صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار - ج1

- محمد مصطفى بيرم الخامس المزيد...
358 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة المحقق‏

الحمد للّه الذي حمده من نعمائه و شكره على ألائه من آلائه، أحمده حمد العارف بحق سنائه و أقف عند غاية العجز عن إحصاء ثنائه، عاكف على رسم الإقرار بالإفتقار إليه و الإستغناء به في كل آنائه.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له المتوحد بعظمته و كبريائه، المتقدس عما يقوله الملحدون في أسمائه، و أصلي على سيد ولد آدم و نخبة أنبيائه، محمد المفضل على العالمين باجتبائه و اصطفائه، و فضله بالآيات الباهرات و المعجزات الظاهرات على أمثاله من المرسلين و نظرائه، و رقاه إلى درجات العلى و أنهاه إلى سدرة المنتهى ليلة إسرائه، و حباه بالخصائص التي لا يضاهى بها بهاء كماله و كمال بهائه، و رداه رداء العصمة فكانت عناية اللّه تكنفه عن يمينه و شماله و أمامه و ورائه، صلى اللّه عليه و على آله مصابيح الهدى و نجوم سمائه و سلم تسليما كثيرا.

إن هذه الدراسة تهدف إلى تقديم رؤية لواقع البلدان التي رحل إليها الشيخ محمد بيرم الخامس التونسي من زوايا علمية تناول فيها جمع حقائق السياق المجتمعي الذي عاش فيه، و المشكلات التي واجهته و التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بمنهجية عمله.

لذلك كان هذا البحث الذي أسهم فيه المؤلف من إثراء تراثنا التاريخي من واقع ظروفه، و بيئته المتطورة سياسيا و اجتماعيا. و الذي نجح فيه أنه ترك مصدرا أصيلا عريقا جديرا بكل اهتمام و رعاية، لذلك اعتمدت في هذه الدراسة على منهجية مستقلة لاستيفاء النقص و تفسير الغوامض و ذلك بالرجوع إلى كمية كبيرة من المصادر و المراجع، و التي ستجد لها فهرسا مرتبا في آخر هذا الكتاب حسب التسلسل الأبجدي مع أسماء مؤلفيها و سنة الطبع.

و يأتي هذا الكتاب عرضا لحصيلة ما قد توصل إليه المصنف من البحث في مجال التاريخ حيث قال: «... فجبت بحارا و قفارا و مدنا و أمصارا على حسب ما يسره المقدور، و ساعفت الوسائل على الوصول إلى مشاهدته من المعمور و رأيت بعيني البصر و البصيرة

4

أمورا عجيبة خطيرة ...» و ذكر فيه البلدان التي رحل إليها من أوروبا و آسيا و أفريقيا، و توسع في مواضع شتى من الكتاب، و أرخ فيه للقطر التونسي من زمن الفتح الإسلامي إلى حين دخول فرنسا فيه، و بلاد الجزائر أيضا و حروب فرنسا فيها كذلك الديار المصرية و الثورة العرابية و غير ذلك من الفوائد التاريخية التي أثرت بحق المكتبة العربية.

ظل هذا الكتاب حبرا على ورق زمنا طويلا إذ لم يبادر الباحثون و الدارسون بتفحصه كمادة للدراسة و التوسع فيه و أخذ ما يرونه مفيدا للتصدي للغزو الفكري الجديد لما يحمله بين دفتيه من صورة للماضي نستخلص منها عبرة للمستقبل. و لا شك أن قضية الغزو الفكري لتاريخنا تشغل بال و أذهان المثقف العربي كما تشغل بال المنظر السياسي سواء بسواء.

بهذا الجهد المتواضع أرجو أن أكون قد وفقت في وضع لبنة جديدة تسد فراغ ما في المكتبة العربية. و إضافة ما يمكن أن ينمي تراثنا العربي و يطوره.

و لا أنسى في هذا المقام أن أتقدم بالشكر و العرفان بالجميل لكل من أسهم في إخراج هذا البحث، و أعانني على تذليل عقباته، من الأصدقاء المخلصين و الأهل و الأساتذة الأفاضل و في مقدمتهم ابن العم نهاد بن حمدي الجنّان جزاهم اللّه عني كل خير.

هذا ما حاولت صنعه و لا أدعي أنني بلغت بهذا كمالا فالكمال للّه وحده، لكنها محاولة آمل أن يجد فيها الدارس و الباحث ما يصبو إليه، و إن كان ثمة شي‏ء يذكر فهو ثنائي على أجدادي و أساتذتي الذين منهم تعلمت و على كتبهم عولت و من آثارهم اقتبست غفر اللّه لهم ولي آمين.

مأمون بن محيي الدين الجنّان دمشق 21/ 11/ 1995 ص. ب 29173

5

ترجمة المؤلف‏

هو السيد محمّد بن مصطفى بن محمّد الثالث بن محمّد الثاني بن محمّد الأول بن حسين بن أحمد بن محمّد بن حسين بن بيرام، حضر إلى تونس قائدا على إحدى فرق الجيش العثماني عند فتحها من يد الإسبانيول على يد الصدر الأعظم سنان باشا سنة 981 هجريّة و قد تزوج بيرام بنتا من آل أبي عبد اللّه بن الأبار القضاعي صاحب كتاب التكملة و إعتاب الكتّاب، و هو الذي أرسله صاحب بلنسية زيان بن أبي الحملات إلى صاحب أفريقيّة (تونس) أبي زكريا يحيى بن أبي حفص يستغيث به لما حاصره ملك برشلونة الإسبانيولي فانشده قصيدته المشهورة الّتي أولها:

أدرك بخيلك خيل اللّه أندلسا* * * إن السبيل إلى منجاتها درسا

و قد قدر اللّه أن الأسطول الذي أرسله صاحب تونس لم يصل في الوقت المناسب لانجاد الأندلسيين فرجع ابن الأبار لتونس حيث استوطن بها سنة 635 ه. و قد أمهرها بيرام أربعة آلاف ريال. هذا هو المنشأ الأصلي لهذه العائلة.

و قد ولد السيد محمّد بيرم بمدينة تونس في المحرم سنة 1256 هجرية الموافق لمارس سنة 1840 ميلادية، و أمه بنت الفريق محمود خوجه وزير البحريّة بالأيالة التونسيّة، و أمها بنت الغماد ذي الشرف المعروف و يتصل نسب آل بيرم بالسادة الأشراف من جهات أخرى أيضا، أهمها: جهة محمد بيرم الأول فإن والدته بنت السيدة الشريفة حسينة بنت محمد بن أبي القاسم بن محمّد بن علي بن حسن الهندي الشريف، و هذا السيد قدم إلى تونس و أجمعت عامتها و خاصتها على الاعتقاد بنسبه الطاهر و التبرك به و نسله فيها بركة أهل تونس إلى الآن، أما نسبه فيتصل إلى الحسين السبط (عليه السلام). و قد تولى محمّد بيرم الثاني نقابة الأشراف في حياة أبيه مضافة إلى خطة القضاء الّتي كانت بيده سنة 1206 ه و استمرت النقابة في يد ولده محمّد بيرم الثالث و حفيده محمّد بيرم الرابع إلى حين وفاته سنة 1278 ه كما أن رئاسة المفتيين الحنفيّة المعبر عنها في تونس بمشيخة الإسلام استمرت في يدهم و يد أبيهم محمّد بيرم الأول من ذي القعدة سنة 1186 ه إلى 4 جمادى الأولى سنة 1278 ه أي إحدى و تسعون سنة و ستة أشهر و لم تنقطع إلّا مدة قليلة بين وفاة بيرم الأول و ولاية بيرم الثاني. و كان جميع آل بيرم منخرطين في سلك العلماء مفتخرين بخدمة العلم إلا القليل منهم فقد دخلوا في الخدمة العسكريّة. فاجتمع لهذه العائلة خدمة

6

الدين من الطريقين طريق العلم و طريق الجهاد. حتى إن أحمد بيرم توفي بجراحة أصابته في محاربة الجزايريين لمراد باي أمير تونس إذ ذاك سنة 1112 ه و كأن هذه الخدمة السياسيّة أثرت في صاحب الترجمة مع قرابته لوزير البحريّة حينئذ فصار له ميل كلي للتداخل في الأمور الملكيّة و معرفة أحوال الحكومة. و قد كان جده محمود خوجه رام إدخاله في الخدمة العسكريّة لو لا ممانعة عمه شيخ الإسلام بيرم الرابع فدخل صاحب الترجمة إلى جامع الزيتونة و قرأ على مشايخ الوقت المعدودين. و لم يمنعه ذلك عن إشغال فكره بما يهواه من أمور الإدارة مع تباعد أهل العلم عادة عن كل ما هو خارج عن دائرة دروسهم، و قد جرت عادة الكثير من العلماء و الأدباء بتونس أن يكون لكل واحد منهم سفر شبيه بالسفينة يسمونه «كناشا» يجمعون فيه ما يحلو لديهم جمعه من إنشاآتهم أو إنشاآت غيرهم علميّة و أدبيّة نظما و نثرا متضمنة الفوائد المختلفة في فنون و معان شتى، و قد خطى صاحب الترجمة على خطاهم و عمره سبعة عشر سنة و أول ما افتتح به كتابه ما تجمع لديه من أوامر و قوانين و نظامات في شؤون الحكومة، أصدرها إذ ذاك صهره الأمير محمّد باشا و هذا يدل دلالة واضحة لا شبهة فيها على ميل صاحب الترجمة و تعلقه بأحوال السياسة، و قد كان في حال صباه يرى العربان يفدون على والده و هو مشغول بالزراعة يتضجرون و يتوجعون مما يصيبهم من ظلم الحكام و تشديدهم في نهب الأموال بسائر الطرق الّتي اخترعوها في ذلك الوقت مما هو مبسوط في الكلام عن سياسة تونس الداخليّة في «صفوة الإعتبار»، فأثر فيه نحيبهم و بكاؤهم فأوقف حياته من ذلك العهد على الانتصار للرعايا و تخفيف الاستبداد عليهم و السعي وراء نشر القوانين و تأسيس المجالس النيابيّة، و الميل بكل جوارحه للحريّة مع ما جرت به العادة من تباعد ذوي البيوتات عن مثل ذلك، حتى لقد بلغ به الولع بالحرية و حب المجالس الشوروية أن تخالف رأيا يوما و هو صغير السن لا يتجاوز من العمر عشرين سنة مع أبيه و ابن عمه عندما افتتح الأمير الصادق باشا المجلس الأكبر و أسس قوانين عهد الأمان‏

Constitution

(كونستيتسيون)، فكان صاحب الترجمة ينتصر لهذه المستحدثات و يتوسم فيها خيرا للبلاد و ذانك يخالفانه مع أن أحدهما كان من جملة أعضاء المجلس، لما غرس في أذهان أصحاب البيوتات من التنحي عن مثل هذه المستحدثات الّتي لا تروق في أعين حكامهم.

و بعد وفاة عمه الشيخ بيرم الرابع ولاه الأمير مشيخة المدرسة العنقيّة في 6 جمادى الأولى سنة 1278 ه فباشر التدريس فيها و من عادة علماء تونس من مشايخ المدارس أن يقرأوا فيها صحيح البخاري خصوصا في الأشهر الثلاثة المكرمة و اعتبارا من 15 رمضان يبتدى‏ء كل واحد منهم بحسب الدور بختم ما قرأه، و ذلك بأن يتلو الحديث الشريف الذي وقف عليه و يكتب عنه ما يعن له من الشروح و التعليقات و يكون لذلك مجلس حافل يستمر من العصر إلى قريب الغروب و تتوالى الاحتفالات المذكورة إلى الليلة السابعة و العشرين من رمضان حيث يكون ختم جامع الزيتونة و دور المدرسة العنقيّة في اليوم الخامس و العشرين‏

7

منه، و قد حضر الأمير بنفسه ذلك الختم في تلك السنة تشجعيا للشيخ الجديد و كان حديث الختم قوله عليه الصلاة و السلام «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» و في 9 جمادى الثانية سنة 1278 ه صار مدرسا في جامع الزيتونة من الطبقة الثانية، و في 15 رجب سنة 1284 ه رقي مدرسا من الطبقة الأولى فاستمر مباشرا للتدريس مشغولا بإدارة أملاكه و عقاراته و أموره الخصوصية و توفي والده إلى رحمة ربه في 14 جمادى الأولى سنة 1280 ه و ترك له ثروة عظيمة.

و في تلك الأثناء ظهرت الفتنة العموميّة في الإيالة التونسية متسببة عما كان يتوقعه و يخشاه من عاقبة ظلم الرعيّة و استبداد الحكام، و قبيل ذلك أقفلت المجالس الشورويّة الّتي كان صاحب الترجمة يتولع بها و يهواها و لا يتوسم لخير المملكة سواها، و كأن ذلك أثر عليه تأثيرا شديدا حتى أنه كاتب أحد أصدقائه من أمراء المسلمين المقيمين بأوربا بما نص محل الحاجة منه: «فيا لها من حال. يرثي لها من رام النزال. و تخر لشدّتها شامخات الجبال». إلى أن قال: «فقد فاز من نهض بنفسه. و استراح من فتنة باطنه و حسه. إذ الآيات وردت على ذلك ناصة. فقال تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] ففاز المخففون. و ابتلى المتأهلون. و و اللّه العظيم و نبيه الكريم. طالما نهضت عزائمي إلى الترحال. فأثقلتني قيود العيال. مع ما أنا عليه من الوحدة عن أخ شقيق. أو قريب يخلفني فيهم عند الضيق. و لم أستطع التخلص بكلي. لما لا يخفى مما يثقل كلي. و أقسم بالقرآن. و صفات الرحمن. أنني عرضت للبيع أملاكي. لأتخلص بها من أشراكي. و أستعين منها بالأثمان. فلم أجد من يصرف لهذا الوجه أي عنان. و لو من أعيان الأعيان الخ».

و من ذلك الحين اشتد اتصاله بالوزير خير الدين باشا إذ كان هو رئيس المجلس الأكبر الذي الغي و كانت مناسبة الوصلة بينهما حبهما للحرية و تعميم الشورى في المملكة و هما كما لا يخفى القوّتان الوحيدتان لحفظ استقلال البلاد من التلاشي، و لذلك فإنه لما تولى خير الدين باشا الوزارة الكبرى في تونس في رمضان سنة 1290 ه كان صاحب الترجمة من أكبر أنصاره و محازبيه و تظاهر بذلك تظاهرا كليا حتى نشر في الرائد التونسي الذي هو جريدة الحكومة الرسميّة مكتوبين أظهر فيهما انبساط الأهالي من تغيير الوزارة و بين غلط المنتصرين للحاكم السابق و أنهم فئة قليلة لا تحب خير البلاد، و كان بذلك أول تونسي جاهر بآرائه السياسية في الجرائد تحت إمضائه على ما أظن و زاد على هذا التظاهر الأدبي بأن سعى في أعمال تظاهر مادّي و ذلك بأن اتفق مع علماء جامع الزيتونة على إقامة احتفالات في الجامع شكرا للّه على انقاذ البلاد من عهد الجور و إدخالها في عصر الإطمئنان و الرجوع لعهد الأمان، و حصل بالفعل ذلك الإحتفال و أعقبه كثير مثله في جهات الحاضرة و بقيّة بلدان المملكة، فكانت نهضة حقيقية وطنيّة صادرة عن إخلاص نيّة حبّا في الحريّة و إستقامة الأحكام.

8

و لما استقرّ الوزير المشار إليه في المنصب و وجه عزيمته لإصلاح الإدارة رأى أن الأوقاف مشتتة قد استولت عليها أيدي الخراب و الأطماع فرأى: «إن جمعها في إدارة واحدة يكفل حفظها و يجمع ريعها فيصرف في أوجهه المشروعة». و ذلك على النحو الجاري في دار الخلافة السعيدة، و قد رأى الوزير أن يعهد إلى صاحب الترجمة أمر هذه الإدارة الجديدة لما يعهده فيه من معرفته بالأحكام الشرعية و إطلاعه على المقتضيّات الوقتية فامتنع المرحوم أولا من قبول أي وظيفة كانت، لأنه لم يكن يميل إلى التقيد بشي‏ء مّا يمنعه عن السعي وراء ضالته المنشودة و هي الحريّة للرعيّة و دخوله في الوظائف يجعله بلا ريب مقيدا مع الوزير بالآداب الّتي تقتضيها الوظيفة، أما بقاؤه خارجا عن دائرة الحكومة فيبقيه على حريته الّتي تمكّنه من تذكير الوزير بما عساه ينساه من تتميمه لما كان تعهد بإجرائه، هذا فضلا عما كانت عليه سجيّة صاحب الترجمة من الهمة و إباءة النفس، حتى كأن جدّه حسين بيرم المتوفي سنة 1155 ه قد نظر إليه بظهر الغيب لمّا ذيل البيتين الشهيرين:

شيآن لو بكت الدماء عليهما* * * عيناي حتّى تؤذنا بذهاب‏

لما يبلغا المعشار من حقيهما* * * فقد الشباب و فرقة الأحباب‏

بقوله:

و أشدّ من هذين أن يلقى الفتى‏* * * ذل السؤال و وقفة الأبواب‏

و مع ذلك فقد تغلب أصحابه عليه و قبل إدارة الأوقاف في 17 صفر سنة 1291 ه و لم ينفرد مع ذلك بأمرها بل شارك معه مجلسا مؤلفا من ثلاثة أعضاء أحدهم من رجال الإدارة و الإثنان الآخران من أعيان الأهالي و التجار و جعل نظرهم في الأوقاف على قسمين:

الأول: الأوقاف الأهليّة أي الّتي هي موقوفة على ذريّة الواقف أو قرابته.

الثاني: الأوقاف الّتي على أعمال البر مثل الجوامع و قراءة القرآن و غير ذلك.

فأما نظرهم في الأول فهو مجرد نظر إرشاد، و إما القسم الثاني فنظرهم عليه نظر تصرف مطلق، و المباشر للأعمال هو الرئيس بعد أخذ رأي الأعضاء عنها، و قد جمع الأوقاف كل نوع منها لجهة واحدة بأن ضم مثلا جوامع الخطب كلها لجهة و المدارس كلها لجهة و أوقاف القرآن لجهة و هكذا إلى آخر أنواع الموقوف عليه، و جعل لكل قسم وكيلا خاصا يباشر العمل في ذلك تحت النظر الأصلي فيقبض الوكيل و يصرف في إقامة الشعائر و في إصلاح الموقوف و الموقوف عليه و لكنه لا يعمل شيئا إلّا بعد الإستئذان من رئيس المجلس، و جميع حساباته ترسم في دفترين مخصوصين بشهادة عدلين أحد الدفترين للحسابات اليوميّة و الثاني للحسابات العمومية، و إنما جمع كل نوع من الأوقاف تحت نظر وكيل واحد لأن الموقوف عليه مختلف الريع بعضه غني و بعضه فقير، فإذا

9

كانت إدارتها جميعا متحدة فيصرف من دخل الغني على الفقير لأنهما من نوع واحد، و بذلك تيسرت سهولة الإصلاح. ثم إنه في آخر كل أسبوع يقدّم الوكلاء حساباتهم و يوردون للخزينة العموميّة كل ما زاد عندهم من الإيراد على المصروفات الضرورية، و هذه الخزينة لها ثلاثة مفاتيح اثنان منها يبقيان بطرف أمين المال و الثالث يحفظ عند الرئيس و لا تفتح إلّا بحضور الجميع، ثم إن جميع أماكن الأوقاف لا يحصل تأجيرها إلّا بعد الإعلان و المزايدة علنا بمحضر القاضي ثم إن أموال الأوقاف أول ما يقام منها الوقف و الموقوف عليه حسب نص الواقف و يقدّم الأهم على المهم و جميع مداولات المجلس و دفاتر الإيراد و الصرف في الخزينة العمومية، يمضيها جميع الأعضاء مع الرئيس يوميّا، و كان يصرف من فواضل الأوقاف على الأوقاف الّتي لم يحضرها دخلها و ذلك على وجه القرض و لمّا يحضر مالها تعيد ما استقرضته للخزينة العموميّة، ثم يدفع منها جميع مرتبات الحكام الشرعيين من قضاة و مفتيين في جميع المملكة و السادة الأشراف، و يدفع منها مصروفات نظارة المعارف من موظفيها و مرتبات مدرسي جامع الزيتونة و مصروفات دواوين الشريعة المطهرة، و مصروفات المجلس البلدي بحاضرة تونس و إصلاح الطرقات و تنظيفها و إقامة الجسور و القناطر، و مصروفات المستشفى و المكتبة العموميّة و غير ذلك من مصاريف بعض المهمات الّتي تحدث أحيانا و ترجع إلى مصلحة عموميّة إن كان في الفواضل ما يوفي بها، و بسبب إجراء قوانين الأوقاف حقيقة بدون محاباة تحسن حالها و زادت إيرادتها حتّى بلغت في السنة الخامسة من وجود هذه الإدارة مليونين و مائة و خمسين ألف ريالا و نيفا، و كانت في السنة الأولى مليونا واحدا و مائتي ألف ريال و نيفا، زيادة على ما ظهر من الأوقاف الّتي كانت تلاشتها أيدي العدوان حتّى بلغت إلى مئات من قطع الأراضي و الدكاكين و البيوت و آلاف من شجر الزيتون كما هو مبسوط في العدد 18 من الرائد التونسي سنة 1297 ه و ظهرت أوجه من الموقوف عليه لم تكن في الحسبان كالوقف على تنوير الأماكن المظلمة في الليل و الوقف على التقاط العقارب إلى غير ذلك من أوجه البر.

