كنز الفوائد - ج2

- الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي المزيد...
240 /
5

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين و آله الطاهرين‏

الأدلة على أن الصانع واحد

و بعد فمن الأدلة على أن صانع العالم واحد- أما الذي يعتمده أكثر المتكلمين فدليل التمانع و هو أنه لو كان لصانع العالم ثان لوجب أن يكون قديما و إذا كان كذلك ماثله و إذا ماثله صح أن يريد أحدهما ضد ما يريده الآخر فيقع التمانع كإرادة أن يحرك جسما في وقت و أراد الآخر أن يسكنه فيه. و إذا صح ذلك لم يخل الأمر من ثلاث خصال إما أن يصح وقوع مراديهما من غير تضاد و لا تمانع بينهما فيكون الجسم في وقت واحد ساكنا و متحركا و هذا محال و إما أن لا يصح وقوعهما و لا شي‏ء منهما فهذا هو التمانع المبطل لوقوع مراديهما و هو دليل على ضعفهما و إما أن يقع مراد أحدهما دون الآخر فهو دليل على أن من لم يقع مراده‏

6

ممنوع ضعيف خارج من أن يكون قديما لأن من صفات القديم أن يكون قادرا لنفسه لا يتعذر (1) عليه فعل اراده. فإن قيل لم قلتم إنه إن كان معه ثان يصح أن يريد ضد مراده قلنا لأن من حق القادر أن يصح منه الشي‏ء و ضده لا سيما إذا كان قادرا لنفسه فإذا كانا قادرين لأنفسهما صح ما ذكر بينهما. فإن قيل إن التمانع لا يقع منهما لأنهما عالمان فكل واحد منهما يعلم أن مراد صاحبه حكمة فلا يريد ضده قلنا إن الكلام مبني على صحة ذلك دون كونه فإن لم يكن واحد منهما يريد أن يمنع صاحبه فكونه قادرا يعطي أنه ممكن منه و إن لم يفعل و تصح إرادته و لا تستحيل منه و يحصل من ذلك تقدير التمانع بينهما و جوازه. فإن قيل لم ذكرتم أنهما إذا لم يقع مرادهما جميعا إن ذلك لضعفهما قلنا لتساوي مقدورهما و عند تساويه لا يكون فعل أحدهما أحق بالوجود من فعل الآخر و في ذلك إبطال أفعالهما و هو معنى قول الله عز و جل‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فإن قيل فلم قلتم إن وجود مراد أحدهما دليل على ضعف الآخر قلنا لما في ذلك من رجحانه في قدرته على صاحبه فلو لا أنه أقدر منه لما وقع مراده دونه و هذا يوضح عن ضعف من لم يقع مراده. دليل آخر و قد احتج أصحابنا بدليل التمانع على وجه آخر فقالوا إنهما لو كانا اثنين كان لا يخلو أحدهما من أن يكون يقدر على أن يكتم صاحبه شيئا أو لا يقدر على ذلك.

____________

(1) في النسخة: لا يعتذر

7

فإن كان يقدر فصاحبه يجوز عليه الجهل و من جاز عليه الجهل فليس بإله قديم و إن كان لا يقدر فهو نفسه عاجز و العاجز ليس بإله قديم‏ (1). دليل آخر و مما يدل على أن صانع العالم واحد أنه لو كان معه ثان كان لا يخلو أمرهما في فعلهما للعالم من أحد وجهين. إما أن أمرهما في فعلهما للعالم من أحد وجهين أما أن كل واحد منهما فعل جميعه حتى يكون الذي فعله أحدهما هو الذي فعله صاحبه أو يكون كل واحد منهما انفرد ببعض منه. و في الوجه الأول إيجاب فعل واحد من فاعلين و هذا يبطل في فصل‏ (2) و في الوجه الثاني إيجاب تميز فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر لأن القادر الحكيم إذا فعل فعلا حسنا لم يجز إلا ليجعله دالا عليه و موسوما به و مميزا عن فعل غيره لا سيما إذا كان داعيا إلى شكر نعمته و موجبا لمعرفته و لا طريق لأحد إلى معرفته إلا بفعله. فلما لم يكن فعل ما شاهدناه من السماء و الأرض و غيرهما مما يدل على أن بعضه لواحد و بعضه لآخر و إنما يدل على أن له فاعلا فقط علمنا أن الفاعل له واحد و هو الله تعالى ذكره. فإن قيل فإنا نجد العالم على قسمين جواهر و أعراض و كل واحد من الجنسين مميز عن الآخر فألا دل هذا على الصانعين قلنا لو كان صانع الجواهر غير صانع الأعراض لكانا محتاجين بل‏

____________

(1) عرض الصدوق في كتاب التوحيد لهذا الدليل ص 277 باختلاف يسير.

(2) هكذا في النسخة و العبارة غير تامّة و الأرجح أن هناك جملة ساقطة قد تكون هكذا: و هذا يبطل كونه فعله.

8

عاجزين لأن أحدهما لا يقدر أن يفعله بانفراده و هو يفتقر إلى صاحبه لاستحالة وجود الجوهر بغير عرض و العرض بغير جوهر إلا ما انفرد به قوم من إرادة القديم و فناء العالم. دليل آخر و هو أن العالم لو كان صانعه اثنين لكانا غيرين و حقيقة الغيرين هما اللذان يجوز وجود أحدهما و عدم الآخر إما من الزمان أو المكان أو على وجه من الوجوه أو كان يجوز ذلك‏ (1). و لسنا نجد أحدا من ذوي العقول الصحيحة السليمة التي لم تعترضها الشبهة الحادثة تعرف غيرين إلا و هو يعرف أنها هكذا و لا يعلم شيئين هكذا إلا و هو يعلم أنهما غيران. و هذا يمنع من أن يكون صانع العالم اثنين لما في ذلك من جواز عدم أحدهما و من جاز عدمه فليس بقديم و في بطلان قدم أحدهما دليل على أنه داخل في جملة المحدثين و أن صانع العالم هو الواحد القديم و من خالفنا في حد الغيرين فليوجد [لنا] (2) شيئين متفقين على وجودهما ليس هذا حكمهما. دليل آخر و قد اعتمد البلخي‏ (3) دليلا مفردا على أن صانع العالم واحد لم يحتج أن يذكر فيه تقدير وجود الاثنين فقال‏

____________

(1) في العبارة غموض و لعلها هكذا: (و لا يجوز غير ذلك)

(2) في النسخة (نا).

(3) هو مأخوذ من قول الإمام الرضا (ع) قولك أنّه اثنان دليل على أنّه واحد لأنك لم تدع الثاني إلّا بعد إثباتك الواحد فالواحد يجمع عليه و أكثر من واحد مختلف فيه انظر التوحيد ص 278.

9

الذي يدل على ذلك أنا وجدنا العالم محدثا و لا بد له من محدث و وجدنا من تجاوز هذا القول بأن المحدث له واحد فزعم أنه اثنان‏ (1) لا نجد فرقا بينه و بين من زعم أنه ثلاثة و كذلك لا نجد فرقا بينه و بين من زعم أنه أربعة و كل عدة تجاوزت الواحد لا يقدر القائل بها على فرق بينه و بين من زاد فيها و لا نجد حجة توجب قوله دون قول خصمه فيها. فلما فسد قول كل من ادعى الزيادة على الواحد و ليس مع أحدهم رجحان بحجته و تكافأت أقوالهم في دعوى الزيادة دل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك و لأن الدليل ثبت على وجود الصانع و لم يثبت على ما يزيد على واحد (2) ثم عارض نفسه فقال إذا قال قائل إنكم قد تجدون دارا مبنية يدل بناؤها على أن لها بانيا ثم لا يجدون فرقا بين من زاد على واحد فقال إن بانيها اثنان و بين من قال ثلاثة و كذلك كل عدة حتى لا يتميز بعض الأقوال على بعض حجة أ فتقطعون على أن صانع الدار واحد و انفصل عن هذه المعارضة بأن قال إن المثبت للدار صانعا واحدا أو صانعين فقد نجد فرقا بينه و بين من زاد عليه و دليلا على قوله دون قول من خالفه و ذلك أن صناع الدار يجوز أن يشاهدهم من شاهدها و يجوز أن يرد الخبر إليه بعددهم ممن شاهدهم يبنونها و ليس كذلك صانع العالم و هذا فرق واضح بين الموضعين و لوضوحه يعلم بطلان مذهب الثنوية على اختلافهم و النصارى في التثليث و من جرى مجراهم و الحمد لله‏

____________

(1) في النسخة اثنين.

(2) و خلاصته: أنه بعد العلم بوجود صانع للعالم فالواحد متيقن و الزائد مشكوك و لا دليل عليه لكن هذا يرد عليه إن عدم العلم بالزائد لا يدلّ على عدم وجود الزائد و القضية متعلقة بالعقائد اليقينية لا بحكم ظاهري.

10

فصل من كلام رسول الله ص في الخصال من واحد إلى عشرة

وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ‏

خَصْلَةٌ مَنْ لَزِمَهَا أَطَاعَتْهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ وَ رَبِحَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ قِيلَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ التَّقْوَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ تَلَا

وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏

وَ قَالَ‏

الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ بَيْنَ عَاجِلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ وَ بَيْنَ آجِلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ‏

(1)

وَ قَالَ ص‏

وَ مَنْ وُقِيَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ كُلَّهُ لَقْلَقِهِ وَ قَبْقَبِهِ وَ ذَبْذَبِهِ‏

فلقلقه لسانه و قبقبه بطنه و ذبذبه فرجه‏

وَ قَالَ ص‏

أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا

وَ قَالَ ص‏

خَمْسٌ لَا يَجْتَمِعْنَ إِلَّا فِي مُؤْمِنٍ حَقّاً يُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهِنَّ الْجَنَّةَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ وَ الْفِقْهُ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْوَرَعُ فِي الدِّينِ وَ الْمَوَدَّةُ فِي النَّاسِ وَ حُسْنُ السَّمْتِ فِي الْوَجْهِ‏

____________

(1) انظر: تحف العقول ص 20.

11

وَ قَالَ ص‏

اضْمَنُوا لِي سِتّاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَ أَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَ أَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ وَ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ

كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ‏

وَ قَالَ ص‏

أَوْصَانِي رَبِّي بِسَبْعٍ أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَ أَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَ أُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَ أَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً وَ نَظَرِي عَبَراً

(1)

وَ حُفِظَ عَنْهُ ص ثَمَانٍ قَالَ‏

أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَعْظَمُكُمْ حِلْماً وَ أَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ وَ أَشَدُّكُمْ حُبّاً لِإِخْوَانِهِ فِي دِينِهِ وَ أَصْبَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَ أَكْظَمُكُمْ لِلْغَيْظِ وَ أَحْسَنُكُمْ عَفْواً وَ أَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصَافاً

(2)

وَ قَالَ ص‏

الْكَبَائِرُ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَ أَكْلُ الرِّبَا وَ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَ اسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ السِّحْرُ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ بَرِي‏ءٌ مِنْهُنَّ كَانَ مَعِي فِي جَنَّةٍ مَصَارِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ‏

وَ قَالَ‏

الْإِيمَانُ فِي عَشَرَةٍ الْمَعْرِفَةِ وَ الطَّاعَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعَمَلِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ الصَّبْرِ وَ الْيَقِينِ وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمِ فَأَيَّهَا فَقَدَ صَاحِبُهُ بَطَلَ نِظَامُهُ‏

____________

(1) انظر: تحف العقول للحراني ص 25.

