منتهى الوصول إلى غوامض كفايه الأصول‏

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
431 /
1

-

2

كلمة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرّحيم‏

الحمد للّه حمدا يوازى حمد ملائكته المقربين الذين لا يغفلون عن حمده طرفة عين و حمد جميع حامديه من اول الدهر الى ابد الآبدين و صلواته و تحياته على اشرف انبيائه و رسله محمد و الاتقياء من عترته الطاهرين المرضيين.

و بعد فيقول العبد الضعيف الفانى و الحقير البالى محمد تقى بن محمد الآملى عاملهما اللّه بلطفه الجلى و الخفى، هذه جملة من المسائل الاصولية استفدناها من مجالس بحث سيدنا و مولانا سيد الاساتيد العظام و من كان فى زمانه كهف الانام و ملاذ الايتام حجة الاسلام و آية اللّه الملك العلام على جميع الانام السيد ابو الحسن الاصفهانى طيب اللّه تعالى نفسه الزكية و حشره مع سيد الانبياء و المرسلين و اجداده الطاهرين حين اقامتنا فى النجف الاشرف و استفادتنا عن محضره الشريف العالى و سائر اساتيدنا الكرام و مشايخنا العظام ارسل اللّه اليهم من ينابيع رحمته ما لا يبقى معه شي‏ء و اعطاهم من رحمته الواسعة من الدرجات الرفيعة و قد اوردتها بعنوان التعليقة على كفاية الاصول لكون الكفاية من اجمل الكتب المدونة و انزهها و اطيبها عن الحشو و الزوائد و عمالا يليق عن ما يقام عليه و كيف لا تكون كذلك و هو من مؤلفات شيخ الفقهاء و المجتهدين استاد الفضلاء البار عين الذى كان افاضة العلم فى عصره من لدنه و هو الفاضل الكامل الذى ليس له ثانى مولى الانام و كهف الايتام حجة الاسلام و آية اللّه الملك العلام الآخوند ملا محمد كاظم الخراسانى روح اللّه روحه الزكية و اعطاه اللّه تعالى بكل كلمة زبرتها فى هذه الصحيفة نورا من رحمته.

3

و يشتمل هذه الجملة على جل المسائل الاصولية من اول الاستصحاب الى آخر ابواب الاجتهاد و التقليد و انى و ان لم اكن اهلا لان ينشر ما استفاده من مشايخه لا عارى عن كل فضيلة و لكن غرضى من نشره اعلام الاعلام بما افاده سيد اساتيدنا الكرام السيد الاصفهانى (قدس اللّه نفسه) و ابراز ما افاده فى مجالس بحثه عند حضور افاضل تلامذته افاض اللّه تعالى عليهم جلابيب رحمته و جعل سعيهم مشكورا و اللّه و لي الانعام و الفضل 20 شهر شعبان المعظم 1390

4

الكلام فى الاستصحاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

قوله (قده)

فصل فى الاستصحاب،

انما عقد فصلا للاستصحاب دون الاصول الثلاثة السابقة (حيث ذكرها فى فصلين: عقد الاول منهما للشك فى التكليف من الوجوب و الحرمة، و الثانى للشك فى المكلف به) لاختلاف مجراه عن مجاريها بحيث لا يتداخلان لا مجرى الاستصحاب فى مجاريها و لا بالعكس، و ذلك لما تقدم فى اول القطع من ان تحديد مجارى الاصول بما فى الرسائل غير منضبط: فالاولى ان يقال ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعى فاما ان يحصل له القطع بالواقع او بوجود حجة له من جهة حكايتها عن الواقع المسمى فى الموضوعات بالامارة و فى الاحكام بالادلة الاجتهادية، او لا يحصل شي‏ء منهما، و حينئذ فلا بد له من الرجوع الى الوظائف المقررة للشاك: من البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب، و لما كانت الثلاثة الاول تختلف مواردها بحسب اختلاف الانظار- كما اتضح ذلك مما تقدم و كما عرفت الاختلاف فى الشبهة التحريمية من الشبهات البدوية: حيث يقول بعض فيها بالبراءة و بعض بالاحتياط و كما فى الشبهة المحصورة من الشك فى المكلف به، فلا يمكن ان يقال فى مقام الحصران كل مورد يكون الشك فى التكليف يكون موردا للبراءة، او ان كل ما كان الشك فى المكلف به يكون موردا للاحتياط: و ذلك لورود النقض على حسب اختلاف الانظار، و هذا بخلاف الاستصحاب ضرورة ان فى مورده لا تجرى الاصول الأخر، و من هذه الجهة عنونه بفصل مستقل و قال: فصل فى الاستصحاب.

