الفصول المختارة

- الشيخ المفيد المزيد...
348 /
3

[مقدمة الناشر] حول هذه الطبعة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

بعد أن عزمنا على إعداد كتاب «الفصول المختارة»- و هو مختار احدى مصنّفات الشيخ المفيد (رضوان اللّه تعالى عليه)- للطبع و النشر علمنا بأنّ حجّة الإسلام و المسلمين السيّد نور الدين جعفريان الأصبهانيّ و بعض أعوانه قد سبقوا في ذلك حيث قابلوا الطبعة النجفيّة من الكتاب مع نسختين مخطوطتين، فوضعوا جهودهم مشكورين- بناء على طلب المؤتمر- في متناول أيدينا بكلّ رحابة صدر.

ثمّ بعد ذلك قام حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ يعقوب الجعفري بمقابلة الكتاب مع نسخة مخطوطة ثالثة و بذل جهدا حثيثا في تقويم نصّ الكتاب.

4

و أخيرا قام حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محسن الأحمدي قبل مراجعته النهائية للكتاب، بمقابلة أخيرة مع نسخ مخطوطة أخرى.

و هكذا و بعد هذه الجهود المضنية نضع الكتاب بين يدي القارئ الكريم مع اعترافنا بأنّ هناك مجالا واسعا للعمل في هذا الكتاب، حيث إنّ ضيق الوقت قد أجبرنا على الإسراع في إخراج الكتاب، برغم احساسنا بوجود الخلل في بعض النواحي كضبط الأعلام و تقويم بعض النصوص الغامضة، و الأبيات الشعرية فيه ...

و نأمل أن يوفّق اللّه تعالى العاملين في مجال إحياء التراث للمزيد من التحقيق حول هذا الأثر الخالد (1).

مؤتمر ألفية الشيخ المفيد

____________

(1)- نعم يتمكّن القارئ الكريم الاستعانة في ضبط أشعار الكتاب و حلّ مشكلاتها بما ورد في كتاب «الشعر العربي في تراث الشيخ المفيد» من إصدارات مؤتمر ألفية الشيخ المفيد. و هو كتاب مفيد ألّفه الأستاذ علي الكعبي و أهداه إلى المؤتمر.

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله المتوحد بالقدم العام لجميع خلقه بالنعم و صلى الله على سيدنا محمد و آله معادن الدين و الكرم و سلم كثيرا.

سألت أيدك الله أن أجمع لك فصولا من كلام شيخنا و مولانا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في المجالس و نكتا من كتابه المعروف بالعيون و المحاسن لتستريح إلى قراءته في سفرك و تنشر ذكره في مستقرك و بلدك و قد أجبتك أيدك الله إلى ذلك إيثارا لوفاق مسرتك و رغبة فيما عند الله سبحانه بإجابتك و الله الكريم يوفقك برحمته لذلك و يتفضل بحراستك إنه قريب مجيب‏

18

[فصل مناظرة مع القاضي ابن سيار في معنى النص‏]

(فصل) اتفق للشيخ المفيد أبي عبد الله أيده الله اجتماع مع القاضي أبي بكر أحمد بن سيار في دار السلام بدار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي (رحمه الله) و كان بالحضرة جمع كثير يزيد عددهم على مائة إنسان و فيهم أشراف من بني علي (ع) و بني العباس (رحمة الله عليه) و من وجوه الناس و التجار حضروا في قضاء حق للشريف (رحمه الله) فجرى من جماعة من القوم خوض في ذكر النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) و تكلم الشيخ أبو عبد الله أيده الله في ذلك بكلام يسير على ما اقتضاه الحال فقال له القاضي أبو بكر أحمد بن سيار أخبرني ما النص في الحقيقة و ما معنى هذه اللفظة.

فقال له الشيخ أيده الله النص هو الإظهار و الإبانة من ذلك قولهم فلان قد نص قلوصه إذا أبانها بالسير و أبرزها من جمله الإبل و لذلك سمي المفرش العالي منصه لأن الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة فلما أظهره المفرش سمي منصه على ما ذكرناه و من ذلك أيضا قولهم قد نص فلان مذهبه إذا أظهره و أبانه و منه قول إمرئ القيس‏

و جيد كجيد الريم ليس بفاحش‏* * * إذا هي نصته و لا بمعطل‏

.

يريد به إذا هي أظهرته و قد قيل إذا هي نضته و المعنى في هذا يرجع إلى‏

19

الإظهار فأما هذه اللفظة فإنها قد جعلت مستعملة في الشريعة على المعنى الذي قدمت و متى أردت حد المعنى منها قلت حقيقة النص هو القول المنبئ عن المقول فيه على سبيل الإظهار.

فقال القاضي ما أحسن ما قلت و لقد أصبت فيما أوضحت و كشفت فخبرني ألان إذا كان النبي (ص) قد نص على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فقد أظهر فرض طاعته و إذا أظهره استحال أن يكون مخفيا فما بالنا لا نعلمه إن كان الأمر على ما ذكرت في حد النص و حقيقته.

فقال الشيخ أيده الله أما الإظهار من النبي (ص) فقد وقع و لم يك خافيا في حال ظهوره و كل من حضره فقد علمه و لم يرتب فيه و لا اشتبه عليه فأما سؤالك عن علة فقدك العلم به الآن و في هذا الزمان فإن كنت لا تعلمه على ما أخبرت به عن نفسك فذلك لدخول الشبهة عليك في طريقه لعدولك عن وجه النظر في الدليل المفضي بك إلى حقيقته و لو تأملت الحجة فيه بعين الإنصاف لعلمته و لو كنت حاضرا في وقت إظهار النبي (ص) له لما أخللت بعلمه و لكن العلة في ذهابك عن اليقين فيه ما وصفناه.

فقال و هل يجوز أن يظهر النبي (ص) شيئا في زمانه فيخفى على من ينشأ بعد وفاته حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب و استدلال عليه.

قال له الشيخ أيده الله تعالى نعم يجوز ذلك بل لا بد لمن غاب عن المقام في علم ما كان فيه من النظر و الاستدلال و ليس يجوز أن يقع له به علم الاضطرار لأنه من جملة الغائبات غير أن الاستدلال في هذا الباب يختلف في الغموض و الظهور و الصعوبة و السهولة على حسب الأسباب المعترضات في طرقه و ربما عرا طريق ذلك من سبب فيعلم بيسير من الاستدلال على وجه يشبه الاضطرار إلا أن‏

20

طريق النص حصل فيه من الشبهات للأسباب التي اعترضته ما تعذر معها العلم به إلا بعد نظر ثاقب و طول زمان في الاستدلال.

فقال فإذا كان الأمر على ما وصفت فما أنكرت أن يكون النبي (ص) قد نص على نبي آخر معه في زمانه أو نبي يقوم من بعده مقامه و أظهر ذلك و شهره على حد ما أظهر به إمامه أمير المؤمنين (ع) فذهب عنا علم ذلك كما ذهب عنا علم النص بأسبابه.

فقال الشيخ أيده الله أنكرت ذلك من قبل أن العلم حاصل لي و لك و لكل مقر بالشرع و منكر له بكذب من ادعى ذلك على رسول الله (ص) و لو كان ذلك حقا لما عم الجميع علم بطلانه و كذب مدعيه و مضيفه إلى النبي (ص) و لو تعرى بعض العقلاء من سامعي الأخبار عن علم ذلك لاحتجت في إفساده إلى تكلف دليل غير ما وصفت لكن الدليل الذي ذكرت يغنيني عن اعتماد غيره فإن كان النص على الإمامة نظيره فيجب أن يعم العلم ببطلانه جميع سامعي الأخبار حتى لا يختلف في اعتقاد ذلك اثنان و في تنازع الأمة فيه و اعتقاد جماعة صحته و العلم به و اعتقاد جماعة بطلانه دليل على فرق ما بينه و بين ما عارضت به. ثم قال الشيخ أيده الله هلا أنصف القاضي من نفسه و التزم ما ألزمه خصومه فيما شاركهم فيه من نفي ما تفردوا به ففصل بينه و بين خصومه في قوله أن النبي (ص) قد نص على رجم الزاني و فعله و موضع قطع السارق و فعله و على صفة الطهارة و الصلاة و حدود الصوم و الحج و الزكاة و فعل ذلك و بينه و كرره و شهره ثم التنازع موجود في ذلك و إنما يعلم الحق فيه و ما عليه العمل من غيره بضرب من الاستدلال بل في قوله إن انشقاق القمر لرسول الله (ص) كان ظاهرا في حياته و مشهورا في عصره و زمانه و قد أنكر ذلك جماعة من المعتزلة و غيرهم من‏

21

أهل الملل و الملحدة و زعموا أن ذلك من توليد أصحاب السير و مؤلفي المغازي و ناقلي الآثار و ليس يمكنه أن يدعي على من خالف فيما ذكرناه علم الاضطرار و إنما يعتمد على غلطهم في الاستدلال فما يؤمنه أن يكون النبي (ص) قد نص على نبي من بعده و إن عرا من العلم بذلك على سبيل الاضطرار و بم يدفع أن يكون قد حصلت له شبهات حالت بينه و بين العلم بذلك كما حصل لخصومه فيما عددناه و وصفناه و هذا ما لا فصل فيه.

