الغارات أو الاستنفار والغارات - ج2

- إبراهيم بن محمد الثقفي المزيد...
580 /
373

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

خبر عبد اللَّه بن عامر (1) الحضرميّ بالبصرة (2)

عن عمرو بن محصن‏ (3) أنّ معاوية بن أبي سفيان لمّا أصاب محمّد بن أبي بكر

____________

(1)- كذا في شرح النهج و البحار أيضا لكن عبر عنه الطبري في تاريخه في جميع موارد ذكره بقوله: «عبد اللَّه بن عمرو بن الحضرميّ» و هكذا ذكره ابن الأثير في كامل التواريخ في جميع موارد ذكره، و عنوان القصة بقوله: «ذكر إرسال معاوية عبد اللَّه بن الحضرميّ الى البصرة».

(2)- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 348، س 23):

في شرح كلام لأمير المؤمنين على (عليه السلام) أورده الرضى- رضى اللَّه عنه- في باب المختار من الخطب من نهج البلاغة و هو:

«و لقد كنا مع رسول اللَّه (ص) نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا، ما يزيدنا ذلك الا ايمانا و تسليما و مضيا على اللقم و صبرا على مضض الألم وجدا في جهاد العدو، و لقد كان الرجل منا و الأخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا و مرة لعدونا منا، فلما رأى اللَّه صدقنا أنزل بعدونا الكبت و أنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه و متبوئا أوطانه، و لعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود و لا أخضر للايمان عود، و أيم اللَّه لتحتلبنها دما و لتتبعنها ندما».

ما نصه:

«هذا الكلام قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في قصة ابن الحضرميّ حيث قدم البصرة من قبل معاوية و استنهض أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه الى البصرة فتقاعدوا. قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات: «حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا الحسن بن على الزعفرانيّ [قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي‏] عن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن‏

374

بمصر و ظهر عليها دعا عبد اللَّه بن عامر الخضرميّ فقال له: سر إلى البصرة فإنّ جلّ‏

____________

(الحديث)» و قال المجلسي (رحمه الله) في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن (ص 676، س 5): «قال ابن أبي الحديد نقلا من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي و وجدته في أصل كتابه أيضا، روى باسناده عن عمرو بن محصن أن معاوية (فذكر الحديث ملخصا) و قال الطبري في تاريخه عند ذكره وقائع سنة ثمان و ثلاثين (ج 6، ص 63 من الطبعة الاولى بمصر) ما نصه: «و في هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبد اللَّه بن عمرو بن الحضرميّ الى البصرة للدعاء الى الإقرار بحكم عمرو بن العاص فيه، و فيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعي و كان على [رضي الله عنه‏] وجهه لإخراج ابن الحضرميّ من البصرة» فقال: «ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرميّ و زياد و أعين و سبب قتل من قتل منهم- حدثني عمر بن شبة قال: حدثني على بن محمد قال: حدثنا أبو الذيال عن أبى نعامة قال:

لما قتل محمد بن أبى بكر بمصر خرج ابن عباس من البصرة الى على [رضي الله عنه‏] بالكوفة و استخلف زيادا و قدم ابن- الحضرميّ من قبل معاوية فنزل في بنى تميم (فذكر القصة مختصرة بإسقاط بعض الفقرات منها)». و قال ابن الأثير في كامل التواريخ عند ذكره حوادث سنة 38 (ص 143 من الجزء الثالث من طبعة مصر سنة ألف و ثلاثمائة و ثلاث) تحت عنوان «ذكر إرسال معاوية عبد اللَّه بن الحضرميّ الى البصرة» ما نصه: «في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبى بكر و استيلاء عمرو بن العاص على مصر سير معاوية عبد اللَّه بن الحضرميّ الى البصرة و قال له: ان جل أهلها يرون رأينا في عثمان و قد قتلوا في الطلب بدمه فهم لذلك حنقون، يودون أن يأتيهم من يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بثأرهم و دم امامهم، فانزل في مضر و تودد الأزد فإنهم كلهم معك، و دع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لانهم كلهم ترابية فاحذرهم، فسار ابن الحضرميّ حتى قدم البصرة و كان ابن عباس قد خرج الى على بالكوفة و استخلف زياد بن أبيه على البصرة، فلما وصل ابن الحضرميّ الى البصرة نزل في بنى تميم (القصة باختصار أيضا كالطبرى)» فكل ما نشير اليه في القصة من التاريخين فهو من هذين الموضعين.

- لم نجد في كتب الرجال رجلا بهذا العنوان الا من ذكره الشيخ (رحمه الله) في رجاله في أصحاب أمير المؤمنين بهذه العبارة: «عمرو بن محصن يكنى أبا احيحة أصيب‏

375

أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظّمون قتله و قد قتلوا في الطّلب بدمه و هم موتورون‏ (1) حنقون‏ (2) لما أصابهم، ودّوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطّلب بدم عثمان، و احذر ربيعة و انزل في مضر و تودّد الأزد، فانّ الأزد كلّهم جميعا معك الّا قليلا منهم فإنّهم [إن شاء اللَّه‏] غير مخالفيك، و احذر من تقدم عليه‏ (3)

____________

بصفين و هو الّذي جهز أمير المؤمنين (عليه السلام) بمائة ألف درهم في مسيره الى الجمل» الا أن الترجمة لا تنطبق على ما نحن فيه فان غارة ابن الحضرميّ قد كانت بعد وقعة صفين كما هو صريح عبارة المتن فيما يأتى من قوله: «قال عمرو بن محصن: و كنت معه [أي مع ابن- الحضرميّ‏] حين خرج» مضافا الى أن الرجل بناء على ذلك قد كان من أصحاب معاوية فتدبر.

و أما كلمة محصن ففي القاموس: «و رجل محصن كمكرم» و فيه أيضا:

«المحصن كمنبر القفل و الزبيل و ابن وحوح صحابى» و في تنقيح المقال للمامقانى:

«محصن بالميم المضمومة و الحاء المهملة الساكنة و الصاد المهملة المكسورة و النون و في بعض النسخ ياء مثناة تحتية بين الصاد و النون» لكن في توضيح الاشتباه للساروى:

«عمرو بن محصن بالحاء و الصاد المهملتين كمنبر يكنى أبا أحيحة (الى آخر ما قال)».

(1)- كذا في شرح النهج لكن في الأصل: «موترون» ففي الصحاح: «الموتور الّذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه: وتره يتره وترا وترة» و في مجمع البحرين:

«و الموتور الّذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه أي صاحب الوتر الطالب بالثار و يقال:

وتره يتره وترا وترة، و منه‏

حديث الائمة (عليهم السلام): بكم يدرك اللَّه ترة كل مؤمن يطلب بها،.

و في الحديث: ان رسول اللَّه (ص) وتر الأقربين و الأبعدين في اللَّه أي قطعهم و أبعدهم عنه في اللَّه».

أقول: و من ذلك ما ورد في الزيارات في حق سيد الشهداء أبى عبد اللَّه الحسين (ع) بعنوان «الوتر الموتور» و في أساس البلاغة: «وترت الرجل قتلت حميمه فأفردته منه».

(2)- في الصحاح: «الحنق الغيظ و الجمع حناق مثل جبل و جبال، و قد حنق عليه بالكسر اغتاظ فهو حنق، و أحنقه غيره فهو محنق و قالت:

ما كان ضرك لو مننت و ربما* * * من الفتى و هو المغيظ المحنق».

(3)- هذه الفقرة في الأصل فقط.

376

فقال له عبد اللَّه بن عامر: أنا سهمك‏ (1) في كنانتك، و أنا من قد جرّبت و عدوّ أهل حربك و ظهيرك على قتلة عثمان فوجّهني إليهم متى شئت، فقال له: اخرج غدا إن شاء اللَّه، فودّعه و خرج من عنده‏ (2).

فلمّا كان اللّيل جلس معاوية و أصحابه يتحدّثون فقال لهم معاوية:

في أيّ منزل ينزل القمر اللّيلة؟ فقالوا: بسعد الذّابح‏ (3) فكره معاوية ذلك و أرسل إليه أن: لا تبرح حتّى يأتيك رسولي، فأقام.

و رأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص، و كان عامله يومئذ على مصر يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه‏ (4):

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏، من عبد اللَّه معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص:

- و قد كان يسمّى بأمير المؤمنين بعد صفّين و بعد تحكيم الحكمين- سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد رأيت رأيا هممت بإمضائه و لم يخذلني عنه الّا استطلاع رأيك، فإن توافقني أحمد اللَّه و امضه، و إن تخالفني فأستجير باللَّه‏ (5) و أستهديه، إنّي نظرت في‏

____________

(1)- في شرح النهج: «سهم»

(2)- في الأصل: «فودعه و أخذ بيده من عنده» و كأنه كان في الأصل: «و خرج من عنده»

(3)- في الصحاح: «و سعد الذابح منزل من منازل القمر و هما كوكبان نيران بينهما مقدار ذراع، و في نحر واحد منهما نجم صغير قريب منه كأنه يذبحه فسمى ذابحا» و في- القاموس: «و سعود النجوم عشرة سعد بلع و سعد الاخبية و سعد الذابح و سعد السعود، و هذه الأربعة من منازل القمر، و سعد ناشرة و سعد الملك و سعد البهام و سعد الهمام و سعد البارع و سعد مطر، و هذه الستة ليست من المنازل كل منها كوكبان بينهما في المنظر نحو ذراع» و شرح الزبيدي العبارة في تاج العروس و قال في شرح «سعد الذابح» ما نصه: «قال ابن- كناسة: هو كوكبان متقاربان سمى أحدهما ذابحا لان معه كوكبا صغيرا غامضا يكاد يلزق به فكأنه مكب عليه يذبحه، و الذابح أنور منه قليلا» و في الاشتقاق لابن دريد ما يقرب مما في القاموس (انظر ص 57).

(4)- نقل الكتاب و جوابه أحمد زكى صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن أبي الحديد و هو قد نقلهما عن الغارات (انظر ج 1، ص 572- 573).

(5)- في شرح النهج: «أستخير اللَّه».

377

أمر أهل البصرة فوجدت عظم‏ (1) أهلها لنا وليّا و لعليّ و شيعته عدوّا، و قد أوقع بهم عليّ الوقعة الّتي علمت، فأحقاد تلك الدّماء ثابتة في صدورهم لا تبرح و لا تريم‏ (2)، و قد علمت أنّ قتلنا ابن أبى بكر [و وقعتنا بأهل مصر قد] أطفأت نيران أصحاب عليّ في الآفاق، و رفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد. و قد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ النّاس، و ليس أحد ممّن يرى رأينا أكثر عددا و لا أضرّ خلافا على عليّ من أولئك، فقد رأيت أن أبعث اليهم عبد اللَّه بن عامر الحضرميّ فينزل في مضر، و يتودّد الأزد، و يحذر ربيعة و ينعى‏ (3) دم عثمان بن عفّان و يذكّرهم وقعة عليّ بهم الّتي أهلكت صالحي إخوانهم و آبائهم و أبنائهم فقد رجوت عند ذلك أن يفسدوا على عليّ و شيعته ذلك الفرج‏ (4) من الأرض، و متى يؤتوا (5) من خلفهم و أمامهم يضلّ سعيهم و يبطل كيدهم، فهذا رأيي فما رأيك؟ فلا تحبس رسولي إلّا قدر مضيّ السّاعة الّتي ينتظر فيها جواب كتابي هذا، أرشدنا اللَّه و إيّاك، و السّلام عليك و رحمة اللَّه و بركاته.

فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:

أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، فقرأته و فهمت رأيك الّذي رأيته فعجبت له و قلت: إنّ الّذي ألقاه في روعك و جعله في نفسك هو الثّائر لابن عفّان و الطّالب بدمه، و إنّه لم يك منك و لا منّا منذ نهضنا في هذه الحروب و نادينا أهلها و لا رأى النّاس‏ (6) رأيا أضرّ على عدوّك و لا أسرّ لوليّك من هذا الأمر الّذي ألهمته فأمض‏

____________

(1)- في شرح النهج: «معظم».

(2)- كذا في شرح النهج، لكن في الأصل: «لا تزيد» يقال: «رام مكانه زال عنه و فارقه، و عن الشي‏ء تباعد عنه، و بالمكان أقام و ثبت».

(3)- في شرح النهج: «يبتغى».

(4)- الفرج هنا بمعنى الثغر ففي النهاية: «في حديث عمر: قدم رجل من بعض الفروج يعنى الثغور، واحدها فرج».

(5)- كذا في شرح النهج لكن في الأصل: «يوثروا».

(6)- العبارة كذا في الأصل و في شرح النهج، فيكون نصب «رأيا» على الاشتغال، فكأن الأصل قد كان هكذا: «لم يكن منا رأى و لا رأى الناس رأيا».

378

رأيك مسدّدا فقد وجّهت الصّليب الأريب النّاصح غير الظّنين، و السّلام.

فلمّا جاءه كتاب عمرو، دعا ابن الحضرميّ- [و قد كان ظنّ حين تركه معاوية أيّاما لا يأمره بالشّخوص أنّ معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه‏ (1) فقال له:

يا ابن الحضرميّ سر على بركة اللَّه إلى أهل البصرة فانزل في مضر، و احذر ربيعة و تودّد الأزد، و انع عثمان بن عفّان و ذكّرهم الوقعة الّتي أهلكتهم، و منّ لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى و أثرة (2) لا يفقدها حتّى يفقدنا أو نفقده. فودّعه: ثمّ خرج من عنده و قد دفع إليه كتابا و أمره إذا قدم أن يقرأه على النّاس.

قال عمرو بن محصن: و كنت معه حين خرج. قال: فلمّا خرجنا فسرنا ما شاء اللَّه أن نسير، سنح لنا ظبي أعضب‏ (3) عن شمائلنا. قال: فنظرت إليه فو اللَّه لرأيت الكراهية في وجهه، ثمّ مضينا حتّى نزلنا البصرة في بني تميم، فسمع بقدومنا أهل- البصرة فجاءنا كلّ من يرى رأي عثمان بن عفّان، فاجتمع إلينا رءوس أهلها فحمد اللَّه ابن عامر الحضرميّ و أثنى عليه ثمّ قال:

أمّا بعد أيّها النّاس فإنّ عثمان إمامكم إمام الهدى قتله عليّ بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه و قاتلتم من قتله، فجزاكم اللَّه من أهل مصر خيرا، و قد أصيب منكم‏

____________

(1)- ما بين المعقوفتين من شرح النهج.

(2)- في النهاية: «فيه: قال للأنصار: انكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا، الاثرة بفتح الهمزة و الثاء الاسم من: آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفي‏ء» و في القاموس: «الأثر كعجز و كتف رجل يستأثر على أصحابه أي يختار لنفسه أشياء حسنة، و الاسم الاثرة محركة، و الاثرة بالضم و بالكسر و كالحسنى، و أثر على أصحابه كفرح فعل ذلك، و الاثرة بالضم المكرمة المتوارثة كالمأثرة [بفتح الثاء] و المأثرة [بضمها]، و الاثرة البقية من العلم تؤثر كالاثرة [محركة] و الاثارة [كسحابة]».

(3)- في المصباح المنير: «عضبت الشاة عضبا من باب تعب انكسر قرنها، و بعضهم يزيد: الداخل، و عضبت الشاة و الناقة عضبا أيضا من باب تعب انكسر قرنها، و بعضهم يزيد: الداخل و عضبت الشاة و الناقة عضبا أيضا إذا شق اذنها فالذكر أعضب و الأنثى عضباء مثل أحمر و حمراء و يعدى بالألف فيقال: أعضبتها، و كانت ناقة النبي (ص) تلقب العضباء لنجابتها لا لشق اذنها».

379

الملأ الأخيار و قد جاءكم اللَّه بإخوان لكم، لهم باس شديد يتّقى، و عدد لا يحصى‏ (1) فلقوا عدوّكم الّذين قتلوكم فبلغوا الغاية الّتي أرادوا صابرين، فرجعوا و قد نالوا ما طلبوا، فمالئوهم و ساعدوهم و تذكّروا ثأركم تشفوا (2) صدوركم من عدوّكم.