(2) مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ص 214.

12

فصل من فضائل أمير المؤمنين (ع) و النصوص عليه من رسول الله ص‏

مِنْ جُمْلَةِ مَا رَوَاهُ لَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ (رحمه الله) بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيْمَنَ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حُصَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ وَارِثُ عِلْمِ النَّبِيِّينَ وَ خَيْرُ الصِّدِّيقِينَ وَ أَفْضَلُ السَّابِقِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ زَوْجُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ خَلِيفَةُ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحُجَّةُ بَعْدِي عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ مَنْ تَوَلَّاكَ وَ اسْتَوْجَبَ دُخُولَ النَّارِ مَنْ عَادَاكَ يَا عَلِيُّ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَ اصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى أَلْفَ عَامٍ مَا قَبِلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِكَ وَ وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ وَ أَنَّ وَلَايَتَكَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِكَ وَ أَعْدَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ ذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع)

فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (1)

وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَتَّوَيْهِ الْمُقْرِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُرَاتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

____________

(1) هو مذكور في البحار ج 38 ص 134 نقله عن كشف اليقين ص 56- 57.

13

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَلِيفَةُ اللَّهِ وَ خَلِيفَتِي حُجَّةُ اللَّهِ وَ حُجَّتِي وَ بَابُ اللَّهِ وَ بَابِي وَ صَفِيُّ اللَّهِ وَ صَفِيِّي وَ حَبِيبُ اللَّهِ وَ حَبِيبِي وَ خَلِيلُ اللَّهِ وَ خَلِيلِي وَ سَيْفُ اللَّهِ وَ سَيْفِي وَ هُوَ أَخِي وَ صَاحِبِي وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي حُجَّتُهُ حُجَّتِي وَ مُبْغِضُهُ مُبْغِضِي وَ وَلِيُّهُ وَلِيِّي وَ عَدُوُّهُ عَدُوِّي وَ زَوْجَتُهُ ابْنَتِي وَ وُلْدُهُ وُلْدِي وَ حَرْبُهُ حَرْبِي وَ قَوْلُهُ قَوْلِي وَ أَمْرُهُ أَمْرِي وَ هُوَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ خَيْرُ أُمَّتِي‏

(1)

وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي خَالُ أُمِّي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ‏ (2) قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (3) قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي وَ نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ أَوْجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعَ أَمْرِي وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَتِهِ طَاعَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدِي كَمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَتِي وَ نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ كَمَا نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ جَعَلَهُ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ هُوَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ حُبُّهُ إِيمَانٌ وَ بُغْضُهُ كُفْرٌ مُحِبُّهُ مُحِبِّي وَ مُبْغِضُهُ مُبْغِضِي وَ هُوَ مَوْلَى مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ وَ أَنَا مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَ مُسْلِمَةٍ وَ أَنَا وَ هُوَ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ

(4)

____________

(1) انظر: البحار ج 38 ص 147 نقله عن بشارة المصطفى ص 28، هامش.

(2) هو إبراهيم بن هاشم. أبو إسحاق القمّيّ أصله من الكوفة، و انتقل إلى قم و هو أول من نشر حديث الكوفيين بقم، و ذكروا أنّه لقي الإمام الرضا (ع) فهرست الطوسيّ ص 27.

(3) هو أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار. من أصحاب الإمام الصادق (ع) الثقات خدم أربعة من الأئمة: زين العابدين و الباقر و الصادق و برهة من عصر الكاظم توفّي سنة 150 ه.

(4) انظر: أمالي الصدوق ص 13 و تجده أيضا في البحار ج 38 ص 91- 92 نقلا عن الأمالي.

14

فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و آدابه في فضل الصمت و كف اللسان‏

مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ‏

مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ

إِذَا فَاتَكَ الْأَدَبُ فَالْزَمِ الصَّمْتَ‏

الْعَافِيَةُ فِي عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

كَمْ نَظْرَةٍ جَلَبَتْ حَسْرَةً وَ كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً

مَنْ غَلَبَ لِسَانَهُ أَمَّرَهُ قَوْمُهُ‏

الْمَرْءُ يَعْثُرُ بِرِجْلِهِ فَيَبْرَأُ وَ يَعْثُرُ بِلِسَانِهِ فَيُقْطَعُ رَأْسُهُ وَ لِسَانُهُ احْفَظْ لِسَانَكَ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ أَسِيرَةٌ فِي وَثَاقِ الرَّجُلِ فَإِنْ أَطْلَقَهَا صَارَ أَسِيراً فِي وَثَاقِهَا

عَاقِبَةُ الْكَذِبِ شَرُّ عَاقِبَةٍ

خَيْرُ الْقَوْلِ الصِّدْقُ وَ فِي الصِّدْقِ السَّلَامَةُ وَ السَّلَامَةُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ

لَا حَافِظَ أَحْفَظُ مِنَ الصَّمْتِ‏

إِيَّاكُمْ وَ النَّمَائِمَ فَإِنَّهَا تُورِثُ الضَّغَائِنَ‏

هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ‏

الصَّمْتُ نُورٌ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ صُورَةَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَ صُورَةَ الرَّجُلِ فِي مَنْطِقِهِ‏

15

مختصر التذكرة بأصول الفقه‏

استخرجته من كتاب شيخنا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه و (قدس سره)

بسم الله الرحمن الرحيم‏ الحمد لله أهل الحمد و مستحقه و صلاته على خيرته المصطفين من خلقه سيدنا محمد رسوله الدال بآياته على صدقه و على أهل بيته الأئمة القائمين من بعده بحقه. سألت أدام الله عزك أن أثبت لك جملا من القول في أصول الفقه مختصرة لنكون لك تذكرة بالمعتقد في ذلك ميسرة و أنا أسير إلى محبوبك و أنتهي إلى مرادك و مطلوبك بعون الله و حسن توفيقه. اعلم أن أصول أحكام‏ (1) الشريعة ثلاثة أشياء كتاب الله سبحانه و سنة نبيه ص و أقوال الأئمة الطاهرين من بعده (صلوات الله عليهم و سلامه). و الطرق الموصلة إلى علم المشروع في هذه الأصول ثلاثة أحدها العقل و هو سبيل إلى معرفة حجية القرآن و دلائل الأخبار و الثاني اللسان و هو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام و ثالثها الأخبار و هي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب و السنة و أقوال الأئمة ع. و الأخبار الموصلة إلى العلم بما ذكرناه ثلاثة أخبار خبر متواتر و خبر واحد معه قرينة تشهد بصدقه و خبر مرسل في الإسناد يعمل به أهل الحق على الاتفاق.

____________

(1) في الأصل الأحكام.

16

و معاني القرآن على ضربين ظاهر و باطن. و الظاهر هو المطابق لخاص العبارة عنه تحقيقا على عادات أهل اللسان كقوله سبحانه‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ فالعقلاء العارفون باللسان يفهمون من ظاهر هذا اللفظ المراد. و الباطن هو ما خرج عن خاص العبارة و حقيقتها إلى وجوه الاتساع فيحتاج العاقل في معرفة المراد من ذلك إلى الأدلة الزائدة على ظاهر الألفاظ كقوله سبحانه‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ. فالصلاة في ظاهر اللفظ هي الدعاء حسب المعهود بين أهل الفقه و هي في الحقيقة لا يصح منها القيام و الزكاة هي النمو عندهم بلا خلاف و لا يصح أيضا فيها الإتيان و ليس المراد في الآية ظاهرها و إنما هو أمر مشروع فالصلاة المأمور بها فيها هي أفعال مخصوصة مشتملة على قيام و ركوع و سجود و جلوس. و الزكاة المأمور بها فيها هي إخراج مقدار من المال على وجه أيضا مخصوص و ليس يفهم هذا من ظاهر القول فهو الباطن المقصود. و أنواع أصول معاني القرآن أربعة أحدها الأمر و ما استعير له لفظه و ثانيها النهي و ما استعمل فيه لفظه و ثالثها الخبر مع ما يستوعبه لفظه و رابعها التقرير و ما وقع عليه لفظه. و للأمر صورة محققة في اللسان يتميز بها عن غيره في الكلام و هي قولك افعل إذا ورد مرسلا على الإطلاق و إن كانت هذه اللفظة تستعمل في غير الأمر على سبيل الاتساع و المجاز كالسؤال و الإباحة و الخلق و المسخ و التهديد.

17

و الأمر المطلق يقتضي الوجوب و لا يعلم الندب إلا بدليل و إذا علق الأمر بوقت وجب الفعل في أول الوقت و كذلك إطلاقه يقتضي المبادرة بالفعل و التعجيل و لا يجب ذلك أكثر من مرة ما لم يشهد بوجوب التكرار الدليل فإن تكرر الأمر وجب تكرار الفعل ما لم تثبت حجة بأن المراد بتكراره التأكيد. فأما الأمران إذا عطف أحدهما على الآخر فالواجب أن يراعى فيهما الاتفاق في الصورة و الاختلاف فإن اتفقا دل ذلك على التأكيد و إن اختلفا كان لهما حكمان و القول في الخبرين إذا تساويا في الصورة كالقول في الأمرين. و امتثال الأمر مجز لصاحبه و مسقط عنه فرض ما كان وجب من الفعل عليه و إذا ورد لفظ الأمر معاقبا لذكر الحظر أفاد الإباحة دون الإيجاب كقول الله تعالى‏ فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ‏ بعد قوله‏ إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ‏ و إذا ورد الأمر بفعل أشياء على طريق التخيير كوروده في كفارة اليمين فكل واحد من تلك الأشياء واجب بشرط اختيار المأمور و ليست واجبة على الاجتماع و لا بالإطلاق و ما لا يتم الفعل إلا به واجب كوجوب الفعل المأمور به و كذلك الأمر بالمسبب دليل على وجوب فعل السبب. و الأمر بالمراد دليل على فعل الإرادة و ليس الأمر بالشي‏ء هو بنفسه نهي عن ضده و لكنه يدل على النهي عنه بحسب دلالته على حظره.

