا في مؤتمر طبيّ عقد بمصر في أوائل عهد الاحتلال البريطاني أنّ الحجاز بيئة و بائية بطبعه، يجب جعله تحت سلطة الحجر الدولي دائما لذاته، فجاهد المرحوم سالم باشا سالم كبير أطباء مصر- و الطبيب الخاصّ لسموّ الخديوي توفيق باشا و أسرته-، يومئذ جهادا كبيرا دون ذلك، حتى دحض كلّ شبهة تؤيّد هذا الاقتراح، و أثبت بالأدلة الفنية الطبيّة و التاريخية أنّ الحجاز ليس بوطن لوباء الهيضة الوبائية (الكوليرة) و لا لغيرها من الأوبئة السارية المعدية، و لكنني لم أضع لهذه المسألة حاشية، بل أدعها إلى علم الأمير الواسع، و رأيه الناضج، لعلّه يستدرك ما يرى استدراكه ممحّصا لهذا الرأي.

و ها أنا ذا أزفّ إلى قرّاء العربية هذه الرحلة النفيسة، و الارتسامات اللطيفة، و لا ريب عندي في أنهم يقدّرونها قدرها، و يعنون معي بنشرها، و بثّ الدعاية إلى العمل بما فيها من النصيحة الثمينة، التي تتوقف عليها حياة هذه الأمة المسكينة، التي كانت هي الناشرة لدعوة الإسلام، و المفيضة لنور هدايته، و المفجّرة لأنهار حضارته، و بإحيائها و عمران بلادها يناط بقاؤه، و يعود رواؤه، و ينضر إهابه، و يتجدّد شبابه.

و أختم هذا التصدير لها بما يؤيد قولي هذا من الأحاديث النبوية في شأن الحجاز و مستقبله، و كونه مأرز الإسلام و معقله، و حصنه و موئله، عند ما يشتدّ على المسلمين البغيّ و العدوان، و يركبون المناكير، فيناكرهم الزّمان، أو تستباح بيضتهم بما أعرضوا عن هداية القرآن.

18

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز (1) الحية إلى جحرها» رواه البخاري (1777) و مسلم (233) من حديث أبي هريرة.

و المعنى: أنه سيعود إلى المدينة و الحجاز كله، و يأوي إليه كما تعود الحيّة إلى جحرها، و لا سيّما إذا خافت.

و أعمّ منه و أدلّ على المراد قوله عليه الصلاة و السلام: «إنّ الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا كما بدأ، و هو يأرز بين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها» رواه مسلم من حيث ابن عمر (232- 146).

و أعمّ منه و أظهر قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إنّ الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحيّة إلى جحرها، و ليعقلنّ الدين من الحجاز معقل الأرويّة من رأس الجبل‏ (2)، إنّ الدين بدأ غريبا و يرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنّتي» (3).

و المعنى: أنّ الإسلام سيضعف و يصير غريبا و مضطهدا في الأقطار، فلا يجد له حصنا و معقلا إلا الحجاز، فيعتصم فيه كما تعتصم الأروية في شناخيب الجبال.

و أوسع من ذلك كلّه، و أدلّ على الباعث عليه ما رواه أحمد (1/ 222) و البخاري (3053) و مسلم (1637). من حديث ابن عباس‏

____________

(1) أرز كعلم: انضم و اجتمع و انكمش، و ورد لغة من بابيّ ضرب وقعد.

(2) الأرويّة بضم الهمزة و كسر الواو و تشديد الياء أنثى الوعول، و هي تعتصم في أعالي الجبال.

(3) [أخرجه الترمذي رقم (2630) في الإيمان باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا، و في سنده كثير بن عبد اللّه المزني و هو ضعيف، و لأوله و آخره شواهد، و قال الترمذي: هذا حديث حسن‏].

19

أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أوصى عند موته بثلاث أولها: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».

و ما رواه أحمد (1: 29) و مسلم (1767) و الترمذي (1607) عن عمر رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لأخرجنّ اليهود و النّصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما».

و ما رواه أحمد (6: 275) من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت:

آخر ما عهد به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان».

و روى أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي اللّه عنه قال: آخر ما تكلّم به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أخرجوا اليهود أهل الحجاز و نصارى نجران من جزيرة العرب» و المراد أنّه آخر ما أوصى به عند موته‏ (1).

و أما آخر كلمة نطق بها (صلى اللّه عليه و سلم) فهي: «اللهم الرفيق الأعلى» (2).

و قد بيّنت في مواضع من جزء «التفسير» (3) العاشر و غيره حكمة هذه الوصايا النبوية، و هي ما أطلع اللّه تعالى عليه رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبر به، كما في حديث ثوبان رضي اللّه عنه‏ (4) و غيره من تداعي الأمم على المسلمين كما تتداعى الأكلة على قصتها، و سلبهم لملكهم، و اضطهادهم لهم في دينهم، إلى أن يضطروا إلى الالتجاء إلى مهد الإسلام الأول، أو معقله الأعظم، و مأرزه الآمن، و هو الحجاز، و سياجه من جزيرة العرب، و لذلك أوصى بأن يكون هذا المعقل خاصّا بالمسلمين، لا يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الوصية من دلائل نبوته (صلى اللّه عليه و سلم) قد ظهر سرّها في هذا العصر.

____________

(1) [أخرجه أحمد (1: 195)].

(2) [أخرجه البخاري رقم (4435) و مسلم رقم (2191)].

(3) [تفسير المنار].

(4) [أخرجه أبو داود (4297) و أحمد (5: 278) و هو حديث صحيح أوله:

«يوشك أن تداعى عليكم الأمم ...].

20

و ها نحن أولاء نرى أعداء الإسلام ما زالوا يطاردون المسلمين حتى انتهوا بهم إلى جزيرة العرب، و طفقوا ينازعونهم فيها، بل وصلوا إلى الحجاز، و استولوا بمساعدة بعض أمرائه‏ (1) على أعظم موقع من معاقله البريّة و البحرية ما بين العقبة و معان، و صاروا باستيلائهم على سكة الحديد الحجازية على مقربة من المدينة المنورة، التي خصّها الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) من هذه الوصايا بالذكر، و أنشأوا يؤسسون وطنا لليهود في جوارها من فلسطين، التي يدّعون أنّها لهم وحدهم، و سيطلبون ضمّ خيبر إليها.

بأنها كانت لهم، و أخرجهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه منها. فإذا لم تتعاون جميع الشعوب الإسلامية على مساعدة حكومة الحجاز بالمال و النفوذ الصوري‏ (2) و المعنوي على حفظ الحجاز و عمرانه، بل إلجائها إلى ذلك و اضطرارها إليه، فستتقطّع قلوبهم أسفا و ندما، و يذرفون بدل الدموع دما، إذ لات حين مندم، و لا متأخر و لا متقدّم.

و لقد كنت في حيرة لا أهتدي السبيل إلى أقرب الوسائل لهذا العمران، حتى وجدته مرسوما في هذه «الارتسامات»، داحضة أمامه جميع الشبهات، فبادروا إليه أيها المسلمون‏ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ [آل عمران:

105].

و كتبه ناشر الارتسامات محمد رشيد رضا منشي‏ء مجلة المنار 1350- 1931

____________

(1) [الأمير عبد اللّه بن الحسين الذي صار ملكا على شرقي الأردن‏].

(2) [المادي. و من الجدير بالذكر أن رشيد رضا من أوائل من نبهوا إلى الخطر الصهيوني‏].

21

تعقيب الأمير شكيب أرسلان على مقدّمة السّيّد محمّد رشيد رضا

أرسلنا إلى الأمير مثالا من هذه المقدمة قبل طبعها، فكتب إلينا هذا الاستدراك:

اقتراح تشديد الحكومات على الفقراء بعدم الحج لم يكن مرادي به إلا منع الفقراء المعدمين، الذين لا يستطيعون إلى الحج سبيلا، و الذين إذا جاؤوا إلى مكة صاروا وقرا على أهلها و حكومتها.

و أما الفقراء الذين لم يبلغ فقرهم هذه الدرجة، فليسوا المراد بكلامي.

إني أوافق الأستاذ على كون دول الاستعمار تشدّد الشروط عمدا على من يريد الحج، المستطيع و غير المستطيع، و ذلك قطعا لصلة المسلمين بمكة، و عزلا لهم عن إخوانهم في الدين، و إذا سمحت أحيانا بالحج فيكون على كره منها، و تعتاض من ذلك بإكراه الحجاج على ركوب بواخرها، و تفرض عليهم أجرة فاحشة، و تحشرهم فيها حشرا يزيد قهرهم.