فقام إليه الضّحّاك بن عبد اللَّه الهلاليّ‏ (3) فقال: قبّح اللَّه ما جئتنا به و دعوتنا إليه، جئتنا و اللَّه بمثل ما جاء به صاحباك طلحة و الزّبير، أتيانا و قد بايعنا عليّا (عليه السلام) و اجتمعنا له و كلمتنا واحدة و نحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة و قاما فينا بزخرف القول، حتّى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا و ظلما، فاقتتلنا على ذلك، و أيم اللَّه ما سلمنا من عظيم وبال ذلك و نحن الآن مجتمعون على بيعة هذا العبد الصّالح الّذي قد أقال العثرة و عفا عن المسي‏ء و أخذ بيعة غائبنا و شاهدنا، أ فتأمرنا الآن أن نختلع‏ (4) أسيافنا من أغمادها ثمّ يضرب بعضنا بعضا (5) ليكون معاوية أميرا و تكون له وزيرا، و نعدل بهذا الأمر عن عليّ (عليه السلام)؟! و اللَّه ليوم من أيّام عليّ (عليه السلام) مع النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) خير من بلاء معاوية و آل معاوية لو بقوا في الدّنيا ما الدّنيا باقية.

فقام عبد اللَّه بن خازم السّلميّ‏ (6) فقال للضّحّاك: اسكت فلست بأهل أن‏

____________

(1)- في الأصل: «عدد الحصى».

(2)- في شرح النهج لابن أبى الحديد: «لتشفوا».

(3)- لم نجد له ترجمة في كتب الرجال و يستفاد مما نقله الطبري عند ذكره أحداث سنة أربعين في سبب شخوص ابن عباس الى مكة و تركه العراق أنه كان من بنى أخوال ابن عباس و نص عبارته (انظر ج (6) من الطبعة الاولى بمصر ص 22) هكذا: «ثم دعا ابن عباس أخواله بنى هلال بن عامر فجاءه الضحاك بن عبد اللَّه و عبد اللَّه بن رزين بن أبى عمرو الهلاليان ثم اجتمعت معه قيس كلها فحمل مالا (الى آخر ما قال)» و العجب من ابن الأثير فإنه عبر عن الرجل عند ذكره القصة بعنوان «الضحاك بن قيس الهلالي».

(4)- في الكامل: «أن ننتضى».

(5)- في الأصل: «ثم نضرب بعضنا ببعض».

(6)- في تقريب التهذيب: «عبد اللَّه بن خازم بمعجمتين السلمي أبو صالح نزل‏

380

تتكلّم في أمر العامّة ثمّ أقبل على ابن الحضرميّ فقال: نحن يدك و أنصارك، و القول‏

____________

البصرة و ولى إمرة خراسان و قتل بها بعد قتل مصعب بن الزبير سنة احدى و سبعين يقال:

انه الّذي روى عنه الدشتكي، قال: رأيت رجلا بخراسان عليه عمامة سوداء يقول: كسانيها رسول اللَّه (ص) أخرجه د ت س/ د ت س».

و في الاصابة لابن حجر العسقلاني: «عبد اللَّه بن خازم بالمعجمتين بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة ... أبو صالح الأمير المشهور يقال: له صحبة و ذكره الحاكم فيمن نزل خراسان من الصحابة و في ثبوت ذلك نظر، و قد قال أبو نعيم: زعم بعض المتأخرين فيمن نزل خراسان من الصحابة و في ثبوت ذلك نظر، و قد قال أبو نعيم: زعم بعض المتأخرين أن له إدراكا و لا حقيقة لذلك (الى أن قال) كان عبد اللَّه بن خازم من أشجع الناس، و ولى خراسان عشر سنين (الى أن قال) و قال المبرد في الكامل من قول الفرزدق:

عضت سيوف تميم حين أعضها* * * رأس ابن عجلي فأضحى رأسه شذبا

ابن عجلي هو عبد اللَّه بن خازم و عجلي امه و كانت سوداء و كان هو أسود و هو أحد غربان العرب و سأل المهلب عن رجل يقدمه في الشجاعة فقيل له: فأين ابن الزبير و ابن خازم؟! فقال: انما سألت عن الانس و لم أسأل عن الجن فقال:

انه كان يوما عند عبيد اللَّه بن زياد و عنده جرذ أبيض فقال: يا أبا صالح هل رأيت مثل هذا؟ و دفعه له، فنضا عبد اللَّه و فزع و اصفر، فقال عبيد اللَّه: أبو صالح يعصى السلطان، و يطيع الشيطان، و يقبض على الثعبان، و يمشى الى الأسد، و يلقى الرماح بوجهه ثم يجزع من جرذ؟! أشهد أن اللَّه على كل شي‏ء قدير».

و قال ابن عساكر في تاريخه (ج 7، ص 376- 378): «عبد اللَّه بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة أبو صالح السلمي أمير خراسان أصله من- البصرة شجاع مشهور و يقال: ان له صحبة (الى أن قال) قال الدار قطنى و ابن سعيد:

خازم بالخاء و الزاى المعجمتين، و كان من أشجع الناس في زمانه، ولى خراسان عشر سنين و افتتح الطبسين ثم ثار به أهل خراسان فقتله ثلاثة منهم بحير الصريمى و وكيع بن الدورقية و يقال: انهم لم يقتلوه الا في قدر ما تنحر جزور و يكشط عنها جلدها ثم تجزئ عشرة أجزاء (الى آخر ترجمته المبسوطة)» و في أسد الغابة لابن الأثير: «عبد اللَّه بن خازم بن أسماء .... أبو صالح السلمي أمير خراسان شجاع مشهور و بطل مذكور، روى عنه سعيد بن‏

381

ما قلت، و قد فهمنا ما ذكرت فادعنا الى أيّ شي‏ء شئت‏ (1)، فقال له الضّحّاك بن عبد اللَّه‏ (2):

يا ابن السّواد و اللَّه لا يعزّ من نصرت و لا يذلّ من خذلت، فتشاتما.

و الضّحّاك هذا (3) هو الّذي يقول:

يا أيّهذا السّائلي عن نسبي‏* * * بين ثقيف و هلال منصبي‏

أمّي أسماء و ضحّاك أبي‏* * * وسيط منّي المجد من معتبي‏ (4)

و هو القائل في بني العبّاس:

ما ولدت من ناقة لفحل‏* * * بجبل‏ (5) نعلمه و سهل‏

كستّة من بطن امّ الفضل‏* * * أكرم بها من كهلة و كهل‏

عمّ النّبيّ المصطفى ذي الفضل‏* * * و خاتم الأبناء (6) بعد الرّسل‏

فقام عبد الرّحمن بن عمير بن عثمان القرشيّ ثمّ التّيميّ‏ (7) فقال: عباد اللَّه انّا

____________

الأزرق و سعيد بن عثمان قيل: له صحبة، و فتح سرخس و كان أميرا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير و أول ما وليها سنة أربع و ستين بعد موت يزيد بن معاوية و ابنه معاوية، و جرى له فيها حروب كثيرة حتى تم أمره بها، و قد استقصينا أخباره في كتاب الكامل في التاريخ، و قتل سنة احدى و سبعين بخراسان في الفتنة».

(1)- في شرح النهج: «فادعنا أنى شئت».

(2)- في شرح النهج: «فقال الضحاك لابن خازم».

(3)- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 349): «قال صاحب كتاب الغارات: و الضحاك هذا (الى آخر ما قال)».

(4)- المصراع الأخير في الأصل فقط.

(5)- في شرح النهج: «في جبل».

(6)- في الأصل و في الطبعة القديمة من شرح النهج: «الأنبياء».

(7)- في شرح النهج: «التميمي» فكأن المراد به من قال ابن عبد البر في حقه:

«عبد الرحمن بن أبى عميرة و قال الوليد بن مسلم: عبد الرحمن بن عمرة أو عميرة المزني،

382

لم ندعكم الى الاختلاف و الفرقة، و لا نريد أن تقتتلوا و لا أن تتنابذوا، و لكنّا انّما ندعوكم الى أن تجمعوا كلمتكم و توازروا إخوانكم الّذين هم على رأيكم، و أن تلمّوا

____________

و قيل: عبد الرحمن بن أبى عمير المزني، و قيل:

عبد الرحمن بن عمير أو عميرة القرشي، حديثه مضطرب لا يثبت في الصحابة و هو شامي روى عن ربيعة بن يزيد عنه أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) و سلم يقول: و ذكر معاوية: اللَّهمّ اجعله هاديا مهديا و اهده و اهدبه،.

و منهم من يوقف حديثه هذا و لا يعرفه و لا يصح مرفوعا عندهم، و روى عنه أيضا القاسم أبو عبد الرحمن مرفوعا: لا عدوى و لا هام و لا صفر، و روى عنه على بن زيد مرسلا عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) في فضل قريش و حديثه منقطع الاسناد مرسل لا يثبت أحاديثه و لا تصح صحبته» و ذكر ابن الأثير في أسد الغابة نحوه. و ذكره ابن حجر في الاصابة فقال: «عبد الرحمن بن أبى عميرة و قيل: ابن عميرة بالتصغير بغير اداة كنية و قيل: ابن عمير مثله بلا هاء، و يقال: فيه القرشي قال أبو حاتم و ابن السكن: له صحبة (الى أن قال بعد ما نقل أحاديثه): و هذه الأحاديث و ان كان لا يخلو اسناد منها من مقال فمجموعها يثبت لعبد- الرحمن الصحبة فعجب من قول ابن عبد البر: حديثه منقطع الاسناد مرسل لا تثبت أحاديثه و لا تصح صحبته (الى آخر ما قال)» و قال ابن سعد في الطبقات فيمن نزل الشام من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) (انظر الجزء الثاني من المجلد السابع من طبعة اروبا، ص 135):

«عبد الرحمن بن أبى عميرة المزني و كان من أصحاب رسول اللَّه (ص) نزل الشام و هو الّذي روى في معاوية ما

روى من حديث الوليد بن مسلم: حدثنا شيخ من أهل دمشق قال: حدثنا يونس بن ميسرة بن جليس قال: سمعت عبد الرحمن بن أبى عميرة المزني يقول:

سمعت رسول اللَّه (ص) يقول: يكون في بيت المقدس بيعة هدى.

(الى آخر ما قال)».

هذا، و يؤيد الاحتمال المذكور قيامه و كلامه بقوله: «انا لم ندعكم الى الاختلاف» و كذا قوله: «و لكنا انما ندعوكم» و قوله: «اسمعوا لهذا الكتاب الّذي يقرأ عليكم» و هو كتاب معاوية و ذلك أنه يستفاد منها كونه شاميا قد قدم مع ابن الحضرميّ و اللَّه أعلم.

383

شعثكم‏ (1) و تصلحوا ذات بينكم فمهلا مهلا- رحمكم اللَّه- اسمعوا (2) لهذا الكتاب الّذي‏ (3) يقرأ عليكم، ففضّوا كتاب معاوية و إذا فيه:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏، من عبد اللَّه معاوية أمير المؤمنين الى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين و المسلمين من أهل البصرة، سلام عليكم، أمّا بعد فانّ سفك الدّماء بغير حلّها و قتل النّفس‏ (4) الّتي حرّم اللَّه قتلها هلاك موبق و خسران مبين لا يقبل اللَّه ممّن سفكها صرفا و لا عدلا (5) و قد رأيتم- رحمكم اللَّه- آثار ابن عفّان لا يقبل اللَّه ممّن سفكها صرفا و لا عدلا (5) و قد رأيتم- رحمكم اللَّه آثار ابن عفّان و سيرته و حبّه للعافية (6) و معدلته و سدّه للثّغور، و إعطاءه بالحقوق‏ (7) و انصافه للمظلوم و حبّه الضّعيف حتّى وثب الواثبون عليه و تظاهر عليه الظّالمون فقتلوه مسلما محرما ظمآن صائما، لم يسفك فيهم دما و لم يقتل منهم أحدا، و لا يطلبونه بضربة سيف و لا سوط، و إنّما ندعوكم أيّها المسلمون الى الطّلب بدمه و الى قتال من قتله، فانّا

____________

(1)- في مجمع البحرين في «لم» ما نصه: «لممت شعثه لما من باب قتل أصلحت من حاله ما تشتت و تشعث، و منه الدعاء: اللَّهمّ المم به شعثنا» و قال في «شعث»:

«الشعث بالتحريك انتشار الأمر يقال: لم اللَّه شعثك أي جمع أمرك المنتشر، و في الدعاء:

تلم به شعثي أي تجمع به ما تفرق من أمرى، و لم اللَّه شعثكم جمع أمركم».

(2)- هو من قولهم: «سمع له أي أصغى اليه» ففي مجمع البحرين «سمعت الشي‏ء و سمعت له سمعا أي أي أصغيت و تسمعت اليه».

(3)- في شرح النهج: «استمعوا لهذا الكتاب و أطيعوا الّذي».

(4)- في شرح النهج: «و قتل النفوس».

(5)- في النهاية: «فيه: لا يقبل اللَّه منه صرفا و لا عدلا، قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصرف التوبة و قيل: النافلة، و العدل الفدية و قيل: الفريضة» و في مجمع- البحرين: «قوله تعالى: لا يستطيعون صرفا و لا نصرا، أي حيلة و لا نصرة، و يقال: لا يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم عذاب اللَّه و لا انتصارا من اللَّه، و الصرف التوبة يقال: لا يقبل منه صرف و لا عدل أي توبة و فدية، أو نافلة و فريضة».

(6)- في الأصل: «للعاقبة» (بالقاف)

(7)- في شرح النهج: «في الحقوق».

384

و إيّاكم على أمر هدى واضح و سبيل مستقيم، انّكم ان جامعتمونا طفئت النّائرة، و اجتمعت الكلمة، و استقام أمر هذه الأمّة، و اقرّ الظّالمون المتوثّبون الّذين قتلوا امامهم بغير حقّ فأخذوا بجرائرهم و ما قدّمت أيديهم، انّ لكم [عليّ‏] (1) أن أعمل فيكم بالكتاب و أن أعطيكم في السّنة عطاءين، و لا أحتمل [فضلا (2)] من فيئكم عنكم أبدا فنازعوا (3) الى ما تدعون اليه- رحمكم اللَّه- و قد بعثت إليكم رجلا من النّصاحين‏ (4) و كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفّان و عمّاله و أعوانه على الهدى و الحقّ- جعلنا اللَّه و إيّاكم ممّن يجيب الى الحقّ و يعرفه، و ينكر الباطل و يجحده- و السّلام عليكم و رحمة اللَّه.

فلمّا قرئ عليهم الكتاب قال عظماؤهم‏ (5): سمعنا و أطعنا (6).

عن أبى منقر الشّيبانىّ‏ (7) قال: [قال الأحنف بن قيس لمّا قرئ عليهم الكتاب: أمّا أنا فلا ناقة لي في هذا و لا جمل‏ (8) و اعتزل أمرهم ذلك.

و قال عمرو بن مرجوم‏ (9) من عبد القيس: أيّها النّاس الزموا طاعتكم، و لا تنكثوا

____________

(1)- هذه الكلمة أضفناها لاقتضاء المقام إياها.

(2)- في شرح النهج فقط.

(3)- في شرح النهج: «فسارعوا».

(4)- في شرح النهج: «من الصالحين»

. (5)- في شرح النهج: «معظمهم».

(6)- نقل المكتوب أحمد زكى صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن- أبى الحديد (ج 1، ص 574- 575).

(7)- قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 350، س 19):

«قال: و روى محمد بن عبد اللَّه بن عثمان عن على عن أبى زهير عن أبى منقر الشيباني قال:

قال الأحنف (الحديث)».

(8)- من الأمثال المعروفة، قال الميداني في مجمع الأمثال: «لا ناقتي في هذا و لا جملي، أصل المثل للحارث بن عباد حين قتل جساس بن مرة كليبا و هاجت الحرب بين الفريقين و كان الحارث اعتزلهما، قال الراعي:

و ما هجرتك حتى قلت معلنة* * * لا ناقة لي في هذا و لا جملي‏

يضرب عند التبرؤ من الظلم و الإساءة و ذكروا (الى آخر ما قال)».

(9)- تأتى ترجمته مبسوطة في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 44).

385

بيعتكم فتقع بكم واقعة و تصيبكم قارعة و لا تكن لكم بعدها بقيّة، ألا إنّي قد نصحت لكم و لكن لا تحبّون النّاصحين‏ (1).

حدّثنا ثعلبة بن عباد (2) أنّ الّذي كان سدّد لمعاوية رأيه في إرسال ابن- الحضرميّ كتاب كتبه اليه صحار بن عبّاس العبديّ‏ (3) و هو ممّن كان يرى رأي عثمان و يخالف قومه في حبّهم عليّا (عليه السلام) و نصرتهم‏ (4) إيّاه.

قال: فكتب الى معاوية:

أمّا بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الّذين بغوا على امامهم و قتلوا خليفتهم ظلما (5) و بغيا، فقرّت بذلك العيون و شفيت بذلك النّفوس و ثلجت‏ (6) أفئدة أقوام كانوا

____________

(1)- ذيل آية 79 سورة الأعراف و صدرها: «فتولى عنهم و قال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى و نصحت».