فقال له ليس يشبه أمر النص على أمير المؤمنين (ع) جميع ما ذكرت لأن فرض النص عندك فرض عام و ما وقع فيه الاختلاف فيما قدمت فإنها فروض خاصة و لو كانت في العموم كهو لما وقع فيها الاختلاف.

فقال له الشيخ أدام الله عزه فقد انتقض الآن جميع ما اعتمدته و بان فساده و احتجت في الاعتماد إلى غيره و ذلك أنك جعلت موجب العلم و سبب ارتفاع الخلاف ظهور الشي‏ء في زمان ما و اشتهاره بين الملأ و لم تضم إلى ذلك غيره و لا شرطت فيه موصوفا سواه فلما نقضناه عليك و وضح لك دماره عدلت إلى التعلق بعموم الفرض و خصوصه و لم يك هذا جاريا فيما سلف و الزيادة في الاعتلال انقطاع و الانتقال من اعتماد إلى اعتماد أيضا انقطاع على أنه ما الذي يؤمنك أن ينص على نبي يحفظ شرعه و يكون فرض العمل به خاصا في العبادة كما كان الفرض فيما عددناه خاصا فهل فيها من فصل يعقل فلم يأت بشي‏ء تجب حكايته‏

22

[فصل مناظرة بمعنى المولى و بيان النص الجلي على إمامة أمير المؤمنين ع‏]

(فصل) و ذكرت بحضرة الشيخ أبي عبد الله أدام الله عزه ما ذكره أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قِبَةَ الرازي (رحمه الله) في كتاب الإنصاف حيث ذكر أن شيخا من المعتزلة أنكر أن تكون العرب تَعْرِفُ المولَى سيداً و إماماً قال فأنشدته قول الأخطل‏

فما وجدت فيها قريش لأمرها* * * أعف و أولى من أبيك و أمجدا

و أورى بزنديه و لو كان غيره‏* * * غداة اختلاف الناس أكدى و أصلدا

فأصبحت مولاها من الناس كلهم‏* * * و أحرى قريش أن تهاب و تحمدا

.

قال أبو جعفر فأسكت الشيخ كأنما أُلْقِمَ حجرا و جعلت أستحسن ذلك.

فقال لي الشيخ أبو عبد الله أدام الله عزه قد قال لي أيضا شيخ من المعتزلة إن الذي تدعونه من النص الجلي على أمير المؤمنين (ع) شي‏ء حادث و لم يك معروفا عند متقدمي الشيعة و لا اعتمده أحد منهم في حجته و إنما بدا به و ادعاه ابن الراوندي في كتابه في الإمامة و ناضل عليه و لم يسبقه إليه أحد و لو كان معروفا فيما سلف لما أخل السيد إسماعيل بن محمد (رحمه الله) به في شعره و لا ترك ذكره في نظمه مع إغراقه في ذكر فضائل أمير المؤمنين (ع) و مناقبه حتى تعلق بشاذ الحديث و أورد من الفضائل ما لم نسمع به إلا منه فما باله إن كنتم صادقين لم يذكر النص الجلي و لا اعتمده في شي‏ء من مقاله و هو الأصل المعول عليه لو ثبت.

23

فقلت له قد ذهب عنك أيها الشيخ مواضع مقاله في ذلك لعدولك عن العناية برواية شعر هذا الرجل و لو كنت ممن صرف همته إلى تصفح قصائده لعرفت ما ذهب عليك من ذلك و أسكنتك المعرفة به عن الاعتماد على ما اعتمدته من خلو شعره على ما وصفت في استدلالك بذلك و قد قال السيد إسماعيل بن محمد (رحمه الله) في قصيدته الرائية التي يقول في أولها

الحمد لله حمدا كثيرا* * * ولي المحامد ربا غفورا

.

حتى انتهى إلى قوله‏

و فيهم علي وصي النبي‏* * * بمحضرهم قد دعاه أميرا

و كان الخصيص به في الحياة* * * و صاهره و اجتباه عشيرا

.

أ فلا ترى أنه قد أخبر في نظمه أن رسول الله (ص) دعا عليا (ع) في حياته بإمرة المؤمنين و احتج بذلك فيما ذكره من مناقبه (ع) فسكت الشيخ و كان منصفا

[فصل مناظرة ابن ميثم مع العَلَّافِ في العقائد]

(فصل) و حدثني الشيخ أبو عبد الله أيده الله قال سأل أبو الحسن علي بن ميثم أبا الهُذَيْلِ العَلَّافَ فقال له أ ليس تعلم أن إبليس ينهى عن الخير كله و يأمر بالشر كله فقال نعم قال أ فيجوز أن يأمر بالشر كله و هو لا يعرفه و ينهى عن الخير كله و هو لا يعرفه قال لا فقال له أبو الحسن (رحمه الله) قد ثبت أن إبليس يعلم الشر كله و الخير كله قال أبو الهذيل أجل قال فأخبرني عن إمامك الذي تأتمُّ به بعد الرسول (ص) هل يعلم الخير كله و الشر كله قال لا قال له فإبليس أعلم من إمامك إذن فانقطع أبو الهذيل.

24

و قال أبو الحسن علي بن مِيثَمٍ يوما آخر لأبي الهذيل أخبرني عمن أقر على نفسه بالكذب و شهادة الزور هل تجوز شهادته في ذلك المقام على آخرين قال أبو الهذيل لا يجوز ذلك قال له أبو الحسن أ فلست تعلم أن الأنصار ادعت الإمرة لنفسها ثم أكذبت أنفسها في ذلك المقام و شهدت عليها بالزور ثم أقرت بها لأبي بكر و شهدت بها له فكيف تجوز شهادة قوم قد أكذبوا أنفسهم و شهدوا عليها بالزور مع ما أخذنا رهنك به من القول في ذلك.

فقال لي الشيخ أيده الله هذا كلام موجز في البيان و المعنى فيه على الإيضاح أنه إذا كان الدليل عند من خالفنا على إمامة أبي بكر إجماع المهاجرين عليه فيما زعمه و الأنصار و كان معترفا ببطلان شهادة الأنصار له من حيث أقرت على أنفسها بباطل ما ادعته من استحقاق الإمامة فقد صار وجود شهادتهم كعدمها و حصل الشاهد بإمامة أبي بكر من بعض الأمة لا كلها و بطل ما ادعوه من الإجماع عليها و لا خلاف بيننا و بين خصومنا أن إجماع بعض الأمة ليس بحجة فيما ادعاه و إن الغلط جائز عليهم و في ذلك فساد الاستدلال على إمامة أبي بكر بما ادعاه القوم و عدم البرهان عليها من جميع الوجوه‏

[فصل كلام في الخلافة]

(فصل)

وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ قَالَ وَ حَدَّثَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ (1) قَالَ حَدَّثَنِي مَوْلَايَ قَالَ‏

كُنْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) بِوَاسِطَ فَذَكَرَ قَوْمٌ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عَلِيّاً (ع) فَقَدَّمُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامُوا قَالَ لِي زَيْدٌ (رحمه الله) قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ وَ قَدْ قُلْتُ أَبْيَاتاً فَادْفَعْهَا إِلَيْهِمْ وَ هِيَ‏

____________

(1)- في نسخة من نسخ الرضوية: يزيد.

25

وَ مَنْ شَرَّفَ الْأَقْوَامَ يَوْماً بِرَأْيِهِ‏* * * فَإِنَّ عَلِيّاً شَرَّفَتْهُ الْمَنَاقِبُ‏

وَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ وَ الْحَقُّ قَوْلُهُ‏* * * وَ إِنْ رُغِمَتْ مِنْهُمْ أُنُوفٌ كَوَاذِبُ‏

بِأَنَّكَ مِنِّي يَا عَلِيُّ مَعَالُنَا* * * كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى أَخٌ لِي وَ صَاحِبُ‏

دَعَاهُ بِبَدْرٍ فَاسْتَجَابَ لِأَمْرِهِ‏* * * وَ مَا زَالَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ يُضَارِبُ‏

فَمَا زَالَ يَعْلُوهُمْ بِهِ وَ كَأَنَّهُ‏* * * شِهَابٌ تَلَقَّاهُ الْقَوَابِسُ ثَاقِبُ‏

وَ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ مُرْسَلًا قَالَ‏

سَأَلَ رَجُلٌ زَيْنَ الْعَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِمَا ذَا فُضِّلْتُمُ النَّاسَ جَمِيعاً وَ سُدْتُمُوهُمْ فَقَالَ لَهُ (ع) أَنَا أُخْبِرُكَ بِذَلِكَ اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَحَدَ ثَلَاثَةٍ إِمَّا رَجُلٌ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَهُوَ مَوْلًى لَنَا وَ نَحْنُ سَادَاتُهُ وَ إِلَيْنَا يَرْجِعُ بِالْوَلَاءِ أَوْ رَجُلٌ قَاتَلْنَاهُ فَقَتَلْنَاهُ فَمَضَى إِلَى النَّارِ أَوْ رَجُلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُوَ صَاغِرٌ وَ لَا رَابِعَ لِلْقَوْمِ فَأَيُّ فَضْلٍ لَمْ نَحُزْهُ وَ شَرَفٍ لَمْ نُحَصِّلْهُ بِذَلِكَ‏

[فصل إبطال إمامة أبي بكر من جهة الإجماع‏]

(فصل) و من كلام الشيخ أدام الله عزه في إبطال إمامة أبي بكر من جهة الإجماع سأله المعروف بالكتبي فقال له ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر.