18

و باستحالة اجتماع الفعل و تركه يقتضي صحة النهي العقلي عن ضد ما أمر به. و إذا ورد الأمر بلفظ المذكر مثل قوله يا أيها الذين آمنوا و يا أيها المؤمنون و المسلمون و شبهه فهو متوجه بظاهره إلى الرجال دون النساء و لا يدخل تحته بشي‏ء من الإناث إلا بدليل سواه فأما تغليب المذكر على المؤنث فإنما يكون بعد جمعها بلفظهما على التصريح ثم يعبر عنهما من بعده بلفظ المذكر. و متى لم يجر للمؤنث بما يخصه من اللفظ فليس يقع العلم عند ورود لفظ المذكر بأن فيه تغليبا إلا أن يثبت أن المتكلم قصد الإناث و الذكور معا بدليل فأما الناس فكلمة تعم الذكور و الإناث و أما القوم فكلمة تعم الذكور دون الإناث. و إذا ورد الأمر مقيدا بصفة يخص بها بعض المكلفين فهو مقصور على ذي الصفة غير متعدية إلى غيره إلا بدليل كقوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ و إذا ورد بصفة تتعدى المذكور إلى غيره من المكلفين كان متوجها إلى سائرهم على العموم إلا ما خصه الدليل كقوله عز و جل‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏. و الأمر بالشي‏ء لا يكون إلا قبله لاستحالة تعلق الأمر بالموجود و الأمر متوجه إلى الطفل بشرط البلوغ و كذلك الأمر للمعدوم بشرط وجوده و عقله الخطاب و يصح أيضا توجه إلى من يعلم من حاله أنه يعجز في المستقبل عما أمر به أو يحال بينه و بينه أو يخترم دونه كما (1) يجوز في ذلك من مصلحة المأمور في‏

____________

(1) في النسخة (لما).

19

اعتقاده فعل ما أمر به و اللطف له في استحقاقه الثواب على نيته و إمكان استصلاح غيره من المكلفين بأمره. فأما خطاب المعدوم و الجمادات و الأموات فمحال و الأمر أمر بعينه و نفسه فأما النهي فله صورة في اللسان محققة يتميز بها عن غيره و هي قولك لا تفعل إذا ورد مطلقا و النهي في الحقيقة لا يكون منك إلا لمن دونك كالأمر و النهي موجب للترك المستدام ما لم يكن شرط يخصه بحال أو زمان. فأما الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق و الكذب و له صيغة مبنية يتفصل بها مما يخالفه في معناه و قد يستعار صيغته فيما ليس بخبر كما يستعار غيرها من صيغ الحقائق فيما سواه على وجه الاتساع و المجاز قال الله عز و جل‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً هو من الآية 97 من آل عمران فهو لفظ بصيغة الخبر و المراد به الأمر بأن يؤمن من دخله. و العام في معنى الكلام ما أفاد لفظه اثنين فما زاد و الخاص ما أفاد واحدا دون سواه لأن أصل الخصوص التوحيد و أصل العموم الاجتماع و قد يعبر عن كل منها بلفظ الآخر تشبها و تجوزا قال الله تعالى‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ فعبر عن نفسه سبحانه و هو واحد بلفظ الجمع و

قَالَ سُبْحَانَهُ‏

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

. وَ كَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ جَمَعَ لَكُمْ الْجُمُوعَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

20

فأما اللفظ المعبر به عن العام فهو كقوله عز و جل‏ وَ الْمَلَكُ عَلى‏ أَرْجائِها و إنما أراد به الملائكة و قوله‏ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏ يريد يا أيها الناس. و كل لفظ أفاد من الجمع ما دون استيعاب الجنس فهو عام في الحقيقة خاص بالإضافة كقوله عز و جل‏ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و لم يفتح لهم أبواب الجنات و لا أبواب النار و قوله‏ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً و إنما أراد بعض الجبال و كقول القائل جاءنا فلان بكل عجيبة و الأمثال في ذلك كثيرة و هو كله عام في اللفظ خاص مقصور عن الاستيعاب. فأما العموم المستوعب للجنس فهو ما أفاد من القول نهاية ما دخل تحته و صح للعبارة عنه في اللسان قال الله عز و جل‏ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ فأما الألفاظ المنسوبة إلى الاشتراك فهي على أنحاء. فمنها ما هو مبني لمعنى سائغ في أنواع مختلفات كاسم شي‏ء على التنكير فهو و إن كان في اللغة موضوعا للموجود دون المعدوم فهو يعم الجواهر و الأجسام و الأعراض غير أن لكل ما شمله مما عددناه أسماء على التفصيل مبينات يخص كل اسم نوعه دون ما سواه و منها رجل و إنسان و بهيمة و نحو

21

ذلك فإنه يقع على كل اسم من هذه الأسماء على أنواع في الصور و الهيئات و هو موضوع في الأصل لمعنى يعم جميع ما في معناه. و من الألفاظ المشتركة ضرب آخر و هو قولهم عين و وقوع هذه اللفظة على جارحة البصر و على الماء و الذهب و جيد الأشياء و صاحب الخير و ميل الميزان و غير ذلك فهذه اللفظة بمجردها غير مبنية لشي‏ء مما عددناه و إنما هي بعض المسمى و تمامه وجود الإضافة أو ما يقوم مقامها من الصفة المخصوصة. و إذا ورد اللفظ و كان مخصوصا بدليل فهو على العموم فيما بقي تحته مما عدا المخصوص و يقال إنه عام على المجاز لأنه منقول عما بني له من الاستيعاب إلى ما دونه من المخصوص و حقيقة المجاز هي وضع اللفظ على غير ما بني له في اللسان فلذلك قلنا إنه مجاز. و إذا ورد لفظان عامان كل منهما يرفع حكم صاحبه و لم يعرف المتقدم منهما من المتأخر فيقال إن أحدهما منسوخ و الآخر ناسخ وجب فيها الوقف و لم يجز القضاء بأحدهما على الآخر إلا أن يحضر دليل. و ذلك كقوله سبحانه‏ وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ‏ و هذا عموم في جميع الأزواج المختلفات بعد الوفاة و قوله‏ وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً و هذا أيضا عام و حكمهما متنافيان فلو لا أن العلم قد أحاط بتقديم إحداهما فوجب القضاء بالمتأخرة الثانية منهما لكان الصواب هو الوقف دون الحكم بشي‏ء منهما. و كذلك إذا ورد حكمان في قضية واحدة أحدهما خاص و الآخر عام و لم‏

22

يعرف المتقدم من المتأخر منهما و لم يمكن الجمع بينهما وجب التوقف فيهما

مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‏

لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍ‏

وَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ‏

لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الْبِنْتِ أَمْرٌ

و هذا يخص الأول و في الإمكان أن يقضى عليه في الأول في كل واحد منهما يجوز أن يكون الناسخ للآخر فيعدلنا عنهما جميعا لعدم الدلالة على القاضي منهما و صرنا إلى ظاهر قوله عز و جل‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ و قوله‏ وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏ في إباحة النكاح بغير اشتراط ولي على الإطلاق. الخاص و العام و إذا ورد لفظ في حكم و كان معه لفظ خاص في ذلك الحكم بعينه وجب القضاء بالخاص و هذا مثل الأول و مثاله قول الله عز و جل‏ وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‏ و هذا عام في ارتفاع اللوم على وطء الأزواج على كل حال و الخصوص قوله سبحانه‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏. فلو قضينا بعموم الآية ارتفع حكم آية المحيض بأسره و إذا قضينا بما في الثانية من الخصوص لم يرتفع حكم الأولى العام من كل الوجوه فوجب القضاء بآية التخصيص منهما ليصح العمل على ما بيناه بهما.

23

و إذا سبق التخصيص اللفظ العام أو ورد مقارنا له فلا يجوز القول بأنه ناسخ لحكمه لأن العموم لم يثبت فيستقر له حكم و إنما خرج إلى الوجود مخصوصا فأوجبه في حكم الخصوص و النسخ إنما هو رفع موجود لو ترك لأوجب حكما في المستقبل. و الذي يخص اللفظ العام لا يخرج منه شيئا دخل تحته و إنما يدل الدليل على أن التجوز لم يرد من معنى ما بني له الاسم و إنما أراد غيره و قصد إلى وضعه على ما بني له في الأصل. و ليس يخص العموم إلا دليل العقل و القرآن و السنة الثابتة فأما القياس و الرأي فإنهما عندنا في الشريعة ساقطان لا يثمران علما و لا يخصان عاما و لا يعمان خاصا و لا يدلان على حقيقة و لا يجوز تخصيص العام بخبر الواحد لأنه لا يوجب علما و لا عملا و إنما يخصه من الأخبار ما قطع العذر لصحته عن النبي ص و عن أحد الأئمة ع. و ليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل و إنما يصح ذلك في الكلام المبني و الصور منه المخصوصة فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول و ذلك أنه إذا روي أن النبي ص أحرم لم يجب الحكم بذلك على أنه أحرم بكل نوع من أنواع الحج من إفراد و قران و تمتع و إنما يصح الإحرام بنوع منها واحد. و إذا ثبت عنه (ع) أنه قال لا ينكح المحرم وجب عموم حظر النكاح على جميع المحرمين مع اختلافهم فيما أحرموا به من إفراد و قران و تمتع أو عمرة منقولة و فحوى الخطاب هو ما فهم منه المعنى و إن لم يكن نصا صريحا فيه بمعقول عادة أهل اللسان في ذلك كقوله عز و جل‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما. فقد فهم من هذه الجملة ما تضمنته نصا صريحا و ما دل عليه بعرف أهل‏

24

اللسان من الزجر عن الاستخفاف بالوالدين الزائد على قول القائل لهما أف و ما تعاظم عن انتهارهما من القول و ما أشبه ذلك من الفعل و إن لم يكن النص تضمن ذلك على التفصيل و التصريح. و كقولهم لأمر يخص لا تبخس فلانا من حقه حبة واحدة و ما يدل ذلك عليه بحسب العرف بينهم و العادة من النهي عن جميع البخس الزائد على الحبة و الأمثلة في ذلك كثيرة. فأما دليل الخطاب فهو أن الحكم إذا علق ببعض صفات المسمى في الذكر دل ذلك على أن ما خالفه في الصفة مما هو داخل تحت الاسم بخلاف ذلك الحكم إلا أن يقوم دليل على وفاقه فيه‏

كَقَوْلِ النَّبِيِّ ص‏

فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ زَكَاةٌ

فتخصيصه السائمة بالزكاة دليل على أن العاملة ليس فيها زكاة و يجوز تأخير بيان المراد من القول إذا كان في ذلك لطف للعباد و ليس ذلك من المحال. و قد أمر الله قوم موسى أن يذبحوا بقرة و كان مراده أن تكون على صفة مخصوصة و لم يقع البيان مع قوله‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً بل تأخر عن ذلك و انكشف لهم عند السؤال بحسب ما اقتضاه لهم الصلاح و ليس ينافي تأخير البيان القول بأن الأمر على الفور و البدار و ذلك أن تأخير البيان عن الأمر الموقت أو قرينة من برهان هو غير الأمر المطلق العري من القرائن الذي ظن أنه يقتضي الفور و البدار و لا يجوز تأخير بيان العموم لأن العموم موجب بمجرده الاستيعاب فمتى أطلقه الحكيم و مراده التخصيص و لم يبين ذلك فقد أتى بألغاز و ليس هذا كتأخير بيان المجمل من الكلام و بينها فرق. أسماء النكرة و الأسماء النكرة موضوعة في أصل اللغة للجنس دون التعيين فإذا ورد