(2)- قال ابن ابى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 350، س 22): «قال إبراهيم بن هلال: و روى محمد بن عبد اللَّه عن ابن أبى سيف عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد أن الّذي (الحديث)» و في تقريب التهذيب: «ثعلبة بن عباد بكسر المهملة و تخفيف الموحدة العبديّ البصري مقبول من الرابعة/ عخ عم» و في تهذيب التهذيب: «ثعلبة بن عباد العبديّ البصري روى عن أبيه و سمرة بن جندب، روى: عنه الأسود بن قيس أخرجوا له حديثا في صلاة الكسوف. قلت: ذكره ابن المديني في المجاهيل الذين يروى عنهم الأسود بن قيس و أما الترمذي فصحح حديثه و ذكره ابن حبان في الثقات و قال ابن حزم: مجهول، و تبعه ابن القطان و كذا نقل ابن المواق عن العجليّ».

(3)- في الأصل، و في شرح النهج لابن أبى الحديد، و في الكامل لابن الأثير «عباس بن صحار العبديّ» و الصحيح ما أثبتناه ففي الجرح و التعديل لابن أبى حاتم الرازيّ: «صحار بن صخر العبديّ و يقال: صحار بن عباس بصرى له صحبة أبو عبد الرحمن، روى عنه ابنه عبد الرحمن، سمعت أبى يقول ذلك».

أقول: تأتى ترجمته على سبيل التفصيل في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 45).

(4)- في الأصل: «فقرهم» و الظاهر أنه محرف عن «نصرهم» و التصحيح من شرح النهج.

(5)- في شرح النهج: «طمعا».

(6)- في شرح النهج: «بردت» ففي النهاية: «في حديث عمرو حتى أتاه الثلج و اليقين»

386

لقتل عثمان كارهين، و لعدوّه مفارقين، و لكم موالين، و بك راضين، فان رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيّبا زاكيا (1) ذا عفاف و دين يدعو الى الطّلب بدم عثمان فعلت، فانّي لا إخال النّاس الّا مجمعين‏ (2) عليك فان ابن عبّاس غائب عن النّاس‏ (3)، و السّلام.

فلمّا قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمت رأيا سوى ما كتب به اليّ هذا، و كتب اليه جوابه:

أما بعد فقد قرأت‏ (4) كتابك فعرفت نصيحتك، و قبلت مشورتك، فرحمك‏ (5) اللَّه و سدّدك- اثبت- هداك اللَّه على رأيك الرّشيد، فكأنّك بالرّجل الّذي سألت قد أتاك، و كأنّك بالجيش قد أطلّ عليك، فسررت و حيّيت‏ (6) و قبلت‏ (7)، و السّلام.

____________

يقال: ثلجت نفسي بالأمر تثلج ثلجا و ثلجت تثلج ثلوجا إذا اطمأنت اليه و سكنت و ثبت فيها و وثقت به و منه حديث ابن ذي يزن: و ثلج صدرك» و

في مجمع البحرين: «في الحديث: من لعن قاتل الحسين (ع) عند شرب الماء حشره اللَّه ثلج الفؤاد.

أي مطمئن القلب من قولهم:

ثلجت نفسي بالأمر ثلوجا من باب قعد و تعب أي اطمأنت و سكنت و مثله‏

قوله (ع): من نفس عن مؤمن كربة خرج من قبره و هو ثلج الفؤاد».

و في أساس البلاغة: «ثلج فواده و هو مثلوج الفؤاد قال كعب بن لؤيّ»:

لئن كنت مثلوج الفؤاد لقد بدا* * * لجمع لؤيّ منك ذلة ذي غمض‏

(الى أن قال) و ثلجت فؤاده بالخير فثلج، و ثلجت نفسه بكذا بردت و سرت (الى آخر ما قال)»

(1)- في شرح النهج: «ذكيا».

(2)- كذا في شرح النهج لكن في الأصل: «مجتمعين».

(3)- في شرح النهج: «عن المصر» فليعلم أن أحمد زكى صفوت قد نقل الكتاب و جوابه في جمهرة رسائل العرب (ص 575- 576) عن شرح النهج لابن أبى الحديد.

(4)- في الأصل: «رأيت».

(5)- في شرح النهج: «رحمك».

(6)- في الأصل: «حببت» (من حبب بباءين).

(7)- في الأصل فقط.

387

قال‏ (1): لمّا نزل ابن الحضرميّ ببني تميم أرسل الى الرّؤوس فأتوه، فقال لهم: أجيبوني الى الحقّ و انصروني على هذا الأمر و انّ الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد (2) قد استخلفه عبد اللَّه بن عبّاس و قدم على عليّ (عليه السلام) الى الكوفة يعزّيه عن محمّد (3) بن أبي بكر قال: فقال اليه صحار (4) فقال: إي و الّذي له أسعى و إيّاه أخشى لننصرنّك بأسيافنا و أيدينا.

و قام المثنّى بن مخرّبة (5) العبديّ فقال: لا، و الّذي لا إله الّا هو لئن لم ترجع الى مكانك الّذي أقبلت منه لنأخذنّك‏ (6) بأسيافنا و أيدينا و نبالنا و أسنّة رماحنا،

____________

(1)- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 350، س 31):

«قال إبراهيم: و حدثنا محمد بن عبد اللَّه، قال: حدثني على بن أبى سيف، عن أبى زهير، قال:

لما نزل ابن الحضرميّ في بنى تميم (القصة)».

(2)- في الكامل: «زياد بن أبيه».

(3)- في الأصل: «على محمد».

(4)- في الأصل و في شرح النهج: «ابن صخار» (بالخاء المعجمة هنا و فيما سبق) و في الكامل لابن الأثير: «ابن صحار» (بالحاء المهملة في الموضعين) و الصحيح «صحار» من دون كلمة «ابن» قبله و نص عبارة الكامل هكذا: «و كان عباس بن صحار العبديّ مخالفا لقومه في- حب على» و من ثم قال أحمد زكى صفوت بعد نقل الكلمة في الجمهرة: «في الأصل صخار بالخاء المعجمة و هو تصحيف».

(5)- في القاموس: «مخربة بن عدي كمرحلة و مخربة كمحدثة مدرك بن حوط الصحابي و كذلك أسماء بنت مخربة، و سلامة بن مخربة بن جندل و المثنى بن مخربة العبديّ» و ترجمه الزبيدي بقوله: «رفيق سليمان بن صرد خرج مع التوابين في ثلاث مائة من أهل البصرة» و قال ابن الأثير في الكامل: «المثنى بن مخربة بضم الميم و فتح الخاء المعجمة و كسر الراء المشددة و آخره باء موحدة».

أقول: الرجل من وجوه التوابين قد خرج مع سليمان بن صرد و أقرانه لكنه لم يستشهد فرجع الى البصرة بعد شهادة التوابين فلما خرج المختار بايع له سرا و وجهه المختار الى البصرة ليدعو الشيعة هناك الى الخروج معه و خرج معه و تفصيل خروجه و مواقفه في تأريخ الطبري في أحداث سنة ست و ستين فراجع ان شئت.

(6)- في شرح النهج و الكامل لابن الأثير: «لنجاهدنك».

388

أ نحن ندع ابن عمّ نبيّنا و سيّد المسلمين و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ؟! و اللَّه لا يكون ذلك أبدا حتّى نسيّر كتيبة الى كتيبة و نفلّق الهام بالسّيوف.

قال: فأقبل ابن الحضرميّ على صبرة (1) بن شيمان الأزديّ فقال: يا صبرة أنت رأس قومك و عظيم من عظماء العرب و أحد الطّلبة بدم عثمان، رأينا رأيك و رأيك‏

____________

(1)- في القاموس: «و سموا صابرا و صبرة بكسر الباء [أي و بفتح الصاد]» و قال الزبيدي في شرحه: «منهم عامر بن صبرة الصحابي» و في كتاب صفين لنصر بن مزاحم (ص 131 من طبعة مصر سنة 1365 ه): «و أجاب الناس الى المسير و نشطوا و خفوا [أي دعوة ابن عباس أهل البصرة الى صفين‏] فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدئلي و خرج حتى قدم على على (ع) و معه رءوس الأخماس، خالد بن المعمر السدوسي على بكر بن وائل، و عمرو بن مرجوم العبديّ على عبدا لقيس، و صبرة بن شيمان الأزدي على الأزد، و الأحنف بن قيس على تميم و ضبة و الرباب، و شريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية، فقدموا على على (عليه السلام) بالنخيلة» و قال ابن دريد في الاشتقاق عند ذكره قبائل زهران بن كعب (ص 511): «و من رجالهم صبرة بن شيمان بن عكيف بن كيوم كان رئيس الأزد يوم الجمل و هو الّذي أجار زيادا، و كيوم من: كام الفرس الحجر يكومها إذا نزا عليها، و عكيف اما من قولهم عكفت الطير حول القتيل، إذا حامت عليه، و العاكف الّذي لا يبرح مكانه، و منه الاعتكاف في المساجد» و في الاصابة لابن حجر في القسم الثالث من حرف الشين:

«شيمان كالذي قبله [يعنى شيبان‏] الا أن بدل الموحدة الميم و هو ابن عكيف بن كلثوم بن عبد الأزدي ثم الحدانى له ادراك، و كان ولده صبرة رأس الأزد يوم الجمل مع عائشة و له ذكر في ذلك ذكره ابن الكلبي و تبعه أبو عبيد و قال: ان صبرة قتل حينئذ و فيه نظر لان ابن دريد ذكر في الاشتقاق انه أجار زيادا يوم الجمل، و المبرد في الكامل ذكر أنه وفد على معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، في قصة ذكرها، و هذا يدل على أنه عاش بعد الجمل (ز)» و نص القصة التي ذكرها المبرد هذه: «قال محمد بن يزيد المبرد: حدثت أن صبرة بن شيمان الحدانى دخل على معاوية و الوفود عنده فتكلموا فقام صبرة فقال: يا أمير- المؤمنين إنا حي فعال و لسنا بحي مقال، و نحن فأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم، فقال: صدقت».

و ذكر ابن سعد في الطبقات في ترجمة عبد اللَّه بن عامر عند ذكره الطبقة الاولى من أهل المدينة من التابعين (ج 5 من طبعة مصر): «ثم بعث [أي عبد اللَّه بن عامر] صبرة بن شيمان الأزدي الى هراة فافتتح رساتيقها و لم يقدر على المدينة».

389

رأينا، و بلاء القوم عندك في نفسك و عشيرتك ما قد ذقت و رأيت، فانصرني و كن من دوني، فقال له: ان أنت أتيت؟ (1) فنزلت في داري نصرتك و منعتك، فقال: انّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر، فقال: اتّبع ما أمرك به، و انصرف من عنده.

و أقبل النّاس الى ابن الحضرميّ فكثر تبعه ففزع لذلك زياد و هاله و هو في دار الامارة فبعث الى الحضين بن المنذر (2) و مالك بن مسمع‏ (3) فدعاهما فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فانّكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته و ثقته و قد جاءكم هذا الرّجل بما قد بلغكم فأجيروني حتّى يأتيني أمر أمير المؤمنين و رأيه، فأمّا مالك بن مسمع فقال: هذا أمر لي فيه نظر، فأرجع الى من ورائي و انظر و أستشير في ذلك و ألقاك‏ (4)، و أما الحضين بن المنذر فقال: نعم، نحن فاعلون و لن نخذلك و لن نسلمك، فلم ير زياد من القوم ما يطمئنّ اليه‏ (5).

____________

(1)- في شرح النهج: «ان أنت أتيتنى».

(2)- في كتاب الجرح و التعديل لابن أبى حاتم الرازيّ: «حضين بن المنذر أبو ساسان الرقاشيّ و هو ابن المنذر بن الحارث بن وعلة، روى عن عثمان و على و مجاشع- بن مسعود و المهاجر بن قنفذ بصرى، روى عنه الحسن و عبد اللَّه الدناج و عبد العزيز بن معمر و على بن سويد بن منجوف، سمعت أبى يقول ذلك».

أقول: يأتى شرح حاله بوجه أبسط من ذلك في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 46).

(3)- هذا الرجل لم أجد له ذكرا في كتب الرجال لكن قال الطبري في هذا الموضع:

«و قال مالك و كان رأيه مائلا الى بنى أمية و كان مروان لجأ اليه يوم الجمل» و نحوه في الكامل. و يستفاد من عباراتهما في غير هذا المورد أيضا أنه كان مواليا لبني أمية حتى أنه كان يأمر الناس بعد وقعة الطف بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية فراجع ان شئت.

(4)- في كامل التواريخ و الطبري: «هذا أمر لي فيه شركاء أستشير و انظر».

(5)- في الطبري و الكامل مكان الفقرة: «فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة فأرسل الى نافع أن أشر على، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحدانى، فأرسل اليه زياد (الى آخر ما قال)».

390

فبعث الى صبرة بن شيمان الأزديّ فقال: يا ابن شيمان أنت سيّد قومك و أحد- عظماء هذا المصر فان يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت‏ (1) أ فلا تجيرني و تمنعي؟

و تمنع بيت مال المسلمين؟- فانّما أنا أمين عليه، فقال: بلى، ان أنت تحمّلت حتّى تنزل في داري منعتك، فقال له: انّي فاعل فحمله ثمّ ارتحل ليلا (2) حتّى نزل دار صبرة بن شيمان، و كتب الى عبد اللَّه بن عبّاس‏ (3) و لم يكن معاوية ادّعى زيادا بعد لأنّه انّما ادّعاه بعد وفاة عليّ (عليه السلام):

للأمير (4) عبد اللَّه بن عبّاس من زياد بن عبيد:

سلام عليك أمّا بعد فانّ عبد اللَّه بن عامر الحضرميّ أقبل من قبل معاوية حتّى نزل في بني تميم و نعى ابن عفّان و دعا الى الحرب فبايعه جلّ أهل البصرة فلمّا رأيت ذلك استجرت بالازد (5) بصبرة بن شيمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين، فرحلت من قصر الامارة فنزلت فيهم و انّ الأزد معي، و شيعة أمير المؤمنين من سائر (6) القبائل تختلف اليّ و شيعة عثمان تختلف الى ابن الحضرميّ، و القصر خال منّا و منهم، فارفع ذلك الى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه و يعجّل عليّ بالّذي يرى‏ (7) أن يكون فيه منه، و السّلام‏ (8).

قال: فرفع ذلك ابن عبّاس الى عليّ (عليه السلام) فشاع في النّاس بالكوفة ما كان‏

____________

(1)- في شرح النهج: «فأنت ذاك».

(2)- في الطبري مكان العبارة بعد كلمة «المسلمين»: «فإنه فيئكم و أنا أمين أمير المؤمنين؟- قال: بلى ان حملته الى و نزلت داري قال: انى حامله فحمله».

(3)- في الطبري: «ثم كتب زياد الى على أن ابن الحضرميّ (الى آخر الكتاب)».

(4)- في شرح النهج: «للامين».

(5)- يقال: «استجاره من فلان سأله أن يجيره منه و يعيذه قال اللَّه تعالى: و ان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللَّه ثم أبلغه مأمنه، و بفلان استغاث به و استعان».

(6)- في شرح النهج: «من فرسان».

(7)- في شرح النهج: «و اعجل الى بالذي ترى».

(8)- في شرح النهج: «و السلام عليك و رحمة اللَّه و بركاته».

أقول: نقل أحمد زكى صفوت الكتاب في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن أبى الحديد و تاريخ الطبري (انظر ص 577).

391

من ذلك، و كانت بنو تميم و قيس و من يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرميّ أن يسير الى قصر الامارة حين خلّاه زياد، فلمّا تهيّأ لذلك و دعا له أصحابه ركبت الأزد و بعثت اليه و اليهم: انّا و اللَّه لا ندعكم تأتون القصر، فتنزلون به من لا نرضى و من نحن له كارهون حتّى يأتي رجل لنا و لكم رضى، فأبى أصحاب ابن الحضرميّ الّا أن يسيروا الى القصر و أبت الأزد الّا أن يمنعوهم، فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرميّ: انّكم و اللَّه ما أنتم بأحقّ بقصر الامارة من القوم، و ما لكم أن تؤمّروا عليهم من يكرهونه فانصرفوا عنهم، ففعلوا، ثمّ جاء الى الأزد فقال: انّه لم يكن ما تكرهون و لن يؤتى الّا ما تحبّون فانصرفوا- رحمكم اللَّه-، ففعلوا.