فقال له الأدلة على ذلك كثيرة و أنا أذكر لك منها دليلا يقرب إلى فهمك و هو أن الأمة مجمعة على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام و قد أجمعت الأمة على أن أبا بكر قال على المنبر وليتكم و لست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني و إن اعوججت فقوموني.

فاعترف بحاجته إلى رعيته و فقره إليهم في تدبيره و لا خلاف بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الإمام أحوج و إذا ثبت حاجة أبي بكر إلى‏

26

الإمام بطلت إمامته بالإجماع المنعقد على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام.

فلم يدر الكتبي بم يعترض و كان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف بعزرالة فقال ما أنكرت على من قال لك إن الأمة أيضا مجمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض و الأمير لا يحتاج إلى أمير فيجب على هذا الأصل أن توجب عصمة الأمراء و القضاة أو تخرج عن الإجماع.

فقال له الشيخ أدام الله عزه إن سكوت الأول أحسن من كلامك هذا و ما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه و ذلك أنه لا إجماع فيما ذكرت بل الإجماع في ضده لأن الأمة متفقة على أن القاضي الذي هو دون الإمام يحتاج إلى قاض هو الإمام و الأمير من قبل الإمام يحتاج إلى أمير هو الإمام و ذلك مسقط ما تعلقت به اللهم إلا أن تكون أشرت بالأمير و القاضي إلى نفس الإمام فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو أمير عليه و إنما استغنى عن ذلك لعصمته و كماله فأين موضع إلزامك عافاك الله فلم يأت بشي‏ء

[فصل مناظرة مع الشطوي حول الخلافة]

(فصل) و من كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا سأله رجل من المعتزلة يعرف بأبي عمرو الشطوي فقال له أ ليس قد أجمعت الأمة على أن أبا بكر و عمر كان ظاهرهما الإسلام فقال له الشيخ نعم قد أجمعوا على أنهما قد كانا على ظاهر الإسلام زمانا فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الإسلام فليس في هذا إجماع للاتفاق على أنهما كانا على الشرك و لوجود طائفة كثيرة العدد تقول‏

27

إنهما كانا بعد إظهارهما الإسلام على ظاهر كفر بجحد النص و أنه كان يظهر منهما النفاق في حياة النبي (ص) فقال الشطوي قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت و كنت أظن أنك تطلق القول على ما سألتك.

فقال له الشيخ أدام الله عزه قد سمعت ما عندي و قد علمت ما الذي أردت فلم أمكنك منه و لكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك توقع خصمك فيه أ ليس الأمة مجمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله و الريب في نبوة رسول الله (ص) فقد اعترف بالكفر و أقر به على نفسه فقال بلى.

فقال له الشيخ أدام الله عزه فإن الأمة مجمعة لا خلاف بينها على‏

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ يَوْمِ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَ قَاضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنِّي جِئْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ فَقَالَ بَلَى فَقُلْتُ أَ لَسْنَا بِالْمُؤْمِنِينَ قَالَ بَلَى فَقُلْتُ فَعَلَى مَ تُعْطِي هَذِهِ الدَّنِيَّةَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَنِيَّةٍ وَ لَكِنَّهَا خَيْرٌ لَكَ فَقُلْتُ لَهُ أَ لَيْسَ قَدْ وَعَدْتَنَا أَنْ نَدْخُلَ مَكَّةَ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَمَا بَالُنَا لَا نَدْخُلُهَا قَالَ أَ وَعَدْتُكَ أَنْ تَدْخُلَهَا الْعَامَ قُلْتُ لَا قَالَ فَسَنَدْخُلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏

. فاعترف بشكه في دين الله و نبوة رسول الله (ص) و ذكر مواضع شكوكه و بين عن جهاتها و إذا كان الأمر على ما وصفناه فقد حصل الإجماع على كفره بعد إظهار الإيمان و اعترافه بموجب ذلك على نفسه ثم ادعى خصومنا من الناصبة أنه تيقن بعد الشك و رجع إلى الإيمان بعد الكفر فأطرحنا قولهم لعدم البرهان عليه و اعتمدنا على الإجماع فيما ذكرناه.

فلم يأت بشي‏ء أكثر من أن قال ما كنت أظن أن أحدا يدعي الإجماع على كفر عمر بن الخطاب حتى الآن.

فقال الشيخ أدام الله عزه فالآن قد علمت ذلك و تحققته و لعمري أن هذا مما لم يسبقني إلى استخراجه أحد فإن كان عندك شي‏ء فأورده فلم يأت بشي‏ء

28

[فصل مناظرة بين ضرار و هشام حول الخلافة]

(فصل)

وَ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ قَالَ‏

دَخَلَ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ عَلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَمْرٍو هَلْ لَكَ فِي مُنَاظَرَةِ رَجُلٍ هُوَ رُكْنُ الشِّيعَةِ فَقَالَ ضِرَارٌ هَلُمَّ مَنْ شِئْتَ.

فَبَعَثَ إِلَى هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ (رحمه الله) فَأَحْضَرَهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ هَذَا ضِرَارٌ وَ هُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ فِي الْكَلَامِ وَ الْخِلَافِ لَكَ فَكَلِّمْهُ فِي الْإِمَامَةِ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ضِرَارٍ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرٍو خَبِّرْنِي عَلَى مَا تَجِبُ الْوَلَايَةُ وَ الْبَرَاءَةُ أَ عَلَى الظَّاهِرِ أَمْ عَلَى الْبَاطِنِ فَقَالَ ضِرَارٌ بَلْ عَلَى الظَّاهِرِ فَإِنَّ الْبَاطِنَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْوَحْيِ قَالَ هِشَامٌ صَدَقْتَ فَأَخْبِرْنِي الْآنَ أَيُّ الرَّجُلَيْنِ كَانَ أَذَبَّ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) بِالسَّيْفِ وَ أَقْتَلَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَكْثَرَ آثَاراً فِي الْجِهَادِ أَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ بَلْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ لَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَشَدَّ يَقِيناً فَقَالَ هِشَامٌ هَذَا هُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي قَدْ تَرَكْنَا الْكَلَامَ فِيهِ وَ قَدِ اعْتَرَفْتَ لِعَلِيٍّ (ع) بِظَاهِرِ عَمَلِهِ مِنَ الْوَلَايَةِ وَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا مِنَ الْوَلَايَةِ مَا لَمْ يَجِبْ لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ ضِرَارٌ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ نَعَمْ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ هِشَامٌ أَ فَلَيْسَ إِذَا كَانَ الْبَاطِنُ مَعَ الظَّاهِرِ فَهُوَ الْفَضْلُ الَّذِي لَا يُدْفَعُ فَقَالَ لَهُ ضِرَارٌ بَلَى فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ لِعَلِيٍّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي قَالَ ضِرَارٌ نَعَمْ قَالَ هِشَامٌ أَ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا وَ هُوَ عِنْدَهُ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ قَالَ لَا قَالَ هِشَامٌ فَقَدْ صَحَّ لِعَلِيٍّ (ع) ظَاهِرُهُ وَ بَاطِنُهُ وَ لَمْ يَصِحَّ لِصَاحِبِكَ لَا ظَاهِرٌ وَ لَا بَاطِنٌ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏

29

[فصل مناظرة بين ضرار و علي بن ميثم في الخلافة]

(فصل) و أخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال جاء ضرار إلى أبي الحسن علي بن ميثم (رحمه الله) فقال له يا أبا الحسن قد جئتك مناظرا فقال له أبو الحسن و فيم تناظرني فقال في الإمامة فقال ما جئتني و الله مناظرا و لكنك جئت متحكما قال له ضرار و من أين لك ذلك قال أبو الحسن علي البيان عنه أنت تعلم أن المناظرة ربما انتهت إلى حد يُغْمَضُ فيه الكلام فتتوجه الحجة على الخصم فيجهل ذلك أو يعاند و إن لم يشعر بذلك أكثر مستمعيه بل كلهم و لكني أدعوك إلى منصفة من القول و هو أن تختار أحد الأمرين إما أن تقبل قولي في صاحبي و أقبل قولك في صاحبك فهذه واحدة قال ضرار لا أفعل ذلك قال له أبو الحسن و لم لا تفعله قال لأنني إذا قبلت قولك في صاحبك قلت لي إنه كان وصي رسول الله (ص) و أفضل من خلفه و خليفته على قومه و سيد المسلمين فلا ينفعني بعد إن قبلت ذلك منك أن صاحبي كان صديقا و اختاره المسلمون إماما لأن الذي قبلته منك يفسد هذا علي قال له أبو الحسن فاقبل قولي في صاحبك و أقبل قولك في صاحبي قال ضرار و هذا لا يمكن أيضا لأني إذا قبلت قولك في صاحبي قلت لي كان ضالا مضلا ظالما لآل محمد (ع) قعد في غير مجلسه و دفع الإمام عن حقه و كان في عصر النبي (ص) منافقا فلا ينفعني قبولك قولي فيه إنه كان خيرا صالحا و صاحبا أمينا لأنه قد انتقض بقبولي قولك فيه بعد ذلك إنه كان ضالا مضلا فقال له أبو الحسن (رحمه الله) فإذا كنت لا تقبل قولك في صاحبك و لا قولي فيه و لا قولك في صاحبي فما جئتني إلا متحكما و لم تأتني مباحثا مناظرا