25

الأمر بفعل يتعلق بنكرة وجب إيقاعه على ما يستحق بمعناه سمة الجنس سوى ما زاد عليه فمن ذلك ما يفيد أقل ما يدخل تحت الجنس كقول القائل لغيره تصدق بدرهم فامتثال هذا الأمر أن يتصدق بدرهم كائنا ما كان من الدراهم و ليس النهي بالنكرة كالأمر بها لأن الأمر هاهنا يقتضي التخصيص و النهي يقتضي العموم. و لو قال النبي ص لأحد أصحابه لا تدخرن درهما و لا دينارا لاقتضى ذلك أن لا يدخر منهما عينا و لو قال له تصدق بدرهم و دينار لأفاد ذلك أن يتصدق بهما و لا يلزمه أن يتجاوزهما. و ليس القول بأن الأمر بالنكرة يقتضي أن يفعل أي واحد كان من الجنسين بمفسد ما تقدم من القول في تأخير البيان عن قوم موسى (ع) لما أمروا بذبح بقرة بلفظ التنكير لأن حالهم يقتضي أن مع الأمر لهم بذبحها قد كانت لهم قرينة اقتضت التوقف و السؤال في سؤالهم ذلك على ذلك و لو تعرى الأمر من القرينة لكان مجرد وروده بالتنكير يقتضي الامتثال في أي واحد من الجنسين. و من هذا الباب أن يرد الأمر بلفظ التثنية و التنكير كقوله أعط فلانا درهمين فالواجب الامتثال في أي درهمين كانا على معنى ما تقدم من القول و منه أن يرد الأمر بلفظ الجمع المنكر كقوله تصدق بدراهم فليس يفيد ذلك أكثر من أقل العموم و هو ثلاث ما لم يقع التبيين. في العموم و صيغه و اعلم أن العموم على ثلاثة أضرب فضرب هو أصل الجمع المفيد لاثنين فما زاد و ذلك لا يكون إلا فيما اختصت عبارة الاثنين به في العدد فهو عموم من حيث الجمع.

26

و الضرب الثاني ما عبر عنه بلفظ الجمع المنكر كقولك دراهم و دنانير فذلك لا يصح في أقل من ثلاثة و الضرب الثالث ما حصل فيه علامة الاستيعاب من التعريف بالألف و اللام و بمن الموضوعة للشرط و الجزاء فمتى قال لعبده عظم العلماء فقد وجب عليه تعظيم جميعهم و إذا قال من دخل داري أكرمته وجب عليه إكرام جميع الداخلين داره. و الأسماء الظاهرة ما استغنت في حقائقها عن مقدمة لها و الكنية ما لم يصح الابتداء بها و حكم الكناية العموم و الخصوص حكم ما تقدمها و العطف و الاستثناء إذا أعقب جملا فهو راجع إلى جميعها إلا أن يكون هناك دليل يقصرها على شي‏ء منها. و ما ورد عن الله سبحانه و عن رسول الله ص و عن الأئمة الراشدين (ع) من بعده على سبب أو كان جوابا عن سؤال فإنه يكون محكوما له بصورة لفظه دون القصر له على السبب المخرج له عن حكم ظاهره‏ (1) و ليس وروده على الأسباب بمناف لحمله على حقيقته في الخطاب في عقل أو عرف و لا لسان و إنما يجب صرفه عن ظاهره لقيام دلالة تمنع من ذلك من التضاد. في الحقيقة و المجاز و الحقائق و المجازات إنما هي في الألفاظ و العبارات دون المعاني المطلوبات و الحقيقة من الكلام ما يطابق المعنى الموضوع له في أصل اللسان‏

____________

(1) هذا ما يعبر عنه في المصطلح الأصولي اليوم بقاعدة (المورد لا يخصص الوارد).

27

و المجاز منه ما عبر به من غير معناه في الأصل تشبيها و استعارة لغرض من الأغراض و على وجه الإيجاز و الاختصار و وصف الكلام بالظاهر و تعلق الحكم به إنما يقصد به إلى الحقيقة منه و الحكم بالاستعارة فيه إنما يراد به المجاز و كذلك القول في التأويل و الباطن إنما يقصد به إلى العبارة عن مجاز القول و استعارته حسبما ذكرناه. و الحكم على الكلام بأنه حقيقة أو مجاز لا يجوز إلا بدليل يوجب اليقين و لا يسلك فيه طريق الظنون و العلم بذلك من وجهين أحدهما الإجماع من أهل اللسان و الآخر الدليل المثمر للبيان فأما إطلاق بعض أهل اللغة أو بعض أهل الإسلام ممن ليس بحجة في المقال و الفعال فإنه لا يعتمد في إثبات حقيقة الكلام. فمتى التبس اللفظ فلم يقم دليل على حقيقة فيه أو مجاز وجب الوقف لعدم البرهان و ليس بمصيب من ادعى أن جميع القرآن على المجاز و ظاهر اللغة يكذبه و دلائل العقول و العادات تشهد بأن جمهوره على حقيقة كلام أهل اللسان و لا بمصيب أيضا من زعم أنه لا يدخله المجاز و قد خصمه في ذلك قوله سبحانه‏ فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ‏ و غيره من الآيات و الواجب أن يقال إن منه حقيقة و منه مجاز. الحظر و الإباحة فأما القول في الحظر و الإباحة فهو أن العقول لا مجال لها في العلم بإباحة ما

28

يجوز ورود السمع فيها بإباحته و لا بحظر ما يجوز وروده فيها بحظره و لكن العقل لم ينفك قط من السمع بإباحته و حظره و لو [ألزم‏] (1) الله تعالى العقلاء حالا واحدة من سمع لكان قد اضطرهم إلى موافقة ما يقبح في عقولهم من استباحة ما لا سبيل لهم إلى العلم بإباحته من حظره و إلجائهم إلى الحيرة التي لا تليق بحكمته. القياس و الرأي و ليس عندنا للقياس و الرأي مجال في استخراج الأحكام الشرعية و لا يعرف من جهتها شي‏ء من الصواب و من اعتمدهما في المشروعات فهو على الضلال. النسخ و العقول تجوز نسخ الكتاب بالكتاب و السنة بالسنة و الكتاب بالسنة و السنة بالكتاب غير أن السمع ورد بأن الله تعالى لا ينسخ كلامه بغير كلامه بقوله‏ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فعلمنا أنه لا ينسخ الكتاب بالسنة و أجزنا ما سوى ذلك الخبر و الحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها و نفي الشك فيه و الارتياب.

____________

(1) في النسخة: (و لو احكى) فوضعنا مكانها (ألزم) لأنّها أكثر انسجاما مع المراد.

29

و كل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين و لا يلزم به عمل على حال و الأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين أحدهما التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك أو ما يقوم مقامه في الاتفاق و الثاني خبر واحد يقترن إليه ما يقوم مقام المتواتر في البرهان على صحة مخبره و ارتفاع الباطل منه و الفساد. و التواتر الذي وصفناه هو ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة و الانتشار إلى حد قد منعت العادة من اجتماعهم على الكذب بالاتفاق كما يتفق الاثنان أن يتواردا بالإرجاف و هذا حد يعرفه كل من عرف العادات. و قد يجوز أن ترد جماعة دون من ذكرناه في العدد بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم و مخارج كلامهم و ما يبدو في ظاهر وجوههم و يبين من تصورهم أنهم لم يتواطئوا ليتعذر التعارف بينهم و التشاور فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلا على صدقهم و رافعا للإشكال في خبرهم و إن لم يكونوا في الكثرة على ما قدمناه. فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره و ربما كان الدليل حجة من عقل و ربما كان شاهدا من عرف و ربما كان إجماعا بغير خلف فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة خبره فإنه كما قدمناه ليس بحجة و لا موجب علما و لا عملا على كل وجه. الإجماع و ليس في إجماع الأمة حجة من حيث كان إجماعا و لكن من حيث كان‏

30

فيها الإمام المعصوم فإذا ثبت أنها كلها على قول فلا شبهة في أن ذلك القول قول المعصوم إذ لو لم يكن كذلك كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطلا فلا تصح الحجة بإجماعها لهذا الوجه. الاستصحاب و الحكم باستصحاب الحال واجب لأن حكم الحال ثبت باليقين و ما ثبت فلن يجوز الانتقال عنه إلا بواضح الدليل. اختلاف الأخبار و الأخبار إذا اختلفت في الألفاظ فلن يصح حمل جميعها على الحقيقة من الكلام إذا أريد الجمع بينهما على الوفاق و إنما يصح حمل بعضها على الحقيقة و بعضها على المجاز حتى لا يقدح ذلك في إسقاط بعضها على الحقيقة و بعضها على المجاز فلا بد من صحة أحد البعضين و فساد الآخر أو فساد الجميع. اللهم إلا أن يكون الاختلاف فيها يدل على النسخ الذي لا يكون إلا في أخبار النبي ص دون أخبار الأئمة (ع) فإنهم ليس لهم تبديل شي‏ء من العبارات و لا نسخ. و قد أثبت لك أيدك الله جمل ما سألت في إثباته و أوردته مجردا من حججه و دلالته ليكون تذكره لك بالمعتقد كما ذكرت و لم أتعد فيه مضمون كتاب شيخنا المفيد (رحمه الله) حسبما طلبت و الحمد لله على أهل الجود و الإفضال و صلاته على سيدنا محمد رسوله المنقذ بهدايته من الضلال و على آله الطاهرين أولي الرفعة و الجلال.

