تأسيس الغرب الإسلامي‏

- هشام جعيط المزيد...
262 /
5

تقديم‏

هذا الكتاب مجموعة مقالات نشرت منذ مدّة طويلة في مجلّات استشراقية أو تاريخية من مثل‏Studia Islamica وAnnales ، و كذلك كراريس تونس باللّغة الفرنسيةCahiers de Tunisie . و قد أعان على ترجمتها إلى العربية تلميذاي الدكتور عبد الحميد الفهري و الدكتورة حياة عمامو، إلّا أنّي راجعت الترجمة أو أعدتها، و في بعض الفصول أعدت كتابتها مباشرة و أضفت إضافات عديدة. و هي دراسات قمت بها في فترة الشباب و اعتمدت فيها منهاجا صارما بعد إطلاع دقيق على المصادر و على كلّ ما كتب في الموضوع.

و إنّي أعجب الآن من هذه السعة في الإطلاع التي لعلّني لم أعد قادرا عليها. و أعجب أكثر من أنّ هذه الدّراسات الستّ الغزيرة المكثفة لم تجلب آنذاك و بعد ذاك أيّ اهتمام سوى اهتمام بعض كبار المؤرّخين من مثل روبير برانشفيك‏Robert Brunschvig ، و حسن حسني عبد الوهّاب و جورج دوبي‏Gorges Duby ، و قد اطّلعت على بعضها باتريشيا كرونه‏Patricia Crone و ذكرتها كمرجع في إحدى كتبها. أما في المغرب و المشرق العربيين فلم تجد أيّ صدى.

و هذا في الحقيقة أمر مستغرب يشدّ الإنتباه، لأنّ الفترة المدروسة هنا فترة مفصلية و هي لم تدرس من قبل. حقّا لقد نشر حسين مؤنس كتابا مفصّلا عنوانه فتح العرب للمغرب، لكنّ هذا البحث مطوّل أكثر ممّا يلزم، و بالتالي فهو عمل غير نقدي و يؤمن بكلّ ما تأتي به المصادر فيمطّط معلوماتها. و خلافا لذلك، فقد كتب برانشفيك مقالا حول كتاب ابن عبد الحكم فتوح مصر و المغرب، و أبدى تحفّظات شديدة

6

حول هذا المصدر إلى درجة نفي كلّ قيمة عن رواياته. و كلّ هذا و ذاك يصبّ في بحر الفتوحات للمغرب و ليس في ما هو أهمّ، أعني تطوّر هذا المغرب و الغرب الإسلامي عامّة- بما في ذلك الأندلس- في فترة تنظيمه من طرف الفاتحين و إرساء مؤسّساتهم. فلو اعتبرنا أنّ المغرب كلّه، من طرابلس إلى المحيط، تمّ فتحه الكامل مع موسى بن نصير حوالى 86 ه، و الأندلس حوالى 100 ه، فقد بقي قرابة القرن حتّى تبرز الدولة الأغلبية 184 ه، و أقلّ بقليل حتّى ظهور الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى.

فماذا جرى في هذه الآونة، أي خلال قرن من التاريخ؟ لقد تمّت فيه أسلمة المغرب و إقحامه نهائيا في مجرى التاريخ الإسلامي. و لم يقم المؤرّخون في هذا المضمار بأيّة دراسة، على أنّ مصادرنا تحوي معلومات مهمّة و مكثّفة إلى حدّ ما. و المدرسة الفرنسية التي اهتمّت بتاريخ المغرب الإسلامي في المنتصف الأوّل من القرن العشرين لم تنتج إلّا دراستين دقيقتين حول إفريقية الحفصية(Brunschvig) و المغرب الإدريسي(Le Tourneau) ، فيما أن البحوث كانت معمّقة و متكاثرة بخصوص العهد الروماني. و قد قامت المدرسة التونسية و المدرسة المغربية بسدّ الثغرة بعد الإستقلال مع محمّد الطالبي و فرحات الدشرواي، و في السنين الأخيرة مع محمّد حسن الذي أعاد النظر في العهد الحفصي مع تعمّق في دراسة البنى الإقتصادية و الاجتماعية. و يمكن أيضا ذكر مؤرّخ تونسي- فرنسي هو روجيه هادي إدريس الذي بحث قبل الإستقلال في إفريقية الزيرية، و هو يحسب عادة على المدرسة الفرنسية. أما في المغرب الأقصى، فعلينا بذكر عبد اللّه العروي الذي كتب كتابا نقديا تركيبيا لكلّ تاريخ المغرب، و محمد القبلي الذي تعمّق في دراسة المغرب الأقصى الإسلامي «الوسيط».

و هكذا لدينا الآن و منذ أكثر من نصف القرن عدد من الدراسات‏

7

التاريخية استهدفت الرقعة المغربية كتب أغلبها بالفرنسية و ترجم البعض منها إلى العربية، كما لدينا دراسات مكثّفة عن إسبانيا الإسلامية سواء بالفرنسية أو بالإسبانية و حتّى بالعربية. و عند ما كتبت و نشرت مقالاتي عن المغرب زمن الفتح و بعد الفتح، لم تكن كما ذكرت توجد دراسات معمّقة حول هذه الفترة. و حقيقة الأمر أنّ المصادر كانت شحيحة في هذا المضمار، و كان يجب على المؤرّخ أن يقوم بإعمال الفكر و أن يستنبط و يستنتج و كذلك أن يقارن بما كان يجري في القرنين الأوّل و الثاني في المشرق، أي في المركز آنذاك. و قد أسعفني الحظّ إذ كنت أشتغل كثيرا على التاريخ الأموي و العبّاسي الأوّل بهدف إعداد رسالتي عن الكوفة.

و كان هذا أساسيا حيث لم يكن بالإمكان أن يتناول المؤرّخ دراسة المؤسّسات الحكومية و الاجتماعية من دون سابق معرفة بالتنظيمات العربية في المشرق، شريطة أن يجد لذلك سندا في المصادر المغربية و لو بالإشارة الطفيفة. و هكذا أعتقد أنّ دراستي للمؤسّسات لا بد و ان تكون نافعة للمهتمّ بتاريخ المغرب خصّيصا، كما للمهتمّ بالمؤسسات الإسلامية في البلاد المفتوحة بصفة عامّة. و التّاريخ- و هو علم الثقافة كما يقول ماكس فيبر مناقضة لعلوم الطبيعة- يتجه اليوم بالأساس إلى البحث في المؤسّسات و البنى الإقتصادية و الاجتماعية و المعتقدات الدينية و النشاطات الثقافية بالمعنى الحصري، من دون إهمال الدينامية السياسية و من دون الإجحاف في التحليل التجريدي. هذا ما قمت به في هذا الكتاب، و هذا ما قمت به في كتاب الفتنة و غيره من المؤلّفات.

إنّ المستشرقين و من بعدهم المسلمين نشروا الكثير من المصادر، لكن لم يستغلّوها كما يجب في استقرائهم للتاريخ الإسلامي، خصوصا في عهوده الأولى. و من جملة الأسباب التي قدّموها أنّ المصادر التي لدينا لا يمكن الاعتماد عليها، فهي إمّا بعيدة عن الفترات الأولى زمنيا و إمّا منحازة. لكنّ مثل هذه النّظرة تعطّل البحث العلمي الذي عليه مع ذلك أن يتسلّح بسلاح النقد الحصيف. إنّ المستشرقين قاموا بمجهودات‏

8

لا تنكر و لم تعرف بعد، ذلك أنّ أفضلهم كانوا علماء بحّاثين اشتغلوا في زمن كان البحث التاريخي و الفيلولوجي في أوروبا له مقام رفيع، فيما بين 1860 و 1960. أمّا الجوّ عندنا منذ خمسين سنة مضت، فليس مستعدا لتقبّل المجهود العلمي، لا في التاريخ و لا في الفيزياء و لا في الكيمياء و لا في السوسيولوجيا، و الهمّة العلمية واحدة كما هو بديهي. و لذا فقد يعتبر القارئ أنّ هذا العمل دقيق و مملّ، و هو فعلا ليس مجعولا للترفيه بل لاستكشاف حقائق موجّهة إلى الرابطة العلمية العالمية. بقي أنّ المفترض أنّ تاريخ رقعة محدّدة زمنيا و فضائيا يهتمّ به قبل كلّ أحد أبناء هذه الرّقعة من العلماء و المثقفين لأنه يمسّهم عن قرب، و لأن التاريخ ليس كالكيمياء المحايدة و المتجهة نحو الطبيعة الجامدة، إنما لا يكون علما إلّا بالمنهجية و الصرامة و الدقّة.

كلمة نهائية الآن عن مفهوم «الغرب الإسلامي». بالنسبة للمؤرّخين الأوائل، الغرب الإسلامي يبتدئ من مصر و يحويها، و هو يناقض مفهوم الشرق الذي يبتدئ من خراسان و يتجه صوب بلاد ما وراء النّهر الشاسعة إلى تخوم الصين. أمّا القلب فمن الواضح أنه كان يضمّ الجزيرة العربية و الشام و العراق حيث انطلقت الدعوة و تركزت الخلافة الأولى و الثانية و الثالثة. و هكذا أقحمت مصر في دراستي للمصادر المكتوبة، كما أقحمت إفريقية الإسلامية جنوب الصحراء التي تأسلمت قبل العصر الحديث كما هو معروف.

إن كلّ هذا الفضاء الشاسع الإفريقي يمثّل إذن الغرب الإسلامي، و إن إسبانيا إلّا في الواقع الجغرافي و المناخي ليست إلّا جزءا من إفريقية.

و هو أيضا في بعض أقسامه و قبل دخوله في بوتقة الإسلام، كان في أخذ و ردّ بين الشمال و الجنوب، بين المتوسّط و الصحراء، و له تاريخ عريق يرجع إلى خمسة آلاف سنة في مصر، و إلى ثلاثة آلاف في المغرب. لكنّ الغزو العربي و الإسلام طبعا هذه الرّقعة بطابع قوي و دائم، و لم يكن ذلك ممكنا لو لا مؤسّسات قويّة خلقت تقليدا سياسيا متماسكا على مرّ القرون‏

9

و إمبراطورية سميكة؛ و لو لا جاذبية الإسلام بالنسبة للبربر خصّيصا؛ و أخيرا و بعد تفكّك الإمبراطورية، لو لا استعداد هذه البلدان لاسترجاع استقلاليتها و كيانها مع البقاء داخل حضارة كبيرة كانت ألمع حضارات العهد الوسيط فيما بين العالم القديم و العالم الحديث، لمدّة ألف سنة من التاريخ.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

I الفتح العربي للمغرب 27- 86 ه/ 647- 705 م‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بعد قرن من انتهاء إعادة الغزو البيزنطي‏ (1)، عرفت البلاد التونسية مجددا الغزو، فدخلت منذ ذلك الوقت في مرحلة جديدة و حاسمة من تاريخها. على خلاف الاحتلال القندالي، سيستغرق الفتح العربي، بالفعل مدة أطول، و يتجذّر بعمق، و لكن ليس دون صراع مرير في البلاد، سيوجّه أفريكاAfrica إلى مصير آخر. فلم يقع إدماج الولاية على المستوى السياسي دفعة واحدة فقط- بعد أن وقع اقتلاعها من الإمبراطورية البيزنطية- و لمدّة طويلة في فعل البناء الإمبراطوري العربي، و لكن على المستوى الأكثر عمقا للحضارة أيضا، إذ دعيت إلى تحمّل تحوّل كبير في بعض الأحيان و أليم، لتدخل بذلك نهائيا في مدار الثقافة العربية الإسلامية.

إذن، إذا تأكّدت تأثيرات هذه الفترة- و لمدّة طويلة- على التطور الحقيقي لتونس بوصفها الأكثر جوهرية، فإنه من الخطأ الفادح- في نظرنا- أن نسقط من اعتبارنا الخلفية الكونية التي قام على أساسها الفتح العربي في إفريقية. هكذا تظهر تونس مجددا، عمق تضامنها مع الاضطرابات الكبيرة التي يمكن أن تهز العالم المتحضر.

I - المرحلة الاستكشافية بعد التوسّع (22- 50 ه/ 642- 670 م)

تنضوي حركة الفتح في انطلاقة الإسلام التوسعية التي قوّضت الدولة الساسانية، و جردت بيزنطة، وريثة روما، في توجّهها الإمبراطوري، من ولاياتها الشرقية. بالرغم من هذه الخسارة

____________

(1) ورد في:

Histoire de la Tunisie: Le Moyen Age. Tunis, S. T. D.( S. d )ch. 1

14

الجسيمة، نجحت الإمبراطورية البيزنطيّة في الحفاظ على وجودها، لكنها بقيت مع ذلك مهددة و مطوّقة، ممّا سيجعلها تتحمل لقرون طويلة الضغط العربي الذي أرضخها و لكنه لم يقض عليها تماما. يتوجّب في إطار هذه الثنائيّة وضع جذور الفتح العربي لتونس، انتشاره و حتى أسلوبه.

لقد ظهر بجلاء- أولا- أنّ فتح إفريقية كان النهاية المنطقية لفتح مصر، و أن هذه هيأت لتلك.

دخل عمرو بن العاص سنة 642 م منتصرا إلى الإسكندرية، ثم بعث جيوشه إلى برقة و آنطابلس، فأخضعت بسرعة قبيلة لواتة البربرية.

و تقدمت هذه الجيوش في اتجاه زويلة في الصحراء، و حتى في اتجاه طرابلس. و في سنة 646 م، كان عليه، مع ذلك، استرجاع الإسكندرية من بين أيدي البيزنطيين الذين أطرد جيشهم الإمبراطوري بقيادة مانويل‏

Manuel

، بعد أن هزمه. يعني أنه و في هذا الرّدح الزمني الذي يمتد على خمس أو ست سنوات (من 21 إلى 26 ه)، كان النشاط العسكري العربي مكثّفا في مصر و على الساحل الليبي، و أنه لم يمكن اعتبار الاستيلاء على مصر أمرا مؤكّدا و نهائيا إلا سنة 646 م.