و في السنة الفائتة لم تزل فرنسة تتنوّع في الشروط، و تتعنّت على الحجاج، حتى لم يقدر على الحجّ إلا (30) شخصا من كل جزائر المغرب، مع أنّ الذين كانوا نووا الحج هم أكثر من ألف و تسعمئة.

و لا يكثر على الفرنسيس بعد ذلك أن يمنّوا بكرة و أصيلا على‏

22

مسلمي المغارب بالحرية الدينية، التي أمتعوهم بها، و أن يملؤوا جرائدهم بما منحوهم منها، حتى يخال من يطلع على الحقيقة أن مسلمي المغارب راتعون في بحابح الحرية الدينية، كما يصفها هؤلاء الخطباء و الكتاب.

و الحقيقة أنّ أهل المغارب جميعا في عناء شديد من كل جهة، و لا سيّما من جهة حرية الاجتماع بسائر المسلمين، بل من جهة حرية اجتماعهم بعضهم مع بعض.

و منذ شهر نادى المنادي في أسواق فاس بأنّه ممنوع ذهاب التجار للبيع أو الشراء بين قبائل البربر، و جميع الناس يعلمون أنّه لا يقدر أحد من الفقهاء و لا من حملة القرآن و لا من مشايخ الطرق الصوفية أن يدخل قرى البربر، و لا أن يجول في الجبال التي هم فيها إلا بإذن خاصّ من الحكومة.

على حين [أن‏] مئات من الرهبان و الراهبات و الأقسّة و المبشرين يجولون في بلاد البربر كيف يشاؤون، و يبنون المدارس و الكنائس.

فهذا هو كنه الحرية الدينية التي تمنّ بها فرنسة على مسلمي المغارب، و من كان في شك من كلامنا هذا، فليذهب إلى تلك البلاد، أو فليسأل الثقات من أهلها.

و كتب شكيب أرسلان لوزان- سويسرة

23

ترجمة المؤلّف‏

1- عصره:

عاش أمير البيان شكيب أرسلان عصرا حافلا بالأحداث، فقد شهد الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، كما شهد النصف الأول من القرن العشرين، و في هذه الفترة حدثت أحداث و وقعت أمور، ففيها استكلب الاحتلال الأوربي على بلاد العروبة و الإسلام، و فيها استبان عسف الحكام الأتراك بالعرب، و فيها تنبه الوعي القومي العربي، و نشأت فكرة التخلص من الحكم العثماني، و الاستقلال في الحكم العربي، و فيها سقطت الخلافة، و انطوى حكم بني عثمان، و فيها وقعت الحربان العالميتان الأولى و الثانية، و فيها اقتسمت بريطانية و فرنسة بلاد العرب بعد تمزيقها، و فيها اقتطعت فلسطين من أرض العروبة، و اغتصبها اليهود، و فيها ظهرت بدع الاستعمار: الوصاية و الانتداب، و فيها تخلص العرب من الاحتلال الأوربي في كثير من بلدانهم، و فيها قامت عصبة الأمم ثم ماتت، و فيها نشأت هيئة الأمم المتحدة.

2- اسمه و نسبه:

هو الأمير شكيب بن حمود بن حسن بن يونس بن فخر الدين بن حيدر بن سليمان بن فخر الدين بن يحيى بن مذجح بن محمد بن أحمد بن خليل بن مفرّج بن يحيى الأرسلاني اللخمي، و أمه شركسية، و كلمة شكيب فارسية معناها الصابر.

3- ولادته و نشأته:

ولد في ليلة الإثنين أول ليلة من رمضان سنة (1286) ه الموافق للخامس و العشرين من كانون الأول- ديسمبر سنة

24

(1869) م في قرية الشويفات إحدى قرى مقاطعة الشوف في لبنان.

لما بلغ شكيب الخامسة من عمره، أحضر له أبوه معلما اسمه الشيخ مرعي شاهين سلمان فعلمه مبادى‏ء القراءة و الكتابة، و في الصيف ذهبت الأسرة إلى بلدة عين عنوب، و هناك أحضر له أبوه معلما آخر اسمه أسعد فيصل فعلمه تلاوة القرآن الكريم، و حفظ جانبا منه.

و بعد رجوع الأسرة إلى الشويفات دخل شكيب المدرسة الأمريكية بالقرية، حيث تلقّى دروس الجغرافية و الحساب و اللغة الانكليزية و غيرها.

في سنة (1879) دخل مدرسة دار الحكمة ببيروت، فمكث فيها ثماني سنوات، و من أبرز أساتذته فيها عبد اللّه البستاني صاحب معجم «البستان».

و في عام (1887) دخل شكيب المدرسة السلطانية، و فيها درس على الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الفقه و التوحيد بجوار علوم المدرسة الأخرى، و قد أعجب الإمام بالفتى الذكي، الذي بدأ يقول الشعر، و توقع له مستقبلا عظيما، و من ذلك اليوم أخذت علاقة الأمير بالإمام تتوثق فيسمع منه و يتأثر به.

و في عام (1889) سافر شكيب إلى دمشق، و حضر مجلس الشيخ محمد المنيني مفتي الشام، و تعرف على العلامة جمال الدين القاسمي و العلامة الشيخ عبد الرزاق البيطار، و نابغة الشام الشيخ طاهر الجزائري و غيرهم من أعلام النهضة في سورية.

و في عام (1890) سافر إلى مصر لأول مرة، و اجتمع بالشيخ محمد عبده، و بصفوة المفكرين و العلماء أمثال الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيد» و غيره.

و في آواخر عام (1890) سافر إلى الآستانة و التقى بحكيم الإسلام و موقظ الشرق السيد جمال الدين الأفغاني و سمع منه و تأثر به.

25

و في عام (1892) سافر إلى فرنسة، و هناك تعرف بالشاعر أحمد شوقي.

4- وظائفه و جهاده:

في عام (1908) عين مديرا لشويفات، ثم قائم مقام لمقاطعة الشوف لمدة ثلاث سنوات، و لما صدر الدستور العثماني سنة (1908) و تألف مجلس المبعوثين في الآستانة عام (1909) اختير شكيب ليكون نائبا عن حوران.

و في عام (1911) اعتدت إيطالية على ليبية، فانبرى شكيب يكتب المقالات النارية حاضا العرب و المسلمين للدفاع عن حوزتهم، و لم يتكف بهذه المقالات بل حمل السلاح، و ذهب إلى ليبية متخفيا، ليشترك في قتال الطليان إلى جانب أنور باشا.

في سنة (1912) سافر شكيب إلى تركية حيث اختير مفتشا لبعثات الهلال الأحمر المصري فقام بمهمته خير قيام.

و في عام (1912) علم بتقسيم فرنسة و بريطانية لسورية و فلسطين، و ذلك من خلال اعترافات المسيو بوانكاره، لذلك لم يتحمّس للثورة العربية عام (1916) لما يعلم من نوايا الإنكليز و الفرنسيين، فاختار أهون الشرين، اختار الترك على الحلفاء و اليهود، و هاهو يقول: «لم يمنعنا من الاشتراك في الثورة العربية سوى اعتقادنا أن هذه البلاد العربية ستصبح نهبا مقتسما بين إنكلترة و فرنسة، و تكون فلسطين وطنا قوميا لليهود، و هذا التكهن كان عندنا مجزوما به».

و في سنة (1912) سافر إلى المدينة المنورة لإنشاء مدرسة فيها.

عاد إلى دمشق ليشهد مذابح الأحرار في دمشق و بيروت على يد السفاح جمال باشا، و عبثا حاول الأمير ثني السفاح عن جرائمه، و استغلّ زيارة صديقه أنور باشا لسورية ليشكو إليه جرائم جمال باشا و بطشه بأحرار العرب.

بدأ السفاح يضايق شكيبا، ليوقع به، و يلحقه بإخوانه من أحرار

26

العرب، و لما علم شكيب بنوايا السفاح فر إلى إستانبول، ليشكو السفاح إلى الباب العالي و ناظر الحربية أنور باشا.

في عالم (1916) تزوج الأمير من الآنسة سليمى الخاص بك حاتوغو، و هي فتاة شركسية.

في عام (1916) بدأت الثورة العربية الكبرى، لكن الأمير لم يتحمّس لها، لما يرى فيها من أصابع بريطانية فهو يقول: «لو أعلم أن الثورة العربية ستؤدي إلى استقلال العرب لما سبقني إليها أحد».