و قد التزم الرئيس أن يفرغ جهده لإصلاح هذه الإدارة المستجدّة و تدريب عمالها على العمل حسب المرغوب حتّى التزم في أول الأمر أن يباشر جميع الأعمال بنفسه جزئيّة و كليّة ليلا و نهارا و استمر على ذلك مدة طرأ عليه في أثنائها مرض عصبي لم يفارقه إلى أن قضى عليه، و كان ابتداء المرض في صيف سنة 1292 ه و بسبب هذا المرض عزم على السفر للتداوي في أوربا فسافر إليها في شوال سنة 1292 ه و كان ذلك سببا لكتابته «صفوة الإعتبار». و لم تكن هذه الرحلة أول تأليف له بل قد سبق له كتابة رسالة سماها «تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص»، و مضمونها احتواه عنوانها و سبب تأليفها الخلاف الحاصل بين بعض العلماء في حل أكل الصيد المذكور من عدمه، و ألف أيضا في أول نشأته مجموعا مختصرا مفيدا في فن العروض و ذلك عند بداية تعاطيه لنظم القريض، و حرّر

10

مسألة فقهيّة في جواز إسدال شعر الرأس و سببها أن الأمير أمر رجال حكومته بإسدال شعرهم و كانوا يحلقونه فاستفتى في جواز ذلك من عدمه و اختلفت فتاوى العلماء خشية القول بالتشبه بالإفرنج فكتب المرحوم رسالته بالجواز مستندا على عمل النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و في تلك السنة أي سنة 1292 ه افتتحت في تونس أول مدرسة على حسب النظام الجديد المتبع في أوروبا سميت المدرسة الصادقيّة نسبة للأمير فكان المرحوم من أعضاء اللجنة الّتي رتبت نظاماتها و اهتم كثيرا بإقناع الناس على إدخال أبنائهم فيها و كان هو من أول العاملين بقوله فجعل ابنه كاتب هذه الأسطر من جملة تلامذتها، و قد حصل في بداية الأمر نفور الناس منها إذ أن العادة جرت بنفرة غير المألوف و لم تزل تلك المدرسة ناشرة فوائدها بين التونسيين و أكثر المتولين مناصب الحكومة بتونس الآن هم من الشبان الذين تغذوا بلبان معارفها.

و في 10 جمادي الثانية سنة 1292 ه عهدت إليه نظارة مطبعة الحكومة فنظمها و أصلح شأنها و أصدر الرائد التونسي (الجريدة الرسميّة) في مواعيده المعينة كل أسبوع مرة و كان لا يصدر إلّا بحسب التيسير، و لما كان الرائد التونسي هو الجريدة الوحيدة الّتي تصدر في تونس بذل كل ما في وسعه لجعله مفيدا لبني وطنه، و استعان على تحريره بجهابذة أعلام كالشيخ حمزة فتح اللّه المصري، و الشيخ محمّد السنوسي التونسي. و نشرت فيه مقالات رنانة حاثة على الجامعة و الوحدة و العدل و الإئتلاف لا سيما زمن الحرب بين الدولة العليّة و الروسيا، و قد قسم المرحوم وقته فكان يتوجه لإدارة الأوقاف صباح كل يوم و يتوجه للمطبعة بعد الظهر. و في تلك الأثناء نظم المكتبة الصادقية بإزاء جامع الزيتونة و هي مكتبة جمعت آلافا من الكتب النفيسة في كل فن، تبرع بجانب عظيم منها الوزير خير الدين باشا و أكثرها كتب استولت عليها الحكومة من مملوكات الوزير القديم مصطفى خزندار، و جعلها مفتوحة للمطالعة و استفادة العموم في جميع أوقات النهار بشرط أن لا يخرج منها كتاب و جميع مصاريف هذه المكتبة تحملت بها إدارة الأوقاف على ما مرّ بيانه.

و في سنة 1293 ه لما ظهرت الحرب بين الدولة العليّة و الصرب بذل صاحب الترجمة غاية مجهوده لمساعدة الدولة بالمال و الخيل و البغال حيث لم تتيسر مساعدتها بالرجال لأسباب سياسيّة و موانع محليّة، و قد نشر صاحب جريدة الجوائب الصادرة بالأستانة قصيدة لصاحب الترجمة في الحث على التعاون و الإئتلاف عند تلك المناسبة قال فيها:

يا أمة الإسلام صونوا عزكم‏* * * بتعاضد و تمدن و تنافس‏

يا أمة الإسلام أحيوا ذكركم‏* * * بتآلف و تودّد و تآنس‏

يا أمة الإسلام نمّوا صيتكم‏* * * بمعارف و صنائع و مجالس‏

يا أمة الإسلام حوطوا أمركم‏* * * بتشاور و تدبر و حوارس‏

يا أمة الإسلام أجلوا فخركم‏* * * بديانة قد سترت بحنادس‏

11

يا أمة الإسلام هبوا للفلا* * * ح و لا تضيعوا نجحكم بتقاعس‏

يا أمة الإسلام عوا و استيقظوا* * * إن الهلاك مسارع للناعس‏

يا أمة الإسلام زيدوا ثروة* * * بتعاون و مصانع و مغارس‏

يا أمة الإسلام شيدوا مجدكم‏* * * بتناصر و تناصح و تجانس‏

يا أمة الإسلام شدّوا عزمكم‏* * * فثباتكم بين البرايا ما نسي‏

و لما خلت وظيفة شيخ الإسلام بتونس عند وفاة صاحبها توجهت الأنظار لتولية صاحب الترجمة عليها حتى إن المنصب المذكور بقي خاليا مدة شهرين لذلك، فاعتذر بأن الوقت غير مناسب لإعادة جاه هذا المنصب و رجوع عزه إليه كما كان عليه زمن عمه.

و لما استعفى خير الدين باشا من الوزارة التونسيّة في رجب سنة 1294 ه رام صاحب الترجمة التخلي عن وظائفه أيضا، غير أن مداخلة الأمير الشخصيّة منعته من تنفيذ هذا العزم و قد رأى من الوزير محمّد خزنه دار جميل العناية كما يستدل عليه من المكتوب الآتي:

«الهمام الأوحد النحرير الشيخ السيد محمّد بيرم رئيس جمعيّة الأوقاف دام مجده أما بعد.

السلام عليكم [و رحمة اللّه‏] و بركاته فالواصل إليكم ترجمة مكتوب ورد من المكلف بأمور دولة أسبانيا للإطلاع عليها و تعرفونا بما يجاب الرجل في النازلة و في أمن اللّه دمتم و السلام من كاتبه محمّد في 29 ذي الحجة سنة 1294 ه».

و من ذلك الحين أيضا صار الوزير مصطفى بن إسماعيل يظهر له كمال التودّد و التلطف و في مصيف سنة 1295 ه أثناء وجود المعرض الباريسي سنة 1878 توجه المرحوم ثانيا إلى باريس للمعالجة من مرضه الذي لم يفارقه، و في هذه السنة زار لندره من بلاد الإنكليز و عند عودته عرج على الجزائر، و في مدة إقامته بباريس أكرمه المارشال مكماهون رئيس الجمهوريّة الفرنسويّة إذ ذاك بإحضاره في الأوبره و هو التياتر و الكبير في نفس لوجته (حجرته) و حضر بعض الاحتفالات الّتي أقامها الوزراء أثناء المعرض، و بالجملة فإن القوم أكرموه إكراما فائقا، و في تلك السفرة احتفل ولي عهد الإمارة بتونس و هو الأمير الحالي بختن نجليه فكاتبه المرحوم بالتهنئة و كانت بينهما علاقة ودّيّة قديمة، فأجابه الأمير بهذا المكتوب و نصه بعد الحمدلة و التصلية:

تبدّت في حلا الحسن الجلي‏* * * خريدة ذات ثغر ألعسي‏

تجرّ مطارفا و تميس تيها* * * و يسطو لحظها في كل حي‏

فيا للّه ما أحلى دلالا* * * و أعذب لفظها شهد الشهي‏

فما للبحر لم يصبح فراتا* * * و قد أمست به زمن الملي‏

فقلت لها انتم يا خود فخر* * * فقالت بنت فكر البيرمي‏

12

لقد حاز المعارف و المعالي‏* * * وحيد الدهر ذو الحسب النقي‏

أتت من نحوكم درر التهاني‏* * * منظمة بسلك جوهري‏

و كيف يفوت حظك بابتعاد* * * و في الأحشاء ذو ودّ خفي‏

وها ولدي الزكي يروم وصلا* * * لجانبكم بباريس السمي‏

و أني ارتجي بشرى الشفاء* * * و عودكما مع اللطف الخفي‏

الماجد الزكي العالم أبو عبد اللّه الشيخ السيد محمّد بيرم حرسه اللّه تعالى. أما بعد أتم السلام فقد ورد نظمكم الرائق. و ما تضمنه من التاريخ الفائق. في التهنئة بالختان و أني أهنيك بذلك كما ارتجي هناءك. بتمام شفائك. و أنت إن ترحلت عن حمانا جسما. فلم يزل ودّك مرتسما. بدفاتر الإحشاء رسما. و السلام، من الفقير إلى ربه أمير الأمراء علي باي أمير الأمحال عفى عنه، في 2 رجب الأصب من سنة 1295 ه.

و لما رجع من هذه السفرة و استقر مدة أحب أن ينظم المستشفى التونسي على النحو الذي رآه في أوروبا من إتقان المستشفيات و الاعتناء بالمرضى و تقسيمهم كل قسم على حدة، و كذلك تحسين حال المجانين إذ إن المستشفى التونسي واحد يقبل جميع المرضى.

و استعان على ذلك بحكماء ماهرين أهمهم الدكتور ماسكرو حكيم الأمير الخصوصي، و قد حسن للوزير مصطفى بن إسماعيل هذا العمل و تخصيص إحدى القشلاقات العسكريّة القديمة الواسعة لهذا الغرض، و كانت معطلة خاوية تنعي بفراغها و إقفال أبوابها ما كانت عليه البلاد التونسيّة في العصر السالف من القوّة و الاستعداد و التأهب للمكافحة و الجلاد و المدافعة عن استقلال البلاد، و القشلة واقعة في حي مرتفع نقي الهواء و في تلك الأثناء حصلت منازعة بين الحكومة التونسيّة واحد الفرنساويين المدعو الكونت دو صانسي على أرض فسيحة تعرف بهنشير سيدي ثابت كانت تنازلت له عنها الحكومة لتحسين حالة الزرع و إنتاج الخيل و لما أخل بالشروط الّتي أعطيت له بمقتضاها، و انتهت مدة التنازل رامت الحكومة استرجاعها و بينما هي تنازعه فيها إذا بالوزير و بعض أعوانه دخلوها عنوة فوقع لذلك هرج و مرج و انتهزها قنصل الفرنسيس الموسيو روستان فرصة لإرهاب الأمير و الاستيلاء على الوزير و زيادة شوكة دولته في تونس، فقطع العلاقات السياسية و طلب عدة مطالب للترضية أهمها عزل الوزير و التعويض على الكونت.

و كل مطلع على تاريخ تونس الحديث ملم بما كتب عن مصطفى بن إسماعيل في «صفوة الإعتبار» و غيرها يعلم أنه لم يكن أهلا لتقليد الوزارة و لا لمباشرة شؤون المملكة بأي وجه من الوجوه و هكذا جرت سنة الخلق كلما أخذت أمة في الإنحلال و الإضمحلال تسلط عليها الوضيع. و نبذ الرفيع. و تقدّم الغافل. و تأخر العاقل. و تملك الغبيّ. و احتقر الذكيّ. و انتصر الجهل. و خذل الفضل. و قامت دولة الأوغاد و السفل. ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا و لو لا سيطرة الظلم و الاستبداد من الحكام و إلجامهم الأهالي بلجام من الجور

13

و الإعتساف. لما رفع مصطفى بن إسماعيل من حضيض الأرض إلى عنان السماء. و من دائرة السوقة إلى منصب الوزراء و للّه الأمر من قبل و من بعد.

و لما كان الوزير المذكور يحس من نفسه بعدم اللياقة لمركزه، كان دائما متوقعا الشر من كل مقتدر على تفهيم الباي بحقيقة حاله و سوء أعماله، و لذلك فإن رستان علم أن لا شي‏ء يقوده غير الإرهاب فطلب عزله إرهابا له فسهل عليه قياده من ذلك الحين فصار في يده كالميت في يد غاسله، و قد أسرع الوزير بترضية القنصل ترضية رسميّة على الإعتداء الذي حصل منه فداء لمركزه و استقرّ الرأي على تشكيل لجنة للتحكيم تحت رئاسة قاض فرنساوي يكون فيها عضوان تونسيان و عضوان فرنساويان تنظر في جميع مدعيّات الطرفين و تصدر حكمها فيها فكان صاحب الترجمة أحد ذينك العضوين التونسيين، و قد ناضل عن حقوق حكومته بجميع قواه و بلغ به تعب الفكر و البدن منتهاه حتى عاد إليه المرض بعد أن كاد يشفى منه و قد أوصاه الحكماء الذين باشروا معالجته في باريس و في مقدّمتهم شاركو الشهير بأن يقلل ما أمكن من الإشتغال بالفكر و يتباعد عن الإنفعالات النفسانيّة إذ إن مرضه عصبي واقع في الأعصاب الواصلة بين المعدة و القلب مع ضعف شديد في الدم تطرأ عليه أدوار غريبة في الوجع و الألم التزم لتسكينها بتعاطي المرفين و هو روح الأفيون، و قد رجع من باريس آخر مرة و كاد يبطل استعماله بالمرة بل بقي عدّة أشهر لا يستعمله أصلا غير أن مسألة صانسي و ما رآه فيها من حيف الأجنبي لاهتضام حقوق البلاد و التلاعب باستقلالها أعاد إليه المرض كله بأشد مما كان عليه و قد صدر الحكم بمحقوقيّة الحكومة التونسيّة كما هي العادة في جميع المسائل الّتي تقع من هذا القبيل في البلاد الشرقيّة في مثل هذه الأوقات.

و في تلك الأثناء أنهى تنظيم المستشفى الجديد المسمى بالصادقي و هو على قسمين:

أحدهما: مجاني للفقراء يسع مائة مريض. و الآخر: للموسرين بأجرة معينة زهيدة، و افتتحه الأمير بنفسه في موكب حافل حضره في يوم 10 فبراير سنة 1879 (18 صفر سنة 1296 ه) و أعلن الوزير عن لسان الحكومة بحسن مساعي صاحب الترجمة في تنظيم هذا المستشفى بقوله في خطاب ألقاه على مسامع الأمير في ذلك الاحتفال و هو:

«بمقتضى الاذن العلي و عناية سيدنا أدام اللّه تعالى بقاءه بمصالح بلاده وقع انجاز هذه المأثرة الجميلة التي هي إحدى مآثر الحضرة العليّة، و هي هذا المستشفى الصادقي الذي شرفه سيدنا أيده اللّه تعالى بالحضور فيه هذا اليوم، و قد اعتنى الشيخ السيد محمّد بيرم ببذل الجهد في انجازه و ترتيبه على الكيفيّة المشاهدة بما نرجو من اللّه تعالى أن يحل ذلك من سيدنا محل الاستحسان».

فأجاب الأمير بالشكر و الثناء و أهدى إلى صاحب الترجمة في ذلك اليوم علبة مرصعة ذات قيمة وافرة مكتوب عليها اسمه بالأحجار الكريمة. و في أواسط تلك السنة تطاول أحد

14

أعوان الوزير على القاضي المالكي الشرعي بديوان الحكم و هو أمر لم يعهد له مثيل في تونس حيث لم تزل الأحكام الشرعيّة و حكامها مرموقين بعين التبجيل و الاحترام اللائقين، فهاجت البلاد لذلك و ماجت و اتفق الحكام الشرعيون على تعطيل الأحكام إلى أن يسترضيهم الأمير بعزل الوزير و عقاب تابعه العقاب الصارم و إجراء القوانين و المجالس الشورويّة في البلاد لتكون ضمانة كافية على عدم العود لمثل هذا الحادث المكدر و عدم تسليم الادارة لمن لا يكون كفوءا لها، و بعد أن اتفقت كلمتهم على هذه المطالب و كادوا أن يحصلوا عليها دخل بين بعضهم داخل الغرور و التفرقة فتشتتت آراؤهم و انحلت جامعتهم و رضوا بتبعيد التابع المتطاول لاحدى معاقل المملكة في قابس الواقعة على حدود طرابلس، و بتشكيل الأمير لمجلس سماه مجلس الشورى للنظر في مهمات أمور الدولة و جعله تحت رئاسة الوزير نفسه و أعضاؤه بقيّة وزراء المملكة و مستشاروها و ليس فيهم إلّا اثنان من الأهالي و الباقي كلهم من مماليك الجراكسة و زاد عليهم اثنين هما السيد محمّد بيرم و العربي باشا زروق رئيس المجلس البلدي، و كانا من أشد المعضدين لعزائم الحكام الشرعيين في مطالبهم الّتي طلبوها و كان ذلك في 11 رجب سنة 1296 ه و لا يخفى ما في رضاء المشايخ بمثل هذا المجلس خصوصا بعد تعيين صاحبيهم فيه من الايقاع بهما و التغاضي عن صالح البلاد الحقيقي.

و لم تطل الأيام حتى اختلق الوزير مأمورية لصاحب الترجمة و أرسله بها إلى فرنسا و حاصلها السعي لدى كبراء القوم و خصوصا «غامبيتا» رئيس مجلس النواب إذ ذاك و صاحب القول الفصل في بلاده، لتغيير قنصلهم في تونس لأنه اشتد على الحكومة اشتدادا لم يبق لها حريّة للعمل في شؤونها الداخلية قط، و لم يقف عند حدّ في إلقاء الدسائس و الفتن و توغير الصدور بين الراعي و الرعيّة حتى أنه لما طلب أعيان الأهالي التونسيين ما طلبوه من تأسيس الحريّة و الشورى في بلادهم كان الموسيو «رستان نائب» الجمهوريّة الفرنسويّة ينصح الأمير بعدم الاصغاء إلى هذا الطلب، و إن العساكر الفرنسويّة بالجزائر مستعدة لمعاضدته و كسر شوكة الأهالي و اذلالهم عند اللزوم، و هي سياسة قديمة اتبعتها فرنسا في تونس نفسها، فإن قوانين عهد الأمان السابق ذكرها المؤسسة في تونس سنة 1274 ه كانت بمساعي فرنسا و انكلترا ظاهرا و تهديدهما للأمير باسطوليهما اللذين حضرا لذلك الغرض و كان ذلك لمجرد قتل يهودي في اقامة حدّ اقتضته الشريعة، و لما اجريت تلك القوانين بالفعل سنة 1277 ه و توجه الأمير لمقابلة الامبراطور نابليون الثالث في الجزائر و أهدى إليه نسخة من تلك القوانين اقتبلها منه بالشكر ظاهرا و لما اختلى الامبراطور بقنصله «ليون روش» و بخه توبيخا شديدا على ما رواه المرحوم الجنرال حسين و أفهمه غلطه من المعاضدة على إجراء القوانين الشورويّة في تونس حقيقة، و قال له: «إن العرب إذا تأنسوا بالعدالة و الحريّة فلا راحة لنا معهم في الجزائر مطلقا» و من ذلك الحين وجه القنصل همته لاقناع الوزير مصطفى خزنه دار بإلغاء تلك القوانين و وجد منه اذنا صاغية فألغاها و بقيت كذلك إلى‏

15

هذا الوقت. و قد قبل السيد محمّد بيرم مأموريته كما قبل المرحوم حسين باشا وزير المعارف إذ ذاك بتونس مثلها لدى البرنس «بسمارك».

و لما توجه صاحب الترجمة للسلام على الأمير سلام الوداع واجهه بكلام اللوم و العتاب على ما جرى منه من تعضيد المطالب الأهلية، فأجابه الشيخ بيرم بكلام أثر في نفسه تأثيرا لم يزل يكرّره بتوجع إلى آخر مدته و هو أنه قال له: «إننا نطلب الحريّة الّتي قال سيدنا أنه لا يعطيها لنا غيره» فأجابه الأمير: لمن أعطي الحريّة أللنجار و الحداد أم لك أو لهذا؟ (و أشار إلى أحد كبار الحاضرين) فإن النجار و الحداد إذا أعطيا الحريّة أساءا التصرف بها و لم تبق لنا معهما راحة، فقال له السيد بيرم: «إن الحريّة الّتي يعطيها سيدنا للحداد و النجار تصيرهما مثلي أنا و مثل هذا»، و أشار إلى ذلك الوجيه و سبب انزعاج الأمير من هذا الجواب هو تكرار لفظة الحريّة فيه و لم يعهد أنه سمعه من قبل، حتى أن أمراء تونس قديما كانوا يعتقدون أنهم يمتلكون البلاد بمن فيها من الأرزاق و الأنعام و السكان امتلاكا شرعيّا لا ينازعهم فيه منازع، و أورد المؤرخ اللبيب الشيخ أحمد بن أبي الضياف في تاريخه نادرة جرت له مع أمير تونس حسين باشا الثاني في هذا الموضوع كادت أن تورده حتفه (رحمه اللّه).