لقد حدثت- و الحالة هذه- أول غارة في قلب إفريقية سنة 27/ 647، و هو ما يعني أن نشاط العرب العسكري في هذه الولاية جاء ليستأنف مباشرة المشروع المصري، و بالتالي فإنه لا يوجد حد لمواصلة التمشّي العربي في اتجاه الممتلكات المتوسطية الغربية لبيزنطة.

و لكن، لم يكن عمرو، الذي عوّضه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح على رأس مصر، هو الذي أولى العناية لتحضير حملة إفريقية و تنظيمها. لقد مثّلت مصر القاعدة الأساسية التي انطلقت و ما زالت تنطلق منها الهجومات، فهي توفّر أغلبية الجنود و الأموال و القادة الضروريين.

إلى جانب كلّ هذا، ينضاف- بالنسبة إلى الحملة الأولى- نواة على جانب من الأهمية، من البدو المنتمين إلى المناطق القريبة من المدينة مثل قبائل جهينة و مزينة و سليم و أسلم خاصّة، فضلا عن حضور هائل عددا

15

و كيفا لأبناء الصحابة الأكثر شهرة. تحرص المصادر على إعطائنا الصورة الأكمل عن فخامة بدايات حركة الفتح، فالخليفة عثمان سهر بنفسه على تجميع العناصر الأولى لمعسكر «الجرف»، قرب المدينة، بعناية كبيرة.

مع شي‏ء من الاحتراز، يبدو لنا أنّ هذه الرواية لا يجب استبعادها، لأن مشروع إفريقية كان عمل عثمان الخاصّ، و لذلك يجب أن يكون الأمر مهمّا جدا بالنسبة إليه.

من جانب آخر، إذا بدأ فتح إفريقية كامتداد منطقي لفتح مصر، فقد كان له، مع ذلك، معنى مستقلّ على الأقل باعتبار أن إفريقية، كانت تمثل وحدة إدارية ثابتة. لقد كانت كذلك لا سيما في تلك الفترة، التي برزت خلالها حركة استقلالية ساندتها الأرثوذوكسية المعادية بعمق للسياسة الدينية التوحيدية للحكومة الإمبراطورية. ستتجسّد هذه الحركة سنة 646 بانفصال إكسرخس والي قرطاج غريغوار (جرجير)، الذي ذهب إلى حد أخذ لقب الإمبراطور.

هل أوّل العرب هذه التمزقات الداخلية على أساس أنها علامة ضعف؟ و هل كانوا بالتالي محدّدين في اختيار الوقت؟ لا يوجد أي شي‏ء مؤكّد، لأن البطريق عرف و استطاع بحقّ كيف يكوّن حول شخصه إجماعا واسعا، خاصّة و أن دعم القبائل البربرية لم يغب عنه، و لكي يتقرّب منها أكثر، عزم على التنقّل إلى سفّاطلة (سبيطلة) و استقر بها.

و ليس بعيدا عن هنا حدثت المواجهة بين الجيش العربي و جيش جرجير، و حسب المصادر العربية، يجب أن يتموضع المكان المسمّى عقوباء- بالتّدقيق- على الطريق التي تربط حضرموت (سوسة) بسبيطلة على بضع 80 كلم من العاصمة الجديدة. لقد شهدت المعركة المعروفة بمعركة سبيطلة (28 ه)، انسحاق البيزنطيين و جموع البربر المساندين لهم. فقد قتل جرجير هو نفسه، و لم تفلت المدينة من النّهب. لقد وضعت هزيمة البطريق و اختفاؤه من الساحة السياسية حدّا للانشقاق الإفريقي، و جعلت أحلامه الإمبراطورية تذهب أدراج الرياح، إذ ستعود الولاية، في الحقيقة

16

عمّا قريب ثانية- على الأقل رسميا- إلى أحضان الإمبراطورية. و لكن يكمن المعنى الحقيقي لمعركة سبيطلة في تصدّع الأرض المكشوفة للجيش البيزنطي الإفريقي. إلى جانب أنّها أول مواجهة مهمّة مع العرب، ستكون معركة سبيطلة أيضا الأخيرة. سيأخذ، من هنا فصاعدا الصّراع بين الإمبراطوريّتين من أجل حماية الولاية مظهرا غير مباشر، فيحوّله إلى مقاومة غير فعالة تقريبا و متفرقة و شديدة الارتباط- إن لم نقل تابعة- للمقاومة البربرية. بعد انتصارهم، لم يتوان العرب عن القيام بعمليّات النهب، إذ كنست فصائلهم بلاد مزاق‏Byzacene ، و طالت حدود واحات الجريد الثريّة. و توجّب أخيرا على القادة البيزنطيين أن يقدّموا ثمنا لخروج الغازي العربي تمثّل في غرامة حربيّة ثقيلة قدرت ب 000، 500، 2 دينار أي 300 قنطار من الذهب. و هكذا و بعد 14 شهرا من الإقامة يأخذ الجيش العربي طريقه إلى مصر.

إن حملة ابن أبي سرح، بالرغم من أنها كانت غارة نهب، فقد مثلث البذرة الأولى في مشروع الغزو الطويل. ممّا لا شك فيه، كان القصد العام للفتح قد وجد في ذهن القادة العرب، و لكن في هذا العمل الأول، وجب عليهم الاكتفاء بالحفاظ على غنيمة ضخمة جمعوها بأنفسهم. فضلا عن ذلك، بدأت الاختلافات تظهر في صلب هذا الجيش، إذ ستكشف حملة إفريقية بصيغة خاصة عن العيوب العميقة لنظام عثمان العائلي، و تسلط الضوء على المعارضة القوية ضدّ حكمه.

باختصار، إنّ حالة عدم الاستعداد للاستقرار الحقيقي للعرب، و وجود صعوبة في إجبار النظام الدفاعي البيزنطي الذي اهتزّ بقوة في بلاد مزاق و لكنه ظلّ قائما في مواضع أخرى، و التمزّقات الداخلية في الجيش العربي نفسه، كل هذا أدّى إلى إيقاف واضح لحملة إفريقية.

دام هذا التخلّي ما يقارب العشرين سنة، لأن الإسلام دخل بالفعل في مرحلة اضطرابات مثّلت فيها أزمة الخلافة العنصر الأهم.

سيسمح صعود معاوية إلى الحكم سنة 41 ه/ 661 م بتجميع القوى‏

17

من أجل استئناف التوسّع الإسلامي على حساب بيزنطة التي وقع تهديدها جديّا من جديد. و عرفت إفريقية في غضون ذلك الوقت فترة من الاضطراب، فقد استعاد الإمبراطور قسطان الثاني‏Constant II الإشراف عليها، غير أن سياسته الدينية التي طبعت بالعنف و الفظاظة ضدّ القس مكسيم- و هو إفريقي كبير، و أشهر رجل دين في عصره- جعلت الناس ينفرون منه. كما أن الابتزاز الجبائي الذي كان يقوم به، لم يكن كذلك ليجلب له تعاطف الناس و ودّهم. و من هنا اندلعت الثورة في قرطاج، و استنجد الثائرون بالخليفة- و هو طلب غريب- فكانت الفرصة سانحة للعرب من أجل العودة و بقوّة.

من جديد، تزعّم قائد عربي من مصر هو معاوية بن حديج السّكوني الذي كان من أبرز وجوه الحزب العثماني قيادة الجيش في 45 ه/ 666 م، و جاء ليعسكر في بلاد مزاق، في منطقة القرن ليشع على المناطق المجاورة. حادثان هامّان جاءا ليميّزا هذه الفترة الجديدة، فمن جهة قاد نيسيفورNicephore إنزالا بيزنطيا إلى المنستير و وقع صدّه، و تمّ الاستيلاء، من جهة ثانية، على مدينة جلولاء في منطقة القيروان. و قد جاء هذا الاستيلاء العنيف كضربة حظّ تميّزت بالمشاركة الفاعلة لعبد الملك بن مروان.

باختصار، أعادت حملة ابن حديج الأمور إلى ما كانت عليه- يعني إلى نقطة البدء- في 649 م. و قد وقع خلالها الاستيلاء من جديد على بلاد مزاق و نهبها؛ ثمّ في سنة 667 م، كان التراجع في اتجاه مصر.

فهل هي حملة نهب أم هي سياسة مراحل حذرة؟ لقد تميّزت سياسة الخلافة العسكرية تجاه إفريقية ببطئها و تردّدها، و بخاصيتها الاستراتيجية إلى حدّ ذلك الحين، أكثر من البعد الاستيطاني؛ هذا البعد الذي لم يوجد في ذلك الوقت، إن لم يكن في الأفعال، فعلى الأقل في النوايا.

و سيكون فضل تدقيق هذه التوجّهات و محاولة التغلّب على القدر إلى رجل من طينة الأولياء، هو عقبة بن نافع.

18

II- الاستقرار العربي و بدايات المقاومة البربرية (50- 69 ه/ 670- 688 م)

تأسيس القيروان (50- 55/ 670- 674)

عند ما أصبح عقبة بن نافع والي إفريقية سنة 50 ه، كان قد صار رجلا ناضجا، له من العمر ما يقارب 50 سنة، و وراءه تجربة عسكرية طويلة نسبيا، لا سيما و أنه قد قاد حملات على الجنوب الليبي و شارك في الغارات الأولى على إفريقية. لقد فهم عقبة سريعا باعتباره قائدا طموحا، و مؤسّسا نشيطا، أنه لا يمكن أن يحدث فتح حقيقيّ دون استقرار في مدينة- معسكر، يعني «مصرا» على غرار ما تمّ إحداثه في المشرق.

يمكن القول، أن مع عقبة، انبثقت حقا ولاية إفريقية، حتى و إن ظلت تابعة لبعض الوقت لحكومة الفسطاط. يضاف إلى هذا، أنّ نفس الشخص، دشّن نمطا جديدا من العمل، يتميّز بعزيمة شرسة و ذهنية تبشيرية، لتؤكّد- أكثر من ذلك- على التوجهات الاستراتيجية الجديدة التي تشمل بلاد المغرب بأكملها.

لقد تأسست القيروان المدينة- المعسكر في منطقة قمّونية، التي مثّلت منذ الغارات الأولى المكان المفضّل لإقامة الجيوش العربية. فمن هنا انطلق الهجوم الأوّلي على سبيطلة، و هناك عسكر معاوية بن حديج.

أفلا تذكر لنا المصادر، فضلا عن ذلك، أن عقبة توجّه، في التحرك الأوّل إلى معسكر مهجور، بدون شكّ المعسكر الأول لسلفه، و أنّ الموضع لم يرضه فغادره إلى ما سيصبح موضع القيروان، الذي بقي مع ذلك في نفس المنطقة.

ينبغي الإشارة هنا، إلى أن المدينة تأسست في وقت تخلّصت خلاله الزوجيتان‏Zeugitane ، و هي النصف الشمالي لتونس، من نفوذ العرب، و بالتالي فمن هذه الزّاوية، كان موقع القيروان خاضعا للظروف العسكرية للفتح. و لكن، ألأنّ عقبة أخذ بعين الاعتبار إخضاع كامل إفريقية لسلطته، فهو لم يؤسّس مدينته على موقع قرطاج‏

19

المخرّبة؟ لا يمكن للقيروان أن تتطلّع إلى الجنوب و الوسط أكثر من الشمال إلّا بوضعها وسط إفريقية. و قد أراد بذلك- على الأرجح- أن يدير الظّهر للتقاليد الرومانية المسيحية التي ترمز إليها قرطاج. لقد كان «المصر» الجديد إذن تأكيدا على مصير جديد، و توجّه جديد أيضا، سيعبّران عن إرادة الاستقرار النهائي للعرب في أرض إفريقية، و رفع راية الإسلام بها على قدر المستطاع.

و لكن، و بصفة مباشرة، تدخل في اللعبة خاصّة اعتبارات استراتيجية يعني ضرورة أن يكون للجيش العربي قاعدة عمليّات قارة، و موقع للتراجع في نفس البلاد. لقد أخفى تأسيس القيروان إذن تهديدا ضمنيّا للقبائل البربرية في الغرب مثلما كان ذلك ضدّ الحكومة البيزنطية القائمة. و بالفعل لم يبق عقبة- خلال الأربع أو خمس سنوات- من إقامته الأولى (51- 55 ه) عاطلا على المستوى العسكري، إذ استغلّ سلبيّة البيزنطيّين و ضعفهم المرتبط دون شك بحصار القسطنطينية الذي قام به معاوية الأوّل (49- 52)، ليبعث بغزوات قصيرة المدى في فعلها على ضيعات و أرياف بلاد مزاق. و لهذا أشار الإخباريون العرب و البيزنطيون معا إلى المذابح التي أحدثت في صلب المسيحيّين- و خاصّة دون شك في صلب الأفارقة- و ذكر لنا أنّ البربر، من شدّة ما أصابهم من الرّعب اعتنق أغلبهم الدّين الجديد. كان كل شي‏ء، يدل إذن على أنّ قدوم عقبة تزامن مع نوع من التشدّد في الأساليب العربية التي يفسّرها بسهولة عنف الرّجل و وضوح الرّؤية التي كانت لديه عن مهمّته و دوره.

يجب إذن أن ننتظر ردّة فعل قوية من البربر، الذين أجبروا على التعويل على إمكانياتهم الخاصّة أمام الغياب الكلي للبيزنطيّين.