31

فصل من عيون الحكم و نكت من جواهر الكلام‏

مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ص‏

اسْتَرْشِدُوا الْعَقْلَ تُرْشَدُوا وَ لَا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا

قِوَامُ الْمَرْءِ عَقْلُهُ وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ‏

سَيِّدُ الْأَعْمَالِ فِي الدَّارَيْنِ الْعَقْلُ‏

لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دِعَامَةٌ وَ دِعَامَةُ الْمُؤْمِنِ عَقْلُهُ فَبِقَدْرِ عَقْلِهِ تَكُونُ عِبَادَتُهُ لِرَبِّهِ‏

اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً أَوْ مُحَدِّثاً وَ لَا تَكُنِ الْخَامِسَ فَتَهْلِكَ‏

نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ‏

الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ أَحْسَنَهُ‏

إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ فَإِنْ كَانَ خَيْراً فَأَسْرِعْ إِلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً فَانْتَهِ عَنْهُ‏

صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَ أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ قُلِ الْحَقَّ وَ لَوْ عَلَى نَفْسِكَ‏

اعْتَبِرُوا فَقَدْ خَلَتِ الْمَثُلَاتُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ‏

كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ‏

وَ اعْلَمْ أَنَّكَ تَزْرَعُ كُلَّ مَا تَحْصُدُ

اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ وَ عِنْدَ لِسَانِكَ إِذَا حَكَمْتَ وَ عِنْدَ يَدِكَ إِذَا قَسَمْتَ‏

وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

عَلَيْكُمْ بِالدِّرَايَاتِ لَا بِالرِّوَايَاتِ هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ وَ هِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الدِّرَايَةُ

32

تَزَاوَرُوا وَ تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ إِلَّا تَفْعَلُوا يَدْرُسْ‏

أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً وَ أَعْظَمُهُمْ عَنَاءً مَنْ بَلِيَ بِلِسَانٍ مُطْلَقٍ وَ قَلْبٍ مُطْبَقٍ فَهُوَ لَا يُحْمَدُ إِنْ سَكَتَ وَ لَا يُحَسَّنُ إِنْ نَطَقَ‏

إِيَّاكُمْ وَ سَقَطَاتِ الِاسْتِرْسَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَقَالُ‏

تَعَزَّ عَنِ الشَّيْ‏ءِ إِذَا مُنِعْتَهُ لقلته [لِقِلَّةِ] مَا صَحِبَكَ إِذَا أُعْطِيتَهُ‏

مَنْ لَمْ يَعْرِفْ لَوْمَ ظَفَرِ الْأَيَّامِ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنْ سَطَوَاتِ الدَّهْرِ وَ لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنْ فَلَتَاتِ الزَّلَلِ وَ لَمْ يَتَعَاظَمْهُ ذَنْبٌ وَ إِنْ عَظُمَ‏

وَ سُئِلَ عَنِ الْحِرْصِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ طَلَبُ الْقَلِيلِ بِإِضَاعَةِ الْكَثِيرِ

وَ قَالَ‏

الْعَاقِلُ يَسْتَرِيحُ فِي وَحْدَتِهِ إِلَى عَقْلِهِ وَ الْجَاهِلُ يَتَوَحَّشُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ صَدِيقَ كُلِّ إِنْسَانٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوَّهُ جَهْلُهُ‏

الْعُقُولُ ذَخَائِرُ وَ الْأَعْمَالُ كُنُوزٌ [وَ] النُّفُوسُ أَشْكَالٌ فَمَا تَشَاكَلَ مِنْهَا اتَّفَقَ وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ‏

وَ مِنْ كَلَامِ الْحُسَيْنِ (ع)

قَوْلُهُ يَوْماً لِابْنِ عَبَّاسٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ فَإِنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ فِيهِ الْوِزْرَ وَ لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَرَى لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ فَعِيبَ وَ لَا تُمَارِيَنَّ حَلِيماً وَ لَا سَفِيهاً فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ وَ السَّفِيهَ يُرْدِيكَ وَ لَا تَقُولَنَّ فِي أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ إِلَّا مِثْلَ مَا تُحِبُّ أَنْ يَقُولَ فِيكَ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ وَ اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ وَ السَّلَامُ‏

وَ بَلَغَهُ (ع) كَلَامُ نَافِعِ بْنِ جير [جُبَيْرٍ] فِي مُعَاوِيَةَ قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَ يُنْطِقُهُ الْعِلْمُ فَقَالَ (ع) بَلْ كَانَ يُنْطِقُهُ الْبَطَرُ وَ يُسْكِتُهُ الْحَصَرُ

33

كلام الإمام الصادق ع‏

وَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) قَوْلُهُ‏

الْمُلُوكُ حُكَّامُ النَّاسِ وَ الْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ‏

وَ قَوْلُهُ‏

أَحْسِنُوا النَّظَرَ فِيمَا لَا يَسَعُكُمْ جَهْلُهُ وَ انْصَحُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ جَاهِدُوا فِي طَلَبِ مَا لَا عُذْرَ لَكُمْ فِي جَهْلِهِ فَإِنَّ لِدِينِ اللَّهِ أَرْكَاناً لَا يَنْفَعُ مَنْ جَهِلَهَا شِدَّةُ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ ظَاهِرِ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَضُرُّ مَنْ عَرَفَهَا فَدَانَ بِهِ حُسْنُ اقْتِصَارٍ وَ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

(1)

وَ قَوْلُهُ‏

مَا كُلُّ مَنْ نَوَى شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ وَ لَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى شَيْ‏ءٍ وُفِّقَ لَهُ وَ لَا كُلُّ مَنْ وُفِّقَ لَهُ أَصَابَهُ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ النِّيَّةُ وَ الْقُدْرَةُ وَ التَّوْفِيقُ وَ الْإِصَابَةُ فَهُنَالِكَ تَمَّتِ السَّعَادَةُ

(2)

وَ قَوْلُهُ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ

تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ اغْتِرَارٌ وَ طُولُ التَّسْوِيفِ حَيْرَةٌ وَ الِاعْتِلَالُ عَلَى اللَّهِ هَلَكَةٌ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ أَمْنٌ بِهِ لِمَكْرِ اللَّهِ‏

فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ‏ (3)

من كلام غير الأئمة (ع) و مما ورد عن غير الأئمة (ع) قول بعض علماء العرب العقل أمير و العلم نصير و الحلم وزير

____________

(1) رواه المفيد في الإرشاد ص 160.

(2) رواه في المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

34

و قول بعض حكماء الهند العقل حاكم أمين و العلم له قرين و الحلم له خدين و قول بعض حكماء الفرس العقل ملك الجوارح و العلم له أخ صالح و الحلم له أليف ناصح. و قول بعض حكماء الروم العقل مدبر آمر و العلم له معاضد ناصر و الحلم منجد مؤازر في كتاب كليلة و دمنة من غلب عقله هواه نال مناه و أعطي رضاه و في كتاب بلوهر الهندي من اشتد في الدنيا زهده استراح و طلع سعده. و في كتاب السير و سيف البدى كذا من عرف نفسه لم يحقر جنسه في كتاب الرحمة لهرمس القناعة أمنع عز و الاستعانة بالله أحصن حرز و في كتاب الأساس لبطليموس العقل الأصل و قوام الأشياء بالفضل و العدل. في كتاب الجواهر التواضع شرف و قد استوجب الصفح من تاب و اعترف في كتاب التجنيس لأرسطاطاليس الطبع أغلب و العادة أدرب في كتاب اللطف لأفلاطون نقل الطبع عسير الانتزاع.

35

في كتاب الأقسام لصبرة الفلكي العمر قصير و في الدهر لأهله تبصير كتاب الإختيار لأبقراط التجارب إيضاح و فيها إفادة و صلاح كتاب الإبانة لعمرو بن بحر من خشع ارتفع و عرف بما دنا منا سمع. كتاب المعارف للكندي إدراك السداد بالجد و الاجتهاد و روى الصولي عن بعضهم أنه قال لو لا العقول المضيئة و خلائقها الرضية لما كان التفاضل بين الحيوان و لما فرق بين البهيمة و الإنسان. و قال إقلمون من عدم التدبير يكون التدمير و قال آخر من لم يقدم الامتحان قبل الثقة و الثقة قبل الأنس أثمرت مودته ندما قال بزرجمهر إذا أنجز رجل وعده من معروفه أحرز مع فضيلة الجود شرف الصدق و قال بطليموس من قبل عطيتك فقد أعانك على البر و الكرم. قال أبقراط إذا أمكنك الرجل من أن تضع معروفك عنده فيده عندك مثل يدك عنده و إذا أصابه من هم نزل به أو خوف تدفعه عنه فلم تبذل دمك دونه فقد قصرت بحسبك عنده و لو أن أهل البخل لم يدخل عليهم إلا سوء ظنهم بالله لكان ذلك عظيما. قال كسرى أنوشروان الملك بالدين يبقى و الدين بالملك يقوى شدة الغضب تغير المنطق و تقطع مادة الحجة

36

و قال أرسطاطاليس من اتخذ الصمت جنة وقي من شر ما تأتي به الألسن. و قال الكلام مملوك ما لم ينطق به صاحبه فإذا نطق به صاحبه خرج عن ملكه. و قال أفليمون غنيمة السكوت أكبر من غنيمة الكلام و ندامة الكلام أكبر من ندامة السكوت و قال دوفس الصمت أنفع من الكلام في أكثر المواضع و الكلام أنفع من الصمت في أقل المواضع و قال أفلاطون ضبط اللسان ملك و إطلاقه في غير موضعه هلك و قال من علم أن كلامه يتصفح عليه فليتصفحه على نفسه قبل أن يتصفحه عليه غيره. و قال آخر البطنة تذهب بالفطنة و كثرة الصمت مفسدة المنطق و قال آخر إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال و لكن اذكر من فوقك من العلماء

أبو حنيفة مع الإمام الصادق فصل‏

ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَكَلَ طَعَاماً مَعَ الْإِمَامِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) فَلَمَّا رَفَعَ الصَّادِقُ (ع) يَدَهُ مِنْ أَكْلِهِ قَالَ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَ مِنْ رَسُولِكَ ص فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَ جَعَلْتَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكاً فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ‏

وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ‏

وَ يَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ

37

وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ‏

النساء 59 فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي مَا قَرَأْتُهُمَا قَطُّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا سَمِعْتُهُمَا إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) بَلَى قَدْ قَرَأْتَهُمَا وَ سَمِعْتَهُمَا وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِيكَ وَ فِي أَشْبَاهِكَ‏

أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها

وَ قَالَ‏

كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏

حديث الإمام الصادق‏

أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ‏

بَلِيَّةُ النَّاسِ عَظِيمَةٌ إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يُجِيبُونَا وَ إِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا

فصل من الاستدلال على أن الله تعالى ليس بجسم‏

اعلم أن الخلاف في هذه المسألة بيننا و بين المجسمة على قسمين أحدهما في المعنى و الآخر في اللفظ فأما الكلام في المعنى فهو يختص بالذين يزعمون أنه جسم على صفات الأجسام و يشابهها في بعض الصفات‏

38

و أما الكلام في اللفظ فهو يختص بالذين يقولون إنه جسم لا كالأجسام و لا يشابهها بصفة من الصفات. فأما الذي يدل على بطلان مقال الذين يزعمون أنه جسم لا كالأجسام فهو أن الأجسام قد ثبت حدوثها فلو كان صانعها تعالى جسما أو مثلها لوجب أن يكون محدثا و يبين ذلك أن حقيقة الجسم هي أن يكون طويلا عريضا عميقا فلو كان صانع الأجسام جسما لكانت هذه حقيقته لأن الحقيقة لا تختلف و سوي فيها الشاهد و الغائب و حقيقة الجسم موجبة الأبعاد و معطية فيها المساحة و النهايات و أنه مجتمع من أبعاض مختص ببعض الجهات و ذلك شاهد فيه بحلول الأعراض لأن المجتمع لا غناء به عن الاجتماع و الكائن من جهة دون غيرها لا يعرى من الأكوان فهذه كلها دلائل الحدوث. فلو كان صانع الأجسام على هذه الصفات أو على بعضها لكان محدثا و لو جاز كونه عليها و هو قديم لكانت الأجسام كلها قديمة و في ثبوت الأدلة على حدوث الأجسام و قدم محدثها دلالة واضحة على أنه ليس بجسم سبحانه و تعالى. دليل ثان و شي‏ء آخر و هو أن صانع الأجسام واحد في الحقيقة حسبما شهدت به الأدلة فلو كان جسما لخرج عن كونه واحدا لأن الجسم مجتمع من أبعاض و أجزاء. دليل ثالث و شي‏ء آخر و هو أنه لو كان جسما لوجب كونه قادرا بقدرة لبطلان كون الجسم قادرا لنفسه و لو كان كذلك لاستحال حدوث الأجسام منه إذ لا يصح من القادر بقدرة أن يفعل الجسم في محل قدرته متداولا في غيره مسببا أو متولدا.