مع دخول الفرنسيين سورية، و بعد مقاومة اشترك فيها الأمير، فرّ إلى مرسين بتركية و منها إلى برلين، حيث أنشأ جمعية الشعائر الإسلامية و بقي هناك عدة سنوات.

و في عام (1922) سافر إلى جنيف رئيسا لوفد سوري فلسطيني للدفاع عن قضايا العرب و حقوقهم أمام عصبة الأمم، و من ثمّ اختار جنيف مكانا لإقامته.

و في عام (1926) سافر شكيب على رأس الوفد السوري إلى رومة ليبسط أمام لجنة الانتداب القضية السورية، و قدّم لرئيس اللجنة مطالب سورية، التي تتلخّص في إلغاء الانتداب، و وحدة سورية، و إصدار دستور لها.

كما نشر مقالا فضح فيه ألاعيب فرنسة مع تركية على حساب سورية باقتطاع أجزاء منها- أنطاكية و اسكندرونة- لتقديمها إلى تركية.

في سنة (1927) سافر الأمير إلى أمريكة الشمالية حيث رأس مؤتمرا عربيا في مدينة دترويت بناء على دعوة من عرب المهجر هناك.

في أواخر سنة (1927) زار روسية، و استقبل هناك بحفاوة و إجلال.

و في سنة (1929) حج شكيب إلى بيت اللّه الحرام، و التقى الملك عبد العزيز آل سعود، و كتب «الرحلة الحجازية» المسماة «الارتسامات‏

27

اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» و هي هذا الكتاب.

و في سنة (1930) قام برحلة إلى إسبانية، و عاد فكتب «الحلل السندسية في الأخبار و الآثار الأندلسية» و كتب «تاريخ غزوات العرب في فرنسة و سويسرة و إيطالية و جزائر البحر المتوسط» و فيه ردّ غير مباشر على دعاة الاستعمار و أذنابه من الشعوبيين الجدد.

كما أصدر «مجلة الأمة العربية» بالفرنسية في جنيف دافع فيها عن قضايا العرب و المسلمين.

في سنة (1934) اشترك في وفد الصلح الذي أرسله المؤتمر الإسلامي بالقدس للتوفيق بين الملك عبد العزيز آل سعود و الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن بعد أن نشبت الحرب بينهما، و استطاع الوفد أن يقوم بمهمته على الوجه المرضيّ.

في صيف (1937) سمحت له فرنسة أن يزور سورية، و استقبله أبناؤها استقبالا رائعا، و سعد بتقبيل يديّ أمه، و أرادت الحكومة السورية أن تعبّر عن تقديرها له، فأصدرت قرارا بتعينه رئيسا للمجمع العلمي العربي، لكنّ فرنسة نكثت بوعودها فترك شكيب سورية، و عاد إلى أوربة.

و في عام (1939) أذنت له الحكومة المصرية بزيارة مصر بعد أن حيل بينه و بينها سنوات طويلة، فزارها، و بعد أن قضى في مصر أربعة أشهر عاد إلى أوربة.

و قامت الحرب العالمية الثانية بظروفها القاسية التي نال منها شكيب نصيبه، و لكنّه لم يكفّ عن الجهاد في سبيل العروبة و الإسلام.

5- عودته إلى وطنه و وفاته:

انتهت الحرب عام (1945)، و تحررت سورية و لبنان، فعاد شكيب إلى وطنه في أواخر تشرين الأول- أكتوبر عام (1946) و استقبله أبناء العروبة بحفاوة و إكبار.

28

و ضعفت صحة الأمير بمرور السنين، و طول الكفاح، و توالي المتاعب، و كثرة الأمراض.

و في يوم الإثنين (15) من المحرم سنة (1366) الموافق للتاسع من كانون الأول- ديسمبر سنة (1946) لحق شكيب أرسلان بربه بعد حياة طويلة حافلة، و صلّي عليه في الجامع العمري ببيروت، ثم نقل جثمانه إلى قريته الشويفات حيث دفن فيها، حيث أبّنه الدكتور مصطفى السباعي (رحمه اللّه تعالى) بخطبة جامعة.

مات الأمير تاركا زوجة و ابنا هو غالب، و ابنتين هما: مي و ناظمة، و دارا ببرلين فيها كتبه و أوراقه.

تصفه زوجته قائلة: كان متدينا، محافظا على الصلاة، قضى حياته كلها في الكتابة أو القراءة أو الحديث أو الرحلة.

6- حليته:

كان شكيب يميل إلى طول القامة، حنطي اللون، أميل إلى الامتلاء في شبابه، لكنه نحل في آخر عمره، كما ضعف بصره، و ابيضّ شعره، و كانت يده ترتعش إذا كتب، و كان صوته أميل إلى الخشونة و الامتلاء.

كان يعرف الفرنسية و التركية و الإنكليزية و جانبا من الألمانية.

7- مؤلفاته:

لشكيب أرسلان عشرات من الكتب و الرسائل بعضها مطبوع، و بعضها الآخر مخطوط، و ها هي أسماء هذه الكتب:

أ- المطبوعات:

1- «الرحلة الحجازية» المسماة «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» تصحيح و تعليق السيد محمد رشيد رضا- مطبعة المنار- الطبعة الأولى سنة (1350- 1931) و هو هذا الكتاب.

2- «أناطول فرانس في مباذله» تأليف جان بروسون، ترجمه و قدم له و علق عليه شكيب أرسلان المطبعة العصرية بالقاهرة الطبعة الأولى‏

29

لم تذكر سنة الطبع، و لكنها سنة (1345- 1926).

3- «تاريخ ابن خلدون» تعليق شكيب أرسلان الجزء الأول و الثاني مطبع النهضة بالقاهرة- الطبعة الأولى سنة (1355- 1936).

4- «تاريخ غزوات العرب في فرنسة و سويسرة و إيطالية و جزائر البحر المتوسط» مطبعة عيسى البابي الحلبي و شركاؤه بمصر الطبعة الأولى سنة (1352- 1933).

5- «حاضر العالم الإسلامي» تأليف لوثروب ستودارد الأمريكي- ترجمة عجاج نويهض- تعليق شكيب أرسلان- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية، في جزئين و الطبعة الثانية بمطبعة عيسى البابي الحلبي سنة (1352- 1933) (4) أجزاء.

6- «ديوان الأمير شكيب أرسلان» طبع و تصحيح السيد محمد رشيد رضا مطبعة المنار بمصر الطبعة الأولى سنة (1354- 1935).

7- «رواية أخر بني السراج» تأليف الكونت دي شاتوبريان، ترجمة شكيب أرسلان، و مع الرواية خلاصة تاريخ الأندلس لشكيب، و كتاب «أخبار العصر في انقضاء دولد بني نصر» لمؤرخ مجهول، و «أثارة تاريخية رسمية في أربعة كتب سلطانية أندلسية» مطبعة المنار بالقاهرة الطبعة الثانية سنة (1343- 1925).

8- «روض الشقيق في الجزل الرقيق» شعر نسيب أرسلان جمعه و قدم له و علق عليه شكيب أرسلان مطبعة ابن زيدون بدمشق الطبعة الأولى سنة (1355- 1935).

9- «السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة» مطبعة ابن زيدون بدمشق، الطبعة الأولى سنة (1356- 1937).

10- «شوقي أو صداقة أربعين سنة» مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر الطبعة الأولى سنة (1355- 1936).

11- «عروة الاتحاد بين أهل الجهاد» جمعت و طبعت على نفقة جريدة «العلم العربي» لصاحبها عبد اللطيف الخشن في بونس أيرس‏

30

الطبعة الأولى في رجب سنة (1360- 1941) لم يطبع غير الجزء الأول.

12- «لماذا تأخر المسلمون، و لماذا تقدم غيرهم؟» مطبعة المنار بمصر سنة (1348).

13- «رد على كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين طبع مقدمة لكتاب «النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي» تأليف الدكتور محمد أحمد الغمراوي المطبعة السلفية بمصر- الطبعة الأولى سنة (1347- 1929).

14- «النهضة العربية في العصر الحاضر» محاضرة للأمير شكيب أرسلان في دار المجمع العلمي العربي بدمشق في تشرين الثاني- أكتوبر عام (1937) و طبعتها و نشرتها إدارة جريدة «الجزيرة» بدمشق، و ليس على الكتاب سنة الطبع، و لكن يظن أنها سنة (1356- 1937).

15- «الوحدة العربية» محاضرة ألقاها الأمير شكيب أرسلان في النادي العربي بدمشق في (20) أيلول- سبتمبر (1937) و طبعت في مطبعة الاعتدال بدمشق، نشر محمد ياسين عرفة صاحب مكتبة عرفة بدمشق، الطبعة الأولى سنة (1356- 1937).

