تاريخ أرض الإسلام الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام‏

- كزاوية دو بلانول المزيد...
505 /
5

فهرس الكتاب‏

تقديم الكتاب 11

مدخل 19

الفصل الأول: نشأة الإسلام و مغزاه الأنثر بولوجي- الجغرافي 25

1. الظروف الأنثر بولوجية- الجغرافية لنشأة الإسلام 25

أ. الإطار البشري في وسط الجزيرة العربية في عهد النبوة:

البدو و الحضر 25

ب. النتائج الجيوسياسية العامة للاحتكاك بين البدو و الحضر 28

ج. التفرد الأنثروبولوجي- الجغرافي للإسلام: التحالف بين الحضر و البدو 36

د. المكانة الثانوية للحياة الزراعية في الإسلام 50

2. انتشار الإسلام و نتائجه 52

أ. التحول إلى البداوة و صمود الفلاحين أمامه 52

ب. الحضر و الفلاحون 64

3. مبادئ تنظيم المجال في الإسلام 80

أ. الهياكل السياسية 80

ب. عناصر الجغرافية الإقليمية 84

مختارات بيبليو غرافية 91

6

الفصل الثاني: العالم العربي: أ. الشرق الأدنى 93

مقدمة 93

1. توازن ما قبل الإسلام و حركات انتشار البداوة 94

2. صمود الفلاحين 103

أ. الإطار الموروث 103

ب. مناطق اللجوء 114

ج. اقتصار إمكانيات الحماية الكاملة على الإطار الجبلي 119

3. استرجاع المواقع و التوسعات المعاصرة 124

أ. العناصر البشرية الجديدة: النزول من الجبل 125

ب. العناصر البشرية الجديدة: استقرار البدو 127

ج. النتائج: اتساع مجال المناطق المروية 131

د. النتائج: استيطان الأطراف الجافة: منطقة الجزيرة 138

4. الدول 141

أ. دول البدو 141

ب. الدول الحضرية 144

ج. الدول الجبلية 146

مختارات بيبليو غرافية 149

الفصل الثالث: العالم العربي: ب. إفريقيا الشمالية 151

مقدمة: تميز التاريخ المغاربي 151

1. توازن شمال إفريقيا قبل الهجرة الهلالية 153

أ. الاستعمار في العهود القديمة 154

7

ب. تغير خط الليمس و دلالته: ظهور البداوة الكبرى ذات الطابع العدواني 157

ج. الفترة الإسلامية الأولى و استمرارية الإرث القديم 160

2. خراب بلاد المغرب 163

أ. إشكالية التحولات المناخية 163

ب. الغزوات الهلالية و آثارها 168

ج. عمليات الاسترداد الأولى و الوضع السائد قبل الفترة الاستعمارية 186

3. آثار الاستعمار الأوربي 194

أ. الاستيطان الأوربي في السهول و نتائجه 194

ب. التحولات الداخلية في حياة السكان المحليين 206

مختارات بيبليو غرافية 214

الفصل الرابع: العالم العربي: ج. الصحراء 217

1. بداوة ما قبل الإسلام في الصحراء و تأثير الإسلام 217

2. نحو توازن جديد 226

مختارات بيبليو غرافية 233

الفصل الخامس: العالم التركي- الإيراني 235

مقدمة 235

1. البداوة و حياة الاستقرار قبل الغزوات التركية- المغولية الكبرى 236

2. انتشار البداوة في العصور الوسطى 250

أ. انتشار البداوة الكبرى في إيران 251

8

ب. غزوات و استيطان الأتراك في الأناضول 260

3. تطور البداوة: التحولات الأولى 267

أ. الاستقرار الأول و تنظيم طرق البداوة في الأناضول و إيران 267

ب. مرحلة الأحلاف الكبرى في الأناضول و إيران 272

ج. البداوة و التبلور الإثني في آسيا الوسطى السفلى بعد الفترة المغولية 276

4. تطور البداوة: الاستقرار و التحول في الفترة المعاصرة 278

أ. السياسة العثمانية لاستقرار البدو 278

ب. الاستعمار الروسي و الصيني و استقرار البدو في آسيا الوسطى 285

ج. التطورات المؤجلة: إيران و أفغانستان 291

5. إعادة التعمير في الفترة المعاصرة: العناصر البشرية 296

أ. الهجرات 297

ب. المهاجرون الأتراك 302

6. إعادة التعمير في الفترة المعاصرة: مجالات الاستقبال و أنماط الاستيطان 315

مختارات بيبليو غرافية 328

الفصل السادس: الإخفاقات الأوربية 331

1. حوض البحر المتوسط الغربي 331

2. شبه جزيرة البلقان 331

مختارات بيبليو غرافية 348

9

الفصل السابع: الأطراف الاستوائية 349

مقدمة

1. إفريقيا السوداء: الهياكل السياسية الإسلامية و آثارها الأنثروبولوجية- الجغرافية 351

أ. الأسلمة الرعوية لمناطق الأدغال و البراري 351

ب. التنظيمات السياسية الإسلامية 357

ج. الحصيلة السلبية للإسلام في إفريقيا السوداء 367

2. إفريقيا السوداء: المقاومات 370

أ. المقاومات الجبلية 370

ب. السهول و الأودية الفيضية و مناطق المستنقعات 374

ج. مقاومات السهول المنفتحة 378

3. إفريقيا السوداء: آثار الاستعمار 380

أ. توسع و إنكماش مراكز المقاومة الباليوزنجية 381

ب. حركة إعادة الاستيطان القائمة على الزراعة المطرية في البراري 383

ج. تطوير النطاقات المروية 384

د. التطور المتواضع لحياة البداوة 387

4. الهند 389

مختارات بيبليو غرافية 396

الفصل الثامن: بحار الجنوب 399

1. الأدوات 399

أ. الملاحة البحرية: 399

10

ب. العنصر البشري: 410

2. النتائج 414

أ. بطء حركة انتشار الإسلام 414

ب. السواحل 416

ج. التقدم نحو الداخل 422

مختارات بيبليو غرافية 429

بيبليو غرافيا الكتاب 431

الخرائط الملحقة بالكتاب 454

فهارس الكتاب 467

فهرس الأعلام 469

فهرس الجماعات 475

فهرس الأماكن 483

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقديم الكتاب‏

كان و لا يزال العالم الإسلامي بمختلف أقطاره و تعدد شعوبه و تنوع مظاهر الحياة فيه، موضوعا مفضلا لدى الدوائر العلمية في أوربا و أمريكا، و مجال اهتمام متزايد من قبل الأكاديميين من غير المسلمين، و خاصة ما يعرف منهم بالمستشرقين و المستعربين، مما وفر للمهتمين بالحضارة الإسلامية رصيدا معرفيا متميزا سواء من حيث الرؤى التي يقدمها أو المادة التي يعرضها و حتى المناهج التي يأخذ بها، و هذا ما كان له تأثير ملموس على الواقع الثقافي و التوجهات العلمية في أغلب الأقطار الإسلامية، و خاصة فيما يتعلق بعرض القضايا الحضارية أو ما يتصل بتحقيق التراث و تحليله.

فرغم ما يؤخذ على إسهام حركة الاستشراق أو ظاهرة الاستعراب في نظرتها لقضايا الإسلام و موقفها من أحداث التاريخ الإسلامي و تقييمها للجهد الحضاري للمسلمين، و بغض النظر عن الآراء المختلفة حولها بين رافض مستنكر لأحكامها و متقبل لمناهجها و معجب بأطروحاتها، إلا أن إسهامها العلمي و حضورها المعرفي كان و لا يزال يشكل جزءا أساسيا من المكتبة الإسلامية العربية، و خاصة ما يتصل منه بالخلفية التاريخية للأحداث و الصورة الأدبية للتراث أو ما يتعلق بتحليل المجال الجغرافي و الوضع الاجتماعي و البعد الثقافي للمجتمعات العربية الإسلامية.

إن الدراسات المتعلقة بالعالم الإسلامي في الغرب بفضائه المعرفي‏

12

الواسع من سان فرانسيسكو غربا و إلى طوكيو شرقا، تجاوزت الآن مرحلة التعرف على الآخر المتمثل في العالم الإسلامي و الذي يشكل العروض الوسطى للكرة الأرضية من طنجة إلى مانيلا، و لم تعد هذه الدراسات تقتنع بتوفير الخلفية المعرفية للمشاريع السياسية و الخطط الاستعمارية كما كان عليه الأمر في القرن الماضي، بل تجاوزت ذلك إلى رصد أوضاع البلدان الإسلامية الراهنة و تحليل المعطيات المعرفية المتعلقة بها في مختلف جوانبها التاريخية و الجغرافية و البشرية و النفسية و العقائدية، لأن هدفها الرئيسي هو تكوين مفهوم شامل و صورة متعددة الأبعاد متكاملة الرؤى عن العالم الإسلامي، تحدد في إطارها خصوصية كل قطر و أوضاع كل شعب انطلاقا من المواصفات العامة و ضمن القواسم المشتركة و ذلك بهدف رصد الحركية الذاتية للشعوب الإسلامية و التعرف على مدى قدرتها و استجابتها للحوافز الداخلية و رصد قابليتها للاستفادة من مكونات موروثها الحضاري، ليسهل على ذوي السلطة و أصحاب القرار في الغرب الأوربي و الأمريكي تحديد أسلوب التعامل مع البلدان الإسلامية حاضرا و رسم سياسة التواصل معها مستقبلا.

و ضمن هذا التوجه أصبحت مراكز البحث حول العالم الإسلامي في الغرب تولي اهتماما متزايدا بكل ما يشكل الفضاء الإسلامي كظاهرة حضارية مركبة تتحكم فيها جدلية العناصر المكونة للحضارة الإسلامية و المتمثلة في الموروث التاريخي و البعد الروحي للحقائق البشرية و شروط البيئة و ظروف العلاقات الإنسانية، في وقت ظلت فيه النظرة الأدبية و الميل العاطفي تطبع جهد المسلمين في دراستهم لتراثهم و تفاعلهم مع البيئة التي يعيشون فيها و يتعاملون معها، و هذا ما حد من قيمة إنتاجهم العلمي المتعلق بجوانب حضارتهم، بل أظهر بعض الدراسات الغربية عن العالم الإسلامي أكثر عمقا في المعالجة و تميزا في المنهج و بعدا في النظر، بحيث فرضت نفسها على الساحة الثقافية و أصبح من الصعب على أي باحث تجاوزها أو

13

تجاهل الإشكاليات التي تطرحها.

لقد كان لمدرسة الاستشراق الفرنسية في هذا المنحى تميزا خاصا في النصف الأخير من القرن الماضي، نتج عن الخلفية التاريخية للعلاقات الثقافية الفرنسية مع العالم الإسلامي منذ حملة نابليون على مصر (1798) و عمل على الارتقاء بها سعي المؤرخين الفرنسيين في دراستهم للحضارة الإسلامية تجاوز التصورات القديمة و طرح مفاهيم جديدة تماشيا مع منهج مدرسة الحوليات الفرنسية(E ?cole des Annales) في مجال علوم الإنسان التي تدرس النشاط البشري باعتباره حصيلة تفاعل عوامل الزمان و المكان و الإنسان في إطار تكامل مختلف المعارف الإنسانية، و هذا ما جعل الدراسات الخاصة بالعالم الإسلامي في فرنسا تتوفر على إنتاج علمي محترم ساهمت به مؤسسات علمية متخصصة جهود باحثين أكاديميين بمختلف الجامعات و مراكز البحث في فرنسا، و خاصة الجيل المتأخر، منهم أساتذة أعلام من أمثال جان سوفاجي(J .Sauvaget) و روبير مونتران(R .Mantran) و آندري ريمون(A .) )Raymond( و جان كوهين(J .Cohen) و دومينيك سوردال(D .Sourdel) و ف.

بوردييه(F .Bourdier) و آندري ميكال(A .Miquel) و كزافييه دو بلانهول(X .) )Planhol( و موريس لومبار.(M .Lombard)

و قد حظيت بعض كتابات هؤلاء الباحثين الفرنسيين في تاريخ و حضارة الإسلام بترجمات عربية نالت اهتمام القراء، مثل كتاب موريس لومبار" الإسلام في مجده الأول" الذي ترجم عدة مرات‏ (1)، بينما ظل البعض‏

____________

(1) موريس لومبار، الإسلام في مجده الأول (ق. 8- 11 م/ 2- 5 ه)، ترجمة إسماعيل العربي، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر، 1979

- موريس لومبار، الإسلام في فجر عظمته، ترجمة حسين العودات، دمشق، وزارة الثقافة و الإرشاد، 1979.

- موريس لومبار، الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي خلال القرون الأربعة الأولى، ترجمة عبد الرحمن حميد، دمشق- بيروت، دار الفكر، 1998.

14

الآخر مع أهميته بعيدا عن أيدي القراء العرب؛ و لعل أهم هذه الكتب التي ظلت في حكم المجهول لدى القارئ العربي كتاب" الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" لكزافييه دو بلانهول و الذي نسعد بتقديم ترجمته العربية إلى جمهور القراء العرب.