أبو المهاجر دينار (55- 62/ 674- 681)

لقد كان الرجل الذي سيواصل بنجاح مؤكّد عمل عقبة متجنّبا الاصطدام المباشر و الدّموي مع البربر، على عكس عدوّه المميت. و من الأكيد أنّ هذه الميزة كان لها دور أكثر من صفته كمولى في إضعاف دوره‏

20

و اضمحلال شهرته، و إن كان هذا الاضمحلال أقل أهميّة في التاريخ الرّسمي منه في المصادر القديمة. و كردّ فعل على هذه النزعة، لم يتردّد بعض المؤرخين المعاصرين من قلب الأدوار بمنح التفوّق تقريبا في عمل الفتح لأبي المهاجر على حساب عقبة.

سيكون هنا أبو المهاجر الشخص الأول، الذي ستكون لديه إرادة واضحة في الاستيطان إن لم نقل في الفتح الحقيقي، فقد كان أول من تجرّأ على القيام بضربات ضد المغرب الأوسط مستعملا سياسة لبقة تسعى إلى أسلمة إفريقية. فهما يتعارضان في سياساتهما و طبائعهما اللّينة من جانب و العنيفة من الجانب الآخر. و بالفعل لم يكن كل شي‏ء خاطئا في ما تسوقه لنا المصادر. فأبو المهاجر يبدو لنا بالفعل كسياسي فطن، و مسلم صادق. لكن من المؤكد أنه يتوجّب أن يعزى إلى عقبة التوجّه الجديد للفتح الذي لم يكن فيه أبو المهاجر سوى مواصل ليّن و ناشط في نفس الوقت. إنه لذو مغزى، مثلا أن تكون المدينة- المعسكر لهذا الأخير، و هي تكروان التي أراد بفعل الكراهية أن يجعلها منافسة لقيروان عقبة هجرت بعد وقت قصير، و لم تصمد بعده. و لكن تبقى بعد ذلك الاختلافات في الأسلوب و الصراعات الشخصية بين الرجلين. لقد كان الإثنان تحرّكهما نفس النيّة المتمثلة في استقرار متين بإفريقية، و في فكرة توسيع الفتح على صعيد كامل المغرب.

هكذا، نجد- على ما يبدو- أبا المهاجر في أوج العمل على عيون تلمسان حيث سيؤسّر قائد أوربة كسيلة، و بعد ذلك و في سنة 59 ه، ستقع الإشارة إليه أمام قرطاج. و أخيرا سيتخلّى البيزنطيون في هذا العهد و بمقتضى اتفاق، للعرب عن شبه جزيرة الوطن القبلي التي سمّوها جزيرة شريك.

حملة عقبة الثانية و ظهور المقاومة البربرية (62- 63 ه)

عند ما سمّي عقبة من جديد على رأس بلاد المغرب سيشرع في تنفيذ مشروعه الكبير لاختراق المغربين الأوسط و الأقصى. و في هذا الوقت المحدّد، اندلعت مقاومة بربرية في غاية الحيوية، فمثّلت عنصرا

21

جديدا كبير الأهمية في تاريخ الفتح. على خلاف بلدان المشرق، وجد هنا تدخّل عسكري للأهالي قوي، و لكنه في أغلب الأحيان بالتعاون مع «السيّد» البيزنطي.

لتوضيح مشكل المقاومة البربرية، لا بدّ من ملاحظة أنّ العرب ما داموا ينحصرون في غزوهم على النهب و على إخماد الفتن بمنطقة طرابلس و إفريقية بحصر المعنى، لم تكن توجد تقريبا قلاقل من الجانب البربري.

فقبائل الجنوب كلواتة و هوّارة و نفوسة، لم تحرّك ساكنا بالرغم من نهب بلاد الجريد، و رغم فرض جباية ثقيلة على لواتة، و ذلك لأنّ هذه القبيلة اللّيبيّة كان قد وقع استنفاذها تحت الهيمنة السابقة؛ و أن بلاد مزاق كانت منطقة فلاحيّة متحضرة، و من ثم بعيدة عن عالم البربر القبلي.

باختصار، لم تبرز المقاومة البربرية عند ما كانت الغارات العربية مكتفية بالمجال البيزنطي تحديدا (منطقة طرابلس و بلاد مزاق)، و لكن لا بدّ أن ننتظر ردّة فعل في الوقت الذي دخل خلاله العرب في عمل عسكري من الجانب الغربي، يعني في المناطق الخاصة بالقبائل أو المجاورة لها مثل نوميديا. إنها إذن إفريقية البربرية، إفريقية الحدود الصحراوية و المرتفعات الجبليّة مثل جبال الأوراس و ما يجاورها التي ستعبّر عن سخطها. أمّا إفريقية المنتظمة أي إفريقية المتحضّرين و المزارعين و التي تتطابق تقريبا مع البلاد التونسية الحالية، فتبقى مسالمة.

و لتفسير قوّة المقاومة البربرية و خاصيتها المخالفة للمألوف تقريبا عن سياق أحداث الفتح العربي للعالم، يجب أن نلحظ ازدياد الظاهرة القبليّة منذ العهد القندالي، و الاضطرابات المستمرّة لشعوب الموريطانيّين تحت الهيمنة البيزنطية، و التي تجسّدت في الغارات ضدّ إفريقية المنظّمة. و من هنا ينضاف إلى النظام الدفاعي البيزنطي تشجيعات قادة القبائل.

لقد كانت الأمور في الحقيقة أكثر تعقيدا فيما يتعلّق بالتفاصيل.

فنوميديا كانت المنطقة التي مثّلت قلب المقاومة و روحها، و هي في النهاية ولاية بيزنطية شديدة التحضّر. و لتفسير مثل هذه الظاهرة، نحن نعرف أن‏

22

غوتيي‏Gautier افترض حصول انهيار الحضارة الفلاحية و الحضرية التي كانت مزدهرة نسبيا في عهد روما، غير أن تفحّص المصادر العربية التي وقع اكتشافها حديثا، و خاصّة تاريخ ابن الرّقيق، أظهر بوضوح استمرار مثل هذه الحضارة. و مع ذلك، من المؤكّد من ناحية أخرى أن نوميديا ظهرت لنا كبلاد «للقبائل البربرية الكبرى المتجمّعة حول أمراء أقوياء». من دون شكّ تجانب نمطا الانتظام مع نوع من التفوّق للتجمّعات القبليّة، و يمكن حتّى أن نتصوّر وجود تداخل عميق بين تركيبتين اقتصاديتين و سياسيتين و اجتماعيتين تأكّدتا خاصة بعدد من أشكال الحماية التي منحتها القبائل للمدن. كل هذا يتفق مع خاصية التجمّع بين البربر و البيزنطيّين التي مثلتها مقاومة جبال الأوراس في بداياتها. مع التأييد القائم للقوى البيزنطية فيما بعد، و التفوّق الصريح في آن واحد للعنصر البربري طيلة المقاومة. و بأكثر دقّة كذلك، و في وسط هذا العنصر الأخير، لاحظنا انبثاق حركتين دون انقطاع: حركة في غرب جبال الأوراس أوجدها البرانس و هم قبائل مستقرّة و متمسّحة، و حركة في شرق الأوراس طوّرها البتر، و هم عبارة عن تشكلات قبليّة من الرحّل و أشباه الرحّل. تنطلق المقاومة بالفعل، و دائما من نواة مركزية مهيمنة- أوربة و جراوة- لتدمج بعد ذلك في محورها عددا كبيرا من القبائل البربرية؛ فكان هنا الوجه القادر على تدريب الناس و شحن العزائم و تجميع العناصر المتباينة.

كان هذا النّوع الأوّل من المقاومة الذي تعرّض له عقبة بن نافع عند جولته التي قادته سنة 63 ه، إلى قلب المغرب الأوسط و ربّما إلى حدود سواحل المحيط الأطلسي. انتهت هذه المرحلة المشهورة ذات الأسلوب اللاهث و المتوقّد باستشهاده، و مع ذلك، بقيت مقاربتها صعبة بالنسبة للمؤرّخ خاصة و أنّها كانت موضوع إضافات أسطورية.

وجهت أعمال عقبة الأولى عند عودته ضدّ سلفه أبي المهاجر، إذ عاد المقاتلة العرب إلى القيروان المدينة القديمة المهجورة، و وضع أبو

23

المهاجر نفسه في الحديد؛ ثم بعد أن جعل زهير بن قيس البلوي مكانه على القيروان، اتّجه نحو الغرب على رأس 000، 5 رجل.

و قد قيل لنا إنه كان مصحوبا بأبي المهاجر المقيّد دائما. و كذلك بقائد أوربة كسيلة بن لمزم، الذي كان يخشى منه أن يقوم ضدّه بعمل موحّد.

و بوصوله إلى منطقة جبال الأوراس، أقام حصارا على باغاي، ثم على لمبازييس‏Lambese و لكن دون جدوى، لأن الجيش البيزنطي كان في كل مرة يبدأ المعركة أمام المدينة، و عند انهزامه يتراجع، و لكن ليس دون أن يلحق خسائر فادحة بصفوف العرب. و تزايدت المصاعب التي اعترضت عقبة في بلاد الزاب، و هي بلاد بربرية دون منازع، أحكمت أوربة قبضتها عليها، و نلاحظ هنا تواطؤا بين البيزنطيّين و البربر الذي لا يمكن إلّا أن يدعمه انتماؤهم المشترك إلى المسيحية. و يمكن أن يكون قد قام بمعارك عنيفة أمام أذنة المدينة البربرية الموجودة في الزاب، دون أن ينجح في اقتحامها، فقام فيها بعدّة مجازر و جمّع غنيمة عظيمة من الخيول، غير أن عناصر موريطانية كانت قد فرّت إلى الجبال و هدّدت بأن تتجمّع ثانية بطريقة خطيرة. و بدفعه إلى الأمام أكثر في اتّجاه المغرب الأوسط لقي، في مستوى تاهرت، مقاومة مماثلة جمعت بين البربر و البيزنطيّين. يبدو خطّ السّير الذي نسب إليه بعد ذلك من قبيل الأسطورة، إذ إنه عسكر أمام طنجة و التقى ببطريقها يوليان، ثم من هنا نزل في اتجاه السّوس الأدنى، ثم اتجه في مرحلة أخيرة إلى السوس الأقصى و هو بلد قبائل معهودة التي أسر منها عددا كبيرا من النساء. و في هذا المستوى يختلط العجيب بالملحمي و بالرّمزي.

إنه المحيط الأطلسي وحده الذي كبح جماحه الذي لا يعيى فاخترق مدّ المحيط مواجها شساعة البحر و داعيا الرب أن يشهد على أنه لا يستطيع أن يذهب أبعد.

24

إن عودته إلى إفريقية من هذه الجولة الخاطفة، التي و إن كانت انتصارا بسيكولوجيا، قد كانت أيضا نصف هزيمة عسكرية، تطرح مشاكل للمؤرخ. ما يمكن الاحتفاظ به كشي‏ء مؤكّد، هو أنه لسبب مجهول، ترك أغلبية جيوشه تتقدّمه انطلاقا من طبنة، و أن بربر أوربة و بحكم إخبار البيزنطيين و مساندتهم لهم، انتهزوا فرصة قلة عدد حاميته لمهاجمته في تهودا، و هي واحة قريبة من بسكرة الواقعة على سفح جبال الأوراس (نهاية 63/ أغسطس 683). و خضع عقبة أمام كثرة الأعداء، و استشهد مع أصحابه الذين كان من بينهم- على ما يبدو- أبو المهاجر.

لقد نسجت تفاصيل العملية، دون شك، بعد حين، غير أن هذا النّسج لا يمكن أن يكون دون أساس حقيقي. فعلى طريق العودة، لا بدّ أن يكون القائد العربي قد أهان قائد أوربة كسيلة بطرق متعددة و ذلك بالرغم من نصائح أبي المهاجر الحكيمة و الحصيفة.

لقد اغتاظ كسيلة و جرح في الأعماق، و عند ما وجد نفسه على أرض قبيلته، قام بالاتصالات الضرورية مع قومه و مع البيزنطيين، و بما أنه أصبح غير قادر على تحمّل هذا التحالف الذي تحوّل إلى تبعيّة مذلّة، فقد فرّ و جمع قومه و نصبوا كمينا لعقبة.

لقد كانت هزيمة تهودا ضربة قاصمة لخطوة الغازي العربي، إذ ضربته و أوقفت اندفاعه. كما كشفت أيضا عن التواطؤ بين البيزنطيين و البربر و نجاعة هذا التعاون. و أكثر من ذلك، كانت ضربة تهودا أوّل عمل مهمّ في مغامرة المقاومة البربرية و هذا ما سيشجّعها و ينشّطها و يغذّيها. سيلعب مع ذلك استشهاد عقبة دورا رئيسيا في أسلمة إفريقية لأن صياغة أسطورة سيدي عقبة ساعد على استخراج صورة معيّنة عن الإسلام الملحمي.

عقبة بن نافع‏

لقد كبر الرجل قطعا مع الزمن. و أكثر من رجل تقيّ، تصفه لنا المصادر كوليّ يحبّه اللّه. لقد انكشف التدخّل الإلهي بالفعل في كل‏

25

الأعمال و الخطب و المواعظ المنسوبة إليه و الموسومة بتقوى عميقة و قاسية تحيل إلى الشهيد.

إنّ عقبة- الأسطورة هو مبشّر بالعقيدة الإسلامية في أرض إفريقية و المغرب، و هو أحسن مجسّد للجهاد الإسلامي، الذي يجمع بين العزيمة و الاستقامة، و أخيرا هو بطل اخترقت أفعاله المعجزة فازدرى الواقع بإرادته و حماسه للتعبّد. هذا بناء ميثولوجي بالتأكيد، لكنّ هذا العمل الذي وقع إعداده في مصر لم يكن ليتكرّس إلّا على خلفيّة مغربية سابقة الوجود، فالوجه الحقيقي لعقبة إذن يظلّ بالنسبة إلينا لغزا، و مع ذلك نستطيع ببعض التخيّل إدراك بعض الخطوط و رسم صورة عامة لما يمكن أن يكون كان عليه الرجل الحقيقي.