و لما وصل صاحب الترجمة هذه المرّة إلى باريس و كان ظاهر أمره أنه توجه للتداوي اجتمع بالموسيو «غامبيتا» و فاوضه في المسألة الّتي كلفه بها الوزير و سلمه تقريرا فيها هذه صورته:

«إني أقدم على وجه خصوصي غير رسمي إلى حضرتكم العليّة تقرير ما هو واقع في المملكة التونسيّة مما عساه أن يكدر صفاء القلوب حيث كنت أنا و أهل بلادي على علم من أن الدولة العظيمة الحرّة لا يبلغها ما هو حاصل الآن من نائبها في تونس الذي اتخذ طريقة التشديد و التخويف ديدنا في كل شي‏ء حتى صير حكومتنا متحذرة من أصدقائها عوضا عن زيادة الألفة و الركون الذي هو الواجب مع الأمة الفرنسويّة الّتي كل أهالينا يعلم أنها وحدها هي الّتي تفيدنا و لهذا عندما امتلأ و طابنا من الكدر لم نقصد إلّا ابلاغ الحال إلى رجالها المنصفين من غير أن نطرق بابا غير بابها و ذلك أن موسيو «رستان» النائب المذكور بعد أن أوقع دولتنا في إرتباك و كاد يغير علينا الدولة الفرنساويّة في نازلة موسيو دو صانسي الّتي لا تستحق تلك الأهميّة حسبما يوضح ذلك التقرير الذي حرره مجلس التحقيق المعين من فرنسا و بعد أن اضطر حكومتنا الفقيرة الّتي لم تستطع دفع كبونها (فوائد ديونها) و لا مرتبات متوظفيها إلى دفع مبالغ مجانا من المال و الأملاك إلى أناس لا فائدة بهم لكلا الدولتين لأسباب نتحاشى عن ذكرها أمام فخامتكم حتى أنه خسرنا في مدة الستة أشهر الأخيرة فقط نحو مائة ألف و سبعة و أربعين ألفا فبعد هذا كله إذا هو الآن يتعرض رسميّا لتحسين ادارة البلاد الّتي بها تتمدن الأهالي و يدخلون في الحضارة و كانت الدولة الفرنساويّة أنالتنا إياها على يد نائبها سنة 1274 ه 1858 انتصارا للإنسانيّة و الحق فعوضا عن زيادة التقدم مع تقدم العالم إذا هو الآن مضاد لذلك و قال إلى سيادة سيدنا الباي لا تفعل مجلس الشورى الذي طلبته منك الأهالي وابق على حالتك العتيقة بل أوعز إليه مع بعض أعوانه المنكشف‏

16

حالهم بأن يقتل نحو ثلاثة أشخاص و ينفي نحو سبعة و يلتجي إلى حمايته و لا عليه في شي‏ء فلو لا مكارم سيادة سيدنا الباي لأوقع البلاد بل فرنسا ذاتها في ارتباكات مضادة للإنسانيّة و العدالة المجبولة عليها الدولة الجمهوريّة الفرنساويّة.

فيا أيتها الحضرة الفخيمة هل ترضى الأمة و الدولة التي ترسل أبناءها إلى أقصى المشرق و المغرب لحفظ الإنسانيّة أن يكون نائبها مضادا لذلك في بلاد هي جارة لها عندما كانت الدولة العظيمة تخرج أهل الجزائر من الحكم العسكري إلى الحكم البلدي متسترا في دعواه بعدم التعرف بالمجلس بأنه سمع أن المقصد منه هو التعرض لمصالح فرنسا مع أنه على علم بأن مصلحة الأمة الفرنساويّة يعتبرها و يراعيها كل من الآمر و المأمور في بلادنا لعلمنا بمقامها بيد أنه إذا كانت المصلحة ليست لفرنسا و إنما هي مجرد فوائد شخصيّة فإن مصلحة البلاد تقدم عليها و هو الذي نؤمل المعاضدة عليه من الرجال المشهورين في العالم من الدولة الفرنساويّة و تبقى بمآثرهم مزينة صحف التاريخ فهذا أنا أنهي إلى مسامعكم الشريفة اختصار ما هو حاصل و لحضرتكم أن تطلبوا الايضاح ممن يعلم حالة بلادنا من الذين لهم خبرة بها من الصادقين.

و قد بادر صاحب الترجمة بارسال تفصيل المقابلة و ما حصل فيها من الكلام إلى الوزير بمكتوب مؤرخ في 12 شعبان سنة 1296 ه من جملة ما قاله له فيه عن لسان «غامبيتا»: «إن كنتم تريدون الارتياح من الرجل (أي رستان) فيجب أن تكتموا هذا الأمر بل و لا اجتماعكم بي في شأنه و إلّا كان ذلك ينقض قصدكم». و ما كاد يصل هذا المكتوب إلى تونس حتى انتشر الخبر بسر المسألة و لم يعلم إن كانت الاشاعة حصلت من نفس الوزير أو من المترجم الذي كان الواسطة في الكلام بين غامبيتا و صاحب الترجمة الذي لم يكن يتكلم اللسان الفرنساوي، و الحاصل أن القنصل انتهز هذه الفرصة الجديدة و أرعد و أبرق على الأمير و الوزير و زاد في ايغار صدورهما على صاحب الترجمة و ساعده البخت أو الصدفة بأنه في الوقت الذي كان الأهالي في تونس يطلبون تأسيس الشورى في بلادهم كانت الدول مشغولة في مصر بخلع إسماعيل باشا و حصل ذلك على يد خير الدين باشا صاحب الصدارة حينئذ، و ارتباطات الباشا المذكور بتونس و خصوصا بصاحب الترجمة مشهورة عند الجميع، فاستنتجوا من ذلك أن طلب الشورى في تونس لم يكن القصد منه إلّا إحداث ارتباكات في المملكة تفتح الباب لمداخلة الباب العالي خصوصا، و كان صاحب الترجمة معارضا شديد المعارضة في وصل سكة الحديد بين الجزائر و تونس و تعيين الحد الفاصل بينهما إلّا بعد العرض للدولة العليّة، و زادوا في اقناع الباي بالتلغراف الذي أرسله خير الدين باشا يعلمه فيه بفصل إسماعيل باشا عن خديويّة مصر و قد استعمل الصدر الأعظم في تلغرافه عبارات اشتم منها رائحة التهديد و الوعيد للباي حتى التزم الحال للاستفهام من الباب العالي بواسطة السفارة الفرنساويّة عن الغرض من عبارات ذلك التلغراف مع أنه في ذلك الوقت كانت العلاقات الخصوصيّة بين المرحوم و خير الدين باشا معكرة مكدرة من حين خروج الباشا المذكور

17

من وزارة تونس، و لم يصف ماؤها إلّا بعد ذلك التاريخ كما يدل عليه المكتوب الآتي:

«الفاضل الزكي الثقة المعتمد الشيخ سيدي محمّد بيرم حرس اللّه تعالى كماله، و بعد:

قد وصلنا مكتوبكم في 22 من الشهر و علمنا ما احتوى عليه من لذيذ الخطاب و نحن للّه الحمد على ما يسر الاحباب من العافية التامة في أمورنا الحسيّة و المعنويّة، و أما ما أشرتم إليه من الأحوال السالفة عن قدومنا لدار الخلافة فجوابه عفى اللّه عما سلف و السلام، من خير الدين في 29 شعبان سنة 1296 ه».

و من راجع تاريخ مكتوب صاحب الترجمة المذكور أعلاه و جواب المرحوم خير الدين باشا عنه و قارن بينهما و بين تاريخ انفصال الباشا المشار إليه عن الصدارة العظمى الواقع في 9 شعبان سنة 1296 ه يعلم علم اليقين أنه في مدة صدارة الباشا المشار إليه لم تكن بينه و بين الشيخ بيرم أدنى علاقة و إن كل ما بناه إذ ذاك المرجفون بناء على علاقاتهما الوداديّة القديمة هو محض اختلاق، و كأن الوزير التونسي غفل أو تغافل عن حقيقة المأموريّة الّتي أناطها بعهدة صاحب الترجمة فأرسل إليه تلغرافا رسميّا إلى باريس نص ترجمته:

«من باردو في 7 أغسطس سنة 1879 الموافق 18 شعبان سنة 1296 ه من الوزير الأكبر إلى الشيخ سيدي محمّد بيرم: شاعت الأخبار بأنك متداخل في أمور سياسيّة خصوصا و أنه لم يصدر لكم أدنى أمر فيها، و لذلك فإن سيدنا المعظّم يأمركم صريحا بأن لا تتداخلوا مطلقا في هذه المسائل حيث أنكم سافرتم لمعالجة صحتكم و إذا انتهت مدّة التداوي فارجعوا إلى تونس».

ثم بعد ذلك ورد له مكتوب من الوزير بتاريخ 25 شعبان جوابا عن مكتوبه المؤرخ في 12 شعبان و فيه يقول: «أما بعد السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته فقد بلغنا مكتوبكم الخصوصي و علمنا ما ذكرتم و ما وقع مع موسيو «غامبيتا» فمثلك من يعتمد عليه و على صداقته و أما كتمان السر فيكون مهنا لأن نفعه لنا و إنما اللّه يحقق الأمل من اتمام الوعد لأن القنصل في غاية القوّة الخ».

فلم يسع صاحب الترجمة بعد هذا الاضطراب في أقوال الوزير إلّا أن يستعفي من وظائفه فأجابه الوزير عن الاستعفاء بهذا المكتوب و نصه: «الفاضل الزكي المدرس الشيخ السيد محمّد بيرم رئيس جمعيّة الأوقاف حرسه اللّه أما بعد السلام عليكم و رحمة اللّه، فإن ما عرضتموه علينا من طلب الاعفاء من رئاسة جمعيّة الأوقاف علمناه و من معلوماتكم أنكم كنتم طلبتم هذا منا قبل سفركم على خير فلم نسعفكم لذلك و الذي نعرفكم به أنني لم نزل على رأيي في عدم اسعافكم لما ذكر و نرجو اللّه أن يجمعنا بكم و أنتم على حال كمال و دمتم بحفظ اللّه و السلام، من الفقير إلى ربه أمير الأمراء مصطفى الوزير الأكبر عفا عنه في 3 رمضان سنة 1296 ه».

18

و في اليوم نفسه أرسل له مكتوبا آخر نصه: «أما بعد السلام عليكم و رحمة اللّه فإنه بلغنا كتابكم المؤرخ في 25 الشهر الفارط متضمنا ما نحن على ثقة منه من سلوككم الطريق المستقيم في أقوالكم و أعمالكم و تحرزكم في الاجتماع من أن ينسب إليكم غير ما قصدتموه و لا يستغرب ذلك من مثلكم و نرجو اللّه أن يجمعنا بكم و أنتم على حال كمال و دمتم بحفظ اللّه و السلام».

و قد رجع صاحب الترجمة إلى تونس بعد الالحاح الشديد عليه من أصدقائه فوجد الحال متغيرا و ملامح الوزير تظهر الشر و مع ذلك فقد أبلغه صاحب الترجمة ما رآه و سمعه في باريس بخصوص المسألة التونسيّة و أراء رجال السياسة فيها، و من جملة ما بلّغه أن الأخبار رائحة هناك بأن القنصل أقنعه بمساعدة فرنسا على مرغوباتها من ضم تونس إليها و في مقابلة ذلك تضمن للوزير ولاية العهد على الامارة و استيلائه عليها بعد سيده و نصحه بأن لا يغتر بهذه الترهات فإن القنصل إذا حصل على مرغوبه لا يوفي وعده للوزير و لا تعود الخسارة إلّا على البلاد و أهلها، و قد حقق الزمن حدس السيد بيرم فإنه لما دخلت فرنسا في تونس سنة 1298 ه لم تطل مدتها فيها حتى عزلت مصطفى بن إسماعيل عن الوزارة و أخرجته من البلاد بالمرة و لم نوف له بما وعدته به بل نظرت إليه نظر الخائن، و كثيرا ما تكلمت جرائدها و أرباب الوجاهة فيها لتجريده عن نيشان اللجيون دونور الفرنساوي و هو حامل أول درجة منه، و بقي يتقلب متغرّبا في البلدان تقذفه أمواج الذل و السؤال بعد أن صرف ما ادّخره أيام عزه من الأموال الطائلة و أصبح:

يوما بحذوى و يوما بالعقيق و بال* * * حديب يوما و يوما بالخليصاء

إلى أن جاءت به المقادير إلى القسطنطينية حيث تغاضت الدولة العثمانيّة عن ذنوبه و أبقته يتنعم بلذيذ الحياة و يتحسر على ماضي عزه و غبن صفقته.

أما صاحب الترجمة فإنه بعد عودته إلى تونس من مأموريته توجه إلى (المرسى) للسلام على ولي عهد الامارة الأمير الحالي السابق ذكره، فوجد الأمير المشار إليه في مركبته أمام محطة السكة الحديد فاركبه معه و سارا إلى بستان الأمير فكبر هذا الأمر على مصطفى بن إسماعيل و أمر صاحب الترجمة بالكف عن التردّد على ولي العهد، و كثرت الدلائل على سوء نيّة الوزير نحو السيد بيرم و تغلب دسائس موسيو «رستان» ضدّه حتى نصحه بعض الأصدقاء من خواص حاشية الباي بالسفر خارج المملكة لأن بقاءه في البلاد فيه خطر عليه، فطلب بعد عيد الفطر التوجه لأداء فريضة الحج خصوصا و قد تهدّده الوزير بأنه إذا شاع الخبر الذي كان أعلمه به بخصوص مساعيه لولاية الامارة يلقيه تحت أعباء المسؤوليّة الثقيلة فامتنع الوزير من اعطاء الرخصة بالسفر و قد توسط حينئذ السيد الشريف نقيب الاشراف السابق في تونس للحصول على تلك الرخصة و بين للوزير عدم جواز منع المسلمين من أداء فريضة الحج و زيارة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و للسادة الاشراف في تونس النفوذ الكبير و الكلمة المسموعة فالتزم الوزير بالاجابة

19

و قد سافر صاحب الترجمة من تونس في 26 شوال سنة 1296 ه و لم يعد إليها بعد و قصد مالطه و منها للاسكندريّة و مصر القاهرة، و فيها تقابل مع الخديو المرحوم توفيق باشا و كان ذلك في ابتداء ولايته فقدّم له قصيدة في التهنئة بالولاية و تاريخها.

و قد دار الحديث بينهما عن كيفيّة نظام اللجنة الماليّة الدوليّة المؤلفة في تونس لادارة أشغال الدين و عن النتائج الّتي أنتجتها، و هل البلاد متضررة منها أم لا؟ و كان ذلك بسبب ما اقترحته انكلترا و فرنسا إذ ذاك على الحكومة المصريّة من اقامة لجنة للمراقبة الماليّة، ثم أن المرحوم سار إلى الحجاز و قد تقابل في مكة المكرمة مع المولى الشريف حسين الأمير الأسبق و أكرم وفادته ثم بعد أداء فريضة الحج و المناسك توجه للزيارة في المدينة المنورة حيث أقام ثلاثة أيام و كان مرضه العصبي مشتدّا عليه في الطريق و هناك توسل للحضرة النبويّة بقصيدة طويلة طالبا من اللّه الشفاء للبدن و اللطف بالوطن و مطلع القصيدة:

إلى السدّة العظمى شددت عزائمي‏* * * إلى سدةّ الاجلال شمس المكارم‏

إلى باب خير الخلق خصصت وجهتي‏* * * و من فضل باب اللّه أملت راحمي‏

إليك رسول اللّه قد جئت ضارعا* * * و فضلك ممدود على كل قادم‏

فيا خير خلق اللّه جد لي بالرضا* * * و امّن مخافي من عقاب المآثم‏

و يا أكرم الأمجاد هب لي توبة* * * و أسس على التقوى قيام دعائمي‏

و أنت ملاذي في أموري كلها* * * فعجل شفائي من سقامي الملازم‏

ألا يا رسول اللّه طهر بلادنا* * * فقد جار في الأنحاء ظلما مخاصمي‏

يريد خلاف الحق في الخلق جائرا* * * فننصحه رشدا لذا كان ظالمي‏

فعجل بانقاذ البلاد من الذي‏* * * تأبط شرا و ارتدى بالمظالم‏

و فرج همومي و الكروب و علتي‏* * * و ليس سواك يرتجى للعظائم‏

و للعدل أن ينقاد كل ملوكنا* * * لكيما يحل الدين أعلى العواصم‏

و من المدينة المنورة توجه إلى ينبع و سافر منها إلى بيروت مارا على خليج السويس و قد ذكر هذه الرحلة في أول الجزء الخامس و ما لاقاه في سفره من كرم و اكرام صاحب السماحة السيد السند السيد سلمان أفندي القادري نقيب اشراف بغداد.

و لما وصل إلى بيروت لاقاه والي سوريّة إذ ذاك المنعم المقام الجليل الذكر مدحت باشا بمزيد العناية [و] الرعاية، و احتفل به أعيان المدينة من مسلمين و مسيحيين بما أبقى لهم في نفسه الذكر الحسن و الثناء المستطاب، و كان المرحوم من جملة المشتركين المساعدين في جمعية المقاصد الخيريّة الّتي تأسست في بيروت لانشاء مدارس خيريّة و قد زار تلك المدارس و لاقى من احتفال الأساتذة و التلامذة و انشادهم القصائد و المقالات الرائقة بين يديه ما زاد ابتهاجه، و قد هنأه الشاعر الدراكة البليغ المرحوم الشيخ إبراهيم الأحدب بقصيدة شائقة ذات أربعة و أربعين بيتا مطلعها:

20

بدر العلى تاريخه (من غربه)* * * في الشرق أشرق نوره لمحبه‏

و منها:

من أين هذا الطيب هل ريم النقا* * * ليلا سرى ليدير راحة صببّه‏

أو جاء بيروتا محمّد بيرم‏* * * من طيبة فذكت نوافح قربه‏

حيث الزمان على تلوّن طبعه‏* * * أدّى به كفارة عن ذنبه‏

و قد مدحه أيضا الأديب الفاضل و اللوذعي الكامل الشيخ أبو حسن قاسم أفندي الكستي البيروتي بقصيدة غراء منها:

به تونس الغرب استعزت و أحرزت‏* * * بصحبته الفضل الذي ليس يجحد

يغار على الدين الحنيف لأنه‏* * * خبير به لا يعتريه التردّد

عليه من العلم الشريف جلالة* * * يقوم لها الدهر الحسود و يقعد

و سيرته الحسناء في كل موطن‏* * * بألسنة الأيام تتلى و تنشد

و بعد أن أقام هناك أسبوعا رام فيه التوجه لدمشق الشام لرؤية معالمها العظام و ملاقاة السيد الأمير عبد القادر الجزائري غير أن الوقت لم يسعف بذلك لتراكم الثلج في الطريق و تعطيله للسكة فتوجه توّا إلى القسطنطينيّة و هناك ورد عليه مكتوب من الأمير المشار إليه نصه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم- الحمد للّه حمد المتوسلين. و الصلاة و السلام على سيد المرسلين. و على آله و صحبه آمين. من خادم أهل اللّه عبد القادر بن محيي الدين الحسني إلى جناب العالم الفاضل. و الهمام الكامل. صاحب المقام السني. الشيخ السيد محمّد بيرم أفندي المحترم. أدام اللّه عليه سوابغ النعم. أما بعد اهداء تحيّة مقرونة بالاخلاص و التكريم. و أدعية متوالية بدوام نفعكم العميم فالموجب لتحريره أولا السؤال عن راحة وجودكم السعيد. و الابتهاج بسماع حديثكم المجيد. و ثانيا قد بلغنا من ولدنا عبد القادر أفندي الدنا سلامكم. و مزيد محبتكم و ودادكم. و حصل لنا بذلك تمام السرور. زادكم اللّه نورا على نور. و رغبة بربط أسباب المودّة بجنابكم. و استجلاب بدائع خطابكم. و مجاب دعائكم على الدوام. تحرّرت لكم هذه الأرقام. و عليكم السلام في 16 جمادى الأولى سنة [1297 ه]».

المخلص عبد القادر الحسني‏

و كان المرحوم قبل توجهه إلى الاستانة أرسل مكتوبا بواسطة بعض خواصه للوزير بتونس نصه:

«الصدر الهمام أمير الأمراء جناب الوزير الأكبر سيدي مصطفى أطال اللّه عمره أما بعد السلام التام، فإني قضيت المناسك و للّه الحمد و لم أستطع المبادرة بالرجوع إلى الوطن‏

21

لأني في اضطرار إلى اراحة البال و البدن للأسباب الّتي تعلمونها حقّا، فلزمتني مراعاة الحال إلى أن ينفس اللّه الكرب لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] و اللّه حفيظ و ولي من يتوكل عليه و السلام في غرة صفر سنة 1297 ه».