إن كتاب" الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" (منشورات فلاماريون، باريس، 1968) (1) هو حصيلة التجربة العلمية لمؤلفه التي اكتسبها في مراكز الأبحاث الفرنسية، و عرضها في قاعات مدرسة اللغات الشرقية بباريس و مدرجات جامعتي السوربون و نانسي في فترة الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي، و هذا ما أهله لأن يصبح أحد الأعلام المجددين في الدراسات الجغرافية و التاريخية المتعلقة بالعالم الإسلامي بفرنسا، نال عضوية أكاديمية العلوم لما وراء البحار و انتسب إلى الأكاديمية الأوربية، و عدّ مع برودال(F .Braudel) في طليعة الباحثين الذين أثروا إصدارات المكتبة العلمية في الدراسات الإنسانية بفرنسا التي تهتم أساسا بنشر نتائج البحوث الميدانية.

لقد عرف كزافييه دوبلانهول بأعماله العلمية العديدة و التي تجاوزت خمسين بحثا أو دراسة في التاريخ و الجغرافيا عن مختلف الأقطار الإسلامية، ورد ذكر الكثير منها في بيبليو غرافيا الكتاب، صدر بعضها في شكل كتب تولت نشرها مؤسسات علمية و منها:

1. الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام، منشورات فلاماريون، باريس، 1968، موضوع ترجمة هذا الكتاب.

2. العالم الإسلامي، محاولة في الجغرافية الدينية، سلسلة أساطير و معتقدات، المنشورات الجامعية الفرنسية، باريس، 1959.

____________

(1)

Xavier de Planhol, Les fondements ge? ographiques de I`histoire de I`Islam, Nouvelle bibliothe? que scientifique dirige? e par Fernand Braudel, Paris, Flammarion, 8691( 244 p. ).

15

3. من سهل بامفيليا إلى بحيرات بيزيديان بالأناضول: محاولة في دراسة الترحل و الحياة الفلاحية، منشورات المكتبة الأثرية و التاريخية للمعهد الفرنسي للآثار بإستانبول، باريس، 1958.

4. القرى الجديدة بمنطقة الجزائر الوسطى (الأطلس البليدي و الشنوة و متيجة الغربية)، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة الجزائر، باريس، 1961.

5. أبحاث في الجغرافيا البشرية لأقاليم إيران الشمالية، سلسلة مذكرات و وثائق، منشورات المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، باريس، 1954.

6. الإسلام و البحر أو المسجد و البحار.

7. الأقليات في الإسلام، سلسلة الجغرافية السياسية و الاجتماعية، منشورات فلاماريون، باريس، 2001.

لقد تركزت جل كتابات كزافييه دو بلانهول حول الجغرافية التاريخية و الديمغرافية لتركيا و إيران و الجزائر، فكانت عينات علمية و مرتكزات منهجية انطلق منها لوضع تاريخ لأرض الإسلام، عالج فيه واقع العالم الإسلامي بخلفية المؤرخ و حضور الجغرافي و دقة الإحصائي، فتميزت دراساته بالعمق في النظرة و الشمول في التناول و الجدة في الطرح.

إن ما يميز إنتاج دو بلانهول و خاصة منه كتاب" الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" هو تجاوزه في دراساته للحضارة الإسلامية منظور الماضي إلى رصد الوضع الحاضر، فحاول وضع تاريخ للبيئات التي ظهر فيها الإسلام و انتشر بها أو انحسر عنها، و ذلك بالرجوع إلى خصوصية كل قطر و تحليل أوضاعه البشرية و استقراء خلفيته التاريخية و تلمس قدرة المجتمعات المحلية على التفاعل مع شروط البيئة و التطورات التي تفرضها الصيرورة التاريخية، ليخلص في الأخير إلى تحديد الخطوط العامة التي أعطت العالم الإسلامي‏

16

وحدته الحضارية المتكاملة القائمة على مفهوم وحدة العقيدة و المستندة إلى معطيات التاريخ و النابعة من شروط البيئة و المعبرة عن حركية المجتمع.

لقد التزم دو بلانهول في رصده لواقع المجتمعات الإسلامية و محاولته إيجاد تفسيرات منطقية لها، بمنهج مدرسة الحوليات الفرنسية

( E? cole des )) Annales (

في العلوم الإنسانية و المعارف الاجتماعية، فسار على خطى لوسيان فيفر(L .Fe ?bvre) و مارك بلوك(M .Bloch) و فرناند برودال(F .) )Braudel( ؛ إذ زاوج بين التاريخ و الجغرافيا، و انتفع بنتائج علوم الاجتماع و الإحصاء و الأنثر و بولوجيا، و جمع بين أسلوب الجغرافي و نظرة المؤرخ و تقنية الأثري و ملاحظة الأنثروبولوجي، فلم ينظر إلى المجتمعات المسلمة في مختلف أقطارها كإثنيات منطوية على نفسها و إنما رأى فيها ظواهر حضارية تعبر عن واقع بشري يتميز بالمحافظة على طابعه و يتصف باستمرارية و تواصل نشاطه الإنساني المحكوم بإشكالية عبقرية المكان و فاعلية الإنسان التي أعطت للمجموعات البشرية في العالم الإسلامي خصوصيتها الذاتية و تكاملها الحضاري. و هذا ما جعل التاريخ عند كزافييه دو بلانهول بمثابة جغرافية الماضي، كما أظهر الجغرافيا كمسرح لأحداث التاريخ؛ فالخلفية التاريخية بهذه المقاربة التي أخذ بها كزافييه دو بلانهول لا تفسر إلا بشروط المكان، كما أن المجال الجغرافي لا يفهم إلا من خلال معطيات التاريخ و نوعية النشاط البشري المعبر بالضرورة عن مدى التوافق بين قدرات الإنسان و إمكانيات المكان سلبا أو إيجابا.

انطلاقا من هذه المقاربة، حاولا كزافييه دو بلانهول أن يجعل من كتابه" الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" عرضا شاملا لجهوده العلمية و خلاصة لأطروحاته الجغرافية و استنتاجاته التاريخية و تطبيقا لمنهجيته و طريقته في البحث، فجاء كتابه إسهاما معرفيا جادا و جهدا علميا متميزا من حيث طريقة عرضه لأوضاع المجتمعات الإسلامية، التي تجاوز في معالجتها الماضي الحضاري و الأوضاع الحالية إلى رصد حركية الفرد المسلم في وسطه‏

17

الاجتماعي و بيئته الجغرافية، و هذا ما جعل من هذا الكتاب كما وصفه مؤلفه تاريخا لأرض الإسلام.(Histoire de la terre de l ,Islam)

إن كتاب" الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" باعتباره حصيلة جهد علمي خالص، لم يقف فيه صاحبه عند أطروحات مدارس الاستشراق التقليدية، و إنما حاول تجاوزها بالرجوع إلى المستجد من نتائج الدراسات التاريخية و الجغرافية، و خاصة منها الألمانية و التركية التي ظلت بعيدة عن أيدي عموم الباحثين العرب لتخصصاتها الدقيقة و صعوبة الوصول إليها.

إن المادة العلمية لهذا الكتاب موجهة في أساسها للجمهور الأوربي و ليس للقراء في العالم الإسلامي، و هذا ما جعلها تعبر بالضرورة عن وجهة نظر خاصة بالفضاء المعرفي الغربي، فلا تأخذ بالاعتبار متطلبات الذهنية المشدودة إلى العرض الأدبي و المولعة بعبارات الإشادة و التمجيد و المتحفظة عن كل موقف نقدي قد يخدش الذاكرة التراثية؛ و إنما تحاول الإلتزام قدر الإمكان بموقف حيادي في عرضها للحقائق و تحليلها للمعطيات، و إن كانت في بعض الأحيان تتأثر بالصور النمطية التي كونها الأوربيون عن الحضارة الإسلامية، و لعل هذا ما جعل المؤلف يقر أفكارا و يعرض مفاهيم تعبر عن وجهة نظره الخاصة لا نسلم بصحتها و لا نقر استنتاجاتها، لأنها صادرة عن خلفية حضارية مختلفة و معبرة عن وجهة نظر خارجية لا تخضع للاعتبارات الدينية التي تطبع حياة المسلمين، و هذا ما تنبه إليه المترجم مشكورا و علق عليه في أماكنه من النص تماشيا مع متطلبات الأمانة العلمية التي تقتضي عرض رأى المؤلف كما ورد في النص الفرنسي مع التعليق عليه، متفاديا بذلك التحويرات التي عرفتها ترجمات العديد من كتب المستشرقين، لأن ذلك لم يعد يخدم الثقافة العربية و صار لزاما على العالم العربي أن يرى صورته كما ارتسمت في المخيال الأوربي ليتمكن من الرد العلمي و الجواب الموضوعي الكفيل بإظهارها على حقيقتها.

18

لقد سعدت بمراجعة هذا الكتاب و تقديمه للقارئ العربي، بعد أن ظلت ترجمته إلى العربية أمنية تراودني منذ أن اطلعت عليه و تبينت لي أهمية الإشكالية التي يعرضها و المعلومات التي يتضمنها، و سررت لظهور هذه الترجمة التي وفق فيها الأستاذ الباحث د. معاوية سعيدوني بفعل جديته في البحث و تمكنه من اللغتين الفرنسية و العربية، و استطاع أن يتجاوز الصعوبات الناتجة عن خصوصية الاصطلاحات الجغرافية و دقة التعابير العلمية و كثافة المعلومات التاريخية، فجاءت ترجمة الكتاب واضحة من حيث العرض و السياق، سليمة من حيث اللغة و الأسلوب، تعكس روح النص الفرنسي و بيان الأسلوب العربي، فجمعت بين صحة المعنى و سلامة المبنى، فكانت بحق إضافة نوعية للمكتبة العربية و إثراء لرصيد الدراسات الاستشراقية، فهنيئا للأستاذ د. معاوية سعيدوني على ترجمته الأمينة و المتميزة، و طوبى للقارئ العربي بهذه النافذة الجديدة التي يطل منها على المستجد من الدراسات الأوربية عن العالم الإسلامي. و اللّه الموفق.

د. ناصر الدين سعيدوني مونتريال، كندا في 10/ 07/ 2007

19

مدخل‏

يهدف هذا الكتاب إلى وضع تاريخ لأرض الإسلام، و هو أول محاولة من نوعها؛ فرغم توفر كتب ضخمة و ذات مضمون نوعي عن تاريخ الدين و الفكر و المجتمع في الإسلام، لم نجد دراسات تتناول بشكل منهجي و شامل الأرضية التي نما فيها هذا الدين. و رغم اهتمام بعض الباحثين بحياة الفلاح و البدوي، فإن الأرض التي يزرعها الفلاح و البراري التي يتنقل عبرها البدوي لم تكن أبدا موضوع دراسة من حيث كونها أرضية خصبة تارة و عقيمة تارة أخرى لتطور المجتمعات الإسلامية.

هذا و قد حان الوقت لإنجاز هذا المشروع بعد الجهد الكبير الذي قام به جيل كامل من الباحثين، من الجغرافيين خاصة، و من المؤرخين و علماء الاجتماع أحيانا، و الذي أثمر منجزات رائدة تخص أطرا إقليمية محدودة. ففي سنة 1959، اعتبر ج. فون غرونباوم(G .von Grunebaum) أن الوقت قد حان لإنجاز دراسة مقارنة و منهجية في هذا المجال، فاقترح علي و على ف. برودال(F .Braudel) ، بتوصية من ب. غورو(P .Gourou) ، إنجاز النسخة الفرنسية لسلسة دراسات باللغة الألمانية في هذا الموضوع‏ (1).

إن المدة الطويلة التي استغرقها إنجاز هذا الكتاب، و التي استطاع‏

____________

(1) ظهر الكتاب في نفس الوقت في طبعة ألمانية لأرتميس فرلاغ‏(Artemis Verlag) بزوريخ، و طبعة إنكليزية لجامعة كاليفورنيا و دار روتلاج و كيغان‏(Routledge and) )Kegan( بلندن.

20

خلالها صاحبه بصعوبة جمة تخصيص بعض الوقت لإنجاز حوصلة شاملة لأبحاثه الخاصة المتعلقة بأطر إقليمية محدودة، كانت من أهم إيجابياتها الاستفادة من الدراسات الحديثة التي عرفت نموا مضطردا، و الانتفاع بعدد من الحوصلات الجزئية و الدراسات النوعية.

*** في كتاب سابق أكثر محدودية و تسرعا (1)، حاول الكاتب معاينة العلاقة بين الدين الإسلامي و الإطار الجغرافي على المستوى العام، بينما يتعرض الكتاب المقدم للقارئ اليوم لجوانب ملموسة على المستوى الإقليمي، إذ حلله الكاتب من خلالها تأثير دخول المسلمين، أكثر منه من انتشار الإسلام في تلك البلاد التي فتحوها. و بفضل أدوات انتشار الإسلام الرئيسية و المتمثلة في البدو دوما، و الحضر في كثير من الأحيان، و في البحارة المستكشفين أحيانا أخرى، يتبين أن هذا الدين يشكل أداة تغيير قوية و خارقة للعادة للظروف العامة المتحكمة في كيفية شغل الأراضي. و إن كان دخول الإسلام إلى بلد ما لا تترجمه دائما تحولات آنية، فإننا نلاحظ، على مدى زمني أطول، بروز العوامل العامة المؤدية إلى تقهقر الحياة الريفية و انتشار البداوة و الذي تعرضنا له في هذا المدخل. فمن وجهة النظر التاريخية، مع اختلاف زمني لبضعة قرون في بعض الأحيان، و مع الإقرار ببعض الاستثناءات الناجمة عن ظروف محلية خاصة، فإن انتشار الإسلام قد ترجمته، على الأقل في نطاقه الرئيسي الممتد من الصحراء الأطلسية و من تخوم إفريقيا الاستوائية إلى قلب آسيا الوسطى، تقلبات هائلة على مستوى الإطار البشري. هذا و رغم وجود نظرية تقلل من الدور الذي لعبه الإسلام في هذا المجال و تفسر هذه التقلبات بالموقع الجغرافي المتاخم لأقاليم جدباء تتجاذبها حياة الاستقرار و حياة البداوة بشكل طبيعي في محيط الصحاري الكبرى للعالم القديم، فكان‏

____________

(1)Planhol ,7591 .