5

[فى تعريف الاستصحاب‏]

قوله (قده) و لا يخفى ان عباراتهم فى تعريفه (الخ)

الاستصحاب فى اللغة كما فى الرسائل- استفعال من الصحب بمعنى اخذ الشي‏ء مصاحبا، و اليه يرجع ما فى القاموس: استصحبه. دعاه الى الصحبة و لازمه، و فى العرف له اطلاقان احدهما ترتيب الاثر الثابت على الامر المتيقن السابق من الموضوع او الحكم فى حال الشك فيه، كما يقال: استصحب الوجوب او النجاسة او ان الوجوب مستصحب او النجاسة مستصحبة، و معناه ان المكلف رتب اثر الوجوب المتيقن على المشكوك بقاء وجوبه، او آثار الموضوع المتيقن فى السابق فى ظرف الشك فى بقائه، و من المعلوم ان هذا المعنى ليس بقابل للنزاع فى حجيته نفيا و اثباتا، ضرورة عدم صحة القول بان ترتيب المكلف اثر الحكم السابق او الموضوع المتيقن سابقا حجة او ليس بحجة و ثانيهما ما هو المصطلح عند الاصوليين و اختلف انظارهم فى حجيته اثباتا و نفيا، و قد اختلفت عباراتهم فى تعريفه (و لا يخفى) ان تلك الاختلافات ليست ناشية عن الاختلاف فى حقيقته و معناه، بل كل ذلك انما يشير الى معنى واحد و يكون هو المصب للاقوال و المورد للنفى و الاثبات، فيكون النزاع حينئذ (بين المثبتين و النافين و بين المثبتين بعضهم مع بعض، معنويا، و إلّا كان النزاع لفظيا، ضرورة ان المثبت مثلا يدعى ثبوت الحكم بالبقاء من باب بناء العقلاء، و النافى انما ينفى حصول الظن بالبقاء من العلم بالوجود السابق فلا يرد النفى و الاثبات فى مورد واحد، ضرورة ان النافى حينئذ انما ينفى ما لا يثبته المثبت، و المثبت يثبت ما لا ينفيه النافى فلا بد ان يجعل محط البحث امرا واحدا حتى يكون النفى و الاثبات بجميع شئونهما وارد ان عليه على حسب اختلاف الانظار من بناء العقلاء او التعبد بالاخبار، او الاجماع و غيرها فيكون الاختلاف واقعا فى ثبوت ذلك الامر و نفيه لا فى اصل حقيقته، و ليكن ذلك الامر الواحد الذى هو محط البحث عبارة عن الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه و ان شئت فعبر عن هذا المعنى بالاستصحاب فقل ان‏