بدأ عقبة قبل كل شي‏ء، باعتباره جنديا و غازيا. لقد كانت له مكانة متميّزة في كوكبة القادة الأمويين الذين جعلوا من أنفسهم صانعي التوسع المتواصل للإمبراطورية العربية، و هكذا كان ثمن مجهودهم المتميّز تماثلا لانتصار الإسلام مع انتصار العرب. متسلحا بنبل طموحه الذي تجاوز شخصه، فلقد استعان على تحقيقه بشجاعة جسدية و معنوية كبيرة تزاوجت مع جموح و عنف كبيرين. فالمصادر تبرزه لنا هكذا حتى و إن كان ذلك بالتأكيد بصفة مزخرفة، عنيفا و مستخفا بمن حوله، و بدائيا و متلهّفا على القيادة و حاقدا و قاسيا على أعدائه. فإذا كانت تنقصه مرونة السياسي و حلم أشراف قريش، فقد كان له مع ذلك فضائل القائد التقي في أعلى مستوياتها، فهو مقدام و لذلك كان محل تقدير من قبل رجاله، و مما لا شك فيه فإننا أمام صورة كبيرة لمؤسّس و غازي.

III- نهاية الفتح (69- 86 ه/ 688- 705 م)

طبع الموت المأسوي لعقبة دخول القوى البربرية إلى لعبة الفتح.

هذه القوى ظلّت إلى حدّ هنا تسويفية أو ببساطة غير منظمة.

إنّ عالم البربر حليف ما بقي من النظام البيزنطي و سيأخذ بالفعل‏

26

بين يديه قيادة المقاومة ليهدّد بجدية التدخل العربي، و لكن لم يستطع لا كسيلة و لا الكاهنة الشهيرة أن يجسّدا أي شي‏ء، و لم يعرفا بالرّغم من انتصاراتهما الساحقة كيف يتجنّبان الكارثة النهائية. للبحث عن أسباب هذه الهزيمة، و عن نجاح العرب، تمسّكنا عبر هذه الدراسة بالتحرّكات العسكرية.

الاستراحة البربرية و تصدّع قوّة البرانس (63- 78 ه)

إنّ أوّل ما نتج عن كارثة تهودا هو طرد العرب من القيروان. من المؤكّد أنّ المصادر العربية و هي تحدّثنا عن نزاع قاتل بين حنش الصنعاني و زهير بن قيس- أحدهما مناصر للانسحاب و الآخر لمقاومة الثورة- تريد أن تنبئنا في نفس الوقت أن اضطراب الفاتحين يعود إلى وجود توجّه إلى الحرب المفرطة و المحافظة على العمل العربي مهما كان الأمر. لكن سنة 63 ه كانت سنة قيام الزبيريين ممّا سيقسّم الإمبراطورية إلى قسمين و هو ما سيجعل التوسع يتراجع. أخذ العرب ينسحبون نحو المشرق، و لكن ليس دون ترك عديد العناصر الإسلامية في القيروان، بعض العرب ربما، و خاصة و من دون شك، معتنقين جدد للدّين الإسلامي من البربر.

استفاد كسيلة من هذا الانصراف السريع، و توجّه إلى القيروان حيث أعطى- كما قيل- الأمان للمسلمين الموجودين فيها آملا في استمالتهم إلى قضيّته أو على الأقلّ تحييدهم. فهل كان يطمح إلى تأسيس دولة بربرية و هل يمكن الاعتماد في ذلك على هذه الجملة الواردة في البيان: «استقرّ في القيروان كأمير على كل إفريقية و المغرب»؟

من المحتمل أن يكون انتصار كسيلة على عقبة، قد ساوى بالنسبة إليه التعاطف إن لم تقل الفرح الفعّال من جماهير البربر. و لقد نجح، من دون شك، أيضا في تجميع الأهالي ذوي الانتماءات المختلفة في كنفدرالية قبليّة واسعة مع التركيز في الجوهر على قبيلته الأصليّة- أوربة- و لكن ظلّ تحرّك كسيلة في الجملة مبهما، فهو قائد بربري سانده البيزنطيّون و ربّما حموه، و ما يظهر ذلك هو استقراره في القيروان‏

27

و مراعاته لمن بقي من العرب. و لا يجوز مع ذلك تضخيم دوره فوق هذا الحدّ لأن كسيلة كان، قبل كل شي‏ء، قائد قبيلة و سيظل كذلك، لأن مستوى التطوّر الذي بلغه البربر في ذلك الوقت، لا يسمح له بتأسيس دولة، و لا بتجميع مختلف القبائل في جهاز دولة. على مستوى المجال، لم يسيطر، من دون شك إلّا على منطقة من إفريقية و هي بالتحديد التي أخضعها العرب، لأنه بعيدا عن كل اعتبار لعدم استقرار التجمّعات البربرية، و إمكانية انقسامها إلى شق معارض للعرب و شق مساند لهم، يوجد ما يجب حسبانه مع البيزنطيين.

منذ سنة 55 ه (674 م)، قام هؤلاء بترتيب عام واضح، يجب أن نضعه في علاقة مع ارتخاء حصار العرب للقسطنطينية، و كذلك مع انطلاق الإصلاح الديني لقسطنطين بوقوناConstantin Pogonat الذي، بحدّه من التوتّرات الداخلية، أمكنه أن يجعل المقاومة للهجومات العربية أحسن. إن «الميثاق» البربري البيزنطي الذي خلق لعقبة الكثير من المشاكل، لعب أيضا دوره، خلال بضع السنوات اللاحقة في دحر العرب، الذين لم يروا فقط إقامة نوع من شكل «السيادة» البيزنطية على «إمبراطورية» كسيلة، و إنما أيضا احتمال إعادة استقرار البيزنطيّين على بلاد مزاق و نوميديا.

لكنّ العرب قد نجحوا من جانبهم في أن يتجاوزوا إلى حدّ ما أزمتهم الداخلية الخطيرة التي زعزعت الدولة. فبسرعة وقع إعادة مصر إلى سيطرة الأمويين بعد انهزام الانشقاق الزبيري في معركة بصاق.

و أظهر المروانيون القادمون الجدد إلى السلطة، أنهم في مستوى مسؤولياتهم، فمنذ 65 ه آلت الخلافة إلى عبد الملك، في حين نصّب أخوه عبد العزيز على رأس ولاية مصر. فعلى الصعيد العسكري، أمكن للعرب إذن التفكير في عمل جديد بإفريقية. الآن و قد انضم إلى القضية المروانية بعد أن حاربها، سيتكفّل زهير بن قيس قائد عقبة القديم بهذا العمل. من هنا ستخرج حملته الخاطفة التي يحيط بها الكثير من‏

28

الغموض، مما جعل بعض المؤرخين يشكّكون بكل بساطة في حقيقتها.

و يجب مع ذلك أن يكون كسيلة في وقت أو في آخر، قد وضع خارج المعركة إذ لم يذكر اسمه إلّا فيما بعد، كأنّ المشكل كان قد تبدّد و حركته وقع تصفيتها.

توجّه زهير إذن سنة 69 ه إلى القيروان، و لكن أمام تقدّمه تحوّل كسيلة نحو الغرب ليتحصّن في موضع ممّس (الماما البيزنطية؟)، التي تقع على بعد 50 كلم من القيروان و 30 كلم من سبيطلة، خشية من انتفاض البربر الموالين للشق العربي، الذين كان عددهم كثيرا في القيروان. و مهما يكن الأمر، فإن كسيلة اختار الارتفاع عن الموضع المنبسط و المفتوح للمدينة العربية، الذي كان واضحا أنه غير ملائم للدفاع، خاصة و أنه كان يترقّب إمكانية الهزيمة، ففكّر أنه يمكنه حينئذ الانسحاب إلى المرتفعات و الغابات في الغرب.

لقد عسكر العرب ثلاثة أيام أمام القيروان دون أن يدخلوها، ثم تحولوا إلى ممّس، و تقدّموا إلى المعركة، فكان نجاحهم مطلقا، إذ قتل كسيلة. و فرت البرانس من المذبحة و خاصة قبيلة أوربة التي تقهقرت إلى جبال الأوراس و ما وراءها في اتجاه الغرب. و بنفس الضربة، انهارت كليا الكنفيدرالية القوية التي تجمّعت حول القائد البربري.

إن العناصر التي تدخل في اللعبة لتفسير هذه الهزيمة العسكرية و السياسية هي نفسها التي استوفيناها سابقا لتفسير هشاشة تنظيم كسيلة.

لم تتأخر حركة كسيلة التي كانت قوية نوعا ما في بدايتها عن تلقي الضربات المعاكسة من الانقسامات البربرية، فلم يتحرّك بتر جبال الأوراس لمساندة كسيلة، بينما اعتنق بتر الجنوب دين العرب. فضلا عن ذلك، من المؤكّد أن رجوع العرب إلى الهجوم كان قد ضاعف من النّقائص في صلب جيشه؛ إذ كيف نفسّر بوجه آخر، هزيمة ممّس النّكراء، و الحال أنه قبل ذلك بستّ سنوات كان على الجيش العربي أن يبحث على النجاة في شكل هروب مضطرب أمام الحشود البربرية.

29

و يطرح مشكل آخر أيضا، يتعلّق بالموقف البيزنطي إزاء كسيلة في الوقت الذي كان فيه مهدّدا. يبدو بوضوح أنّ هذا الموقف كان غامضا، فالبيزنطيّون لم يجلبوا له إلّا مساعدة متحفّظة، و على كل فهي غير كافية لتجنّبه الكارثة. و هذا ما يفسّر أن الأخبار تجمع بين الروم و البربر و تضعهم جنبا إلى جنب في هزيمة ممّس؛ و لكن نفس هذه الهزيمة التي دمّرت نظام البرانس كليّا لم تؤثّر تقريبا مطلقا في المواقع البيزنطية. بل على العكس من ذلك، ستشهد السنوات التي تلت تنحّي كسيلة، تجديد النشاط البيزنطي. ففي سنة 71 ه أبحر أسطول إغريقي في برقة، و حمل المسلمين الموجودين فيها على الاسترقاق، و عند ما قدم زهير لنجدتهم بعد أن غادر إفريقية، حاول المقاومة فقتل. و بعد أن انتقم العرب لموت عقبة، لم يبقوا فعلا في إفريقية. و قد حاولت المصادر عبثا أن تقدّم لنا أنّ زهيرا «أخذه زهد ديني مفاجئ عن أمور الدنيا»، و حسب عبارة شارل ديل‏Ch .Diehl ، لا يسعنا مسايرة هذا التفسير الساذج.

أ يتوجّب إذن أن نعزو إلى قوّة التهديد البيزنطي، الانسحاب غير المنتظر لزهير بعد انتصاره على البرانس؟ لا يبدو ذلك لأن البيزنطيين ليست لهم الإمكانيات لجعل العرب يتراجعون، و بالفعل لم يبادروا إلّا بعد انصرافهم.

من جديد، يجب أن نقدّم تفسيرا داخليا، فحوالى 71 ه، استعدّ الخليفة عبد الملك بن مروان لمواجهة عسكرية مع مصعب بن الزبير، غير أنه تردّد في اختيار الوقت، فقد وضع مخطّط الانطلاق في اتجاه العراق، ثم أقلع عن ذلك لأنه كان غير واثق في قوّاته؛ فهو بوضوح لا يستطيع أن يجيز ترك جيش عدّته عدّة آلاف من الرجال في وقت شديد الحرج. فوقع استدعاء زهير إذن إلى برقة مع فيلقه في حدود 70 أو 71 ه، و كان معظم الجند قد سبقه إلى مصر و من هناك إلى سوريا. هكذا و بعد أن تجرّدت مدينة برقة من جند المسلمين، فوجئت باليونانيين الذين شنّوا غارة سنة 71 ه، التي استشهد خلالها زهير.

30

حسّان و الكاهنة و خضوع إفريقية (76- 84 ه)

بقيت غارة زهير إذن دون غد، و لم يستفد منها سوى البيزنطيين، هذا خارج كل اعتبار سبّبته للفتح في المدى الطويل. و لكن، و بعد سنة 73 ه، تاريخ القضاء على الحركة الزبيرية، توحّد الإسلام ثانية تحت لواء المروانيّين فأصبح قادرا على تحمّل استئناف التوسع. و عزم عبد الملك بن مروان في حدود 75 ه، على حلّ مشكل إفريقية نهائيا، و على تقديم ما يلزم عسكريا لهذا الشأن، و لهذا كلّف حسّان بن النّعمان و هو من أشراف السوريين من أصل غسّاني، الذي استفاد من الخزينة المصرية، فعبّأ معه 000، 40 رجل مكوّنا بذلك أعظم جيش دخل إلى إفريقية إلى حدّ ذلك الوقت (76/ 695)، و كان هاجسه الأول مهاجمة القوة البيزنطية التي تشكّلت جزئيا من جديد، و التي يمكن أن تكون الأكثر خطرا. و لم يكن لهذا التجديد مثيل في تاريخ الفتح باستثناء محاولة أبي المهاجر المشكوك فيها و غير المثمرة سنة 59 ه. هاجم حسّان مباشرة قرطاج، عاصمة ولاية إفريقية الرومانية التي حاصرها سنة 76/ 695، و بعد أن ألحق الهزيمة بالحامية المعادية، دخل على الأرجح المدينة بمقتضى اتفاق صلح.