21

ردنا على هذه النظرية يتمثل في أن الإسلام ليس مسئولا بالطبع عن هذه التطورات إلا أنه رسخها بشكل ملفت، و إذا لم يكن الإسلام هو المسؤول الأصلي عن الهجوم فإنه جعل عملية الدفاع مستحيلة، و إذا لم يحدث الإسلام هذه الشروخ فإنه تقبل آثارها، مما يؤكد وجود توافق جلي بينها و بينه، فهو لم يكتف بتبنيها و إنما جعلها الحالة الطبيعية السائدة، كما أنه لعب دورا في تلغيم عوامل المقاومة، و عرقل باستمرار، حتى الفترة المعاصرة، محاولات التطور العكسي. و هذا التوافق لا يقبل النقاش عموما، إن كان ذلك من حيث التطور الزمني أو على خارطة المعمورة (1).

إن الأولوية الظاهرية و المباشرة لعالم الروح على عالم المادة، لا يجب أن تجعل القارئ يتبنى تفسيرا معمما و خاطئا بالضرورة بخصوص تأثير القوى المختلفة، فصاحب هذا الكتاب من أولئك الذين يعتقدون (أنظر الفصل الأول) أن الإسلام، و هو عامل مؤثر قوي في الإطار الجغرافي و صيرورته التاريخية، قد تأثر بدوره، و منذ بداياته، بهذا الإطار و بهذه الصيرورة. لقد كان التوافق طبيعيا بين الإسلام و بين نتائج الحالة الأنثروبولوجية و الجغرافية التي تم التطرق إليها أعلاه، لأن الدين الإسلامي في حد ذاته نتيجة لهذه الحالة في ظرف تاريخي معين. بهذا نفهم الآلية العامة للتأثير المتبادل بين الديانات و الإطار الجغرافي‏ (2)، فالدين يشهد عند نشأته عملية تأقلم و يتأثر بحتميات أساسية قد لا تكون ظاهرة اليوم غير أن التحليل المعمق يسمح في أغلب‏

____________

(1) لا نسلم بوجهة النظر هذه التي أخذت بها العديد من الدراسات الغربية و التي تحاول أن تجد صلة بين الإسلام و متطلبات أسلوب الحياة في البيئات الصحراوية، متجاهلة الأوضاع السابقة للإسلام و الظروف التي استجدت بعد انتشاره؛ فمن المسلم به أن الإسلام دين حضري في أساسه، ظهر في بيئات حضرية (مكة المكرمة و المدينة المنورة)، و عمل على القضاء على مظاهر الجاهلية، و أسس لمجتمع منضبط و منظم يشجع على حياة الاستقرار و على تقنين و تطوير الأعمال الزراعية و المهن الحرفية و المبادلات التجارية (المترجم).

(2) يقدم الكتاب لا حقا تفسيرات مفصلة و أمثلة عديدة عن هذه الظاهرة.

22

الأحيان باستكشافها، بعد ذلك يمر الدين بفترة فتوحات حاملا نظرته للعلاقات التي تربط الإنسان بالطبيعة إلى نطاقات جغرافية بعيدة قد تختلف تماما عن موطنه الأصلي. فهناك أرضية مادية تتمثل في الواقع الملموس تسبق التصورات الدينية غير أن هذه الأخيرة تؤثر بدورها على هذه الأرضية المادية.

*** إن طبيعة هذا الكتاب جعلت من الصعب إنجاز بيبليو غرافية جامعة قد تضم آلاف العناوين، و لهذا فإن المختارات البيبليو غرافية التي أدرجت في نهاية كل فصل كان الهدف منها الإشارة إلى أهم المؤلفات في مجالي الجغرافيا و الجغرافيا التاريخية (و لم يتم إدراج الدراسات التاريخية المحضة إلا نادرا، و إن استعملنا جداولها التاريخية في دراستنا) التي يمكن الرجوع إليها في إطار دراسة أكثر تعمقا للمجال الجغرافي. هذا و لم نتردد في إدراج العديد من الهوامش، التي خصصناها أساسا للإشارة إلى الأعمال التي تعطي نظرة عن آخر ما أنجز بخصوص المسائل المدروسة، و قد أدرجنا هذه الأعمال في فهرس بيبليو غرافي ألف بائي، و أملنا أن يصبح هذا الكتاب أداة عمل مفيدة تسمح بالوقوف على الجدل الدائر حول الإشكاليات القائمة المتعلقة بهذه المسألة أو تلك، و في المقابل لم نورد إلا نادرا المصادر الأصلية، و فضلنا ذكر الترجمات إلى اللغات الغربية إن وجدت، و لم نلجأ إلى ذلك إلا في حالة عدم استعمالها سالفا أو عدم إدراجها في دراسات منهجية علمية يسهل الوصول إليها.

لم يترك التصور الذي وضع لسلسلة الدراسات باللغة الألمانية، و التي كان هذا الكتاب موجها إليها في البداية، مجالا لإدراج الخرائط، إلا أن الكاتب اختار، بعد تفكير ملي و محاولات عدة، إدراج عدد محدود من الخرائط الإقليمية التحليلية، مما يجعل هذا الكتاب من النوع الذي تستوجب قراءته الاستعانة بأطلس جغرافي.

23

بما أن الكتاب يتوجه في الأساس إلى جمهور القراء من غير المستشرقين، فإننا توخينا كتابة صوتية فرنسية للغات (العربية، الفارسية، الخ.)، و كذلك في المجالات الجغرافية التي لا تستعمل رسميا الحروف اللاتينية.

كما أننا أبقينا على الكتابة الأنكلوسكسونية المعتمدة في البلاد التي تعرف تأثيرا رسميا للغة الإنكليزية (الهند و البلدان الإفريقية التي تعتمد اللغة الإنكليزية)، و كذلك الأمر بالنسبة للكتابة اللاتينية المعتمدة في اللغة التركية.

كما أبقينا على الكتابة العلمية (النظام الدولي المعتمد بالنسبة للحروف السيريلية) و تلك التي استعملها العديد من الباحثين عند اقتباسنا للنصوص أو ذكرنا للمراجع.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الفصل الأول نشأة الإسلام و مغزاه الأنثر بولوجي- الجغرافي‏

1. الظروف الأنثر بولوجية- الجغرافية لنشأة الإسلام‏

أ. الإطار البشري في وسط الجزيرة العربية في عهد النبوة: البدو و الحضر

1. ترعرع الإسلام في جزء متميز من وسط الجزيرة العربية هو الحجاز، فالحافة المرتفعة من الجبال الكريستالية المشرفة من الجهة الشرقية على منخفض البحر الأحمر تنحني نسبيا بين خطي 27 و 24 درجة شمال خط الاستواء، بينما تقسم كسور طولية منحدرها الداخلي إلى منخفضات ملأت أجزاء منها تراكمات بركانية. و تسمح مسالك عرضية سهلة إلى حد ما باختراق السلسلة الساحلية و بربط الصلة بين الساحل و الداخل، بينما تساير الطرق الرابطة بين الشمال و الجنوب المنخفضات الداخلية ذات التكوين التكتوني(tectoniques) ، التي تتبعها أيضا الشبكة المائية، كما هو الحال بالنسبة للوادي الممتد على مسافة طويلة بين مكة و المدينة. في هذا المجال الذي يطبعه الجفاف الحاد، إذ لا تتجاوز نسبة التساقط في أي نقطة منه 100 مم سنويا، توجد منابع ماء في أسفل الهضاب التي تشكلت من تراكم الطمي؛ و قد أوجدت هذه المنابع مواقع واحات ذات أهمية، مثل موقع المدينة. و نظرا لوقوعه بين أسفل كتلة نجد الكريستالية الثقيلة التي تمتد في وسط الجزيرة العربية كله، و بين منحدرات الجبال الساحلية الشديدة التي ترتفع شمال المدينة

26

و جنوب مكة، فإن الحجاز يكون إقليما مؤهلا طبيعيا لأن يكون نقطة التقاء و مجالا لتطور الحياة الحضرية (1).

2. من المؤكد أن الحياة الحضرية قديمة في هذه المنطقة، فمدنها كانت دوما محطات عبر طرق القوافل الكبرى التي تتبع الأودية الطولية الداخلية و تحمل من جنوب الجزيرة العربية إلى البلاد المتوسطية المواد الثمينة من توابل و بخور. و قبيل ظهور الإسلام عرفت مدن الحجاز فجأة ازدهارا معتبرا، و سلط عليها الضوء في مجال العلاقات التجارية في تلك الحقبة، مما يجعل من الصعب عدم ربط هذا الازدهار و نشأة الإسلام كما سيتضح لا حقا.

هذا و أن معوقتنا بالظروف التي أحاطت بهذا الازدهار التجاري في القرن السادس شهدت الدول الحضرية في جنوب الجزيرة العربية انحطاطا، فقد خضعت للاحتلال الحبشي في 525 ثم الفارسي في 572، و فقدت استقلالها بعد تراجع امتد لفترة طويلة (2) تسببت فيه الضربات التي تلقتها من البدو و دول الحبشة، و من المحتمل أن تراجع النشاط البحري كان له دور في ذلك أيضا. و قد أعطى انحطاط جنوب الجزيرة العربية أهمية أكبر لدور الوساطة أو الحماية المأجورة للقوافل الذي كان يضطلع به عرب الوسط و الشمال‏ (3)، الذين حولوا لفائدتهم التجارة البعيدة التي احتكرها طويلا عرب الجنوب و التي لم يكونوا يحصلون إلا على القليل من أرباحها. بهذا تزايدت ثروة مدن الحجاز بشكل مدهش، فقد كان مجهزو القوافل في مكة عشية الهجرة النبوية يحققون أرباحا تتراوح نسبتها بين 50 و 100 (4). في هذا الظرف بالذات الذي طبعه الثراء السريع و في قلب هذه الواحة التي كانت تشهد طفرة تجارية، بعث النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(1)

Gaudefroy- Desmombynes, 7591, p. 51- 61; Brunschvig, 3591.

(2)Von Wissmann ,3591 ,7591 .

(3)Rodinson ,7591 .

(4)Lammens ,3291 -42 .

27

3. ينتشر البدو حول مدن وسط الجزيرة العربية و يستخدم أغلبهم الجمال للتنقل على مسافات طويلة و للقيام بأعمال عدوانية. هذا و رغم الغموض المحيط بنشأة الحياة البدوية في الجزيرة العربية، فإنه يمكن تحديد تاريخ ترويض الجمل، و هو الشرط الأساسي لقيام الحياة البدوية، في القرنين الثالث عشر و الثاني عشر قبل الميلاد تقريبا، حيث ترجع أولى الشواهد على استعمال الجمل في القوافل إلى هذه الفترة (1). على أن انتشار هذا النمط من البداوة ذات الطابع الحربي في كل الجهات الصحراوية و الشبه الصحراوية للجزيرة العربية، تم على مراحل نجهل تفاصيلها. هذا و يجب الإقرار، على الأقل في خطوطها الكبرى، بنظرية كاسكل(W .Caskel) (2) الذي يعتبر أن انتشار البداوة تم انطلاقا من شمال و شمال غرب الجزيرة العربية، على الأرجح عن طريق طرد الحضر باتجاه الجنوب، و لم يصل هذا النمط إلى حدود المناطق الحضرية في جنوب الجزيرة العربية إلا في القرون المسيحية الأولى. و في هذه الفترة بالذات، تراجع دور الممالك الجنوبية القائمة على الزراعة، و أهم حادثة ضمن هذا الإطار هي تهدم سد مأرب الكبير نهائيا في القرن السادس، في الوقت الذي ترسخ فيه نمط العيش البدوي الذي نعرفه اليوم، و تراجعت فيه الكتابة التي كانت مزدهرة إلى ذلك الوقت لصالح التراث الشفوي الغالب لدى البدو، كما تنسب الكتابة المعروفة بالثمودية إلى جماعات بدوية واسعة الانتشار (3).

____________

(1) حسب أفكار:W .F .Albright . أنظر التوضيحات الأخيرة التي قدمها:

Mikesell, 5591; von Wissmann, 9591; de Planhol, 4691.

و هناك من ذهب‏(Dostal ,9591) إلى أن ترويض الجمل أقدم من ذلك بكثير، و أن نهاية الألفية الثانية لم تشهد سوى تغيير طريقة الركوب باعتماد الركوب على الحدبة و السرج، مما يسمح بالتنقل بسرعة أكبر. هذا و يبدو أن ترويض الجمل يرجع إلى أواسط الألفية الثانية على الأقل‏(Lambert ,0691) .

