كنز الفوائد - ج1

- الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي المزيد...
391 /
5

الجزء الأول‏

[مقدمة المحقق‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلواته و تحياته على أكرم رسله، سيدنا محمّد و آله المصطفين الأبرار، و صحبه الأخيار.

و بعد فأنا أمام كتاب «كنز الفوائد» الذي يعتبر- بحق- من الآثار القيمة الحية، التي تركها لنا سلفنا العلماء الخالدون، قد ضم بين دفتيه مجموعة كبيرة من أبحاث علمية، متعدّدة الألوان، مختلفة المواضيع، قد تبوأ مكانة كريمة لدى العلماء و الباحثين، و أولوه اهتمامهم و عنايتهم، فكان من المصادر التي اعتمدوها و أخذوا عنها.

و هذا الكتاب من آثار العلامة الفقيه المتكلم الشيخ أبي الفتح محمّد بن علي الكراجكيّ الطرابلسي، من ألمع العلماء الإسلاميين في القرن الخامس الهجري، و أكثرهم إحاطة بمعارف عصره، و أوفرهم إنتاجا و نشاطا في سبيل العقيدة الإسلامية، و نعرف ذلك من ثبت مؤلّفاته كما يأتي إن شاء اللّه.

و قد طبع هذا الكتاب في إيران منذ أكثر من ثمانين سنة على المطابع الحجرية و نفدت نسخه و أصبحت نادرة الوجود، رغم رداءة طباعته و كثرة أغلاطه. لذلك أصبح مجهولا لا يعرفه إلّا قليل.

و قد عنيت منذ مدة طويلة بنسخه عن النسخة المطبوعة، و بترتيبه و التعليق عليه، رغبة في نشره بين القراء، و تعميما للفائدة، و إبرازا لآثار علمائنا الأبرار و جهودهم في مجالات العلم و الثقافة الإسلامية.

6

و كان من حقّ هذا الكتاب أن يصدر بحلته الجديدة، منذ زمن، إلّا أن الظروف القاسية التي مرت بها البلاد حالت دون ذلك.

و أخيرا قيّض اللّه سبحانه الصديق البر الحاجّ جعفر الدجيلي صاحب دار الأضواء، فتولى طبعه و إخراجه، فله شكري و دعائي له بالتوفيق. و اللّه سبحانه يتولى الصالحين العاملين.

4 ربيع الأوّل سنة 1405 ه

27/ 11/ 1984 م‏

عبد اللّه نعمة

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم و له الحمد

مقدّمة

عاش أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكيّ مؤلف هذا الكتاب «كنز الفوائد» الشطر الكبير من حياته ما بين النصف الأخير من القرن الرابع و النصف الأول من القرن الخامس للهجرة.

و كانت هذه الفترة التي عاشها الكراجكيّ بالذات حافلة إلى حدّ كبير بضروب من الانقسامات السياسية الهائلة، و بقيام دول صغيرة، منيت بها المملكة الإسلامية (الأم)، و انفصلت عنها.

فقد استقل بنو بويه بفارس و الري و أصبهان و الجبل.

و أصبحت كرمان في يد محمّد بن الياس، و الموصل و ديار بكر و ربيعة و مضر في أيدي الحمدانيين، و المغرب و أفريقيا في أيدي الفاطميين، و الأندلس في أيدي الأمويين، و خراسان في يد السامانيين، و الأهواز و واسط و البصرة في أيدي البريديين، و اليمامة و البحرين في يد أبي طاهر القرمطي، و جرجان و طبرستان في أيدي الديلم.

و لم يبق في يد العباسيين سوى بغداد و أعمالها، محتفظين بسيادة معنوية على هذه الدويلات المنفصلة عنها، التي كانت تقدم للخليفة العباسيّ في بغداد الدعاء و الخطب في المساجد أيّام الجمع و الأعياد و في المناسبات الدينية، و تشتري منه الألقاب‏ (1).

____________

(1) انظر: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع لآدم متز، ج 1 ص 1 و ما بعدها.

8

كما حفلت هذه الفترة أيضا بضروب عديدة من المذاهب و النحل، و بانقسام كبير في الآراء و النزعات، في مجادلات و مناظرات عنيفة و حادة، بصراحة و حرية، حفظتها لنا تلك المؤلّفات التي وضعت في هذه الفترة، و التي تبرز لنا تلك الألوان المذهبية بوضوح و عنف، حول القدم و الحدوث، و حول الخالق و صفاته، و حول أفعال الإنسان في الجبر و الاختيار، و حول الخلافة و الإمامة و ما إليها من العصمة و النصّ و الاختيار، و حول ما يراه المعتزلة من نظرية الأحوال، و نظرية الأشاعرة حول نظرية الكسب، و حول ما يراه الإسماعيلية و القرامطة من الباطن و الظاهر، و حول جميع هذه المواضيع الكلامية و غيرها، التي كانت محور المناظرات العلمية و الفكرية آنذاك.

فقد برز في هذه الفترة من شيوخ الأشاعرة أمثال أبي بكر محمّد بن الطيب البصري المعروف بالقاضي الباقلاني المتوفّى سنة (403 ه).

و من المعتزلة القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شيخ المعتزلة في عصره المتوفّى سنة (415 ه).

و أبو الحسن البصري محمّد بن عليّ بن الطيب المتوفّى سنة (430 ه).

و من الشيعة الإماميّة الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان التلعكبري المعروف بالشيخ المفيد المتوفّى سنة (413 ه) و هو عالم الشيعة في عصره.

و الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي المتوفّى سنة 436. و تلميذهما أبو الفتح الكراجكيّ المتوفّى سنة (449 ه).

و في هذه الفترة بالذات تنفس الشيعة الإماميّة الصعداء حين أخذ ينحسر عنهم الكثير من الحرمان و الكبت و الملاحقة، التي عاشوها طيلة أكثر العهود الماضية، و تنسموا شيئا من حريتهم، و استطاعوا الإعلان عن آرائهم و اتجاهاتهم، مما لم يحظوا به في عصور سابقة. ذلك حين عطف بنو بويه على الشيعة، و سيطروا على الخليفة في بغداد، الذي كان مصدر ذلك الكبت و الحرمان، و تحكموا بمقدرات الدولة و بمصيرها، و أصبح الخليفة العباسيّ دمية بين أيديهم يحركونها كيفما شاءوا

9

و في هذه الفترة بالذات أيضا، استطاع الشيخ المفيد و تلميذه الشريف المرتضى و تلامذتهما، أن ينشطوا للقيام بواجبهم الديني و العلمي دون خوف أو تقية، و أن يتغلغلوا في دفع الفكرة الشيعية إلى المناطق التي كانت موصدة أمامهم من قبل، كإيران و أكثر جهات العراق و سوريا، و أن يبرزوا التشيع في حقيقته النقية الصافية الممدودة بالمنطق و الأدلة العلمية، و قد أخذوا على عاتقهم مهمة الدعوة الإسلامية، و صد هجمات الملاحدة من القرامطة و الغلاة و غيرهما.

و كان أبو الفتح الكراجكيّ من أبرز من تحملوا المسئولية في هذا السبيل.

و كان الدور الذي قام بأعبائه مهما و خطيرا. فقد قدّر له أن يعيش في هذا الثغر الشاميّ و في الساحل اللبناني، ليقوم بترسيخ العقيدة الإسلامية، و الحد من النزعة الإسماعيلية، يوم كانت فلسطين و لبنان واقعة تحت نفوذ الدولة الفاطمية، و حين كانت الفكرة الإسماعيلية الفاطمية تعيش في أكثر بقاعها.

و قد اختار الكراجكيّ مدينة طرابلس اللبنانية قاعدة لانطلاقه و عمله، حين كان أمراء بني عمّار الشيعة يتولون حكمها، و يسيطرون عليها.

و من هذه القاعدة- طرابلس- انطلق الشيخ الكراجكيّ يناظر و يجادل و يعلم، بكل ما يملك من طاقة علمية و فكرية، و صمد في وجه الموجة الإسماعيلية العارمة، و استطاع أن يحد من نشاطها، حتى انحسرت عن أكثر هذه المنطقة، و حلت مكانها الفكرة الشيعية الإماميّة، و أصبحت مذهب الأكثرية لسكان المناطق الساحلية في ذلك العهد.

و شمل في نشاطه مقاومة سائر المخالفين، كالمعتزلة و الأشاعرة، و أهل الديانات الأخرى، كاليهود و النصارى و البراهمة و سواهم، كما يبدو ذلك من كتبه و الفصول التي أدرجها في كتابه (كنز الفوائد).

كل ذلك بفضل جهوده المتواصلة، و بما كان يملكه من شدة المعارضة و روح الجدل، و وفور: العلم، و عمق الملاحظة، و تنوع الثقافة، و قوة الحجة، و بما كان يتمتع به من وعي و إدراك، و من حيوية و حركة و صبر و عمل دائب.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

مؤلف الكتاب‏

هو أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان المعروف بالكراجكيّ، نسبة إمّا إلى (كراجك) و هي قرية تقع على باب مدينة (واسط) العراقية التي بناها الحجاج الثقفي والي الأمويين سنة 83/ 84 ه (1)، و كان بينها و بين كل من البصرة و الكوفة و الأهواز و بغداد مقدار واحد، و هو خمسون فرسخا. (2)

و هذا ما قاله كثير من مترجميه.

و إمّا نسبة إلى عمل الكراجك و هي الخيم كما في لسان الميزان. (3)

و قد وصفه غير واحد بالخيمي نسبة إلى (الخيم) قرية أو محلة في مصر، كان أبو الفتح قد نزلها.

و الأرجح أن نسبته بالكراجكيّ إنّما هي إلى عمل الخيم، التي هي الكراجك كما قاله في لسان الميزان، إما لأنّه هو كان يعملها أو أن الذي يعملها أحد آبائه فنسب إليها. بدليل ما قاله العماد الحنبلي: «و فيها توفي أبو الفتح الكراجكيّ أي الخيمي» الذي يفسر الكراجكيّ بالخيمي.

كما ينسب الكراجكيّ إلى طرابلس الشام، فيوصف بالطرابلسي، لإقامته فيها مدة طويلة أيّام حكامها بني عمار، و قد عده المجلسي في كتاب البحار في فقهاء طرابلس، كما يفهم من عبارته التالية:

«و من أجلاء علمائنا و فقهائنا و رؤسائهم فقهاء حلب، و هم جمع كثير، و منهم‏

____________

(1 و 2) انظر: التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 311.

(3) ج 5 ص 300

12

فقهاء طرابلس، و منهم الشيخ الأجل السعيد أبو الفتح الكراجكيّ نزيل الرملة البيضاء». (1)

و يعزز هذه النسبة و إقامته الطويلة في طرابلس، أنه ألف أثناء إقامته فيها عدة مؤلّفات، و منها:

1- عدة المصير في حجج يوم الغدير، ألفه في طرابلس للشيخ أبي الكتائب ابن عمار.

2- التلقين لأولاد المؤمنين.

3- التهذيب متصل بالتلقين.