إلّا أن هذا المكتوب لما بلغ تونس منعه أحباء صاحب الترجمة و خواصه من الوصول ليد الوزير و بقي المرحوم في وظائفه إلى حين وصوله للاستانة، و لما ورد خبر وصوله إليها أسرعت الحكومة التونسيّة بتوجيه جميع وظائفه إلى غيره، و هو المرحوم الشيخ أحمد الورتتاني. و مما يجمل بي ذكره هنا أن عائلة صاحب الترجمة رأت من مكارم أخلاق هذا الخلف و حسن تودّده و تلطفه بها ما يندر وجود مثله في الأعصر السالفة فضلا عن هذا الزمان في وقت اضطهاد الحكومة لسلفه و مراقبتها الشديدة لكل ما يتعلق به، ثم إن صاحب الترجمة لما استقر بدار الخلافة مدح الحضرة السلطانيّة بقصيدة مطلعها:

النصر و التأييد و العمر المديد* * * قد توجّت في عرشها عبد الحميد

و أرّخ سنة الجلوس الشاهاني بقوله:

بشرى الولاية قد أتت تاريخها* * * لخلافة يسنى بها عبد الحميد

و لم تطل الأيّام حتّى أرسل الوزير التونسي يطلب من الباب العالي ارجاع الشيخ بيرم إلى تونس مدّعيا أنه سافر بدون رخصة الحكومة و لم يقدم حسابا عن ادارته في الأوقاف و الواقع و نفس الأمر أنه لم يطلبه إلّا بالحاح قنصل فرنسا عليه من جهة لأن فرنسا لا تحب حصول الارتباط بين تونس و الدولة العليّة بأي وجه من الوجوه، حتّى أنها من بين سائر الدول لم تعترف بفرمان سنة 1288 ه المقرّر لتابعيّة تونس للخلافة الإسلاميّة، و من جهة أخرى قد خشي الوزير من التحام صاحب الترجمة بخير الدين باشا و افسادهما مساعيه لتولي الامارة و اطلاع الدولة العثمانيّة على دسائسه و سوء سياسة الحكومة التونسيّة في مدة الصادق باي لأنه سلم جميع الأمور بيد وزيره العديم الخبرة، و قد بذل مصطفى بن إسماعيل جميع مجهوده و أغرى بعض كبار الرجال في الاستانة لمساعدته على اخراج الشيخ بيرم منها غير أن حكمة مولانا أمير المؤمنين و عدالته حالت بين صاحب الترجمة و بين أعدائه و أصدر أمره العالي بأنه: إذا كانت هناك دعوى على ناظر أوقاف تونس المقيم بالاستانة فلترفع فيها إذ أن تونس لم تخرج عن كونها من الولايات العثمانيّة الّتي تجمعها جامعة تخت السلطنة، و بذلك سكت مصطفى بن إسماعيل عن دعواه الفاسدة.

أما أولا: فلانّ صاحب الترجمة لم يخرج من تونس إلّا بجواز (باسبورت) رسمي ممضي عليه من الوزير نفسه بصفة كونه وزير الخارجيّة لم يزل محفوظا للآن، و قد حضر لوداعه يوم السفر كثير من كبار رجال الحكومة بما فيهم وزير البحريّة و أعد له بأمر الوزير الأكبر زورق خصوصي من زوارق الباي لتوصيله للباخرة، و قد أوصاه الوزير بمحضر جمهور عديد من التونسيين لاحضار بعض هدايا من الحرمين المحترمين، هذا ما يتعلق‏

22

بالسفر و أما حساب الأوقاف فقد جرت العادة بنشره سنويّا في الجريدة الرسميّة «الرائد التونسي» و لم يتأخر نشره قط و هو محفوظ في مجموعة الرائد يمكن مراجعته. ثم إن صاحب الترجمة قبل سفره للحجاز أخذ براءة من مجلس ادارة الأوقاف ممضى عليها من جميع الأعضاء و من أمين الصندوق و هي حجة قوية ناطقة بأن لا شبهة في الحساب و لا شي‏ء من أموال الأوقاف باق في ذمة الناظر و تلك البراءة هي بنصها بالحرف الواحد:

الحمد للّه و صلى اللّه على سيدنا و مولانا محمّد و سلم:

ريالات فضة

اطلعت الجمعيّة على حساب دخلها و خرجها سنة 1296 ه التاريخ بانضمام حسابات السنين السابقة إليها، فكانت جملة الدخل ثلاثمائة ألف و ثلاثة و خمسين ألف ريال و تسعمائة و تسعة و ثلاثين ريالا و نصف ريال و عشرة نواصر فضة، و جملة الخرج ثلاثمائة ألف و أربعة آلاف و ثمانمائة ريال و ثمانين ريالا إلّا ثمانية نواصر و نصف ناصري فضة الذي بتذاكر الجمعيّة، و كان الفاضل ما قدره تسعة و أربعون ألف ريال و ستون ريالا إلّا سبعة نواصر و نصف ناصري فضة أخرج منه الرئيس ثمانية آلاف ريال و ستمائة ريال و خمسة و عشرين ريالا فضة صرف خمسة آلاف فرنك صرفت في مصالح الدولة و خرجت فيها تذكرتين منها لقابضها يدفعها مصروفا على يد الوزير الأكبر و لم يدفعها القابض إلى الآن إحداهما: تذكرة مؤرخة في 27 القعده من عام 1293 ه عدد 4619 بها ألفا فرنك اثنان، و ثانيتهما: مؤرخة في 15 الحجة سنة 1295 ه عدد 3569 بها ثلاثة آلاف فرنك، و لما كان الفصل الواحد و العشرون من ترتيب الداخليّة للجمعيّة قاض بابقاء المفتاح الثالث للخزنة الثانية عند الرئيس، و الفصل السابع عشر من الترتيب المذكور قاض بأن كاهية الجمعيّة يقوم مقام الرئيس عند غيبته و قد أراد الرئيس السفر إلى أوروبا فبمقتضى ذلك أبقيت تذكرتا الدولة المذكورتان بالخزنة الثانية المذكورة و سلم إلى الكاهية مفتاحها الثالث بمحضر الجمعيّة بعد اطلاعها على الحساب المذكور و سلامة ذمة الرئيس مما في عهدته، و كان الباقي تحت يد أمين مال الجمعيّة أربعين ألف ريال و أربعمائة ريال و خمسة و ثلاثين ريالا إلّا سبعة نواصر و نصف ناصري فضة، و كتب في 20 يونيه الموافق لرجب الأصب 13 من عام ستة و تسعين و مائتين و ألف.

صح أحمد الورتتاني صح محمد بن الأمين‏

صح محمد الشاذلي السنوسي صح من محمود بن سالم‏

23

هذا و قد خرج صاحب الترجمة من القطر التونسي و ترك وظائفه فيه و لم يكسب منها شيئا مع أنه كان يسهل عليه كثيرا في تلك الأوقات الدخول في أبواب الكسب بلا معارض و لا ممانع كما جرت به العادة عند الكثير محافظة منه على الاستقامة و احترام الحق، لا سيما و الأوقاف لم تكن في بادى‏ء أمرها مضبوطة و لا معلومة فأمرها في الواقع موكول لذمته و طهارة نفسه فكان كثيرا ما يلتزم لبيع أملاكه و عقاراته لتسديد مصاريفه الواسعة حتّى أن مصاريف سفره الأخير لباريس حيث توجه بمأموريّة من طرف الوزير التونسي تحمل بها من عنده و بلغت أربعة عشر ألف فرنك مع أن الوزير المذكور وعده بتسديدها و لم يوف بعد.

و لما استقرت إقامته في دار الخلافة وجد المرحوم خير الدين باشا مهتمّا بتقديم تقرير بشأن الإصلاحات المقتضي إدخالها في نظام الدولة العليّة لزيادة سطوتها و تأييد عظمتها على حسب ما يفتكر، و قد انهى التقرير المذكور بالفعل غير إنه لم يحز محل القبول لأنه لم يكن مطابقا في بعض وجوهه لاحكام الشريعة الغراء فأخذ الشيخ بيرم في تطبيقه عليها، و لما انتهى منه حصل تقديمه للحضرة السلطانيّة و من ذلك الحين شملته الأنظار الشاهانيّة بعين ملاحظتها لدقة علومه و اتساع معارفه ثم أنه تفرّغ لتدوين «صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار» و تمم الجزئين الأولين منه، و كان يقصد تقديمه للحضرة المعظمة المشار إليها عند إتمامه خصوصا و هو شارع في جعل خاتمة الكتاب المذكور على نحو مقدمتي: «ابن خلدون» و «أقوم المسالك»، أي أنها تتضمن ما يقتضيه الحال لإصلاح الأحوال في البلاد الإسلاميّة لعود عصر شبابها إليها كما هو غرضه الوحيد الذي يدأب له منذ زمان و يتحمل في سبيله كل مشقة و عناء، و قد تحسنت صحته إذ ذاك و استراح من اتعاب المرض و كاد أن يشفى منه تماما حتى أن استعماله المرفين قل بحيث بلغ درجة تقرب العدم و بينما هو على ذلك الحال متنعم البال منتظرا الرحمة من اللّه بانقاذ بلاده من حكومتها الجائرة إذ ذاك و قد اعتذر عن العمل بمقترحات اقترحها عليه الموسيو «فورنييه» سفير فرنسا في ذلك الحين حاصلها الرجوع إلى تونس تحت كنف فرنسا أو الإقامة بالجزائر أو بباريس إذ فاجأته الأخبار بزحف العساكر الفرنسويّة على الحدود التونسيّة و ابتداء حركة «خمير» المخترعة.

نعم إن الشيخ بيرم كان عالما بما ستؤول إليه البلاد من السقوط في يد فرنسا و لكنه لم يكن ينتظر حصول ذلك في العصر الحاضر و كانت في تلك الأثناء ترد عليه مكاتبات من بعض أحبائه التونسيين و غيرهم بما يحصل في تونس من تلاعب الوزير بين قنصلي فرنسا و إيطاليا و إرضائه أحدهما يوما و اغضابه الآخر يوما ثانيا، و كان الشيخ ينصح مكاتيبه و محبيه بتجنب هذه الألعاب المضرة خصوصا تظاهر الوزير بالميل الفجائي لايطاليا و اغضائه مرة واحدة عن فرنسا حتى إنه أهان كرامتها لأن ذلك لا تؤمن عواقبه، و لم يمض على ذلك شهر حتى أيدت الوقائع ما كان يخشاه و ليس من غرضنا تكرار كتابة ما حصل في ذلك العهد لدخول فرنسا إلى تونس و أعلان حمايتها عليها، إذ أن ذلك تكفلت به كتابات غيرنا و لكنا نقول: إن الحضرة السلطانيّة أصدرت أمرها لخير الدين باشا و لصاحب الترجمة

24

بتقديم ما يريانه في هذه المسألة لجانبها و قد كتب صاحب الترجمة في ذلك تقريرا مفصلا لخص فيه بيان حقوق الدولة العليّة على البلاد التونسيّة و ارتباطاتها بها قديما و حديثا، و استنهض همم الدولة لإنقاذ تلك المملكة المسلمة حيث أنها مرقد المجاهدين و مدفن الصحابة و التابعين من الوقوع في يد دولة أجنبيّة و ختم التقرير بنتيجة ما يراه و هو:

إنه إذا كانت الدولة تشغلها شواغل الحرب الروسيّة و عواقبها من انقاذ تونس بالقسر من مغتصبها، فلا أقل من إنه يلزمها التحالف مع دولة أجنبيّة أخرى للتساعد بها على نيل ذلك المرام و لو اقتضى الحال التنازل لها عن مدينة واحدة مثل «مينا بنزرت» في مقابل هذا التحالف و كانت الدولة جرت على مثله مرارا عديدة، فإن خسارة مدينة واحدة خير من خسارة مملكة برمتها و قد كان الشيخ بيرم يكتب هذا التقرير و الدموع تقرح عينيه و الألم العصبي الذي تحرك و تجدّد يفتك بجسده، و كان يكرر القول على جلسائه بأن لا حذر مما قدّر لا سيما و أن الفرصة المناسبة للدولة قد فاتت و هذا الزمن زمن قتال لا وقت جدال، و سيأتي ذكر هذا التقرير في مجموعة منشآته و رسائله.

و لما رسخت قدم فرنسا في البلاد يئس المرحوم من قرب العودة إليها و رام التقرب من عائلته للمخابرة في شؤون بيع ما تبقى من أملاكه و نقله العائلة من تونس إلى بلاد أخرى، فسافر إلى إيطاليا لذلك الغرض و أقام في مدينة «ليفورنو» لقربها من تونس، و كان مدة إقامته في الأستانة معاشرا لاهلها و خصوصا أبناء العرب منهم معاشرة الصفاء و الإخلاص متباعدا عن المزاحمة في طلب المناصب أو التداخل فيما لا يعنيه، و لم ير منهم الّا ما يسره و كان السيد سلمان القادري رجع من القسطنطينيّة إلى بغداد فلما استقرّ بها كاتب صاحب الترجمة بما نصه:

«كتابي هذا و أنا ممتلي من الأشواق، و مضطرب لما لها من الاحراق، كيف لا و حب ذلك المولى الأجل. و النجيب الأفضل، قد أخذ بمجامع القلوب و أحاط بالفكر على أتم أسلوب، لمزيد ما انطوى عليه من الأوصاف الحميدة، و المكارم السديدة، مع طبع رائق، و علو جناب فائق، و شهامة كاملة، و نجابة فاضلة، و علم وافر، و فضل متكاثر، فكل فضيلة به حريّة، و كل مفخرة له سجيّة، و ليكن معلوما لسيدي أدام اللّه تعالى بقاه، و أناله كل ما يتمناه. بأني لم أخل ذكر ثنائه الجميل من لساني، و لم ينفك تخيل شخصه المنير لحظة عن جناني. بل لا زلت آنسا بما ذكرته من الذكر و الخيال. مفتخرا بما خصلته من محبة ذلك المولى النبيل بين الأحباب في جميع الأحوال، ثم إني و إن قدمت من قبل هذا عريضة لم أحظ بجوابها من ذلك الجناب الرفيع لكني أبدي عذرا لما وقع من القصور مدة من عدم ترديفه بكتاب آخر إذ ترادف العرائض. معدود لدي من جملة الفرائض. فلم يكن التأخير المذكور ناشئا من قصور في المحبة. و لا عن تقصير في العلم بعلو الدرجة و المرتبة. بل ذلك نوع من التقدير. و وجدانك القوي عالم خبير. يصدّق ما يدعيه هذا الخالص الفقير.

25

فالمرجو من بعد هذا أن تستمر المراسلات في البين. و ينقطع بوجودها البين. أفندم».

في 19 جمادى الأولى سنة 1299 ه. الداعي پوست نشين حضرت كيلاني نقيب بغداد السيد سلمان القادري‏

و قد كان صاحب الترجمة على عادة أهل تونس و على ما امتاز به من التشيع الكلي لآل البيت النبوي الكريم يميل ميلا خاصا للسيد المشار إليه لنسبه العالي و حسبه الغالي و فضله المتلالي، حتى إن ذلك كان من جملة البواعث على الإيقاع به تشفيا من سيادة السيد النقيب حرسه اللّه و مع ذلك فقد كان المرحوم يسعى جهده لجعل علاقاته مع جميع من يعاشره من العرب و غيرهم في الأستانة على أحسن ما يكون من المجاملة و حسن المعاملة، و كان مع صاحبي السماحة السيد أحمد أسعد أفندي و السيد أبي الهدى أفندي على قدم الوداد و حسن الإعتقاد، كما يظهر من آثارهما المحفوظة لديه و نذكرها هنا تبركا بهما و افتخارا بودهما:

«أخذت يا بهجة الفضلاء. و قرّة أعين العلماء. كتابكم الكريم. و أمركم المحترم الفخيم. و اطلعت على رسالتكم الجميلة (1) الشاهدة لحضرتكم بأيادي العلم الطويلة. و إني بحمده تعالى ممن يحب أن يسدي المعروف لأهل الفضائل. سيما لمثل حضرتكم من أرباب المزايا العليّة و الفواضل. فإذا وفق المولى نقوم بتقديمها لمحلها. و دمتم أرباب المناقب و أهلها».

الداعي (أبو الهدى)

«قدوة الأماجد الكرام. ذو الفضل و الإحترام. محبنا العزيز السيد محمّد بيرام. حفظه اللّه آمين و بعد مزيد السلام. مع التحيّة و الإكرام. نعرف سيادتكم هو أن الساعة ثلاثة و نصف في يومنا هذا لازم تشرفونا في البيت مع نجلكم المكرم لأجل أن نتبرك بكم. هذا ما لزم و دمتم. في عز و سرور. و أنعم حبور في 7 ذي القعدة سنة 1300 ه».

الداعي (أحمد أسعد)

و بعد أن اتفق صاحب الترجمة مع عائلته على العود إلى الأستانة و السكنى بها حيث لم ير محلا انسب منها من بلاد الإسلام و لا تليق السكنى بعائلة مسلمة في بلاد أجنبيّة مع أنه كان يخطر في بال بعض التونسيين إذ ذاك التوجه في عدد كبير إلى أمريكا للإستيطان بها، غير أن هذا الفكر لم يمكن تنفيذه لصعوبات حالت دونه فقصد المرحوم التوجه إلى‏

____________

(1) و هي المسماة «عقد الدر و المرجان في سلاطين آل عثمان».

26

القسطنطينيّة و عرج على جنيفا من بلاد سويسره حيث أبقى كاتب هذه الأحرف في إحدى مدارسها المعتبرة، ثم قصد ويانه و بلاد المجر و الصرب و رومانيا حيث أقام ليلة في بخارست و منها توجه إلى وارنه من أعمال البلغار و منها ركب الباخرة قاصدا دار الخلافة حيث لم تتصل السكة الحديد إذ ذاك بينها و بين أوروبا.

و قد قاسى في هذه السفرة آلام البرد و اتعاب السفر الذي حق فيه القول بأنه قطعة من العذاب خصوصا و لم يكن صاحب الترجمة يتكلم بلغة أجنبيّة إلّا بعض كلمات فرنساويّة و ليس في النمسا و لا في البلاد الّتي عرج عليها كثيرا ممن يتكلم تلك اللغة و كان يسرع المسير للوصول قبل عائلته إلى الأستانة لتحضير محل لنزولها، و قد وصل إليها قبل العائلة بنحو يومين أو ثلاثة و بعد أن استراحوا قليلا فاجأهم ذوو الدسائس و الأغراض بوشايات أوغرت الصدور على صاحب الترجمة. و كادت أن توقعه فيما لا تحمد عقباه و كان مبنى تلك الوشايات على حصول الحركة العرابيّة بمصر أثناء وجود الشيخ بيرم في أوروبا فبنى عليها أصحاب الأغراض أقوالا فاسدة و مزاعم بعيدة منشأها الحقيقي حزازات في صدورهم من الحسد له و بغية الإيقاع بأرباب المناصب من أصدقائه و أحبائه فأرادوا الإنتقام منهم بالإساءة إلى صاحبهم و جعله محل تهمة يستخرجون منها ما يروج غرضهم في النكاية باولئك الرجال فالتزم هذا المهاجر بدينه إلى دار الخلافة الإسلاميّة أن ينزوي في بيته و يلازمه مدة تقرب من الستة أشهر لا يخرج منه إلا لقضاء الضروري أو أداء فرض عين كصلاة الجمعة و قد رأى في تلك الأثناء من تودّد الهمام الأبر الصالح الورع الشيخ محمّد ظافر أفندي المدني و تلطف الفريق الغيور الحاج حسن باشا محافظ مركز بشكطاش محل سكنه و كلاهما من أقرب المقرّبين للذات الشاهانيّة المخلصين لها في السر و العلانيّة ما أطلق لسانه بالشكر و قلبه بالدعاء الصالح لهما.

و الحق يقال أن الحضرة الخاقانيّة لم تفتر عن شمول صاحب الترجمة بعين رعايتها و كثيرا ما كان أمير المؤمنين نصر اللّه به الدين يظهر علائم رضائه و صفائه عليه حتى أنه لما أراد يهدي إلى أمبراطور المانيا فريدريك الثالث و كان إذ ذاك ولي العهد بعض جياد الخيل أمر أحد الأعوان أن يتوجه إلى الشيخ بيرم ليكتب رسالة عربيّة يصحبها المأمور السلطاني معه عند ذهابه إلى برلين ليقدمها مع الخيل إلى الأمير المشار إليه و كان ذلك بعد صلاة يوم الجمعة الثالث و العشرين من رجب سنة 1299 ه و كان يطلق عليه عند ذكره من ألفاظ العناية ما يستدل به على قرب منزلته من خليفة المسلمين و بمجرد وصول جلالته إلى قصره الفاخر بيلدز بعد صدور ذلك الأمر جاءه الرسول بالكتابة المطلوبة فسرّ بها كثيرا و اثنى على كاتبها. و تلك الرسالة هي:

«الحمد للّه بديع الخلق كما شاء و أراد. جاعل الصافنات الجياد. عدة مستمرة من أهم آلات الإستعداد. و صلاته و سلامه على رسوله متمم مكارم الأخلاق. الحاث على الفروسيّة

27

و اقتناء الخيل العتاق. و على آله و أصحابه فرسان ميادين الوفاق». أما بعد: فلا يعزب عن نباهة نبيه. و دراية خبير في المعارف وجيه. ما للخيل على الإطلاق من المزيّة. في المنافع البشريّة. بسائر الآفاق. حتّى ورد في الخبر الشهير: «الخيل معقود بنواصيها الخير» (1) لا سيما نوع العراب منها. الجامعة لأشتات المحاسن فلا مندوحة لأهل الفضل عنها. ألم تر أنها قد حوت جمال الصورة و استقلت بالحذق و تهذيب الأخلاق المشكورة، فكادت أن تشارك النوع الإنساني في الإدراك. و فضلت سائر أنواع الحيوان بلطافة الذات و المزية في مواطن العراك. ألا و هي‏ وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: 1] فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [العاديات: 3] متوسطة الجموع، مستشرفات الفروع. مبلغات الآمال، مقربات الشواسع لهمم الرجال. فلذلك توجهت إليها عناية أهل الفضل، و تسابقت إليها الرغبات في الخصب و المحل، و لم تزل كريماتها محفوظة الأنساب، متوارثة الخصال الحميدة من الأجداد إلى الأعقاب. لا يأتلي أهل العناية عن اقتنائها، و معرفة أصلها و نسبتها و انتشائها. و يفوز عليها بالمزيّة ما صلح منها لاقتناء الملوك العظام، سيما ما اختص بأن يعتلي صهوته خليفة الإسلام. لا زال تاجا على هامة الأيام، و ما تختاره إليه العرب من صفوة جيادها الكرام.