(2)Caskel ,3591 a ,b . ضمن نفس التوجه، أنظر:Ho ?fner ,9591 .

(3)Ryckmans ,6591 .

28

حين بعث النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) كانت هذه العملية قد اكتملت رغم أن بدو عصر الهجرة النبوية احتفظوا ببقايا نظام اجتماعي سابق. فعلى سبيل المثال يرجح أن انتشار النمط الأبوي و التجمعات القائمة على السلالة الأبوية لم يكن قد حل إلا منذ عهد قريب مكان نمط أقدم قائم على الانتساب للأم‏ (1)، غير أن الخصائص الرئيسية لهذا المجتمع كانت قد اتضحت بحيث يمكن إجمالها في: الحياة العدوانية القائمة على الغارات و ما يتبعها من أعمال انتقامية، و التضامن القبلي، و أنظمة الحماية، و البنية الاجتماعية المؤسسة على الانتساب لجد واحد، كل ذلك في جو تسوده طباع الخشونة. أما النظام السياسي المتميز بعدم استقرار القبائل و إعادة تشكلها المستمر طبقا للنتائج التي تفرزها الحرب، و القائم على دور شخصيات قوية تجمع حولها مجموعات غير قارة، فهو يوافق النظام المعروف في الفترة المعاصرة (2). في مقابل ذلك نجهل الكثير عن ظروف مشاركة البدو في النشاط الكبير للقوافل في الجزيرة العربية و دقائق علاقاتهم مع المدن المنظمة لهذا النشاط.

ب. النتائج الجيوسياسية العامة للاحتكاك بين البدو و الحضر

يتضح لنا أن الإسلام نشأ في مجال بشري معين مرسوم المعالم و هو مجال احتكاك البدو و الحضر، بحيث لا يمكننا فهم نشأة هذا الدين دون‏

____________

ضد هذه النظرية:(van den Branden ,7591 . كما أن‏Caskel ,3591 ,b ، يرجح أن أصحاب الكتابة الثمودية ليسوا بدوا حقيقيين. بينما يعتبرHo ?fner ,9591 أغلبهم من البدو.

(1)Watt ,9591 . هناك من قلل من أهمية هذا الأمر:Spencer ,2591 ;Henninger ,9591 ,p .19 -29

(2) بالنسبة للمجتمع القديم، أنظر:Lammens ,4191 ، و خاصة التوضيح الأخير الذي قدمه:Henninger ,9591 . أما فيما يخص المجتمع المعاصر، أنظر:

Jaussen, 8091; Musil, 8291; von Oppenheim, 9391- 2591; Montagne, 7491; Dickson, 9491.

29

وضعه ضمن هذا المشهد العام. فما هي إذن الظواهر التاريخية التي حددت ملامح هذا المشهد؟ و ما هي البنيات السياسية التي يمكن أن تنشأ في هذه الظروف و ما هو مآلها؟

1. إن أهم معطى ذو طابع ديمغرافي يتمثل في الفائض البشري الدائم للمجتمع البدوي" الذي يولد بانتظام و باستمرار الرجال و كأنهم جراد" (1).

فالصحراء تفرز الحياة بشكل مدهش، و تصب قسوة طبيعتها الفائض البشري في المناطق الصالحة للزراعة. و هنا تمكن آلية الضغط الديمغرافي المستمر في الحياة البدوية الصحية، فمناخ الصحراء رغم قسوته يعتبر صحيا (2)؛ كما أن توزيع البدو عبر مساحات شاسعة يمنحهم مناعة حقيقية في مواجهة الأوبئة التي كانت تطبع الحالة الصحية التقليدية للعالم الحضري‏ (3)، حيث هذا الفائض يكون مآله القبر إن وجد في المجال الحضري الذي يتميز بظروف صحية رديئة. كما أن المجتمعات البدوية التي تعرف جمودا ديمغرافيا تشكل حالات استثنائية (مثل منغوليا في بداية القرن العشرين)، و عادة ما تتسبب في هذا الجمود بنية اجتماعية غير طبيعية (العدد الكبير من الأفراد المنتمين لطبقة اللاما، و العزوبة التي تفرضها حياة الأديرة و التي تمس ثلث الذكور على الأقل)، و لم يتحقق التوازن الديمغرافي بين البدو و الحضر إلا في الفترة المعاصرة خلال الجيلين الأخيرين، مع أفضلية للحضر الذين تنخفض بينهم وفيات الأطفال و النساء المنجبات، مما ينتج عنه معدل توالد أكبر بالرغم من خصوبة أقل في المدن منها في الريف (4 مقابل 5) (4). و بالرغم من التطورات الحاسمة في مجال الصحة التي عرفتها العشريات الأخيرة، ظل تأثير الضغط الديمغرافي للبدو منتظما. و في هذا المنظور يتوجب اليوم إعادة الاعتبار جزئيا

____________

(1)Weulersse ,9491 ,p .46 .

(2)Ibid .

(3)Barth ,1691 ,chap .IX ,pp .311 -121 .

(4)Muhsam ,1591 .

30

للتفسيرات السيكولوجية" الساذجة" التي ترى أن للمجتمع البدوي جنوحا كبيرا نحو شن الغارات‏ (1)، و ميلا أساسيا إلى الروح العدوانية (2)، مما يفسر حسب استنتاجاتها الفتوحات العربية، هذا و لا ضير في الإقرار بهاته التفسيرات بشرط الوقوف على أسسها المادية. هذا و قد تنبه ابن خلدون لأهمية المجال الصحراوي كمنبع للتفوق البنيوي و المعنوي للبدو على الحضر، و الذي يرجعه لأسباب رئيسية ثلاثة: التغذية الطبيعية و التقشف في الحياة؛ و الهواء الصحي للصحراء، بينما هواء المدن ملوث بخليط من الروائح الكريهة التي تسببها الكمية الكبيرة من الأوساخ؛ و أخيرا التمرين المستمر للجسم، لأن البدو يكونون دوما في حالة حركة و نشاط. و يضيف ابن خلدون أن الطب ضروري للشعوب الحضرية و لسكان المدن، بينما لا جدوى منه في حال الشعوب البدوية (3).

2. هذا و لا تشذ الصحراء العربية الشامية عن هذا القانون العام، فقد تقدم البدو على مر العصور باتجاه المناطق الحضرية من الهلال الخصيب، حتى أن مثلا عربيا يقول أن اليمن مهد العرب و العراق قبرهم‏ (4)، حيث أن هذا التقدم من ثوابت تطور بلاد الرافدين‏ (5). و يعود ذكر توسع العرب باتجاه الشمال إلى القرن التاسع قبل الميلاد كما تثبته بعض الكتابات المسمارية (6)، مما أدى، في فترة سابقة للإسلام إلى تعريب واسع لبلاد الشام‏ (7). و مما عزز تقدم العرب موافقة هذا الاتجاه للهجرات الموسمية للبدو الذين كانوا يقضون‏

____________

(1)Lammens ,4191 ,p .233 -433 .

(2)Schumpeter ,8191 -91 .

(3)

Prole? gome? nes, trad. de Slane, I, 771- 381; II, 683- 19.

(4) ذكره:von Wissmann ,9591 ,p .119 ..

(5)Kupper ,9591 .

(6)Grohmann ,7591 .

(7)Dussaud ,5591 .

31

الشتاء في صحراء النفوذ الكبرى و عروقها، و يقيمون في الصيف في صحاري الشام و بلاد الرافدين‏ (1).

3. هذا و هناك فرق جوهري يجب التنبه إليه، فالعلاقات بين البدو و الحضر تختلف حسب مستوى التنظيم الذي يتمتع به البدو. ففي حالة السكان الذين يعيشون في المرحلة السابقة للبداوة، أي الذين لا يتوفرون على الحصان و الجمل، و إنما يعتمدون أساسا على تربية الأغنام، كما هو حال سكان البراري أكثر منه حال أهل الصحراء، و يعيشون على هامش عالم الحضر حسب نمط عيش هامشي من وجهة النظر الاقتصادية، يرجح ميزان القوة لصالح الحضر، بينما يعيش البدو في حالة تبعية قد تتخللها بعض الأزمات نتيجة إخضاعهم من طرف الحضر؛ و في هذه الحالة يخترق البدو، الذين يتفوقون بفائضهم الديمغرافي، على المجتمع الحضري من خلال تسرب بطي‏ء و تدريجي. و هذا هو الوضع الذي كان سائدا، على سبيل المثال، في أطراف الهلال الخصيب حتى الألفية الأولى قبل الميلاد كما تخبرنا عن ذلك خصوصا نصوص ماري‏ (2). و قد تم مؤخرا استبدال المفهوم التقليدي ل" الغزوات" السامية لبلاد الرافدين بمفهوم التسرب المستمر للبدو، الذي ساعدت عليه في بعض الفترات الأزمات الداخلية للمجتمع الحضري‏ (3).

4. في مقابل ذلك يتمتع بدو أوراسيا المعتمدون على العربات و قطعان الماشية الكبيرة و المعروفين عادة ب" الفاهرر"(Fahrer) ، خلافا ل" الرايتر"(Reiter) أو البدو المعتمدين على الحصان أو الجمل، بتكاتف أو تضامن سياسي و قدرة على التوسع تفوق بكثير قدرة سكان البراري الفقيرة السابقين‏

____________

(1)Raswan ,0391 .

(2)Kupper ,7591 .

(3)Kupper ,9591 . و كذلك:Klengel ,2691 ، الذي يؤكد على الطابع السابق للبداوة لرحل ماري.

32

لمرحلة البداوة. فموازين القوى القائمة بينهم و بين المجتمعات الحضرية متوازنة إلى حد كبير، رغم أن شغل الأرض في الحالتين لا يختلف كثيرا.

بالإضافة إلى تنقل البدو" الفاهرر" ببطء كبير بحيث لا يتجاوز تنقلهم يوميا 5 إلى 8 كيلومترات‏ (1)، و يتم في إطار جماعات كبيرة، بحيث يمكن اعتباره هجرة شعب بكامله و ليست مجرد غزوة حربية؛ كما أن الآفاق الجغرافية ليست محدودة بالضرورة، فعلى سبيل المثال، تمت هجرة الشعوب الناطقة بالآرية نحو إيران و الهند قرونا بل ألفيات من الزمن. أما نتائج هذه الآلية فهي تشبه نتائج التسرب التدريجي مع غياب للظروف الاستثنائية.

5. أما حركية" الرايتر" أو البدوي المتنقل و العدواني، فهي مختلفة تماما، مع العلم بأن الاختراق العربي لصحراء الشام بدأ بهذا الشكل منذ تحول الجزيرة العربية إلى حياة البداوة. و تقطع الكتل القبلية هنا مسافات تتراوح بين 25 و 40 كلم يوميا بالنسبة للبدو الذين تضم قطعانهم العديد من الحيوانات الحاملة للأثقال‏ (2)، و تزيد المسافة عن ذلك بكثير بالنسبة لمجموعات المحاربين الخفاف. في هذه الحالة تتصف العلاقات بين الحضر و البدو بخاصيتين مختلفتين. فمن جهة تمر هذه العلاقات بفترات" طبيعية" يتم فيها تحجيم البدو في الصحراء بواسطة شبكة من المراكز و النقاط المحصنة، من قبيل الليمس(Limes) الروماني و سور الصين العظيم، و ينشأ تبعا لذلك نوع من التعاون القائم على المصلحة المتبادلة بين العالمين، فالبدو يبحثون عن موارد لتنظيم و قيادة القوافل مستغلين في ذلك وضعهم كوسطاء ضروريين بين المجالات الحضرية البعيدة عن بعضها البعض، فيوجهون نشاطهم نحو نسج‏

____________

(1) كان هذا هو حال رحل حوض الفولغا(Volga) الأسفل على عهد غيوم دي روبروك‏(Guillaume de Rubrouck) ، أنظر:

Hanc? ar, 5591, p. 855.

(2)Hanc ?ar ,5591 ,ibid .

33

العلاقات بكل أشكالها، غير أن هذا الوضع لا ينفي الغارات المعزولة و الظرفية و المحدودة كتلك التي كان يتعرض لها الليمس الروماني. هذا هو الوضع الذي كان سائدا على سبيل المثال في الصحراء الطرابلسية و التونسية في القرنيين الأول و الثاني الميلاديين بفضل السلم الروماني(Pax Romana) الذي ساعد على تطور التجارة الكبرى العابرة للصحراء (1). في هذه الظروف يكون بسط السلطة السياسية للبدو على الحضر محدودا و لا يتعدى واحات معزولة في قلب المناطق غير القابلة للزراعة. في المقابل تمر العلاقة بين البدو و الحضر بفترات متأزمة، تشهد شروخا في الأسوار و غزوات عنيفة، يبدو فيها عالم البدو و كأنه يتحرك فجأة، ليدمر بدون مقاومة تذكر الدفاعات القائمة و يستحوذ على أجزاء قد تكون شاسعة من مجال الحياة الحضرية التي تشهد نتيجة ذلك تراجعا كبيرا. فمن أتيلا(Attila) إلى النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جنكيز خان، و من" الغزوات الكبرى" إلى الفتوحات العربية و الغزوات التركية المنغولية و فتح المندشو(Mandchous) لبلاد الصين، نجد أنفسنا أمام تحولات حاسمة في تاريخ العالم القديم.