4- نهج البيان في مناسك النسوان، أمره بعمله الشيخ الجليل أبو الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس.

5- معونة الفارض على استخراج سهام الفرائض، ألفه بطرابلس لبعض الإخوان.

6- ردع الحاصل و تنبيه الغافل، و هو نقض كتاب أبي المحاسن المعري الذي رد به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين، ألفه في طرابلس.

7- مختصر طبقات الوراث، عمل للمبتدئين بطرابلس.

كما ينسب إلى (صور) المدينة الساحلية اللبنانية، فقد وصفه الطهرانيّ في الطبقات بالصوري، إذ أقام فيها، و فيها توفي و دفن، و قد وضع فيها بعض مؤلّفاته، منها: الأصول إلى مذهب آل الرسول سنة 418 ه.

*** و قد اتفقت كلمة مؤرخيه على أنّه توفّي سنة (449 ه) (2) في الثاني من ربيع الآخر (3).

____________

(1) البحار ج 105 ص 76.

(2) انظر: شذرات الذهب للعماد الحنبلي ج 3 ص 283، و لسان الميزان للعسقلاني ج 5 ص 300 و مرآة الزمان لليافعي م 3 ص 70 و القمّيّ في الكنى و الألقاب ج 3 ص 94 و معجم رجال الحديث م 16 ص 376.

(3) انظر: لسان الميزان ج 5 ص 300.

13

أما تاريخ ولادته فقد أهملته كتب التراجم، لكن وجدنا الكراجكيّ في كتابه (كنز الفوائد) يروي عن أبي الحسن عليّ بن أحمد اللغوي المعروف بركاز (بميارقين) في سنة 399 ه.

و هذا يعني أن الكراجكيّ كان إذ ذاك في سن تمكنه من تلقي الرواية و الأخذ عن الرواة، و هذا عادة لا يكون إلّا في سن الخامسة و العشرين من عمره، على أدنى الافتراضات، و على هذا فتكون ولادته سنة 374 ه. أي أنه عاش خمسا و سبعين سنة تقريبا.

و الكراجكيّ من أئمة عصره في الفقه و الكلام و الفلسفة و الطبّ و الفلك و الرياضيات و غيرها، و قد وصفه أصحاب التراجم بما يدلّ على مكانته العلمية و شخصيته البارزة في أكثر معارف عصره. قال العماد الحنبلي في شذرات الذهب ج 3 ص 283 في حوادث سنة 499 ه.

«و فيها توفي أبو الفتح الكراجكيّ أي الخيمي رأس الشيعة و صاحب التصانيف محمّد بن علي، مات بصور في ربيع الآخر، و كان نحويا لغويا، منجما، طبيبا، متكلما متقنا، من كبار أصحاب الشريف المرتضى، و هو مؤلف كتاب «تلقين أولاد المؤمنين».

و قريب منه ما قال اليافعي في مرآة الزمان (ج 3 ص 70).

و قال العسقلاني في لسان الميزان ج 5 ص 300 «محمّد بن علي الكراجكيّ، بفتح الكاف و تخفيف الراء و كسر الجيم ثمّ الكاف، نسبة إلى عمل الخيم و هي الكراجك، بالغ ابن طي‏ (1) في الثناء عليه في (ذكر الإماميّة)، و ذكر أن له‏

____________

(1) هو يحيى بن حميد بن ظافر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمّد بن الحسن بن صالح بن علي بن سعيد بن أبي الخير الطائي أبو الفضل البخاري الحلبيّ المعروف بابن أبي طيّ (585- 650 ه) انظر: طبقات الشيعة القرن السابع ص 205. و له ترجمة في لسان الميزان ج 6 ص 263- 264 و قال: أنه ولد بحلب سنة 575 و له تصانيف عدة منها (معادن الذهب في تاريخ حلب) و (شرح نهج البلاغة) في ست مجلدات و (فضائل الأئمة) و (خلاصة الخلاص في آداب الخواص) في عشر مجلدات و (الحادي في رجال الإماميّة) و (سلك النظام في أخبار الشام)، أخذ الفقه عن ابن شهرآشوب و كان بارعا في الفقه على مذهب الإماميّة، و له مشاركة في الأصول و القراءات.

14

تصانيف في ذلك، و ذكر أنّه أخذ عن أبي الصلاح، (1) و اجتمع بالعين زربى، و مات في ثاني ربيع الآخر سنة 449».

و قال الحرّ العامليّ في الأمل:

عالم فاضل متكلم فقيه محدث ثقة جليل القدر. ثم ذكر بعض مؤلّفاته.

و قد أطراه عدد من مترجميه، فوصفوه بالشيخ المحدث الفقيه المتكلم المتبحر الرفيع الشأن من أكابر تلامذة المرتضى و الشيخ (أي المفيد)، و الديلميّ، و الواسطي، و سلار و أبي الحسن ابن شاذان القمّيّ، و هو من أجلة العلماء و الفقهاء و المتكلّمين، و أسند إليه جميع الإجازات‏ (2). و يعبّر عنه الشهيد الأول العاملي كثيرا، في كتبه بالعلامة، مع تعبيره عن العلّامة الحلّي بالفاضل‏ (3).

و قد وصفه ابن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء ص 788 بالقاضي، و تابعه على ذلك السيّد الكبير مهدي الطباطبائى في رجاله فقال: أبو الفتح القاضي شيخ فقيه متكلم من تلامذة الشيخ المفيد.

و ربما جاءت كنيته بأبي القاسم، و إنّه من ديار مصر و يحتمل أنّه من ديار الشام. و يؤيد هذا الاحتمال الأخير ما ذكره صاحب لسان الميزان من أن الكراجكيّ نسبة إلى عمل الكراجك و هي الخيم، و على هذا فهو ليس مصريا كما احتمله بعضهم من أنّه نسبة إلى الخيم قرية في مصر، كما أنّه ليس لدينا ما

____________

(1) هو تقيّ الدين بن النجم الحلبيّ من تلاميذ الشريف المرتضى، له عدة مؤلّفات، منها. (تقريب المعارف) و (البداية)، و (البرهان على ثبوت الإيمان) و (الكافي في الفقه). وصفه الشهيد الثاني، بالشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الحلبية.

انظر: (الكنى و الألقاب ج 1 ص 97). و في لسان الميزان ج 2 ص 71: تقي بن عمر بن عبيد اللّه ابن محمّد الحلبيّ أبو الصلاح، مشهور بكنيته من علماء الإماميّة ولد سنة 374 و مات بحلب سنة 447، أخذ عن أبي جعفر الطوي و غيره، و رحل إلى العراق فحمل عن الشريف المرتضى.

(2) يراجع في ذلك بحار الأنوار ج 102 ص 263 هامش للمعلق، و الكنى و الألقاب ج 3 ص 94.

و انظر: معجم رجال الحديث ج 16 ص 376 و مقدّمة الطبعة القديمة لكنز الفوائد.

(3) انظر الكنى و الألقاب ج 3 ص 94.

15

يدل على أنّه عراقي نسبة إلى كراجك و هي قرية على باب واسط كما تقدم، بل المحتمل قريبا أنّه من بلاد الشام.

و قد وصف المؤلّف كما سبق بالقاضي، و لا نعرف البلد الذي كان فيه قاضيا، و لا الجهة التي أسندت إليه هذا المنصب، و إن كان المظنون أن أمراء بني عمّار حكام طرابلس هم الذين أسندوا إليه القضاء و في مدينة طرابلس الشام بالذات.

و كان المؤلّف الكراجكيّ جيّاشا بكل فن، يطلب المعرفة أينما كانت، و في حركة دائبة بدون ملل، يفيد و يستفيد، فقد كان صاحب رسالة إسلامية و علمية، يغيثها و يدعو إليها، و يتجول في سبيلها في كثير من العواصم الإسلامية، و بخاصّة الشامية منها، و يجول فيها عرضا و طولا، إشباعا لرغبته في نشر رسالته، فلم يقر له قرار، فكان في مصر سنة 407 و 426، و في الرملة من فلسطين سنة 410 و 412 (1) و 416، و في مكّة المكرمة سنة 412، و في بلبيس سنة 418، و في ميافارقين سنة 399.

كما كان يتجول بين دمشق و بغداد، و حلب و طبرية، و بين صيدا، و صور و طرابلس، و يقيم في كل منها مدة طويلة، يؤلف فيها و يصنف، كما يظهر من ثبت مؤلّفاته، و من لقاءاته مع أهل العلم، مما ذكره في كتابه (الكنز).

و حيث يستقر في بلد يعكف على التأليف في مواضيع الساعة آنذاك. و من هنا وجدنا شطرا من مؤلّفاته وضعها بالقاهرة، و بعضها في الرملة، و آخر في دمشق و طبرية و صيداء و صور و طرابلس و غيرها.

كما كان يؤلف لبعض شخصيات عصره من أمراء و قوّاد و علماء و قضاة، و ثبت مؤلّفاته يشير إلى هذا.

و كان على إلمام تام بمعارف عصره، كما يظهر ذلك من مؤلّفاته المتعدّدة المواضيع، و ذا ثقافة واسعة.

____________

(1) يقول الكراجكيّ ص 247 من طبعة الكنز القديمة: و رأيت بالرملة في جمادى الآخرة من سنة 412 شريفا من أهل السند يعرف بأبي القاسم عيسى بن علي العمري من ولد عمر بن أمير المؤمنين (ع).

16

فقد كتب في الفقه و الأصول، و الحساب، و الرياضيات و الفلك، و الأدب و الحديث، و الفلسفة و الكلام، و النحو، و الأخلاق و التاريخ و الرجال، و التفسير، و غير ذلك ممّا تشير إليه عناوين كتبه التي وضعها.

و من هنا نجد مترجميه يصفونه بأنّه نحوي لغوي منجم طبيب متكلم، محدث فقيه متفنن على ما سبق.

«شيوخ المؤلّف و أساتذته»

أخذ أبو الفتح الكراجكيّ العلم عن جماعة كثيرة من أعلام عصره، كما أخذ الحديث من عدد كبير من الرواة و العلماء من شيعة و سنة، و روى عن أكثرهم في كتابه (الكنز).

و منهم:

1- الشيخ المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي العكبري البغداديّ المعروف بابن المعلم (338/ 336- 413 ه).

2- الشريف المرتضى عليّ بن أبي أحمد الحسيني بن موسى الموسوي المعروف بذي المجدين و بعلم الهدى، و المكنى بأبي القاسم 357- 436

3- أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلميّ الطبرستاني المعروف بسالار و معناه الرئيس أو المقدم من تلاميذ المفيد و المرتضى، توفّي سنة 448 ه و قيل سنة 463 ه.

4- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن علي المعروف بابن الواسطي المعاصر للشريف المرتضى.

5- أبو المرجا (أبو الرجاء) محمّد بن عليّ بن طالب البلدي و هو ممن روى عنه بالقاهرة.

6- الشريف أبو عبد اللّه محمّد بن عبيد اللّه بن الحسين بن طاهر الحسيني.

7- القاضي أبو الحسن محمّد بن عليّ بن محمّد بن صخر الأزدي البصري، روى عنه بمصر سنة 426 ه قراءة عليه.