و عن الكلبيّ‏ (1) [أنّ ابن الحضرميّ لمّا أتى البصرة و دخلها نزل في بني تميم في دار سنبيل و دعا بني تميم و أخلاط مضر فقال زياد لأبي الأسود الدّئلي‏ (2): أما ترى ما صغى أهل البصرة الى معاوية و ما في الأزد لي مطمع، فقال: ان كنت تركتهم لم ينصروك و ان أصبحت فيهم منعوك، فخرج زياد من ليلته‏ (3) و أتى الأزد و نزل على صبرة ابن شيمان فأجاره فبات ليلته فلمّا أصبح قال له صبرة: يا زياد ليس حسنا بنا أن تقوم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا، فاتّخذ (4) له منبرا و سريرا في مسجد الحدّ ان و جعل له شرطا و صلّى بهم الجمعة في مسجد الحدّان‏ (5).

____________

(1)- قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 351، س 24):

«قال إبراهيم: و حدثنا محمد بن عبد اللَّه [عن‏] ابن أبى سيف عن الكلبي أن ابن- الحضرميّ (الحديث)».

(2)- أبو الأسود الدئلي هو أعرف من ان تذكر له ترجمة هنا فمن أرادها فليطلبها من مواردها.

(3)- ما بين المعقوفتين قد سقط من الأصل و أضفناه من شرح النهج.

(4)- في شرح النهج: «فأعد».

(5)- في القاموس: «و بنو حدان بن قريع ككتان بطن من تميم منهم أوس الحدانى‏

392

و غلب ابن الحضرميّ على ما يليه من البصرة و جباها، و اجتمعت الأزد على زياد فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال:

يا معشر الأزد أنتم‏ (1) كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي و أولى النّاس بي و انّي لو كنت في بني تميم و ابن الحضرميّ فيكم نازلا لم أطمع فيه أبدا و أنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرميّ فىّ و أنتم دوني، و ليس ابن آكلة الأكباد في بقيّة الأحزاب و أولياء الشّيطان بأدنى الى الغلبة من أمير المؤمنين عليّ في المهاجرين و الأنصار و قد أصبحت فيكم مضمونا و أمانة مؤدّاة و قد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحقّ كصبركم مع الباطل، فانّكم لا تحمدون الّا على النّجدة، و لا تعذرون على الجبن.

فقام شيمان أبو صبرة و لم يكن شهد يوم الجمل و كان غائبا فقال:

____________

الشاعر و بالضم الحسن بن حدان المحدث، و ذو حدان بن شراحيل و ابن شمس و سعيد بن حدان التابعي و حدان بن عبد شمس» و في الاشتقاق لابن دريد عند ذكره قبائل زهران بن كعب (ص 510): «فمن بنى غالب بن عثمان الحدان، و حدان فعلان من الحد، فمن بنى حدان بنو حاود و لهم خطة بالبصرة» و في معجم البلدان: «حدان بالضم احدى محال البصرة القديمة يقال لها: بنو حدان سميت باسم قبيلة و هو حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه- بن مالك بن نصر بن الأزد و سكنها جماعة من أهل العلم و نسبوا اليها (الى آخر ما قال)» و في الصحاح: «وحدان بالضم حي من العرب» و في لسان العرب: «وحدان حي من الأزد و قال ابن دريد: الحدان حي من الأزد فأدخل عليه اللام، الأزهري: حدان قبيلة باليمن و بنو حدان بالضم من بنى سعد» و في الأنساب للسمعاني: «الحدانى بضم الحاء و تشديد الدال المهملة و في آخره نون بعد الالف، هذه النسبة الى حدان و هم الأزد، و عامتهم بصريون، و هم حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن الأزد (الى آخر ما قال)».

(1)- في شرح النهج: «انكم».

393

يا معشر الأزد ما أبقت عواقب الجمل عليكم الّا سوء الذّكر (1) و قد كنتم أمس على عليّ (عليه السلام) فكونوا اليوم له، و اعلموا أنّ سلمكم‏ (2) جاركم ذلّ و خذلكم‏ (3) إيّاه عار، و أنتم حىّ مضماركم الصّبر و عاقبتكم الوفاء (4)، فان سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم، و ان استمدّوا معاوية فاستمدّوا عليّا، و ان و أدعوكم فوادعوهم.

ثمّ قام صبرة بن شيمان فقال: يا معشر الأزد انّا قلنا يوم الجمل: نمنع مصرنا، و نطيع امنّا (5)، و ننصر (6) خليفتنا المظلوم، فأنعمنا القتال‏ (7) و أقمنا بعد انهزام النّاس حتّى قتل منّا من لا خير فينا بعده، و هذا زياد جاركم اليوم و الجار مضمون و لسنا نخاف من عليّ (عليه السلام) ما نخاف من معاوية، فهبوا لنا أنفسكم و امنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه‏ (8) فقالت الأزد: انّما نحن لكم تبع فأجيروه، فضحك زياد و قال: يا صبرة أ تخشون ألّا تقوموا لبني تميم؟ فقال صبرة: ان جاءونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة، و ان جاءونا بالحتات‏ (9) جئتهم أنا، و ان كان فيهم شباب ففينا

____________

(1)- في الأصل: «ما تعرفون من عواقب الجمل الا ذل الجنى و نفذ القتيل».

(2)- في شرح النهج: «إسلامكم له».

(3)- في شرح النهج: «خذلانكم».

(4)- في الأصل: «الوقار».

(5)- في الأصل: «امامنا».

(6)- في شرح النهج: «نطلب دم».

(7)- في شرح النهج: «فجددنا في القتال».

(8)- في الأصل: «و الا منعناه منه» و المتن مأخوذ من قوله تعالى: «و ان أحد من- المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللَّه ثم أبلغه مأمنه».

(9)- قال الزبيدي في تاج العروس في شرح قول صاحب القاموس:

«حتات كغراب قطيعة بالبصرة و ابن عمرو و ابن يزيد لا زيد المجاشعي و وهم الجوهري صحابيان» ما نصه: «حتات لقب و اسمه بشر و في الاصابة: الحتات بالضم هو ابن زيد بن علقمة بن جرى بن سفيان بن مجاشع بن دارم التميمي الدارميّ المجاشعي، ذكره ابن إسحاق و ابن- الكلبي و ابن هشام فيمن وفد من بنى تميم على النبي (ص) و وجدت في هامش لسان العرب ما نصه: و أورد الجوهري بيت الفرزدق في ترجمة فرع و قال: الحتات بشر بن عامر بن علقمة فليراجع».

394

شباب كثير فقال زياد: انّما كنت مازحا (1).

فلمّا رأت بنو تميم أنّ الأزد قد قاموا دون زياد [بعثت اليهم: أخرجوا صاحبكم و نحن نخرج صاحبنا فأىّ الأميرين غلب، عليّ أو معاوية دخلنا في طاعته و لا نهلك عامّتنا، فبعث اليهم أبو صبرة: انّما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره، و لعمري ما قتل زياد (2)] و إخراجه‏ (3) الّا سواء، و انّكم لتعلمون أنّا لم نجره الّا تكرّما، فالهوا عن هذا.

عن أبي الكنود (4)

أنّ شبث بن ربعي‏

(5)

قال لعليّ (عليه السلام): «يا أمير المؤمنين ابعث‏

____________

(1)- ذكر الطبري هذه القصة هكذا (ج 6، ص 64): «و خرج زياد حتى أتى الحدان و نزل في دار صبرة و حول بيت المال و المنبر فوضعه في مسجد الحدان، و تحول مع زياد خمسون رجلا منهم أبو أبى حاضر، و كان زياد يصلى الجمعة في مسجد الحدان و يطعم الطعام، فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمد انى لا أرى ابن الحضرميّ يكف و لا أراه الا سيقاتلكم و لا أدرى ما عند أصحابك؟ فأمرهم و انظر ما عندهم، فلما صلى زياد جلس في المسجد و اجتمع الناس اليه فقال جابر: يا معشر الأزد تميم تزعم أنهم هم الناس و أنهم أصبر منكم عند البأس، و قد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جاركم و يخرجوه من المصر قسرا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك و قد آجرتموه و بيت مال المسلمين؟- فقال صبرة بن شيمان و كان مفخما: ان جاء الأحنف جئت، و ان جاء الحتات جئت، و ان جاء شبان ففينا شبان فكان زياد يقول: اننى استضحكت و نهضت و ما كدت مكيدة قط كنت الى الفضيحة بها أقرب منى للفضيحة يومئذ لما غلبني من الضحك».

و ذكر ابن الأثير في الكامل (ج 3، ص 144) القصة نحو ما ذكره الطبري.

(2)- ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و نقلناه من شرح النهج.

(3)- في الأصل: «خلعه».

(4)- قال الأردبيليّ (رحمه الله) في جامع الرواة و المامقاني (رحمه الله) في تنقيح- المقال: «أبو الكنود الوائلى عده الشيخ (رحمه الله) كذلك في باب الكنى من أصحاب أمير- المؤمنين (عليه السلام)».

أقول: قد وقع الرجل في سند نصر بن مزاحم في كتاب صفين في موارد كثيرة

395

الى هذا الحيّ من تميم فادعهم الى طاعتك و لزوم بيعتك، و لا تسلّط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فانّ واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم، فقال له مخنف بن سليم الأزديّ‏

(1)

: انّ البعيد البغيض من عصى اللَّه و خالف أمير المؤمنين و هم قومك، و انّ الحبيب القريب من أطاع اللَّه و نصر أمير المؤمنين و هم قومي، و أحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مه، تناهوا أيّها النّاس و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التّباغي و التّهاذي، و لتجتمع كلمتكم، و الزموا دين اللَّه الّذي لا يقبل من أحد غيره، و كلمة الإخلاص الّتي هي قوام الدّين، و حجّة اللَّه على الكافرين، و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متفرّقين متباغضين فألّف بينكم بالإسلام فكثرتم و اجتمعتم و تحاببتم، فلا تفرّقوا بعد إذ اجتمعتم، و لا تباغضوا بعد إذ تحاببتم‏

(2)

، فإذا انفصل النّاس و كانت بينهم الثّائرة فتداعوا

(3)

الى العشائر

____________

و قد روى عنه في تلك الموارد الحارث بن حصيرة و كذا الحال في أسانيد الطبري في غير مورد لكن الأردبيليّ و المامقاني- رحمهما اللَّه- نقلا أيضا عن رجال الشيخ (رحمه الله) من أصحاب على (ع) عبد الرحمن بن عبيد [مصغرا أو مكبرا] ابن الكنود، و المظنون قويا أنه متحد مع أبى- الكنود الوائلى السابق الذكر فليتحقق، و سيجي‏ء الكلام عليه أيضا في غارة سفيان بن عوف الغامدي.

- في تقريب التهذيب: «شبث بفتح أوله و الموحدة ثم مثلثة ابن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس الكوفي مخضرم كان مؤذن سجاح ثم أسلم ثم كان ممن أعان على عثمان ثم صحب عليا ثم صار من الخوارج عليه ثم تاب فحضر قتل الحسين، ثم كان ممن طلب بدم الحسين مع المختار، ثم ولى شرطة الكوفة، ثم حضر قتل المختار، و مات بالكوفة في حدود الثمانين/ دس» و خاض المامقاني (رحمه الله) و غيره من علمائنا في ترجمته فمن أرادها فليراجع.

(1)- في تقريب التهذيب: «مخنف بكسر أوله و بنون ابن سليم بن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي صحابى نزل الكوفة و كانت معه راية الأزد بصفين و استشهد بعين الوردة سنة أربع و ستين/ 4».

أقول: الرجل مذكور في كتب الشيعة أيضا.

(2)- هذه الفقرات مأخوذة من قول اللَّه تعالى: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، الآية، (آية 103 من سورة آل عمران)».

(3)-

في شرح النهج و البحار: «و إذ رأيتم الناس بينهم النائرة و قد تداعوا».

396

و القبائل فاقصدوا لهامهم و وجوههم بالسّيوف، حتّى يفزعوا الى اللَّه و كتابه و سنّة نبيّه، فأمّا تلك الحميّة

(1)

من خطوات‏

(2)

الشيطان فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا.

ثمّ انّه (عليه السلام) دعا أعين بن ضبيعة المجاشعيّ‏

(3)

فقال: يا أعين ما بلغك أنّ قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرميّ بالبصرة يدعون الى فراقي و شقاقي و يساعدون وثبوا على عاملي ابن الحضرميّ بالبصرة يدعون الى فراقي و شقاقي و يساعدون الضّلال الفاسقين‏

(4)

عليّ؟! فقال: لا تستأ

(5)

يا أمير المؤمنين و لا يكن ما تكره، ابعثني اليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم و نفي ابن الحضرميّ من البصرة

____________

(1)- في الأصل بعد لفظة الحمية: «متى تكون في المسلمين».

(2)- في شرح النهج: «من خطرات الشياطين».

(3)- قال الساروى في توضيح الاشتباه: «أعين بفتح الهمزة و سكون العين المهملة و فتح الياء المثناة التحتانية بن ضبيعة بضم الضاد المعجمة كجهينة» و قال المامقاني (رحمه الله) في تنقيح المقال: «أعين بفتح الهمزة و سكون العين المهملة و فتح الياء المثناة التحتانية و النون ابن ضبيعة بضم الضاد المعجمة و فتح الباء الموحدة و سكون الياء المثناة التحتانية و فتح العين المهملة بعدها هاء وزان جهينة تصغير ضبعة حيوان معروف سمى به جمع من الرجال الدارميّ [قال ابن الأثير في اللباب: الدارميّ بفتح الدال و سكون الالف و كسر- الراء و بعدها ميم، هذه النسبة الى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم بطن كبير من تميم ينسب اليه خلق كثير من العلماء و الشعراء و الفرسان‏] المجاشعي بضم الميم و فتح الجيم ثم الالف و الشين المعجمة المكسورة ثم العين ثم الياء نسبة الى مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم لم أقف فيه الأعلى عد الشيخ (رحمه الله) إياه في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و يمكن استفادة حسن حاله بل وثاقته من إرسال أمير المؤمنين إياه الى البصرة ليقاتل عبد اللَّه الحضرميّ الّذي أرسله معاوية ليتملك له البصرة فان إرسال أمير المؤمنين الرجل يكشف عن كونه محل وثوقه و اطمينانه، ثم انه قد قتل هو غيلة سنة ثمان و ثلاثين، فأرسل أمير المؤمنين (ع) جارية بن قدامة التميمي السعدي ففرق جمع ابن الحضرميّ و أحرق عليه الدار التي تحصن فيها فاحترق فيها»

. (4)- في شرح النهج: «القاسطين».

(5)- في شرح النهج: «لا تسأ» يقال: «ساءه فاستأى، فهو مطاوع ساء».

397

أو قتله، قال: فاخرج السّاعة، فخرج من عنده و مضى حتّى قدم‏

(1)

البصرة

(2)

.

ثمّ دخل على زياد و هو بالأزد

(3)

مقيم فرحّب به و أجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له عليّ (عليه السلام) و بما ردّ عليه، و ما [الّذي عليه‏] رأيه فقال: فو اللَّه انّه ليكلّمه و إذا بكتاب من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زياد فيه‏

(4)

:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، من عبد اللَّه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرّق قومه عن ابن الحضرميّ، فارقب ما يكون منه، فإن فعل و بلغ من ذلك ما يظنّ به و كان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحبّ، و إن ترامت الأمور بالقوم‏

(5)

إلى الشّقاق‏

____________

(1)- في شرح النهج: «دخل».

(2)- قال ابن أبى الحديد بعد نقل قول الثقفي «فخرج من عنده و مضى حتى قدم البصرة»: «هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات‏

و روى الواقدي‏ أن عليا (عليه السلام) استنفر بنى تميم أياما لينهض منهم الى البصرة من يكفيه أمر- ابن الحضرميّ و يرد عادية بنى تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخطبهم و قال: أ ليس من العجب أن تنصرني الأزد و تخذلني مضر؟! و أعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بى و خلاف تميم البصرة على، و أن أستنجد بطائفة منها تشخص الى إخوانها فتدعوهم الى الرشاد، فان أجابت و الا فالمنابذة و الحرب، فكأني أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا و لا يجيبون نداءا، كل هذا جبنا عن البأس و حبا للحياة، و لقد كنا مع رسول اللَّه (ص) نقتل آباءنا و أبناءنا (الى آخر الخطبة المذكورة في النهج و نقلناها في ص 373) قال: فقام اليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال: أنا ان شاء اللَّه أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، و أتكفل لك بقتل ابن الحضرميّ أو إخراجه عن البصرة فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتى قدم البصرة.