و على الخصوص ما تميز بإهدائه. لخلاصة أهل ولائه. من الملوك الفخام. و كان منها هاته الخمس الجياد. العتيقات الأعراق الأمجاد. ثلاثة منها عراب الآباء و الأمهات، و اثنان من خلاصة الأعاجم الوطن و إن ناكبت العراب في الصفات. و قد تحرر هذا التحرير في التعريف بأصولها. و ما جمعت من سمات الكمال و فصولها، فأما الثلاثة العراب، السابقة القرين في العراقة و الإنتساب.

فأولها: اشقرها المبارك، الذي لا يدانيه في استجماع المحاسن مشارك، و اسمه المجلى، و قد طابق اسمه مسماه إذ هو لمفاخر الخيل مجلى. و هو من جياد نجد العربيّة.

الشهيرة الصفات و المزيّة، سقلاوي القبيلة، شامل لما يحمد في أمثاله من الفضيلة، كل سلسلة أصوله من قبيلته المحمودة، و كلا أبويه متفرع من ذلك القبيل إلى جدود كثيرة معدودة، مسماة أجداده و جداته، خالصة من اشتباه النسب و كمالاته.

و أما ثانيها: و هو الأشهب، الجاعل أبعد القصبات الهين الأقرب. و اسمه السابق، فهو مناكب متقدمه في جميع صفاته حتى غدى به لاحق، سوى أنه استعوض عن النجديّة، بأن كان من العراق العربيّة، و لا يخفى ما لعتاقها من شهرة المزيّة، سيما في حفظ النسب‏

____________

(1) الحديث في صحيح البخاري برقم (2850- 3645) و في صحيح مسلم الزكاة رقم (26) و في الترمذي رقم (1636) و في سنن ابن ماجة برقم (2788) و في المسند 2/ 49 و 57 و 101 و في المعجم الكبير للطبراني 2/ 385 و في مسند الحميدي (841) و في مشكل الآثار للطحاوي 1/ 85 و في مشكاة المصابيح للتبريزي (3867) و في موارد الظمآن للهيثمي (1635) و في حلية الأولياء 3/ 43 و 8/ 127 و 261. و في كنز العمال (35244).

28

من الإختلاط. و انتساق عموده على أقوم صراط، لاجرم أن كان وحيد أقرانه. بنباهة شأنه.

و أما ثالثها: المسوّم. و هو الأحمر المستكمل المقوّم. و اسمه أبو ليلى، فقد جمع لما في جياد الخيل يتلى. إذ هو من صنف كحيل العجوز، الذي هو لصفات العتاق من العراب يحوز. و على من جاراه في ميادينها يفوز، فهو لا يجارى إذا ما ضمر. لأنه من خلاصة خيل قبيلة شمر.

فلعمري أن هاته الثلاثة و إن اختلفت أنسابها، فقد اتحدت عراقتها و أحسابها، و كل منها قد استكمل صفات الجودة و الفضيلة، و استتبت فيه محامد كل الخصال الجميلة. فلا بدع أن تبعها ما يكمل به عدد الخمس، مما تنبسط له الروح و تنشرح به النفس. و هما الفرسان الأخضران، اللذان استكملا صفة العتاق و لو أنهما أعجميان. و هما من جزيرة مدلي الشهيرة، ذات النقطة المهمة من البحر الأبيض الفائزة بالخيل ذات المناقب الخطيرة، و هما و إن افترقا هيكلا. فقد تفردا منظرا مجملا. إذ هما فرسا رهان، متحدا الأخلاق و السمات و الألوان. فاستكملت هاته الخيل مزايا التناسب، و كانت لها جهة ملائمة بما للمتهادين من التوادد المتقارب».

و قد كان السلطان أرسل له قبل ذلك أيضا كتاب الشفاء لابن سينا في نسخة جميلة لتفحصه و تقديم كتابة بمضمونه، و بعد مدة من الزمن صفا فيها الجوّ للشيخ بيرم من رمي الأعادي و حسد الحساد زاد السلطان في إكرامه باحتساب مصاريف إقامته في الأستانة على خزينة الدولة باعتباره ضيفا من ضيوف الحضرة السلطانيّة و ذلك بأن تدفع نظارة الماليّة أجرة المنزل و لوازم البيت و قدرت في الشهر بخمس و عشرين ليرة عثمانيّة و قد استمر صرف هذا المرتب مدة ثمانية عشر شهرا أي لحين خروج صاحب الترجمة من الأستانة.

و قد بادر المرحوم بكتابة المكتوب الآتي لأداء واجب الشكر على هذه العناية السلطانيّة و نصه:

المقام الذي أناخت به مطايا البيان و استقرت، و اعترفت البلاغة بأنه وحيد عصره و أقرت. و عضد اليراع اشهادها إذ كان بعد أن جست يدها استطاعته و تقرّت. فلا بدع أن ابصرت به عين الوزارة و قرت، و كان يمين الخلافة المؤتمن منها على ما تشا. ألا و هو صاحب الدولة علي رضا باشا. باشكاتب الحضرة السلطانيّة، افاض اللّه عليه آلاءه القدسيّة، أما بعد، سلام تحمله أيدي التعظيم. و تحفه آداب الإجلال و التفخيم. فقد بلغ العبد ما حصل له من عناية مولانا صاحب الخلافة العظمى، و السلطنة الباذخة المجد الشمى. فوقع مني هذا الإنعام الموقع الذي ليس وراءه حد في الإعجاب، و هزني السرور حتى أعجزني عن التلفظ بالخطاب. كيف لا و قد لاجت من ذاك الإنعام بفضل اللّه علائم اخلاصي فيما اقتحمته من مفارقة وطني و كسبي و عشيرتي و خواصي كما كنت بسطته لدى جنابكم قبل أن تحدث على وطني الطامة الكبرى. المرجو من اللّه أن يبدل بأمير المؤمنين عسرها يسرا. من أني أعد عملي قربة للّه جلّ و على، إذ في ذمتي و رقبتي بيعة لأمير المؤمنين لا تبلى. و لا

29

يجوز لي شرعا أن أبتغي بعبد الحميد سلطاني بدلا. فقد ورد في صحيح البخاري: «من خرج عن السلطان قيد شبر مات ميتة جاهليّة» (1) فلم أبالي لذلك بالمضادات الوطنيّة و الخارجيّة. و استقررت في ظل الخلافة الإسلاميّة. إلى أن غمرتني الإنعامات الخاقانيّة، فكيف لا أطير لهذا الإنعام سرورا. و هو علامة بإرادة اللّه تعالى أن تنال النفس الرضى موفورا، فقلت يا نفس قرّي عينا، وردي من مناهل أمير المؤمنين عذبا معينا، فها أنت شاهدت قسطاس عدله، و أين أنت من جوده و فضله، و فوق ذلك ألطاف العناية. الّتي ليس وراءها للتطلب من غاية. فحسبي حسبي، و لنتوجه ضارعا إلى ربي. بشراشر لبي، و اخلاص قلبي، و نقول اللهم يا من تجلى بجلائل نعمائه، و يا من احتجب برداء كبريائه. يا من توجهت إلى جنابه الأقدس عزائم الآمال. و يا من تعلقت بعميم جوده أطماع السؤال، نستوهبك من الصلوات و التسليمات، ما يناسب من فضلته على جميع المخلوقات، و أنرت به أقطار الأرض و السموات، سيدنا و مولانا محمّد خاتم الرسالة. و منار الدلالة. و تنظم فيهما معه صحبه الكرام و آله. و نتضرّع إليك اللهم أن تكسو هاته الدولة العليّة العثمانيّة حلة النصر، خافقة ألوية عدلها إلى آخر الدهر، مؤيدة أعلامها. مكتوبا على صفحات الأيام إجلالها و اعظامها، بتأييد أسد غابها. و إمام محرابها، قرة أعين المسلمين. مولانا أمير المؤمنين. المحفوف بالتأييد الرباني، الخليفة الأعظم السلطان عبد الحميد الثاني، اللهمّ و كما جعلته منخرطا في سلك المدح من رسولك عليه الصلاة و السلام لامراء القسطنطينيّة من آله الكرام حسبما هو في الصحيح المأثور. فاجعله اللهمّ مظهرا لوعدك حيث قلت‏ وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 40، 41].

و أطل اللهم في طاعتك عمره، و اجعل السداد و الصلاح فيما دبره. منكسة أعداؤه على الأعقاب. مستبشرة أحباؤه بعمله المستطاب. و ألسنتهم بالدعاء إليه صادحة. خاتمين ضراعتهم بأسرار الفاتحة. و بعد أن انتظمت دعواتنا بمشيئة اللّه في سلك الإجابة. و احرزت من حضها موقع الإصابة. حان لعصابة الشكر و الحمد و الثناء أن تكون لسدّة أمير المؤمنين أيده اللّه مصروفة. و من البديهي أن وقوعها موقع القبول لدى جلالته على حسن تمهيد مثلك أيها الوزير بعد الإعتماد على اللّه تعالى موقوفة. فلتور لها زناد الحميّة. من تلك الغيرة الرضائيّة. لا زلتم صاعدين مدارج السعادة في العناية السلطانيّة».

و في تلك المدة تفرغ الشيخ لتأليف الجزء الثالث من «صفوة الإعتبار» و تحرير رسالة سماها «التحقيق في مسألة الرقيق» بحث فيها عن كيفيّة معاملة الرق عند المسلمين بمقتضى‏

____________

(1) الحديث: في صحيح البخاري برقم (7053- 7143) و في صحيح مسلم برقم (1477) و في السنن الكبرى للبيهقي 8/ 157 و في مسند الإمام أحمد 1/ 310 و في شرح السنة للبغوي 10/ 47 و في مشكاة المصابيح للتبريزي (3668) و في كنز العمال (14811).

30

الشريعة و بيان أسباب الرق و دواعيه و أحكامه و ذهب فيها إلى أن العبيد المباعين الآن هم أحرار و أن منع الحكومات الإسلاميّة لتجارة العبيد هو شرعي محض لا يحتاج الحال فيه لطلب الدول الأجنبيّة، و قد حرر قبل ذلك جوابا علميّا لبعض نبلاء الإنكليز عن سوءال وجهه إليه مضمونه: هل أن التونسيين مسرورون من دخولهم تحت دولة أجنبيّة؟ فأوضح السيد بيرم في جوابه بأن التونسيين ليسوا أقل الأمم حبا في الإستقلال و التنعم بلذائذه و الغيرة على الوطن، و أنهم مسلمون يتمنون بكل جوارحهم دوام صلتهم بالجامعة الكبرى الإسلاميّة و استدل على ذلك بأدلة عقليّة و نقليّة طويلة مقنعة، و قد كانت من عادة صاحب الترجمة منذ كان في تونس أن يحتفل كل سنة بالمولد النبوي الشريف احتفالا شائقا واظب عليه لحين وفاته، حتى أنه كان آخر أعماله في هذه الدنيا (رحمه اللّه). و في كل سنة يكتب رسالة مخصوصة في موضوع من المواضيع العلميّة يتخلص فيها لذكر المولد الشريف و قد ألّف في الأستانة رسالتين لذلك الغرض إحداهما: فيما يجب لآل البيت النبوي الكريم من التبجيل و التعظيم، مبينا حقوقهم على المسلمين بشرط ثبوت النسب العلي حتّى لا يدخل في هذه السلسلة السامية دخيل تترتب له تلك الحقوق الواجبة. و ثاني الرسالتين: فيما يجب للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) على سائر المسلمين.

و ألف رسالة أخرى في سكنى دار الحرب و ذلك عندما رأى ما طرأ على بلاد الإسلام من التقهقر المستمر نسأل اللّه اللطف و السلامة، و قد ذهب في هذه الرسالة بعد شرح ما عليه البلاد الإسلاميّة الآن الشرح الكافي و ايراد الأدلة و النصوص الشرعيّة إلى أن الإنسان حر فيما يختاره حسب مصلحته و اجتهاده. و قد سأله بعض الأفاضل عن رأيه في مسألة الإجتهاد و التقليد مستندا على الرسالتين المطبوعتين في الاستانة المنسوبتين لملك بهوبال صديق حسن خان فشرع في الجواب غير أنه لم يتمه، و يظهر من فحوى كلامه و أعماله الخصوصيّة أنه يرى تقليد أحد الأئمة الأربعة واجبا على حسب المشهور في مذهب أهل السنة.

و لما تولى أمير تونس الحالي منصب الأمارة هنأه الشيخ بيرم بمكتوب مصدر بهذين البيتين:

ألا بعلي ملك تونس سدّدا* * * فلا زال فخرا للبلاد موءيدا

و نجح دعائي بأن إذ قلت أرّخن‏* * * ألا بعلي ملك تونس سدّدا

و قد توجهت في ذلك الوقت آمال أحباء قائل هذين البيتين لرجوعه إلى تونس إذ أن نفوره الذاتي كان من الوزير مصطفى بن إسماعيل الذي أفل نجمه بوفاة سيده الصادق باي و لم يبق من مانع له من العود إلى بلاده و مسقط رأسه و مدفن أجداده خصوصا و «رستان» نائب فرنسا استبدل بغيره، وصفا الوقت و زال المقت. فكاتبه بعض المتشيعين للسفارة الفرنسويّة بتونس بمناسبة الفرصة لا سيما و قد كان وعد الأمير عند توديعه و هو إذ ذاك ولي العهد بالعود إلى الوطن عند ولايته عليه، فاعتذر صاحب الترجمة عن كل ذلك بأن السيرة العموميّة هناك لم تبق على الحالة المألوفة ثم أن صحته لم تزل في تقهقر في الأستانة لتأثره‏

31

من الإنفعالات النفسانيّة المتسببة عن دسائس ذوي الأغراض السابق شرحها الّتي لا يكاد يخلو منها من كان له شأن بين الناس أو فضل يميزه بين أقرانه، و المعالجة و العيال يلزمها الكثير من المال فباع صاحب الترجمة جميع أملاكه بتونس و صار يصرف من ثمنها في حاجياته و عوائده الّتي لم يغير منها شيئا بحيث رأى نفسه في تأخر مالي مستمر لا يأمن معه من الوقوع في مخالب الفقر، و هو لم يحسن من العمل إلّا مباشرة عقاراته و التفرغ للأشغال العلميّة. و كان بعض كبار أصدقائه ينفره من سائر الوظائف العادية لاعداده إلى وظيفة مخصوصة تليق بعلومه و ما زال منتظرا حتى ضاق لذلك ذرعا و زاد عليه اشتداد المرض العصبي إذ وجد عاملا لتحريكه قويّا و هو الانفعال النفساني المستمر فنظر في أمره فلم يجد من البلاد الإسلاميّة الّتي يمكنه الإقامة فيها براحة بال إلّا القطر المصري و هو مع حرارته الّتي يأباها مزاج صاحب الترجمة إلّا إنه أوفق من غيره من البلاد الأخرى، أما الولايات العثمانيّة فقد أشار عليه بعض المطلعين على الأحوال على أن طلبه التوجه إليها لا يحوز محل القبول خصوصا و هو لم يكن له ميل إلّا للتوجه إلى المدينة المنوّرة للمجاورة أو إلى الشام و يمنعه عن الإقامة في الحجاز احتياجه المستمر للحكماء و العلاجات و هما شيئان مفقودان تقريبا من تلك الجهات المباركة، فاستخار اللّه في القدوم إلى مصر و ساعدته المقادير بالحصول على مكاتيب توصية لبعض ذوي النفوذ في هذه البلاد فأراد طلب الرخصة للقدوم إليها و لكنه استشعر أن طلب الإذن للتوجه إليها ربما لا يحوز قبولا خصوصا و أنه تعذر عليه وجود من يبلغ الحضرة السلطانيّة تفصيل أمره و شكوى حاله على الوجه الحقيقي، و إلّا فإن احترام الخليفة لمثله من علماء المسلمين كان يدفع شكواه و يرفع عنه ألم معيشته و لكن دون الملوك من عقبات الأشغال ما يمنعهم عن الوقوف أحيانا على مثل هذه الأحوال فإذا فقد الناصح الأمين الذي يتيقظ لملافاة هذه الأمور بحسن تبليغها إلى مقام الخلافة حصل الإهمال الذي وقع فيه صاحب الترجمة و أمثاله، فالتزم التمحل بطلب العودة إلى الوطن و قارن هذا الطلب الإجابة إذ كاتبه علي رضا باشا باشكاتب المابين الهمايوني بهذه البطاقة العربيّة و هذا نصها بالحرف الواحد بخط يده:

«العالم الفاضل و الأديب الكامل محمّد أفندي بيرم سلمه اللّه.

بعد التحيّة الوافية نبدي لكم أننا عرضنا مادة العزيمة إلى بلدتكم فصدرت الإرادة السنيّة السلطانيّة على عزيمتكم إلى ذلك الطرف إن شاء اللّه تكون مصحوبا بالسلامة و نروم منكم أن لا تنسونا من دعائكم الصالح في السفر و الإقامة و دمتم في 21 ذي الحجة سنة 1301 ه.»

(علي رضا)

و ممّا يذكر هنا مقرونا بمزيد الأسف أن القسطنطينيّة العظمى تشتمل على نحو المليون نفس من السكان من أجناس مختلفة أقلهم أبناء العرب أو المنتسبون إليهم و مع ذلك لا ترى أشد منهم تهافتا على الإيقاع فيما بينهم فبينما ترى الروم و الأرمن و اليهود يعاضدون بعضهم‏

32

بعضا و يسعون لبني جنسهم في الخير بحيث يصدق عليهم أنهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ترى أولاد العرب المسلمين ينتحلون و يتلهفون على اختلاق الأسباب و إيجادها لإبعاد بني جنسهم عن دار الخلافة و تنفير قلوبهم منها و للّه في خلقه آيات. فقد راجت فيهم سوق التحاسد و التباغض و التنافر و التشاحن حتّى لا يكاد يخلو حديث من أحاديثهم أو حركة من حركاتهم إلّا في إيذاء بعضهم و إيقاع السوء بأنفسهم و التخاذل فيما بينهم لا فرق في ذلك بين الكبير و الصغير و العظيم و الحقير بل الداء واحد في الكل إلّا من وفق اللّه و لا شك أن هذا من سوء حظ الإسلام الذي كان ينبغي أن يصرفوا له أوقاتهم في خدمته بما في يدهم من القدرة على نفعه نسأل اللّه أن يرفع من بينهم آفة الدسائس الّتي يشوشون بها على أنفسهم و على بلادهم و يسقطون بها سائر الأمة العربيّة في أعين الأمة التركيّة.