6. ما هي إذن أسباب و آلية هذه الأزمات؟ للإجابة عن هذا السؤال تم اقتراح تفسيرات مختلفة جوهريا عن بعضها البعض.

أ. التفسير الأول الذي يمكن وصفه ب" التأريخي"(historicisant) يقوم على نفي المشكلة. و قد تبناه ببراعة غروسي(R .Grousset) (2) بخصوص الأزمة الجنكيزخانية، و اعتمده ضمنيا في أعماله حول التاريخ الآسيوي، و مفاده أن" الانطلاقات الكبرى" للبدو مرتبطة بظهور رجال متميزين ينجحون في إقامة وحدة سياسية في مجال البراري و جمع قبائل كانت في حالة من التشرذم لتكتسب قوة اندفاع كبرى، فمن وجهة النظر هذه ترتبط الغزوات الكبرى‏

____________

(1)Demougeot ,0691 .

(2)Grousset ,9391 ;1491 ;4491 .

34

أساسا بنزوات و مصائر فردية من قبيل تلك التي طبعت شخصية جنكيز خان.

ب. و يربط تفسير آخر أسباب الأزمة بحتمية طبيعية، أي قسوة النطاق الجاف. فتوسع مجال المناطق الجافة تدريجيا و فجائيا منذ العصر ما بعد الجليدي تسبب في العديد من الهجرات الكبرى، مع العلم بأن السنوات العجاف تؤدي إلى نتائج كارثية و تقضي على حوالي 40 أو 50 من قطعان الماشية في صحاري الشرق الأوسط (1). و هذه النظرية التي وضعها هو نتينغتون(E .Huntington) لآسيا الوسطى، ثم عممها عالميا بنوع من الإفراط (2)، تعرضت لانتقادات كبيرة بينت عدم صلاحية نظرية التوسع المستمر للنطاقات الجافة (3). على أنه لا يمكن أن نغفل الآثار العميقة التي قد تحدثها التحولات المناخية على الحياة البشرية (4)، بحيث يعتبر الكثير من المؤرخين، خاصة منهم الأنجلوسكسون، أن المناخ يشكل عاملا أساسيا، و قد تبنى توينبي(A .Toynbee) هذا التفسير.

ج. توجد مجموعة ثالثة من الباحثين تحاول أن تجد الحل لهذه الأزمة في حتمية اجتماعية و ليست طبيعية. فهناك من فسر تنامي الروح العدوانية لدى البدو بتراجع التجارة الكبرى العابرة للصحراء التي تعود إلى الفترة الرومانية و ما انجر عنها من إفقار للبدو (5). ففي هذه الحالة يوجد

____________

(1) كما حدث للشمار في 1925، أنظر:Teleki ,5391 ,p .371 .

(2)Huntington ,7091 ;4291 ;5391 .

(3)de Terra ,1391 .

(4) منذ الحوصلة التي أنجزها:Brooks ,9491 ، نشهد اهتماما كبيرا بهذا الموضوع. و يمكن الرجوع بخصوص الآليات المناخية للدراسة الواضحة التي أنجزها:، 1957Pe ?delaborde . كما يمكن الاعتماد على أعمال المؤتمر التي نشرها شابلي:Shapley ,3591 .Changes of Climate ,1691 ، و هي تهمنا أكثر لارتباطها بموضوعنا أي المنطقة الجافة.

(5)Capot -Rey ,0691 .

35

السبب خارج النطاق الخاص بالبدو. و قد بذل لا تيمور(Lattimore) جهدا أكبر لتحديد معالم هذه النظرة للعلاقات السياسية بين العالمين الحضري و البدوي بالنسبة لآسيا الوسطى‏ (1). من هذا المنظور تخضع عملية توسع و تراجع البدو لنظام دوري، ففي عهد" الأسوار الكبرى"، كان مجال حركة البدو منحصرا في الأطراف، على أن فترات من التوسع كانت تحدث طبيعيا لرغبتهم في مراقبة حركة التجارة مع المناطق الرعوية (الماشية و الصوف) أو بين الواحات، و تتشكل بذلك دول قائمة على أرستقراطية بدوية و قاعدة حضرية، يكون فيها جزء من البدو قوات احتياطية في خدمة الحكم، و هذا الوضع يمكن تسميته بعهد" الأسوار الصغرى" الذي يوازي عهد" الأسوار الكبرى" و الذي يتم التطور خارجه، و يتميز بإخضاع العديد من المناطق البدوية بفعل جاذبية الدولة المختلطة، غير أن الفجوة لم تلبث أن تعمقت شيئا فشيئا بين مصالح و ثروات الأرستقراطية البدوية المهيمنة على الحضر و التي تزداد ثراء، من جهة، و مصالح البدو الذين ظلوا في البراري محرومين من الجزء الأكبر من الفوائد، لتتلاشى أخيرا سلطة الأسرة الحاكمة على البدو الذين بقوا في قلب البراري، و هكذا تنتهي دورة، و يفتح الطريق أمام غزوة جديدة. إن هذا الإطار العام الذي يتميز بسلطة الأسر البدوية الحاكمة على بلاد الحضر، يعقبه التحرر التدريجي للشعوب البدوية من سلطة هذه الأسر بموازاة تحضرها، و هذا ما تكرر مرارا خلال التاريخ الصيني. كما أن هذه النظرية الدورية لظهور و انحطاط الإمبراطوريات ذات المنشأ البدوي تظهر بجلاء لدى ابن خلدون‏ (2).

و حتى في زمن أكبر الفتوحات الإسلامية، نشهد" دورة" (حسب مفهوم لا تيمور) نموذجية في حوض تاريم(Tarim) أو تركمانستان الصيني حاليا (3) و منغوليا. ففي فترة أولى (682- 742) كان الكوكتورك (الأتراك السماويون)

____________

(1)Lattimore ,1591 .

(2)

Prole? gomenes, Livre premier, troisie? me section, ..." sur les dynasties" ....

(3)von Gabain ,9491 .

36

يحتلون براري منغوليا، و شرعوا في الاستقرار في فترة ثانية (742- 840) بفعل تزاوجهم مع النساء الصينيات من الأسر النبيلة و مزاولتهم التجارة مع الصين بواسطة الجمال، إذ يفرض عليهم النشاط التجاري الإقامة بالمدينة لاستحالة تخزين البضائع تحت الخيام. و في 758 أسست مدينة باي باليك(Bay Balik) أي" المدينة الغنية". و عندما تحول الويغور(Ouygour) إلى حضر و تجار و مزارعي واحات، فقدت البراري شيئا فشيئا أهميتها، و انتهى الأمر باستيلاء الكرغيز(Kighizes) على يايلا أوتوكين(Yayala d`Otu ?ken) المقدس، و سرعان ما انقطعت الصلات مع البراري التي أصبحت مجالا لقطاع الطرق (حسب نص مؤرخ في سنة 983). هذا و يندرج وضع مكة في الفترة التي سبقت الإسلام مباشرة و لو جزئيا ضمن هذا النوع من الدورات، فقبيلة قريش المكية كانت من أصل بدوي لكنها عرفت الاستقرار منذ أكثر من قرن بحيث فقدت كل اعتبار سياسي لانتمائها الأصلي، و حتى و إن لم تكن القطيعة تامة بينها و بين القبائل المجاورة، فإن علاقات الحضر معها لتنظيم تجارة القوافل تعبر عن توازن معقد للمصالح و القوى. ففي مجال اجتماعي كهذا، كانت بعثة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مؤهلة لأن تأخذ وجهة أخرى. هذا و ليس هناك تناقض بين التفسير الاجتماعي و التفسير" الطبيعي" بشرط أن لا تعتبر التحولات المناخية سوى فرصا أو عوامل تحريك لآلية تحققت كل شروطها البشرية.

ج. التفرد الأنثروبولوجي- الجغرافي للإسلام: التحالف بين الحضر و البدو

إن المصير المدهش الذي قاد القبائل العربية، خلال عشريات معدودة، من صحاريها إلى ضفاف المحيط الأطلسي و الهضبة الإيرانية، يمكن اعتباره إحدى الأزمات الكبرى للبداوة العدوانية التي تطرقنا إليها. هذا و السؤال المطروح يتعلق بمدى إمكانية تطبيق هذه الآليات على الدين الإسلام الناشئ؟

1. لا يتسع هذا الكتاب للتطرق لشخصية النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد تطرق أصحاب التفسير التأريخي بإسهاب لمميزات شخصيته الخارقة للعادة،

37

و اعتبروها العامل الأساسي الذي قام عليه الإسلام متجاهلين بشكل شبه كلي دور المحيط (1). و إن كان تميز الشخصية هذا قاعدة بالنسبة لمؤسسي الديانات، و ليس هنالك شي‏ء خارق للعادة من منظور التاريخ العام للأديان، غير أن شيئا فريدا حدث في التاريخ العربي، و لن يتكرر أبدا، ألا و هو العلاقة التي تبدو بديهية بين حركة التوسع و شخصية النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) القوية.

إن هذه الملاحظة الأولية تترك الباب مفتوحا لنقاشات أوسع: فإلى أي مدى تأقلمت التعاليم التي نشرها النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، عن وعي و عن غير وعي، بمجالها؟ في البداية لا يمكن تجاهل دور المجال في صقل هذه التعاليم و تبعا لذلك كل التطورات التي عرفها الدين الجديد لا حقا؛ و من جهة أخرى، إلى أي مدى ساهم المجال الاجتماعي و الجغرافي في نجاح الدعوة المحمدية و حتى في ظهورها؟ إذ كان من الممكن أن ينتصر المكيون، ليصبح الإسلام أحد" الأديان المجهضة" العديدة التي شهدها العالم. و في هذا الإطار، يتوجب علينا التحليل حتى و إن أقررنا بأولوية تفرد شخصية النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

رغم عدم إمكانية فصل منشأ الإسلام و توحيد الجزيرة العربية عن شخصية النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن دور هذه الشخصية لم يكن مؤثرا في" المغامرة الإسلامية الكبرى"، أي الفتح العربي. و رغم أن الدعوة المحمدية دعوة شاملة، فإنه من المبالغ فيه القول بأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حدد أهدافا" عالمية" للدين الجديد، فالفتح التوسعي لم يبدأ إلا في آخر حياة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، منذ من 630، على حساب الإمبراطورية الفارسية التي دب فيها الضعف آنذاك، كما أنه من الصعب الجزم بأن المسلمين كانوا هم الذين دشنوا هذه العملية أو أنهم تابعوا و حولوا لصالحهم حركة سابقة لهم من عمليات الإغارة على العراق، كما يجزم وات.(W .M .Watt) كما أن غزوة تبوك (أكتوبر- ديسمبر 634) و هي‏

____________

(1)Bousquet ,4591 .

38

أقصى ما وصلت إليه غزوات الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) نحو الشمال و التي رسمت صورة حروب الفتح الكبرى اللاحقة، لا تتجاوز في الحقيقة مجال التأثير الطبيعي لدولة قائمة على مدن الحجاز و ترمي إلى بسط سيطرتها على الطريق التجاري الكبير المتجه نحو الشمال. لهذا لا يمكننا الاكتفاء بالدور المشهود للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) لتفسير توسع الإسلام خارج الجزيرة العربية.

في واقع الأمر لم يقتصر أصحاب النظرية" التأريخية" في تحليلهم لشخصية النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فبحثوا عن ما يفسر سلسلة" الصدف المتتابعة" المرتبطة بالفتح الإسلامي. و أكبر جهد ضمن هذا التوجه قام به بوسكيه(G .H .Bousquet) (1) الذي يعتبر أن الفتح العربي كان نتيجة سلسلة من العوامل الداخلية (بعثة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، توحيد الجزيرة العربية على يديه، و كذلك وجود زعماء حرب متميزين من بين العرب كان عمر في طليعتهم)، و عوامل خارجية (حالة الضعف و الوهن التي طبعت الإمبراطوريتين الكبريين، البيزنطية و الساسانية، حيث لم تعد قوتهما تتعدى المظاهر). غير أن هذا التحليل، الصحيح جزئيا، لا ينطبق، كما يقر بذلك بوسكيه نفسه، سوى على أسباب نجاح محاولات الفتح العربي و ليس على الآلية الأصلية التي كانت تدفع العرب إلى الفتح. ففيما يخص هذه الآلية، يرى الكاتب نفسه أنها تتعلق بأسباب اقتصادية و عوامل دينية بحتة و ذلك منذ الفترة الأولى لفتح الجزيرة العربية (2)، كما عبر عن ذلك بوضوح القرآن الكريم بخصوص غزوة أحد:

... مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ... (آل عمران، الآية 152). و من هنا يجب التطرق كذلك في هذا الأمر لحقائق أخرى.

2. من الضروري إذن التدقيق في آليات مختلفة، طبيعية أو اجتماعية، سبق ذكرها. يجب أولا التعرض لنظرية الحتمية المناخية التي تحصر الأزمة

____________

(1)Bousquet ,6591 ,a ,b .

(2)Bousquet ,6591 ,b ,p .04 -14 .