8- أبو محمّد عبد اللّه بن عثمان بن حماس، روى عنه بمدينة الرملة.

9- أبو القاسم هبة اللّه بن إبراهيم بن عمر الصواف، روى عنه بمصر.

17

10- القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمى الحرّانيّ نزيل بغداد، روى عنه في مدينة الرملة سنة 410 ه، و قد أكثر الراوية عنه في كنز الفوائد، و قال ابن عساكر عنه: كان من أشدّ الشيعة و كان متكلما. مات بعد الأربعمائة. (1)

11- أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان القمّيّ، روى عنه الكراجكيّ بمكّة المكرمة سنة 412 ه (2) و أورد في الكنز كثيرا من رواياته عنه، و هو ابن أخت أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّيّ الشهير المتوفّى سنة 367/ 368 ه.

12- الحسين بن محمّد بن علي الصيرفي البغداديّ، قال الكراجكيّ عنه:

و كان مشتهرا بالعناد لآل محمّد و المخالفة لهم. و سمعت من هذا الراوي المخالف عدة فضائل لآل محمد (ص) سخّره اللّه لنقلها فرواها راغما حجة عليه بها. (3)

13- الشريف أبو منصور أحمد بن حمزة الحسيني العريضي، روى عنه في الرملة.

14- أبو العباس أحمد بن إسماعيل بن عنان، روى عنه بحلب. (4)

15- أبو الحسن عليّ بن أحمد اللغوي المعروف بابن ركاز، روى عنه في ميافارقين سنة 399.

16- القاضي أبو الحسن عليّ بن محمّد السباط البغداديّ.

17- أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني، روى عنه بمصر سنة 407 ه.

18- أبو سعيد أحمد بن محمّد بن أحمد الماليني الهروي، روى عنه في الرملة سنة 410 ه في شوال.

____________

(1) انظر: لسان الميزان ج 1 ص 382.

(2) ورد في الكنى و الألقاب ج 1 ص 318 تاريخ قراءة الكراجكيّ سنة 312 و هو اشتباه دون ريب.

(3) انظر كنز الفوائد ص 154 من الطبعة القديمة.

(4) أبو العباس هذا يروي عن أبي المفضل محمّد بن عبد اللّه الشيباني شيخ عدة من مشايخ الطوسيّ (الطبقات ج 2 ص 73).

18

19- أبو العباس أحمد بن نوح بن محمّد الحنبلي الشافعي، روى عنه بالرملة سنة 411 ه حديثا عن المعمر الشرقي.

20- أبو الحسن عليّ بن الحسن بن مندة، روى عنه الكراجكيّ حديث الطائر المشوي في طرابلس سنة 436 ه، و أورد هذا الحديث في كتابه (تفضيل علي على غيره).

21- أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ، شيخ الطائفة و صاحب كتابي التهذيب و الاستبصار (385- 460 ه) ذكره كما حكي عن منتجب الدين صاحب الفهرست في مشايخ الكراجكيّ.

و من الملاحظ أن الكراجكيّ لم يرو حديثا واحدا عنه في كتابه (كنز الفوائد). و من هنا شك بعضهم في صحة ذلك.

«تلاميذ المؤلّف»

عرفنا من تلاميذه الذين أخذوا عنه جماعة و هم:

1- الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين الخزاعيّ المعروف بالمفيد النيسابوريّ، و هو من شيوخ العلماء، صاحب التصانيف، و عم والد الشيخ أبي الفتوح الرازيّ جعفر بن عليّ بن محمّد بن أحمد. (1)

2- أبو محمّد ريحان بن عبد اللّه الحبشي. (2)

3- السيّد أبو الفضل ظفر بن الداعي بن مهدي العلوي المصري العمري الأسترآبادي، كان فقيها صالحا، يروي عن عبد اللّه بن عمر الطرابلسي.

____________

(1) هو تلميذ الرضي و المرتضى و الطوسيّ و سالار و ابن البرّاج و الكراجكيّ (الذريعة ج 2 ص 311).

(2) في لسان الميزان ج 2 ص 469: ريحان الحبشي أبو محمّد السبيعي الإمامي المصري، تفقه على علي ابن عبد اللّه بن كامل، روى عنه شاذان بن جبريل، قال: ابن أبي طيّ قال لي أبي: كان الفقيه ريحان من أحفظ الناس، و قيل كان يصوم كثيرا و لا يأكل إلّا من طعام يعلم أصله، و كان ابن رزيك (أي الوزير الفاطمي) يعظمه و يحترمه، كان بعد الخمسين و خمسمائة.

19

4- عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عزّ الدين الطرابلسي.

5- الفقيه أبو عبد اللّه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي‏ (1)، روى عن الكراجكيّ كتاب معدن الجواهر، و كتاب روضة العابدين الذين ألفه الكراجكيّ لولده موسى ..

6- الشيخ شمس الدين أبو محمّد الحسن الملقب بحسكا الرازيّ ابن الحسين بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن بابويه القمّيّ من تلاميذ الطوسيّ و سالار الديلميّ و ابن البرّاج، و حسكا مخفف (حسن‏كيا) و معنى كيا الرئيس و نحوه من كلمات التعظيم، و هو فقيه عصره، روى عن الكراجكيّ، و هو جد منتجب الدين ابن بابويه صاحب الفهرست‏ (2)

«مؤلّفاته»

و قد وضع الكراجكيّ عددا ضخما من مؤلّفاته في مواضيع مختلفة، كما أشرنا من قبل.

و قد ذكرها العلامة النوريّ في كتابه (المستدرك) ص 497- 499.

و فيما يلي شطر من هذه المؤلّفات.

1- روضة العابدين و نزهة الزاهدين، ثلاثة أجزاء في الصلاة، ألفه لولده موسى. ينقل عنه الشيخ شمس الدين محمّد و أخوه تقيّ إبراهيم الكفعمي، (3) و يرويه عنه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي. (4).

2- الرسالة الناصرية في عمل ليلة الجمعة و يومها، عملها للأمير ناصر الدولة بدمشق.

3- التلقين لأولاد المؤمنين، ألفه بطرابلس.

____________

(1) في الذريعة ج 19/ ص 156 ذكر له كتاب (الفرج في الغيبة) و ورد اسمه هكذا أبو عبد اللّه محمّد ابن هبة اللّه بن جعفر الوراق الطرابلسي تلميذ الطوسيّ.

(2) انظر: البحار ج 102 ص 244 و ص 264 هامش و انظر: الكنى و الألقاب ج 3 ص 181- 182

(3) انظر: طبقات الشيعة ج 5 ص 179

(4) المصدر ص 69.

20

4- التهذيب متصل بالتلقين، ألفه بطرابلس.

5- معونة الفارض على استخراج سهام الفرائض، ألفه بطرابلس لبعض الإخوان.

6- المنهاج إلى معرفة مناسك الحاجّ، ألفه للأمير صارم الدولة ذي الرئاستين.

7- المقنع للحج و الزائر، سأله لتأليفه القائد أبو البقاء غرز بن براك.

8- المنسك العضبي أمره بعمله صارم الدولة بطبرية.

9- منسك لطيف في مناسك النسوات أمره بعمله صارم الدولة.

10- نهج البيان في مناسك النسوات أمره بعمله الشيخ الجليل أبو الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس.

11- الاستطراف فيما ورد في الفقه من الإنصاف، صنفه للقاضي أبي الفتح عبد الحاكم.

12- مختصر دعائم الإسلام للقاضي النعمان، قاضي الفاطميين.

13- الاختيار من الأخبار، و هو اختصار كتاب الأخبار للقاضي النعمان.

14- ردع الجاهل و تنبيه الغافل، و هو نقض كلام أبي المحاسن المعري الذي نقض به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين، عمله بطرابلس.

15- البستان في الفقه، صنفه للقاضي أبي طالب عبد اللّه بن محمّد بن عمار. (1)

16- الكافي بصحة القول برؤية الهلال، عمله بمصر.

17- نقض رسالة فردان المروزي في الجزء.

18- غاية الإنصاف في مسائل الخلاف، و هو نقض على أبي الصلاح الحلبيّ في مسائل خلافيّة بينه و بين الشريف المرتضى، نصر فيها رأي المرتضى.

19- حجة العالم في هيئة العالم، ذكر فضلا منه في كتاب كنز الفوائد.

20- كتاب ذكر الأسباب الصارفة عن معرفة الصواب.

21- دامغة النصارى، و هي نقض كلام أبي الهيثم النصراني فيما رامه من تثبيت الثالوث و الاتّحاد.

____________

(1) و يقع في نيف و ثلاثين شجرة طبقات 5 ص 109 و ربما كان هو كتابه المشجر الآتي.

21

22- الغاية في الأصول في حدوث العالم و إثبات محدثه.

23- رياضة العقول في مقدمات الأصول.

24- الراشد أو (الرائد) المنتخب من غرر الفوائد و هو كتاب الأمالي للشريف المرتضى.

25- جواب رسالة الأخوين، يتضمن الرد على الاشعرية و فساد أقوالهم و طعنهم على الشيعة.

26- عدة البصير أو (المصير) في حجج يوم الغدير (1)، عمله بطرابلس للشيخ أبي الكتائب ابن عمار.

27- التعجب في الأمانة من أغلاط العامّة، و هو مطبوع في آخر كنز الفوائد في ربيع الأوّل سنة 1322 ه و عدد صفحاته 69 صفحة.

28- الاستنصار في النصّ على الأئمّة الاطهار، و هو مطبوع مع كتاب مقتضب الأثر للعياشي أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن عيّاش المتوفّى سنة 401 ه، و قد طبع سنة 1346 ه في النجف في المطبعة العلوية عن نسخة كانت في مكتبة المرجع مبرزا محمّد حسن الشيرازي المتوفّى سنة 1312 و كانت كتابتها قبل سبعة قرون سابقة على طباعتها.

29- معارضة الأضداد باتفاق الأعداد.

30- المسألة القيسرانية في تزويج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عائشة و حفصة.

31- المسألة التبانية في فضل أمير المؤمنين (ع) على جميع البرية سوى سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

32- مختصر تنزيه الأنبياء، و الأصل للشريف المرتضى.

33- الانتقام ممن عذل أمير المؤمنين (ع) و هو النقض على ابن شاذان الأشعري فيما أورده في آية النار.

34- الفاضح في ذكر معاصي المتغلبين على مقام أمير المؤمنين لم يتم.

____________

(1) قال النوريّ في المستدرك ج 3 ص 498: هذا كتاب مفيد يختص باثبات أمامة أمير المؤمنين (ع) في يوم الغدير، جزء واحد مائتا ورقة، بلغ الغاية فيه (الغدير ج 1 ص 155).

22

35- مزيل اللبس و مكمل الانس.

36- نظم الدرر في مبنى الكواكب و الصور، يتضمن ذكر أسماء الكواكب المسماة على ما نطقت به العرب و أهل الرصد.

37- إيضاح السبيل إلى علم أوقات الليل.