16- «باكورة» ديوان شعر.

17- «الدرة اليتيمة» لابن المقفع تحقيق و تعليق.

18- «المختار من رسائل الصابي» تحقيق و تعليق.

19- «أعمال الوفد السوري الفلسطيني».

20- إلى العرب: بيان للأمة العربية عن حزب اللامركزية. طبع في مطبعة العدل في الآستانة عام (1332) ه، و هو ملحق بكتاب «تاريخ الدولة العثمانية» للمؤلف طبع دار ابن كثير.

21- لائحتين إلى المسيو جوفنيل [المندوب السامي الفرنسي في سورية و لبنان‏].

31

22- «مجلة الأمة العربية» بالفرنسية في جنيف.

23- «محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي» تحقيق و تعليق شكيب أرسلان طبع في مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.

24- «الحلل السندسية في الأخبار و الآثار الأندلسية» صدر منه ثلاثة مجلدات.

25- «رحلة روسية».

26- «رحلة ألمانية».

27- رسالة عن ضرب الفرنسيين لدمشق.

28- مقالات شكيب أرسلان.

ب- المخطوطات:

29- بيوتات العرب في لبنان.

30- البيان عما شهدت بالعيان.

31- تاريخ بلاد الجزائر.

32- ما لم يرد في متون اللغة.

33- حياة شكيب بقلمه.

34- بحث عن طرابلس و برقة.

35- بقية الحلل السندسية في الأخبار و الآثار الأندلسية».

36- «اختلاف العلم و الدين» ترجمة.

37- الحلة السنية في الرحلة البوسنية.

38- مدنية العرب.

39- الجيش المعبا في تاريخ أوربة.

40- قضيتنا مع سمو الخديوي عباس حلمي الثاني.

41- تاريخ لبنان.

42- إصلاح العامية.

43- التعريف بمناقب سيدي أحمد الشريف.

32

الأمير شكيب أرسلان‏

33

الرّحلة الحجازيّة المسمّاة الارتسامات اللطاف في خاطر الحاجّ إلى أقدس مطاف‏ بقلم أمير البيان الأمير شكيب أرسلان قدّم لها و علّق عليها صحّحها و علّق عليها السّيّد محمّد رشيد رضا حسن السّماحي سويدان‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مقدمة [المؤلف‏]

الحمد للّه الواحد الخلّاق، و سبحان اللّه و بحمده في العشيّ و الإشراق، و نشهد أن لا إله إلا اللّه شهادة الإخلاص، التي نرجو بها الخلاص يوم التلاق، و تهون بها سكرات الموت إذا حشرجت الأنفس في التراق.

و نشهد أنّ محمدا عبد اللّه و رسوله أشرف الخلق على الإطلاق، المبعوث لإقامة الحقّ و العدل و إتمام مكارم الأخلاق؛ بكتاب باهر المحّجة، و سنّة واضحة الحجّة، و براهين كالصّبح في الإنفلاق، و الشّمس في الائتلاق.

صلّى اللّه عليه و على آله الغطاريف، و على أصحابه الصناديد، و على أنصاره الكرام العتاق، الذين نشروا التوحيد المحض في الآفاق، و جمعوا كرم الأفعال إلى كرم الأعراق- ما هبّت نسائم الأسحار، و تفتّقت كمائم الأزهار، و سجعت الورق على الأوراق- و سلّم تسليما كثيرا.

و بعد: فقد مضت عليّ حجح كثيرة، و أنا أهمّ بأداء فريضة الحجّ، و العوائق تعوق، و الموانع من حول إلى حول تحول، إلى أن يسّر اللّه بلطفه و حسن توفيقه لي أداء هذا الفرض في سنة (1348) ه أي منذ

36

سنتين كاملتين، فكان قصدي إلى الحجاز من لوزان بسويسرة، عن طريق نابولي بإيطالية، إذ ركبت منها البحر على باخرة إنكليزية إلى بور سعيد، حيث نزلت، و في اليوم التالي ذهبت إلى السويس، و منها أبحرت إلى الحجاز، في باخرة مكتظّة بالحجّاج، فأحرمنا و لبينا من بحر رابغ، و وصلنا إلى جدة من السويس في اليوم الرابع، على ما وصفت في رحلتي الحجازية التي سيقرؤها المطالع.

و في مساء يوم وصولي إلى جدة يسّر اللّه دخولي إلى البلد الأمين، مبادرا إلى البيت العتيق بالطواف، و إلى المروة و الصفا بالسعي، و بعد ذلك بيومين، صعدنا إلى منى فعرفة، ثم أفضنا منها إلى المزدلفة، حيث بتنا ليلة، ثم عدنا إلى منى، حيث لبثنا ثلاث ليال، وعدنا إلى البيت الحرام، و تممنا مناسك الحجّ، و اللّه يتقبّل منا، و يتوب علينا، إنّه قابل التوب، غافر الذنب، العليّ الكبير، لا يغفر أن يشرك به، و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، و يعفو عن كثير.

و لقد وجدت مناسبا أن أنشر ما ارتسم في مخيّلتي من هذه المشاهد، و ما انطبع في لوح دماغي من مناظر تلك المشاعر المباركة و المعاهد، مقرونا بما يعنّ لي من الآراء، مشتملا على ما عندي من الملاحظات التي أحبّ أن يطّلع عليها القراء، فأرسلت إلى جريدة «الشورى» بمقالات كنت نشرتها فيها الفينة بعد الفينة. ذاكرا فيه مكة و عرفة، و منى و المزدلفة، و تلك البقاع المعظمة المشرّفة.

و لما كنت بعد ذلك قد صعدت إلى الطائف مستشفيا من سقم أصابني في أثناء أداء الفريضة، كتبت أيضا عن الطائف و جبالها و مرابعها و منازهها، و جنانها و كرومها و فواكهها، و لم أقتصر في الوصف على جنانها الناضرة، و أحوالها الحاضرة، بل كررت النظر إلى الوراء من أمور تاريخية ماضية، و مددته إلى الأمام في أمور اجتماعية مستقبلة، بحيث جمعت في هذه الرسائل بين مباحث جغرافية و تاريخية، و مواقف‏

37

سياسية و اجتماعية، و مسائل عمرانية و اقتصادية، و دقائق لغوية و أدبية، متناولا من القديم و الحديث، و متنقّلا بين التالد و الطريف.

و من حيث أني كنت أصدرها من وقت إلى آخر في جريدة سيّارة كانت هيئتها أقرب إلى أسلوب الجرائد منها إلى أسلوب الكتب، لأنّ الكاتب إذا كتب بين أسبوع و آخر متأثّرا بالعوامل المختلفة، ملاحظا المتجددات اليومية، مراعيا حالة قرّائه الروحية- ذهب به الاستطراد كلّ مذهب، و شرّدت به شجون القول فشرّق و غرّب، و لهذا جاء في هذا الكتاب استطراد ليس بيسير من فصل إلى فصل، و إن كان جميعه مرتبطا بالموضوع، و مردودا إلى الأصل.

ثم رأيت أنّ إكمال هذا التأليف على الخطة التي انتهجتها أوّلا- من نشره رسائل متفرّقة على الأسابيع- قد يأخذ وقتا طويلا، و لا ينتهي بأقّل من سنتين أو ثلاث، على أنّي صرت مشغولا مستغرقا برحلتي الأندلسية، التي قد تأخذ مجلّدات عدّة (1)، و لا يتأتّى لي الاشتغال بغيرها هذه المدة، فعدلت مؤخّرا عن الطريقة الأولى، و قطعت رسائل هذه الارتسامات عن «الشورى»، و انصرفت إلى إكمال هذا التصنيف توّا، حاثّا مطية القلم إلى غايته، ماضيا به بلا توقف إلى آخره، فكان ما نشر منه «الشورى» نحو الثلث، و ما لم ينشر في «الشورى» و لا في جريدة غيرها نحو الثلثين.

هذا، و لمّا تسنّى إكماله، و بلغ الإبدار هلاله، رأيت أن أتوّجه باسم جلالة الملك الهمام، الذي هو غرّة في جبين الأيام:

«عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود» ملك الحجاز و نجد و ملحقاتها تذكارا لجميل الأمن الذي مدّ على هذه البلدان سرادقه، و عرفانا لقدر العدل الذي وطّد فيه دعائمه، وناط بالإجراء مواثقه، و ابتهاجا

____________

(1) [و قد نشر منها ثلاثة مجلدات بعنوان «الحلل السندسية»].