لقد فرّ الموظّفون البيزنطيّون، و أعضاء الإدارة العليا و الأرستقراطية إلى صقلية و إسبانيا، و تفرّق الذين بقوا في الأرياف المجاورة، غير أنهم و بمجرّد انصراف حسّان عادوا إلى المدينة و حصّنوها، فعاد القائد العربي على عقبيه، و بعد أن حاصرها حصارا عنيفا، دخل العاصمة بقوّة و حرّق و قتل، و قوّض علاوة على ذلك أسوارها و حصونها. هذا ما ترويه لنا المصادر فيما يتعلّق بالاستيلاء الأوّل على قرطاج؛ و من غير المفيد التأكيد على احترازاتنا على التفاصيل التي تتوفر عليها كتب الأخبار.

لقد واصلت، مع ذلك، بقايا الجيش البيزنطي المدعوم بالبربر المعركة في منطقة سطفورة (سهل ماطر) و حول بنزرت. و تحوّل حسان للقائهم و فرّقهم؛ فتراجع البيزنطيون إلى فاقا (باجة)، بينما فرّ حلفاؤهم‏

31

البربر إلى عنّابة حيث تحصّنوا. لقد وقع الإحساس بهذا العمل البطولي على أساس أنه ضربة قاسية ضد الحضور البيزنطي، و إضرار خطير بالاستقلالية البربرية في نفس الوقت. من جديد، كان البربر في حالة غليان، فحاولوا تجميع قواتهم و قاموا بانتفاضة كبيرة لمواجهة التهديد العربي.

لقد تجسّدت آمال البربر في امرأة هي الكاهنة، التي و إن كانت مقطوعة عن المساعدة البيزنطية غير المهمّة من الآن فصاعدا، فإنها ستفرض نفسها كقائد أعلى لحركة المقاومة الثانية و الأخيرة. إنّ الكاهنة و اسمها الحقيقي دهيا بنت طابيتا بن تيفان، كانت إذا ما صدّقنا علماء النّسب البربر، أرملة «ملك» جراوة قبيلة «البتر» من جبال الأوراس الشرقية. و اضطلعت الكاهنة بالوصاية على ابنيها أو أبنائها الثلاثة الذين كانوا صغار السن لتحمّل أعباء الحكم، ففرضت نفسها عبر خصالها التنبئيّة و كفاءتها في القيادة. و حسب مخطط خاص بالمجتمع البربري، تأخذ قبيلة كبيرة و مهيمنة زمام المبادرة- مثال جراوة هنا- فتنجح في تجميع تكتّلات أخرى حولها، غير أنها تنذر دائما بالتفكّك. و يمكن أن توجد، من دون شك، في محيط الكاهنة بقايا لجيش كسيلة، و لكن توجد هيمنة إثنية بتريّة لا يمكن أن تحجب عنّا مع ذلك التمركز النوميدي الأوراسي لكل حركات المقاومة هذه أي حركة كسيلة و حركة الكاهنة معا.

بمقارنة الحركة الأولى بالثانية، يبدو أن الأخيرة كانت أكثر شدّة و أهمية، إذا ما وقع مراعاة فخامة القوات العربية التي كان عليها أن تحاربها. فكسيلة لم ينتصر إلّا عن طريق هجوم مفاجئ أسعفه فيه الحظّ.

و سحقت الكاهنة الجيش العربي في أرض مكشوفة، و لم يكن قائد البرانس- المرتبط بالبيزنطيّين و العرب في نفس الوقت- دون اتصالات مع عالمين منظّمين سياسيا و لكنهما خارجين عن البربر. أما كاهنة جراوة فقد مثّلت نقاء حركة بربرية في الجوهر، و ما كان ينقصها هو إدراك معنى الدولة.

32

كانت انتصارات الكاهنة الأولى صاعقة على العرب. و زحف حسّان على الأوراس مرورا بتيفاست (تبسّة). فعسكر على وادي نينّي قرب مسكيانة (و هي برج مسكيانة الحالي على بعد 30 كلم من باغاي)؛ و من جانبها نزلت الكاهنة من الأوراس، و سيطرت على باغاي فنهبتها و خرّبتها ثم زحفت على الجيش العربي. فكانت المعركة عبارة عن كارثة بالنسبة إلى العرب و حسّان الذين انسحبوا نحو الشّرق دون انتظار؛ فطاردتهم الكاهنة «إلى حدود أبواب قابس» (76- 77 ه). و قيل أنها أسرت عددا كبيرا منهم، ثمانون من قادة العرب و «أعيانهم»، و يضاف أنها أحسنت معاملتهم و أنها تبنّت أحدهم و هو خالد بن يزيد القيسي.

من جهته تراجع حسّان إلى برقة، بعد هزيمته، و هناك شيّد قصورا و حصونا، خلّدت اسمه و بقيت مشهورة تحت اسم قصور حسّان. و بقي فيها من عامين إلى ثلاثة أعوام (77- 80/ 696- 699) كانت قد انفلتت خلالها كل إفريقية منه.

أمام سقوط قرطاج، لم تبق بيزنطة جامدة ساكنة، إذ جنّد من جديد قيصر بيزنطة «ليون» أسطولا حربيا قاده البطريق جان، و في سنة 697 استرجع اليونانيون قرطاج، فحصّنوها من جديد و استردّوا كذلك قلاع البروقنصلية الأخرى.

أمّا عمل الكاهنة خلال هذه الفترة فقد ظلّ شديد التّعتيم، فاستراتيجية سياسة الفراغ أمام الغازي العربي الذي كانت تشكّ في عودته، فرضت سيطرتها على بلاد مزاق، فخرّبت المدن و الزراعات مستهدفة الأشجار المثمرة خاصة، مدمّرة بذلك المنطقة لمدّة طويلة. «إنّ هذه المنطقة التي كانت على حد تعبير ابن خلدون، تمتدّ من طرابلس إلى طنجة مكوّنة غابة شاسعة ظلّها كثيف و قراها متّصلة، أصبحت خرابا». إنّ هذا التأكيد مبالغ فيه من كافة النواحي، لأنه يجعل السّلب يمتد على كامل بلاد المغرب في حين أنه لا يمكن أن يتجاوز بلاد مزاق، و أنّ الخراب النسبي في هذه المنطقة، لا يمكن إسناده إلى عمل الكاهنة وحده. فبلاد

33

مزاق كانت بالفعل المسرح الرئيسي لعمليّات العرب. و من الطبيعي إذن أن تعاني من غزو بطي‏ء و مضن، و مع ذلك نرجّح أنّ أشباه الرّحل الذين اتبعوا الكاهنة قد استفادوا من انتصارهم على العرب و من غياب أية سلطة في سهول الوسط و الجنوب لينهمكوا في النّهب كما شاءوا، و هو ما أقلق سكان المدن و الأرياف المستقرّين و أثارهم، فأثّر ذلك بخطورة على موقف الكاهنة السياسي- البسيكولوجي.

عرف حسّان ذلك، فاختار الوقت المناسب ليعود إلى إفريقية باعتباره منقذ النظام العامّ (80 ه/ 699 م). لقد دخل إلى قابس و قفصة و قسطيليّة دون معارك، ثم صعد في اتجاه الشمال ليحاصر قرطاج (699 م)، في حين حاصر أسطول عربي المدينة و ضرب الأسطول البيزنطي، فسقطت قرطاج في أيدي العرب لثاني و آخر مرّة. فكان ذلك حدثا جوهريا، لأنه يرمز و يحيّن تحوّل إفريقية نحو مصير شرقي إسلامي جديد، و انهيار الحضارة الرومانية المسيحية، الذي ازدهر قديما على ضفافها. لقد أبحرت عناصر الأرستقراطية البيزنطية نحو جزر البحر المتوسط الغربي و إسبانيا، و التجأت بقايا الجيش إلى قلاع البروقنصلية التي أخذها حسّان واحدة بعد الأخرى.

و هكذا انتهت الهيمنة البيزنطية على إفريقية، و بقي القضاء على حركة الكاهنة، التي كانت تمثل لعبة بسيطة بالنسبة إلى حسان، فالملكة البربرية رأت وضعيتها تتدهور بعداء السكان المستقرّين لها و بردّات الفعل المتعدّدة التي أثرت في صفوفها؛ فقد وصلت إلى حد انعدام الثقة في نفسها، و حضّرت فضلا عن ذلك موتها في التصالح المستقبلي بين المنتصرين و المنهزمين. و خلط الإخباريون في هذه المرحلة بين أحلام التنبّؤ و الاستراتيجية السياسية، غير أن الصورة لم تنقصها العظمة، فالكاهنة دفعت ثورتها بثمن حياتها و وقع التغلب عليها مع بعض الأنصار في حدود 81 ه/ 700 م. و أسرع أغلب الجيش لطلب الأمان من حسّان، فأعطاه لهم شرط أن توفّر له قبائل البربر عددا معيّنا من الرهائن ليؤلّف بهم‏

34

جيشين صاعدين يعدّ كل منهما 6000 رجل أعطى قيادتهما لابني الكاهنة. و هكذا احتمى من عنف البربر باستخدامه.

و من هنا، وقع فضلا على ذلك استعادة عادة قديمة تتمثل في جعل الفرسان النّوميديّين مساعدين قيّمين للحكام الذين تتالوا على إفريقية:

قرطاجنيّين و رومان و الآن العرب. بمرورهم بعنف من الثورة إلى التحالف، اتّضح أن البربر النّوميديّين كانوا عسكريا الأكثر ديناميكية في إثنيّتهم ليساهموا في التوسع في باقي بلاد المغرب و إسبانيا و يفتحوا لأنفسهم في حماية عدوّ الأمس، مكانا تحت الشمس على أنقاض وطنهم المدمّر.

خاتمة

خضعت إذن إفريقية البروقنصلية و بلاد مزاق و نوميديا لسيطرة العرب بعد أكثر من نصف قرن من المقاومة الشرسة. و تسلّلت، بالتأكيد، بعد خروج حسّان (84/ 703)، بعض حركات المقاومة في البر و قنصلية، و لكن طاقة موسى بن نصير العنيفة و هو الذي سمّي واليا في هذا التاريخ قضت عليها بسرعة. فأخذ موسى بالتعاقب زغوان، ثم أخضع سكّان سجوم الذين عاقبهم عقابا قاسيا إجلالا لذكرى عقبة، فكانت هذه آخر انتفاضات إفريقية القديمة، و في الوقت الذي كان فيه موسى يجمّع رجاله لهجوم سريع و مربح في الموريطانيات، كانت الفتن قد أخمدت في كامل إفريقية.

لقد كان الفتح العربي لإفريقية إذن عمل حسّان بن النعمان خاصة، بالرّغم من إخفاقاته الأولى، و كانت قيادة مشروعه الأكثر جديّة و الأكثر قطعيّة. و لكن هذا المشروع لم يكن سوى عمل مدمج في مشروع عسكري و بشري و مالي طويل و عنيد. يعني أن البلاد شعرت و كأنّ الفتح محنة تركتها تنزف لأنها لم تنج لا من الرعب و لا من التدمير المادّي و النّهب. لقد دفعت إفريقية غاليا ثمن مقاومتها بعد أن استسلمت لغالبها.

و سيعود حسّان إلى المشرق بكميّات من الذّهب و الأحجار الكريمة

35

و الخيول و العبيد و هو ما سيثير بعده طمع ابن نصير و جشع المروانيّين الذين سيفرغون أكثر إفريقية من ثرواتها. و مع ذلك فما لحق إفريقية هو أقل ممّا لحق بقيّة بلاد المغرب التي ستفرض عليها شروط غاية في القسوة. على أن عالما ما لا يموت دون ألم و لا قبل أن يعطي الحياة لتنظيم آخر للحياة البشرية يتضمّن إيديولوجية قوية. و لا يمكننا- مع ذلك- المرور بصمت على عظمة المقاومة البربرية التي واجهت بمفردها تقريبا و بوسائل بدائية و محدودة جيشا يمتلك موارد إمبراطورية شاسعة.

لقد اهتم التاريخ الغربي إلى حد الآن، بالموت المفاجئ للحضارة الرومانية البيزنطية خاصة ليرثيها بصفة عامّة. في الحقيقة ما يبدو لنا جديرا أكثر بالاهتمام هو هذه المقاومة البربرية، الفوضوية و البطولية و هي دفاع بسيط عن الحياة و الحرية، و هذا أهم ما يتشبّث به الإنسان لمواجهة شناعة منطق حرب التوسع. و لكن سيمّحي سريعا طابع النفي و المأساوية لنفس هذا التوسع أمام و عوده و إنجازاته التي كان من أهمّها قطعا ولادة بلاد المغرب في التاريخ و الحضارة عن طريق الإسلام.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

II تنظيم المغرب في القرن الثاني هجري المؤسّسات الإسلامية-

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

ما زالت الدراسة التاريخية لإفريقية خلال الفتح العربي في حاجة للكتابة بأكملها. فرغم النقص الفادح في التوثيق و طابعه المتأخر و المشكوك فيه فإننا نعتقد أن هذه المهمّة ممكنة.

إن المسعى الذي فرض نفسه عند الشروع في دراسة تحليلية للمؤسسات هو الأخذ بالجانب المتعلّق بالإرث القديم لبيزنطة أساسا، ثم متابعة الإضافات العربية مع محاولة توضيح مدى سيطرة هذا العامل على الآخر مع إبراز التداخل بينهما عند الاقتضاء.

هناك اتجاهات أخرى يمكن أن تتوفر في مثل هذا البحث: الوضع القانوني لمقاطعة إفريقية و جغرافيتها التاريخية و علاقتها بالإدارة المركزية أي بالخلافة. و أخيرا، فإن دراسة هيكلية لسير المؤسسات تمثّل في حدّ ذاتها أهمية كبيرة، و ذلك بعيدا عن كل اهتمام بالتبعية و عن البحث عن حجم الماضي و ثقله، و ما تلاه من أحداث فرضها الفعل الإسلامي.