38- كتاب في الحساب الهندي و أبوابه و عمل الجذور و المكعبات.

39- معدن الجواهر و رياضة النواظر، في الآداب و الحكم و ممّا روي عن رسول اللّه (ص) (1).

40- رياضة الحكم، عارض فيه ابن المقفع. (2)

41- موعظة العقل، عملها لنفسه.

42- التعريف بوجوب حقّ الوالدين، عملها لولده موسى‏

43- إذكار الاخوان بوجوب حقّ الأيمان، أنقذها إلى الشيخ الأجل أبي الفرج البابلي. (3).

44- نصيحة الأخوان، أنقذها إلى الشيخ أبي اليقظان.

45- التحفة في الخواتيم.

46- الرسالة العلوية في تفضيل أمير المؤمنين (ع) على سائر البرية سوى الرسول (ص) عملها للشريف أبي طالب. و هو على الظاهر نفس كتاب التفضيل المذكور سابقا، و فيه يروي عن ابن مندة (4) حديث الطائر

____________

(1) رواه عنه تلميذه الفقيه أبو عبد اللّه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي، انظر الطبقات 5 ص 179 و ترجمه إلى الفارسية الشيخ عبّاس القمّيّ المحدث المعروف.

(2) هو عبد اللّه بن المقفع البليغ المشهور مترجم كتاب كليلة و دمنة.

(3) يحمل أن يكون البابلي هذا نسبة إلى قرية البابلية العاملية أو القرية المذكورة نسبة إليه و هي تقع جنوبي مدينة صيداء قريبة من بلدة الصرفند.

(4) هو أبو الحسن عليّ بن الحسن بن مندة، روى عنه الكراجكيّ سنة 436 ه في طرابلس حديث الطائر المشوي في كتابه تفضيل علي على غيره، و قال أنّه روى ابن مندة رواية الطير المشوي عن شيخه الحسين بن يعقوب البزاز سنة 370 ه. عن (الطبقات ج 2 ص 119) انظر:

الحياة الثقافية في طرابلس ص 281.

23

المشوي، توجد فيه نسخة ضمن مجموعة في مكتبة مجد الدين صدر الأفاضل في طهران. كما يبدو انه عملها للشيخ أبي طالب ابن عمار، لا للشريف ابن طالب.

47- الجليس شبيه الكشكول في خمسة أجزاء في خمسمائة ورقة.

48- انتفاع المؤمنين بما في أيدي السلاطين، عملها للأخوان حرسهم اللّه بصيداء.

49- الأنيس، يقع في ألفي ورقة، و هو مبوب في كل فن، مات و لم يتمه.

50- مختصر ابن جذاع في ذكر المعقبين من ولد الحسن و الحسين (ع) في الأنساب‏

51- الزاهد في آداب الملوك، عمله للأمير صارم الدولة ذي الفضيلتين.

52- كنز الفوائد، و هو مطبوع سنة 1322 ه (1).

53- تسلية الرؤساء عملها للأمير ناصر الدولة.

54- التأديب عمله لولده.

55- المجالس في مقدمات صناعة الكلام، أمر بعملها الأمير صارم الدولة و لم يتم.

56- الاقناع عند تعذر الإجماع في مقدمات الكلام و لم يتم.

57- الكفاية في الهداية في مقدمات أصول الكلام و لم يتم.

58- الأصول إلى مذهب آل الرسول، يتضمن الأخبار بالمذهب من غير أدلة، عملها للاخوان بصور سنة 418 ه أو سنة 416.

59- البيان عن دلالة شهر رمضان، يتضمن نظرة القول بالعدد في معرفة أوائل الشهور، عمله بالرملة لقاضي القضاة.

____________

(1) عمله لابن عمه، صرّح بذلك الطهرانيّ في الذريعة ج 18 ص 161 من دون ذكر اسمه. و قال:

انه كبير في خمسة أجزاء. لكن الموجود منه حسب النسخة المطبوعة جزء ان فقط، و هذا يعود إما لسقوط طائفة كبيرة منه، و إمّا للاختلاف بين المطبوع و الأصل في الترتيب و التقسيم.

24

60- جواب الرسالة الحازمية في إبطال العدد و تثبيت الرؤية، و هي ردّ على أبي الحسن بن أبي حازم المعري.

61- الرسالة العامرية في الجواب عن مسألة سألت عنها الغلاة، أمر بعملها الأمير قوام الدولة و أنفذها. إلى العامري، عملت بالقاهرة.

62- مختصر القول في معرفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالكتابة و سائر اللغات، عمله بالقاهرة لأبي اليقظان.

63- مختصر طبقات الورّاث، عمله للمبتدئين بطرابلس.

64- المدهش سأله في عمله سائل، و لا نعرف موضوعه.

65- الرسالة الصوفية، سأله عملها بعض الإخوان.

66- الإيضاح عن أحكام النكاح، أمر بعمله الأمير ذخر الدولة بصيدا، في سنة 441 ه في جزء واحد يحرر فيه الخلاف بين الإماميّة و الاسماعيلية.

67- التنبيه على أغلاط أبي الحسن البصري في فصل ذكره في الإمامة.

68- الباهر في الاخبار.

69- نصيحة الشيعة لم يتم.

70- مسألة العدل في المحاكمة إلى العقل لم يتم.

71- هداية المسترشد لم يتم.

72- الفهرست. و ينقل عنه السيّد ابن طاوس في آخر كتاب (الدروع الواقية) عند ذكره جعفر بن أحمد القمّيّ قال ما لفظه: ذكر الكراجكيّ في كتاب الفهرست أنّه صنف 220 كتابا بقم و الري‏ (1) كما ينقل عنه في لسان الميزان في أكثر من مورد.

73- رسالة في الخلاء و الملاء، و هي ممّا احتوى عليه كنز الفوائد.

74- رسالة في الرد على الغلاة، و هي ممّا تتضمنه كنز الفوائد.

____________

(1) الطبقات 5 ص 179.

25

75- رسالة في الرد على المنجّمين، و هي ممّا احتواه كنز الفوائد، و لكنها من النصوص المفقودة لم تطبع في الكنز، إلّا أن السيّد ابن طاوس في كتابه النجوم نقل عن كنز الفوائد قطعة كبيرة يحتمل أن تكون من هذه الرسالة.

76- الرحلة، أشار إليها ابن أبي طيّ في فهرسته في ترجمة القاضي الحسين بن بشر بن على الطرابلسي، له مناظرة مع الخطيب البغداديّ ذكرها الكراجكيّ في رحلته، و قال: حكم له على الخطيب بالتقدم في العلم، و أشار إلى هذا في لسان الميزان ج 2 ص 275 نقلا عن ابن أبي طيّ.

77- الاعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هي ممّا تضمنه كنز الفوائد.

78- رسالة كتبها إلى بعض الإخوان تتضمن كلاما في وجوب الإمامة.

79- رسالة في جوابه عن سؤال ورد إليه عن الحجّ، و هي ممّا تتضمنه كنز الفوائد.

80- كتاب البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان ألفها سنة 427، و هي ممّا تضمنه كنز الفوائد.

81- كتاب النوادر.

82- كتاب الإبانة عن المماثلة في الاستدلال بين طريق النبوّة و الإمامة.

83- المزار و هو مختصر في زيارة إبراهيم الخليل (ع).

84- شرح جمل العلم للشريف المرتضى.

85- كتاب النصوص، و لعله كتاب الاستبصار في النصّ على الأئمة الأطهار الذي مر ذكره.

86- الأخبار في الآحاد.

87- الوزيري.

88- المشجر.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

هذا الكتاب‏

إذا كان هناك كتاب يطابق اسمه مسماه، و يعبر عنوانه عن حقيقته تعبيرا صادقا عن واقع محتواه، فهو هذا الكتاب (كنز الفوائد) و دون مبالغة و تجوز.

و ما على القارئ ليدرك صحة هذا القول، إلّا ان يقلب صفحاته، و يمعن في قراءته و دراسته، فإنه سيخرج- بعد هذا- دون ريب بهذه الحقيقة التي اشرنا إليها، و سيجد بين يديه ثروة متنوعة دسمة من المعرفة، من أنواع الفكر و الثقافة و التاريخ و الأدب، مما لم يجده في سواه، تتفق مع مستويات القراء الثقافية المختلفة.

فهو ينبوع معين، تأخذ منه و تستفيد مختلف الطبقات، و على مختلف اتجاهاتهم العلمية و الثقافية.

و يمتاز بالإضافة إلى ذلك في تناوله أمّهات مسائل إسلامية و فلسفية بالبحث و الدراسة العميقة، و يسهب في عرضها و مناقشتها، و تفنيد ما حولها من آراء أخرى، و يدلي بالأدلة و البراهين العقليّة و العلمية على صحة ما يذهب إليه.

كما يمتاز باسلوبه الواضح الخلو من التعقيد، حتى في أدق المسائل الفكرية التي عرضها في كتابه و ناقشها، كمسألة حدوث العالم، و مسألة الحال التي يقول بها المعتزلة، و مسألة الكسب الأشعرية، و المسائل الخلافية بين الشيعة و السنة، كالإمامة و العصمة و سواها. يناقش كل ذلك بدقة و عمق و وضوح.

و يمتاز أيضا أنّه قد ضم بين دفتيه موضوعات فلسفية و كلامية و أدبية

28

و فقهية، و تاريخية و تفسيرية، و غير ذلك من حكم و مواعظ و تعاليم. أتى عليها بروح عالم يقدر المسئولية، و ذي طبيعة ثقافية جياشة، و باحساس المفكر العالم الذي يريد للمعرفة أن تشمل، و للحقيقة أن تبرز، و للباطل أن يزهق.

انه مجموعة من مواضيع شتّى علمية و فلسفية و غيرهما، لا يكتفي بعرضها عرضا عابرا، بل يحرص على تقريرها و نقدها، و على بيان ما فيها من صحة و فساد.

و قد كان هناك مفكرون وضعوا مجاميع سبقت عصر الكراجكيّ أو تأخرت عنه، كتلك المؤلّفات التي تعرف بالأمالي، أو التي تعرف (بالكشكول) في العصور المتأخرة عن الكراجكيّ، لكنها لم ترتفع إلى مستوى هذا الكتاب (كنز الفوائد) لأن غالبها ذو لون واحد، و ذو اتجاهات معينة، فبعضها كان الغالب عليه التاريخ، و بعضها كان فقهيا، و بعضها كان أدبيا، و بعضها الآخر جمع بين هذا و هذا، إلّا أنّه كان الغالب فيها السرد و الغرض دون مناقشة علمية أو بحث موضوعي.

و ميزة أسلوب الكراجكيّ في هذا الكتاب أسلوب تعليمي، و من هنا تجده يسهب أحيانا كثيرة في بيان ما يريد و في مقام النقد و المناقشة.

و إن كثيرا من آرائه هي آراء شخصية خاصّة به، لا تمثل الوجهة الشيعية بصورة واضحة و بخاصّة تلك المواضع الكثيرة التي تختلف فيها وجهات النظر و الاجتهاد، كما في كثير من تفسير الآيات و الأحاديث.