38

بالملك العربي الصميم، الذي صان للعروبة حقّها، و للإسلام حقائقه، أدام اللّه تأييده، و أطلع في بروج الإقبال سعوده، و خلّد شمسه الشارقة، و وفّقه للاتفاق مع سائر ملوك العرب و أمرائها، و العمل مع رجالاتها العاملين لرقيّها و علائها، و لا سيما الملكين الهمامين، الفاضلين الكاملين، الماهدين المجاهدين، المتوكل على اللّه «الإمام يحيى بن محمد بن حميد الدين» صاحب اليمن، و «الملك فيصل بن الحسين» صاحب العراق و الرّافدين، أدام اللّه توفيقهم جميعا لما به حفظ تراث الأمة العربية، و إبلاغها المقام الذي تسمو إليه نفوس العرب الأبيّة، و حياطتها بوحدة الكلمة من سطوات الغدر، و غوائل المكر، التي لا تفارق حركات الدول الأجنبية، و اللّه تعالى سميع الدعاء، كفيل بتحقيق الرجاء: آمين.

و كتب بلوزان في (5) ذي الحجة الحرام (1349) شكيب أرسلان‏

39

من السويس إلى جدة و وصف الإحرام و التلبية

فصلنا من ميناء السويس في (8) مايو- أيار على باخرة تقل نحوا من (1300) حاج من إخواننا المصريين، و فيهم بعض المغاربة، فسارت بنا الباخرة رهوا و رخاء، لم نشعر فيها إلى جدة بأدنى حركة للبحر تزعج الراكب، و إنما كان المزعج هو اكتظاظ السفينة بالراكبين، حتى لا يقدر أحد أن يمرّ من شدّة الزّحام.

و في اليوم الثالث من مسيرنا، ناوحنا (1) ميناء رابغ، و لما كان الحجيج الوارد من الشمال في البحر الأحمر عليه أن يحرم من رابغ، فقد أحرم جميع الحجاج الذين في الباخرة، و ارتفعت الأصوات من كل جهة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك» فاستشعر النّاس من الخشوع في أثناء ضجيج الحجيج هذا ما اتصل بأعماق القلوب، و تغلّغل في سرائر النفوس، و أحسّ الجميع أنّ البيت الذي يخلع النّاس تعظيما له أثوابهم قبل الوقوف بعتبته بمسيرة يومين، و يشتملون في القصد إليه ما ليس فيه شي‏ء من المخيط- لبيت مقدّس، لا يؤمّه النّاس كما يؤمّون سائر البيوت، و إنّه فوق بيوت الملوك، و فوق مقاصير القياصرة، و أواوين الأكاسرة، التي لا يحرم في الطريق إليها أحد، لا من بعيد و لا من قريب.

____________

(1) [حاذينا].

40

و ما زال النّاس مستشعرين الخشوع تلك الليلة، مواظبين على التلبية، مترقّبين طلوع الفجر، الذي يدنيهم من جدة، ميناء البيت العظيم الذي يؤمونه، إلى أن انفلق الصبح، و أخذت تبدو جبال الحجاز للعين المجردة، فارتفعت الأصوات بالتهليل و التسّبيح و التكبير، و ازداد ضجيج التلبية للعليّ الكبير، و خالط الهيبة و الخشوع بالقدوم على البيت الحرام الفرح و الابتهاج بالوصول إلى أطهر بقعة و أقدس مرام، و لم تكن ترى إلا عيونا شاخصة، و لا تحسّ إلا قلوبا راقصة، و الجميع متطلّعون إلى سواحل الحجاز، منتظرون بذاهب الصبر أن يقبلوا على جدة.

فلمّا كان ضحى اليوم الرابع من ذي الحجة دخلت الباخرة مرسى جدة، لكن بتؤدة عظيمة، لما في هذا المرسى من الجبال و الصخور، التي تكاد رؤوسها تبرز من تحت لجج البحر، و إذا بخمس عشرة باخرة راسيات في ذلك الميناء على أبعاد متفاوتة من البر.

وصف جدة، و غرابة ألوان بحرها

و لقد طاب لي من ميناء جدة منظران، لا يزالان إلى الآن منقوشين في لوح خاطري:

أحدهما: رؤية هذه البواخر الواقفة في الميناء ناطقة بلسان حالها:

إنّه و إن كانت هذه السواحل قفارا، لا تستحقّ أن ترفأ إليها البوارج و لا السفن، فإنّ وراءها من المعنوي أمرا عظيما، و مقصدا كريما، هذه البواخر الكثيرة ماثلة أمام جدة من أجله، و لقد قيل لي في جدة: ماذا رأيت!!؟ فمن العادة أن تجتمع في مياه جدة ثلاثون باخرة و أربعون باخرة، و قد يبلغ عدد الراسي فيها إلى خمسين باخرة، حتى يعود البحر هناك غابا أشبى‏ (1)، و تظن نفسك في هامبورغ أو نيويورك.

____________

(1) [الملتف‏].

41

و أما المنظر الثاني: فهو منظر مياه هذا الميناء، فلقد طفت كثيرا من البحار، و عرفت أكثر البحر المتوسط، و البحر الأسود، و بحر البلطيق و بحر المانش، و الأوقيانوس الأطلانتيك‏ (1)، و لم يقع بصري على شى‏ء يشبه مياه بحر جدة في البهاء و اللمعان، كنت كيفما نظرت يمنة أو يسرة أشاهد خطوطا طويلة عريضة في البحر أشبه بقوس قزح في تعدّد الألوان، و تألّق الأنوار، من أحمر و أزرق و بنفسجي و عنّابي و برتقالي و أخضر إلخ. و لا فرق بين هذه الخطوط و بين قوس قزح سوى أنّ هذه الخطوط مستقيمة، و أن قسيّ قزح مقوّسة، و أنّ هذه في السماء، و هاتيك في الماء، و قد تشبه هذه الخطوط ذيول الطواويس، لا فرق بينهما إلا في كون هذه الذيول المنسحبة على وجه البحر عظيمة جدا، تمتد مئات من الأمتار و بعرض عشرات منها، و لكن في تعدد الألوان و موازاة بعضها لبعض، و شدة تألقها الآخذ بالأبصار لا تجد بينهما بونا.

فكأن في كلّ جهة من بحر جدة مسرح طواويس سابحة في اللّججّ الخضر، و ظهورها إلى سطح الماء الواحد منها بقدر ألف طاووس مما نعهد.

قضيت العجب من هذا المنظر، و قلت: إنّ مثل هذا الميناء لا تملّه النواظر، و لا تشبهه المناظر، مهما كانت نواضر.

ثم سألت ربّان الباخرة- و هي من البواخر الهندية ربانها إنكليزي- عما إذا كان رأى هذا المنظر في بحر آخر، و قلت له: إنّي جلت كثيرا في الدنيا، و رأيت أبحرا و بحيرات و أنهارا لا تحصى، و لم أعهد مسرح لمحة على سطح ماء يحاكي في البهاء هذا الميناء، فما قولك أنت؟

قال لي: مهما يكن من سيرك في الأرض و معرفتك للبحار، فلا

____________

(1) [المحيط الأطلسي‏].

42

تعرف منها جزءا مما أعرف، و أنا أقول لك: إنّي لا أعهد هذه المناظر البديعة إلا لهذا الميناء وحده.

فسألته عن السبب في تشكّل هذه الألوان.

فقال: إنّ قعر البحر هنا ليس ببعيد، و إن فيه أضلاعا مكسوّة نباتا بحريا متنوّع الألوان و الأشكال، و إنّ هذه الأضلاع ناتئة قريبة من سطح الماء، فتنعكس مناظرها إلى الخارج، و يزيدها نور الشمس رونقا و إشعاعا.

و قيل لي فيما بعد: إنّ ملوحة البحر الأحمر زائدة، و إنّ هذه الملوحة هي السبب في تكوّن هذه الشعاب، التي تكثر في هذا البحر، و تجعل مسالكه خطرة، و إنّ هذه الشعاب تنمو و تعلو حتى تقارب سطح الماء، و منها ما يبرز عن سطح الماء، فيكوّن جزيرة.

و إنّ هذه الشعاب متكونة من أعشاب و حيوانات بحرية من طبقة الإسفنج، و هي ذوات ألوان شتّى، كلّها ناصع، و منها ما هو أحمر ساطع، و منها ما هو أخضر ناضر، و منها ما هو أصفر فاقع، و منها ما هو دون ذلك.

و قد يقتلع الملّاحة و الغواصة منها أشجارا تسمى بشجر المرجان، و هي في غاية الجمال، و من أبهى ما يوضع في أبهاء القصور للزينة.