قال إبراهيم بن هلال: فلما قدمها دخل على زياد (الى آخر ما في المتن)».

و قال المجلسي (رحمه الله) في أثناء ذكر القصة بعد نقل قول أمير المؤمنين (ع): «تفلحوا و تنجحوا» ما نصه: «ثم قال ابن أبى الحديد: و روى الواقدي (فنقل الرواية الى آخرها ثم قال:) رجعنا الى رواية الثقفي قال إبراهيم: فلما قدمها» (انظر ج 8، ص 676).

(3)- في البحار: «و هو بالأهواز» و هو تصحيف قطعا.

(4)- نقله صاحب جمهرة رسائل العرب عن شرح ابن أبى الحديد و الطبري (ص 588).

(5)- في الطبري و الأصل: «و ان ترقت الأمور بهم».

398

و العصيان فانهض بمن‏

(1)

أطاعك إلى من عصاك، فجاهدهم فان ظفرت فهو ما ظننت، و إلّا فطاولهم و ماطلهم ثمّ تسمّع بهم و أبصر

(2)

فكأنّ كتائب المسلمين قد أظلّت‏

(3)

عليك‏

(4)

فقتل اللَّه المفسدين الظّالمين‏

(5)

و نصر المؤمنين المحقّين، و السّلام.

فلمّا قرأه زياد، أقرأه أعين بن ضبيعة، فقال له أعين: إنّي لأرجو أن نكفي‏ (6) هذا الأمر إن شاء اللَّه، ثمّ خرج من عنده فأتى رحله فجمع اليه رجالا من قومه فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال:

يا قوم على م‏ (7) تقتلون أنفسكم و تهريقون‏ (8) دماءكم على الباطل مع السّفهاء

____________

(1)- في شرح النهج: «فانبذ من».

(2)- كذا في الأصل و الطبري و يحتمل أن الصحيح: «أسمع بهم و أبصر» كما في قول اللَّه تعالى: «أسمع بهم و أبصر يوم يأتوننا (آية 38 سورة مريم) ففي مجمع البحرين قوله تعالى:

أسمع بهم و أبصر أي ما أسمعهم و أبصرهم» و على أي حال المراد بالكلمتين أن يكون زياد على التيقظ و الحذر و عدم الغفلة من ابن الحضرميّ و أتباعه.

(3)- كذا في الأصل و البحار لكن في شرح النهج «أطلت» بالطاء المهملة أي أشرفت‏

. (4)- في الطبري: «فكأن جنود اللَّه قد أظلتك».

(5)- في الطبري: «تقتل الظالمين».

(6)- في شرح النهج و البحار: «يكفى».

(7)- في شرح النهج و البحار: «على ما ذا».

(8)- في الصحاح: «هراق الماء بهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه و أصله: أراق يريق اراقة، و أصل أراق أريق، و أصل يريق و أصل يريق ياريق و انما قالوا: أنا أهريقه و هم لا يقولون: أنا أريقه لاستثقالهم الهمزتين و قد زال ذلك بعد الابدال و فيه لغة أخرى:

أهرق الماء يهرقه اهراقا على أفعل يفعل، قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الحرف ثم ادخلت الالف بعد على الهاء و تركت الهاء عوضا من حذفهم حركة العين لان أصل أهرق أريق، و فيه لغة ثالثة: أهراق يهريق إهرياقا فهو مهريق و الشي‏ء مهراق و مهراق أيضا بالتحريك و هو شاذ، و نظيره اسطاع يسطيع اسطياعا بفتح الالف في الماضي و ضم الياء في المستقبل لغة في أطاع يطيع فجعلوا السين عوضا من ذهاب حركة عين‏

399

الأشرار؟! و إنّي و اللَّه ما جئتكم حتّى عبّيت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحقّ يقبل منكم و يكفّ عنكم، و إن أبيتم فهو و اللَّه استئصالكم و بواركم.

فقالوا: بل نسمع و نطيع، فقال: انهضوا الآن على بركة اللَّه، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرميّ‏ (1)، فخرجوا إليه مع ابن الحضرميّ فصافّوه و واقفهم عامّة يومه‏ (2) يناشدهم اللَّه و يقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم، و لا تخالفوا إمامكم، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فقد رأيتم و جرّبتم كيف صنع اللَّه بكم عند نكثكم بيعتكم و خلافكم فكفّوا عنه و لم يكن بينه و بينهم قتال و هم في ذلك يشتمونه و ينالون منه فانصرف عنهم و هو منهم منتصف.

فلمّا أوى‏ (3) إلى رحله تبعه عشرة نفر يظنّ‏ (4) أنّهم خوارج فضربوه‏ (5) بأسيافهم‏

____________

الفعل على ما ذكرناه عن الأخفش في باب العين و كذلك حكم الهاء عندي و في الحديث أهريق دمه و تقدير يهريق بفتح الهاء يهفعل و تقدير مهراق بالتحريك مهفعل، و أما تقدير يهريق بالتسكين فلا يمكن أن ينطق به لان الهاء و الفاء جميعا ساكنان و كذلك تقدير مهراق و حكى بعضهم مطر مهر ورق».

أقول: ذكر مثل ذلك الفيومى في المصباح المنير و سائر اللغويين في كتبهم و استشهدوا له بقول إمرئ القيس في أوائل معلقته:

«و ان شفائى عبرة مهراقة* * * فهل عند رسم دارس من معول»

و منه ما ورد في الحديث:

سئل الصادق (ع) عن رجل معه إناء ان وقع في أحدهما قذر لا يدرى أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيرهما قال: يهريقهما جميعا و يتيمم.

(انظر- الوسائل، باب وجوب التيمم على من معه ماء نجس أو مشتبه بالنجس، ص 184 من ج 1 من طبعة أمير بهادر)».

(1)- في الأصل: «الى جماعة القوم».

(2)- في الأصل: «عامة يومهم».

(3)- في المصباح المنير: «أوى الى منزله يأوى من باب ضرب أويا أقام، و ربما عدي بنفسه فقيل: أوى منزله، و المأوى بفتح الواو لكل حيوان سكنه و سمع مأوى الإبل‏

400

و هو على فراشه، و لا يظنّ أنّ الّذي كان يكون، فخرج يشتدّ عريانا فلحقوه في الطّريق فقتلوه، فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرميّ حين قتل أعين بجماعة من معه من الأزد و غيرهم من شيعة عليّ (عليه السلام) فأرسلت بنو تميم الى الأزد: و اللَّه ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه و لا لمال هو له و لا لأحد ليس على رأينا، فما تريدون الى حربنا و الى جارنا؟- فكأنّ الأزد عند ذلك كرهت قتالهم.

فكتب زياد الى عليّ (عليه السلام):

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد يا أمير المؤمنين فانّ أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجدّ و مناصحة و صدق و يقين فجمع اليه من أطاعه من عشيرته فحثّهم على الطّاعة و الجماعة، و حذّرهم الفرقة و الخلاف، ثمّ نهض بمن أقبل معه الى من أدبر عنه فواقفهم عامّة النّهار، فهال أهل الضّلال مقدمه‏ (1) و تصدّع عن ابن- الحضرميّ كثير ممّن كان معه يريد نصرته فكان كذلك حتّى أمسى فأتى رحله فبيّته نفر من أهل هذه‏ (2) الخارجة المارقة فأصيب- (رحمه الله)- فأردت أن اناهض ابن- الحضرميّ‏ (3) عند ذلك فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين،

____________

بالكسر شاذا و لا نظير له في المعتل و بالفتح على القياس، و مأوى الغنم مراحها الّذي تأوى اليه ليلا، و آويت زيدا بالمد في التعدي، و منهم من يجعله مما يستعمل لازما و متعديا فيقول: أويته وزان ضربته، و منهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا، و رده جماعة».

- في شرح النهج: «يظن الناس أنهم خوارج» و في الطبري: «و دخل عليه قوم فقتلوه» و في الكامل: «فدخل عليه قوم قيل: انهم من الخوارج، و قيل: وضعهم ابن الحضرميّ على قتله، و كان معهم فقتلوه غيلة».

- في الأصل: «فنعكوه».

(1)- في شرح النهج: «فهال أهل الخلاف تقدمه» و في الطبري: «فهالهم ذلك».

(2)- في شرح النهج: «من هذه».

(3)- في الأصل: «فبادرت مناهضته».

401

و قد رأيت إن رأى أمير المؤمنين أن يبعث‏ (1) اليهم جارية بن قدامة فانّه نافذ البصيرة مطاع في العشيرة شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فان يقدم يفرّق بينهم باذن اللَّه، و السّلام عليك و رحمة اللَّه و بركاته‏ (2).

فلمّا جاء الكتاب و قرأه عليّ (عليه السلام) دعا جارية بن قدامة

(3)

فقال: يا ابن قدامة.

____________

(1)- في شرح النهج: «و قد رأيت ان رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث».

(2)- نقل الكتاب أحمد زكى صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن- أبى الحديد و عن تاريخ الطبري (انظر ص 579).

(3)- في تقريب التهذيب: «جارية بن قدامة [بضم القاف و تخفيف الدال المهملة] التميمي السعدي صحابى على الصحيح مات في ولاية يزيد/ عس» فقال في الاصابة ضمن ترجمته: «قال أبو عمرو: كان من أصحاب على في حروبه و هو الّذي حرق عبد اللَّه بن الحضرميّ في دار سنبيل بالبصرة لان معاوية بعث ابن الحضرميّ ليأخذ له البصرة، فوجه على اليه أعين بن ضبيعة فقتل، فوجه جارية بن قدامة فحاصر ابن الحضرميّ ثم حرق عليه» و في الاشتقاق لابن دريد عند ذكره رجال بنى سعد بن زيد مناة بن تميم (ص 253): «و منهم جارية بن قدامة كان شيعيا و كان من أصحاب على (ع) و هو الّذي تولى إحراق عبد اللَّه بن عامر الحضرميّ» و قال عبد السلام محمد هارون في تعليقته على الاشتقاق في ذيل العبارة: «قال أبو أحمد العسكري: جارية بن قدامة تميمى شريف يكنى أبا أيوب و أبا يزيد، و كان يقال له: المحرق لانه أحرق ابن الحضرميّ بالبصرة، و كان ابن الحضرميّ وجه به معاوية الى البصرة يعنى قتل عثمان و يستنفر أهل البصرة على قتال على- (كرّم اللَّه وجهه)-، فوجه على- رضى اللَّه عنه- جارية بن قدامة اليه فتحصن منه ابن الحضرميّ بدار تعرف ب «دار سنبيل» فأضرم جارية الدار عليه فاحترقت بمن فيها، و كان جارية شجاعا فاتكا».

و في أسد الغابة: «جارية بن قدامة التميمي السعدي (الى أن قال) و كان من أصحاب على بن أبى طالب- رضى اللَّه عنه-، و شهد معه حروبه، و هو الّذي حصر عبد اللَّه بن الحضرميّ بالبصرة في دار ابن سنبيل و حرقها عليه، و كان معاوية أرسله الى البصرة ليأخذها له فنزل ابن- الحضرميّ في بنى تميم و كان زياد بالبصرة أميرا فكتب الى على [رضي الله عنه‏] فأرسل على اليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل غيلة فبعث على بعده بن قدامة فأحرق على ابن الحضرميّ الدار التي سكنها، أخرجه الثلاثة»:

أقول نقل ابن عبد البر ترجمته في الاستيعاب و أورد فيها قريبا مما نقلناه عن أسد- الغابة و سيأتي ذكره أيضا في قصة غارة بسر بن أبى أرطاة.

و ليعلم أن علماءنا أيضا قد تصدوا لترجمته في كتبهم و عدوه من الصحابة تارة و من أصحاب أمير المؤمنين (ع) اخرى.

402

تمنع الأزد عاملي و بيت مالي و تشاقّني مضر و تنابذني، و بنا ابتدأها اللَّه بالكرامة، و عرّفها الهدى، و تدعو

(1)

الى المعشر الّذين حادّوا اللَّه و رسوله، و أرادوا إطفاء نور اللَّه حتّى علت كلمة اللَّه و هلك الكافرون‏

(2)

قال: يا أمير المؤمنين ابعثني اليهم و استعن باللَّه عليهم، قال: قد بعثتك اليهم و استعنت باللَّه عليهم.

قال كعب بن قعين‏ (3): فخرجت مع جارية من الكوفة الى البصرة في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يمانيّ غيري و كنت شديد التّشيّع، قال: فقلت لجارية: ان شئت سرت‏ (4) معك، و ان شئت ملت الى قومي؟ فقال: بل سر معي و انزل منزلي، فو اللَّه لوددت أنّ الطّير و البهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس.

و عن كعب بن قعين أنّ عليّا (عليه السلام) كتب مع جارية بن قدامة كتابا فقال:

اقرأه على أصحابك قال: فمضينا معه فلمّا دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحّب به و أجلسه الى جانبه، و ناجاه ساعة و ساء له، ثمّ خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك و اتّق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك، و خرج جارية من عنده فقام في الأزد، فقال:- جزاكم اللَّه من حيّ خيرا- ما أعظم عناءكم و أحسن بلاءكم، و أطوعكم لأميركم، و قد عرفتم الحقّ إذ ضيّعه من أنكره، و دعوتم الى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثمّ قرأ عليهم و على من كان معه من شيعة عليّ (عليه السلام) [و غيرهم‏]

____________

(1)- كذا في شرح النهج لكن في الأصل: «و تداعوا».

(2)- في البحار: «علت كلمته عليهم و أهلك الكافرين».

(3)- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 353، س 19): «قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد اللَّه قال: حدثني ابن أبى سيف عن سليمان بن أبى راشد عن كعب بن قعين قال: خرجت (القصة)» و قال المجلسي (رحمه الله) في ثامن البحار (في باب ما جرى من الفتن من غارات أصحاب معاوية ص 676، س 34): «فروى إبراهيم باسناده عن كعب بن قعين قال: خرجت (الخبر)».

(4)- في شرح النهج و البحار: «كنت».

403

كتاب عليّ‏

(1)

فإذا فيه:

من عبد اللَّه عليّ أمير المؤمنين الى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين: سلام عليكم، أمّا بعد فانّ اللَّه حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيّنة، و لا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة، و لكنّه يقبل التّوبة و يستديم الأناة و يرضى بالإنابة

(2)

ليكون أعظم للحجّة و أبلغ في المعذرة، و قد كان من شقاق جلّكم‏

(3)

أيّها النّاس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم، و رفعت السّيف عن مدبركم، و قبلت من مقبلكم، و أخذت بيعتكم، فان تفوا ببيعتي، و تقبلوا نصيحتي، و تستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب [و السّنّة] و قصد الحقّ و أقم‏

(4)

فيكم سبيل الهدى، فو اللَّه ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد (صلى اللَّه عليه و آله) أعلم بذلك منّي [و لا أعمل‏

(5)

]، أقول قولي هذا صادقا غير ذامّ لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم، فان خطت‏

(6)

بكم الأهواء المردية و سفه الرأي الجائر الى منابذتي تريدون خلافي، فها أنا ذا قرّبت جيادي و رحّلت ركابي، و أيم اللَّه لئن ألجأتموني الى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها الّا كلعقة

____________

(1)- نقل الشريف الرضى- رضى اللَّه عنه- مختارا من هذا الكتاب في باب المختار من كتب أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة و نص عبارته فيه هكذا (ج 4، ص 2 من شرح النهج لابن أبى الحديد):

«و من كتاب له (عليه السلام) الى أهل البصرة: و قد كان من انتشار حبلكم و شقاقكم ما لم تغبوا عنه، فعفوت عن مجرمك و رفعت السيف عن مدبركم، و قبلت من مقبلكم، فان خطت بكم الأمور المردية و سفه الآراء الجائرة الى منابذتي و خلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي و رحلت ركابي، و لئن ألجأتمونى الى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل اليها الا كلعقة لاعق، مع أنى عارف لذي الطاعة منكم فضله و لذي النصيحة حقه غير متجاوز متهما الى بري و لا ناكثا الى وفى».

(2)- كذا في شرح النهج لكن في الأصل: «يقبل التوبة و يستديم الانابة»:

(3)- في البحار: «حبلكم».

(4)- في البحار: «و أقيم».

(5)- زيد من شرح النهج.

(6)- قال ابن أبى الحديد: «هو من خطا فلان يخطو خطوة و هو مقدار ما بين القدمين فهذا لازم فان عديته قلت: أخطيت فلانا و خطوت به، و هاهنا قد عداه بالباء».