كما أن كثيرا ممّا يرويه لا يمكن الاعتماد عليه و بخاصّة فيما يتعلق بالخوارق، و لكن الرجل ناقل عن غيره (و ناقل الكفر ليس بكافر) كما يقال.

و هذا الكتاب يعكس اهتمامات العلماء و المفكرين في المسائل المطروحة في عصرهم، و التي أخذت كثيرا من جوانب تفكيرهم، و كانت محور نزاعاتهم و مناظراتهم.

و قد ضمن المؤلّف كتابه (كنز الفوائد) بعض رسائله، فأدرجها فيه، من ذلك:

29

1- مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا.

2- القول المبين عن وجوب المسح على الرجلين، و هي رسالة كتبها إلى أحد الأخوان.

3- البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان، و هي رسالة كتبها إلى أحد الاخوان.

4- كتاب الإعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتبه لبعض الإخوان.

5- المقدمات في صناعة الكلام.

6- رسالة في وجوب الإمامة، كتبها لبعض الإخوان.

7- مختصر التذكرة بأصول الفقه، استخرجها لبعض الإخوان من كتاب استاذه الشيخ المفيد.

8- البرهان على صحة طول عمر صاحب الزمان، كتبها سنة 427.

9- الرد على الغلاة.

10- رسالة في جوابه عن سؤال ورد إليه عن الحجّ.

**** لقد كانت النسخة المطبوعة سنة 1322 سقيمة جدا، و كثير من الكلمات فيها غير واضح، لكن حافظت على نص كلام المؤلّف كما هو بقدر الإمكان، إلا في المواضع غير الواضحة، فصححتها و وضعتها بين قوسين، و إلّا في المواضع التي لم يتضح المراد منها، فوضعت مكانها ثلاث نقط.

و نجد شطرا كبيرا من مؤلّفاته قد وضعه بطلب من بعض شخصيات عصره، من علماء و أمراء و قضاة و غيرهم في مواضيع فقهية و غيرها.

فقد ألف للأمير ناصر الدولة بدمشق، الرسالة الناصرية في عمل ليلة الجمعة و يومها، و كتاب تسلية الرؤساء.

و ألف للأمير صارم الدولة ذي الرئاستين بطبرية (المنسك العضبي) و (المنسك اللطيف في مناسك النسوان)، و (المنهاج إلى معرفة مناسك الحاجّ) و

30

(الزاهد في آداب الملوك)، و (المجالس في مقدمات صناعة الكلام) لم يتم.

و ألف للشيخ الجليل ابي الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس، نهج البيان في مناسك النسوان، بطلب منه، و عدة البصير (أو المصير) في حجج يوم القدير.

و ألف للشيخ الأجل أبي الفرج البابلي، كتاب (إذكار الأخوان بوجوب حق الإيمان).

و ألف للقاضي أبي طالب عبد اللّه بن محمّد بن عمار، كتاب (البستان في الفقه) و الرسالة العلوية في تفضيل أمير المؤمنين على سائر البرية سوى الرسول (ص).

و ألف للقاضي أبي الفتح عبد الحاكم، كتاب (الاستطراف فيما ورد في الفقه من الأنصاف).

و ألف بالقاهرة للشيخ أبي اليقظان، كتاب (نصيحة الإخوان)، و مختصر القول في معرفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالكتابة و سائر اللغات.

و ألف بالقاهرة أيضا للعامري، الرسالة العامرية في الجواب عن مسألة سألت عنها الغلاة. و أمره بعملها الأمير قوام الدولة.

و ألف بصيداء سنة 441 ه بأمر الأمير ذخر الدولة، (كتاب الإيضاح عن أحكام النكاح) في جزء واحد، يحرر فيه الخلاف بين الإماميّة و الإسماعيلية.

و ألف للقائد أبي البقاء فرز بن براك بسؤال منه كتاب المقنع للحاج و الزائر.

و نجد إلى جانب ذلك أن فهرست مؤلّفاته قد اشتمل على مؤلّفات وضعها في الرد على المخالفين، من ذلك:

1- ردع الجاهل و تنبيه الغافل، و هو نقض كلام أبي المحاسن المعري الذي نقض به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين في مسألة الوضوء، ألفه بطرابلس.

2- نقض رسالة فردان المروزي في الجزء، و هي المسألة الفلسفية في قضية الجزء الذي لا يتجزأ.

31

3- غاية الإنصاف في مسائل الخلاف، و هو نقض على أبي الصلاح الحلبيّ من فقهاء الشيعة في مسائل خلافيّة بينه و بين الشريف المرتضى، نصر فيها رأي المرتضى.

4- دامغة النصاري، و هي ردّ كلام أبي الهيثم النصراني فيما رامه من تثبيت الثالوث و الاتّحاد.

5- جواب رسالة الأخوين، في الرد على الأشعرية و فساد أقوالهم و طعنهم على الشيعة.

6- الانتقام ممن عذل أمير المؤمنين (ع)، و هو النقض على ابن شاذان الأشعري فيما أورده في آية الغار.

7- جواب الرسالة الحازمية في إبطال العدد و تثبيت الرؤية، و هي ردّ على أبي الحسن بن أبي حازم المصري.

8- التنبيه على أغلاط أبي الحسن البصري في فصل ذكره في الإمامة.

9- رسالة في الرد على الغلاة.

10- رسالة في الرد على المنجّمين.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين فإنه خير معين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين و آله الطاهرين‏

مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا

اعلم أيدك الله أن من الملحدة فريقا يثبتون الحوادث و محدثها و يقولون إنه لا أول لوجودها و لا ابتداء لها. و يزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل و لا يزال كذلك و أن أفعاله لا أول لها و لا آخر فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها و أنه موجود قبلها و وافقونا بقولهم لا آخر لها لأنهم و إن ذهبوا إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه و استمرار الأفعال فيها و أنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر و هو تقضي أمر الدنيا و انتقال الحكم إلى الآخرة و استمرار الأفعال فيها من نعيم الجنة الذي لا ينقطع عن أهلها و عذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها (1) فأفعال الله عز و جل من هذا الوجه لا آخر لها.

____________

(1) و ذهب الجهم بن صفوان المقتول في تستر في أواخر حكم بني أميّة قتله سالم بن أحوز المازني، ذهب إلى القول بأن حركات أهل الخلدين (الجنة و النار) تنقطع، و الجنة و النار تفنيان بعد دخول أهلهما فيها، و تلذذ أهل الجنة بنعيمها و تألم أهل النار بجحيمها، متعللا بأنّه لا يتصور حركات لا تتناهى آخرا كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا، و حمل ما دل على التخليد في كلام اللّه على المبالغة و التأكيد دون الحقيقة، و مستشهدا بقوله تعالى (خالدين فيها ما دامت-

34

و هؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدية لا أول له و لا آخر و أن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة من غير نهاية و سيتحرك بعد بحركة بعدها حركة لا إلى غاية و أنه لا يوم إلا و قد كان قبله ليلة و لا ليلة إلا و قد كان قبلها يوم و لا إنسان إلا أن يكون من نطفة و لا نطفة تكونت إلا من إنسان و لا طائر إلا من بيضة و لا بيضة إلا من طائر و لا شجرة إلا من حبة و لا حبة إلا من شجرة. و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب و لا تزال كذلك ليس للماضي فيها بداية و لا للمستقبل فيها نهاية و هي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها و حكمة من لم يوجد قبلها و أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا (1) تعالى الله الذي لا قديم سواه و له الحمد على ما أسداه من معرفة الحق و أولاه. و أنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون و فساد ما تخيله الدهريون.

____________

- السموات و الأرض إلّا ما شاء ربك) و وافقه على انقطاع حركات أهل الخلدين كل من أبي الهذيل العلّاف و إبراهيم النظام من المعتزلة.

و قد فات هؤلاء أن حركات أهل الخلدين ليست لذاتها و لنفسها، و إنّما بقاؤها بالعرض تابع لوجود المبقي و هو اللّه الحيّ الباقي.

و زاد أبو الهذيل و النظام على ذلك أن أهل الخلدين بصيرون إلى سكون دائم جمودا و تجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، و تجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.

كل ذلك فرارا من وجود حوادث لا آخر لها كوجود حوادث لا أول لها، إذ كل منهما لا يتناهى.

و قد فاتهما أن السكون كالحركة يلزم منه ما فرا ممّا يلزمهما في الحركة، و بخاصّة أنّه أحد الأكوان الأربعة.

و لهشام بن الحكم مناظرة طريفة مع أبي إسحاق النظام حول هذه المسألة، لم يحر النظام معه جوابا. ذكرناها في كتابنا (هشام بن الحكم) انظر ص 215- 216.

(1) و هذا الرأي منسوب إلى كثير من الفلاسفة الإسلاميين كأبي بكر محمّد بن زكريا الرازيّ الفيلسوف و الطبيب المشهور المولود عام (311 ه).

و خلاصة هذا الرأي ان الصانع متقدم على الصنعة رتبة لا زمانا، كتقدم العلة على المعلول الذي لا يتخلف عن علته الموجبة و قد ترجمنا له في كتابنا (فلاسفة الشيعة)، و عرضنا فيه لرأيه في هذا الموضوع بدراسة وافية.

35

دليل مما يدل على أن الحوادث الماضية لا بد لها من أول أننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها و أول مستقبلها فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى و هو أحد طرفيه. ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي و يزيد فيه. فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت أي الزيادة إليه و هذا يدل على تناهي عدد ما مضى و حصر طرفيه لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه. و قد صح بما بيناه أن الحوادث الماضية تصير إلى مائة سنة أكثر عددا مما هي اليوم عليه‏ (1). فبان بهذا تناهيها و صح أولها كما صح آخرها و يبطل مقال الدهرية فيها. معارضة و قد قال الملحدون إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل لأنكم تقولون إن أفعال الله تعالى المستقبلة لا آخر لها و مع هذا فقد علمتم أولها و هو أحد طرفيها فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها و إذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها و انحصار طرفيها. انفصال فيقال لهم بين الماضي و المستقبل في ذلك فرق و هو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مضيه فقد شمل جميعها حكم الوجود فوجب أن يزيد فيها كل ما يخرج إلى الوجود. و ليس المستقبل كذلك لأنها لم توجد و إنما هي في إمكان الفاعل فلا يصح فيها النقض و لا سبيل إلى القول فيها بالتناهي.

____________

(1) يعني به اليوم الذي افترضه.