الوضع القانوني- الإداري‏

منذ متى صارت إفريقية أرض جهاد تطالب بها قوّة خارجية؟

و انطلاقا من أي تاريخ تخلّصت من وصاية ولاية مصر لتصبح مقاطعة تتمتع بكامل الحقوق؟ هنا تكمن إشكالية الوضعية القانونية و الإدارية لإفريقية. فيكون من الأيسر لو استطعنا الكشف عن العلاقة الوثيقة بين النهاية الفعلية للفتح و قيام ولاية إفريقية، و كذلك ما إذا كانت هذه الولاية" عادية" تابعة للسلطة المركزية بدمشق؟ غير أن الوضع لم يكن كذلك.

بلغة أخرى ليس من الأكيد أن العرب كانوا قبل نهاية الفتح يعتبرون إفريقية قانونيا ولايةde jure عربية، على الأقل من وجهة نظرهم و خاصة في أوقات توهّم فيها العرب أن حصولهم عليها كان نهائيا. و بالتالي يبدو

40

عسيرا موافقة النويري‏ (1) و من بعده حسين مؤنس‏ (2) عند ما يقبلان بأن معاوية بن حديج كان واليا على مقاطعة ممأسسة حتى و لو كانت تابعة لمقاطعة أخرى و هي مصر.

واضح أنه لم يكن من الممكن في سنة 45 هجري و بعد 18 سنة من عودة حملة ابن سعد أن يؤسّس العرب ولاية بالمعنى الإداري للكلمة في إفريقية، و ذلك مهما كان نجاح عملية بن حديج خاصة أنها كانت محدودة بالفعل.

كذلك هل من المعقول القبول بأن إفريقية كانت في 45 هجري أرضا للغزو و مجالا ضبابيا للجهاد على غرار ما يراه ابن عبد الحكم حيث يقول" ثم إن معاوية بن حديج بعد عبد اللّه بن سعد خرج إلى المغرب" بمعنى خرج للغزو، و يضيف ابن عبد الحكم في ذات السياق «غزا معاوية بن حديج إفريقية ثلاث غزوات» (3). فلا بدّ في هذا الصدد من إيلاء أهمية للدور الذي لعبه مسلمة بن مخلد، والي مصر في قيام ولاية إفريقية، و كذلك تأكيد صلات تبعيّتها لمصر و هما شأنان لا يتناقضان بالضرورة.

فمثلما تؤكده المصادر (4) بالإجماع، لقد جمع معاوية بن أبي سفيان لمسلمة مصر و المغرب سنة 47/ 667، و يعني ذلك أن هذا الأخير تحصّل على هذه الوضعية القانونية للولاية فكان أوّل من نالت معه المقاطعة هذا اللّقب. لكن في هذا السياق أيضا تبقى المسألة غير ثابتة و مضطربة، فحتى لو نعتنا العرب باللّاواقعية فسيكون من العسير القبول‏

____________

(1) النويري، نهاية الإرب، من خلال ترجمة سلان‏De Slane ، تاريخ البربر، الطبعة الثانية، باريس 1925، ج 1، ص 324.

(2) حسين مؤنس، فتح العرب للمغرب، القاهرة 1947، ص 111.

(3) ابن عبد الحكم، فتوح مصر و المغرب، طبعة عامر، القاهرة 1961، ص 260- 261.

(4) الكندي، كتاب ولاة مصر، بيروت 1959، ج 1، ص 61، يصرّح بأنه: «اجتمعت لمعاوية الصلاة و الخراج في المغرب»؛ ابن عبد الحكم، فتوح ... ص 265: «كان مسلمة أول من اجتمع له مصر و المغرب».

41

بإرسائهم قاعدة قانونية و شرعية لمقاطعة ضعيفة و غير مراقبة كالحال بالنسب لإفريقية.

منطقيا يجب اعتبار عمل عقبة بن نافع وراء فرض انبثاق الولاية كوحدة إدارية: فتأسيس معسكر القيروان هو مظهر من مظاهر التصرف باستقلال. و تبقى صدمة عزل عقبة إلى جانب بقيّة العوامل دليلا (1) يمكن تقديمه على غرابة الموقف.

و رغم أنه يجوز فوق كلّ هذه الاعتبارات الانتباه إلى الألفاظ المتّصلة بالمؤسسة في وثائقنا، فهي تقدّم لنا العون لما نلاحظه فيها من تغيير في اللغة و ظهور عبارات جديدة مع وصول عقبة. فإذا كان ابن عبد الحكم يتحدّث عن" خروج" عقبة للمغرب فهو يسند للخليفة معاوية عبارة «لقد رددتك إلى عملك»، و ذلك عند ما شرح له عقبة المظلمة التي تعرض إليها و اشتكى له من عزله بقساوة من طرف مسلمة (2).

إننا نتبيّن جيدا أن المشهد الذي صوّره ابن عبد الحكم و الذي جمع بين الخليفة و القائد العربي هو افتراء من وضعه. لكن هذه الرواية تترجم الأحاسيس السائدة في القرن الثاني للهجرة بالمظلمة التي تعرض لها عقبة و تدفع إلى الاقتناع بقضيته بشكل غير مقصود مع ما في ذلك من حقيقة بأن عقبة كان واليا و أن إفريقية كانت عملا (ولاية). علاوة على ذلك يستعمل البلاذري في عدّة مناسبات فيما يخصّ عقبة عبارة" ولّاه المغرب" و يضيف بالاستناد لرواية للواقدي‏ (3): «عند ما وصل يزيد بن معاوية للخلافة أعاد عقبة لعمله».

إذا يكون قيام ولاية إفريقية كوحدة إدارية في حوالى سنة 55/ 675 في نهاية إشراف عقبة على المنطقة، و هي نتيجة لمبادراته المتكررة

____________

(1) البلاذري، فتوح البلدان، القاهرة، 1932، يذكر روايات الواقدي في هذا الصدد، و يعززه ابن عبد الحكم: فتوح، م. س، ص 265.

(2) فتوح البلدان، م. س، ص 262 و 266.

(3) م. س، ص 230.

42

و الحيوية، و كذلك نظرا للمراقبة الناجحة التي فرضها على البيزنطيين.

و قد تصرّف عقبة بعد عزله كوالي لحقته الإهانة لكنه لم يشكّك في خلفه أبي المهاجر الذي عيّنه مسلمة (1).

و رغم تضخيم الإخباريين الصراع بين أبي المهاجر و عقبة فهل يجدر أن يتّخذ الخلاف شكلا آخر في مقاطعة تمّ تأسيسها حديثا، بدليل أن سلوك تعدّي الوالي الجديد على سلفه هو ظاهرة عادية و نموذجية في المقاطعات الإسلامية في تلك الفترة؟

و ستتواصل تبعيّة هذه الولاية الجديدة لسلطات الفسطاط على الرغم من أن وضعها القانوني قائم الذات. هنا يطرح حسب رأينا الإشكال المركزي حول طبيعة العلاقات بين مصر و إفريقية. هذه العلاقات كانت قوية منذ البداية. فقد انطلقت الحملة العربية الأولى على إفريقية من الفسطاط في 27/ 647 بقيادة والي مصر شخصيا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح. و شملت علاوة على بعض البدو المنتدبين من أطراف المدينة أغلبية من جند مصر (2). و هي نفس الملاحظة التي يمكن أن نكرّرها حول بقية الحملات، فقد كانت مصر قاعدة انطلاق الحملات فتوفّر المال و التجهيزات و الجند و القادة اللّازمين. هؤلاء كانوا في أغلبهم قد مارسوا القيادة.

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح مصر، م. س، ص 265- 266، و يستعمل عبارة" ولّى" في مناسبتين؛ ابن العذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب، نشر كولان- ليقي بروقانسال، ليدن 1948، ص 21- 22 يستعمل عبارة" استعمل". رغم أن هذا المصدر متأخر فإنه ينقل رواياته عن إخباريين من قدامى. من ذلك ابن الرقيق من الرواة المغاربة الصرف و كذلك لإخباريين للرواية الإسبانية. و حول هذه النقطة الأخيرة، انظر: ليقي بروقانسال، مجلة أرابيكا، العدد 1، سنة 1954، ص 19؛ البلاذري، م. س، ص 230.

(2) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 246؛ ابن العذاري، البيان، م. س، ص 8 و ما بعدها؛ أبو العرب، طبقات علماء إفريقية، نشرة ابن شنب، الجزائر 1914، ص 11؛ و متبوع بكتاب المالكي، رياض النفوس، نشره ح. مؤنس، القاهرة 1951، ص 1، 8؛ و متبوع بكتاب ح. مؤنس، فتح العرب للمغرب، م. س، ص 79- 109.

43

و هذا شأن معاوية بن حديج أحد قادة العثمانية بمصر (1)، و عقبة بن نافع‏ (2)، و زهير بن قيس البلوي‏ (3)، و كذلك موسى بن نصير، و كان موسى قد خدم عبد العزيز قبل حلوله بإفريقية (4). هناك استثناء وحيد يخصّ حسّان بن النعمان أصيل بلاد الشام، و الذي تمّت دعوته لمركز الخلافة ليتولى قيادات أخرى‏ (5).

غير أنه لم يحصل رفض على ما يبدو لأوامر الخليفة لانتداب جند مصر و اتخاذ كنوزها للقيام بالحملات في إفريقية (6). فمكانتها بالنسبة للمقاطعة الأم أي مصر لا تختلف مع نظيراتها خراسان أو المجالات الفارسية الأخرى بالنسبة للبصرة و الكوفة. و هكذا كانت بين 27 و 55 للهجرة أرض جهاد ثم ولاية عادية بداية من آخر تاريخ ذكرناه. و في تينك الحالتين ستعرف إفريقية إشراف الفسطاط بدون انقطاع، و هي وضعية قانونية كانت دائما مقبولة من طرف الخلفاء.

تتفق كل المصادر كما ورد سابقا على أن مسلمة كان الأول الذي جمع له الخليفة مصر و المغرب. و هذا لا يعني أن الإقليمين كانا منفصلين. لكنّ الأمر يتعلّق باعتراف ضمني بإشراف والي مصر على إفريقية في فترة بدأ فيها الحضور العربي يتشكّل بشكل واضح (47 هجري).

قد يكون الخليفة أراد هذا الوضع بوعي منه، و لعلّ الدليل على‏

____________

(1) الطبري، التاريخ، الطبعة الجديدة، القاهرة 1963، ج 5، ص 99- 105؛ ابن عبد الحكم، م. س، ص 137 و 168.

(2) ابن عبد الحكم، م. س، ص 135 و 156.

(3) الكندي، ولاة، م. س، ص 65- 66. يعلمنا أنه كان يقود الجيش الزبيري في بوساق حيث هزمه عبد العزيز بن مروان.

(4) م. ن، ص 69.

(5) ابن عساكر، التاريخ الكبير، دمشق 1332 ه، ج 6، 146- 147. هذا المصدر يحظى بمصداقية كبيرة في كل ما يهمّ الشام حتى بالنسبة للفترات المبكرة، إذ ينقل عن مصادر قديمة.

(6) ابن العذاري، البيان، م. س، ص 34.

44

ذلك يتمثّل في رفض معاوية بن أبي سفيان الاعتراض على موقف مسلمة بعد إقصائه عقبة عن ولايته في 52 هجري‏ (1).

غير أن احترام حقوق أمير مصر لم يكن ليمنع الخليفة من التدخل مباشرة في شؤون إفريقية سواء عند حصول فراغ في السلطة في الفسطاط (بالتحديد في الحالة الأخيرة التي تمّ عرضها) أو في طور تقهقر الحملات كما حصل سنة 78 هجري عند ما تلقى حسّان تسمية مباشرة من قبل عبد الملك بالذات‏ (2). إن تدخل الخلافة في هذه الحالة كان بدافع فوق العادة فليس هناك حاجة لتفسير ذلك بوجود صراع بين الخليفة و والي الفسطاط في تسيير شؤون إفريقية على غرار ما فعل مؤنس‏ (3). أما في الأحوال العادية فما دام الفتح لم يتمّ و مصر محمولة على توفير المال و الجند فلا يجدر أن تنتفي مراقبة والي مصر لإفريقية.

لقد أكّد عبد العزيز بن مروان والي مصر بداية من سنة 65/ 684 علاقات التبعية و حاول تمديد هذا التقليد في وقت تراجعت فيه الجهود الأساسية للفتح. و عند عودته إلى المشرق في 83 هجري قدّم حسّان قدرا من الهدايا لوالي مصر لكن هذا الأخير استولى على جملة العبيد و الخيول. و تذكر بعض الروايات أن حسّان أخفى الذهب و الحجارة الكريمة المرصودة للخليفة في جرار الماء للكشف عنها أمام أمير المؤمنين‏ (4).

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 178- 179.

(2) ابن العذاري، البيان، م. س، ص 44؛ الكندي، ولاة، م. س، ص 74.

(3) ح. مؤنس، فتح العرب، م. س، ص ص 271- 272. نختلف مع مؤنس لا سيما في الرأي الموالي للمؤلف حيث يقول: «لم يصبح المغرب مستقلا عن مصر بصفة رسمية سوى بعد وقت وجيز انتهى بتعيين معاوية بن أبي سفيان لمعاوية بن حديج لقيادة الفتوحات. منذ ذلك الوقت، يعتبر الخلفاء المغرب ولاية تابعة مباشرة لسلطتهم، و لهذا السبب فهم يعتبرون كل تدخل لحكام مصر في شؤون المغرب تعدّ غير قانوني». إن كل تحليلنا يصب في نقيض ما يراه مؤنس تماما.