39

دليل رابع و هو أنه لو كان جسما في الحقيقة صح منه فعل الأجسام لصح من كل جسم حي قادر أن يفعل الأجسام فلما علمنا يقينا استحالة فعل الأجسام للأجسام علمنا أن فاعل الأجسام ليس بجسم على كل حال فقد بان لك بطلان مقال الذين يزعمون أن الله تعالى جسم على صفة الأجسام و حقيقتها. و كما علمت أنه لا يجوز أن يشبهها في جميع الصفات فكذلك تعلم أنه لا يجوز مشابهته لها في بعضها لأن كل صفة من صفات الأجسام المختصة بها دالة على حدوثها فلو أشبهها في شي‏ء منها دل ذلك الشي‏ء على أنه محدث مثلها. و بمثل هذا يعلم أيضا أنه ليس بجوهر لأن الجوهر متحيز في جهة غير عار من الأعراض الدالة على حدوثه‏ (1) فأما قولهم إنا لم نر فاعلا للأجسام غير جسم فلما كان الله تعالى فاعلا وجب أن يكون جسما فقول فاسد لأن الفاعل لم يكن فاعلا لكونه جسما و لا كل صفة رأينا الفاعل في الشاهد عليها يجب أن يكون الفاعل في الغائب على نظيرها أ لا ترى أنا لم نر في الشاهد فاعلا إلا مؤلفا لحما و دما ناقصا محتاجا و لا يصح أن يكون الفاعل في الغائب هكذا. و الاستدلال بالشاهد على الغائب إنما هو بالحقائق دون ما سواها و ليس حقيقة الفاعل أن يكون جسما و لو كان كذلك لكان كل جسم فاعلا و كل فاعل جسما كما أن الحركة لما كان حقيقتها أن تكون زوالا كان كل زوال حركة و كل حركة زوالا فهذا هو الأصل الثابت الذي يجب أن يتماثل فيه الشاهد و الغائب فيجب أن يتأمله و يعتمد عليه فالفائدة فيه كثيرة.

____________

(1) في النسخة (متحيز به)، و لا يظهر ما يعود الضمير عليه، و في النسخة: أيضا (غير عارض الأعراض) و فيها أيضا: (حدثه).

40

و أما الذي يدل على بطلان مقال الذين يدعون أن الله تعالى جسم لا كالأجسام فهو أن حقيقة الجسم قد ذكرناها فمتى قال القائل إنه جسم أوجب الحقيقة بعينها فإن قال لا كالأجسام نفى ما أوجب فكان ناقض. فإن قالوا هذا لازم لكم في قولكم إنه شي‏ء لا كالأشياء قيل لهم ليس الأمر كما ذكرتم لأن قولنا شي‏ء يستفاد منه الإثبات و المثبتات مختلفات من أجسام و جواهر و أعراض فإذا قلنا شي‏ء لا كالأشياء أثبتنا معلوما مخبرا عنه و نفينا المماثلة بينه و بين سائر المثبتات و لم ننف حقيقة الشي‏ء التي هي الإثبات و قول الله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ يدل على ما ذكرنا. و قولنا جسم لا كالأجسام أثبتنا جسما ثم نفيناه و هذا هو التناقض الذي ذكرناه و اعلم أن التسمية إنما يحسن إجراؤها على المسمى متى ثبت له معناها فإن لم يثبت ذلك لم يصح إجراؤها إلا على جهة التغليب و بطل أن يصح فيه معنى الجسم على التحقيق و فسد قول من زعم أنه جسم و لم يصح أن يسميه بهذا الاسم و ليس لأحد أن يسمي الله عز و جل بما لم يسم به نفسه و لم يثبت ذلك على جواز تسميته به‏ (1). فأما من زعم أنه جسم لأنه قائم بنفسه و أن هذا حد الجسم عنده و حقيقته فغير مصيب في قوله و اللغة تشهد بخطئه و ذلك أنا وجدنا أهل اللسان يقولون هذا أجسم من هذا إذا زاد عليه في طوله و عرضه و عمقه فلو لا أن حقيقة الجسم عندهم هي أن يكون طويلا عريضا عميقا لم يكن الأمر كما ذكرناه. فإن قال القائل أ ليس قد اشتهر عن أحد متكلميكم و هو هشام بن‏

____________

(1) إذ يظهر الاتّفاق على أن أسماء اللّه تعالى توقيفية، فلا يصحّ إطلاق اسم عليه إذا لم يرد فيه نص.

41

الحكم‏ (1) أنه كان يقول إن معبوده جسم على صفة الأجسام فكيف خالفتموه في ذلك بل كيف لم تتبرءوا منه و هو على هذا المقال قلنا أما هشام بن الحكم‏ (2) رحمة الله عليه فقد اشتهر عنه الخبر بأنه كان ينصر التجسيم و يقول إن الله تعالى جسم لا كالأجسام و لم يصح عنه ما قرفوه به من القول بأنه مماثل لها. و يدل على ذلك أنا رأينا خصومه يلزمونه على قوله بأن فاعل الأجسام جسم أن يكون طويلا عريضا عميقا فلو كان يرى أنه مماثل للأجسام لم يكن معنى لهذا الإلزام فأما مخالفتنا لهذا المقام فهو اتباع لما ثبت من الحق بواضح البرهان و انصراف عنه و أما موالاتنا هشاما (رحمه الله) فهي لما شاع عنه و استفاض منه من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره و رجوعه عنه و إقراره بخطئه و توبته منه و

ذَلِكَ حِينَ قَصَدَ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ (ع) إِلَى الْمَدِينَةِ فَحَجَبَهُ وَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ آلَى أَنْ لَا يُوصِلَكَ إِلَيْهِ مَا دُمْتَ قَائِلًا بِالْجِسْمِ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا قُلْتُ بِهِ إِلَّا لِأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهُ وِفَاقٌ لِقَوْلِ إِمَامِي فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ عَلَيَّ فَإِنَّنِي تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ فَأَوْصَلَهُ الْإِمَامُ (ع) إِلَيْهِ وَ دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.

وَ حُفِظَ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

أَنَّهُ قَالَ لِهِشَامٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ كُلَّمَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ‏

(2)

وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ‏

سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

لَا يُحَدُّ وَ لَا يُحَسُّ وَ

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ

وَ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْ‏ءٌ وَ لَا هُوَ جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا بِذِي تَخْطِيطٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ

(3)

____________

(1) وضعنا كتابا خاصا باسم (هشام بن الحكم) أتينا فيه على حياة هشام و آرائه و أفكاره، كما عرضنا له بالدراسة في كتابنا (فلاسفة الشيعة).

(2) رواه المفيد في الإرشاد ص 259.

(3) رواه الصدوق في كتاب التوحيد ص 85 باختلاف يسير.

42

أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ التَّلَّعُكْبَرِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ لَهُ‏

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ (ع) أَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْلِ بِالْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ فَكَتَبَ سُبْحَانَ مَنْ‏

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ

لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ

(1)

. أنشدني عمار بن محمد الطبراني (رحمه الله) لزينبا الرأس عيني‏ (2)

إن كان جسما فما ينفك من عرض‏* * * أو جوهر فبذي الأقطار موجود

أو كان متصلا بالشي‏ء فهو به‏* * * أو كان منفصلا فالكل محدود

لا تطلبن إلى التكييف من سبب‏* * * إن السبيل إلى التكييف مسدود

و استمسك الحبل حبل العقل تحظ به‏* * * فالعقل حبل إلى باريك ممدود

.

نسخة كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع‏

أما بعد فإن الهوى يضل من اتبعه و الحرص يتعب الطالب المحروم و أحمد العاقبتين ما هدى إلى سبيل الرشاد و من العجب العجيب ذام و مادح و زاهد و راغب و متوكل و حريص كلاما ضربته لك مثلا لتدبر حكمته بجميع الفهم و مباينة الهوى و مناصحة النفس فلعمري يا ابن أبي طالب لو لا

____________

(1) المصدر السابق ص 91.

(2) هو زينيبا بن إسحاق الرسعني (الرأس عيني) الموصلي النصراني نقل له في الغدير ج 3 من 8 أربعة أبيات يعبّر فيها عن حبّه لأهل البيت (ع) و نقلها له عن جماعة منهم البيهقيّ في المحاسن ج 11 ص 106 و الزمخشري في ربيع الأبرار. و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 275 و أولها:

عدي و تيم لا أحاول ذكرهم‏* * * بسوء و لكني محبّ لهاشم‏

43

الرحم التي عطفتني عليك و السابقة التي سلفت لك لقد كان اختطفتك بعض عقبان أهل الشام فيصعد بك في الهواء ثم قذفك على دكادك شوامخ الأبصار فألفيت كسحيق الفهر على صن الصلابة لا يجد الذر فيك مرتعا و لقد عزمت عزمة من لا يعطفه رقة الإنذار إن لم تباين ما قربت به أملك و طال له طلبك و لأوردنك موردا تستمر الندامة إن فسخ لك في الحياة بل أظنك قبل ذلك من الهالكين و بئس الرأي رأي يورد أهله إلى المهالك و يمنيهم العطب إلى حين لات مناص و قد قذف بالحق على الباطل‏ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ‏ و لله‏ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و المنة الظاهرة و السلام‏

جواب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و سلامه)

- مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانَا كِتَابُكَ بِتَنْوِيقِ الْمَقَالِ وَ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَ انْتِحَالِ الْأَعْمَالِ تَصِفُ الْحِكْمَةَ وَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا وَ تَذْكُرُ التَّقْوَى وَ أَنْتَ عَلَى ضِدِّهَا قَدِ اتَّبَعْتَ هَوَاكَ فَحَادَ بِكَ عَنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَ ألخج [لَحِجَ‏] بِكَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ فَأَنْتَ تَسْحَبُ أَذْيَالَ لَذَّاتِ الْفِتَنِ وَ تحيط [تَخْبِطُ] فِي زَهْرَةِ الدُّنْيَا كَأَنَّكَ لَسْتَ تُوْقِنُ بِأَوْبَةِ الْبَعْثِ وَ لَا بِرَجْعَةِ الْمُنْقَلَبِ قَدْ عَقَدْتَ التَّاجَ وَ لَبِسْتَ الْخَزَّ وَ افْتَرَشْتَ الدِّيبَاجَ سُنَّةً هِرَقْلِيَّةً وَ مُلْكاً فَارِسِيّاً ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْكَ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَعْقِدُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِكَ لِغَيْرِكَ فَيَهْلِكُ دُونَكَ فَتُحَاسَبُ دُونَهُ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَمَا وَرِثَتِ الضَّلَالَةُ عَنْ كَلَالَةٍ وَ إِنَّكَ لَابْنُ مَنْ كَانَ يَبْغِي عَلَى أَهْلِ الدِّينِ وَ يَحْسُدُ الْمُسْلِمِينَ وَ ذَكَرْتَ رَحِماً عَطَفَتْكَ عَلَيَّ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ أَنْ لَوْ نَازَعَكَ هَذَا الْأَمْرَ فِي حَيَاتِكَ مَنْ أَنْتَ تُمَهِّدُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِكَ لَقَطَعْتَ حَبْلَهُ وَ أَبَنْتَ أَسْبَابَهُ‏