36

دليل آخر على تناهي ما مضى‏

و هو أنه قد مضت أيام و ليال و وقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي أو يكون الليالي أكثر من الأيام أو يكونا في العدد سواء. فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي لأنها أقل منها و اقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا. و إن كانت الليالي أكثر من الأيام كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول فتناهي الأيام لزيادة الليالي عليها و يقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لفساد اتصالها قبل الأيام بغير أيام بينها فوجب على هذا الوجه الآخر تناهيهما معا. و إن كانت الأيام و الليالي في العدد سواء كان بمجموعها أكثر عددا من أحدهما بانفراده. و هذا يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. و قد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما و هذا موضح عن تناهيهما. و بهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات و السكنات و من الاجتماعات و الافتراقات و من الطيور و البيض و الشجر و الحب و ما يجري مجرى ذلك. معارضة قال الملحدون هذا الكلام عائد عليكم في نعيم المؤمنين في الجنة و عذاب الكافرين في النار و قد زعمتم أن كل واحد منهما لا نهاية له و لستم تذهبون إلى أن أحدهما أكثر من الآخر فنخاطبكم بما ذكرتم و لكن نقول لكم إنهما بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما و هذا يوجب تناهيهما جميعا و حصرهما.

37

انفصال يقال لهم هذا الذي ذكرتموه لا يصح في المستقبلات و هو لازم لكم في الماضيات لأن الأعداد إذا يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها و حصرها و عدد الليل و النهار الماضيات فقد وجدا و انحصرا بالفراغ منهما و الوقوف عند آخرهما فصح ضم بعضها إلى بعض و أمكن ما ذكرنا فيها. و المستقبلات من نعيم أهل الجنة و عذاب أهل النار فأمور متوقعة لم توجد و ليس لها آخر لأنها تكون دائمة بغير انقضاء و ما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض و ما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثل ما قد حدث و كان و تناهي بإدراك آخره في كل حال. دليل آخر و مما يدل على أن للأفعال الماضية أولا كونها و وجودها و لو لم يكن لها أول ما صح وجودها لأنها كالعدد الذي لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا أو جملة يبتدأ بها تقوم مقام الواحد. انفصال‏ (1) قيل لهم لا يجب ذلك من قبل أن المستقبل منوط بقدرة القادر و العاد يصح منه أن يعد ما دام حيا فإذا كان ليس لوجوده آخر صح أن ليس لعدة آخر و مع ذلك فلا بد من أن يكون لعدده أول. دليل آخر و مما يدل على أن الأفعال لا يصح وجودها إلا بعد أن يبتدأ بأولها أنه لو قيل لرجل لا تدخلن دارا حتى تدخل قبلها غيرها لم يصح منه دخول شي‏ء من الدور أبدا و لم يمكن ذلك إلا بأن يبتدأ بواحدة منها.

____________

(1) ورد هذا الانفصال أو الجواب من دون أن يذكر الاعتراض، و هو على الأرجح سقط من قلم الناسخ.

38

سؤال فإن قالوا هذا يستحيل كما ذكرتم في المستقبل من الأفعال لأنه لا بد للمستقبلات من أول فمن أين لكم أن هذا حكم الماضيات. جواب قيل لهم علمنا ذلك من قبل أن الماضيات قد كانت مستقبلة قبل وجودها و مضيها فلو لم يكن لها أول ما صح وجودها. و بعد فلو رأينا هذا الرجل الذي مثلنا به و هو يدخل دارا بعد دار فقلنا له هل كان بعد دخولك هذه الدور ابتداء حتى يقول لنا لم أبتدئ بدار منها و لا دخلت دارا حتى دخلت قبلها دورا لا تتناهى فعلمنا أنه كاذب فيما ادعى. دليل آخر و مما يدل على تناهي الأفعال الماضية و انحصارها و صحة طرفيها خروجها إلى الوجود على كمالها و فراغ فاعلها منها و كل شي‏ء فعله الفاعل فقد يتوهم منه أن يفعل أمثاله و هذا وجه صحيح يدل على تناهيها و انحصار طرفيها لجواز وجود أكثر منها. معارضة و قد قال الملحدة هذا راجع عليكم في نعيم أهل الجنة لأن الله تعالى يقدر على أمثاله فيتناهى بوجود أكثر منه. انفصال فيقال لهم و متى صحت المماثلة بين الموضعين و الأفعال الماضية قد خرج جميعها إلى الوجود. و نعيم أهل الجنة ليس له جميع يخرج إلى الوجود و إنما يوجد شي‏ء من غير أن يوقف له على وجه آخر من الوجوه. فإن قالوا فقد لزمكم على هذا أن يكون الله تعالى وعد أهل الجنة بنعيم لا يصلون إلى جميعه و لا ينالون سائره.

39

قيل لهم قد أعلمناكم أنه لا جميع له في الحقيقة و لا سائره إذ ليس له آخر (1) و الذي وعدهم الله به هو نعيم متصل غير منقطع فلو وجد حتى لا يبقى منه شي‏ء ينتظر لكان في الحقيقة لم يف لهم بما وعده. فإن قالوا إن الأفعال الماضية أيضا لا كل لها في الحقيقة لاستحالة حصرها. قيل لهم و لم زعمتم ذلك و قد سلمتم لنا أنها قد دخلت في باب الوجود عن آخرها و اشتمل الحدوث عليها.

مسألة على الملحدة

يقال لهم أخبرونا عن الشمس أ ليس لم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها فإن قالوا بلى قيل لهم فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها و تحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها فإلا جاز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها و تقف عند آخرها و لا يبقى مستقبل بعدها. فإن قالوا إن المستقبلات لا كل في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم و هو غير صحيح عندنا إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها. فإن قالوا إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة قيل لهم إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه و لا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه و هذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان. و بعد فإنا إذا لم ننازعكم في ذلك نسألكم فنقول أ لستم معترفين بأن الشمس قد دارت الفلك قبل هذه الدورة التي هي فيها دورات لا نهاية لها

____________

(1) في الأصل (أخرى).

40

فلا بد لهم من الإقرار بذلك فيقال لهم فقد عاد الأمر إلى الفراغ مما لا نهاية له فما أنكرتم أن تنقضي دوراتها المستقبلة التي تقولون إنها لا نهاية لها و يفرغ منها حتى يقف عند آخرها كما فرغت فيما مضى و هي الآن في آخره فإن قالوا هذا مستحيل في المستقبل و هو صحيح في الماضي. قيل لهم بنظير الكلام المتقدم و هو أن الماضي قد كان مستقبلا فلو استحال أن يصير المستقبل ماضيا لاستحال في الماضي لأنه قد كان مستقبلا.

مسألة أخرى عليهم‏

يقال لهم أ يجوز أن تدور الشمس في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك فإن قالوا غير جائز قيل لهم لم زعمتم ذلك و عندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها أ فليس في ذلك ما يفي بما قد مضى فإن قالوا لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل و أوجبوا تناهي المستقبل. و إن قالوا إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى و قيل لهم أ فيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية فإن قالوا لا أقروا بوجود الأول و الآخر و أوجبوا تناهي الزمان من طرفيه و جعلوا له لدورات الشمس بداية و نهاية و هو خلاف ما ذهبوا إليه. و إن قالوا إنه ستدور دورات يفي بما مضى و يبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا لم يبق شبهة في تناهي الماضي و صح أوله و بطل مذهبهم في قدمه و الحمد لله.

دليل آخر على أن للأفعال الماضية أولا (1)

مما يدل على ذلك أنه قد ثبت أن كل واحد منها محدث كائن بعد أن لم يكن و لها محدث متقدم عليها فوجب أن تكون جميعها محدثة كائنة بعد أن لم‏

____________

(1) و هذا الدليل من أوضح الأدلة و أرسخها في الموضوع.

41

تكن و لها محدث متقدم عليها لأن جميعها هو مجتمع آحادها و لا يصح أن يختلف في الجمع و التفريق هذا الحكم فيها. كما أن كل واحد من الزنج بانفراده أسود فالجميع باجتماعهم سود و الحكم في ذلك واحد في الجمع و التفريق. و قد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل و صنعة الصانع و العقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله و سبق الصانع لصنعته و ليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله. و اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة ليوضحوه فيكون الكلام بحسبه. و قد سمعنا قوما منهم يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها و المدبر لها. فسألناهم هل ذلك يدافع عنها حقيقة الحدوث فعادوا إلى الكلام الأول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث. فأعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الإقرار بحدوث الكل و طالبناهم بحقيقة المحدث و القديم فلم يجدوا مهربا من أن التقدم و القديم في الوجود على المحدث هو التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما موجودا و الآخر معدوما. و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان و الله تعالى متقدم على جميع الأفعال. و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض و لا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر. و الكلام في هذا الموضع جليل و من ألحق‏ (1) فيه سقطت عنه شبه كثيرة.

____________

(1) كذا في النسخة.

42

و قد كنت اجتمعت في الرملة برجل عجمي يعرف بأبي سعيد البرذعي‏ (1) و كان يحفظ شبها في هذا الباب و كنت كثيرا ما أكلمه و أستظهر بإثبات الحجة عليه فأورد علي شبهة كانت أكبر مما في يديه و تكلمت عليها بكلام لم أقنع به فأحكيه. ثم إني كتبت كتابا إلى بغداد إلى حضرة سيدنا الشريف المرتضى ذي المجدين رضي الله عنه‏ (2) و ذكرت الشبهة فيه فورد إلي جوابه عنها. فأنا أذكر الشبهة و الجواب و ما وجدته بعد ذلك من الكلام في هذا الباب. الشبهة قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال إما أن تتقدم الصنعة عليه أو أن تتأخر عنه أو أن يكونا في الوجود سواء. و قد فسد باتفاق تقدمها عليه.

____________

(1) ورد ذكر البرذعي في بعض رسائل حمزة بن علي الزوزني الذي يعتبر مؤسس المذهب الدرزي به يبدأ تاريخ الدروز سنة 408 ه أقول ورد ذكر البرذعي في رسالة حمزة السادسة عشرة سنة 408 ه و الرسالة التاسعة عشرة و غيرها باسم أبي منصور البرذعي لا أبي سعيد كما ذكره المصنّف و قد يكون أبو سعيد البرذعي الذي لقبه الكراجكيّ هو نفس أبي منصور البرذعي الوارد ذكره في رسائل حمزة بن علي.

(2) هو أبو القاسم عليّ بن أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي المعروف بعلم الهدى، أكبر شخصية شيعية في القرن الرابع الهجري، بالعلم و الفقه و الآثار و الكلام و الأدب و الشعر و غيرها.

كان فقيها انتهت إليه زعامة الإماميّة في عصره، كما كان أحد أعمدة علم الكلام و الفلسفة الإسلامية، و الأدب و الشعر و اشتهر بعلم النجوم، و برز في غير ذلك من جوانب المعرفة و الفكر.

و كان حاذقا في المناظرة و الجدل، حاجّ النظراء و المتكلّمين، و ناظر العلماء و المخالفين، و قد عده ابن الأثير من مجددي مذهب الإماميّة في رأس المائة الرابعة. و تعتبر آراء الشريف المرتضى و آثاره سجلا كاملا لآراء الشيعية الإماميّة و أقوالهم، و في كتبه حفظت عقائدهم و آراؤهم الإسلامية. و له مؤلّفات عديدة أبرزها من المطبوع: الشافي و الأمالي و تنزيه الأنبياء، و هو من تلاميذ الشيخ المفيد. ولد في رجب سنة 355 ه و توفي ربيع الأوّل سنة 436 ه و له في كتابنا (فلاسفة الشيعة) ترجمة بدراسة و إسهاب.