39

الإسلامية في اندفاع بدوي أوجدته فترة جفاف مناخي، و التي دافع عنها كايتاني(Caetani) (1). و هناك دراسة جديدة دققت في هذه الإشكالية (2)، أكدت أن منطقة الشرق الأوسط عرفت تدهورا مناخيا ميزته فترات جفاف كارثية بين 591 إلى 640، كما تزامنت الفترة الأولى من تعاظم الضغط البدوي مع سنوات جافة (484 و 512- 517)، و لم تكن هذه التحولات المناخية ثانوية، فقد أمدت الزعماء العسكريين و الدينيين بمخزون بشري يتمتع بعدوانية متزايدة و مستعد لاتباعهم نحو الأرض الموعودة، و يعبر عن ذلك بيت يخاطب البدوي معناه" أنك لم تترك حياة البداوة طمعا في الجنة و إنما طمعا في الخبز و التمر" (3)، كما أن القائد الفارسي رستم خاطب مبعوثا مسلما، في سنة 637، قائلا: أنكم لم تقوموا بما قمتم به سوى هربا من الفقر و ظروف عيشكم البائسة (4). و الملفت للانتباه في هذا الشأن أن المدينة استوردت كميات معتبرة من القمح من مصر التي كانت قد فتحت حديثا، كما شكل الانتشار في الأراضي المفتوحة في مرحلة ثانية منفذا لفائض السكان. لهذا يجب الإقرار بأن الدوافع الاقتصادية لعبت دورا مهيمنا في عملية تجنيد البدو للقيام بالجهاد.

3. على أن هذا التفسير يبقى محدودا، فالفتح الإسلامي، حتى في بداياته الأولى، يتجاوز بكثير نطاق أزمة توسع البداوة العربية. فالهضبة الإيرانية ظلت منيعة في وجه تسرب البدو إليها، و كان فتح المغرب العربي (670- 700) مشروعا عسكريا و سياسيا محضا و لم يعتمد على البدو. كما أن تعقيد الجهاز السياسي و الديني للدين الجديد لم يكن في متناول إمكانيات البدو البسطاء. فالمثل الأعلى للإسلام الناشئ كان حضريا بالأساس، حيث يحتاج‏

____________

(1)Caetani ,1191 ,passim ,p .12 ,972 ,663 -86 .

(2)Butzer ,7591 .

(3) ذكره:Hitti ,7391 ,p .441 .

(4)Bala ?dhuri ,trad .Hitti ,6191 ,p .114 -21 .

40

الإسلام إلى المدينة ليحقق أهدافه الاجتماعية و الدينية، فتأسيس مدينة من الأعمال الجليلة كما يدل على ذلك عدد الأساطير الدينية المتعلقة بتأسيس المدن، و هناك العديد من المزايا الروحية المرتبطة بالإقامة في المدينة المنورة حتى أن مغادرتها كانت تستوجب الحصول على ترخيص خاص، و على العكس من ذلك تعتبر الهجرة إلى المدينة من أجل الأعمال.

كما أن صلاة الجماعة هي من أسس الدين الإسلامي، و أعظم صلاة هي صلاة الجمعة حيث تجتمع الأمة كلها، و تحتاج هذه الصلاة لمساجد قارة تجمع عددا كبيرا من الناس. و المدينة هي قبل كل شي‏ء مكان الجامع الكبير في مقابل المساجد الصغيرة حيث تقام الصلوات اليومية و التي يكون بناؤها أقل صلابة. و قد دار نقاش بين أهل العلم لإيجاد تحديد دقيق للأماكن التي يمكن أن تقام فيها صلاة الجمعة، و حصروا ذلك في المدينة، كما دار جدل حول حجم التجمعات التي تصلح لإقامة هذه الصلاة، فتسمى تارة مدنا و تارة بنادر و تارة أخرى قرى كبيرة. في كل الأحوال خص الحضر دون غيرهم بهذه الميزة، فالمسجد يجب أن يكون قارا و مبنيا في كل أجزائه، حتى أن فقهاء متشددين أبطلوا صلاة الجمعة في مصلى يكون سقفه مفتوحا بسبب تهدمه.

و إذا ما تجاوزنا صلاة الجمعة الكبرى نلاحظ أن الممارسات الإسلامية تتناسب مع حياة الحضر؛ فهناك المسجد بميضأته التي تتطلب تجهيزا معقدا، و الصلوات الخمس اليومية التي تقام عقب الآذان، و صوم رمضان و نشاطه الليلي، كل ذلك يوافق حياة المدن. كما أن الحياة الحضرية الضرورية لإقامة صلاة الجماعة ضرورية كذلك لتوفير العيش الكريم الذي دعا إليه الإسلام، فالإمام يجب أن يحيا حياة برجوازية، و النساء يجب أن تتحجبن، مما يتنافى مع ضرورات نمط العيش البدوي أو الريفي عموما. إن هذا المثل الأعلى الصارم الحذر هو مثل تجار الحجاز القساة، كما أن الإسلام يفضل لباس المدن على هندام الحقول و الصحراء المفتقر لأنه يدعو إلى الاحتشام.

و من خلال هذه المتطلبات الاجتماعية و المستلزمات الروحية المرتبطة به‏

41

يتضح لنا أن الإسلام دين حضري‏ (1).

في مقابل ذلك لم يكن البدو بالنسبة للإسلام سوى مجندين من الدرجة الثانية و أتباع لا بد منهم كجنود و مقاتلين لخوض صراع حربي، فباستثناء مهاراتهم العسكرية اعتبر البدو رجال سوء و مؤمنين ناقصين و مجادلين و فجار، و وصل الأمر إلى حد وضع حديث يكره تناول الحليب لأن الشيطان يتخفى فيه، و البدو يحبون تناوله ليرجعوا بعد ذلك إلى صحرائهم و يهجروا أماكن العبادة الجماعية (2). و يؤكد القرآن الكريم نقص إيمان البدو إذ يرد فيه أن: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ (3)، و قد أثبتت التجربة بالفعل أن دخول البدو في الإسلام كان صعبا في غياب تجمعات حضرية تشكل مراكز للدعوة، كما يدل على ذلك رد خان تركي على مبعوث الخليفة الأموي هشام (724- 743) و الذي اعتبر أن الدين الجديد لا يصلح لأهل القرى الذين نشأ بينهم:" ليس من بين الأتراك حلاق و لا صانع أحذية و لا خياط، فإذا قبلوا بالإسلام و قوانينه فمن ماذا يعيشون؟" (4).

لم يكن البدو في أحسن الأحوال سوى أدوات. و كما أن الفتح العربي يتجاوز عمل شخصية متميزة، فإنه يتجاوز كذلك أمرا بسيطا من قبيل اندفاع البداوة حتى و إن وضعت في خدمة" منظم عبقري". هذا و لا ننكر أن الإسلام أدمج الكثير من خصائص المجتمع البدوي الذي كان سائدا في الجزيرة العربية في الفترة الجاهلية، فقد درسه شلهود(J .Chelhod) مؤخرا

____________

(1)Marc ?ais (W .) ,8291 . هذا التحليل مأخوذ في أغلبه من:Planhol ,7591 ,p .01 -11 .

(2) ذكره:Marc ?ais (W .) ,8291 ..

(3) التوبة، الآية 97.

(4)Yakut ,Mu ?`djam al -Buldan ,ed .Wustenfeld ,I ,938 . ذكره:Jakubavskij ,5591 ,p .341 ;Barthold ,5491 ,p .75 .

42

بتفصيل و بين صواب التصورات المقدسة المستمدة من الروحانية البدوية التي التصقت بالدين الجدي في مظهره‏ (1)، و رغم جهده المعتبر فإن هذا الكاتب يخطئ عندما يقلل من الدور المتميز للحضر (2)، إذ يؤكد على" التنازلات" لصالح البداوة، و يقول بجهل أصحاب" النظرية الحضرية" التي قام عليها الدين الإسلامي للواقع البدوي. هذا و لا يوجد تناقض جذري بين نمطي العيش الحضري و البدوي، و إنما الفرق يمكن في سلم القيم الخاصة بهما (3).

يكمن تفرد الإسلام الناشئ، في واقع الأمر، في التحالف و الالتقاء بين الحضر و البدو، و هو قاعدة مشتركة تطبع التاريخ الإسلامي كله، و هنا يكمن الفرق الجوهري بين الأزمة الإسلامية و الموجات الكبرى الأخرى التي انطلقت من براري و صحاري العالم القديم. و رغم أن بدو الغزوات الكبرى التركية- المغولية في العصور الوسطى انتهى بهم الأمر إلى الاندماج في محيط المجتمعات الحضرية و المدنية التي استعملت هؤلاء الرعاة المحاربين للمناورة فإن هذه الحركة تبقى بدوية في جوهرها. و يتضح هذا الأمر أكثر إذا ما تعلق‏

____________

(1)Chelhod ,4691 .

(2) إذا كان يقر بالدور المتميز ضمنيا للحضر في كل الديانات الكبرى (ص. 23)، فإن هذا الدور واضح في الإسلام حتى و إن لم يكن ذلك حالة استثنائية.

(3) نورد هنا الفقرة النقدية لشلهود (1964، ص. 30- 31) كاملة لنبين الخلط الذي وقع فيه هذا الكاتب الذي قدم عملا أصيلا و إن كان أحادي الاتجاه:" الغريب أن من يقولون بأن الإسلام ديني حضري" يحتاج إلى المدينة لتحقيق مبتغاه الاجتماعي و الديني"(X .) )Planhol ,Le monde islamique ,p .9( ، هم أنفسهم الذين يؤكدون رغم ذلك" أن حدود مجاله تتطابق مع حدود البداوة الرعوية أو على الأقل مع المناطق التي عرفت تأثير البدو السياسي‏(Ibid ,p .621) "، متجاهلين التناقض بين نمط العيش الحضري الذي يعتبرونه شرطا من شروط الحياة الإسلامية الحقيقية و بين نمط العيش البدوي التائه الذي يحتقر العمل اليدوي و الزراعة و يفضل أعمال النهب". على أننا لا نرى تناقضا بين نمطي العيش هذين، بل هناك تكامل بينهما لم يلحظه شلهود، فقد كتبنا في نفس الكتاب" أن الإسلام دين حضر و تجار نشره البدو" (ص. 129)، و رغم بعض المبالغة في هذه الصورة إلا أن الكاتب لو تنبه لها في خاتمة كتابنا لما وقع في هذا الخطأ! (المترجم)

43

الأمر بالغزوات الكبرى التي عرفتها القرون الأولى بعد الميلاد.

لم تخف هذه الميزة الرئيسية للإسلام عن التحليل الاجتماعي الذي اهتم مؤخرا بأصوله. فشلهود(J .Chelhod) سبق له أن اقترح‏ (1) تفسيرا اجتماعيا لأصول الإسلام يرى أنه تعبير عن عملية تفريق تتدرج" من الفرد إلى الشخص و من المقدس إلى الله"، و أن الأطوار المتوالية لهذه العملية حددها الظرف السياسي و الاقتصادي لتلك الفترة، إذ يتبع طور البداوة انتشار المقدس و" ظهور المدينة" و تقديس الأسرة و علمنة السلطة. فهيمنة القرشيين أدت إلى تأسيس" دين قومي" بمكة، سرعان ما تبين عجزه عن تلبية تطلعات الأشخاص في المجتمع المكي المادي و المركنتيلي، مما ساعد على التحول في البداية إلى دين توحيدي على النمط اليهودي- المسيحي، ثم إلى نجاح الدعوة القرآنية. إن هذا البناء المهم يعبر عن تفرد الوسط المكي و متطلباته الروحية. على أن ما يؤخذ على هذا التفسير هي تلك الأهمية التي يوليها ل" أطوار" متتابعة، بينما المدينة و إيديولوجيتها سابقة للبداوة في الصحراء، رغم حالات تحول البدو إلى حياة الاستقرار. و في إطار تصور تركيبي أكثر منه تطوري، يرجع الفضل لوات(W .M .Watt) (2) في اقتراح تفسير للإسلام كرد فعل ديني على وضع اجتماعي" شامل" يجمع بين عناصر تعيش تناقضا لا يمكن إلا للدين الجديد أن يحله. لقد كان المثل الأعلى الأخلاقي لبدو الصحراء يقوم على" المروءة" و هي مفهوم معقد يؤسس روح الشرف على التضامن القبلي، أما في المدن القائمة على التجارة و تجهيز القوافل، كما هو حال مكة، حيث ينمو اقتصاد مركنتيلي تزداد فيه عزلة الفرد و يرتبط مصيره بالمصلحة الشخصية، فإن الوضع الاجتماعي كان مؤهلا لتقبل دعوة تقوم على‏

____________

(1)Chelhod ,8591 . و قبله أنظر:Wolf ,1591 .

(2)Watt ,3591 ;6591 ;1691 .