404

لاعق‏

(1)

، و انّي لظانّ أن لا تجعلوا ان شاء اللَّه على أنفسكم سبيلا

(2)

و قد قدّمت هذا الكتاب حجّة عليكم، و لن أكتب إليكم من بعده كتابا ان أنتم استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشّاخص نحوكم ان شاء اللَّه، و السّلام‏

(3)

.

فلمّا قرئ الكتاب على النّاس قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا و أطعنا، و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، و لمن سالم أمير المؤمنين سلم، ان كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، و ان أحببت أن ننصرك نصرناك، و قام وجوه النّاس فتكلّموا بمثل ذلك، فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم.

فقام زياد في الأزد فقال:

يا معشر الأزد انّ هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا، و انّكم كنتم حربا فأصبحتم اليوم سلما، و انّي و اللَّه ما اخترتكم الّا على التّجربة و لا أقمت فيكم الّا على التّأمّل‏ (4)، فما رضيتم أن آجرتموني حتّى نصبتم لي منبرا و سريرا، و جعلتم لي شرطا و أعوانا، و مناديا و جمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئا الّا هذا الدّرهم لا أجبيه، فان لم أجبه اليوم أجبه غدا ان شاء اللَّه، و اعلموا أنّ حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدّين و الدّنيا من حربكم أمس عليّا، و قد قدم عليكم جارية بن قدامة و انّما أرسله عليّ (عليه السلام) ليصدع أمر قومه و اللَّه ما هو بالأمير المطاع و لا بالمغلوب المستغيث‏ (5)، و لو أدرك أمله في قومه لرجع الى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعا، و أنتم الهامة العظمى و الجمرة الحامية فقدّموه الى قومه فان اضطرّ الى نصركم فسيروا اليه ان رأيتم ذلك‏ (6).

فقام أبو صبرة بن شيمان فقال:

____________

(1)- قال ابن أبي الحديد: «قوله: كلعقة لاعق، مثل يضرب للشي‏ء الحقير التافه، و يروى بضم اللام و هي ما تأخذه الملعقة».

(2)- في الأصل: «مع أنى عارف أن لا تجعلوا عليكم سببا».

(3)- نقل أحمد زكى صفوت الكتاب في جمهرة رسائل العرب عن شرح ابن أبى الحديد و نهج البلاغة (انظر ج 1، ص 580- 581).

(4)- في شرح النهج: «الأمل».

(5)- في الأصل فقط.

(6)- في الأصل: «الا أن تروا غير ذلك».

405

يا زياد انّي و اللَّه لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا عليّا و قد مضى الأمر بما فيه، و هو يوم بيوم و أمر بأمر، و اللَّه الى الجزاء بالإحسان أسرع منه الى الجزاء بالسّيّئ، و التّوبة مع الحقّ و العفو مع النّدم، و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم الى إبطال الدّماء و استئناف الأمور و لكنّها جماعة دماؤها حرام و جروحها قصاص، و نحن معك فقدّم هواك نحبّ [لك ما أحببت.

فعجب زياد من كلامه و قال: ما أظنّ في النّاس مثل هذا (1)].

ثمّ قام صبرة ابنه فقال:

انّا و اللَّه ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل، و انّا لنرجو اليوم أن نمحّص ذلك بطاعة اللَّه و طاعة أمير المؤمنين، و أمّا أنت يا زياد فو اللَّه ما أدركت أملك فينا و لا أدركنا أملنا فيك دون ردّك الى دارك، و نحن رادّوك اليها غدا ان شاء اللَّه تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منّا فانّك ان لم تفعل تأت ما لا يشبهك‏ (2) و انّا و اللَّه نخاف من حرب عليّ في الآخرة ما لا نخاف‏ (3) من حرب معاوية في الدّنيا، فقدّم هواك و أخّر هوانا، فنحن معك و طوعك.

ثمّ قام جيفر العمانيّ‏ (4) و كان لسان القوم فقال:

____________

(1)- ما بين المعقوفتين في الأصل فقط.

(2)- في شرح النهج: «فإنك ان لا تفعل لم تأت ما يشبهك».

(3)- في شرح النهج: «ما لا نخافه».

(4)- في الأصل: «ثم حيفر الحمامتى» و في شرح النهج: «خنفر الحماني» (ج 1، ص 354). ففي الاستيعاب: «جيفر بن الجلندي العماني، كان رئيس أهل عمان هو و أخوه عبد بن الجلندي، أسلما على يد عمرو بن العاص حين بعثه النبي (ص) الى ناحية عمان، و لم يقدما على النبي (ص) و لم يرياه، و كان إسلامها بعد خيبر» و في أسد الغابة:

«جيفر بن الجلندي بن المستكبر بن الحراز بن عبد العزى بن معولة بن عثمان بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران الأزدي العماني كان رئيس أهل عمان (فذكر مثل كلام ابن عبد البر و زاد عليه) أخرجه أبو عمر، و أبو موسى». و في الاصابة في القسم‏

406

أيّها الأمير انّك لو رضيت منّا بما ترضى به من غيرنا لم نرض ذلك [و لو رضينا لك‏

____________

الثالث: «جيفر بوزن جعفر لكن بدل العين تحتانية ابن الجلندي الأزدي ملك عمان ذكره أبو عمر مختصرا، و قال العسكري: لم ير النبي هو و لا أخوه و قد تقدم ذكر أبيه، و روى ابن سعد من طريق عمرو بن شعيب عن مولى لعمرو بن العاص قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: أسلمت عند النجاشي فذكر قصة هجرته. قال: و بعثني رسول اللَّه الى جيفر و عبيد ابني- الجلندي و كانا بعمان و كان الملك منهما جيفرا و كانا من الأزد فذكر قصة إسلامهما و أنهما خليا بينه و بين الصدقة، فلم يزل بعمان حتى مات النبي (ص) و روى عبدان باسناد صحيح الى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن رسول اللَّه (ص) بعث عمرو بن العاص الى جيفر و عباد ابني الجلندي أميرى عمان فمضى عمرو اليهما، فأسلما و أسلم معهما بشر كثير و وضع الجزية على من لم يسلم.

قلت: لا منافاة بين هذا و بين ما تقدم من الإرسال الى الجلندي و لا مانع من أن يكون الجلندي قد شاخ و فوض الأمر لولديه و اللَّه أعلم» و يشير به الى ما ذكره قبيل ذلك في ترجمة أبيهما من أن رسول اللَّه (ص) قد بعث عمرو بن العاص اليه. و في القاموس:

«جيفر بن الجلندي ملك عمان أسلم هو و أخوه عبد اللَّه على يد عمرو بن العاص لما وجهه رسول اللَّه (ص) اليهما و هما على عمان» و زاد عليه الزبيدي قوله: «و لا رؤية لهما».

و في تنقيح المقال: «جيفر بن الجلندي الأزدي العماني رئيس أهل عمان عده ابن عبد البر و أبو موسى من الصحابة و هو مبنى على صدق الصحابي على من أدرك زمانه (ص) و لم يصل اليه ضرورة أن الرجل أسلم و هو على عمان بعد خيبر و لم يره (ص)» و في قلائد الجمان للقلقشندى (ص 92): «و من أزد عمان ابنا الجلندي ملك عمان كتب اليهما النبي (ص) يدعوهما الى الإسلام كتابا فيه بعد البسملة: من محمد بن عبد اللَّه الى جيفر و عبيد ابني الجلندي (الى أن قال) فلما وصل عمرو عمان اجتمع بعبيد ثم ناجى جيفر فأسلما جميعا و كان من كلام جيفر (الى آخر ما قال)» و قال السمعاني في الأنساب: «العماني بضم العين المهملة و تخفيف الميم و في آخرها النون، هذه النسبة الى عمان و هي من بلاد البحر أسفل البصرة و المنتسب اليها من القدماء جيفر بن الجلندي العماني، كان رئيس أهل عمان هو و أخوه عبد أسلما على يدي عمرو بن العاص حين بعثه النبي (ص) [اليها] و لم يريا النبي (ص) هو و لا أخوه، و كان إسلامهما بعد خيبر» و قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة: «جيفر بن الجلندي الأزدي رئيس أهل عمان، أسلم و لا رؤية له (س ب)» و يريد بالحرفين أن صاحب الترجمة مذكور في الاستيعاب و كتاب أبى موسى المديني.

407

قد خنّاك لأنّ لنا عقدا مقدّما و حمدا مذكورا (1)] سر بنا الى القوم ان شئت، و أيم اللَّه ما لقينا يوما قطّ الّا اكتفينا بعفونا دون جهدنا الّا ما كان أمس.

فلمّا أصبحوا أشارت الأزد الى جارية أن: سر بمن معك، و مضت الأزد بزياد حتى أدخلوه دار الامارة، و أمّا جارية فانّه كلّم قومه و صاح فيهم فلم يجيبوه‏ (2) و خرج اليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه، فأرسل الى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا اليه، فسارت الأزد بزياد حتّى أدخلوه دار الامارة، ثمّ ساروا الى ابن الحضرميّ و خرج اليهم ابن الحضرميّ و على خيله عبد اللَّه بن خازم السّلميّ‏ (3) فاقتتلوا ساعة فأقبل شريك بن الأعور الحارثيّ‏ (4) و كان من شيعة عليّ (عليه السلام) و صديقا لجارية بن قدامة (5) فقال: ألا أقاتل معك عدوّك؟ فقال: بلى.

قال: فما لبثت بنو تميم أن هزموهم و اضطرّوهم الى دار سنبيل‏ (6) السّعديّ‏

____________

(1)- ما بين المعقوفتين في الأصل فقط.

(2)- المتن هنا كان مشوشا فلفقناه من عبارة الأصل و شرح النهج، فتفطن.

(3)- قد مرت ترجمته في تعليقاتنا على الكتاب و ذكرنا هناك أيضا ما له ربط بالمقام (انظر ص 211).

(4)- تأتى ترجمته في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 47).

(5)- في الأصل: «و كان صديقا لجارية على رأى على (عليه السلام)».

(6)- قال ابن منظور في لسان العرب: «ابن سنبل [كزبرج‏] رجل بصرى أحرق جارية بن قدامة و هو من أصحاب على خمسين رجلا من أهل البصرة في داره، و يقال:

ابن صنبل و سنذكره في الصاد» و قال في فصل الصاد ما نصه: «الصنبل الخبيث المنكر و صنبل اسم قال مهلهل:

لما توقل في الكراع هجينهم‏* * * هلهلت أثأر مالكا و صنبلا

و ابن صنبل [كزبرج‏] رجل من أهل البصرة أحرق جارية بن قدامة و هو من أصحاب على (عليه السلام) خمسين رجلا من أهل البصرة في داره» و في تاج العروس: «ابن سنبل بالكسر و يقال بالصاد أيضا رجل بصرى أحرق جارية بن قدامة و هو من أصحاب على- رضى اللَّه تعالى عنه- خمسين رجلا من أهل البصرة في داره» و ذكر في فصل الصاد أيضا هذه العبارة، فمن أرادها فليراجع الكتاب المشار اليه.

408

فحصروهم ذلك اليوم الى العشيّ في دار ابن الحضرميّ و كان ابن خازم معه فجاءت امّه [و هي سوداء حبشيّة اسمها] عجلي فنادته فأشرف عليها، فقالت: يا بنيّ انزل إليّ، فأبى، فكشفت رأسها و أبدت قناعها و سألته النزول، فقالت: و اللَّه لئن لم تنزل لأتعرين‏ (1) و أهوت بيدها الى ثيابها، فلمّا رأى ذلك نزل فذهبت به‏ (2)، و أحاط جارية [و زياد (3)] بالدّار و قال جارية: عليّ بالنّار فقالت الأزد: لسنا من الحريق بالنّار في شي‏ء و هم قومك و أنت أعلم، فحرّق جارية الدّار عليهم، فهلك ابن الحضرميّ في سبعين رجلا أحدهم عبد الرّحمن بن [عمير بن‏ (4)] عثمان القرشيّ ثمّ التّيميّ، و سمّى جارية منذ ذلك اليوم:

محرّقا، فلمّا أحرق ابن الحضرميّ [و سارت الأزد بزياد حتّى أوطنوه قصر الامارة و معه بيت المال‏ (5)] قالت له‏ (6): هل بقي علينا من جوارك شي‏ء؟- قال: لا، قالوا: فبرئنا من جوارك؟- قال: نعم، فانصرفوا عنه الى ديارهم، و استقام لزياد البصرة، و ارتحل ببيت المال حتّى رجع الى القصر.

____________

(1)- في شرح النهج: «و اللَّه لتنزلن أو لا تعرين».

(2) في الكامل لابن الأثير (ج 3، ص 145): «و أقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية فانهزم ابن الحضرميّ فتحصن بقصر سنبيل و معه ابن خازم فأتته أمه عجلي و كانت حبشية فأمرته بالنزول، فأبى، فقالت: و اللَّه لتنزلن أو لأنزعن ثيابي فنزل و نجا، و أحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرميّ و سبعون رجلا معه و عاد زياد الى القصر، و كان قصر سنبيل لفارس قديما و صار لسنبيل السعدي، و حوله خندق، و كان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر فقال عمرو بن العرندس:

رددنا زيادا الى داره‏* * * و جار تميم دخانا ذهب‏

لحي اللَّه قوما شووا جارهم‏* * * و لم يدفعوا عنه حر اللهب»

ثم ذكر أربعة أبيات لجرير سننقلها عن الطبري ان شاء اللَّه تعالى.

(3)- زيد من شرح النهج و البحار.

(4)- في شرح النهج فقط.

(5)- ما بين المعقوفتين في شرح النهج و البحار.

(6)- في الأصل: «قالت الأزد لزياد».

409

و قال أبو العرندس العوذيّ‏ (1) في زياد و تحريق ابن الحضرميّ:

رددنا زيادا الى داره‏* * * و جار تميم ينادي الشّجب‏

لحا اللَّه قوما شووا جارهم‏* * * و للشّاء بالدّرهمين الشّصب‏ (2)

[ينادى الحباق‏ (3) و حمّانها (4)* * * و قد حرّقوا رأسه فالتهب‏ (5)]

____________

(1)- في شرح النهج: «ابن العرندس الأزدي» و في تأريخ الطبري: «عمرو بن العرندس العودي» و في الكامل: «عمرو بن العرندس» قال ابن الأثير في اللباب: «العوذى بفتح العين و سكون الواو و في آخرها ذال معجمة، هذه النسبة الى عوذ بن سود بن الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بطن من الأزد ينسب اليه كثير منهم أبو عبد اللَّه همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذى (الى آخر ما قال)».

(2)- نقل المصراع ابن أبى الحديد في شرح النهج هكذا: «لعمري لبئس الشواء الشصب».

(3)- في القاموس: «الحباق [بالحاء المهملة و الباء الموحدة] ككتاب أو غراب أبو بطن من تميم» و في تاج العروس في شرحه: «و على الاولى اقتصر ابن دريد و هو لقب له قال أبو العرندس العوذى من بنى عوذ بن سود:

ينادى الحباق و حمانها* * * و قد شيطوا رأسه فالتهب»

و قال ابن دريد في الاشتقاق عند عده رجال بنى سعد بن زيد مناة بن تميم (ص 252): «و أما ربيعة بن كعب بن سعد فيلقبون الحباق بكسر الحاء، و الحبق الضرط، قال أبو العرندس الأزدي:

ينادى الحباق و حمانها* * * و قد حرقوا رأسه فالتهب‏

يعنى ابن الحضرميّ حيث أحرق في بنى تميم» و قال ابن أبى الحديد بعد- الأبيات: «الحباق لقب قوم بنى تميم»:

(4)- قال ابن دريد في الاشتقاق عند عده قبائل بنى سعد بن زيد مناة بن تميم (ص 246): «و من قبائلهم بنو حمان و اسمه عبد العزى و انما سمى حمانا لسواده كأنه فعلان من الأحم، و قال قوم: انما سمى حمانا لانه يحمم شفتيه أي يسودهما» و في اللباب لابن الأثير: «الحماني بكسر الحاء المهملة و تشديد الميم و في آخرها نون، هذه النسبة الى حمان و هي قبيلة من تميم و هو حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن‏

410

عن محمّد بن قيس‏ (1) عن ظبيان بن عمارة (2) قال: دعاني زياد فكتب معي الى علي (عليه السلام):

أمّا بعد فانّ جارية بن قدامة العبد الصّالح قدم من عندك فناهض جمع ابن-

____________

تميم نزلوا الكوفة (الى آخر ما قال)» و في القاموس: «حمان بالكسر حي من تميم» و شرحه الزبيدي بقوله: «هو حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن- تميم (الى آخر ما قال)».