43

قال و يفسد أيضا تقدمه عليها إذ كان لا يخلو من أن يكون تقدمه بمدة محصورة و تقدير أوقات متناهية أو بمدة غير محدودة و تقدير أوقات غير محصورة. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و تحصر فلا آخر متناه و له أول و آخر فكما أن آخره حدوث الصنعة فكذلك أوله حدوث الصانع و نعوذ بالله من القول بذلك. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و تحصر فلا آخر لهذه المدة كما لا أول لها و إذا لم يكن لها آخر فقد بطل حدوث الصنعة (1). و إن نفيتم الأوقات و الأزمان التي يصح هذا فيها فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها و في التقدير يلزم هذا هنا. قال فهذا دليل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا و الجواب قاله الشريف المرتضى (رحمه الله) أما الصانع من حيث كان صانعا فلا بد من تقدمه على صنعته سواء أ كان قديما أو محدثا لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا. و يستوي في هذا الحكم الفاعل القديم و الفاعل المحدث غير أن الصانع القديم يجب أن يتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا و أزمانا كانت غير متناهية و لا محصورة. و لا يجب هذا في الصانع المحدث بل يتقدم الصانع من المحدثين صنعته بالزمان الواحد و الأزمان المتناهية المحصورة. و الذي يدل على أن الصانع لا بد من أن يتقدم صنعته و يستوي في هذا الحكم القديم و المحدث أنه لو لم يتقدم عليها لم تكن فعلا له و حادثة به لأن من‏

____________

(1) لأنّه ان كان الصانع متقدما على الصنعة بمدة غير متناهية، فلا يمكن و الحال هذه أن يكون لها آخر، كما لا يمكن حدوث الصنعة، لأن حدوثها يعني تناهي المدة التي فرض عدم تناهيها، و هذا خلف.

44

شأن الفاعل أن يكون قادرا و لا يقدر على الموجود لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به فهذا يدل على استحالة مصاحبة الفاعل لفعله. فأما تقدم الفعل على فاعله فأظهر فسادا لأن المؤثر في وجود الفعل و حدوثه كون فاعله قادرا فكيف يتقدم المؤثر فيه على المؤثر. و أما تقدم الصانع القديم تعالى على صنعته فيجب أن يكون غير محصور الأوقات و إنما وجب ذلك فيه و لم يجب في الصانع المحدث لكونه قديما لأنه لو كان بين القديم و المحدث أوقات متناهية لخرج من أن يكون قديما و دخل في أن يكون محدثا لأن من شأن القديم أن لا يكون بوجوده ابتداء و تناهي ما بينه و بين الأوقات و بين المحدث يقتضي أن يكون بوجوده أول و ابتداء. فأما ما تضمنه السؤال من التقسيم و التعديل في إفساد تقدم الصنعة على الصانع على الاتفاق على ذلك فغير صحيح لأن مثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق بل لا بد أن يعين طريق العلم إما من ضرورة أو استدلال و قد بينا ما يدل على أن الصنعة لا تتقدم الصانع. فأما ما مضى من السؤال من إلزام نفي التناهي و الآخر عن المدة التي تكون بين الصانع و الصنعة كما نفى عنها الابتداء و التناهي من قبل أولها فغير صحيح و لا لازم لأنا قد بينا أنا متى جعلنا بين الصانع القديم و صنعته مدة متناهية الابتداء محصورة لحق القديم بالمحدث و خرج من أن يكون قديما. و إذا جعلناها (1) محصورة الانتهاء لم يجب ذلك فيها و لا أدى إلى ما قد علمنا فساده من كون القديم محدثا و لا إلى غيره من ضروب الفساد فلم يلزم نفي الآخر عن المدة قياسا على نفي الأول. و قد بين شيوخ أهل العدل‏ (2) في كتبهم الفرق بين هذين الأمرين و قالوا

____________

(1) الظاهر سقوط كلمة (غير) هنا، إذ لا يتم المعنى بدونها فتكون الجملة هكذا: و إذا جعلناها غير محصورة الانتهاء لم يجب ذلك فيها.

(2) المراد بأهل العدل هم المعتزلة و الإماميّة الذين يقولون باستحالة صدور الظلم و المنافي منه سبحانه، إما لعدم قدرته عليه كما يقوله المعتزلة أو أكثرهم، و إمّا لقبح صدوره عنه عقلا مع قدرته عليه كما يقوله الإماميّة.

45

من المستحيل إثبات فاعل لم‏ (1) يزل فاعلا و ليس بمنكر و لا مستحيل إثبات فاعل لا يزال فاعلا و بينوا أن نفي التناهي و الابتداء عن الأفعال من قبل أولها يخرجها من أن تكون أفعالا و ليس نفي التناهي عنها من قبل آخرها يخرجها من أن تكون أفعالا. و ذكروا أن نعيم أهل الجنة و عقاب أهل النار دائمان لا انقطاع لهما و لا آخر و لم يؤد ذلك إلى المحال و الفساد ما أدى إليه نفي التناهي عن الأفعال من قبل أولها. و قالوا ليس بمنكر أن يدخل داخل دارا بعد دار أبدا بغير انقطاع. و من المستحيل المنكر أن يدخل دارا قبل دار أبدا بلا أول. و قد استقصينا نحن هذا الكلام في مواضع كثيرة من كتبنا و ذكرناه في الملخص‏ (2) و غيره من أجوبة المسائل و النقوض على المخالفين. و أما ما تضمنه السؤال من أن هذا يدل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا فمناقضة ظاهرة لأن وصف المتصف بالقدم ينقض كونه صفة كما أن وصف القديم بأنه مصنوع ينقض كونه قديما. و هل هذا إلا تصريح بأن المحدث قديم و القديم محدث و لا خفاء بفساد ذلك. و هل آخر الجواب الوارد إلي من حضرة السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه عن هذه الشبهة. و جميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم و أول المحدثات أوقات لا

____________

(1) و يفهم من هذه العبارة أن كون الفاعل مرتبطا بما يصدر عنه من أفعال، فإذا كان الفاعل فاعلا منذ الأزل كانت أفعاله منذ الابتداء قديمة معه و تخرج عن كونها أفعالا محدثة، لذلك يستحيل كونها قديمة و بالتالي استحالة أن يكون الفاعل لم يزل فاعلا. على خلاف اثبات فاعل لا يزال فاعلا من حيث الآخر إلى غير نهاية فلا استحالة إذ لا يخرجها ذلك عن كونها أفعالا.

و هذا يتضح من قوله: و بينوا أن نفي التناهي إلخ).

(2) هو كتاب للشريف المرتضى في الأصول، ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسيّ، و النجاشيّ، و ابن شهر أشوب.

46

أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة لأن الأوقات أفعال. فقد ثبت أن للأفعال أولا فلو قلنا إن بين القديم و أول الأفعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه و دخلنا في مذهب خصمنا نعوذ بالله من القول بهذا. جواب آخر عن هذه الشبهة و قد قال بعض أهل العلم إنه لا ينبغي أن نقول بين القديم و بين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين و القديم لا أول له. و الواجب أن نقول إن وجود القديم لم يكن عن عدم. و نقول إنه لو أمكن وجود حوادث بلا نهاية و لم يتناقض ذلك لأمكن أن يفعلها حادثا قبل حادث لا إلى أول فيكون قد وجدت حوادث بلا نهاية. و لسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها لأن هذا هو الحدوث و التجدد و هو معنى الزمان و الحركة. فإن قال قائل إنه لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد. قيل له ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا. أ ليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلاء و ذلك غير متوهم. ثم يقال لهم أ يثبت في الوهم ذلك مع فرضكم نفي الحركات و التغييرات أم مع فرضكم إثبات ذلك. فإن قالوا مع فرضنا إثبات ذلك قيل لهم فيجب مع نفي ذلك أن لا يثبت هذا التوهم. و إن قالوا يثبت هذا التوهم مع فرضنا نفي ذلك. قيل لهم فقد ثبت في التوهم النقيضان لأن هذا التوهم هو أن ينتقل و يمتد. قال ثم يقال أ رأيتم لو قال لكم قائل ليس يثبت في ذهني موجود ليس في‏

47

جهة فيجب أن يكون الباري عز و جل في جهة أ ليس يكون يمكن أن يقال إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما. و أما متى فرضتموه غير جسم و لا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم فهكذا يكون جوابنا لكم. ثم قال هذا المتكلم فإن قالوا فإذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم فعله. قيل بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله و قولنا ثم يترتب‏ (1) على عدم الفعل لا غير. قال و نقول إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه و بين يومنا من الحوادث أكثر مما هو الآن و ليس الكثرة و التقدم و التأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها. ثم تكلم في نفي المدة فقال و الذي يبين أن تقدم الحركات و تأخرها يثبت من دون مدة يقع فيها أنه لا يخلو هذه المدة من أن يكون شيئا واحدا لا امتداد فيه و لا ينقل من حال إلى حال أو يكون فيه تنقل و امتداد. و الأول يقتضي إثبات الزمان على غير الوجه المعقول و يقتضي أن تكون الأشياء غير متقدم بعضها على بعض إذا كان بالأجل تقدمه و تأخره تتقدم الأشياء و تتأخر ليس فيه تقدم و تأخر. فليت شعري أ ثبت التقدم و التأخر بنفسه أم بغيره إن كان يثبت فيه بغيره أدى إلى ما لا نهاية له و إن كان ذلك الزمان متقدما و متأخرا بنفسه من غير أن يكون في شي‏ء متقدم و متأخر فهلا قيل ذلك في الحركات و استغني عن معنى غيرها

____________

(1) لأن كلمة (ثم) من أدوات العطف مع ترتب مدخولها على ما قبلها و لا يلزم أن يكون ما قبلها أمرا وجوديا بل يكفي في صحة الترتب مقارنة مدخولها لما قبله و إن كان عدما.

48

فصل و بيان‏

و هذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة كافية في إثبات الحجة على المستدل و هي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي‏ (1) لأنه لا يطلق‏ (2) القول بأن بين القديم و أول المحدثات مدة. و يقول إنه أي الصانع تعالى قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم وجدت و هو معنى ما ذكر هذا المتكلم في قوله إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله فهو على هذا الوجه قبل أفعاله. و اعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني و تدعو الضرورة إلى النطق بما عهد و وجد في الشاهد و إن لم يكن المراد حقيقة في المتعارف و يجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس كقولنا قبل و بعد و كان و ثم فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الألفاظ إلا في الأوقات و المدد. فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم و التأخير مفيدا لأوقات و مدد و قد يتقدم بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها أوقات أخر. و كذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل وجود خلقه. فليس الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود و إنما هو اتساع في القول و المعنى مفهوم معقول. و قد سأل أبو القاسم البلخي نفسه فقال إن قال قائل أخبرونا عن أول فعل فعله الله تعالى أ كان من الجائز أن يفعل قبل غيره‏

____________

(1) هو أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخيّ توفّي سنة (317 ه) و هو من زعماء المعتزلة و شيوخهم و رأس طائفة منهم يقال لها الكعبية، و هو أستاذ أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن المتكلم الشيعي المعروف (بابن قبة). و للبلخيّ مؤلّفات عديدة منها كتاب (عيون المسائل و الجوابات) ذكره المسعودي في مروج الذهب ج ص 151. و لأبي القاسم البلخيّ آراء كلامية تنقل عنه في كتب الكلام و الفرق.