44

مسؤولية الفرد، و الاستعمال الرشيد للثروات، و البحث عن الخلاص، و كانت هذه هي دعوة النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) في فترتها المكية. و قد حل البناء المحمدي معضلة عدم التوافق بين" النزعة الإنسانية" لدى البدو و الروح الفردية لدى الحضر، فالنبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) اضطلع بدور الحاكم الواضع للنظم الضرورية لأمة المؤمنين. و قد قام رودانسون(Max .Rodinson) بتوسيع أفق هذه الآراء (1)، و لكن بنفس المنظور، فاعتبر أن التعايش بين المدن التجارية و القبائل البدوية في وسط الجزيرة العربية كان يتطلب إقامة دولة موحدة في البلاد، تجمع بين البدو و الحضر، و توجه طاقات البدو نحو الخارج. و هذا ما تطلب إيديولوجية قومية تستجيب لمتطلبات الضمير العربي. فالدول الحضرية في جنوب الجزيرة العربية لم تقترح أبدا على البدو مشروعا من هذا القبيل، مكتفية بإخضاعهم دون أن توفر لهم منفذا، أما النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقد اقترح عليهم، في إطار الدين الجديد، مكانة تستجيب لأذواقهم و توفر لهم إمكانية الحصول على غنائم وفيرة. إن هذه الإيديولوجية الفاتحة تبدو و كأنها الأداة الضرورية التي سمحت للحضر بفرض سيطرتهم على البدو، و من المحتمل أن قرار مهاجمة الأراضي البيزنطية و الفارسية لم يمكن سوى ردا على حركة ردة القبائل التي تبعت وفاة النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، التي كانت تعتبر علاقتها مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) علاقة شخصية. و قد انتبه أبو بكر و عمر إلى أن أفضل وسيلة للحفاظ على ولاء البدو تكمن في توجيههم نحو الفتح خارج الجزيرة العربية.

4. يمكن قبول هذا التفسير قبولا تاما، إلا أنه يجب تكميله بدراسة مقارنة و تحليل جغرافي لم تشرع فيهما مدرسة" علم الاجتماع" حتى الآن.

و السؤال المطروح هو: من أين يستمد الإسلام تفرده؟ لماذا لم يتحقق هذا الالتقاء الرائع بين مجموعات بشرية من الحضر و البدو لا تبدو مستعدة للتوافق فيما بينها، إلا في هذه البقعة من المجال الشاسع لبراري و صحاري‏

____________

(1)Rodinson ,7591 .

45

العالم القديم؟ لقد رأينا فيما سبق أن التطور السياسي" الطبيعي" في منطقة تماس بين البدو و الحضر يتميز بصراع شبه دائم و قطيعة دورية، على أن لا شي‏ء من هذا القبيل حدث في الإسلام. ففي مقابل النظرية" الدورية" التي وضعها لا تيمور(Lattimore) لآسيا الوسطى توجد هنا استمرارية في الحركة و وحدة ظاهرة. و هناك سؤال ثان يرتبط بالسؤال الأول: لماذا تحقق هذا التحالف لصالح الحضر و ليس لصالح البدو الذين كانوا يتفوقون بعددهم و قدرتهم على الحركة و قوتهم العسكرية؟ لنتخيل ماذا كان سيحدث، و ليس هذا الخيال مستحيلا، لو أن الإسلام قاده ابن خيمة كبيرة و ليس رجل ينتمي للبرجوازية المكية. لم يكن النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) جنكيز خان، و لا يجب أن ننسى هذه الحقيقة عندما نقيم المصير الذي آلت إليه دعوته. و قد ركز ساوندرز(Saunders) (1) هنا على السبب الرئيسي لنجاح الإسلام مقارنة بالإخفاق النسبي للفاتحين المغول، فالبدوي لا يكون فعالا كمؤسس إمبراطورية إلا إذا توفر لديه محرك أسمى تجسده إيديولوجية دينية قوية. هذا و لم تكن مؤشرات هذا النداء الروحي غائبة تماما لدى المغول، الذين عرفوا دعوة عالمية سياسية و دينية حقيقية، تحت حماية الإله السماوي الأكبر، و اتجهت هذه الدعوة نحو الهيمنة العالمية (2)؛ إلا أن نفس الكاتب ذهب إلى‏ (3) أن البدو لم يتمكنوا قط من تأسيس نظام سياسي قابل للبقاء إلا إذا ما احتكوا بمجتمعات متحضرة و تمكنوا من تشغيل الآليات التقليدية لإدارة البلدان التي فتحوها؛ و المغول، البعيدين أكثر من العرب عن مراكز الحضارة، كانت تتجاذبهم العديد من الثقافات الراقية و كانوا يفتقدون لأداة توحيد استثنائية كتلك التي توفرت للعرب و المتمثلة في لغة ارتقت بفضل وظيفتها الدينية، و لذلك آل أمر المغول إلى الذوبان في البلاد التي فتحوها. و انتبه ابن خلدون إلى أن قوة

____________

(1)Saunders ,5691 .

(2)Turan ,5591 .

(3)Saunders ,5691 .

46

البدو تكمن في امتلاكهم دينا راقيا يعلمهم الاتحاد و التحكم في النفس؛ فالعرب لا يمكنهم الوصول إلى الملك إلا إذا ما تشربوا بالدين عن طريق النبوة أو الولاية أو غيرها من الظواهر الدينية (1). و من بين كل البدو الفاتحين تمتع العرب دون غيرهم بهذه الميزة. من هذا المنظور، يبدو أن المنعطف التاريخي للإسلام كان غزوة حنين التي وقعت في 31 يناير 630 و شهدت انتصار المسلمين على حلف قبلي بقيادة هوازن، و قد نتج عنها الانضواء النهائي للبدو تحت راية الحضر المؤمنين و المتعلمين.

إن السبب الرئيسي لتفوق المدن يمكن البحث عنه داخل المدن ذاتها، و قد رأينا سابقا أن الجزيرة العربية قبل الإسلام تميزت بالثروة المعتبرة لمدن الحجاز و الظرف السياسي و التجاري الذي كانت تعكسه هذه الثروة. و إذا ما تجاوزنا هذا التفسير الأولي، يتوجب علينا الوقوف على الظاهرة الأساسية المتمثلة في وجود مدن في الصحراء، و هي ظاهرة ليست ضرورة في حد ذاتها، فالمدينة تعني إقامة علاقات بعيدة المدى تشكل مصدر ثروتها، و كذلك قاعدة زراعية قريبة منها توفر لها مستلزمات العيش، و تضمن ديمومتها في حالة تراجع عائدات التجارة. و في عدد من الصحاري لا يمكن التوفيق بين الحياة الحضرية و وجود البدو، و قد بين راكيتنيكوف(A .N .Rakitnikov) أن الزراعة الغير المروية تكاد تنعدم في آسيا المنغولية العليا و منطقة التيان شان، حيث الشتاء القاسي و الصيف الممطر، ففي المناطق الجبلية التي قد تصلح للزراعة القائمة على ماء المطر، يوافق فصل نمو النباتات المواتي للزراعة الفصل الذي يحتاج فيه البدو إلى هذه الأعالي لرعي قطعانهم، فأجهض البدو بذلك أي تطور ممكن للزراعة و ما قد ينتج عنها من حياة الاستقرار و المدينة، فهذه الحياة لا يمكنها أن تتطور إلا بتخصيص قطع من الأرض للزراعة في المناطق المخصصة للرعي خلال الفصل البارد، حيث لا يخشى من منافسة

____________

(1)Trad .Rosenthal ,I ,p .503 .

47

الرعي للزراعة في فصل نمو النباتات، غير أن هذه المناطق في الغالب صحار من نوع" غوبي" لا تصلح للزراعة، التي لا تكون ممكنة بواسطة الري عند منافذ الجبال بالقرب من مسالك البدو و تحت سطوتهم، حيث تنزل القطعان من مجالاتها الشتوية للرعي و لا تستثني في ذلك قطع الأراضي المروية الصغيرة و ذات المواقع المكشوفة. بالعكس من ذلك يعرف جنوب غرب آسيا الوسطى شتاء ألطف و صيفا أجف أقرب إلى النمط المتوسطي، بحيث لا تتطابق مراعي البدو الصيفية، الذين يضطرون للصعود إلى الجبال و الولوج إلى دواخلها، مع مجال الزراعة المعتمدة على مياه الأمطار و الذي تتميز به المناطق المشابهة للبراري. و بهذا الوضع تتمتع واحات السفوح باستقلالية أكبر تجاه البدو الذين يدفعهم لطف المناخ و الرطوبة النسبية إلى التفرق بحثا عن المراعي التي تنشأ بعد نزول الأمطار، مما سمح للحياة الزراعية المستقرة أن تتطور على نطاق أوسع‏ (1). هذا و يمكن تطبيق هذه الآلية بالتحديد على الجزيرة العربية، مع فرق يتمثل في أن البدو لا يبحثون عن مراعيهم الصيفية في الجبال و إنما في الهضاب الشمالية المحاذية للهلال الخصيب، فكانت النتيجة تقسيما مماثلا، سمح للحياة الحضرية بواحات الحجاز أن تحافظ على استقلاليتها. و على العكس من أعالي آسيا الممطرة صيفا و التي رسخت فيها الطبيعة تفوق البدو، من جهة، و الصحراء حيث صعوبة ممارسة التجارة الكبيرة و مردودها المحدود نسبيا الذي لم يسمح بتشكل مدن مهمة، من جهة أخرى، يتضح أن الشرق الأوسط الشامي- العربي المنتمي لمنطقة الصحاري الحارة ذات الأمطار الشتوية، هيأة ضيق المجال الصحراوي و موقعه المناسب لحركة القوافل، لأن يكون" مكانا" مميزا لازدهار المدن التجارية المؤهلة للاضطلاع بدور ريادي. فلا يمكن تصور وجود جنكيز خان في الجزيرة العربية كما لا يمكن تصور ظهور النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) في الهضبة المنغولية.

____________

(1)Rakitnikov ,0691 .

48

5. يمكن تفسير ضعف البداوة العربية في وجه التماسك النسبي للمدن بأسباب داخلية تخص تنظيم البداوة نفسه؟ لقد تم لفت الانتباه كثيرا و عن صواب لميل المجتمع البدوي إلى الانقسام و الانسحاق. ف" الفرقة" التي هي أكبر تعبير سياسي لمفهوم التضامن الأسري الصارم، لا تتجاوز في كل الأحوال أحجاما صغيرة جدا. و قد كتب مونتان(R .Montagne) (1)" أن هذا" الصغر" هو الذي يفسر ضعف التصورات السياسية و الاقتصادية لدى الرعاة". و يبدو أن الانشطار إلى مجموعات صغيرة الحجم فرضه فقر المجال البيئي للصحراء الحارة. هذا و لم ينجز تحليل مقارن معمق يسمح ببلورة أفكار دقيقة بهذا الشأن، لكن المؤكد أن الأمر ليس كذلك بالنسبة للهضبة القارية (الآسيوية) ذات الأمطار الصيفية، حيث الوسط الطبيعي أكثر غنى و يسمح بكثافات سكانية أكبر بكثير. فقد تأسست في هذه الهضبة هياكل اجتماعية- سياسية معقدة و ذات دعائم قوية، تتجاوز مستوى العصبة (عكس" الأحلاف" المهلهلة التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي) (2). و تتمتع هذه الهياكل بفاعلية تفوق كل ما أوجده بدو الصحاري الحارة. ف" إمبراطورية البراري" (3) هي إمبراطورية براري أوراسيا الباردة، حيث تتخذ السلطة أشكالا أكثر متانة، كما يدل على ذلك اختلاف الألقاب. فالبدو العرب بعيدون كل البعد عن مفهوم" الخان" المنتشر في البراري الباردة مع يحمله هذا اللقب من معان غنية و من قوة و جلالة إمبراطورية (4)، فالزعيم عند العرب ليس سوى‏

____________

(1)Montagne ,7491 ,p .75 -85 .

(2) أعمق تحليل قام به فلاديمير تسوف، رغم صرامته المبالغ فيها أحيانا، أنظر:

Vladimirtsov, 8491.

(3) هذا هو العنوان الذي اختاره غروسيه‏(Grousset ,9391) لحوصلته التاريخية حول تتابع إمبراطوريات الرحل في أوراسيا. و المقارنة مفيدة رغم تواضع و هشاشة الفصل الذي خصصه مونتان‏(R .Montagne ,7491) للهياكل السياسية البدوية

( Ch. V, Les) e? mirats Be? douins, p. 731- 951 ).

(4) عن طريق التداخل بين مفهومين متقاربين، هما قان‏(qan) الذي يعني في الأصل أمير،

49

" شيخا" أو" رجلا كبيرا". و من المحتمل أنه يمكن تفسير التماسك الأكبر لبدو الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى بالوسط الطبيعي الأكثر غنى الذي يميز هذه المنطقة المتاخمة للعالم الاستوائي‏ (1). أما الجزيرة العربية فهي تنتمي إلى نطاق يتضح فيه عجز الرحل عن التنظيم السياسي، و لا يجب التقليل من أثر هذا العجز الذي ساعد على هيمنة المدن.