و قد غادر الشيخ مركز الخلافة و العين مغرورقة بالدمع و الحشاء ممتلى‏ء بالأسى و الصدر مفعم بالأسف ليس ذلك لمنصب فارقه أو لرفاهة عيش زايلها أو لطمع في شي‏ء من نعيم الدنيا الزايل و عيشها الفاني و إنما كان يتحرق فوءاده لما كان يرى عليه الأمة الإسلاميّة من الإنحلال و الأخذ في أسباب الضعف و كيف أن بلاده وقعت أولا في يد الأجنبي و خرج لأجل ذلك مشتتا بعائلته في البلاد ليسكن بها بلدة إسلاميّة فلم ير أمامه مكانا هو أولى أن يقصد لهذا الغرض و أليق بعالم مسلم مثله من أولاد نقباء الأشراف أن يقيم بعائلته فيه سوى دار الخلافة، و علل النفس بأن ما يراه هناك من صولة الإسلام و تشييد الدين و استقامة أمور المسلمين و اجتهاد أمير المؤمنين و من حوله من خاصته و حاشيته و رجاله لإنقاذ الإسلام و أهله مما سيسلي مصابه بفقد بلاده و منّى النفس بأنه لا ييأس على ضعفه و عجزه من القيام بخدمة تفيد الإسلام أو نصيحة تشيد الدين أو اشتراك في عمل يجمع به كلمة المسلمين أو ما يماثل ذلك ممّا يجب على كل فرد من المسلمين القيام به و خصوصا من كان من طائفة العلماء فرأى لسوء الحظ من تلك الدسائس و دنايا السعايات و مسابقة الوشاة أضرارا بكل من كان مثله على رأيه حتى يخلو الجوّ لأولئك المسابقين ما اضطره إلى مبارحة دار الإسلام للتشتت مرة أخرى في البلاد بعائلته بعد أن يئس من العمل في حقه بمقتضى الآية الشريفة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ [الشورى:

23] و المرحوم يمت بحبل النسب إلى البيت الطاهر النبوي من جهة و يتصل من الجهة الأخرى إلى مجاهد في سبيل خدمة الدولة العليّة أراق دمه في افتتاح البلاد التونسيّة، و لم تزل أعقابه تتوارث الولاء و الإخلاص و الصداقة المتينة للدولة العليّة في كل زمان و مكان حتّى أنه لما أهدى السلطان عبد المجيد كركا من السمور الفاخر من ملبوساته الذاتيّة إلى أمير تونس أحمد باشا لم ير الأمير المشار إليه أليق بلبسه من الشيخ بيرم الرابع فأعطاه أياه و لم يزل محفوظا يتبرك به في بيت بيرم بتونس و صار لبس الكرك مزيّة لهم لم يقلدهم فيها سواهم، و قد اكتفى الشيخ الرابع بذلك عن قبول نشان الافتخار التونسي لما عرضه الأمير عليه و اتبعه في ذلك صاحب الترجمة أيضا سنة 1295 ه إذ صارت العادة في تونس أن‏

33

العلماء لا يتقلدون النياشين و في حرب الدولة مع الروسية سنة 1244 ه تقاعست الولاية التونسيّة عن نصرة الدولة مادّيّا و ادبيّا فلم يجد شيخ الإسلام بالآستانة من يستعين به لحث المسلمين في تونس على مساعدة الدولة إلّا جد صاحب الترجمة بيرم الثاني لما هو مشهور عن هذه العائلة منذ القدم أنها متعلقة بخدمة الدولة لا تفتر عن ذلك أبدا فأجابه بالمكتوب الأتي نصه:

«ربنا أفرغ علينا صبرا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين. إن أحسن ما تشرفت به الأمة المحمديّة، و تجملت به العصابة الأحمديّة. اتباع أوامر اللّه تعالى و نواهيه.

و بذل الجهد في إعلاء هذا الدين و تشييد مبانيه، اقتداء بصدرها الأول، و عملا بسنة نبيه المرسل. و لعمري أن هذا في العبارة و إن كان سهلا بينا. ففي إبرازه للوجود ليس هينا، لتوقفه على إمدادات إلهية. و هداية ربانيّة. وداع إلى هذا بلسانه، و رمحه و سنانه، و قد تطابقت حملة الأنباء في سائر البلاد. من جميع العباد، أن القائم بهذا الشأن، و الحائز قصب السبق في هذا الميدان، و مجدد الدين بعد الأندراس. و مظهر أعلامه أثر الإنطماس.

الدولة العثمانيّة أعلى اللّه منارها، و ضاعف اقتدارها. و أنام الأنام في ظلها، و أعاد عليهم من فيض فضلها، فلم تخل و الحمد للّه من إمام يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم، و لم يأل جهدا في رمي أعدائه بالعذاب الأليم، مؤيد من اللّه بعلماء، عاملين هم ورثة الأنبياء ناهجين في نصح العباد مناهج الأصفياء، و قد ورد علينا من حضرة مولانا شيخ الإسلام، و إمام العلماء الأعلام، و مرجع الحكام في الأحكام، و من بيده مقاليد النقض و الإبرام، لا زالت أقلامه في بحار العلوم سابحة، و مواعظه للقلوب جارحة، و تجارته عند اللّه تعالى رابحة، كتاب كريم، هاد بأوامره و نواهيه إلى الصراط المستقيم، لا يقابله كل مؤمن إلّا بالقبول و التسليم، و كيف لا و قد جاء بالذكرى الّتي تنفع المؤمنين. المأمور بها في الكتاب المبين، حاثا على الجهاد، و التشمير عن ساق الإجتهاد، و تعاطي أسبابه، و طرح الأمور الصارفة عن بابه. فاجتمع لقراءته الأعيان من العلماء و غيرهم بحضرة الأمير جمعا، و فتحوا له قلبا و سمعا، و تلقوه بالإذعان و القبول، و المبادرة لامتثاله بالفعل و القول، و أميرنا مثابر على تنفيذ أوامر الدولة العلية، الّتي طاعتها من طاعة رب البريّة، و ما هو إلّا أن يؤمر فيطيع.

و يكلف فيأتي بما يستطيع، و اللّه تعالى يؤيد سلطاننا بمدد نصره، و يجعل أعداء الدين تحت قهره، و يعلي رايته الشامخة في البر و البحر، و يكتب على صفحاتها سورة الفتح و النصر، و السلام اللائق بجلالكم، من العبد الفقير محمّد بيرم».

و في الحرب الأخيرة تأخرت الحكومة التونسيّة عن مساعدة الدولة أيضا لخوفها من معارضة فرنسا، فقام الشيخ بمقتضى ما ورثه عن ذويه من محبة الدولة العليّة يحرض الوزير و ينصح الأمير و يحض المسلمين جميعا على إعانة الدولة، و لم يكتف بذلك فقط، بل سعى سعيه حتّى توصل لاستخراج فتاوى شرعيّة بوجوب القيام بواجب المساعدة للدولة، حتّى لا يبقى هناك عذر لمعتذر في ذلك التقاعس و هذا صورة السؤال الذي طلب عليه الفتوى:

34

«علماء الإسلام، بعد اهداء السلام، و التحيّة و الاكرام، ما قولكم. رضي اللّه عنكم.

في نازلة صورتها أن إمام المسلمين قد أخبر أهل قطر من المسلمين ممن هم تحت طاعته، و داخلون تحت بيعته يخطب أئمتهم باسمه على منابرهم بأن العدوّ قد فاجأ بلاد المسلمين معلنا بالحرب و وقعت منه المباشرة بالفعل في حدود المملكة، و كان الإمام استشعر من العدوّ ما آل أمره إليه من مباشرته بالحرب فهيأ من العساكر بحدود المملكة للمدافعة عن بيضة الإسلام نحو الستمائة ألف، و حين اطلاعه على جيوش العدوّ و علم ما أمكن من أخبارهم رأى الإمام أن الستمائة ألف تحتاج إلى ضم آخرين إليهم من العدد الكثير الذي تحصل به مقاومة العدد و يمكن له به مدافعة العدوّ، فاستنفر كل من استطاع من أهالي ذلك القطر إلى الانضمام إلى حوزة العساكر ثم الذي وقع في الخارج بعد استنفار الإمام هو أن العدوّ قد استولى على بلدان و قرى من مملكة ذلك الإمام و أهاليها مسلمون جارية في تلك البلدان و القرى شعائر الإسلام، كما استولى على قسم من مملكة ذلك الإمام سكانه نصارى يؤدون الخراج و يذعنون بالطاعة للإمام و هذا القسم له بال من المملكة يبلغ عدد سكانه نحو الخمس ملايين و قد جعله العدوّ مركزا لذخائره و عدده و عدده بما فيه من الحصون، و مع ذلك لم يقدر العدد الوافر المهيأ من عساكر المسلمين على إخراج العدو لما تسلط عليه، نعم حصلت للعدو مضرات أخرى من غزو سفنه و ثورة قسم ممن كان تحت سلطانه من المسلمين بإعانة الإمام لهم فهل يجب و الحالة ما ذكر على أحاد ذلك القطر المستنفر أهله ممن قدر على الزاد و الكراع و السلاح أن ينفر للإمام و يلبي دعوته سواء كان ذلك القطر مواليا لموضع الهجوم أو بعيدا عنه؟ و على تقدير أن يكون الموضع الموالي أهله تكاسلوا أو عرض لهم مانع يتعلق الوجوب حينئذ بمن يلي من يليهم و هكذا أم لا يجب؟ و إذا قلنا بوجوب ذلك على الأفراد و الأشخاص بذلك الشرط فلو كان هناك من له منفعة عامة كمثل عالم لا أعلم منه في البلد بفصل القضاء، فهل ذلك مسقط للوجوب عنه أم لا؟ جوابكم الشافي».

و ما فتى‏ء (رحمه اللّه) يخلص الخدمة للبيت العثماني عند كل فرصة و بكل وسيلة، حتّى أنه رأى رأيا ينتج عنه نفع المسلمين و ارتقاء شأنهم جميعا من جهة توثيق عرى الجامعة الاسلاميّة و ائتلاف ممالك المسلمين و تنظيم أحوالها على ما يضمن قوة المركز و ثبات الوجود، و من جهة اعتلاء شأن البيت العثماني بتشييد أمر الخلافة فيه على جميع المسلمين و ممالكهم و ذلك الرأي هو: «أن تتحد الممالك المستقلة الاسلاميّة و الولايات العثمانيّة المستقلة استقلالا داخليا ثم يصير الجميع عصبة واحدة و مملكة واحدة تحت رئاسة الخليفة السلطان العثماني».

و من ضمن الأمور الّتي أوصى بها في روابط هذه الجامعة أن يجتمع أمراء الممالك الاسلاميّة في بعض السنين بالكعبة المطهرة لتكون شاهدا على قوة ارتباطهم، و في ذلك من اعلاء شأن الممالك الإسلامية ما لا يخفى على كل من أمعن النظر في نظام الممالك‏

35

الألمانيّة الّتي كانت ضعيفة ضئيلة بتفرقها ممالك صغيرة يسهل على الطامع ابتلاعها كما حصل مرارا، فلما اتحدت جميع المقاطعات الألمانيّة على النمط الذي نراه الآن بمملكة بروسيا أصبحت أعظم الممالك شأنا و أشدها قوة، و صارت مملكة بروسيا الّتي كانت تحت رحمة الطامع لضعفها و انفرادها أقوى الممالك باتحادها مع بقيّة الممالك الألمانيّة، و قد كتب المرحوم في هذا الباب كلاما طويلا مستشهدا فيه بالشواهد الدينيّة و التاريخيّة، كقول أحد مشايخ اسلام الاستانة الأقدمين عند تحسينه هذا المشروع لمن كان يعارضه: «إن الأليق بمجد السلطان و فخر الدولة أن يكون السلطان سلطان السلاطين لا سلطان الولاة».

و ربما أدخلناه في ضمن ما سننشره من بعض كتاباته الّتي تركها عند الفرصة.

و قد خرج الشيخ على تلك الحال يقلب طرفه في البلاد لعله يجد بلدة اسلاميّة يشد إليها رحله فلم يجد من بلاد المسلمين بلدة يطمئن فيها الساكن على نفسه و عرضه و لا يكون عرضة لمثل تلك الدسائس إلّا البلاد المصريّة، و إن كان دمعه ليجري أسفا على تلك البلاد أيضا الّتي أصابها ما أصاب غيرها من سيطرة الأجنبي عليها، و لكن رب ضار نافع و بعض الشر أهون من بعض؛ و قد أنكر عليه المتشدقون عمله هذا و قدومه على مصر في حالة وجود الانكليز و تضارب الأحوال فيها غير أنه كان يجيب على ذلك: «بأن لا حق لأحد في الاعتراض عليّ إذ أن الدولة رضيت لي الاقامة في تونس تحت حماية فرنسا حسب منطوق الارادة السنيّة المسطرة أعلاه، و تونس انسلخت بالمرة عن الممالك العثمانيّة و لا أثر لسلطة الدولة أو المسلمين فيها، أما مصر فإنه مع وجود الانكليز فيها فإنها لم تزل ولاية من ولايات الدولة و سيطرة الحكومة المحليّة فيها قائمة، و على فرض المساواة في المعاملة لا قدّر اللّه فلا فرق بين الانكليز و الفرنسيس».

و قد انتقل المرحوم بعائلته إلى مصر معرجا في طريقه على بلاد اليونان و ذلك في المحرم سنة 1302 ه (نوقمبر سنة 1884) أي بعد الاحتلال الانكليزي بسنتين و شهرين، و لما استوطن بالقاهرة هنأه حضرة المصقع البليغ الشيخ حمزة أفندي فتح اللّه بهذين البيتين البديعين:

لئن أشرقت في الشرق مصر ببيرم‏* * * و أضحت به تلك الكنانة تونس‏

فكم شاد مع آبائه من مكارم‏* * * أضاءت بها في الغرب من قبل تونس‏

و بعد أن استراح أيّاما قابل الجناب الخديوي التوفيقي المرحوم فأظهر له مزيد العناية و أنزله منزلة الثقة الأمين فحكى له سموّه جميع ما جرى في الثورة العسكريّة و تفاصيلها و كل ما يتعلق بما قاساه فيها و ختم كلامه بقوله: «إنني ذكرت لكم كل هذا لتتأكدوا من صداقتي لكم». ثم أظهر له من علائم الاكرام ما جعله دائم الشكر له، و من ذلك أنه أمر بأن تكون مصاريف الشيخ على نفقة الحكومة كما كان في ضيافة مولانا السلطان، و في 25 ربيع الأول من تلك السنة أصدر جريدة «الاعلام» و هي جريدة علميّة سياسيّة يوميّة غير أن صحة

36

صاحب الترجمة و قلة اختباره بالقطر المصري لم تساعداه على توالي إصدارها يوميّة فجعلها تظهر ثلاث مرات في الاسبوع ثم صارت أسبوعيّة، و استمرّت كذلك مدة طويلة بحيث أن أول عدد منها صدر في التاريخ المذكور و آخر عدد و هو 269 صدر في غرة جمادى الأولى سنة 1306 ه ثم احتجبت الجريدة المذكورة عن الظهور بتولي صاحبها خطة القضاء في محكمة مصر الابتدائيّة الأهليّة، و كان في نيته عند تأسيسها مع فتح مطبعة مخصوصة به أن يشغل نفسه بتحريرها و بطبع الكتب المفيدة طلبا لنفع العموم بما اكتسبه من الاختبار بالتجول في البلدان و بما يعلمه من العلوم الشرعيّة الاسلاميّة و تطبيقها على الأحوال السياسيّة الّتي ينتج عنها تحرير البلاد و انتظام أمورها، كما كانت تتولع به نفسه منذ القديم حتى قال خير الدين باشا عن هذه الجريدة: إنها لا تلبث أن تكون «تيمس العرب».

و دفعه إلى ذلك أيضا ما كانت عليه سجيته من حب الاشتغال بالعلوم و فن التحرير و الانشاء و ما يتسع هذا الغرض إلّا في مثل الاشتغال بطبع الكتب و انشاء الصحف، و لكن قد خاب جميع أمله إذ أن الجريدة لم تطل أيامها حتى رماها بعض الناس بأنها تحث على الانتماء للأجنبي و هو أمر لم تقله أبدا و غاية ما هنالك أنها كانت تحث على الاستفادة من الانكليز ما داموا موجودين في البلاد إذ أن معاكستهم و أمر البلاد و الأمة جميعا في يدهم لا تحمد عقباها كما بينته التجربة بعد و الذي ألجأه لانتهاج هذا المسلك ما قاساه من ظلم الاستبداد و ما رآه من وجود عوامل محركة في مصر باغراء بعض الأجانب لتوغير صدور الناس على حكامهم إذ ذاك، و خشي من دوام الحال على ذلك المنوال أن يأتي بالضرر المادي و المعنوي على الطائفة الاسلاميّة.

و الحاصل أن كثيرا من الناس لم يقدروا عمله حق قدره، هذا زيادة عن أن حال الجرائد في الشرق ليس هو على ما يشاهد في البلاد المرتقيّة في التمدن و الحضارة بحيث أن الجرائد هنا لا تنجح إلّا إذا كان لها معضد قويّ و لم يتعوّد الشرق لغاية الآن أن ينمي شيئا ما لم تكن يد الحكام فيه، و الشيخ بيرم كان قليل المعرفة بالناس و أخلاقهم في مصر فلم يجن من جريدته ثمرة تذكر ثم أن الكتب الّتي طبعها تحمل بخسارة مصاريفها و لم يكسب منها شيئا و زد على ذلك أنه تربى في ترف و عزة نفس و همة عالية، و من تكن هذه أخلاقه قلما ينجح في عمل تجاري ثم أن الحرّ أضر بصحته و زاد في تقهقرها فزاد في استعمال المرفين زيادة مفرطة حتى صار يستعمل نحو الغرام و كسور في اليوم و هو مقدار كاف لقتل عدة من الأنفس الغير المتعودة عليه فالتزم بعد سنتين و نصف من الاقامة بمصر أن يسافر إلى أوروبا و كان ذلك قريب احتفال ملكة انكلترا بمضي الخمسين سنة على توليها الملك.

فتوجه أولا إلى مدينة فلورنسا من أعمال ايطاليا لملاقاة صديقه المرحوم الجنرال حسين باشا التونسي حيث طلبه لتسوية شؤونه لما أعياه المرض فأوقف جملة من أملاكه‏

37

على بعض أخصائه و خصصها بعدهم لجيوش المسلمين، و من هناك قصد المرحوم مدينة باريس لاستشارة حكمائها في أمر صحته ثم سافر إلى لندرة عاصمة الانكليز و هناك قابل جملة من نبلائها و كبار أعيانها كاللورد «سالسبوري» و اللورد «نورثبروك» و قد تكلم مع من قدّر اللّه.

و الإهمال أن يكون بيدهم زمام الأحوال المصريّة بما رآه نافعا لبني جلدته و جنسه و حاميا لذمارهم و مشيدا في المستقبل لفخارهم و كان إذ ذاك النفور متمكنا بين نائب الانكليز في مصر و بين رئيس مجلس النظار فيها فكان القوم في حيرة من هذا الأمر خصوصا و المرشحون لمنصب الوزارة في مصر قليلون جدّا و الفكر القائم في أذهان بعضهم حينئذ أن رياض باشا مكروه في البلاد مستدلين على ذلك بظهور الثورة فيها مدة وزارته الأولى فبذل المرحوم جهده لصرف هذا الفكر و سعى بقدر استطاعته لما فيه اعلاء شأن المسلمين.

و بعد أن حضر الاحتفال رجع إلى باريس لاتمام المعالجة ثم عاد إلى مصر بعد أن تغيب عنها نحو الخمسة أشهر معرجا في طريقه على برلين و ويانه، و في الاثناء المذكورة سعى الساعون كثيرا لارجاعه إلى الاستانة و كاتبه بعض أصدقائه في ذلك حسب ما صدرت به الأوامر السلطانيّة فأظهر المرحوم كمال استعداده للرجوع إليها قائلا: «إن بيعة أمير المؤمنين لم تزل في عنقي». و أوقف رجوعه على تسوية أحواله الماليّة ثم يقدم إلى القسطنطينيّة و مع ذلك فلم تكن الأعداء تكف عنه الأذى في غيابه أيضا حتى أنه لما طبع صاحب الترجمة إحدى رسائله المذكورة آنفا المختصة بحقوق الاشراف، دس أرباب الدسائس له في دار الخلافة ما أوجب المخابرة مع الحكومة المصريّة بشأن موضوع تلك الرسالة إذ قيل إنه تعرض فيها لمسألة الخلافة و هو أمر لم يخطر له على بال و من العبث أن يفتكر فيه عاقل، و حاشا لمثل الشيخ بيرم و قد وصل لما وصل إليه من التعب المادي و المعنوي غيرة منه على بني جنسه و ملته أن يتصور حدوث زيادة الشقاق بينهم و زرع بذور الخلاف بمسألة استقرّ القرار عليها منذ قرون، و أجمع المسلمون قاطبة في مشارق الأرض و مغاربها عند عربها و تركها و زنجها بالاقرار فيها لبني عثمان منذ عهد السلطان سليم الأول، ثم تعقبوه أيضا فيما يكتب في جريدة الاعلام إلى أن يسر اللّه بقدوم الغازي مختار باشا إلى مصر و ظهر له بالعيان فساد تلك الوشايات.

و في أثناء سفره كاتبه العلامة المرحوم الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري من كبار علماء الجامع الأزهر و مفتي المعيّة السنيّة بهذا المكتوب:

بسم اللّه و السلام عليكم و رحمة اللّه‏

ورد الكتاب على المحب المغرم‏* * * فشفاه من وجد الغرام المؤلم‏

قد شمت منه مذ شممت أريجه‏* * * بشرا بصحة ذي السيادة بيرم‏

حيّا فأحيا مهجة كانت بما* * * قاساه تمسي في أشد تألم‏

38

و أبيك ما ذاقت شرابا سائغا* * * من بعد فرقته و راحة نائم‏

إلّا بأن سرّت سرائرنا بما* * * أبداه من سريان برء محكم‏

لجناب مولانا الهمام فإنه‏* * * هو بهجة الدنيا و نور العالم‏

جمع الاله له الفضائل مثلما* * * جمع الزهور الروض تحت المرزم‏

ما بين أخلاق كأزهار الربى‏* * * و محاسن تزهو بكل مخيم‏

بجمالة و جلالة و فخامة* * * و سماحة موروثة عن حاتم‏

و سيادة و سعادة أبديّة* * * و جميل تدبير برأي محكم‏

فاللّه يكمل صحة لجنابه‏* * * ما غردت قمريّة بترنم‏

استفتح ألوكتي هذه بلطائف تحيّات تتمسك. بها نسائم الأسحار فتتمسك. و استفتح كمائم رقائق تضرعاتي بقلب سليم إلى ربه تنسك. مبتهلا إليه تعالى أن ينعم البال و يشرح الصدر بكمال صحة مزاج حضرة نضرة وجه الأيام، و غرة طلعة الزمان و قرة أعين الأنام، شمامة الدنيا الّتي بها تتأرج، و شمس قلادة العلياء الّتي بها تتبرج. علامة العصر، الذي أنست محاسنه محاسن أبناء سلافة العصر. فما هو إلّا روح الأرواح، و لوح الفضائل الّتي تتبلج في المساء و الصباح. و أن شفاء جسمه لشفاء لكل عليل، و روا ظمأ كل غليل. فمهما صح مزاجه الشريف صح مزاج الأيام. و مهما لبس حلل العافية فعلى الدنيا السلام، هذا و رجائي أن تنعشوا روحي بنوالي أخبار صحتكم كلما وفد وافد، و تنعموا نفسي بورود أخبار صحتكم كلما ورد لهذا الطرف وارد، ثم سعادة الهمام فكري باشا يتحف حضرتكم بلطائف التحيّات، أحسن اللّه لنا و له و لحضرتكم النهايات في 13 الحجة سنة 1304 ه.