(4) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 272، ينقل روايتين، واحدة تقبل بأن الغنائم كانت تصل لعبد الملك، و الثانية تقول باستحواذ عبد العزيز على مجمل الحصيلة؛ ابن‏

45

بذلك أكّد أمير مصر حقوقه في غنائم إفريقية. غير أن هذه الحادثة تبرز في ذات الوقت كيف بدأ الاحتجاج على هذه الحقوق و كيف صار والي إفريقية يتوجّه أكثر فأكثر إلى دمشق. و فعلا وضعت صراعات أخرى والي الفسطاط وجها لوجه مع والي القيروان. فقد اعترض حسّان بصفة خاصة على قطع عبد العزيز إقليم إنطابلس (البنتبول قديما) عن ولاية إفريقية. غير أن هذا الأخير هو الذي سيظفر بالقضية و ينجح في فرض آرائه بما فيها تبعية إنطابلس فتمّ عزل حسّان‏ (1) ليلتحق بالمشرق و يحلّ محله موسى بن نصير على رأس المغرب‏ (2)، و موسى لا يعدو أن يكون سوى أحد موالي حاكم مصر. و لعلّ هذه الظروف تفسّر الاحتجاجات‏

____________

- العذاري، البيان، م. س، ص 39، لا يجد منفذا لمصادر أخرى فيؤكد على شروط الوالي لكنه يبالغ في الافتراء. فمسألة جرار الماء لا يمكن أن تكون سوى رمزية، لكنها ذات دلالة قوية. فعندما نحذف ما في روايته من حشو لما للحدّ الأسطوري من وزن ليشكّك في مضامينها، يمكن عندها أن نكشف ما فيها من عمق حقيقي.

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 274، يقدّم حسان و هو ينسحب برغبته مستجيبا لقرار الخليفة مع نزعة فيها تعظيم لحسّان؛ الكندي، ولاة مصر، م. س، أكثر تأكيدا على الأحداث: جاء حسّان بعهد الخليفة ثم قام عبد العزيز بإقالته في 78 ه. يرتب هذه التنحية مباشرة بعد التعيين، دون أن يترك الوقت لحسان لينتقل إلى إفريقية: و في هذا خلط بين حادثتين متتاليتين في الزمن لا يمسّ حقيقة المعلومة في شي‏ء فيما يتعلّق بعزل عبد العزيز لحسّان. و نحن نعلم خارج هذا السياق أن عبد الملك هو بنفسه الذي كلّف حسّان بالحملة على إفريقية.

ابن عساكر، التاريخ، م. س، ص 146- 147، يذكر أبيات تناقض رواية العزل.

(2) يمكن أن يكون في 84 ه؛ ابن عبد الحكم، م. س، ص 274. عند توليته كان موسى فعلا مولى لقبيلة لخم: البلاذري، فتوح، م. س، ص 248، لكنه نقل ولاءه لشخص عبد العزيز الذي أنقذه من براثن الخليفة حتى لا يحصل إتلاف كالذي كان هو السبب فيه في العراق. في المقابل حافظ موسى على انتسابه اللّخمي، انظر ابن العذاري، البيان، م. س، ص 40. هناك شخصية أخرى و هو الشاعر نصيب الذي قام كذلك بنقل ولائه لصالح عبد العزيز أيضا: أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، القاهرة الطبعة الأولى، ص 302 و ما بعدها؛ بالنسبة للكاتب المجهول في الأخبار المجموعة، نشره لافوانت إي كنترا، مدريد 1867، ص 30، قد يكون نصير أعتق من طرف عبد العزيز. و هو الوحيد الذي يقدم هذا المعطى. هناك سعي لتفسير رجعي لتعلّق موسى بمصير عبد العزيز بن مروان.

46

اللّاذعة لعبد العزيز فيما يخص الغنائم. و قد تفانى الوالي الجديد موسى ليبرهن على طاعته لسيّده ببعث رسائل الانتصار إلى جانب الغنائم و السبي‏ (1).

هكذا أحبطت محاولة الولاية للتحليق بأجنحتها مع حسّان و ذلك لتصلّب إرادة عبد العزيز بن مروان الذي ساهم لوقت طويل في إعطاء دفع جديد لصلات تبعية إفريقية لمصر. في هذا الصدد نلاحظ مباشرة أن الإبقاء على هذا الخضوع- الذي تضاعف خطره بوضع الطعم الضخم و الانفتاح على منّ الغنائم السهلة- يعود أساسا لشخصية عبد العزيز، ذلك أن حضوره في الجناح الغربي من الإمبراطورية كان يخلق سلطة فعلية مضاعفة. و عبد العزيز كان قد نصّبه أبوه مروان بالذات ليكون واليا على مصر، كما رشّحه بنفسه ليكون وريثا للخلافة بعد عبد الملك‏ (2).

لذلك لم يلبث أن دبّ العداء بسرعة بين الأخوين و احتدّ في نهاية حكمهما. لقد حاول عبد الملك الحصول من أخيه عبد العزيز على تنازل على العرش بمحض إرادته، لكن بدون جدوى. فقد كان عبد الملك ينوي حرمانه من حقه في تولي الخلافة، بل ربما كان يعتزم تنحيته من ولايته‏ (3) قبل أن يموت في جمادى الأولى سنة ستّ و ثمانين للهجرة (4).

ماذا يمكن أن تكون انعكاسات مثل هذا الصراع على شؤون إفريقية؟ من المؤكد أن عبد الملك كان يحاول صرف نظر أخيه على‏

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص ص 5- 274؛ ابن العذاري، البيان، م. س، ص 40- 41؛ ابن الأثير، الكامل، القاهرة، 1957، ج 6، ص 3- 112.

(2) الطبري، التاريخ، م. س، ج 5، ص 610؛ ابن سعد، الطبقات، بيروت، ج 5، ص 236.

(3) الكندي، ولاة، م. س، ص 75؛ الطبري، م. س، ج 4، ص 412- 413؛ ابن سعد، الطبقات، م. س، ج 5، ص 233؛ الجهشياري، كتاب الوزراء و الكتّاب، القاهرة، 1938، ص 34.

(4) الكندي، م. س، ص 76؛ الطبري، م. س، ص 413- 416.

47

الصعيد المغربي ليحصل منه على مكافأة في نواح أخرى خاصة و أنه تخلّى على ما يبدو عن كلّ حلول اعتماد القوة. لكن في المقابل، فإن انتباه عبد العزيز لمجادلته حقوقه في الخلافة و استبعاده من العرش كان دافعا له لتصليب مواقفه و تأكيد سلطته على مصر.

كلّ هذا يفسّر جيدا أن موت عبد العزيز كان علامة انقطاع بين الولايتين. لكن هذا التفسير يبقى غير كاف إذا لم نحتط بكلّ تأكيد من أن كلّ وال على إفريقية كان يحبّذ الرقابة عن بعد من قبل الخلافة بدل والي مصر القريب من إفريقية.

و رغم أنه تمّ تغيير عبد العزيز بابن عبد الملك بالذات عبد اللّه‏ (1)، فإن موسى لم يتردد لحظة واحدة لإرسال الهدايا و الرسائل الرسمية مباشرة للخليفة، ممّا أثار غضب الوالي عبد اللّه و احتجاجاته‏ (2). هذه الحادثة الأساسية التي يتعيّن الاحتفاظ بتاريخها (86/ 705) تنطوي ضمنيا على استقلال إفريقية عن مصر. فمن 86 إلى 184/ 705- 800، بدأت الولاية تنظّم شؤونها و تتمتّع بهياكل إدارية، ثم أتت فيما بعد فترة أخرى شرعت فيها السلطة الأغلبية في إقامة سلطة محلية حقيقية، فعرفت إفريقية بين الحدثين وضعا قانونيا مكتملا بكلّ استحقاق إذا جاز التعبير، لكنّه مرتبط مباشرة بالخلافة (3).

____________

(1) الكندي، م. س، ص 79.

(2) م. ن، ص 81- 82. و يبدو لنا هذا المصدر حقيقا بالأخذ بما فيه لوضوحه. فقد تمكّنا من التعرف أخيرا على نصّ ابن الرقيق، التاريخ، في شكل" ميكرو فيلم" استعرناه من الأستاذ شبّوح. ففي الفصل الثامن يبدو الكاتب محافظا على ذكرى القطيعة في أيام عبد العزيز، غير أن عبد العزيز هذا بالذات يكون قد مات بعد عبد الملك و هو أمر غير صحيح.

(3) عرفت إفريقية بين 132 و 137 ه، استقلالا حقيقيا باستحقاق. ففي 127 ه، استحوذ عبد الرحمان بن حبيب بالقوة على الولاية و لكن تمّ تثبيته في 129 ه. من طرف مروان بن محمد: البيان، م. س، ص 60، و مع أنّ موت هذا الأخير في 132 ه أعفى ابن حبيب من كل بيعة فقد امتنع عن الاعتراف بالسلطة العباسية الجديدة. كذلك في 136 ه عيّن أبو العباس الخليفة العباسي صالح بن علي واليا على مصر و فلسطين و إفريقية. فأحيت هذه التسمية تقاليد قديمة كانت قد انقرضت. ففي 86 ه كانت تجمع‏

48

و لم تدم العلاقات مع مصر أكثر من ذلك بل أضحت أقلّ ارتباطا من قبل. في المقابل نلاحظ فحسب تواصلا كثيفا بين الطرفين في مستوى الأطر الإدارية أو بين عناصر العائلات الحاكمة الأصيلة.

فقد لعب أحفاد معاوية بن حديج خلال القرن الثامن ميلادي دورا مهما في مصر فاحتلوا في مناسبات عديدة وظائف رسمية (1). و تكون الصورة أكثر دلالة مع أحفاد عقبة و ابن نصير، ذلك أن هاتين العائلتين عاشتا بشكل مواز في مصر و المغرب، و قد كان لهما هنا و هناك وزنهما في الشؤون العامة. فقد احتكرت سلالة عقبة في إفريقية قيادة الجيش‏ (2)، على غرار حبيب بن عبدة (أو عبيدة) بن عقبة بن نافع و خالد بن أبي حبيب، و نجحوا في تأسيس سلطة مع عبد الرحمان بن حبيب، و المساهمة في بعث سلطة أخرى في إسبانيا مع يوسف الفهري. أمّا الفرع المصري لهذه العائلة فيبرز ربّما بصفة أقلّ بريقا في عديد الوظائف المدنية و العسكرية العليا (3). و من جهتهم فإن النصيريين رغم الاضطهاد الذي تعرضوا له بداية من 96 ه قد شكّلوا مجموعة مؤثرة في إفريقية، كما تمّت تسمية البعض منهم ولاة في مصر (4): ففي 132 ه عيّن عبد الملك بن معاوية بن موسى واليا على مصر، و في 144 ه ارتقى‏

____________

- لنفس الوالي ولايتين في نفس الوقت. لكن هذه حالات تهمّ ظروفا استثنائية فقد كان الهدف منها إركاع إفريقية للطاعة العباسية. و قد تمّ فعلا تجميع جيش بالفسطاط، غير أن المنصور تقلّد السلطة في 137 ه و وضع حدّا لهذه الاستعدادات: الكندي، ولاة، م. س، ص 123- 124. و هو ما يمكن تفسيره بيسر بقيام ابن حبيب بتقديم البيعة للخليفة الجديد: البيان، م. س، ص 67. لكن بعد وقت وجيز خطر له خلع الطاعة عن السيادة العباسية و إعلان الاستقلال، فتم اغتياله (137 ه). و الواقع أن عبد الرحمان كان يتمتّع باستقلال حقيقي طيلة فترة" حكمه" (127- 137). بنفس النمط، كانت سنوات حكم الخوارج (140- 142) يمكن اعتبارها في نفس السياق.

(1) الكندي، ولاة، م. س، ص 79، 81، 133.

(2) البيان، م. س، ص 51.

(3) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 135- 156؛ الكندي، ولاة، م. س، ص 102.

(4) ولاة، م. س، ص 116.

49

معاوية بن مروان شقيق الوالي السابق إلى وظيفة والي الخراج‏ (1).

و في مناسبات عديدة قام الخلفاء الأمويون مثلهم مثل العبّاسيين بنقل حكّام من مصر إلى إفريقية دون أن نلاحظ في أيّ وقت من الأوقات، اجتماع ولايتين لنفس الشخصية. لذلك إذا تمّ الفصل الفعلي و القانوني للولايتين فإن ذلك لم يطرح أبدا أي إشكال، و مع ذلك فهو اعتراف ضمني لماض إسلامي موحّد لتبعية الولايتين لنفس الفضاء الجغرافي.

لهذا تمّت في سنة 102 هجري تسمية بشر بن صفوان والي مصر على رأس ولاية إفريقية. و عند مغادرته الفسطاط للتوجه للقيروان سمّى خلفا عنه أخاه حنظلة، فسارع الخليفة يزيد بن عبد الملك بإقراره واليا على مصر، ممّا يقطع مع كلّ عزم للجمع بين الولايتين في نفس الولاية و تحت قيادة واحدة (2). و في 124 جاء دور حنظلة ليتمّ تعيينه واليا على إفريقية بعد أن كان زكّاه هشام في 105 ه واليا على مصر (3). و بنفس الطريقة تمّ استبداله في الفسطاط بأحد الأوفياء له و هو حفص بن الوليد الذي تمّ إقراره في خطّة وال، و هو ما صان من جديد الفصل بين الولايتين.

و تمّ أيضا نقل عدد من ولاة الفسطاط إلى القيروان: من ذلك ابن حبيب‏ (4)، الوالي القديم للخراج، ابن الأشعث‏ (5)، يزيد بن حاتم‏ (6).

و هذه علامة على الأهمية التي يوليها الخلفاء للمغرب و هو ما يعني أن‏

____________

(1) م. ن، ص 133.

(2) م. ن، ص 92- 93.

(3) م. ن، ص 93- 94. بينما واصل بشر مهامه في إفريقية حتى 109 ه.

(4) م. ن، ص 95، لم يكن أبدا واليا على مصر، و كذلك لم يحكم إفريقية و مصر في نفس الوقت كما يؤكده ليفي بروقانسال: تاريخ إسبانيا الإسلامية، باريس 1950، ج 1، ص 41، و هو يكرر في هذا الصدد معلومة خاطئة أوردها ابن العذاري، البيان، م. س، ص 51.