يكمن أساس هذا العجز عن تطوير هياكل سياسية صلبة في الفوضى السائدة في المستويات الدنيا، حيث نلاحظ، حتى في المستوى البسيط المتمثل في تنظيم الأسرة و نظام القرابة، أن رحل الهضبة القارية قد طوروا إلى حدود قصوى من التنظيم مبدأ الانتساب الأبوي المباشر (2) الذي يعبر عن الوسط الطبيعي الذي يميز البراري الكبرى و نمط العيش المميز للبداوة الكبرى العدوانية المرتبطة بهذا الوسط. و رغم أن عالم الصحاري الحارة ينتظم وفق نمط مشابه، حيث تعتبر السلالات الأبوية الأساس الأمثل للمجتمع، إلا أنه يخضع لوضع أكثر تنوعا من خلال وجود بقايا جلية لنظم الانتساب للأم أو عناصر تنظيم إقليمي‏ (3)، و تكرر و أهمية الهياكل الثنائية المقتبسة عن الهياكل الحضرية، و التقسيم الاجتماعي الأكثر تعقيدا الذي تلعب فيه" الطبقات" الدنيا و العبيد دورا كبيرا على الدوام. و يتضح لنا أن عالم البراري الباردة طور بشكل أفضل من عالم الصحاري الحارة الآثار الاجتماعية الطبيعية الناجمة عن البداوة الكبرى، و كأنه، من وجهة النظر الاجتماعية، يتميز ببداوة كاملة و محضة، و هذا عنصر مهم يسمح بتقييم و تفسير تواضع البناء الداخلي للعالم‏

____________

و قايان‏(qa ?an) المرتبط بالسلطة الإمبراطورية السامية. أنظر:Krader ,5591 -65 .

(1)Bataillon ,3691 ,p .53 -63 .

(2) نتوفر الآن على نظرة شاملة بهذا الشأن يعود الفضل فيها للتحاليل المفصلة التي قام بها:

Krader,. 3691

(3)Watt ,9591 ;cf .note 8 .

50

البدوي العاجز دوما عن تأسيس الهياكل السياسية و الاجتماعية العظيمة التي عرفتها براري أوراسيا الكبرى.

د. المكانة الثانوية للحياة الزراعية في الإسلام‏

إن الالتقاء بين الحضر و الرحل تحت إمرة الحضر، جعل الأنشطة الزراعية آخر اهتمامات المشروع الاجتماعي للدين الناشئ، ففلاحة الأرض في واحات الحجاز كانت عملا وضيعا مقارنة بالتجارة التي تعتبر نشاطا نبيلا.

و هنا كذلك تقبل الإسلام الوضع القائم، و قد تم لفت الانتباه إلى الكيفية التي حلت بها الأنظمة الاجتماعية القرآنية المشاكل التي طرحتها البنية الاجتماعية للواحات التي كانت في طور التميز (1)، كما أن الدعوة الإسلامية لم تثمن العمل في الحقول، فالقرآن الكريم لا يعتبر نمو المحاصيل نتيجة للعمل البشري و إنما نتيجة للإرادة الإلهية، فاللّه هو منبت الزرع‏ (2)، بينما الإنسان مسخر للقيام بذلك. و تظهر المكانة الثانوية للفلاحة بوضوح أكبر في الأحاديث النبوية، حيث يوجد حديث مفاده أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رأى سكة و شيئا من آلة الحرث فقال:" لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله اللّه الذل" (3).

____________

(1)Beliaev ,4591 .

(2) اعتمد المؤلف في ذلك على ما ورد في القرآن الكريم في الآيات التالية:" أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، و لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون" (الآيات 63- 65، من سورة الواقعة، القرآن الكريم) (المترجم).

(3)Ibn Khaldoun ,Trad .De Slane ,I ,792 ;II ,743 . الحديث رواه أبو أمامة الباهلي (ض)، ورد في شرح الإمام ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري، و المقصود هنا بالسكة هي الحديدة التي تستخدم في حرث الأرض. و المراد من الحديث ما يفرضه الولاة من حقوق الأرض التي ترهق كاهل العاملين فيها و ليس احتقارا للعمل الزراعي (المترجم).

كما يوجد حديث آخر في نفس المعنى ينسب إلى الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، رواه أبو داود عن ابن عمر و أورده مختصر الصحيح الجامع (الجزء الأول)، و نصه:" أخذتم بأذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا يرفده حتى ترجعوا إلى دينكم‏

51

و قد بذلت فيما بعد جهود للتوفيق بين الإسلام و الحياة الزراعية، من قبيل ما قام به البخاري الذي أخرج أحاديث في هذا الاتجاه من قبيل:" ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (1). و يذكر حديث آخر أن إنسانا أحب الأرض، يزرع في الدار الآخرة و يجني محاصيل تفوق الجبال‏ (2). و تبين أحاديث أخرى أن أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كانوا يقومون بالأعمال الزراعية. على أن هذه ليست سوى تعديلات و تصويبات، فخارج المدينة ليس هناك ما يستحق الذكر سوى البدوي رغم كل عيوبه؛ فهو وحده الجدير بلقب" الأعرابي" المتميز، الذي كان يستعمل في الجاهلية للدلالة على سكان المناطق البدوية في الجزيرة العربية شمال الربع الخالي، بما في ذلك السكان المستقرين في الواحات لتمييزهم عن حضر جنوب الجزيرة العربية، و لم يستعمله النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلا للدلالة على البدو (3) هذا و أول سؤال قصير يطرح على رجل في أطراف صحراء الشام هو: هل أنت عربي أم فلاح؟ فالعربي معناه هنا" المترحل، البدوي". و ليس هناك أفضل من هذا التعبير الشعبي للدلالة على أن المزارع و الفلاح يوجدان خارج نطاق العالم العربي" (4).

____________

" (عن الصحيح الجامع، ج/ 1)، و أذناب البقر كناية عن المحراث، و كما يفهم من ظاهر نص هذا الحديث فإنه لا يوجد تلازم بين حياة الذل و ممارسة الزراعة، و إنما الحديث يحث على الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي (المترجم).

(1)El -Boukhari ,Trad .Peltier ,chap .I .

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب المزارعة في باب فضل الزرع و الغرس إذا أكل منه، و قد رواه عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه عن الرسول صلى الله عليه و سلم (المترجم).

(2)Ibid ,02 .

(3)

von Wissmann, 9591, p. 019; Grohmann, article Al- ` Arab, EI( 2 ).

(4)Weulersse ,6491 ,p .96 .

52

2. انتشار الإسلام و نتائجه‏

يتبين مما سبق أن الإسلام دين حضري، يجد أفضل تعبير عنه في مجال المدينة، غير أنه انتشر بفضل البدو المجندين في إطار حركات الفتح الحربية الكبرى، بينما كان الفلاحون في البداية أجانب بالنسبة لهذا الدين. إن هذا الطابع الثلاثي الأبعاد للإسلام يشكل أساس تحليل المناهج و النتائج التي انتشر من خلالها.

أ. التحول إلى البداوة و صمود الفلاحين أمامه‏

1. إن أكثر نتائج انتشار الإسلام دويا، أي تلك التي أحدثت قطيعة مع الحضارة السابقة له في البلاد التي هيمنت عليها العقيدة الجديدة، هي تلك المرتبطة بمشاركة البدو في الفتح. ففي الوقت الذي لم يحدث فيه الإسلام قطيعة ذات أثر مع التقاليد الحضرية، و تقبل نسبيا، على الأقل على مستوى الخطوط العامة، تراث العالم القديم فيها، يلاحظ أن انتشار البدو نتج عنه خراب و انحطاط كبير خاصة و أن المناطق التي تعرضت له هي نفسها التي شهدت أقل الأضرار خلال" الغزوات الكبرى" التي تسببت في انهيار الإمبراطورية الرومانية في أوربا، باستثناء الفترة الوندالية بإفريقيا، كما أن هذه المناطق هي التي حافظت أفضل من غيرها على تركة الازدهار الروماني. كما سبق ذكره، تجاوز الفتح الإسلامي غزوات البدو و لم يرتبط دوما بها، غير أنه في منظور التاريخ العالمي، فإن أعظم بصمة تركها الدين الجديد، مع فارق زمني في بعض الأحيان، هي انتصار البداوة و تراجع الحياة الحضرية، و" تحول شامل" إلى البداوة كانت نتائجه ثقيلة خاصة و أنه مس البلاد التي كانت الأكثر عمرانا و حضارة بعد الغزوات الجرمانية التي اجتاحت الضفة الشمالية للبحر المتوسط (1).

____________

(1) يأخذ المؤلف بعين الاعتبار الأوضاع السائدة بالمناطق الزراعية المتاخمة للصحراء

53

2. إن ما يفسر استمرارية هذه الظاهرة هو تنوع الوظائف التي حددها الزعماء و الملوك المسلمون للبدو، فقد كان هؤلاء عادة أدوات الفتح المباشرة و القوة الضاربة للدين الجديد، و كان الأمر كذلك خلال السنوات الأولى لنشر الإسلام في منطقة الهلال الخصيب و مصر، حيث كانت القبائل العربية الأداة الرئيسية لهذه العملية، و كذلك الشأن طوال الفترة السلجوقية، إذ كان الأمراء يتعمدون إرسال الرحل القادمين حديثا من آسيا الوسطى نحو مناطق الثغور (أوك(uc) باللغة التركية)، على أمل التخلص من هؤلاء الرعايا المشاكسين الذين كانوا يتمتعون بحماسة المعتنقين الجدد للدين و شكلوا الجزء الأكبر من المجاهدين (غازي‏ga ?zi ) (1)، كما لعبت هذه الظاهرة دورا حاسما في تتريك بلاد الثغور مثل أذربيجان‏ (2)، فالأتراك المعتنقون للإسلام حديثا بفضل دعوات بسيطة، قبل أن تعقدها المذاهب، اضطلعوا في الشرق بدور جنود العقيدة، و يذكر محمود الكشغري في هذا الصدد حديثا نصه:" إن للّه جنودا بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممن عصاه" (3).

____________

بالهلال الخصيب و المغرب العربي و التي انحسرت الزراعة بها منذ فترة طويلة قبل ظهور الإسلام بفعل زحف البدو على الأرض الذراعية طلبا للمراعي الخصبة، و قد ارتبطت الفتوحات الإسلامية لهذه المناطق بتراجع البداوة و توسع الزراعة بالجهات المتاخمة لوادي الفرات و أطراف الشام و سفوح الأطلس الصحراوي. ففي بلاد المغرب العربي ارتبطت البداوة أساسا باختراق قبائل الجيتول (زناتة) لخط الدفاعات الرومانية (الليمس) في تقدمها نحو الأراضي الزراعية في الشمال في القرن الثالث الميلادي، لتصبح ظاهرة عامة في القرنين الخامس و السادس بفعل الاجتياح الوندالي و التراجع البيزنطي، و بعد توقف هذه الظاهرة مؤقتا بعد الفتوحات الإسلامية (القرن السابع الميلادي)، تجددت في القرن العاشر بفعل التغريبة الهلالية و تحالفها مع عشائر زناتة البربرية (المترجم).

(1) بخصوص مفهوم أوك، أنظر:Wittek ,4491 ,p .01 -11 .

(2)Su ?mer ,7591 .

(3) ذكره:Barthold ,5491 ,p .96 . بن محمد بن محمود القزويني‏

و هو حديث مأخوذ من كتاب الإمام محمود الكشغري" ديوان لغات الترك". كما أورد هذا الحديث الإمام زكرياء (ت. 1283 م) بنصه الكامل في كتابه" آثار البلاد و أخبار

54

من جهة أخرى كانت الأسر الحاكمة الحضرية تميل إلى استعمال البدو لحل الصراعات الداخلية، كما حدث مع غزو قبائل بني هلال و بني سليم العربية لشمال إفريقيا في منتصف القرن الحادي عشر و التي أرسلها الخليفة الفاطمي بالقاهرة في حملة تأديبية كانت لها آثار حاسمة في التطور البشري لبلاد المغرب العربي. و كثيرة هي الحركات السياسية- الدينية التي جندت البدو لتحقيق نجاحها، من قبيل المرابطين الذين سيطروا على المغرب الأقصى بفضل كبار البدو من البربر، و الصفويين الذين وحدوا إيران بفضل البدو التركمان المتأثرين بالدعوة الشيعية، و الوهابيين الذين وجدوا في أسرة آل سعود أداة للسيطرة على الحجاز. إن البدو كانوا دوما مستعدين لإتباع أول مصلح نظرا لبساطة معارفهم الدينية، كما كانوا يجدون في ذلك حجة لعدوانيتهم و فرصا سانحة لتحصيل الغنائم، و لذلك فإنهم طبعوا التاريخ الإسلامي كله.

3. ما الذي يفسر نجاحات البدو و ما الذي حد منها؟ تتمثل الحدود الطبيعية للبداوة و قواعد انطلاقها في حدود الزراعة المطرية التي لا تقوم خارجها حياة حضرية باستثناء المراكز المعزولة المتمثلة في واحات الزراعة المروية. إن رسم هذه الحدود بدقة صعب إلى حد ما، نظرا للتفاوت الكبير في نسبة التساقط في هذه المناطق الشبه الصحراوية، مما يحد من صلاحية الاعتماد على معدلات التساقط؛ و مما يزيد الأمر تعقيدا طغيان الظروف الطبوغرافية المحلية على غيرها من العوامل المؤثرة في التساقط، مما يجعل الاعتماد على مجموع الأمطار دون جدوى‏ (1). فهذه الحدود تتأرجح بين نطاق‏

____________

العباد" إن لله جنودا بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممن عصاه فكم من حافيات حاسرات يسترحمن فلا يرحمن فإذا رأيتم ذلك فاستعدوا للقيامة" و الظاهر من هذا الحديث أن المقصود بالترك هنا الأقوام التي ورد ذكرها في القرآن باسم" ياجوج و ماجوج". ليس لهذا الحديث إسناد. (المترجم)

(1) يوجد نقد أساسي لمفهوم حدود الزراعة المطرية في كتابات كل من:Wirth ,2691 ;