30

[فصل مناظرة مع المعتزلة في الحسد]

(فصل) و من كلام الشيخ أيده الله أيضا و حضر الشيخ أدام الله عزه مجلسا للنقيب أبي الحسن العمري أدام الله عزه و كان بالحضرة جمع كثير و فيه القاضي أبو محمد العماني و أبو بكر بن الدقاق فتخاوضوا في ضروب من الحكايات فجرى ذكر الحسد فقال أبو بكر سئل الحسن البصري فقيل له أيها الشيخ هل يكون في أهل الإيمان حسد فقال سبحان الله أ ما علمتم ما جرى بين إخوة يوسف و يوسف (ع) أ و ما قرأتم قصتهم في محكم القرآن فكيف يجوز أن يخرج الحسد عن الإيمان فاستحسن هذه الحكاية أبو محمد العماني و هو معتزلي المذهب و الحاكي أيضا من المعتزلة.

فقال الشيخ أدام الله عزه لهم إن نفس هذا الاستدلال الذي استحسنتموه يوجب أن تكون كبائر الذنوب لا تخرج أيضا عن الإيمان و ذلك أنه لا خلاف أن ما صنعه إخوة يوسف (ع) بأخيهم من إلقائه في غيابة الجب و بيعه بالثمن البخس و كذبهم على الذئب و ما أوصلوه إلى قلب أبيهم نبي الله يعقوب (ع) من الحزن كان كبيرا من الذنوب و قد قص الله تعالى قصتهم و أخبر عن سؤالهم أباهم الاستغفار عند توبتهم و ندمهم فإن كان الحسد لا يخرج عن الإيمان بما حكي عن الحسن من الاستدلال فالكبير من الذنوب أيضا لا يخرج عن الإيمان بذلك بعينه و هذا نقض مذهب أهل الاعتزال فلم يرد أحد منهم جوابا

31

[فصل مناظرة مع الورثاني في مشاورة النبي (ص) و آية الشورى‏]

(فصل) و من كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا حضر في دار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر (رحمه الله) و حضر رجل من المتفقهة يعرف بالورثاني و هو من فقهائها فقال له الورثاني أ ليس من مذهبك أن رسول الله (ص) كان معصوما من الخطأ مبرأ من الزلل مأمونا عليه من السهو و الغلط كاملا بنفسه غنيا عن رعيته.

فقال له الشيخ أيده الله بلى كذلك كان (ص) قال له فما تصنع في قول الله جل جلاله‏ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ (1) أ ليس قد أمره الله بالاستعانة بهم في الرأي و أفقره إليهم فكيف يصح لك ما ادعيت مع ظاهر القرآن و ما فعله النبي ص.

فقال له الشيخ أدام الله عزه إن رسول الله (ص) لم يشاور أصحابه لفقر منه إلى آرائهم و لحاجة دعته إلى مشورتهم من حيث ظننت و توهمت بل لأمر آخر أنا أذكره لك بعد الإيضاح عما أخبرتك به و ذلك أنا قد علمنا أن رسول الله (ص) كان معصوما من الكبائر و الصغائر و إن خالفت أنت في عصمته من الصغائر و كان أكمل الخلق باتفاق أهل الملة و أحسنهم رأيا و أوفرهم عقلا و أكملهم تدبيرا و كانت المواد بينه و بين الله سبحانه متصلة و الملائكة تتواتر عليه بالتوفيق من الله عز و جل و التهذيب و الإنباء له عن المصالح و إذا كان بهذه الصفات لم يصح أن يدعوه داع إلى اقتباس الرأي من رعيته لأنه ليس أحد منهم إلا و هو دونه في سائر ما عددناه و إنما يستشير الحكيم غيره على طريق الاستفادة و الاستعانة برأيه إذا تيقن أنه أحسن رأيا منه و أجود تدبيرا و أكمل عقلا أو ظن ذلك فأما إذا أحاط

____________

(1)- آل عمران/ 159.

32

علما بأنه دونه فيما وصفناه لم يكن للاستعانة في تدبيره برأيه معنى لأن الكامل لا يفتقر إلى الناقص فيما يحتاج فيه إلى الكمال كما لا يفتقر العالم إلى الجاهل فيما يحتاج فيه إلى العلم و الآية بينة يدل متضمنها على ذلك أ لا ترى إلى قوله تعالى‏ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ فعلق وقوع الفعل بعزمه دون رأيهم و مشورتهم و لو كان إنما أمره بمشورتهم للاستعانة برأيهم لقال له فإذا أشاروا عليك فاعمل و إذا اجتمع رأيهم على شي‏ء فامضه فكان تعلق فعله بالمشورة دون العزم الذي يختص به فلما جاء الذكر بما تلوناه سقط ما توهمته.

فأما وجه دعائهم إلى المشورة عليه (ص) فإن الله أمره أن يتألفهم بمشورتهم و يعلمهم بما يصنعونه عند عزماتهم ليتأدبوا بآداب الله عز و جل فاستشارهم لذلك لا للحاجة إلى آرائهم على أن هاهنا وجها آخر بينا و هو أن الله سبحانه أعلمه أن في أمته من يبتغي له الغوائل و يتربص به الدوائر و يسر خلافه و يبطن مقته و يسعى في هدم أمره و يناقضه في دينه و لم يعرفه بأعيانهم و لا دله عليهم بأسمائهم فقال عز اسمه‏ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى‏ عَذابٍ عَظِيمٍ‏ (1) و قال جل اسمه‏ وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ‏ (2) و قال تبارك اسمه‏ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏ (3) و قال‏ وَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ‏ (4) و قال عز من قائل‏ وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ‏

____________

(1)- التوبة/ 101.

(2)- التوبة/ 127.

(3)- التوبة/ 96.

(4)- التوبة/ 56.

33

تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ‏ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏ (1) و قال جل جلاله‏ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى‏ يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (2) وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى‏ وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كارِهُونَ‏ (3). ثم قال سبحانه بعد أن أنبأه عنهم في الجملة وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ‏ (4) فدله عليهم بمقالهم و جعل الطريق إلى معرفتهم ما يظهر من نفاقهم في لحن قولهم ثم أمره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم إلى علم باطنهم فإن الناصح تبدو نصيحته في مشورته و الغاش المنافق يظهر ذلك في مقاله فاستشارهم (ص) لذلك و لأن الله جل جلاله جعل مشورتهم الطريق إلى معرفتهم.

أ لا ترى أنهم لما أشاروا ببدر عليه (ص) في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحته كشف الله تعالى ذلك له و ذمهم عليه و أبان عن إدغالهم فيه فقال جل و تعالى‏ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (5) فوجه التوبيخ إليهم و التعنيف على رأيهم و أبان لرسوله (ص) عن حالهم فيعلم أن المشورة لهم لم تكن للفقر إلى آرائهم و إنما كانت لما ذكرناه.

____________

(1)- المنافقون/ 4.

(2)- النساء/ 142.

(3)- التوبة/ 54.

(4)- محمّد/ 30.

(5)- الأنفال/ 67- 68.

34

فقال شيخ من القوم يعرف بالجراحي و كان حاضرا يا سبحان الله أ ترى أن أبا بكر و عمر كانا من أهل النفاق كلا ما نظن أنك أيدك الله تطلق هذا و ما رأينا أن النبي (ص) استشار ببدر غيرهما فإن كانا هما من المنافقين فهذا ما لا نصبر عليه و لا نقوى على استماعه و إن لم يكونا من جمله أهل النفاق فاعتمد على الوجه الأول و هو أن النبي (ص) أراد أن يتألفهم بالمشورة و يعلمهم كيف يصنعون في أمورهم. فقال له الشيخ أدام الله عزه ليس هذا من الحجاج أيها الشيخ في شي‏ء و إنما هو استكبار و استعظام معدول به عن الحجة و البرهان و لم نذكر إنسانا بعينه و إنما أتينا بمجمل من القول ففصله الشيخ و كان غنيا عن تفصيله. فصاح الورثاني و أعلى صوته بالصياح يقول الصحابة أجل قدرا من أن يكونوا من أهل النفاق و سيما الصديق و الفاروق و أخذ في كلام نحو هذا من كلام السوقة و العامة و أهل الشغب و الفتن. فقال له الشيخ أدام الله عزه دع عنك الضجيج و تخلص مما أوردته عليك من البرهان و احتل لنفسك و للقوم فقد بان الحق‏ وَ زَهَقَ الْباطِلُ‏ بأهون سعي و الحمد لله‏

[فصل مناظرة في الخلافة]

(فصل) و من كلام الشيخ أدام الله عزه و قد سأله بعض أصحابه فقال له إن المعتزلة و الحشوية يدعون أن جلوس أبي بكر و عمر مع رسول الله (ص) في العريش كان أفضل من جهاد أمير المؤمنين (ع) بالسيف لأنهما كانا مع النبي (ص) في مستقره يدبران الأمر معه و لو لا أنهما أفضل الخلق عنده لما اختصهما بالجلوس معه‏

35

فبأي شي‏ء يدفع هذا.