فهذه الشعاب هي التي تنعكس ألوانها على سطح الماء، فتكون أشبه بذيول الطواويس، أو بقسيّ السّحاب، و هي في الوقت نفسه الأخطار الدائمة على السفن، و الغيلان المتحفّزة لابتلاعها، فسبحان الذي أودع فيها الحسن، و لكنّه أنزل فيها البأس، و جعلها غائلة للمراكب. و لقد صدق المثل: «إنّ من الحسن لشقوة».

قالوا: و إنّ آمن مرسى في الحجاز مرسى رابغ، ذلك لعمق غوره، و قلّة شعابه، و عللوا ندور الشعاب فيه بكون ملوحة بحر رابغ أقل من ملوحة سائر المراسي، و هذا من كثرة السيول المنصبّة على رابغ، فالماء

43

الحلو قد نقّص من ملوحة ميناء رابغ، و عافاه من تلك الشعاب، التي هي آفة الموانى‏ء الأخرى في البحر الأحمر.

و حبذا لو قامت هيئة جيولوجية بالفحص اللازم لأحوال البحر الأحمر الطبيعية، و أعطت حكمها في أسباب تكوّن هذه الشعاب، و كثرتها في هذه الموانى‏ء، و في منشأ هذه المناظر الجميلة، التي تلوح للرائي إذا أقبل عليها، فإنّ الأسباب التي ذكرناها لم نتوكّأ فيها على تقرير فني، بل على الكلام الذي يدور على ألسنة النّاس.

هذا ما كان من تأثير بحر جدة في خاطري.

فأما بر جدة، فالبلدة لا بأس بها، و لا يوحش الداخل منظرها. نعم إنّ بناءها لا يزال كأنه من القرون الوسطى، و لكنّ بناء القرون الوسطى ليس كلّه منبوذا. و قد بدأ المهندسون يقلّدونه، و يرجعون إلى كثير منه.

و لعمري لست ممن يحبّ الجدة لجدة في طرز البناء، و لكنّي أتمناها لها في استعمال الآلات الميكانيكية الحديثة، و الطرق العصرية في مرافق الحياة، و في الصناعة، و التجارة، و سائر أركان العمران.

و أما أسلوب البناء فليس فيه ما يستهجن، بل أرى نجارة الأبنية فيها راقية، و هذه الرواشن الكثيرة اللطيفة- التي قد أعجبت الكولونيل لورانس الإنكليزي يوم جاء جدة في الحرب الكبرى- قد أعجبتني أنا أيضا.

و قد أخنت الحرب الكبرى على معظم عمران جدة فيما أخنت عليه من عمران هذا العالم، و ازداد جزرها في الحصار الأخير- قبل أن استولى عليها الملك ابن سعود، فلما ألقت بمقاليدها إلى جلالته، بدأ يرجع إليها العمران، و استؤنف النشوء، و لا تمضي سنوات معدودات حتى تسترجع درجة عمرانها السابقة.

44

شعوري القومي في جدة و الحجاز

يلذّ الإنسان عند دخوله إلى جدة تذكره أنّها باب مكّة المشرّفة، و أنّ المزار أصبح قريبا، و قد لذّني أنا يوم دخولي إليها زيادة على ذلك ما شعرت به من أنّي هنا لست تحت سيطرة أوربية ... نعم شعرت منذ وطئت قدمي رصيف جدة أنّي عربيّ حرّ، في بلاد عربية حرّة، شعرت أني تملّصت من حكم الأجنبي الثقيل، الملقي بكلكله على جميع البلاد العربية- و يا للاسف- حاشا مملكتي الإمامين عبد العزيز ابن سعود، و يحيى بن محمد حميد الدين.

شعرت أني حرّ في بلادي، و بين أبناء جلدتي، لا يتحكّم في رقبتي المسيو فلان، و لا المستر فلان إلخ بحجّة انتداب أو احتلال، أو سيطرة أو حماية أو وصاية، أو غير ذلك من الأسماء المخترعة، التي يراد بها تنعيم مسّ الفتوحات، و تخفيف مرارتها في الأذواق.

شعرت أني إن كنت خاضعا هنا لحكومة، فكخضوع لويد جورج لحكومة إنكلترة، و كخضوع كليمنصو لحكومة فرنسة، أي أنّي خاضع لحكومة عربية بحتة، رأسها و أعضاؤها مني و إليّ، و أنا منها و إليها، و بعبارة أخرى إنّي هنا خاضع لنفسي، و إنّ كلّ من أراه من رعاياها إنما هو خاضع لنفسه، و أن الأمر في هذه الديار مع العرب هو على حد ما قال الصوفية: المكلّف هو المكلّف، و إنّ تعداد الوجودات هو تعداد ألوان، لا تعداد أنواع.

45

شعرت أنّ رئيسي هنا هو ابن جلدتي، الذي يغار عليّ كما أغار على نفسي، و أنّ الجند الذي يحيط بي، و يحفظ الأمنة عليّ و على غيري هم ممن أجتمع و إيّاهم في أرومة واحدة، و ممن أرمي و إياهم إلى هدف واحد، فلا تثقل علي سلطتهم، و لا يتكاءدني‏ (1) الخضوع لنظامهم، لأني أرى فيه نظام أمتي، و انتظام شملي.

و ليس هنا ذلك الرئيس الغاشم، الثقيل الوطأة، السي‏ء النية، المتكبّر المتجبّر المتغطرس، الغريب عني، الذي لست منه و لا هو مني، الآتي إلى بلادي ليتحكّم في أمورها، و يستغلّ خيراتها، و يضرب على سكانها الذّل و المسكنة، لأنّه لا يقدر أن يعتز إلا بذلهم، و لا أن يثري إلا بفقرهم، و لا أن يقوى إلى بضعفهم، و لا أن ينصّع وجهه إلا بفقر دمهم، و سيأتي يوم نقول فيه: و لا يحيا إلا بموتهم.

لم أكن هنا في البلاد التي مع أنّها وطني و وطن آبائي و أجدادي، و وطن قومي و أمتي، و جني سواعدهم، و ثمرة دمائهم، التي سالت فيها أنهارا، لا يؤذن لي أن ألقي عليها نظرة بعد غربة متطاولة، و نبوة متمادية، و لا أن أدوس على ترابها بقدم خفيفة، و لو ساعة من الزّمن، و ذلك لأنّ غريبا غلب عليها، فقبض على أعنّتها، و تصرّف بها كيف شاء، يدخل من يشاء، و يخرج من يشاء، فأصبح هو صاحب البيت، و أصبح أصحاب البيت هم الغرباء ...

شعرت في الحجاز أنّي تظلّني راية عربية محضة حقيقية، لا راية مشوبة بشعار أجنبي، و لا راية ليس يسير من تحتها جند عربي، إلا ما كان من قبيل مرتزقة أو مستأجرين تحت قيادة من لا يرقب في هذه الأمة إلّا و لا ذمّة، و إنما ينظرون إليها كطعام للأمم، التي تدّعي عليها الوصاية، و كمتمم لأسباب رفاهيتها أو نعيمها.

____________

(1) [يشق عليه‏].

46

لقد صدقت الجريدة الدمشقية التي قالت: إنّه لم يبق في البلاد العربية بلاد أقدر أن أدخلها إلا الحجاز، و الحقيقة أني أدخل أية بقعة أردت دخولها من جزيرة العرب حامدا اللّه على بقاء هذه الجزيرة تحت سلطان أهلها دون سواهم، و على أنّ حكومتي الحجاز و نجد و اليمن لا تعرف شيئا من الامتيازات الأجنبية، التي تكاد تغرق في لججها الأمم التي تحت الوصاية، و التي لا يزال منها رسيس حتى في تركية، فالإفرنجي- سواء في مملكة ابن سعود أو في مملكة الإمام يحيى- خاضع للشريعة الإسلامية بجميع أحكامها.

الملك ابن السعود

ثم شاهدت جلالة ملك هذه الديار و خادم الحرمين الشريفين «عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود» و كان في جدة ذلك اليوم، فوجدت فيه الملك الأشمّ الأصيد، الذي تلوح سيماء البطولة على وجهه، و العاهل الصنديد الأنجد، الذي كأنما قدّ ثوب استقلال العرب الحقيقي على قدّه، فحمدت اللّه على أنّ عيني رأت فوق ما أذني سمعت، و تفاءلت خيرا في مستقبل هذه الأمة.