عبد الهادي نجا الأبياري‏

و على ذكر هذا المكتوب و الشي‏ء بالشي‏ء يذكر ننشر هنا بعضا من محررات وردت على صاحب الترجمة عن لسان المغفور له توفيق باشا دلالة على منزلته لديه و انموذجا على معاملته له، فمنها: تلغراف جاءه جوابا على التهنئة الّتي قدّمها يوم تذكار الجلوس الخديوي في 26 يونيه سنة 1888.

حضرة الأستاذ الفاضل السيد محمّد بيرم بمصر:

تلغراف حضرتكم الوارد بتهنئة الحضرة الخديويّة على اليوم السعيد بعرضه قد صارت الممنونيّة لجنابه العالي من ذلك و لزم تبليغ الأمر للمعلوميّة.

سر تشريفاتي خديوي برأس التين‏

و منها مكتوب ورد له من محمّد زكي باشا تشريفاتي أول خديوي إذ ذاك و هو:

حضرة والدنا العزيز المحترم دام بالخير و النعم:

تشرفنا بورود تذكرة حضرتكم و متشكرين غاية التشكر و بوقته قدمنا الأمانة للأعتاب‏

39

الكريمة فحصلت الممنونيّة التامة و أمرنا بتبليغ ذلك لسيادتكم أفندم في 6 شعبان سنة 1306 ه.

الداعي محمّد زكي‏

و لما كنا بصدد ذكر هذه المحررات فلنجعل خاتمتها مكتوبا ورد على المرحوم من صديقه الحميم. الملاذ العظيم. ذي القلب السليم. الأستاذ الأبر مولانا الشيخ محمّد ظافر دامت بركاته إذ الغاية بيان ما كانت عليه صلات صاحب الترجمة بمعاصريه و معارفه و مخاطباته مع محبيه و نص المكتوب:

الحمد للّه إلى حضرة الهمام الفاضل. و العمدة الكامل. جامع شتات الفضائل. و ناظم فرائد محاسن الشمائل. و منبع المعارف. و مجمع اللطائف. و قطب فلك السياسة و مركز دائرة أرباب الرئاسة. جناب الأعز الأكرم. مولانا الشيخ سيدي محمّد بيرم. أدام اللّه عزه و اقباله. و أناله مناه و آماله. آمين.

بعد اهداء تحيّات أطيب نفحا من روض الأزهار. و ألطف من نسيم الأسحار. فقد وصل كتابكم الكريم. المشتمل على الدر النظيم. الحري بالتبجيل و التعظيم. و قرت به أعيننا سرورا. و امتلأت به قلوبنا بهجة و حبورا. و ما أعلنتموه من الفرح و الجذل. بحصول نشاط محبكم من عارض المرض الذي حصل. فهو من علامات تمام الوداد. و خلوص محبتكم الأصيلة و كمال الاعتقاد. و لكم عندنا من ذلك الحظ الأوفر. و القسط الأكبر. و ما عطفتم به على ذلك من الذكر الجميل. و الثناء و التبجيل. على المحب فهو من انطباع كمالاتكم الظاهرة. الّتي تجلت في مرآت ذاتي و أصبحت في عالم الشهادة لكم ظاهرة. كما هو مصداق قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «المؤمن مرآة أخيه» كما يشهد بذلك ذوق كل صديق و موقن و على كل فنحن معترفون بالقصور. و نسأل اللّه سبحانه و تعالى التوفيق في جميع الأمور. و أن يجعلنا ببركة دعاكم مظهرا للخيرات. و واسطة لتوالي المبرات. و أن يجعل العاقبة للمتقين.

و ينجز وعده بنزول نص النصر على أعلام جيوش المؤمنين. و نخص بالسلام كامل من بحضرتكم و جناب أخينا الشيخ سيدي حمزه مسلم عليكم. و كذا كامل أولادنا مقبلين يديكم. و هذا ما لزم. و دام مجدكم و السلام. 13 شعبان سنة 1294 ه.

خادم الفقرا محمّد ظافر المدني‏

و قد تفرغ صاحب الترجمة في الأوقات الّتي يتركها له المرض لاتمام تأليف ابتدأه في استانبول سماه «تجريد السنان للرد على الخطيب رونان» و ذلك أن العالم الفرنساوي المذكور و هو من مشاهير أهل بلاده تعرض في خطابة ألقاها بباريس تحت عنوان «الإسلام و العلم» إلى ذكر الديانة الاسلاميّة و أنها تمنع العلوم من الانتشار بين أبنائها فأفسد صاحب الترجمة هذا الزعم برد مقنع أتى فيه على ذكر جميع العلوم و الفنون الّتي استنبطها المسلمون‏

40

أو نقحوها، و له رسالة في صورة سؤال حرّرها في جواز شراء أوراق الديون الّتي تصدرها الممالك الاسلاميّة حتّى تبقى أموال المسلمين في بلادهم و لا يحجبهم عنها اشتباه الرباء الذي لا ينطبق في هذه الحالة عليها، و كتب تقريرا مسهبا في شأن التعليم بمصر ذهب فيه إلى لزوم انتشاره باللغة العربيّة لسهولة تناوله و تعميمه بين العموم مستندا في ذلك على عمل العرب في صدر الإسلام و على عمل الأروباويين أنفسهم فإنهم لا يعلّمون إلّا بلغاتهم و قد نجحوا.

أما مصر فلما اتبعت طريقة التعليم باللسان الأجنبي لم تنتشر فيها العلوم و الفنون مع طول الزمن الذي مضى من حين تأسيس المدارس فيها، و له أيضا عدة كتابات على جملة أحاديث نبويّة شريفة و هي الّتي كان يحتفل بختمها في تونس على حسب العادة الجارية هناك في المدرسة العنقيّة الّتي كان شيخا عليها و في سراي المرسى عند جناب الأمير الحالي و لم تتركه أيضا في مصر دسائس بعض الفرنسيس و تهمهم الباطلة فمن ذلك أن جريدة لالنترن (المصباح) الباريسيّة نشرت خبرا عن مكاتبها في القاهرة في شهر أغسطس سنة 1889 مفاده: أن الشيخ بيرم سافر متوجها إلى الشيخ السنوسي للإتفاق معه على اهاجة نار الفتنة في السودان بواسطة المهدي و القصد من ذلك كله معاكسة فرنسا، و صادف نشر هذا الخبر خروج صاحب الترجمة حقيقة من القاهرة و لكن لاستنشاق الهواء البارد على شاطى‏ء البحر في جهة رأس البر بدمياط.

و قد تجول المرحوم في كثير من أنحاء القطر المصري و كان يكتب أثناء تجوله في ذهبيّة بقيّة «صفوة الإعتبار» فأتم الجزء الرابع و أول الخامس و لم يمهله الأجل لاتمامه، فإنه كان يقصد التوسع في الكتابة عن بلاد النمسا و سويسره و المانيا و رومانيا و البلغار و الصرب و اليونان و هي البلاد الّتي شاهدها، و لكن ما كتبه إجمالا عنها في الجزء الأول يمكن أن يغني القارى‏ء عن التفصيل و الإسهاب. و كان ينوي كتابة خاتمة «صفوة الإعتبار» على نمط مقدمتي «تاريخ ابن خلدون» «و أقوم المسالك» فلم تمكنه صحته و لا أجله من إخراجها من حيز الفكر إلى قوة العمل، و نحن نورد هنا بعض تعليقات كتبها ليوسع البحث فيها في هذا الموضوع عسى أن يقيض اللّه من يمشي على نمطها إذ المقصود هو نفع ملتنا و إيقاظنا من غفلتنا و كفى بما جرى للأمة في القرنين الماضيين من التقهقر و التلاشي و الإنحلال، واعظا في ديوان العبر و أهم باب المبتدأ و الخبر لمن يروم الإستفادة بالماضي ليدفع به غائلة المستقبل، أما تعليقاته فهي: فيما ينبغي لنا اتخاذه و تدبير نفوسنا عليه و فيه فصول.

الأول: في زيادة نشر العلم.

الثاني: في كيفيّة الحكم و أنه ينبغي اتخاذ قول واحد من المذهبين (أي في تونس حيث الأحكام جارية بمقتضى المذهبين الحنفي و المالكي)

الثالث: في كيفيّة إدارة السياسة و ما هو عمل الملك و ما هو عمل كل وزير و ما هو

41

عمل مجلس النواب الذي حقه أن يتخذ من الأهالي و أن لا تعطى الكلفة دفعة واحدة بل على قدر استطاعة الأهالي و قابليتهم و أن ذلك يأتي في المسلمين من الملك و هو المربي لرعيته و السبب في عدم اعطاء الحريّة التامة في فرنسا كما هو جار في انكلترا ثم تعامل الدول مع دول الإسلام على خلاف التصرف في داخليتهم لضعفنا و عدم انصافهم فعلينا بالوسائل و حكم تذاكر البنوك شرعا و ليس هو من قبيل السفتجة. و علاقة الدول و الأحكام و فوائد الصحف و فوائد سكك الحديد و البريد و التكلم عليه و عدم تأخير المقصد في الكلام عند الزيارة لاثنين معا. و النهي عن الغيبة بين الأخوان. اجتهاد اليهود في المال بكل بلاد و أغلب الصناعات بأيديهم و عدم تعاطيهم الصنائع المجهدة. الطرق الموجبة للنفرة بالتفاضل، ابلاغ الشريعة إلى الكفار واجب و لو بدون حرب، اجتهاد الأجانب في العمل حتى وصّلوا بين شاطى‏ء أميركا و البحرين الأحمر و الأبيض و خرق المنسني و الخرق تحت المنش، أسباب عدم استواء الدول الأجانب في التظلم ببلاد الإسلام على حسب مقاصدهم و قوتهم فامريكا مثلا و إن كانت رعيتها عند الترك قدر رعيّة الإنكليز فلا تجد منهم تظلما و لا إقامة حجة مستمرة من سفيرهم، الوجوب على الحكومة و العلماء فيمن يتوجه إلى الحج بتعليمه ما يجب عليه قبل السفر و إلّا فيمنع.

و في 12 جمادى الأولى سنة 1306 ه (14 يناير سنة 1889) عين صاحب الترجمة قاضيا في محكمة مصر الإبتدائيّة الأهليّة في مدة وزارة رياض باشا الثانية و كان في وزارة نوبار باشا كلف المرحوم بكتابة ما يراه عن القوانين المعمول بها في المحاكم الأهليّة من حيث مطابقتها للشريعة الغراء، أو القوانين الجارية في الدولة العثمانية الشامل لها كتاب المجلة و الدستور فرام أولا التوسع في الموضوع بتقسيم القوانين المصريّة بابا بابا و مقارنتها بالمجلة أو الدستور و إذا لم يجد نصا مطابقا لها فيهما فيطبقها بقدر الإمكان على قول أحد المجتهدين بدون تقيد بمذهب مخصوص، غير أن عملا مثل هذا يلزمه طول الوقت و كثرة العمال و الزمن غير قاض بذلك فالتزم أن يصرف النظر عن هذا العمل و كتب عن القوانين ما نصه:

«القوانين الأصول الّتي عليها مدار الحقوق في الحكومة المصريّة هي القانون المدني و قانون التجارة البري و قانون التجارة البحري و قانون العقوبات و هاته القوانين الأربعة نظر مطابقتها للقوانين العثمانيّة أو للشريعة المطهرة على التفصيل الآتي:

فأما قانون العقوبات و قانون التجارة البريّة و البحريّة: فجميع ما يوجد من موادها في القوانين العثمانيّة المماثلة لها هو مطابق مطابقة كاملة، و هو أيضا الأكثر من مواد القوانين المصريّة لكن القليل جدّا من مواد هاته القوانين لا يوجد أصلا في مثلها من القوانين العثمانيّة.

و أما القانون المدني المصري: فهو مخالف للمجلة العثمانيّة الّتي هي قائمة مقامه‏

42

مخالفة كثيرة كليّة، غير أن القانون المدني المصري مع ذلك أكثره مطابق للشريعة المطهرة على الإطلاق من غير نظر إلى خصوص مذهب معين بل بالنظر إلى أقوال الأئمة المعمول بأقوالهم في الديانة، و القليل من هذا القانون المدني مخالف أيضا لجميع تلك الأقوال غير أن تحويره بما يرجع به إلى مطابقة أحدها مما يقتضيه الحال أمر سهل يسير بفطنة حذاق أهل الخبرة و العلم».

و كذلك كلفه الباشا المشار إليه تقديم تقرير بما يراه لإصلاح حال الأوقاف و قد فعل و كان موجها همته في مدة توظفه بالمحاكم للسعي وراء تطبيق قوانينها على الشريعة الغراء، و لما قدم ولي عهد الإنكليز إلى مصر كان صاحب الترجمة من الأفراد القليلين الذين اجتمعوا به و في تلك السنة أنهى رياض باشا ترميم منزله بالحلميّة فهنّأه المرحوم بهذه الأبيات:

أن الوزير المصطفى في عصره‏* * * لا زال عونا للمليك بأزره‏

أبدى من التدبير في الإصلاح ما* * * قد حقق المعهود منه بقطره‏

فلقد أتى في قصره ما يبتغي‏* * * حسنا به و متانة مع وفره‏

و القطر قصر واسع الأرجاء قد* * * أبدى له أنموذجا من قصره‏

و كلاهما مستأهل بعياله‏* * * و إدارة بإصابة من فكره‏

فكما نشاهد في الصغير إجادة* * * فكذا الكبير نراه صار بأمره‏

إذ اتقن التحسين حتى أرّخوا* * * قصر رياض فيه جنة مصره‏

(سنة 1889)

و قد عين عضوا في اللجنة الّتي تشكلت للنظر في تعميم المحاكم الأهليّة بالوجه القبلي و عضد هذا التعميم، و كذلك انتخب عضوا في لجنة تشكلت في المحكمة بناء على طلب نظارة الحقانيّة لتقديم تقرير للنظارة بكل ما يرى لزوم تعديله في القوانين على حسب ما يلائم حالة البلاد و عين عضوا في لجنة بنظارة الداخليّة لمراجعة الأحكام الصادرة من قومسيونات الأشقياء و انبنى على عمل هذه اللجنة الإفراج عن عدد عظيم من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة في طره و كان إمضاؤه على تقرير هذه اللجنة آخر أعماله الرسميّة فتوجه إلى مدينة حلوان لتغيير الهواء، و هناك اشتدّ عليه المرض و بلغ به الضعف غاية المنتهى و ظهر في جهة جنبه الأيسر خرّاجان بسبب الحقن بالمرفين أعقبهما بعد فتح الطبيب لهما تكوّن المادة في الرئة و بعد أن لازم الفراش بالمرض المعروف بذات الجنب نحو الخمسة و العشرين يوما فارق الحياة و ذلك في الساعة الخامسة و نصف بعد ظهر يوم الأربعاء 25 ربيع الثاني سنة 1307 ه (18 دسمبر سنة 1889) و قد خلف ثلاثة بنين رزق بهم من بنت عمه الّتي تزوّج بها في 14 ربيع الثاني سنة 1277 ه و كان قبل ملازمته للفراش محتفلا بالمولد النبوي الشريف هناك بمحضر بعض الأصحاب و قد دخل إلى الحرم من‏

43

تلك الحفلة و لم يخرج حيا و في مدة مرضه ورد عليه مكتوب من صديقه رياض باشا و نصه:

«جناب الأستاذ:

من صميم الفؤاد قد تكدرت من خبر ما طرأ على جنابكم من انحراف المزاج الذي لم أعلم به إلّا من منذ كم يوم و ادعو المولى سبحانه و تعالى أن يمنّ عليكم بالشفاء و كمال الصحة و العافية و نراكم معنا عن قريب، و على أي حال أترجاكم أن لا توأخذوني و العذر عند كرام الناس مقبول.

في 13 ربيع الثاني سنة 1307 ه».

محبكم المخلص رياض‏

و قد حضر دولة الباشا المشار إليه إلى حلوان و قصد عيادته و أرسل إليه نجله، و كذلك كان المرحوم توفيق باشا كثير السؤال عنه يوميا بواسطة طبيبه عيسى باشا حمدي، و لما توفى أظهر لأبنائه جميل التلطف تغمده اللّه برحمته، و قد شيع رياض باشا جنازة صاحب الترجمة صبيحة يوم الجمعة و كانت مودّتهما صافية خالصة و دفنه في التربة المخصوصة الّتي شيدها بقرب ضريح الإمام الشافعي رضي اللّه عنه و قد كتب على قبره هذه الأبيات و هي من إنشاء الشاعر البليغ حفني بك ناصف:

يا قبر أضنانا البكاء و تبسم‏* * * أدريت أن الفضل فيك مخيم‏

أعلمت أنك قد حويت محمّدا* * * و تركت أكباد الورى تتضرّم‏

هذا الذي كانت بدائع فكره‏* * * تملي البيان على اليراع فينظم‏

من عترة ثوت العلوم بدارهم‏* * * فهم لطلاب الهداية أنجم‏

أولاه مولاه مواهب فضله‏* * * و اللّه يعطي من يشاء و يرحم‏

و أقام في دار النعيم فأرخوا* * * في جنة الفردوس أسكن بيرم‏

سنة 1307 ه.

و قد رثاه جملة من أحبابه و كتبت الجرائد تنعيه و لنقتصر منها على ما قالته «الوقائع المصريّة» جريدة الحكومة المصريّة الرسميّة الصادرة في 21 دسمبر سنة 1889 نمرة 145:

«إنا للّه و إنا إليه راجعون. في آخر ليلة الخميس الماضي انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الآخرة الباقية المرحوم الشيخ محمّد بيرم أحد قضاة المحكمة الإبتدائيّة الأهليّة بمصر، و صاحب جريدة الإعلام العربيّة. و كانت وفاته (رحمه اللّه) بمدينة حلوان عقب اشتداد الداء العصبي الذي مني به من عدة سنين و لم ينجع فيه علاج الأطباء.

و في صباح يوم الجمعة الماضي احتفل بنقل جسده من حلوان احتفالا يليق بمقامه و فضله و انتظره على محطة ميدان محمّد علي العدد العديد من رجال الحكومة السنيّة

44

و أكابرها، و في مقدمتهم صاحب الدولة رياض باشا رئيس مجلس النظار و ناظر الداخليّة و الماليّة و كثير من العلماء و قضاة المحاكم الأهليّة و مشاهير المحامين و ذوي الفضل من الوجوه و الأعيان. و مما هو جدير بالذكر في هذا المقام ما كان من صاحب الدولة رياض باشا من العناية بأمر المرحوم و الإهتمام بشأنه و المساعدة في إكرام تشييع جنازته و دفنه و تعزية أولاده و تشجيعهم على تحمل المصاب إلى غير ذلك من الإحتفال و الإكرام، و لما وصلت الجنازة إلى المحطة شيعت في مشهد حافل مشى فيه دولة رئيس النظار و من تقدم ذكرهم و من حضروا من حلوان بغاية السكون و الوقار و كان في مقدمة المشهد الذاكرون و مرتلو البردة و غيرها من الأحزاب و الأوراد، ثم المشيعون للجنازة فحملة السرير و كلهم آسفون لفراق هذا الرجل العظيم الشان، و قد دفن (رحمه اللّه) في المدفن الذي بناه صاحب الدولة رياض باشا بقرافة الإمام الشافعي عليه الرضوان و فرّقت الصدقات على الفقراء و المساكين و دعا الناس للمرحوم بالرحمة و الغفران.

أمّا الرجل (رحمه اللّه) فكان عالما فاضلا فقيها كاملا متضلعا من العلوم الشرعيّة بأنواعها مطلعا على أحوال الأمم و له الباع الطولى في فنون التاريخ القديم و الحديث و كان من ذوي الأقلام البليغة فيما يريد كتابته من المواضيع و قد ألف رسائل كثيرة في الأحاديث و الأصول و الأحكام الشرعيّة و الجغرافيا التاريخيّة و السياسيّة و غيرها، و كلها تدل على غزارة مادته و سعة تفننه في المعارف و العلوم و كان كثير الاستشهاد بأحوال الأمم الغابرة و الحاضرة في كتاباته و أقواله و له قوة حاضرة في إقامة الدليل و البرهان كما يشهد بذلك المقامات الافتتاحيّة الّتي كان ينشرها في جريدة الإعلام (رحمه اللّه) رحمة واسعة و أفرغ على آله و ذويه جميل الصبر. و عزاهم على مصابهم فيه أكمل العزاء و أثابهم على الصبر عظيم الأجر آمين».