فقال له الشيخ أدام الله عزه سبيل هذا القول أن يعكس و هذه القضية أن تقلب و ذلك أن النبي (ص) لو علم أنهما لو كانا في جمله المجاهدين بأنفسهما يبارزان الأقران و يقتلان الأبطال و يحصل لهما جهاد يستحقان به الثواب لما حال بينهما و بين هذه المنزلة التي هي أجل و أشرف و أعلى و أسنى من القعود على كل حال بنص الكتاب حيث يقول الله سبحانه‏ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (1).

فلما رأينا الرسول (ص) قد منعهما هذه الفضيلة و أجلسهما معه علمنا أن ذلك لعلمه بأنهما لو تعرضا للقتال أو عرضا له لأفسدا إما بأن ينهزما أو يوليا الدبر كما صنعا في يوم أحد و خيبر و حنين فكان يكون في ذلك عظيم الضرر على المسلمين و لا يؤمن وقوع الوهن فيهم بهزيمة شيخين من جملتهم أو كانا لفرط ما يلحقهما من الخوف و الجزع يصيران إلى أهل الشرك مستأمنين أو غير ذلك من الفساد الذي يعلمه الله تعالى و لعله لطف للأمة بأن أمر نبيه (ص) بحبسهما عن القتال فأما ما توهموه من أنه حبسهما للاستعانة برأيهما فقد ثبت أنه كان كاملا و أنهما كانا ناقصين عن كماله و كان معصوما و كانا غير معصومين و كان مؤيدا بالملائكة و كانا غير مؤيدين و كان يوحى إليه و ينزل القرآن عليه و لم يكونا كذلك فأي فقر يحصل له مع ما وصفناه إليهما لو لا عمى القلوب و ضعف الرأي و قلة الدين.

____________

(1)- النساء/ 95.

36

و الذي يكشف لك عن صحة ما ذكرناه آنفا في وجه إجلاسهما معه في العريش قول الله سبحانه‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ‏ الآية (1) فلا يخلو الرجلان من أن يكونا مؤمنين أو غير مؤمنين فإن كانا مؤمنين فقد اشترى الله أنفسهما منهما بالجنة على شرط القتال المؤدي إلى القتل منهما لغيرهما أو قتل غيرهما لهما و لو كانا كذلك لما حال النبي (ص) بينهما و بين الوفاء بشرط الله عليهما من القتل و في منعهما من ذلك دليل على أنهما بغير الصفة التي يعتقدها فيهما الجاهلون فقد وضح بما بيناه أن العريش وبال عليهما و دليل على نقصهما و أنه بالضد مما توهموه لهما و المنة لله‏

[فصل حوار بين الإمام الكاظم (ع) و الرشيد عند قبر النبي ص‏]

(فصل)

وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ فَقَالَ‏

لَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ وَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ وَ بَقَايَا الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ وُجُوهُ النَّاسِ وَ كَانَ فِي الْقَوْمِ سَيِّدُنَا أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ لَهُمُ الرَّشِيدُ قُومُوا إِلَى زِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ ثُمَّ نَهَضَ مُعْتَمِداً عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ عَمِّ افْتِخَاراً عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ وَ اسْتِطَالَةً عَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ قَالَ فَنَزَعَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى (ع) يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتِ قَالَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الرَّشِيدِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَخْرُ الْجَسِيمُ‏

____________

(1)- التوبة/ 111.

37

[فصل حوار بين الرضا (ع) و المأمون في المفاضلة]

(فصل)

وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ أَيْضاً قَالَ رُوِيَ‏

أَنَّهُ لَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى خُرَاسَانَ وَ كَانَ مَعَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (ع) فَبَيْنَا هُمَا يَسِيرَانِ إِذْ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنِّي فَكَّرْتُ فِي شَيْ‏ءٍ فَفَتَحَ لِيَ الْفِكْرُ الصَّوَابَ فِيهِ فَكَّرْتُ فِي أَمْرِنَا وَ أَمْرِكُمْ وَ نَسَبِنَا وَ نَسَبِكُمْ فَوَجَدْتُ الْفَضِيلَةَ فِيهِ وَاحِدَةً وَ رَأَيْتُ اخْتِلَافَ شِيعَتِنَا فِي ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْهَوَى وَ الْعَصَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ جَوَاباً فَإِنْ شِئْتَ ذَكَرْتُهُ لَكَ وَ إِنْ شِئْتَ أَمْسَكْتُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ إِنِّي لَمْ أَقُلْهُ إِلَّا لِأَعْلَمَ مَا عِنْدَكَ فِيهِ قَالَ لَهُ الرِّضَا (ع) أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً (ص) فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآكَامِ فَخَطَبَ إِلَيْكَ ابْنَتَكَ أَ كُنْتَ تُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَ هَلْ أَحَدٌ يَرْغَبُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَالَ لَهُ الرِّضَا (ع) أَ فَتَرَاهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ إِلَيَّ قَالَ فَسَكَتَ الْمَأْمُونُ هُنَيْئَةً ثُمَّ قَالَ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَمَسُّ بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) رَحِماً

قال الشيخ أدام الله عزه و إنما المعنى لهذا الكلام أن ولد العباس يحلون لرسول الله (ص) كما يحل له البعداء في النسب منه و أن ولد أمير المؤمنين (ع) من فاطمة (ع) و من أمامة بنت زينب ابنة رسول الله (ص) يحرمن عليه لأنهن من ولده في الحقيقة فالولد ألصق بالوالد و أقرب و أحرز للفضل من ولد العم بلا ارتياب بين أهل الدين فكيف يصح مع ذلك أن يتساووا في الفضل بقرابة الرسول (ص) فنبهه الرضا (ع) على هذا المعنى و أوضحه له‏

38

[فصل حوار بين الرضا (ع) و المأمون في المباهلة]

(فصل)

وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ أَيْضاً قَالَ‏

قَالَ الْمَأْمُونُ يَوْماً لِلرِّضَا (ع) أَخْبِرْنِي بِأَكْبَرِ فَضِيلَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَدُلُّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا (ع) فَضِيلَتُهُ فِي الْمُبَاهَلَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ‏

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (1)

فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (ع) فَكَانَا ابْنَيْهِ وَ دَعَا فَاطِمَةَ (ع) فَكَانَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نِسَاءَهُ وَ دَعَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَكَانَ نَفْسَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَجَلَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَفْضَلَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ أَ لَيْسَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْأَبْنَاءَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَ إِنَّمَا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) ابْنَيْهِ خَاصَّةً وَ ذَكَرَ النِّسَاءَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَ إِنَّمَا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) ابْنَتَهُ وَحْدَهَا فَلِمَ لَا جَازَ أَنْ يَذْكُرَ الدُّعَاءَ لِمَنْ هُوَ نَفْسُهُ وَ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْسَهُ فِي الْحَقِيقَةِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْفَضْلِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا (ع) لَيْسَ بِصَحِيحٍ مَا ذَكَرْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الدَّاعِيَ إِنَّمَا يَكُونُ دَاعِياً لِغَيْرِهِ كَمَا يَكُونُ الْآمِرُ آمِراً لِغَيْرِهِ وَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَاعِياً لِنَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا لَا يَكُونُ آمِراً لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَ إِذَا لَمْ يَدْعُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) رَجُلًا فِي الْمُبَاهَلَةِ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ نَفْسُهُ الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَ جَعَلَ حُكْمَهُ ذَلِكَ فِي تَنْزِيلِهِ قَالَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ إِذَا وَرَدَ الْجَوَابُ سَقَطَ السُّؤَالُ‏

____________

(1)- آل عمران/ 61.

39

[فصل مستحسن الشعر و قصيدة الفرزدق في مدح السجاد ع‏]

(فصل) قال الشيخ أدام الله عزه و إنني لاستحسن قول الفرزدق في كلمته التي يمدح فيها علي بن الحسين (ع) و أنه ليليق بما تقدم في هذه الفصول و يجانسه حيث يقول و هو يعني زين العابدين ع‏

يكاد يمسكه عرفان راحته‏* * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم‏

مشتقة من رسول الله نبعته‏* * * طابت عناصره و الخيم و الشيم‏

ينجاب نور الهدى عن نور غرته‏* * * كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم‏

يغضي حياء و يغضى من مهابته‏* * * فلا يكلم إلا حين يبتسم‏

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله‏* * * بجده أنبياء الله قد ختموا

و ليس قولك من هذا بضائره‏* * * العرب تعرف من أنكرت و العجم‏

من معشر حبهم دين و بغضهم‏* * * كفر و قربهم منجي و معتصم‏

يستدفع السوء و البلوى بحبهم‏* * * و يسترب به الإحسان و النعم‏

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم‏* * * في كل فرض و مختوم به الكلم‏

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم‏* * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم‏

لا يستطيع جواد بعد غايتهم‏* * * و لا يدانيهم قوم و إن كرموا

هم الغيوث إذ ما أزمة أزمت‏* * * و الأسد أسد الشرى و البأس محتدم‏

لا يقبض العسر بسطا من أكفهم‏* * * سيان ذلك إن أثروا و إن عدموا

أي الخلائق ليست في رقابهم‏* * * لأولية هذا أو له نعم‏

ما قال لا قط إلا في تشهده‏* * * لو لا التشهد كانت لاؤه نعم‏

من يعرف الله يعرف أولية ذا* * * فالدين من بيت هذا ناله الأمم‏

من جده دان فضل الأنبياء له‏* * * و فضل أمته دانت له الأمم‏

.