- في شرح النهج: «و قد شيطوا رأسه باللهب» و في الطبري مكان: «شيطوا» «سمطوا» ثم ان الطبري زاد على الأبيات أبياتا و هي:

و نحن أناس لنا عادة* * * نحامى عن الجار أن يغتصب‏

حميناه إذ حل أبياتنا* * * و لا يمنع الجار الا الحسب‏

و لم يعرفوا حرمة للجوار* * * إذ أعظم الجار قوم نجب‏

كفعلهم قبلنا بالزبير* * * عشية إذ بزه يستلب‏

و قال جرير بن عطية الخطفى:

غدرتم بالزبير فما وفيتم‏* * * وفاء الأزد إذ منعوا زيادا

فأصبح جارهم بنجاة عز* * * و جار مجاشع أمسى رمادا

فلو عاقدت حبل أبى سعيد* * * لذاد القوم ما حمل النجادا

و أدنى الخيل من رهج المنايا* * * و أغشاها الاسنة و الصعادا

(انتهى كلام الطبري)

(1)- المظنون أن المراد بمحمد بن قيس المذكور هنا هو اما الهمدانيّ المرهبي أو اليشكري البصري ففي تقريب التهذيب: «محمد بن قيس المرهبي الكوفي مقبول من الرابعة/ عس» و أيضا فيه: «محمد بن قيس اليشكري البصري أبو سليمان مقبول من الثالثة/ تمييز».

(2)- في الطبقات لابن سعد عند ذكره الطبقة الاولى من أهل الكوفة ممن روى عن على بن أبى طالب (عليه السلام) (ج 6 من طبعة اروبا: ص 160):

411

الحضرميّ بمن نصره و أعانه من الأزد ففضّه و اضطرّه الى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتّى حكم اللَّه بينهما، فقتل ابن الحضرميّ و أصحابه، منهم من أحرق بالنّار، و منهم من القي عليه الجدار، و منهم من هدم عليه‏

____________

«ظبيان بن عمارة روى عن على (ن) قال: أخبرنا محمد بن عبيد قال: حدثني سويد بن نجيح أبو قطبة عن ظبيان بن عمارة قال: أتى عليا ناس من عكل برجل و امرأة وجدوهما في لحاف و عندهما شراب و ريحان فقال على: خبيثان مخبثان، قال: فجلدهما دون الحد (ن)».

و في الجرح و التعديل: «ظبيان بن عمارة روى عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه، روى عنه سويد بن نجيح أبو قطبة، سمعت أبى يقول ذلك» و في ميزان الاعتدال:

«ظبيان بن عمارة الكوفي عن على، و عنه أبو قطبة قال الأزدي: لا يقوم حديثه» و في لسان الميزان بعد نقل عبارة الميزان: «و ذكره ابن حبان في الثقات و لم يذكر فيه ابن أبى حاتم جرحا» و في جامع الرواة و تنقيح المقال نقلا عن رجال الشيخ (رحمه الله):

«ظبيان بن عمارة التميمي من أصحاب على (عليه السلام)» و في كتاب صفين لنصر بن مزاحم (ص 172 من طبعة القاهرة سنة 1365 بتحقيق عبد السلام محمد هارون): «و بكر عليهم [أي على أهل الشأم‏] الأشتر فقتل منهم عبد اللَّه بن المنذر التنوخي، قتله ظبيان بن عمارة التميمي و ما هو يومئذ إلا فتى حديث السن و ان كان الشامي لفارس أهل الشام» و نقل- الطبري نحوه في تأريخه (انظر ج 5، ص 239) و قال نصر أيضا في كتاب صفين (ص 192): «نصر- عن عمر بن سعد عن رجل من آل خارجة بن الصلت أن ظبيان بن عمارة التميمي جعل يومئذ يقاتل و هو يقول:

مالك يا ظبيان من بقاء* * * في ساكني الأرض بغير ماء

لا، و إله الأرض و السماء* * * فاضرب وجوه الغدر الأعداء

بالسيف عند حمس الوغاء* * * حتى يجيبوك الى السواء

قال: فضربناهم و اللَّه حتى خلونا و إياه» و نقل الطبري أيضا نحوه في تاريخه (انظر ج 5، ص 240).

أقول: الرجل من وجوه التوابين الذين قاموا بطلب ثأر الحسين (عليه السلام) و له مواقف حسنة في ذلك، فمن أرادها فليراجع المفصلات كتأريخ الطبري و غيره.

412

البيت من أعلاه، و منهم من قتل بالسّيف [و سلم منهم نفر أنابوا و تابوا فصفح عنهم‏ (1)] و بعدا لمن عصى و غوى، و السّلام على أمير المؤمنين و رحمة اللَّه و بركاته‏ (2).

[ (3)

فلمّا وصل كتاب زياد قرأه عليّ (عليه السلام) على النّاس فسرّ بذلك و سرّ أصحابه و أثنى على جارية و علي الأزد و ذمّ البصرة فقال: انّها أوّل القرى خرابا، إمّا غرقا و إمّا حرقا حتّى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة، ثمّ قال لظبيان‏

(4)

: اين منزلك منها؟

- فقلت: مكان كذا، فقال: عليك بضواحيها، عليك بضواحيها].

انقضى خبر ابن الحضرميّ.

____________

(1)- ما بين المعقوفتين أضيف من شرح النهج و البحار.

(2)- نقل الكتاب أحمد زكى صفوت في الجمهرة عن شرح النهج الحديدى (ص 581).

(3)- فليعلم أن ذيل هذه القصة أعنى قوله: «فلما وصل» الى قوله: «عليك بضواحيها» لم يذكر في الأصل و انما ألحقناه لنقل ابن أبى الحديد إياه في شرح النهج و كذا المجلسي (رحمه الله) في ثامن البحار عن الغارات، مضافا الى أن سياق الكلام يقتضيه، و كيف كان فذيل الكلام أعنى قوله (ع) في ذم البصرة و قد مر سابقا ضمن ما ذكر في الكتاب تحت عنوان «كلام من كلامه (عليه السلام)» (انظر ص 191) يومى الى كونه ساقطا، مضافا الى ما ذكر من أن نقل المصنف (رحمه الله) قوله- (عليه السلام)- في فضل الكوفة يستلزم عادة وجود ذم البصرة هنا حتى يكون مقدمة لنقله، فتفطن انه دقيق.

(4)- كذا و سياق الكلام يقتضي كونه هكذا: «ثم قال لي» أو «ثم قال لي: يا ظبيان» فإنه الّذي يروى الحديث.

أقول: قال السيد الرضى- رضى اللَّه عنه- في باب المختار من الخطب من نهج البلاغة:

«من كلام له (عليه السلام) في ذم أهل البصرة: كنتم جند المرأة و أتباع- البهيمة، رغا فأجبتم، و عقر فهربتم، أخلاقكم دقاق، و عهدكم شقاق، و دينكم نفاق، و ماؤكم زعاق، و المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، و الشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه، كأنى بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث اللَّه عليها العذاب من فوقها و من تحتها، و غرق من في ضمنها.

(الى آخر ما قال)».

413

قول على (عليه السلام) في الكوفة

قال: أخبرنا هارون بن خارجة (1) قال قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السلام)(2):

كم بين منزلك و مسجد الكوفة؟- فأخبرته: فقال: ما بقي ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا عبد صالح الّا و قد صلّى فيه، فانّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلّم) مرّ به ليلة اسري به فاستأذن فيه، فصلّى فيه ركعتين، و الصّلاة الفريضة فيه ألف صلاة، و النّافلة خمسمائة صلاة، و الجلوس فيه من غير تلاوة القرآن عبادة، فاته و لو زحفا.

عن حبّة العرنيّ‏ (3) و ميثم التّمّار (4) قالا: (5)

جاء رجل الى عليّ (عليه السلام)

(6)

فقال: يا-

____________

(1)- في تنقيح المقال: «هارون بن خارجة الصيرفي مولى أبو الحسن الكوفي، عده الشيخ (رحمه الله) في رجاله من أصحاب الصادق (ع)» فخاض في ترجمته المبسوطة و نقل عن النجاشي (رحمه الله) توثيقه.

(2)- نقله المجلسي (رحمه الله) في المجلد الثامن عشر من البحار في كتاب الصلاة في باب فضل المساجد و آدابها (ص 130، س 15) قائلا بعده: «بيان- الزحف مشى- الصبى باسته، في التهذيب في رواية اخرى و ان الجلوس فيه بغير تلاوة و لا ذكر لعبادة، و لو علم الناس ما فيه لأتوه و لو حبوا» و قال في المجلد الثاني و العشرين و هو مجلد المزار في باب فضل الكوفة و مسجدها الأعظم (ص 88، س 7) نقلا عن أمالى الصدوق (رحمه الله): «محمد بن على الكوفي، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن القاسم- النهمي، عن محمد بن عبد الوهاب، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن توبة بن الخليل، عن محمد بن الحسن، عن هارون بن خارجة، قال قال لي الصادق (ع): كم بين منزلك (الحديث)» قائلا بعده: «في أمالى ابن الشيخ عن الغضائري عن الصدوق مثله (الى آخر ما قال)» و نقله المحدث النوري (رحمه الله) في المستدرك في كتاب الصلاة في «باب تأكد استحباب قصد المسجد الأعظم بالكوفة» (ج 1، ص 233).

(3 و 4)- تأتى ترجمتهما مبسوطة في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 48).

(5)- نقله المجلسي (رحمه الله) تارة في كتاب الصلاة من البحار عن الغارات‏

414

أمير المؤمنين انّي قد تزوّدت زادا و ابتعت راحلة و قضيت شأني‏

(1)

يعني حوائجي فأرتحل‏

(2)

الى بيت المقدس‏

(3)

فقال له: كل زادك و بع راحلتك‏

(4)

و عليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفة فانّه أحد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدل عشرا

(5)

فيما سواه من المساجد، [و] البركة منه على اثني عشر

(6)

ميلا من حيث ما أتيت‏

(7)

، و قد ترك من اسّه ألف ذراع، و في زاويته‏

(8)

فار التّنوّر، و عند الاسطوانة الخامسة صلّى إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و قد صلّى فيه ألف نبيّ و ألف وصيّ، و فيه عصا موسى‏

(9)

و شجرة يقطين، و فيه هلك يغوث‏

____________

و اخرى في كتاب المزار منه (ص 88) عن المزار الكبير لمحمد بن المشهدي (رحمه الله) و الغارات، و نقله المحدث النوري (رحمه الله) في كتاب الصلاة من المستدرك (ج 1، ص 235) عن الغارات و المزار لابن المشهدي و أوردا بعد نقلهما إياه بيانا و نذكر كلامهما بعبارتهما في تعليقات آخر الكتاب مع زيادات ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 49).

- في المزار: «أتى رجل عليا (ع)».

(1)- كذا في الأصل و المستدرك و صلاة البحار و بعض النسخ المصححة المخطوطة من مزار البحار لكن في النسخة المطبوعة و بعض النسخ المخطوطة من مزار البحار: «بتاتي» ففي القاموس: «البتات الزاد و الجهاز و متاع البيت».

(2)- كذا في الأصل و المستدرك لكن في البحار: «و أنطلق».

(3)- في مجمع البحرين: «و بيت المقدس يشدد و يخفف» و في القاموس:

«بيت المقدس كمجلس و كمعظم» و في التاج في شرحه: «و النسبة اليه مقدسي و مقدسي» و في محيط المحيط للبستانى: «و بيت المقدس و البيت المقدس حرم القدس الشريف، و النسبة اليه مقدسي و مقدسي، و العامة تقول لمن زاره أو زار قبر المسيح: مقدسي بضم الميم و الدال، و تجمعه على مقادسة».

(4)- في المزار الكبير: «انطلق فبع راحلتك و كل زادك».

(5)- في المزار الكبير: «تعدلان كثيرا».

(6)- في المزار الكبير: «على رأس اثنى عشر».

(7)- في المزار الكبير: «من حيث ما جئته».

(8)- في المزار الكبير: «و من زاويته» و هو المناسب لسياق الكلام.

(9)- في المزار الكبير (بعد قوله: عصا موسى): «و خاتم سليمان».

415

و يعوق، و هو الفاروق، و منه سيّر جبل الأهواز، و فيه مصلّى نوح (عليه السلام)، و يحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا لا عليهم حساب و لا عذاب‏

(1)

، و وسطه على‏

(2)

روضة من رياض- الجنّة، و فيه ثلاث أعين يزهرن [أنبتت بالضّغث‏

(3)

] تذهب الرّجس و تطهّر المؤمنين، عين من لبن، و عين من دهن، و عين من ماء، جانبه الأيمن ذكر و جانبه الأيسر مكر، و لو علم‏

(4)

النّاس و ما فيه لأتوه و لو حبوا

(5)

.

____________

(1)- من قوله: «و فيه هلك» (الى هنا) قد أخر في المزار الكبير.

(2)- «على» غير موجود في المزار الكبير.

(3)- في المزار الكبير: «انبثت من ضغث».

(4)- كذا في المزار الكبير لكن في الأصل و البحار و المستدرك و سائر المآخذ: «يعلم».

(5)- نقله ابن أبى الحديد في شرح النهج عند ذكره جملة من غريب كلامه (عليه السلام) مما نقله أرباب الكتب المصنفة في غريب الحديث عنه (عليه السلام) بهذه العبارة (ج 4، ص 363):

«و منها قوله (عليه السلام) و هو يذكر مسجد الكوفة:

في زاويته فار التنور، و فيه هلك يغوث و يعوق، و هو الفاروق، و منه يستتر [كذا و الصحيح: يسير] جبل الأهواز، و وسطه على روضة من رياض الجنة، و فيه ثلاث أعين أنبتت بالضغث، تذهب الرجس، و تطهر المؤمنين، عين من لبن، و عين من دهن، و عين من ماء، جانبه الأيمن ذكر، و في جانبه الأيسر مكر، و لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا.

قال ابن قتيبة: قوله: «أنبتت بالضغث» أحسبه الضغث الّذي ضرب به أيوب أهله، و العين التي ظهرت لما ركض الماء برجله قال: و الباء في «بالضغث» زائدة تقديره أنبتت الضغث كقوله تعالى، تنبت بالدهن، و كقوله: يشرب بها عباد اللَّه.

و أما قوله: «في جانبه الأيمن ذكر» فإنه يعنى الصلاة «و في جانبه الأيسر مكر» أراه أراد به المكر به حتى قتل (عليه السلام) في مسجد الكوفة».

قال ياقوت في معجم البلدان عند بحثه عن الكوفة و ما يتعلق بها ما نصه:

«و أما مسجدها فقد رويت فيه فضائل كثيرة،

روى حبة العرني قال: كنت جالسا عند على (عليه السلام) فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذه راحلتي و زادي.

416

غارة الضحاك بن قيس و لقيه حجر بن عدي و هزيمته‏

عن جندب الأزديّ عن أبيه‏ (1) قال‏ (2): أوّل غارة كانت بالعراق غارة الضّحّاك بن قيس على أهل العراق، و كانت بعد ما حكّم الحكمان و قبل قتل أهل النّهر (3) و ذلك أنّ‏

____________

أريد هذا البيت يعنى بيت المقدس فقال (عليه السلام): كل زادك و بع راحلتك و عليك بهذا المسجد يعنى مسجد الكوفة، فإنه أحد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدلان عشرا فيما سواه من المساجد، و البركة منه الى اثنى عشر ميلا من حيث ما أتيته، و هي نازلة من كذا ألف ذراع، و في زاويته فار التنور، و عند الاسطوانة الخامسة صلى إبراهيم (عليه السلام)، و قد صلى فيه ألف نبي و ألف وصى، و فيه عصا موسى و شجرة يقطين، و فيه هلك يغوث و يعوق، و هو الفاروق، و فيه مسير لجبل الأهواز، و فيه مصلى نوح (عليه السلام)، و يحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا ليس عليهم حساب، و وسطه على روضة من رياض الجنة، و فيه ثلاث أعين من الجنة تذهب الرجس و تطهر المؤمنين، لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبوا».

(1)- قد تقدمت ترجمته (انظر ص 289).

(2)- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج في شرح خطبة لأمير المؤمنين (ع) صدرها:

«أيها الناس المجتمعة أبدانهم» (ج 1، ص 153، س 15): «و هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في غارة الضحاك بن قيس و نحن نقص هاهنا قصتها، روى إبراهيم- بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات قال: كانت غارة الضحاك بن قيس (القصة)» و قال المجلسي (رحمه الله) في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن من غارات أصحاب معاوية (ص 674، س 18): «روى ابن أبى الحديد من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي كما رأيته في أصل كتابه: روى باسناده عن جندب الأزدي عن أبيه قال: أول غارة كانت (القصة)» (لكن مع تلخيص و إسقاط لبعض الفقرات).