لا أقصد في إعجابي هذا بشخصية الملك ابن سعود تنقّص أحد من ملوك العرب الآخرين، و لا التعريض بأيّ ملك أو أمير ينطق بالضاد، بل نحن نتمنّى تأييد الجميع، و تسديد الجميع، كما نتمنى تأييد ابن سعود و تسديده بدون فرق، و حبا بمصلحة الأمة العربية التي استقلالها مربوط باستقلالهم، فأما إذا كانوا يشترطون على المحب لهم و المتواجد على خيرهم أن يكره لهم ابن سعود، أو أن يسكت عن الإشادة بحسناته، و الإعجاب بما آتاه اللّه من المواهب، فإنّ شرطا كهذا ليس من الانصاف في شي‏ء، و يكون من البديهي أننا لا نقبله.

47

ركبت بدعوة جلالة الملك ابن سعود إلى يساره في السيارة (1) و سرنا بمعيته مساء يوم وصولي، و ذلك إلى البلد الأمين، حماه ربّ العالمين.

و لم أجد الحرارة في جدة فوق ما تتحمله النفس، حتى نفس الذي لم يتعوّد الحر، نظير هذا العاجز، بل هواء البحر يرطّب جوّ جدة، و يخفف من سموم الصحراء، و ذلك بخلاف مكة التي حرّها شديد.

الطريق من جدة إلى مكة

فأما الطريق من جدة إلى مكة في هذا الفصل، فليس فيها ما يسرح به النظر في مونق أو ناضر، فلا ترى من أولها إلى ما يقارب آخرها غصنا أخضر يلوح، و لا رقعة بقدر الكفّ خضراء، و لا يكاد يقع بصرك من الجانبين إلا على رمال محرقة، تدخل العشايا، و يجن الليل، و هي حافظة لحرارة النهار، و على آكام و أهاضيب أكثرها من الحجارة السود، كأنها من بقايا البراكين.

و لما وصلنا إلى بحرة ظننت أنّي أرى فيها قرية أشبه بالقرى، فإذا بمجموع عشاش و أخصاص و بيوت لا ترضي ناظرا، و هناك أماكن استعاروا لها اسم المقاهي، و هي في الحقيقة أخصاص، تشتمل على مقاعد من خوص، يجلس عليها المسافرون، الذين بلغ بهم الجهد، فيشربون شيئا من الشاي، أو ينقعون غلّتهم بماء لا غناء فيه، و كان الأولى بأهل مكة و جدة أن يجعلوا من بحرة منزلا تقرّ به عين المسافر، و يجد فيه خضرة و نعيما بعد تلك الرمال المحرقة، و الآكام الجرداء، و الأمل أنّ حكومة الملك ابن سعود تنظر إلى هذه العلّة فتزيلها.

____________

(1) اصطلحوا في الحجاز على تسمية (الأوتوموبيل) سيارة، و قد يقولون موتر، أي‏(Moteur) و يجمعونها على مواتر).

48

و قد قيل لي: إنّ طريق جدة إلى مكة ليست طول السنة في هذه القسوة التي رأيتها فيها، بل هي في الربيع غيرها في الصيف، إذ يرى منها المسافر في الربيع كلأ كثيرا، و خصبا نضيرا، و قتادا و طلحا، و شجرا و سرحا.

كانت قوافل الحجاج من جدة إلى مكة خيطا غير منقطع، و الجمال تتهادى تحت الشقادف، و كثيرا ما تضيق بها السبيل على رحبها، و كان الملك- أيده اللّه- من شدة إشفاقه على الحاجّ، و على الرعية، لا يرفع نظره دقيقة عن القوافل و السوابل، و لا يفتأ ينتهر سائق السيارة، كلّما ساقها بعجلة، قائلا له: «تريد أن تذبح الناس». و كلّ هذا لشدّة خوفه أن تمسّ سيارته شقدفا، أو تؤذي جملا أو جمّالا، و هكذا شأن الراعي البرّ، الرؤوف برعيته، الذي وجد أنّه مأمور بمعرفة واجباته.

و ما زلنا نسير حتى دخلنا حدود مكة، التي يحرّم فيها الصيد، فالمسافة بالسيارة لا تتجاوز أربع ساعات، و بعد ذلك وصلنا إلى الثكنة العسكرية، و صرنا بين البيوت، فعلمنا أننا تشرّفنا بدخول البلدة التي تشرّفت بمولد محمد (صلى اللّه عليه و سلم) سيد الوجود، و بالبيت الذي طّهره إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام للطائفين و العاكفين و الركّع السجود، فقصدنا توّا إلى البيت الحرام، حيث طفنا و سعينا، و جأرنا و دعونا، و اللّه يتقبّل الدعاء، و يغفر الذنوب في ذلك المقام الكريم‏* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ [الزمر: 53].

***

49

الكلام على مكة المكرمة

صفتها الحسية- و مكانتها المعنوية- و كعبتها البهية- و هويّ القلوب إليها من جميع البرية و رزقها من جميع الأغذية و الثمرات استجابة لدعاء إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم).

جعل اللّه مكة مكانا لعبادتة تعالى لا غير، و كأنّه سبحانه و تعالى لما قضى بأن تكون محلا للعبادة و مثابة للناس و أمنا قضى أيضا بتجريدها من كلّ زخارف الطبيعة، و لم يشأ أن يطرّزها بشي‏ء من و شي النبات، و لا أن يخصّها بشي‏ء من مسارح النظر المونقة، حتى لا يلهو فيها العابد عن ذكر اللّه بخضرة و لا غدير، و لا بنضرة و لا نمير، و لا بهديل على الأغصان و لا هدير، و حتى يكون قصده إلى مكة خالصا لوجه ربّه الكريم، لا يشوبه تطلّع إلى جنان أو رياض، و لا حنين إلى حياض أو غياض. و حتى يبتلي اللّه عباده المخلصين، الذين لا وجهة لهم سوى التسبيح له، و التأمل في عظمته تعالى، فكانت مكة أجرد بلدة عرفها الإنسان، و أقحل بقعة وقعت عليها العينان.

مكة هذه البلدة المقدسة، التي هي فردوس العبادة في الأرض، و جنة الدنيا المعنوية عبارة عن واد ضيّق ذي شعاب متعرّجة، تحيط بذلك الوادي جبال جرداء، صخرية صماء، لا عشب [فيها] و لا ماء، قاتمة اللون، كأنّها بقايا البراكين، إذا مرّ عليها الإنسان يوما من أيام الصيف‏

50

في هاجرة ظنّ نفسه يدوس بلاط فرن، أو يضطجع في حمّام، و إن ترك على تلك الصخور لحما كاد يشتوي بلا نار، أو ماء كاد يغلي بلا وقود، و ليس في تلك الشعاب أشجار و لا أنهار، و لا مروج و لا عيون تلطّف من حرارة تلك الحجارة السود في حمّارة القيظ، و كأنّ القاصد إلى هذا الوادي إنما يزداد بهذه القسوة الجغرافية أجرا و ثوابا و ارتفاع درجات، فبقدر ما أفاض اللّه على هذا المكان من الشعاع المعنوي قضى بحرمانه من الحلية الماديّة.

و قد وصف اللّه تعالى هذه الحالة فقال عن لسان إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم): رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: 37] و ظاهر من هذا أنّه واد مجّرد للعبادة دون غيرها، و أنّه غير ذي زرع و لا ضرع، ليزداد أجر النّاس بالقصد إليه، و العكوف فيه.

و لما كان شدّ الرحال إلى واد كهذا خال من جميع أسباب الحياة تقريبا ليس مما يرغب فيه النّاس، الذين من عادتهم أن يقصدوا الأماكن الرغيدة و المتنزهات، و أن يعوّلوا على البقاع المريعة التي يأتيها رزقها رخاء و رغدا، دعا إبراهيم ربّه فقال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏ [إبراهيم: 37].

فبدعوة إبراهيم هذه هوت إلى هذا المكان و إلى المتمكنين فيه أفئدة، و رفرفت عليهم جوانح من جميع فجاج الأرض، ترى النّاس منذ ألوف من السنين يحجّون هذا البيت المحّرم، و يحرمون قبل الوصول إليه بمراحل، و يوفضون إليه كأنما يوفضون إلى أنزه بقاع البسيطة، و أطيبها نجعة، و أكثرها خيرا و ميرا، و تجد قلوبهم في الرحلة إليه ملأى بالفرح، لا يكادون يصدّقون أنّهم مشاهدوه من شدّة الوجد، و غلبة الهيام، حتى إذا شاهدوه، فاضت العبرات، و خفقت الجوانح،

51

و تمايلت الأعطاف، و انتقل النّاس إلى عالم تكاد تقول: إنّه غير هذا العالم، قال ابن دريد (1):

يحملن كلّ شاحب محقوقف‏* * * من طول تدآب الغدوّ و السّرى‏

ينوي الّتي فضّلها ربّ السما* * * لما دحا تربتها على البنى‏

حتّى إذا قابلها استعبر لا* * * يملك دمع العين من حيث جرى‏

و هم إذا وصلوا إلى مكة وجدوا عندها من الثمرات و الخيرات ما لا يجدونه في البقاع التي تشقّها الأنهار، و تظلّها الأشجار، و ذلك أنّ المجلوب إلى مكة من أصناف الحبوب، و الخضراوات، و الفواكه، و المحمول إليها من البضائع، و المتاجر، و اللباس، و الفراش، و الرياش، و الطيب، و غير ذلك- يفوق ما يجلب إلى عشر مدن من أمثالها في عدد السكان، و ربما أكثر.