40

و في مثله لعلي بن محمد العلوي الحماني رضي الله عنه‏

بين الوصي و بين المصطفى نسب‏* * * تحتال فيه المعالي و المحاميد

كانا كشمس نهار في البروج كما* * * أدارها ثم إحكام و تجويد

كسيرها انتقلا من طاهر علم‏* * * إلى مطهرة آبائها صيد

تفرقا عند عبد الله و اقترنا* * * بعد النبوة توفيق و تسديد

و ذر ذو العرش ذرا طاب بينهما* * * فانبث نور له في الأرض تخليد

نور تفرع عند البعث فانشعبت‏* * * منه شعوب لها في الدين تمهيد

هم فتية كسيوف الهند طال بهم‏* * * على المطاول آباء مناجيد

قوم لماء المعالي في وجوههم‏* * * عند التكرم تصويب و تصعيد

يدعون أحمد إن عد الفخار أبا* * * و العود ينبت في أفنانه العود

و المنعمون إذا ما لم تكن نعم‏* * * و الذائدون إذا قل المذاويد

أوفوا من المجد و العلياء في قلل‏* * * شم قواعدهن الفضل و الجود

ما سود الناس إلا من تمكن في‏* * * أحشائه لهم ود و تسويد

بسط الأكف إذا شيمت مخايلهم‏* * * أسد اللقاء إذا صد الصناديد

يزهي المطاف إذا طافوا بكعبته‏* * * و يستنير لهم منها القواعيد

في كل يوم لهم بأس يعاش به‏* * * و للمكارم من أفعالهم عيد

محسدون و من يعقد بحبهم‏* * * حبل المودة يضحى و هو محسود

لا ينكر الدهر إن ألوى بحقهم‏* * * فالدهر مذ كان مذموم و محمود

.

و نظير هذا بيتان من قبله (رحمه الله) أيضا

رأت بيتي على رغم الملاح‏* * * هو البيت المقابل للضراح‏

و والدي المشار به إذا ما* * * دعا الداعي بحي على الفلاح‏

.

41

و في مثل ذلك قول العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب (ع) محتجا بفضله على قريش التي هي أفضل الخلق جميعا

و قالت قريش لنا مفخر* * * رفيع على الناس لا ينكر

فقد صدقوا لهم فضلهم‏* * * و بينهم رتب تقصر

و أدناهم رحما بالنبي‏* * * إذا فخروا فبه المفخر

بنا الفخر منكم على غيركم‏* * * فأما علينا فلا تفخروا

ففضل النبي عليكم لنا* * * أقروا به بعد ما أنكروا

فإن طرتم بسوى مجدنا* * * فإن جناحكم الأقصر

.

و مما يدخل في جملة هذا النظم من نثر الكلام قول داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري (رحمه الله) و قد دخل على محمد بن عبد الله بن طاهر بعد قتل يحيى بن عمر المقتول بشاهي (رحمه الله) فقال له أيها الأمير إنا قد جئناك لنهنيك بأمر لو كان رسول الله (ص) حيا لعزيناه به.

و في مثله قول بعض الشيعة لرجل من الناصبة في محاورة له في فضل آل محمد (ع) أ رأيت لو أن الله بعث نبيه محمدا (ص) أين ترى كان يحط رحله و ثقله فقال له الرجل الناصب كان يحطه في أهله و ولده فقال له المتشيع فإني قد حططت هواي حيث يحط رسول الله (ص) رحله و ثقله.

و منه قول الكميت بن زيد (رحمه الله تعالى‏)

ما أبالي إذا حفظت أبا القاسم‏* * * فيهم ملامة اللوام‏

ما أبالي و لن أبالي فيهم‏* * * أبدا رغم ساخطين رغام‏

فيهم شيعتي و قسمي من الأمة* * * حسبي من سائر الأقسام‏

42

[فصل في معنى قول النبي (ص) لأبي بكر لا تحزن‏]

(فصل) و من حكايات الشيخ أدام الله عزه و كلامه قال الشيخ أدام الله عزه قال أبو الحسن الخياط جاءني رجل من أصحاب الإمامة عن رئيس لهم زعم أنه أمره أن يسألني عن قول النبي (ص) لأبي بكر لا تَحْزَنْ‏ (1).

أ طاعة حزن أبي بكر أم معصية قال فإن كان طاعة فقد نهاه عن الطاعة و إن كان معصية فقد عصى أبو بكر قال فقلت له دع الجواب اليوم و لكن ارجع إليه فاسأله عن قول الله عز و جل لموسى ع‏ لا تَخَفْ‏ (2) أ يخلو خوف موسى (ع) من أن يكون طاعة أو معصية فإن يكن طاعة فقد نهاه عن الطاعة و إن يكن معصية فقد عصى موسى (ع) قال فمضى ثم عاد إلي فقلت له رجعت إليه قال نعم فقلت له ما قال قال قال لي لا تجلس إليه.

قال الشيخ أدام الله عزه و لست أدري صحة هذه الحكاية و لا أبعد أن يكون تخرصها الخياط و لو كان صادقا في قوله إن رئيسا من الشيعة أنفذ يسأله عن هذا السؤال لما قصر الرئيس عن إسقاط ما أورده من الاعتراض و يقوى في النفس أن الخياط أراد التقبيح على أهل الإمامة في تخرص هذه الحكاية غير أني أقول له و لأصحابه الفصل بين الأمرين واضح و ذلك أني لو خليت و ظاهر قوله تعالى لموسى ع‏ لا تَخَفْ‏ و قوله لنبيه ص‏ وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ‏ (3) و ما أشبه هذا مما يوجه إلى الأنبياء لقطعت على أنه نهي لهم عن قبيح يستحق فاعله الذم‏

____________

(1)- التوبة/ 40.

(2)- النمل/ 10.

(3)- يونس/ 65.

43

عليه لأن في ظاهره حقيقة النهي من قوله لا تفعل كما أن في ظاهر خلافه و مقابله في الكلام حقيقة الأمر إذا قال له افعل لكني عدلت عن الظاهر في مثل هذا لدلالة عقلية أوجبت على العدول عنه كما توجب الدلالة على المرور مع الظاهر عند عدم الدليل الصارف عنه و هي ما ثبت من عصمة الأنبياء (ع) التي تنبئ عن اجتنابهم الآثام. و إذا كان الاتفاق حاصلا على أن أبا بكر لم يكن معصوما كعصمة الأنبياء وجب أن يجري كلام الله تعالى فيما ضمنه من قصته على ظاهر النهي و حقيقته و قبح الحال التي كان عليها فتوجه النهي إليه عن استدامتها إذ لا صارف يصرف عن ذلك من عصمة و لا خبر عن الله تعالى فيه و لا عن رسوله (ص) فقد بطل ما أورده الخياط و هو في الحقيقة رئيس المعتزلة و بان وهن اعتماده. و يكشف عن صحة ما ذكرناه ما تقدم به مشايخنا رحمهم الله تعالى و هو أن الله سبحانه لم ينزل السكينة قط على نبيه (ص) في موطن كان معه فيه أحد من أهل الإيمان إلا عمهم في نزول السكينة و شملهم بها بذلك جاء القرآن قال الله عز و جل‏ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (1) و قال في موضع آخر فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (2) و لما لم يكن مع النبي (ص) في الغار إلا أبو بكر أفرد الله عز و جل نبيه (ص) بالسكينة دونه و خصه بها و لم يشركه معه و قال الله‏

____________

(1)- التوبة/ 25.

(2)- الفتح/ 26.

44

عز و جل‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها (1) فلو كان الرجل مؤمنا لجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم و لو لا أنه أحدث بحزنه في الغار منكرا لأجله توجه النهي إليه عن استدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله (ص) في المواطن الأخرى على ما جاء في القرآن و نطق به محكم الذكر بالبيان و هذا بين لمن تأمله.

قال الشيخ أيده الله و قد حير هذا الكلام جماعة من الناصبة و ضيق عليهم صدورهم فتشعبوا و اختلفوا في الحيلة للتخلص منه فما اعتمد منهم أحد إلا على ما يدل على ضعف عقله و سخف رأيه و ضلاله عن الطريق فقال قوم منهم إن السكينة أنما نزلت على أبي بكر و اعتلوا في ذلك بأنه كان خائفا رعبا و رسول الله (ص) كان آمنا مطمئنا و قالوا و الآمن غني عن السكينة و إنما يحتاج إليها الخائف الوجل.