(5) الكندي، ولاة، م. س، ص 130- 131.

(6) م. ن، ص 133- 138.

50

المقاطعتين تحتلّان في نظرهم نفس الدرجة في الهرم الإمبراطوري.

و في سياق نفس الأفكار، صحيح أن المغرب ليس ولاية مركزية في الإمبراطورية، و لم يعرف على رأسه أمراء من الدولتين و لكن- و هذا ليس أقلّ صحّة من الرأي الأوّل- قد تمّ مع الأمويين كما مع العبّاسيين تعيين شخصيات مهمّة، من بينهم- على غرار ما رأيناه- من أدار شؤون مصر، كما هناك آخرون برزوا في الشرق في أرقى المهام. في هذه الدرجة الأخيرة يمكن أن نصنّف يزيد بن أبي مسلم أخ الحجّاج من الرضاع الذي أدار في العراق ديوان الرسائل، كما كلّف سنة 95 ه بمراقبة خراج نفس الولاية (1)، و هي مهام ذات بال. يمكن أن نذكر أيضا عمر بن حفص المهلّبي الملقب بالهرمزان و الذي تميّز في كثير من المقاطعات في الشرق و كان قد منحه المنصور إدارة ضخمة (2). و يضاف للقائمة في نهاية الفترة التي تهمّنا هرثمة ابن أعين أحد أصحاب الجاه الكبير في بلاط بغداد (3). و ليس هناك ما من شأنه أن يقدّم لنا فكرة واضحة على أهمية الولاية أكثر من ملاحظة الحجم الضخم للمساحات التي استطاعت في بعض الأوقات أن تكون تحت مراقبتها. و هذا المعطى يدفعنا لفحص هيئتها و حدودها الجغرافية.

الجغرافية التاريخية

حول أصل لفظة إفريقية التي تعتمد غالبا لتقديم المقاطعة (4)، لا يتسرّب أي شك بأنها تنحدر عن اللاتينية أفريكاAfrica ، و ذلك رغم كل الجهود الغبية أو اللّاواعية للنسابين و الإخباريين العرب الذين حاولوا

____________

(1) الجهشياري، الوزراء و الكتّاب، م. س، ص 42.

(2) البلاذري، فتوح، م. س، ص 234.

(3) الجهشياري، م. س، ص 207، بصفة خاصة رئيس الحرس.

(4) ابن عبد الحكم، م. س، ص 287، 290، 291، و ما بعدها؛ البلاذري، فتوح، ص 227- 228- 229- 230- 231، و ما بعدها؛ ابن العذاري، البيان، م. س، ص 48- 49- 50- 57، و ما بعدها.

51

الرجوع باللفظة لشخصية ملكيّة من الجنس العربي. هذه التهيّؤآت" ذات النزعات العربية" تستند في الغالب لسلطة ابن الكلبي العلمية، و بدون اختلاف تعتمد بصفة تقليدية، نفس المنطلقات‏ (1) مصدرا لها.

ففي أوّل الهيمنة الرومانية ينطبق استعمال تسمية أفريكا على تونس الشمالية (أفريكا) القديمة أو الأصليةAfrica Vetus ou propria ، ثم امتدت على نوميديا التي تحصلت بدورها مع يوليوس قيصر على اسم أفريكا نوفاAfrica Nova (بمعنى الجديدة) مع أنها كانت دائما منفصلة إداريا عن أفريكا القديمة، و ذلك إلى حدّ سنة 25 قبل الميلاد. في هذا التاريخ بلغ المفهوم القانوني لأفريكا أقصى انتشاره محتويا طرابلس و سيرتا الكبرى لكن مع البقاء منفصلة عن الموريطانيات‏ (2).

نلاحظ في الأثناء مع الإمبراطور ديوكلسيان‏Diocletien ميلاد أبرشية لإفريقية و هي تضمّ في ذات الوقت بلاد إفريقية الجغرافية و الموريطانيات‏ (3). من هنا و حسب الظروف تضيق ضبابية فهم لفظ إفريقية إلى النواة الأصلية التونسية أو تونس الشمالية مع هامش غير مضبوط يمتدّ على نوميديا و البلاد الطرابلسية أو يتّسع إلى أن يدمج مختلف الموريطانيات. بلغة أخرى يمكن أن يصادف المفهوم القانوني نظيره الجغرافي أو يتجاوزه.

و لم يختلف الأمر مع العرب. فاللفظ الإداري المتداول لتسمية الولاية هو إفريقية: و هو ما نلحظه سيّما على قطع العملة التي وصلتنا (4).

____________

(1) أسطورة إفريقش التي هاجرت من جنوب بلاد العرب إلى المغرب. انظر حول هذا الموضوع، البلاذري، م. س، ص 231؛ ابن الفقيه الهمداني، جغرافية بلاد العرب‏B .G .A (خمسة) ليدن 1302 ه، ص 72؛ اليعقوبي، كتاب البلدان، بيروت 1955، ج 1، ص 228؛ ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة سلان، م. س، ج 1، ص 168.

(2) تيسو- ريناك، مقاربة جغرافية لمقاطعة إفريقية الرومانية

Tissot- Reinach, Geographie Comparee de la province romaine d`Afrique, Paris, 8881

. (3) م. س، ج 2، ص 37.

(4) لافوا، فهرس العملة الإسلامية للمكتبة الوطنية، باريس، 1891، ج 2، ص 19؛

52

لكن تبقى نفس الضبابية أولا بسبب النوائب المختلفة التي عرفتها الولاية و التي ضخّمت ثم قلّصت مجالها، و خاصة لأن البقايا الجغرافية استمرت ماثلة أمام العيان. لذلك ألا تمثّل جغرافية إفريقية قبل كل شي‏ء البروقنصلية القديمة و بيزاسان القديمة مع إضافة بقايا نوميديا و طرابلس؟

و كذلك فمفهوم المغرب قد يشير إلى كل الرقعة الغربية ابتداء من طرابلس، و هذا معنى فضائي، و قد يتماهى مع مفهوم إفريقية من الوجهة المؤسساتية لا من الوجهة الجغرافية (والي إفريقية وال على كل المغرب)، و أخيرا فعند الانطلاق في اتجاه الغرب حيث تنتهي إفريقية، يتم التعبير بالاستعمال الشائع" إفريقية و المغرب" حيث يظهر هذا التركيب كتعريف إضافي.

أما في بعض الحالات النادرة عند ما يعوّض هذا الاستعمال لفظة إفريقية سواء تحت الشكل البسيط و نعني به المغرب‏ (1)، أو تحت شكل أكثر تضخيما بذكر" المغرب كلّه" (2)، تبرز في هذا الصدد بصفة خاصة النبرة القانونية التي تثير ضخامة ولاية الغرب الإسلامي متضمّنة كذلك إسبانيا.

و دائما يجوز أن ننتبه في هذا التحليل السريع لمخطّطات متتالية لا يمكن تجاهلها. كذلك الحال بالنسبة للجزئيات التوبونيمية (تسمية البلدان)، سواء في مستوى المناطق أو في مستوى المدن و الأماكن المعروفة بتسمياتها الخاصة. من ذلك أنطابلس (برقة) و طرابلس، و إطرابلس‏ (3). كذلك قرطاجنّة، بالنسبة لتونس (و هي قديما توناس‏

____________

- و وكر، الفهرس العربي- البيزنطي و الإصلاحات الرومانية المتأخرة، لندن 1956، ص ص 70- 71، يقدّم الكتابة الموالية باللاتينية:

in nomine domini misericordis solidus feritus in Africa Indictioni VII

سنة 90- 91 ه و 99. بالنسبة للسنوات 102، 103، 104 و غيرها نجد الدنانير بالعربية مضروبة بإفريقية.

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 260- 261- 262- 265 و غيرها.

(2) البيان، م. س، ص ص 47- 50؛ سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، القاهرة، 1965، ص ص 3- 13.

(3) كان ياقوت واعيا بالأصل الإغريقي للكلمة. انظر: معجم البلدان، ج 4، (طبعة بيروت) ص 25، و كنّا قد أشرنا إلى أن طرابلس تعني المدن الثلاثة.

53

( Tunes

، سبيطلة (سفاتلة(Suffetula) ، قمّونية (1) (كمونية أو كامونيا(Cemonia ، مامس (ماما(Mamma ، لمطة (لبسيس(Lepsis (2)، إيبيانا من (فيبياناVibiana (3)، قفصة (تابصا(Tapsa (4)، و غيرها.

و كان يحصل قديما انتشار لتسمية تغطي منطقة ذات مجال محدود لتضمّ إقليما أوسع، من ذلك اختفى اسم تكامودةThacamuda ليصبح قمودة (5)، و يفرض استعماله على كامل القسم الغربي لبيزاسان. أو على عكس ذلك، فلفظة- مفتاح و ذات مجال تطبيق أوسع من عبارة البيزاسان، يمكن أن يستمر استعمالها بتواتر عادي مع تقلّص مدلولها، فاللفظ الذي عوّض البيزاسان بدون منازع هو موزاق‏ (6)Musaq ، و فعلا، لا نجده إلّا نادرا في النصوص، فقبل أن يتمّ إهماله كان يعني في أفضل الحالات سهل القيروان‏ (7).

خلال استثناءات نادرة تمّ نقل تسميّة المواقع المشتقة من العمق الليبي- الفينيقي إلى اللاتينية، ثم نقلت إلى البيزنطية، و صارت راهنا معرّبة، غير أن متابعة التعريب عن قرب في مختلف هذه الحالات، تبيّن أن العربية تتلاءم مع الأشكال الأصلية البربرية و بالتالي الشعبية، أكثر بلا شك منه مع اللاتينية. من ذلك أن باغاي العتيقةBagay تعود أصولها البربرية لمحور التسميةh .b gou t .b .g و هي من نفس أصل التسمية التي اشتقّت منها فاقاVAGA الرومانية المعربة ب باجا (8).

____________

(1) ح. ح. عبد الوهاب، مشتقة من الاسم العربي للبيزاسان، المجلة التونسية 1939، ص 201. نفس المصدر، عند تحديد موقع القيروان، 1940، ص 51.

(2) م. ن، من الاسم العربي للبيزاسان، ص 200.

(3) م. ن، المدن العربية المنقرضة، إهداء لويليام مارسي، باريس 1950، ص 13.

(4) م. ن، المدن العربية المنقرضة، ص 15.

(5) م. ن، المجلة التونسية 1939، مقال مذكور سابقا، ص 199- 201.

(6) م. ن، المجلة التونسية 1939، مقال مذكور سابقا، ص 19- 201.

(7) ابن ناجي، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، نشرت بتونس 1320 ه، ج 1، ص 173. و يعيد في هذا الصدد معلومة قديمة تثريها تفسيرات تشوبها النزوات.

(8) بالقران، محاولة حول أسماء الأماكن بالجزائر و تونس، تونس 1949، ص 77.

54

يمكن ملاحظة عودة مباشرة للمصادر المحلية في التوبونيميا الجهوية، لكن هناك كذلك تسميات جديدة تعبّر عن قطيعة و تتجلى في بروز ألفاظ عربية أو تعبيرات جغرافية مجلوبة من المشرق. فمهما كانت رابطة الهوية بين مضمون مفاهيم المغرب و الموريطانيات، فالحقيقة إلى حدّ ما أن هذه الألفاظ لا تستطيع أن تصل إلّا بالصدفة، فاللفظ الأوّل له منحى جغرافي و الثاني يشير لمفهوم إداري قاعدته عرقية. فمع العرب نجد خاصة كلمة سوس، قريبا كان أم بعيدا، فعوّض لفظ موريطانيا. كذلك انقرضت تسمية بيزاسان و لم تترك سوى هيكل بمعنى تركت عبارة جديدة أصولها عربية محضة، فعوضتها بصفة تدريجية كلمة ساحل و هي تشير إلى الشريط الساحلي للمقاطعة القديمة (1). نذكر أيضا تسمية جديدة و هي جزيرة شريك (شبه جزيرة الوطن القبلي حاليا)، إذ أتت تسمية المكان نسبة لشريك العبسي الذي قد يكون بطل فتح هذه المنطقة. و تتمثل الظاهرة الأكثر دلالة في التخلّي الكلّي عن اسم نوميديا الذي حل محله لفظ الزاب. فهذه التسمية الأخيرة ذات الجذور البابلية أو الفارسية المعرّبة استخدمت لتعني نهر الزّاب في وادي الرافدين، ثم استعملت في أرض المغرب لتدلّ على وادي أوراس الأعلى و ما جاوره، و يشير إذا بصفة أساسية لنوميديا الجنوبية (2)، ثم استخدم ليعني كامل المقاطعة القديمة.

تغطّي هذه التحوّلات التوبونيمية خطوطا جديدة لحقيقة تعبّر عنها بالضرورة. ففي هذه التحوّلات لعبت نوائب الغزو دورا في فرض نظرة معيّنة لدى الغزاة. لذلك فإنّ الشريط الشرقي- الأوراسي الذي انتصب كحاجز مقاومة رهيب، برز حينا كقسم من الإقليم و حينا آخر كأنه الإقليم كلّه، غير أن مفهوم نوميديا لم يعد من الممكن أن يكون سوى إحياء

____________

(1) ليفيسكي (ت)، «وثيقة إباضية غير محققة لنفوسة الغرب بالساحل التونسي في القرن الثامن و التاسع»، مجلة فوليا أريونتالا، ج 1، القسم الثاني، 1955، ص 183- 184؛ ابن الرقيق القيرواني، تاريخ، تونس 1966، القسم 26، يتحدّث عن عرب الساحل.

(2) ياقوت الحموي، معجم، م. س، ج 3، ص 123، 124.