لا يكاد الحاج يشتهي شيئا إلا و يجده في هذه البلدة القاحلة، فحول مكة من المزارع، و المباقل، و المباطخ، و المقاثي، و في جبال الطائف من الجنان و البساتين و الكروم ما لا يأخذه العدّ، و لا يدرك منه شي‏ء في فصل من الفصول إلا انحدر به أهله إلى مكّة، فالثمرات التي دعا إبراهيم ربّه من أجلها، تفيض على البلد الأمين كالسيل المتدفّق، أو العارض المغدق.

مياه مكة في الجاهلية و الإسلام‏

و أمّا الماء، فقد كان في أم القرى من أيام الجاهلية آبار نبع و مصانع، مما يجتمع من مياه المطر، و من هذه الآبار اليسيرة، التي حفرها لؤي بن غالب، و الروي، التي حفرها مرة بن كعب، و خمّ ورمّ، هما من حفر كلاب بن مرة، و الجفر و العجول و بذر، التي حفرها

____________

(1) [ «المقصورة»: 49 و 50].

52

هاشم بن عبد مناف، و سجلة و خم ورم أخريان، حفرهما عبد شمس بن عبد مناف، و أم أحراد، و السنبلة، و هي حفر بني جمح، و الغمر لبني سهم، و الحفير لبني عدي، و السقيا لبني مخزوم، و الثريا لبني تيم، و النقع لبني عامر بن لؤي، و بئر حويطب لحويطب بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي، و بئر أبي موسى الأشعري بالمعلاة، و بئر شوذب، و بئر بكار، و بئر وردان، و سقاية سراج، و بئر الأسود للأسود بن سفيان من مخزوم، و غيرها.

و من هذه الآبار ما هو معروف إلى اليوم باسمه و مكانه، و منها ما قد طوي اسمه، أو ردم مكانه، فإذا سألت علماء مكة لم يعرفوه، و الظاهر أنّ جميع هذه الآبار لم تكن لتكفي مكة في الجاهلية، إلى أن وسّع عبد المطلب بئر زمزم، فكثر الماء، و ارتوى الحجيج.

عين زبيدة رحمها اللّه‏

أما بعد الإسلام فكثر الحجاج أضعافا مضاعفة عن ذي قبل، و اشتدت أزمة الماء، لا سيّما في عرفة و منى أيام الحج، فانتدبت زبيدة امرأة الخليفة هارون الرشيد رحمها اللّه لهذا الأمر، و أسالت العين المسماة عين زبيدة من مسافة نحو أربعين كيلو مترا، و هو عمل عظيم جدا، يستنطق الألسن بالترحّم عليها كلّما ذكرت، أو كلّما روى حاجّ ظمأه، أو أسبغ وضوءه، منذ نحو (1100) سنة إلى اليوم- و إلى ما شاء اللّه.

و لقد جرّت زبيدة رحمها اللّه هذا الماء من وادي نعمان الشهير في قناة، كانت تنتهي قبل الوصول إلى مكة بمسافة ثلاثة أرباع الساعة، و هذه القناة أكثرها تحت الأرض، و في بعض الأماكن تظهر على وجه الأرض تابعة لخطتها الهندسية، و أما علّو سقف القناة، ففي بعض الأماكن يقدر أن يمرّ فيها الفارس راكبا، و في غيرها لا يقدر أن يمشي‏

53

إلا الراجل، و ليس خطّها مستقيما على اطراد، بل فيه تعاريج كثيرة، قد تكون اقتضتها طبيعة الأرض، أو يكون مهندسو القناة مرّوا بعيون أرادوا أخذها في طريقهم، فعرّجوا عليها، و حيطان القناة من الجانبين غير مطلية بالجير، و لا مجصّصة، بل مبنية بالحجر البسيط، و ذلك حتى يرشح الماء من خلال الحيطان، لأنّ الجص من شأنه أن يمنعه كما لا يخفى، و من دقائق هندسة هذه القناة أنّهم جعلوا انحدار الماء في المجرى خفيفا، و ذلك خشية من أن يحفر في الأرض فيما لو كان شديدا، فتصير أرض المجرى مع توالي القرون أسفل كثيرا من الحيطان، فتصبح هذه على شفا جرف هار.

و لهذه القناة خرزات مفتوحة من سطحها، على مسافة كل (20) أو (30) ذراعا واحدة، و ذلك لأجل سهولة التعزيل.

قالوا: إنّ زبيدة أنفقت على هذه العين مليون دينار، و أنها لما انتهت من العمل جي‏ء إليها بدفاتر الحسابات لمراجعتها، فأمرت بطيها، و قالت: إنما عملنا ما عملناه في سبيل اللّه، فلا فرق بين أن تكون النفقة أكثر أو أقلّ.

و كان في الماضي موكلا بهذه القناة ثلاثمئة رجل من بيشة، و كانوا يحرسونها ليلا و نهارا، و منهم أناس عند كلّ خرزة، فأما الآن فإنّ الحكومة جاعلة لها دركا خاصّا و مفتشين، لا يزالون يتعهّدونها من رأس نبعها إلى مكة.

و قيل لي: إنّه لا يزال في وادي نعمان عيون من الممكن شراؤها، و إضافتها إلى عين زبيدة.

ثم إنّه يوجد عين أخرى اسمها عين الزعفران، جددتها ملكة أخرى اسمها زعفران، قيل لي: إنّها من إحدى الأسر المالكة كانت بمصر، و لم أجد ذلك في كتاب، فهذه العين مجرورة من وادي حنين، من‏

54

مسافة لا تقلّ عن مسافة قناة عين زبيدة، إلا أنّ ماء عين زبيدة أغزر و أعذب.

و تتصل قناة الزعفران بقناة عين زبيدة في محلة المعابدة، في أول مكة من جهة الداخل من منى.

و كان [سليمان القانوني‏] أحد سلاطين بني عثمان قد أوصل هذه المياه إلى مكة سنة (979) ه، فأكمل ذلك العمل العظيم، الذي قامت به زبيدة، و اقتدت بها الزعفران فيما قالوا.

و بعد ذلك منذ نحو أربعين سنة جاء أحد الهنود المسلمين، و تبرّع بمبلغ من المال، و جمع من مسلمي الهند مبلغا آخر، و بنى بهذه الأموال بضعة عشر خزّانا للماء، في كلّ حارة من حارات مكة خزان، فكان بذلك للنّاس مرفق عظيم، و هذا الخزان يقال له اليوم بمكة بازان، و هي لفظة إنكليزية، جاءتهم من الهند، معناها بركة أو صهريج، و مع هذا فقد بقي الماء عزيزا في موسم الحج، فربما بيعت قربة الماء بأربعين قرشا.

و لما تولّى الحجاز الملك «عبد العزيز بن سعود» زاد سبل الماء في مكة و منى، فأزاح جانبا كبيرا من العلّة، و في أيامه تأسس في مكة معملان للجمد (الثلج) فكان في هذين المعملين من إزاحة العلّة، و شفاء الغلّة، ما لا يخفى على من يعلم حرّ مكة في أيام السرطان و الأسد و السنبلة (1)، فقد أصبح أكثر الحجاج و السكان يشفون أوامهم‏ (2) بالماء المثلوج، و لعمري لا أجد مؤنسا في حرّ كهذا الحر كألواح الجمد، التي ترتاح النفس إلى مجرّد النظر إليها، قبل النهل و العلّ‏ (3) منها، و كأنّها في فصل كهذا حصون منيعة يتقي بها الإنسان لفحات السّموم.

____________

(1) [النهل: الشرب أول مرة، و العل: الشرب ثانية].

(2) [أشهر الصيف و تبدأ من 22 حزيران حتى 22 أيلول‏].

(3) [الأوام بالضم: حرّ العطش‏].