44

وَ أَمَّا تَهْدِيدُكَ لِي بِالْمَشَارِبِ الْعَرَبِيَّةِ وَ الْمَوَارِدِ الْمُهْلِكَةِ فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبْرِزْ إِلَيَّ صَفْحَتَكَ كَلَّا وَ رَبِّ الْبَيْتِ مَا أَنْتَ بِأَبِي عُذْرٍ عِنْدَ الْقِتَالِ وَ لَا عِنْدَ مُنَاطَحَةِ الْأَبْطَالِ وَ كَأَنِّي بِكَ لَوْ شَهِدْتَ الْحَرْبَ وَ قَدْ قَامَتْ عَلَى سَاقٍ وَ كَشَرَتْ عَنْ مَنْظَرٍ كَرِيهٍ وَ الْأَرْوَاحُ تُخْتَطَفُ اخْتِطَافَ الْبَازِيِّ زَغَبَ الْقَطَاةِ لَصِرْتَ كَالْمُولَهَةِ الْحَيْرَانَةِ تَضْرِبُهَا الْعَبْرَةُ بِالصَّدَمَةِ لَا تَعْرِفُ أَعْلَى الْوَادِي مِنْ أَسْفَلِهِ فَدَعْ عَنْكَ مَا لَسْتَ أَهْلَهُ فَإِنَّ وَقْعَ الْحُسَامِ غَيْرُ تَشْقِيقِ الْكَلَامِ فَكَمْ عَسْكَرٍ قَدْ شَهِدْتُهُ وَ قَرْنٍ نَازَلْتُهُ .. اصْطِكَاكَ قُرَيْشٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ص إِذْ أَنْتَ وَ أَبُوكَ وَ هُوَ (1) .. تَبَعٌ وَ أَنْتَ الْيَوْمَ تُهَدِّدُنِي فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنْ لَوْ تُبْدِي الْأَيَّامُ عَنْ صَفْحَتِكَ لَنَشَبَ فِيكَ مِخْلَبُ لَيْثٍ هَصُورٍ لَا يَفُوتُهُ فَرِيسَةٌ بِالْمُرَاوَغَةِ كَيْفَ وَ أَنَّى لَكَ بِذَلِكَ وَ أَنْتَ قَعِيدَةُ بِنْتِ الْبِكْرِ الْمُخَدَّرَةِ يَفْزَعُهَا صَوْتُ الرَّعْدِ وَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي لَا أُهَدَّدُ بِالْقِتَالِ وَ لَا أُخَوَّفُ بِالنَّزَالِ فَإِنْ شِئْتَ يَا مُعَاوِيَةُ فَابْرُزْ وَ السَّلَامُ‏

. فلما وصل هذا الجواب إلى معاوية بن أبي سفيان جمع جماعة من أصحابه و منهم عمرو بن العاص فقرأه عليهم فقال له عمرو قد أنصفك الرجل كم رجل أحسن في الله قد قتل بينكما أبرز إليه فقال له أبا عبد الله أخطأت استك الحفرة أنا أبرز إليه مع علمي أنه ما برز إليه أحد قط إلا و قتله لا و الله و لكني سأبرزك إليه.

نسخة كتاب آخر

من معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين (ع) أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نرم به ما مضى و نصلح ما بقي‏

____________

(1) هنا كلمتان غير واضحتين.

45

و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف و قد و الله رقت الأجناد و ذهبت الرجال و نحن جميعا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عز و لا يسترق به حر و السلام‏ (1)

جواب أمير المؤمنين ع‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ أَنَّكَ لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ تَبْلُغُ بِنَا وَ بِكَ مَا بَلَغَتْ لَمْ يَجْنِهَا بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَ أَنَا وَ إِيَّاكَ نَلْتَمِسُ غَايَةً لَمْ نَبْلُغْهَا بَعْدُ وَ أَمَّا طَلَبُكَ إِلَى الشَّامِ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ وَ أَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ وَ لَا أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الدُّنْيَا بِأَحْرَصَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَكَذَلِكَ نَحْنُ لَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ وَ لَا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ لَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ وَ لَا الطَّلِيقُ كَالْمُهَاجِرِ وَ لَا الْمُبْطِلُ كَالْمُحِقِّ وَ فِي أَيْدِينَا فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي قَتَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ وَ بِعْنَا بِهَا الْحُرَّ وَ السَّلَامُ.

(2)

مسألة فقهية

و قائلة أوص الغداة فإنني‏* * * أرى الموت قد حطت لديك ركائبه‏

____________

(1) تجد هذا الكتاب في المحاسن و المساوئ ج (1) ص 81- 82. و وقعة صفّين ص 470- 471.

(2) تجد هذا الكتاب مرويا في الاخبار الطوال للدينوري، و المحاسن و المساوئ للبيهقيّ، و المروج الذهب للمسعودي. و الإمامة و السيامة لابن قتيبة، و كتاب صفّين لابن مزاحم و غيرها انظر:

كتابنا: (مصادر نهج البلاغة ص 233).

46

فقلت و قد راع الفؤاد مقالها* * * و ضاقت به خوف الحمام مذاهبه‏

لك الثمن إن حلت وفاتي فريضة* * * و سائر ما يبقى فصنوك صاحبه‏

جوابها

تفهم فإن الفهم أكرم ملبس‏* * * لمن شرفت أخلاقه و مذاهبه‏

حليلة هذا أمها زوجة ابنه‏* * * كذا لكم الألغاز جم عجائبه‏

فابن ابنه صنو لزوجته و من‏* * * عزي بغريب العلم تعلو مراتبه‏

فميراثها ثمن و للصنو ما بقي‏* * * كذلك يقضي من توالت مناقبه‏

تفسير هذا رجل تزوج و زوج ابنه من أمها فولدت أم امرأته من ابنه ابنا ثم مات ابن الرجل و ليس له ممن يرثه إذا مات غير زوجته و أخيها من أمها الذي هو ابن أبيه الميت و قد تقدم ذكر هذه المسألة على غير هذا الباب في الجزء الأول.

مسألة أخرى منظومة

قد تقدم ذكرها نثرا

بابن دعيت صنو أخي فعمي‏* * * يقول إذا رآني جاء عمي‏

و لا فينا بحمد الله أنثى‏* * * و لا ذكر تدرع ثوب إثم‏

و لا فينا مجوسي جهول‏* * * يحلل لابن أم وطء أم‏

فبين عن مسائلنا امتنانا* * * فأنت إمامنا في كل علم‏

الجواب‏

ألا يا سائلا أضحى يعمي‏* * * على المفراض خذ عني بفهم‏

47

أخوك لأمك الصنو المداني‏* * * لأم أبيك زوج غير وهم‏

فابن أخيك منها غير شك‏* * * أخ لأبيك تدعوه لأم‏

فذاك إذا رآك يقول عمي‏* * * و أنت إذا أتاك تقول عمي‏

تفسير هذان رجلان قال أحدهما للآخر يا عمي أنا عمك و السبب في ذلك هو الوجه الذي عملت عليه هذه الأبيات إن أخاه لأمه تزوج جدته أم أبيه فجاءت بابن فهو عم الابن لأمه و الابن عمه لأمه و جواب ثان فيها و هو أن رجلين تزوج كل واحد منهما أم الآخر فجاءت كل واحدة منهما بابن فكل واحد من الابنين عم الآخر

حديث‏

حَدَّثَنِي الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ قَالَ حَدَّثَنِي الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

خَمْسَةٌ لَا تُطْفَى نِيرَانُهُمْ وَ لَا تَمُوتُ أَبْدَانُهُمْ رَجُلٌ أَشْرَكَ وَ رَجُلٌ عَقَّ وَالِدَيْهِ وَ رَجُلٌ سَعَى بِأَخِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُ وَ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ وَ رَجُلٌ أَذْنَبَ وَ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

(1)

____________

(1) هذا الحديث صحيح و رجال سنده كلهم موثوقون.

48

منام‏ (1)

ذكر أن شيخنا المفيد (رحمه الله) أبا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه رآه و أملاه على أصحابه بلغنا أن شيخنا المفيد (رحمه الله) قال رأيت في النوم كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير فقلت ما هذا قيل لي هذه حلقة فيها رجل يقص فقلت من هو فقالوا عمر بن الخطاب فتقدمت ففرقت الناس و دخلت الحلقة فإذا برجل يتكلم على الناس بشي‏ء لم أحصله فقطعت عليه فقلت أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على ما يدعى من فضل صاحبك عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى‏ ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ. فقال وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع أولها أن الله تعالى ذكر نبيه ص و ذكر أبا بكر معه فجعله ثانيه فقال‏ ثانِيَ اثْنَيْنِ‏ الثاني أنه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد تأليفا بينهما فقال‏ إِذْ هُما فِي الْغارِ الثالث أنه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما يقتضي الرتبة فقال‏ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ‏ الرابع أنه أخبر عن شفقة النبي عليه و رفقه به لموضعه عنده فقال‏ لا تَحْزَنْ‏ الخامس إعلامه أنه أخبره أن الله تعالى معهما على حد سواء ناصرا لهما و دافعا عنهما فقال‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا السادس أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن الرسول ص لم تفارقه السكينة قط فقال‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏.