و هذا ما قالته جريدة «الحاضرة» الصادرة بتونس في 24 ديسمبر سنة 1889 عدد 74 «صباح يوم الخميس الفارط نشرت أخبار التلغراف من حلوان مصر القاهرة خبر وفاة العلامة النحرير صاحب الصيت الشهير المؤلف الشيخ السيد محمّد بيرم و بما أنه من مفاخر البلاد التونسيّة تقوم الحاضرة بواجب رثائه و هي أدرى من غيرها بفضائل رجالها، فقد ولد هذا العالم في بيت العلم البيرمي سنة ست و خمسين و مائتين و ألف و تربى في مهاد العلم و التعليم، و قرأ على ابن عمه الشيخ أحمد بيرم و على عم جده الشيخ مصطفى بيرم و على شيخ الإسلام الشيخ محمّد معاوية و قرأ على الشيخ الطاهر بن عاشور و الشيخ الشاذلي بن صالح و الشيخ محمّد الشاهد و الشيخ علي العفيف و غيرهم من فحول جامع الزيتونة إلى أن حصل على مرتبة عالية و تقدم لخطتي التدريس، و قرأ كتبا مهمة بجامع الزيتونة و ولي مشيخة المدرسة العنقيّة بعد وفاة عمه شيخ الإسلام الرابع و ختم بها الأختام المهمة و كان يعيدها كل سنة في بيت الحضرة العليّة.

45

و كان عالما فاضلا عالي الهمة عزيز النفس رفيع الحسب منشئا فصيح اللسان جميل المحاضرة صاحب أناة و وقار خبيرا بالسياسات الشرعيّة و الوقتيّة حسن التدبير واسع الإدارة امتنع من قبول الخطط الشرعيّة عدة مرار متعللا بضعف بدنه، و كان عضوا في عموم الجمعيّات الّتي انعقدت لوضع التراتيب العلميّة و التنظيميّة أول الوزارة الخيريّة و هو الذي قام برئاسة جمعيّة الأوقاف عند تأسيسها فأسس أصولها بعد أن جمع شملها بما يقتضيه العلم و الإنصاف، و ولي نظارة المطبعة الرسميّة و اعترته أمراض عصبيّة بمعدته سافر بسببها عدة مرار لباريز و إيطاليا و حنكته الأسفار بما يزيده في الاعتبار، و بإشارته كان إنشاء المستشفى الصادقي و باشر إقامته على النمط الذي رآه بباريز، و من قلمه كان إنشاء قانونه و شكره الأمير يوم فتحه في الموكب العمومي و ولي عضوا في مجلس الدولة الشوري على عهد وزارة ابن إسماعيل و اشتد مرضه و الحّ في طلب الإعفاء و لم تسعفه الدولة بذلك و خرج لبيت اللّه الحرام أواخر سنة ست و تسعين و مائتين و ألف و رجع على طريق الشام.

و لما رأت الدولة انحلال وظائفه أحالتها لغيره في الثامن و العشرين من محرم سنة 1297 ه و تنقل من الشام إلى دار الخلافة العثمانيّة فنزل بمنزل التعظيم و التكريم و عرضت عليه نقابة الأشراف و الفتوى بالشام فلم يقبل لضعف بدنه، ثم انضمّ إليه أبناؤه و عائلته و أجرت عليه الدولة جراية سلطانيّة و هنالك ألف رحلته «صفوة الإعتبار بمستودع الأقطار و الأمصار» و أودعها من الأصول السياسيّة و الأصول العلميّة ما يدل على كمال تضلعه و قوة عارضته، و أقام بالآستانة إلى أن شق عليه مرضه العصبي و أشار عليه الأطباء بالتنقل إلى البلاد الحارة فتنقل بأهله و أبنائه أول المحرم سنة اثنتين و ثلاثمائة و ألف و تلقته الديار المصريّة بالرحب و القبول و أنزله الجناب الخديوي منزلة التكريم و أجرى عليه جراية تليق بأمثاله و فتح بها مطبعته الإعلاميّة و أفادت صحيفة «الإعلام» في سائر الجهات العربيّة إلى أن ولي حاكما بالمحكمة الأهليّة و في أثناء هاته الأسفار كان مجدا في الاعتناء بكرام أبنائه في المدارس إلى أن وصلوا إلى قدم الكفاءة للمهمات و ترقى أولهم لخطة كاتب بمجلس النظار بالديار المصريّة نسأل اللّه أن يجعل منهم خلفا محمودا و أن يديم عليه في نعيم الجنان ظلّا ممدودا».

هذا و قد قيل إن قيمة المرء لا تقوم بمقدار مادحيه فقط بل بانضمام المنتقدين عليه أيضا، و على ذلك نقول أنه من دون سائر الجرائد العربيّة و الإفرنجيّة قد انفردت إحدى جرائد الآستانة العربيّة بنشر ما يخالف أمره عليه الصلاة و السلام: «اذكروا موتاكم بخير» (1).

____________

(1) الحديث في سنن أبي داوود (4900) بلفظ: «أذكروا محاسن موتاكم» و في الترمذي (1019) و في السنن الكبرى للبيهقي 4/ 75 و في شرح السنة للبغوي 5/ 387 و في مشكاة المصابيح (1678) و في اتحاف السادة المتقين 7/ 491 و 10/ 374 و في كشف الخفا 1/ 114. و في المعجم الكبير للطبراني 12/ 438 و هو باختلاف يسير.

46

و لم يكن ذلك ليؤثر على حسن صيته و شهرته فقد قيل- كلام العدى ضرب من الهذيان- و من تأمل في تاريخ حياة المغفور له علم أنه كلما خفض الأعداء و الحساد من شأنه ذراعا ارتفع ميلا و كلما اشتدت به ملمات الحوادث و كوارث الزمن زاد قدره اعتلاء، فقد خرج المرحوم من دياره مغربا مشردا فما زالت به همته حتّى بلغت به إلى شرف المقابلة بالحضرة الشاهانيّة و نوال أقصى الرعاية السلطانيّة و خسر أمواله و أملاكه، فقام له فضله و علمه بعدم الحاجة لأحد فعاش ميسورا و مات ميسورا و اجتهد بعض ذوي التقصير في الحط من سيرته و الطعن في شهرته فما زاده ذلك إلّا اعتلاء في الصيت و احتراما في النفوس و توقيرا في الصدور، فقضى حياته حميد السيرة و انتقل إلى رحمة ربه طاهر السريرة و على كل حال فنسأل اللّه أن يجازي الجميع خيرا و لا يريهم ضيرا، هذا و قد كتبت ما كتبته و اللّه يعلم إني لم أقصد به فخرا و لا حبّا في الظهور و إنما هي حقائق مثبوتة بمستنداتها ألقيتها تحت نظر القارى‏ء ليرى في حياة هذا المؤلف و ما طرأ عليه من نعيم و بؤس العبرة الّتي يتوخاها و قياما بحقوق الأبوة و التربية و إجابة لما كان كلفني به عند قدومه إلى مصر و لكوني أعلم الناس بأحواله (رحمه اللّه) رحمة الأبرار.

و كلما تذكرت على قبره محاسن أفعاله في حياته العموميّة و جميل أخلاقه و شهامة نفسه في حياته الخصوصيّة أكاد أنشد بيت المعرّي مخاطبا لقبر أبيه:

لأطبقت أطباق المحارة فاحتفظ* * * بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن‏

9 ذي الحجة سنة 1311 ه محمّد بيرم‏

47

التعريف بكتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار

و هو رحلة الشيخ الجليل و العالم المحقق النبيل السيد محمّد بيرم الخامس التونسي (رحمه اللّه) و طيب ثراه الجزء الأول- يشتمل على مقدمة و أقسام و فيها مباحث: في أحكام السفر شرعا و الإستدلال على قدرة الخالق و القول بتكوير الأرض و دورانها و الإستدلال على ذلك بأقوال الحكماء و الفقهاء و الصوفيّة و غير ذلك من المباحث الشرعيّة و العلميّة الطبيعيّة و ذكر ما ورد في السفر من كلام الحكماء و الأدباء و حكم السفر لغير أرض الإسلام و أسباب سفر المؤلف و تقسيم أحوال أهل الأرض الآن مقسّما ذكرهم إلى (87) فصلا أي على عدد الحكومات المستقلة مشروحة كل واحدة منها بالشرح الوافي و هو أتم كتاب في الجغرافية العموميّة للكرة الأرضيّة مطبوع باللغة العربيّة.

و في هذا القسم كثير من الفوائد: كدخول الإسلام إلى الصين و ذكر دولهم فيه و المملكة التي أنشأها السلطان سليمان و ذكر استيلاء الإنكليز على الهند و الموكب الذي حصل لتلقيب ملكتهم بلسطانة الهند و سفر ولي عهدهم إلى ذلك القطر و ما جرى له من الإحتفال و كذلك سفر شاه إيران إلى أوربا و الأستانة و ما لاقاه فيها من إكرام السلطان عبد العزيز و تفصيل أحوال مملكة مراكش و أسباب تقدم أوربا.

و يلي هذا الكلام على القطر التونسي منشإ المؤلف ثم جدول عمومي عن أحوال جميع ممالك الأرض و بيان عدد سكانهم و ديانتهم و قواتهم الحربيّة و البحريّة و إيرادهم و مصروفهم و تجارتهم و ديونهم و طول السكك الحديديّة فيها.

الجزء الثاني- في بقية الكلام على القطر التونسي بالتفصيل عن إدارته و سياسته و أحكامه و أخلاق أهاليه و جميع ما يتعلق بذلك من زمن الفتح الإسلامي إلى حين دخول فرنسا فيه.

48

الجزء الثالث- في الكلام على مملكتي إيطاليا و فرنسا بالإسهاب و أسباب تقدمهما و تاريخهما القديم و الحديث و حالتهما الإداريّة و السياسيّة و قواتهما الحربيّة و الماليّة و انتشار العلوم و المعارف فيهما و رسوخ الحريّة في ابنائهما.

الجزء الرابع- في الكلام على قطر الجزائر و تاريخه و دخول فرنسا فيه و ما وقع في حربه مع الفرنسيس و بيان حالته الآن كل ذلك بغاية البسط و الشرح و كذلك الكلام على مملكة إنكلترا و ما رآه المؤلف فيها و ذكر تاريخها و أسباب تمدنها و تقدمها و انتشار مستعمراتها و أحوالها بالتفصيل ثم ذكر جزيرة مالطه و استيلاء الإنكليز عليها و حالتها قديما و حديثا.

و في هذا الجزء الكلام على القطر المصري و بيان أحواله إلى سنة 1303 هجرية أي حين وصول المرخصين العثماني و الإنكليزي إليه و ذكر الديار المصريّة و جغرافيتها و تاريخها و حكوماتها و سياستها و تفصيل الثورة العسكريّة و فيه بحث عن افساد دعوى حرق المسلمين لمكتبة الإسكندريّة.

الجزء الخامس- في الكلام على الحجاز بالتفصيل و الدولة العثمانيّة و تاريخها إلى حين عقد معاهدة برلين و أسماء سلاطينها و تاريخ ولايتهم مع بيان أعمالهم الشهيرة منظومة في قصيدة.

و في جميع هذه الأجزاء مكاتبات لبعض الملوك و السلاطين و الأمراء و معاهدات دوليّة كثيرة و فرمانات سلطانيّة متعددة في أغراض و مقاصد شتى.

49

ما شاء اللّه كان‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[تمهيد]

الحمد للّه مالك الملك و الممالك. خالق النور و الظلمة و الضلال و الهدى إلى أقوم المسالك. سبحانه الخالق الحكيم. المبدع للكون و ما فيه من حقير و عظيم. رسم عليه دلائل وحدانيته لتدبر المتبصرين. وَ مِنْ آياتِهِ [خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏] وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏ [الروم: 22] و الصلاة و السلام الأكملان الأتمان على تاج العالم المصون. و مظهر الكمالات المسرى به إلى المسجد الأقصى و المقام المكنون. سيدنا و مولانا محمد رسول اللّه. المطهر عنصره الجثماني. و المنزه جوهره الروحاني. من الكدر و الاشتباه. و على آله الطاهرين. و أصحابه الذين جابوا الأرض في هداية المخلوقين.

أما بعد: فإن اللّه جلت عظمته اقتضت حكمته الباهرة. أن ربط في هاته الدار الأسباب بالمسببات خفية كانت أو ظاهرة. و أخفى مراده في التكوين. فكان مدار تكاليف الشرع هو اعتبار الأسباب رحمة بالمؤمنين. و تفويض ما وراء ذلك إلى خالق مسبب‏ (1) يجري على مقتضى تقديره في الأزل و ما يدرك أسرار حكمته إلا قليل من الكاملين. و كان مما عرض للعبد الحقير. أن بليت بمرض أعيا علاجه أطباء قطرنا الشهير. و أشير عليّ بالسفر لأجل ذلك الغرض. فاستخرت اللّه تعالى و استشرت الأصدقاء لتحصيل ذلك الحق المفترض. فجبت بحارا و قفارا. و مدنا و أمصارا على حسب ما يسره المقدور. و ساعفت الوسائل على الوصول إلى مشاهدته من المعمور. و رأيت بعيني البصر و البصيرة. أمورا عجيبة خطيرة. أحببت نظمها في عجالة حفظا لها من الإهمال. و تطفلا على منح العلماء أولي الكمال.

كل سرّ جاوز الإثنين شاع‏* * * كل علم ليس في القرطاس ضاع‏

و هي و إن كانت بالنسبة لمعارف الكاملين و الفحول. ليست مما يلتفت إليه أو يلاحظ

____________

(1) في الأصل المسبب و الصواب ما أثبتناه.

50

بالقبول. لكنها على كل حال بضاعة من علم. تلاحظها بالإغضاء أعين أهل الحلم. فلعل اللّه بفضله يفيد بها أهل و ظننا و إخواننا المسلمين. و يهدينا إلى إحياء معالم ديننا المتين.

و سميتها: صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار. معتمدا على فضل المانح الجليل.

و هو حسبي و نعم الوكيل.

فنقول: أن هاته الرحلة مرتبة على مقدّمة و مقصد و خاتمة فالمقدّمة فيها ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في السفر من حيث هو و يشتمل على ثلاثة فصول الباب الثاني: في السفر لغير أرض الإسلام و فيه فصلان الباب الثالث: في تقسيم أحوال أهل الأرض و فيه خمسة أقسام و ستة و ثمانون فصلا و المقصد فيه ثلاثة عشر بابا: الأول: في سبب سفري. الثاني:

في مملكة تونس. الثالث: في مملكة إيطاليا. الرابع: في مملكة فرانسا. الخامس: في قطر الجزائر. السادس: في مملكة إنكلتره. السابع: في جزيرة مالطه. الثامن: في قطر مصر.

التاسع: في الحجاز و جزيرة العرب. العاشر: في بقية الممالك العثمانية. الحادي عشر: في مملكة أسفيسره. الثاني عشر: في مملكة النمسا. الثالث عشر: في مملكة الرومانيا. و كل باب يشتمل على فصول حسبما فيه من الفروع. الخاتمة: فيما يبنغي للأمّة الإسلامية إتخاذه من زيادة بث المعارف و ما تثمره من الخيرات.

51

المقدمة

الباب الأول في السفر من حيث هو

الفصل الأول فيما جاء في ذلك من الكتاب العزيز

إعلم أن اللّه تعالى قد أمر في كتابه العزيز بالسير في الأرض للإعتبار و الإستدلال على وجوده و وحدانيته، فقال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ* في آيات من الكتاب المجيد في [الأنعام: 11- و النمل 69- و العنكبوت 20- و الروم 42]، و في بعضها قال: ثُمَّ انْظُرُوا [الأنعام: 11] و في أخر قال: فَانْظُروا* [النمل: 69- العنكبوت 20- و الروم 42]. فكان العطف تارة بالفاء و تارة بثم إشارة إلى أن النظر و الإعتبار كما يلزم في حالة السير يلزم بعده حتى لا يكون الزمن و العمل خاليا عن فائدة صحيحة في نظر الشرع فأوّلا:

يحصل النظر الإجمالي في حالة السير ثم يحصل النظر التفصيلي بالاعتبار عند الإنفصال منه حتى يستقرّ في النفس بغاية التروّي. و لا يخفى أن القاعدة الأصولية عندنا هي أن الأمر للوجوب، و هو حقيقته و لا يصرف إلى غيره إلا عند القرينة الصارفة، و قد اشتملت الآيات المذكورة على أمرين و هما: الأمر بالسير و الأمر بالنظر. فكلاهما واجب غير أن الأول واجب لكونه وسيلة للثاني، و الثاني: واجب مقصود لذاته و إفادة ترتبه على سابقه تحصل بكل من الفاء و ثم بيد أنه تحصل بكل واحدة فائدة خاصة، فالفاء تفيد ترتب النظر على السير بغير مهملة، و ثم تفيد ترتبه عليه بعده حتى يكمل رسوخه، و بهذا تبين الوجه في العطف بهما و لا نحتاج إلى أن الإتيان بثم لإفادة التفاوت بين مراتب الواجبين، حيث أن أحدهما مقصود لذاته و الآخر مقصود لكونه وسيلة كما ذهب إليه أبو السعود (1) و القونوي‏ (2) لأنّ هذا لا يكون فائدة يستدعيها المقام بخلاف ما ذكرناه.

____________

(1) هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي المولى أبو السعود (898- 982 ه) مفسر من علماء الترك المستعربين. الأعلام 7/ 59 شذرات الذهب 8/ 398.

(2) القونوي: لقب لجماعة من فقهاء الحنفية: انظر الأعلام 7/ 30 و 153 و 162.

52

ثم أن كون السير واجبا لما ذكر هو ما عليه المحققون، و إن سبق قلم الزمخشري‏ (1) و تبعه القاضي البيضاوي‏ (2) إلى أن الأمر بالسير للإباحة و الأمر بالنظر للوجوب، فقد قال غيرهم: إن ذلك ينبو عنه المقام.

أما أولا: فلأنه إخراج للأمر عن حقيقته.

و أما ثانيا: فلا وجه لذكر إباحة السير للتجارة و غيرها في سياق الإفحام للجاحدين، ثم يعطف عليه ما هو واجب و لا يتم إلا بسابقه.

و أما ثالثا: فقد تقرّر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا فكيف يكون النظر في آثار المكذبين واجبا بدون سير؟ فإن قيل: إنا لم نر في دواوين أصول الدين أن من واجبات الديانة السفر كما ذكر؟ فالجواب أن معنى الوجوب معلق بما إذا لم يحصل الإعتبار المفضي للإعتقاد إلا بالسفر، لأنه يؤدّي إلى رؤية الآيات بالمشاهدة التي لها من التأثير ما ليس لغيرها، أما إذا حصل الإعتقاد فلا داعي حينئذ لوجوب السفر و إنما هو مباح. و لهذا كانت الآيات المذكورة في سياق الحجاج للمعاندين و كأن ما ذكر هو الذي أدى ببعض المفسرين للقول: بأن الأمر للإباحة.

و قد ذكر الغزالي‏ (3) في الإحياء: أن السفر تعتريه الأحكام الخمسة من الوجوب و الندب و الإباحة و الكراهة و الحرمة لأنه من الوسائل فيأخذ حكم ما قصد به‏ (4) و أبان ذلك بيانا شافيا.

و إذا تقرّر أن السير واجب لأجل الإعتبار، فنقول: إن المعتبر به أشياء منها ما دلت عليه الآيات المذكورة من الإعتبار بعاقبة المكذبين للرسل، و منها ما دل عليه قوله تعالى:

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ‏ [الروم: 22]. فإن المسافر يرى من عجائب قدرة الخالق جل و علا من اختلاف الطباع و اختلاف الأشكال و الهيئات و اللغات و البشرة ما يقضي بوجوب وجود صانع ذلك المختار في أفعاله، إذ لو

____________

(1) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري جار اللّه أبو القاسم (467- 538 ه) عالم بالتفسير و الآداب و اللغة. توفي في الجرجانية من قرى خوارزم. الأعلام 7/ 178 وفيات الأعيان 2/ 81 معجم الأدباء 5/ 489 رقم الترجمة (945) مفتاح السعادة 1/ 431 معجم المطبوعات (973).

(2) هو عبد اللّه بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي. قاض مفسر توفي في تبريز سنة (685 ه). الاعلام 4/ 110 بغية الوعاة (286) مفتاح السعادة 1/ 436 طبقات الشافعية للسبكي 5/ 59.

(3) هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد (450- 505 ه) حجة الإسلام. مولده و وفاته في الطابران. الأعلام 7/ 22 وفيات الأعيان 1/ 463 طبقات الشافعية للسبكي 4/ 101 شذرات الذهب 4/ 10 الوافي بالوفيات 1/ 277 مفتاح السعادة 2/ 191 معجم المطبوعات (1408- 1416).

(4) انظر كتاب إحياء علوم الدين كتاب آداب السفر. 2/ 217.