(2) في الأصل (و القول) و يبدو أن الواو فيها زائدة.

49

و أجاب عن ذلك فقال هو جائز بمعنى أن يكون لم يفعله و فعل غيره بدله و فعله هو فأما غير ذلك فلا يجوز لأنه يؤدي إلى المحال. و في هذا القدر كفاية في الكلام على الملحدة الدهرية و الحمد لله‏

مسألة في تأويل خبر

إن سأل سائل فقال ما معنى‏

قَوْلِ النَّبِيِّ ص فِي الْخَبَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ‏

لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ

الجواب قيل له الوجه في ذلك أن الملحدين و من نفى الصانع من العرب كانوا (1) ينسبون ما ينزل به من أفعال الله تعالى كالمرض و العافية و الجدب و الخصب و الفناء إلى الدهر جهلا منهم بالصانع جلت عظمته و يذمونه في كثير من الأحوال من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم هذه الأفعال فنهاهم النبي ص عن ذلك و قال لهم لا تسبوا من فعل بكم هذه الأفعال ممن يعتقدون أنه هو الدهر فإن الله تعالى هو الفاعل لهذه الأفعال و إنما قال إن الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدهر أفعال الله تعالى. و قد حكى الله تعالى عنهم قولهم‏ ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ و قال لبيد (2)

____________

(1) في الأصل (كما) و اتساق الكلام يقتضي أن يكون كما ذكرنا.

(2) هو لبيد بن ربيعة الشاعر الجاهلي المشهور الذي أدرك الإسلام و أسلم توفّي سنة (40 ه) و (660 م) و هو صاحب احدى المعلقات السبع التي أولها

عفت الديار محلها فمقامها* * * بمنى تأبد غولها فرجامها

و له أمثال شعرية سائرة.

50

في قروم سادة من قومه‏* * * نظر الدهر إليهم و ابتهل‏

أي دعا عليهم‏ (1). قصيدة في الآداب و الأمثال لابن دريد (2)

ما طاب فرع لا يطيب أصله‏* * * حمى مؤاخاة اللئيم فعله‏

و كل من آخى لئيما مثله‏* * * من يشتكي الدهر يطل في الشكوى‏

فالدهر ما ليس عليه عدوى‏* * * مستشعر الحرص عظيم البلوى‏

من أمن الدهر أتى من مأمنه‏* * * لا تستثر ذا لبد (3) من مكمنه‏

و كل شي‏ء يبتغى من معدنه‏* * * لكل ناع ذات يوم ناعي‏

و إنما السعي بقدر الساعي‏* * * قد يهلك المرعي عنف الراعي‏

من يترك القصد تضق مذاهبه‏* * * دل على فعل امرئ مصاحبه‏

لا تركب الأمر و أنت عائبه‏* * * من لزم التقوى استبان عدله‏

من ملك الصبر عليه عقله‏* * * نجا من العار و بان فضله‏

____________

(1) تجد الكلام على ذلك في أمالي المرتضى ج (1) ص 45.

(2) في الأصل (لابن دريده) و هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي (223- 321 ه) من مشاهير علماء الأدب و اللغة و الشعر، و هو شاعر، له ديوان شعر، و عده ابن شهرآشوب من شعراء أهل البيت، و ذكر من شعره قوله.

أهوى النبيّ محمّدا و وصيه‏* * * و ابنيه و ابنته البتول الطاهرة

أهل الولاء فاني بولائهم‏* * * أرجو السلامة و النجا في الآخرة

و له مؤلّفات عديدة منها كتاب الجمهرة في اللغة، و له مقاطيع محبوكة الطرفين، و قصيدة في المقصور و الممدود، و المقصورة المشهورة التي تبلغ حوالي مائتي بيت، و هو أستاذ لجماعة من العلماء منهم أبو سعيد السيرافي و أبو عبد اللّه المرزباني، و قد مات هو و أبو هاشم الجبائي في يوم واحد، فقال الناس يموت ابن دريد و أبو هاشم. انظر الفهرست ص 91- 92 و الأمل قسم (2) ص 62.

(3) صفة للأسد.

51

يجلو اليقين كدر الظنون‏* * * و المرء في تقلب الشئون‏

حتى توفاه يد المنون‏* * * يا رب حلو سيعود سما

و رب حمد تحوز ذما* * * و رب روح‏ (1) سيصير هما

من لم تصل فارض إذ حباكا* * * و أوله حمدا إذا قلاكا

أو أوله منك الذي أولاكا* * * ما لك إلا عليك مثله‏

لا تحمدن المرء ما لم تبله‏* * * و المرء كالصورة لو لا فعله‏

يا ربما أدرئت اللجاجة* * * ما ليس للمرء إليه حاجة

و ضيق أمر يبتغي انفراجه‏* * * ليس يقي من لم يق الله الحذر

و ليس يقدر امرؤ على القدر* * * و القلب يعمى مثلما يعمى البصر

كم من وعيد يخرق الآذانا* * * كأنما يعنى به سوانا

أصمنا الإهمال بل أعمانا* * * ما أفسد الخرق و ساء الرفق‏

و خير ما أنبأ عنك الصدق‏* * * كم صعقة دل عليها البرق‏

لكل ما يؤذي و إن قل ألم‏* * * ما أطول الليل على من لم ينم‏

و سقم عقل المرء من شر السقم‏* * * أعداء غيب إخوة التلاقي‏

يا سوأتا لهذه الأخلاق‏* * * كأنما اشتقت من النفاق‏

أنف الفتى و هو صريم أجدع‏ (2)* * * من وجهه و هو قبيح أشنع‏

هل يستوي المحظوظ و المضيع‏

____________

(1) الراحة و الرحمة.

(2) الصريم و الأجدع بمعنى واحد و هو الأقطع.

52

ما منك من لم يقبل المعاتبة* * * و شر أخلاق الفتى المؤاربة

ينجيك مما نكره المجانبة* * * متى تصيب الصاحب المهذبا

هيهات ما أعسر هذا المطلبا* * * و شر ما طالبته ما استصعبا

أف لعقل الأشمط النصاب‏* * * رب معيب فعله عياب‏

ذم الكلام حذر الجواب‏* * * لكل ما يجري جواد كبوة

ما لك إلا إن قبلت عفوه‏* * * من ذا الذي يسقيك عفوا صفوه‏

لا يسلك الشر سبيل الخير* * * و الله يقضي ليس زجر الطير

كم قمر عاد إلى قمير* * * لم يجتمع جمع لغير بين‏

لفرقه كل اجتماع اثنين‏* * * يعمى الفتى و هو البصير العين‏

الصمت إن ضاق الكلام أوسع‏* * * لكل جنب ذات يوم مصرع‏

كم جامع لغيره ما يجمع‏* * * ما لك إلا ما بذلت مال‏

في طرفة العين يحول الحال‏* * * و دون آمال الفتى الآجال‏

كم قد بكت عين و ليس تضحك‏* * * و ضاق من بعد اتساع مسلك‏

لا تبرمن أمرا عليك يملك‏* * * خير الأمور ما حمدت غبه‏

لا يرهب المذنب إلا ذنبه‏* * * و المرء مقرون بمن أحبه‏

كل مقام فله مقال‏* * * كل زمان فله رجال‏

و للعقول تضرب الأمثال‏* * * دع كل أمر منه يوما تعتذر

عف كل ورد غير محمود الصدر* * * لا تنفع الحيلة في ماضي القدر

53

نوم امرئ خير له من يقظة* * * لم يرضه فيه الكرام الحفظة

و في صروف الدهر للمرء عظة* * * مسألة الناس لباس ذل‏

من عف لم يسأم و لم يمل‏* * * فارض من الأكثر بالأقل‏

جواب سوء المنطق السكوت‏* * * قد أفلح المبتدئ الصموت‏

ما حم‏ (1) من رزقك لا يفوت‏* * * في كل شي‏ء عبرة لمن عقل‏

قد يسعد المرء إذا المرء اعتدل‏* * * ترجو غدا و دون ما ترجو الأجل‏

من لك بالمحض و ليس محض‏* * * يخبث بعض و يطيب بعض‏

و رب أمر قد نهاه النقض‏* * * كم زاد في ذنب جهول عذره‏

ذا مرض يعنى عليك أمره‏* * * يخشى امرؤ شيئا و لا يضره‏

يا رب إحسان يعود ذنبا* * * و رب سلم سيعود حربا

و ذو الحجى يحمل إن أحبا* * * قد يدرك المعسر في إعساره‏

ما لم يبلغ الموسر في إيساره‏* * * و ينتهي الهاوي إلى قراره‏

الشي‏ء في نقص إذا تناها* * * و النفس تنقاد إلى رداها

مذعنة يحتث سائقاها* * * الناس في فطرتهم سواء

و إن تساوت بهم الأهواء* * * كل بقاء بعده فناء

لم يغل شي‏ء و هو موجود الثمن‏* * * مال الفتى ما قصه لا ما احتجن‏

إذا حوى جثمانه ثرى الجبن‏

____________

(1) حمّ: قدّر

54

المال يحكي الغي في أثقاله‏* * * و إنما المنفق من أمواله‏

ما غمر الخلة من سؤاله‏

من لاح في عارضة القتير (1)* * * فقد أتاه بالبلى النذير

ثم إلى ذي العزة المصير* * * رأيت غب الصبر مما يحمد

و إنما النفس كما تعدد* * * و شر ما يطلب ما لا يوجد

إن اتباع المرء كل شهوة* * * ليلبس القلب لباس قسوة

و كبوة العجب أشد كبوة* * * من يزرع المعروف يحصد ما رضي‏

لكل شي‏ء غاية ستنقضي‏* * * و الشر موقوف لدى التعرض‏

لا يأكل الإنسان إلا ما رزق‏* * * ما كل أخلاق الرجال تتفق‏

هان على النائم ما يلقى الأرق‏* * * من يلذع الناس يجد من يلذعه‏

لسان ذي الجهل وشيكا يوقعه‏* * * لا يعدم الباطل حقا يدمغه‏

كل زمان فله نوابغ‏* * * و الحق للباطل ضد دامغ‏

لا يغصك المشرب و هو سائغ‏* * * رب رجاء قص من مخافة

و رب أمن سيعود آفة* * * ذو النجح لا يستبعد المسافة

كم من عزيز قد رأيت ذلا* * * و كم سرور مقبل تولى‏

و كم وضيع شال فاستقلا* * * لا خير في صحبة من لا ينصف‏

و الدهر يجفو أمره و يلطف‏* * * و الموت يفني كل عين تطرف‏

____________

(1) القتير هو الغبار و أراد به هنا الشيب مجازا.