قال الشيخ أدام الله عزه فيقال لهم قد جنيتم بجهلكم على أنفسكم و طعنتم على كتاب الله عز و جل بهذا الضعيف الواهي من استدلالكم و ذلك أنه لو كان ما اعتللتم به صحيحا لوجب أن لا تكون السكينة نزلت على رسول الله (ص) في يوم بدر و لا في يوم حنين لأنه لم يكن (ص) في هذين الموطنين خائفا و لا رعبا و لا جزعا بل كان آمنا مطمئنا متيقنا بكون الفتح له و أن الله عز و جل يظهره‏ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ و فيما نطق به القرآن من نزول السكينة عليه ما يدمر على هذا الاعتلال.

فان قلتم إن النبي (ص) كان في هذين المقامين خائفا و إن لم يبد خوفه‏

____________

(1)- التوبة/ 40.

45

و لذلك نزلت السكينة عليه فيهما و حملتم أنفسكم على هذه الدعوى.

قلنا لكم و هذه كانت قصته (ص) في الغار فبم تدفعون ذلك فإن قلتم إنه (ص) قد كان محتاجا إلى السكينة في كل حال لينتفي عنه الخوف و الجزع و لا يتعلقان به في شي‏ء من الأحوال نقضتم ما سلف لكم من الاعتلال و شهدتم ببطلان مقالكم الذي قدمناه على أن نص التلاوة يدل على خلاف ما ذكرتموه و ذلك أن الله سبحانه قال‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها (1) فأنبأ الله سبحانه خلقه أن الذي نزلت عليه السكينة هو المؤيد بالملائكة إذ كانت الهاء التي في التأييد تدل على ما دلت عليه الهاء التي في نزول السكينة و كانت هاء الكناية في مبتدأ قوله‏ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ‏ (2) إلى قوله‏ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها عن مكنى واحد و لم يجز أن تكون عن اثنين غيرين كما لا يجوز أن يقول القائل لقيت زيدا فكلمته و أكرمته فيكون الكلام لزيد بهاء الكناية و تكون الكرامة لعمرو أو خالد أو بكر و إذا كان المؤيد بالملائكة رسول الله (ص) باتفاق الأمة فقد ثبت أن الذي نزلت عليه السكينة هو خاصة دون صاحبه و هذا ما لا شبهة فيه.

و قال قوم منهم إن السكينة و إن اختص بها النبي (ص) فليس يدل ذلك على نقص الرجل لأن السكينة إنما يحتاج إليها الرئيس المتبوع دون التابع فيقال لهم هذا أيضا رد على الله تعالى لأنه قد أنزلها على الأتباع المرءوسين ببدر و حنين و غيرهما من المقامات فيجب على ما أصلتموه أن يكون الله سبحانه فعل بهم ما لم تكن بهم الحاجة إليه و لو فعل ذلك لكان عابثا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

قال الشيخ و هاهنا شبهة يمكن إيرادها هي أقوى مما تقدم غير أن القوم لم يهتدوا إليها و لا أظن أنها خطرت ببال أحد منهم و هي أن يقول قائل قد وجدنا

____________

(1- 2)- التوبة/ 40.

46

الله سبحانه ذكر شيئين ثم عبر عن أحدهما بالكناية فكانت الكناية عنهما دون أن تختص بأحدهما و هو مثل قوله سبحانه‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (1) فأورد لفظ الكناية عن الفضة خاصة و إنما أرادهما جميعا معا و قد قال الشاعر

نحن بما عندنا و أنت بما* * * عندك راض و الرأي مختلف‏

.

و إنما أراد نحن بما عندنا راضون و أنت راض بما عندك فذكر أحد الأمرين و استغنى عن الآخر كذلك يقول سبحانه‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ و يريدهما جميعا دون أحدهما.

و الجواب عن هذا و بالله التوفيق أن الاقتصار بالكناية على أحد الأمرين دون عموم الجميع مجاز و استعارة استعمله أهل اللسان في مواضع مخصوصة و جاء به القرآن في أماكن محصورة و قد ثبت أن الاستعارة ليست بأصل يجري في الكلام و لا يصح عليها القياس و ليس يجوز لنا أن نعدل عن ظواهر القرآن و حقيقة الكلام إلا بدليل يلجأ إلى ذلك و لا دليل في قوله تعالى‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ فيتعدى من أجله المكنى عنه إلى غيره.

و شي‏ء آخر و هو أن العرب إنما تستعمل ذلك إذا كان المعنى فيه معروفا و الالتباس منه مرتفعا فتكتفى بلفظ الواحد عن الاثنين للاختصار مع الأمن من وقوع الشبهة و الارتياب فأما إذا لم يكن الشي‏ء معروفا و كان الالتباس عند أفراده متوهما لم يستعمل ذلك و من استعمله كان عندهم ملغزا معميا أ لا ترى أن الله‏

____________

(1)- التوبة/ 34.

47

سبحانه لما قال‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ علم كل سامع للخطاب أنه أرادهما معا بما قدمه من كراهة كنزهما المانع من إنفاقهما فلما عم الشيئين بذكر يتضمنهما في ظاهر المقال بما يدل على معنى ما أخره من ذكر الإنفاق اكتفى بذكر أحدهما للاختصار.

و كذلك قوله تعالى‏ وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها (1) إنما اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدمه في ذكرهما من دليل ما تضمنته الكناية فقال تعالى‏ وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها فأوقع الرؤية على الشيئين جميعا و جعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما عن ذكر الله عز و جل و الصلاة و ليس يجوز أن يقع الالتباس في أنه أراد أحدهما مع ما قدمه من الذكر إذ لو أراد ذلك لخلا الكلام عن الفائدة المعقولة فكان العلم بذلك يجزي في الإشارة إليه.

و كذلك قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (2) لما تقدم ذكر الله على التفصيل و ذكر رسوله على البيان دل على أن الحق في الرضا لهما جميعا و إلا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحد الذي قدمناه و كذلك قول الشاعر

نحن بما عندنا و أنت بما* * * عندك راض و الرأي مختلف‏

.

لو لم يتقدمه قوله نحن بما عندنا لم يجز الاقتصار على الثاني لأنه لو حمل الأول على إسقاط المضمر من قوله راضون لخلا الكلام عن الفائدة فلما كان سائر ما ذكرناه معلوما عند من عقل الخطاب جاز الاقتصار فيه على أحد المذكورين للإيجاز و الاختصار.

____________

(1)- الجمعة/ 11.

(2)- التوبة/ 62.

48

و ليس كذلك قوله تعالى‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ لأن الكلام يتم فيها و ينتظم في وقوع الكناية عن النبي (ص) خاصة دون الكائن معه في الغار و لا يفتقر إلى رد الهاء عليهما معا مع كونها في الحقيقة كناية عن واحد في الذكر و ظاهر اللسان و لو أراد بها الجميع لحصل الالتباس و التعمية و الإلغاز لأنه كما يكون التلبيس واقعا عند دليل الكلام على انتظامها للجميع متى أريد بها الواحدة مع عدم الفائدة لو لم يرجع على الجميع كذلك يكون التلبيس حاصلا إذا أريد بها الجميع عند عدم الدليل الموجب لذلك و كمال الفائدة مع الاقتصار على الواحد في المراد.

أ لا ترى أن قائلا لو قال لقيت زيدا و معه عمرو فخاطبت زيدا و ناظرته و أراد بذلك مناظرة الجميع لكان ملغزا معميا لأنه لم يكن في كلامه ما يفتقر إلى عموم الكناية عنهما و لو جعل هذا نظيرا للآيات التي تقدمت لكان جاهلا لفرق ما بينها و بينه مما شرحناه فيعلم أنه لا نسبه بين الأمرين.

و شي‏ء آخر و هو أن الله سبحانه و تعالى كنى بالهاء التالية للهاء التي في السكينة عن النبي (ص) خاصة فلم يجز أن يكون أراد بالأولة غير النبي (ص) خاصة لأنه لا يعقل في لسان القوم كناية عن مذكورين بلفظ الواحد و كناية تردفها على النسق عن واحد من الاثنين و ليس لذلك نظير في القرآن و لا في الأشعار و لا في شي‏ء من الكلام فلما كانت الهاء في قوله تعالى‏ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها كناية عن النبي (ص) بالاتفاق ثبت أن التي قبلها من قوله‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ كناية عنه (ص) خاصة و بأن مفارقة ذلك لجميع ما تقدم ذكره من الآي و الشعر الذي استشهدوا به و الله الموفق للصواب بمنه‏

49

[فصل مناظرة يحيى البرمكي و هشام بن الحكم‏]

(فصل)

وَ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّهُ قَالَ‏

سَأَلَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ (رحمه الله) فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي يَا هِشَامُ عَنِ الْحَقِّ هَلْ يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ قَالَ هِشَامٌ لَا قَالَ فَخَبِّرْنِي عَنْ نَفْسَيْنِ اخْتَصَمَا فِي حُكْمٍ فِي الدِّينِ وَ تَنَازَعَا وَ اخْتَلَفَا هَلْ يَخْلُوَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُحِقَّيْنِ أَوْ مُبْطِلَيْنِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبْطِلًا وَ الْآخَرُ مُحِقّاً فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ لَا يَخْلُوَانِ مِنْ ذَلِكَ وَ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُحِقَّيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْتُ مِنَ الْجَوَابِ قَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ فَخَبِّرْنِي عَنْ عَلِيٍّ (ع) وَ الْعَبَّاسِ لَمَّا اخْتَصَمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي الْمِيرَاثِ أَيُّهُمَا كَانَ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ إِذْ كُنْتَ لَا تَقُولُ إِنَّهُمَا كَانَا مُحِقَّيْنِ وَ لَا مُبْطِلَيْنِ.