____________

(1) عرض المفيد لشطر منه في كتاب الإفصاح ص 114- 118 و هذا الحجاج مأخوذ من هشام بن الحكم، و أيضا في الفصول المختارة ج 1 ص 19- 24

49

فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار لا يمكنك و لا غيرك الظفر فيها قال المفيد (رحمه الله) فقلت له قد حررت كلامك و استقصيت البيان فيه و أتيت بما لا يقدر أحد من الخلق أن يزيد في الاحتجاج لصاحبك عليه غير أني بعون الله و توفيقه سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. أما قولك إن الله تعالى ذكر النبي ص و جعل أبا بكر ثانية فليس في ذلك فضيلة لأنه إخبار عن عدد و لعمري إنهما كانا اثنين و نحن نعلم ضرورة أن مؤمنا و كافرا اثنان كما نعلم أن مؤمنا و مؤمنا اثنان فليس لك في ذكر العدد طائل تعتمده. و أما قولك إنه وصفهما بالاجتماع في المكان فإنه كالأول لأن المكان يجتمع فيه المؤمنون و الكفار كما يجتمع العدد للمؤمنين و الكفار و أيضا فإن مسجد النبي ص أشرف من الغار و قد جمع المؤمنين و المنافقين و الكفار و في ذلك قوله تعالى‏ فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ‏. و أيضا فإن سفينة نوح (ع) قد جمعت النبي و الشيطان و البهيمة فبان لك أن الاجتماع في المكان لا يدل على ما ادعيت من الفضل فبطل فضلان. و أما قولك إنه أضافه إليه بذكر الصحبة فإنه أضعف من الفضلين الأولين لأن الصحبة أيضا تجمع المؤمن و الكافر و الدليل على ذلك قول الله عز و جل‏ قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا و أيضا فإن اسم الصحبة تكون من العاقل و البهيمة و الدليل على ذلك من كلام العرب أنهم جعلوا الحمار صاحبا فقالوا

50

إن الحمار مع الحمار مطية* * * فإذا خلوت به فبئس الصاحب‏

(1) و قد سموا الجماد مع الحي أيضا صاحبا قال الشاعر

زرت هندا و ذاك بعد اجتناب‏* * * و معي صاحب كتوم اللسان‏

يعني السيف فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن و الكافر و بين العاقل و البهيمة و بين الحيوان و الجماد فلا حجة لصاحبك فيها. و أما قولك إنه قال له‏ لا تَحْزَنْ‏ فإن ذلك وبال عليه و منقصة له و دليل على خطئه لأن قوله‏ لا تَحْزَنْ‏ نهي و صورة النهي قول القائل لا تفعل فلا يخلو الحزن الواقع من أبي بكر من أن يكون طاعة أو معصية فإن كان طاعة فالنبي لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها و يدعو إليها و إن كان معصية فقد صح وقوعها فيه و توجه النهي إليه عنها و شهدت الآيات به و لم يرد دليل على امتثاله للنهي و انزجاره‏ (2). و أما قولك إنه قال‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فإن النبي ص أعلمه أن الله معه خاصة و عبر عن نفسه بلفظ الجمع فقال‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ و قد قيل إن أبا بكر قال يا رسول الله إن حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه فقال له النبي ص‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي معي و مع أخي علي بن أبي طالب. و أما قولك إن السكينة نزلت على أبي بكر فإنه كفر لأن الذي نزلت‏

____________

(1) قائل هذا البيت هو أميّة بن أبي الصلت.

(2) أقول: ليس بالضرورة أن يكون حزنه طاعة أو معصية، بل يجوز أن يكون مباحا ككثير من الانفعالات الشخصية، كما أنّه لا ينحصر أن يكون في قوله لا تحزن للتحريم، إذ يجوز هنا أن يكون للإرشاد أو للاشفاق الذي لا يستتبع معصية كما هو واضح.

51

السكينة عليه هو الذي أيده الله تعالى بجنوده كذا يشهد ظاهر القرآن في قوله‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها فلو كان أبو بكر هو صاحب السكينة لكان هو صاحب الجنود و في هذا إخراج النبي ص من النبوة. على أن هذا الموضع لو كتمته على صاحبك لكان خيرا له لأن الله تعالى أنزل السكينة على النبي في موضعين و كان معه قوم مؤمنون فشركوه فيها فقال في أحدهما أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها و قال في الموضع الآخر فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى‏ و لما كان في الغار خصه وحده بالسكينة و قال‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ قال الشيخ المفيد (رحمه الله) فلم يحر عمر بن الخطاب جوابا و تفرق الناس و استيقظت.

فصل من السؤال يتعلق بهذا المقام‏

فإن قيل إذا كان ما تضمنه هذا المقام صحيحا عندكم في الاحتجاج و حزن أبي بكر معصية بدليل توجه النهي له عنه حسبما شهد به القرآن فقد نهى الله تعالى نبيه عليه و آله السلام عن مثل ذلك فقال‏ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ‏ و نهى أم موسى (ع) عن الحزن أيضا فقال‏ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي‏ فهل كان ذلك لأن نبيه ص عصى في حزنه فنهاه و كذلك أم موسى (ع) أم تقولون إن بين ما ذكرناه و بين حزن أبي بكر في الغار فرقا فاذكروه ليحصل به البيان. الجواب قيل له قد أجاب شيخنا المفيد رضي الله عنه عن هذه المسألة بما أوضح به‏

52

الفرق و أزاح العلة و نحن نورد مختصرا من القول فيها يكون فيه بيان و كفاية فنقول إن المعارضة بحزن النبي ص ساقطة لأنه عندنا معصوم من الزلات مأمون من جميع المعاصي و الخطيئات فوجب أن يحمل قول الله تعالى‏ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏ على أجمل الوجوه و الأقسام و أحسن المعاني في الكلام من تخفيف الهم عنه و تسهيل صعوبة الأمر عليه رفقا به و إكراما و إجلالا و إعظاما له. و لم يكن أبو بكر عندنا و عند خصومنا معصوما فيؤمن منه وقوع الخطأ و ذلك أنه مع رسول الله ص و في حوزته بحيث اختار الله تعالى ستر نبيه و حفظ مهجته. هذا و قد كان (ع) يخبر من أسلم على يده بأن الله سينصره على عدوه و معانده و أنه وعده إعلاء كلمته و إظهار شريعته و هذا يوجب الثقة بالسلامة و عدم الحزن و المخافة. ثم ما ظهر له من الآيات الموجبة لسكون النفس و إزالة المخافة من نسج العنكبوت على باب الغار و تبيض الطائر هناك في الحال و قول النبي ص لما رأى حزنه و كثرة هلعه و جزعه إن دخلوا من هاهنا و أشار إلى جانب الغار فانخرق و ظهر له البحر و ببعض هذا يأنس المستوحش و بنظره يطمئن الخائف فلم يسكن أبو بكر إلى شي‏ء من ذلك و ظهر منه الحزن و القلق و لا شبهة بعد هذا البيان تعترض في قبح حزنه. و أما حزن أم موسى (ع) فمفارق أيضا لحزنه لأن أحدا لا يشك في أن خوفها و حزنها إنما كان شفقة منها على ولدها لما أمرت بإلقائه في اليم و يجوز أن يكون لم تعلم في الحال بأنه سيسلم و يعود إليها على أفضل ما تؤمل فلحقها ما يلحق الوالدة على ولدها من الخوف و الحزن لمفارقته فلما قال لها لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ اطمأنت عند ذلك و سكنت تصديقا للقول و ثقة بالوعد.

53

و أبو بكر قد سمع مثل ما سمعت و رأى أكثر مما رأت و لم يثق قلبه و لا سكنت نفسه فوضح الفرق بين حزنها و حزنه. على أن ظاهر الآية تشهد بأن الله تعالى أمر أم موسى (ع) أن تلقي ولدها في اليم و سكن قلبها عقيب الأمر في قوله سبحانه‏ وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ فالخوف و الحزن اللذان ورد ظاهر النهي عنهما يصح أن لا يكون وقعا منها لأن تسكين النفس بالسلامة إشارة بحسن العاقبة عقيب الأمر بالإلقاء يؤمن من وقوع الهم و الحزن جميعا. و أما حزن أبي بكر فقد وقع و أجمعت الأمة على أنه حزن و ليس من فعل كمن لم يفعل فلا نقض بهما من كل وجه‏

مبيت علي (ع) في فراش رسول الله ص ليلة الهجرة

اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي فَدَى رَسُولَ اللَّهِ ص بِنَفْسِهِ وَ جَادَ دُونَهُ بِمُهْجَتِهِ وَ فَعَلَ مَا لَا يَسْمَحُ أَحَدٌ بِفِعْلِهِ مِمَّا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ فِي سَمَائِهِ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا تَعَاقَدَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مُبَايَتَتِهِ وَ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ لَيْلَتِهِ لَمْ يَرَ أَحَداً أَسْرَعَ إِلَى طَاعَتِهِ وَ أَصْبَرَ عَلَى الشَّدَائِدِ فِي مَرْضَاتِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَدَعَاهُ إِلَيْهِ وَ أَعْلَمَهُ الْخَبَرَ الَّذِي وَقَفَ بِالْوَحْيِ عَلَيْهِ وَ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَهْجِمُوا عَلَيْهِ فِي حُجْرَتِهِ وَ يَقْتُلُوهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى يَثْرِبَ وَ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِذَا صَلَّيْتَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَاضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِي وَ تَلَفَّ بِبُرْدَتَيَّ لِيَظُنَّ الْمُشْرِكُونَ إِذَا رَأَوْكَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ فَلَا يَجِدُّونَ فِي طَلَبِي فَأَقَامَهُ مَقَاماً مَهُولًا وَ كَلَّفَهُ تَكْلِيفاً عَظِيماً لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مِثْلِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ (ع) لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ الْخَلِيلُ ص‏

54

يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏

وَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ لَهُ‏

يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ‏

بَلْ حَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَعْظَمُ وَ تَكْلِيفُهُ أَشَقُّ وَ أَصْعَبُ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَسْلَمَ لِهَلَاكٍ يَنَالُهُ بِيَدِ أَبِيهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَسْلَمَ لِهَلَاكٍ يَنَالُهُ بِيَدِ أَعْدَائِهِ فَأَجَابَهُ (صلّى اللّه عليهما) إِلَى مُرَادِهِ وَ سَارَعَ إِلَى إِيثَارِهِ بِنَفْسٍ طَيِّبَةٍ وَ نِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَ اضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهِ وَ لَا يَشُكُّ إِلَّا أَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي لَيْلَتِهِ قَدْ فَدَاهُ بِنَفْسِهِ وَ جَادَ دُونَهُ بِمُهْجَتِهِ وَ فِي مَبِيتِهِ عَلَى الْفِرَاشِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ‏

(1) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ

. فأين هذا من حزن أبي بكر و فرقه و خوفه و قلقه و توجه النهي إليه و تعريه من السكينة التي خص الله سبحانه بها رسول الله ص أ ترى لو قيل له و هو على ما يدعي له من صحة العقيدة في الإسلام أ تحب لو كنت البائت على فراش رسول الله ص و الواقي له بنفسه و الذي أنزل فيه‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ و لم تكن حزنت في الغار و توجه إليك النهي من النبي ص حتى نزلت السكينة عليه دونك لم يشرك فيها بينك و بينه أ كان يقول لا حاجة بي إلى فضيلة الفراش أم يقول بودي ذلك. و لسنا نشك أنه لو قيل لأمير المؤمنين (ع) أ تحب لو كنت بدلا من نومك على فراش رسول الله ص و حصول فضيلته لك و نزول القرآن بمدحك بمكان‏

____________

(1) و هو المروي عن السدي عن ابن عبّاس انظر: مجمع البيان م 1 ص 301.

و في الجزء الثاني من دلائل الصدق للشيخ المظفر: إن الذين نقلوا نزول هذه الآية بعلي، هم الرازيّ و الثعلبي و صاحب ينابيع المودة و أبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة، و الغزالي في الإحياء، و الحاكم في المستدرك، و أحمد بن حنبل في المسند انظر: التفسير الكاشف م 1 ص 311.