(3)- في شرح النهج و البحار: «قبل قتال النهروان».

417

معاوية لمّا بلغه أنّ عليّا (عليه السلام) بعد تحكيم الحكمين‏ (1) تحمّل‏ (2) اليه مقبلا فهاله أمره فخرج من دمشق معسكرا و بعث الى كور الشّام فصاح فيها: أنّ عليّا قد سار إليكم و كتب اليهم نسخة واحدة فقرئت على النّاس:

أمّا بعد فانّا كنّا قد كتبنا بيننا و بين عليّ كتابا و شرطنا فيه شروطا، و حكّمنا رجلين يحكمان علينا و عليه بحكم الكتاب لا يعدوانه، و جعلنا عهد اللَّه و ميثاقه على من نكث العهد و لم يمض الحكم، و انّ حكمي الّذي كنت حكّمته أثبتني، و انّ حكمه خلعه، و قد أقبل إليكم ظالما و من نكث فانّما ينكث على نفسه‏ (3) تجهزّوا للحرب بأحسن الجهاز، و أعدّوا لها آلة القتال‏ (4) و أقبلوا خفافا و ثقالا و كسالى و نشاطا يسّرنا اللَّه و إيّاكم لصالح الأعمال.

فاجتمع اليه النّاس من كلّ كورة و أرادوا المسير الى صفّين فاستشارهم و قال:

انّ عليّا قد خرج إليكم من الكوفة و عهد العاهد به أنّه فارق النّخيلة.

فقال له حبيب بن مسلمة (5): فانّي أرى أن نخرج حتّى ننزل منزلنا الّذي كنّا فيه فانّه منزل مبارك قد متّعنا اللَّه به و أعطانا من عدوّنا فيه النّصف، و قال له عمرو بن العاص: انّي أرى لك أن تسير بالجنود حتّى توغلها في سلطانهم من أرض الجزيرة فانّ‏

____________

(1)- في شرح النهج و البحار: «بعد واقعة الحكمين».

(2)- في الصحاح: «تحملوا و احتملوا بمعنى أي ارتحلوا» و في لسان العرب:

«احتمل القوم و تحملوا ذهبوا و ارتحلوا». و في محيط المحيط للبستانى: «تحمل القوم ارتحلوا أو وضعوا أحمالهم على الإبل يريدون الرحيل و منه قول امرئ القيس:

كأنى غداة البين يوم تحملوا* * * لدى سمرات الحي ناقف حنظل».

(3)- مأخوذ من قول اللَّه تعالى في سورة الفتح (آية 10): «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ‏ (الآية)».

(4)- في الأصل و البحار: «و أعدوا القتال».

(5)- في تقريب التهذيب: «حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب القرشي الفهري المكيّ نزيل الشام، و كان يسمى حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم مجاهدا، مختلف في صحبته و الراجح ثبوتها لكنه كان صغيرا، و له ذكر في الصحيح في حديث ابن عمر مع معاوية، مات بأرمينية كان أميرا عليها لمعاوية سنة اثنتين و أربعين/ د ق».

418

ذلك أقوى لجندك و أذلّ لأهل حربك، فقال معاوية: و اللَّه انّي لأعرف أنّ الرّأي الّذي تقول، و لكنّ النّاس لا يطيقون ذلك، قال عمرو: انّها أرض رفيعة (1) فقال معاوية و اللَّه انّ جهد النّاس أن يبلغوا منزلهم الّذي كانوا به يعني صفّين فمكثوا يجيلون الرّأي يومين أو ثلاثة حتّى قدمت عليهم عيونهم أنّ عليّا اختلف عليه أصحابه ففارقته منهم فرقة أنكرت أمر الحكومة و أنّه قد رجع عنكم اليهم، فكثر سرور النّاس بانصرافه‏ (2) عنهم، و ما ألقى اللَّه من الخلاف بينهم.

فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه منتظرا لما يكون من عليّ و أصحابه و هل يقبل عليّ بالنّاس أم لا؟ فما برح معاوية حتّى جاءه الخبر أنّ عليّا قد قتل تلك الخوارج و أراد بعد قتلهم أن يقبل اليه بالنّاس و أنّهم استنظروه و دافعوه، فسرّ بذلك هو و من قبله من النّاس.

عن عبد الرّحمن بن مسعدة الفزارىّ‏ (3) قال‏ (4): جاءنا كتاب عمارة بن عقبة بن أبي معيط (5)

____________

(1)- في شرح النهج: «رفيقة» من (ر ف ق).

(2)- في شرح النهج و البحار: «فكبر الناس سرورا لانصرافه».

(3)- كذا في الأصل و شرح النهج و البحار لكنا لم نجد له ذكرا في مظانه من الكتب، و من المحتمل قويا أن تكون كلمة «الرحمن» مبدلة من كلمة «اللَّه» ففي الاصابة:

«عبد اللَّه بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذاقة بن بدر الفزاري و قال ابن مسعدة بن مسعود- بن قيس: هكذا نسبه ابن عبد البر و كذا قال ابن حبان في الصحابة: عبد اللَّه بن مسعدة بن مسعود الفزاري صاحب الجيوش، لم يزد في ترجمته على ذلك، و الأول نقله الطبري عن ابن إسحاق و يقال: كان ابن مسعدة صاحب الجيوش قيل له ذلك لانه كان يؤمر على الجيوش في غزو الروم أيام معاوية و هو من صغار الصحابة ذكره البغوي و غيره في الصحابة (الى أن قال) و قال محمد بن الحكم الأنصاري عن عوانة قال: حدثني خديج خصى لمعاوية قال: قال لي معاوية: ادع لي عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري، فدعوته و كان آدم شديد الادمة، فقال: دونك هذه الجارية لجارية رومية بيض بها ولدك و كان عبد اللَّه في سبى بنى فزارة فوهبه النبي (ص) لابنته فاطمة (ع) فأعتقته و كان صغيرا فتربى عندها، ثم كان عند على (ع) ثم كان بعد ذلك عند معاوية و صار أشد الناس على على، ثم كان على جند دمشق بعد الحرة و بقي‏

419

من الكوفة (1) و نحن معسكرون مع معاوية نتخوّف أن يفرغ عليّ من خارجته‏ (2) ثمّ يقبل إلينا و نحن نقول: ان أقبل إلينا كان أفضل المكان الّذي نستقبله به مكاننا الّذي لقيناه فيه العام الماضي‏ (3) و كان في كتاب عمارة:

أمّا بعد فانّ عليّا خرج عليه علية (4) أصحابه و نسّاكهم فخرج عليهم‏ (5) فقتلهم‏

____________

الى خلافة مروان (الى آخر ما قال)» و هو الّذي وجهه معاوية سنة تسع و ثلاثين ليأخذ الصدقات فبلغ ذلك عليا (ع) فوجه المسيب بن نجبة الفزاري فأخرجه، و بقي الى زمن يزيد فوجهه مع ابن عضاه الأشعري لقتال عبد اللَّه بن الزبير فراجع تأريخ الطبري و غيره، فتدبر في سائر وقائعه التي تؤيد ما ذكرناه.

- قال ابن أبى الحديد في شرح النهج (ج 1، ص 154، س 1):

«قال [أي الثقفي‏]: و روى ابن أبى سيف عن زيد بن يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري، قال: جاءنا (القصة)» و قال المجلسي (رحمه الله) في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن (ص 674، س 26): «و عن عبد الرحمن بن مسعدة قال: جاءنا (القصة)».

- قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «عمارة بن عقبة بن أبى معيط، و اسم أبى معيط أبان بن أبى عمرو، و اسم أبى عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و كان عمارة و الوليد و خالد بنو عقبة بن أبى معيط من مسلمة الفتح».

(1)- في شرح النهج: «و كان بالكوفة مقيما».

(2)- في شرح النهج: «من الخوارج».

(3)- في الأصل: «العام الاقضى».

(4)- في شرح النهج: «قراء أصحابه» ففي الصحاح: «فلان من علية الناس و هو جمع رجل على أي شريف رفيع مثل صبي و صبية» و في القاموس: «علية الناس و عليهم مكسورين جلتهم» و في تاج العروس: «أي أشرافهم، و علية جمع على كصبية و صبي أي شريف رفيع كما في الصحاح» و في لسان العرب: «و رجل على أي شريف و جمعه علية، يقال: فلان من علية الناس أي من أشرافهم و جلتهم لا من سفلتهم، أبدلوا من الواو ياء لضعف حجز اللام الساكنة، و مثله صبي و صبية و هو جمع رجل على أي شريف رفيع،

420

و قد فسد عليه جنده و أهل مصره و وقعت بينهم العداوة و تفرّقوا أشدّ الفرقة، فأحببت اعلامك لتحمد اللَّه‏ (1)، و السّلام.

قال: فقرأه معاوية عليّ و على أخيه‏ (2) و علي أبي الأعور السّلميّ ثمّ نظر الى أخيه عتبة و الى الوليد بن عقبة و قال للوليد: لقد رضي أخوك أن يكون لنا عينا، قال:

فضحك الوليد و قال: انّ في ذلك أيضا لنفعا.

و بلغني أنّ الوليد بن عقبة قال لأخيه عمارة بن عقبة بن أبي معيط [يحرّضه‏ (3)]:

فان يك ظنّي بابن امّي صادقا* * * عمارة لا يطلب بذحل و لا وتر (4)

____________

و فلان من علية [أي بتشديد اللام و الياء] قومه و عليهم و عليهم [بكسر العين و ضمها] أي في الشرف و الكثرة قال ابن بري: و يقال: رجل على أي صلب قال الشاعر:

و كل على قص أسفل ذيله‏* * * فشمر عن ساق و أوظفة عجر

و يقال: فرس على (الى آخر ما قال)» و في هامش الكتاب: «قوله: من علية قومه الى آخره هو بتشديد اللام و الياء في الأصل المعتمد و حرره اه» و في مجمع البحرين:

«العلية بالكسر و تضم الغرفة و في حديث الفضيل: أما تشتهي أن تكون من علية الاخوان؟- أي من أشرافهم، يقال: فلان من علية الناس أي رفيع شريف، و فيه: قلت: و من هم؟- قال: الراغبون في قضاء حوائج الاخوان» و في معيار اللغة: «و فلان من علية الناس أي أجلتهم و أشرافهم كعليهم كجسم جمع على كصبية و صبي».

- في شرح النهج: «اليهم».

(1)- في الأصل: «و الحمد للَّه».

(2)- في شرح النهج: «قال عبد الرحمن بن مسعدة: قرأه معاوية على وجه أخيه عتبة و على الوليد بن عقبة».

(3)- أضيف من شرح النهج.

(4)- كانت الأبيات في الأصل مشوشة جدا فصححناها من الطبري و شرح النهج.

و سيأتي توضيح لهذه الأبيات في تعليقات آخر الكتاب ان شاء اللَّه تعالى.

(انظر التعليقة رقم 50).

421

يبيت و أوتار ابن عفّان عنده‏* * * مخيّمة بين الخورنق و القصر

تمشّى‏ (1) رخيّ البال مستشزر القوى‏* * * كأنّك لم تشعر بقتل أبى عمرو

قال: فعند ذلك دعا معاوية الضّحّاك بن قيس الفهريّ‏ (2) و قال له: سر حتّى تمرّ بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه، و ان وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليهما (3)، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في اخرى، و لا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها، فسرّحه فيما بين-

____________

(1)- هو مضارع مخاطب من باب التفعل من «م ش ى» حذفت من أوله احدى التاءين جوازا كما هو القياس و منه قول اللَّه تعالى: «تنزل الملائكة» في سورة القدر أي تتنزل.

(2)- في تقريب التهذيب: «ضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهري أبو أنيس الأمير المشهور صحابى صغير قتل في وقعة مرج راهط سنة أربع و ستين/ س» و قال ابن- عبد البر في الاستيعاب في ترجمته: «كان على شرطة معاوية ثم صار عاملا له على الكوفة بعد زياد، ولاه عليها معاوية سنة ثلاث و خمسين و عزله سنة سبع، و ولى مكانه عبد الرحمن- بن أم الحكم و ضمه الى الشام و كان معه حتى مات، فصلى عليه و قام بخلافته حتى قدم يزيد بن معاوية، فكان مع يزيد و ابنه معاوية الى أن ماتا و وثب مروان على بعض الشام فبويع له، فبايع الضحاك بن قيس أكثر أهل الشام لابن الزبير و دعا له، فاقتتلوا و قتل الضحاك بن قيس و ذلك بمرج راهط» و قال ابن الأثير في أسد الغابة: «و كان على شرطة معاوية و له في الحروب معه بلاء عظيم، و سيره معاوية على جيش فعبر على جسر منبج و صار الى الرقة و مضى منها فأغار على سواد العراق و أقام بهيت ثم عاد ثم استعمله معاوية على- الكوفة بعد زياد سنة ثلاث و خمسين، و عزله سنة سبع و خمسين، و لما توفى معاوية صلى الضحاك عليه و ضبط البلد حتى قدم يزيد بن معاوية فكان مع يزيد و ابنه معاوية الى أن ماتا، فبايع الضحاك بدمشق لعبد اللَّه بن الزبير و غلب مروان بن الحكم على بعض الشام فقاتله الضحاك بمرج راهط عند دمشق، فقتل الضحاك بالمرج و قتل معه كثير من قيس عيلان، و كان قتله منتصف ذي الحجة سنة أربع و ستين».

أقول: ترجمته مذكورة مفصلة في كتب العامة و تصدى لترجمته من علمائنا المامقاني (رحمه الله) أيضا في تنقيح المقال فمن أراد البسط فليراجعه فان فيه كفاية للمكتفى.

(3)- في الأصل: «فان قدرت على مسلحة أو خيل له عابرين في سبيل فأغر عليهما».

422

ثلاثة آلاف الى أربعة آلاف جريدة خيل‏ (1) قال:

فأقبل الضّحاك يأخذ الأموال و يقتل من لقي من الأعراب حتّى مرّ بالثّعلبيّة (2) فأغار خيله على الحاجّ‏ (3) فأخذ أمتعتهم، ثمّ أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذّهليّ‏ (4) و هو ابن أخي عبد اللَّه بن مسعود صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) فقتله في طريق الحاجّ عند القطقطانة (5)

____________

(1)- «جريدة خيل» في الأصل فقط، ففي الصحاح: «و يقال: جريدة من خيل للجماعة جردت من سائرها لوجه» و في القاموس: «الجريدة خيل لا رجالة فيها كالجرد» و في لسان العرب: «و خيل جريدة لا رجالة فيها، و يقال: ندب القائل جريدة من الخيل إذا لم ينهض معهم راجلا (الى آخر ما قال)» و في معيار اللغة: «و جرادة كسلالة و جريدة كسفينة فرسان لا رجالة فيهم».

(2)- في مراصد الاطلاع: «الثعلبية منسوب بفتح أوله من منازل طريق مكة قد كانت قرية فخربت و هي مشهورة».

(3)- في محيط المحيط للبستانى: «الحاج الّذي حج البيت الحرام، و يأتى الحاج اسم جمع بمعنى الحجاج و عليه قول النحاة: قدم الحاج حتى المشاة».

(4)- في تنقيح المقال: «عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي هو ابن أخى عبد اللَّه- بن مسعود قتله الضحاك من قبل معاوية في طريق الحاج، و قتل معه أناسا من أصحابه، فصعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر و قال: يا أهل الكوفة اخرجوا الى العبد الصالح عمرو بن عميس و الى جيوش لكم كذا في البحار عن كتاب الغارات، و أقول: نعتبره ثقة لوصفه (ع) إياه بالصالح».

(5)- في الأصل: «و بلغ القطقطانة» قال الجوهري: «القطقطانة بالضم موضع» و قال ياقوت في معجم البلدان: «القطقطانة بالضم ثم السكون ثم قاف اخرى مضمومة و طاء اخرى و بعد الالف نون و هاء، و رواه الأزهري بالفتح موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف، به كان سجن النعمان بن المنذر، و قال أبو عبيد اللَّه الكوفي: القطقطانة بالطف بينها و بين الرهيمة مغربا نيف و عشرون ميلا إذا خرجت من القادسية تريد الشام، و منه الى قصر مقاتل ثم القريات ثم السماوة، و من أراد خرج من القطقطانة الى عين التمر ثم ينحط حتى يقرب من الفيوم الى هيت».