قَالَ هِشَامٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِنَّنِي إِنْ قُلْتُ بِأَنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ مُبْطِلًا كَفَرْتُ وَ خَرَجْتُ عَنْ مَذْهَبِي وَ إِنْ قُلْتُ إِنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مُبْطِلًا ضَرَبَ الرَّشِيدُ عُنُقِي وَ وَرَدَتْ عَلَيَّ مَسْأَلَةٌ لَمْ أَكُنْ سُئِلْتُ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَ لَا أَعْدَدْتُ لَهَا جَوَاباً فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ هُوَ يَقُولُ لِي يَا هِشَامُ لَا تَزَالُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ فَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أُخْذَلُ وَ أَنَّ لِي الْجَوَابَ فِي الْحَالِ فَقُلْتُ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحَدِهِمَا خَطَأً وَ كَانَا جَمِيعاً مُحِقَّيْنِ وَ لِهَذَا نَظِيرٌ قَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ (ع) حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ‏

وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ‏

إِلَى قَوْلِهِ‏

خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ‏ (1)

فَأَيُّ الْمَلَكَيْنِ كَانَ مُخْطِئاً وَ أَيُّهُمَا كَانَ مُصِيباً أَمْ تَقُولُ إِنَّهُمَا كَانَا مُخْطِئَيْنِ فَجَوَابُكَ فِي ذَلِكَ جَوَابِي بِعَيْنِهِ فَقَالَ يَحْيَى لَسْتُ أَقُولُ إِنَّ الْمَلَكَيْنِ أَخْطَئَا بَلْ أَقُولُ إِنَّهُمَا أَصَابَا وَ ذَلِكَ أَنَّهُمَا

____________

(1)- ص/ 21- 22.

50

لَمْ يَخْتَصِمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَ لَا اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ وَ إِنَّمَا أَظْهَرَا ذَلِكَ لِيُنَبِّهَا دَاوُدَ (ع) عَلَى الْخَطِيئَةِ وَ يُعَرِّفَاهُ الْحُكْمَ وَ يُوقِفَاهُ عَلَيْهِ.

قَالَ فَقُلْتُ لَهُ كَذَلِكَ عَلِيٌّ (ع) وَ الْعَبَّاسُ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحُكْمِ وَ لَا اخْتَصَمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَ إِنَّمَا أَظْهَرَا الِاخْتِلَافَ وَ الْخُصُومَةَ لِيُنَبِّهَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى غَلَطِهِ وَ يُوقِفَاهُ عَلَى خَطَئِهِ وَ يَدُلَّاهُ عَلَى ظُلْمِهِ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ وَ لَمْ يَكُونَا فِي رَيْبٍ مِنْ أَمْرِهِمَا وَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى حَدِّ مَا كَانَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً وَ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الرَّشِيدُ

[فصل مناظرة خارجي مع هشام عند الرشيد]

(فصل) و أخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال أحب الرشيد أن يسمع كلام هشام بن الحكم مع الخوارج فأمره بإحضاره و إحضار عبد الله بن يزيد الإباضي و جلس بحيث يسمع كلامهما و لا يرى القوم شخصه و كان بالحضرة يحيى بن خالد فقال يحيى لعبد الله بن يزيد سل أبا محمد يعني هشاما عن شي‏ء فقال هشام إنه لا مسألة للخوارج علينا فقال عبد الله بن يزيد و كيف ذلك فقال هشام لأنكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل و تعديله و الإقرار بإمامته و فضله ثم فارقتمونا في عداوته و البراءة منه فنحن على اجتماعنا و شهادتكم لنا و خلافكم علينا غير قادح في مذهبنا و دعواكم غير مقبولة علينا إذ الاختلاف لا يقابل الاتفاق و شهادة الخصم لخصمه مقبولة و شهادته عليه مردودة.

فقال يحيى بن خالد لقد قربت قطعه يا أبا محمد و لكن جاره شيئا فإن أمير المؤمنين أطال الله بقاه يحب ذلك قال فقال هشام أنا أفعل ذلك غير أن الكلام ربما انتهى إلى حد يغمض و يدق على الأفهام فيعاند أحد الخصمين أو يشتبه عليه فإن أحب الإنصاف فليجعل بيني و بينه واسطة عدلا إن خرجت من الطريق ردني إليه و إن جار في حكمه شهد عليه فقال عبد الله بن يزيد لقد دعا

51

أبو محمد إلى الإنصاف.

فقال هشام فمن يكون هذا الواسطة و ما يكون مذهبه أ يكون من أصحابي أو من أصحابك أو مخالفا للملة أو لنا جميعا فقال عبد الله بن يزيد اختر من شئت فقد رضيت به قال هشام أما أنا فأرى أنه إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبية لي و إن كان من أصحابك لم آمنه في الحكم علي و إن كان مخالفا لنا جميعا لم يكن مأمونا علي و لا عليك و لكن يكون رجلا من أصحابي و رجلا من أصحابك لينظران فيما بيننا و يحكمان علينا بموجب الحق و محض الحكم بالعدل.

فقال عبد الله بن يزيد قد أنصفت يا أبا محمد و كنت أنتظر هذا منك فأقبل هشام على يحيى بن خالد فقال له قد قطعته أيها الوزير و دمرت على مذاهبه كلها بأهون سعي و لم يبق معه شي‏ء و استغنيت عن مناظرته.

قال فحرك الرشيد الستر فأصغى يحيى بن خالد فقال له هذا متكلم الشيعة وافق الرجل موافقة لم تتضمن مناظرة ثم ادعى عليه أنه قد قطعه و أفسد عليه مذهبه فمره أن يبين عن صحة ما ادعاه على الرجل فقال يحيى بن خالد لهشام إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكشف عن صحة ما ادعيت على هذا الرجل قال فقال هشام إن هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حتى كان من أمر الحكمين ما كان فأكفروه بالتحكيم و ضللوه بذلك و هم الذين اضطروه إليه و إن قد حكم هذا الشيخ و هو عماد أصحابه مختارا غير مضطر رجلين مختلفين في مذهبهما أحدهما يكفره و الآخر يعدله فإن كان مصيبا في ذلك فأمير المؤمنين (ع) أولى بالصواب منه و إن كان مخطئا كافرا فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها و النظر في كفره و إيمانه أولى من النظر في إكفاره عليا (ع) قال فاستحسن ذلك الرشيد و أمر بصلته و جائزته‏

52

[فصل في بيان أحوال هشام بن الحكم و ذكر من اسمه هشام من أصحاب الإمام الصادق ع‏]

(فصل) قال الشيخ أدام الله عزه و هشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) و كان فقيها و روى حديثا كثيرا و صحب أبا عبد الله (ع) و بعده أبا الحسن موسى (ع) و كان يكنى أبا محمد و أبا الحكم و كان مولى بني شيبان و كان مقيما بالكوفة و بلغ من مرتبته و علوه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد ع‏

أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بِمِنًى وَ هُوَ غُلَامٌ أَوَّلَ مَا اخْتَطَّ عَارِضَاهُ وَ فِي مَجْلِسِهِ شُيُوخُ الشِّيعَةِ كَحُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ وَ قَيْسٍ الْمَاصِرِ وَ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ وَ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ وَ غَيْرِهِمْ فَرَفَعَهُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنّاً مِنْهُ.

فَلَمَّا رَأَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَدْ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِهِ قَالَ هَذَا نَاصِرُنَا بِقَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ وَ قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ قَدْ سَأَلَهُ عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَ اشْتِقَاقِهَا فَأَجَابَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ أَعْدَاءَنَا الْمُلْحِدِينَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ هِشَامٌ نَعَمْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَ ثَبَّتَكَ عَلَيْهِ قَالَ هِشَامٌ فَوَ اللَّهِ مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا

. قال الشيخ أيده الله و قد روى عن أبي عبد الله (ع) ثمانية رجال كل واحد منهم يقال له هشام فمنهم أبو محمد هشام بن الحكم مولى بني شيبان هذا و منهم هشام بن سالم مولى بشر بن مروان و كان من سبي الجوزجان و منهم هشام الكندي الذي يروى عنه علي بن الحكم و منهم هشام المعروف بأبي عبد الله البزاز و منهم هشام الصيداني و منهم هشام الخياط و منهم هشام بن يزيد و منهم هشام بن المثنى الكوفي‏