6

الاستصحاب عبارة عنه او سمه باى اسم من الاسامى و لا ضير فى الاختلاف فى التسمية بعد اتضاح المعنى (و المراد) بحجية الاستصحاب و عدمها بهذا المعنى هو المعنى المراد فى حجية المفاهيم حيث يقولون ان مفهوم الوصف حجة ام لا، فالمثبت لحجيته يقصد ان له المفهوم، و النافى للحجية يقول انه لا مفهوم له، و كذلك فيما نحن فيه يكون النافى لحجية الاستصحاب انما ينفى الحكم بالبقاء لعدم ثبوت دليل يدل عليه عنده لا ان بعد ثبوت حكم الشارع بالبقاء يقول بعدم حجيته و المثبت قائل بثبوته فالنزاع فى اصل ثبوت حكم الشارع بالبقاء و نفيه اما من جهة بناء العقلاء على ذلك فى احكامهم العرفية مطلقا او فى الجملة فان ثبت بنائهم على ذلك مطلقا كان دليلا على ثبوت حكم الشارع بالبقاء مطلقا، و ان لم يثبت اطلاق بنائهم اخذ بالقدر المتيقن منه كما اذا ثبت بنائهم فى خصوص الشك فى الرافع دون المقتضى فبضميمة عدم الردع من الشارع يثبت حكمه بالبقاء تعبدا ببنائهم على حسب ما يأتى اليه الاشارة. و اما من جهة الظن به الناشى عن ملاحظة ثبوته سابقا اذا كان مبنى الحجية- اى مبنى ثبوت الحكم بالبقاء هو الظن بالبقاء و اما من جهة دلالة النص او دعوى الاجماع عليه كذلك اى اما مطلقا او فى الجملة (و الحاصل) ان المثبت باى مسلك اتخذ فى اثباته لا بد له من اثبات امرين (احدهما) نفس ثبوت ذلك الوجه الذى اراد اثبات الحكم بالبقاء به (و ثانيهما) حجية ذاك الوجه، فمن سلك فى اثباته ببناء العقلاء لا بد له اولا من اثبات بنائهم على ذلك اما مطلقا او فى الجملة و ثانيا اثبات حجية هذا البناء منهم لا ثبات المدعى اما من طريق قيام السيرة او من عدم الردع و نحوهما مما يأتى، و كذا من تمسك فى اثباته بالظن بالبقاء لا بد له اولا من اثبات تحقق الظن ببقاء ما علم حدوثه و ثانيا اثبات حجية هذا الظن، و هكذا من تمسك بالاخبار لا بد له من اثبات دلالة الاخبار اولا و اثبات حجية تلك الاخبار ثانيا

(قوله قده فانقدح ان ذكر تعريفات القوم له (الخ)

قد عرف الاستصحاب بتعاريف‏

7

لا يخلو عن مناقشة .. و ان كان بعضها ازيف من بعض (منها) ما فى القوانين من انه كون حكم او وصف يقينى الحصول فى الآن السابق مشكوك البقاء فى الآن اللاحق (و اورد عليه فى الرسائل) بان كون حكم او وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب و محله لا نفسه (و منها) ما عن شارح المختصر من ان معنى استصحاب الحال ان الحكم الفلانى قد كان و لم يظن عدمه، و كلما كان كذلك فهو مظنون البقاء (و لا يخفى) ان الحد عنده ان كان خصوص الصغرى فينطبق على المنقول عن القوانين، و ان كان خصوص الكبرى فينطبق على ما قدمناه من كونه هو الحكم ببقاء الحكم او الموضوع المترتب عليه الاثر الشرعى، و ان كان مجموع المقدمتين فيوافق مع التعريف المذكور فى الوافية من انه التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت او حال على بقائه فيما بعدهما، و قد عرف بتعاريف أخر لا حاجة الى نقلها مع ما فيها من الاشكال، لكونه بلا حاصل و تطويلا بلا طائل بعد معلومية المعنى و ان تلك التعاريف كلها للاشارة الى ذلك المعنى الواحد المورد للنفى و الاثبات كما تقدم‏

[فى انه من المسائل الاصولية]

قوله ثم لا يخفى ان البحث فى حجيته مسئلة اصولية الخ‏

لا يخفى ان الاستصحاب بناء على التحقيق المتقدم من كونه عبارة عن الحكم ببقاء ما كان يكون، من المسائل الاصولية؛ ضرورة انها لا يخلو اما ان يراد بها ما لا ينتهى الى العمل بلا واسطة و ان كان منتهيا اليه بالواسطة كما هو الضابط بينها و بين المسائل الفرعية كما فى القوانين و اما ان يراد بها ما كان استنباطه و العمل به من وظائف المجتهد، و ذلك كالبحث عن حجية الخير الواحد حيث انه لا حظّ للمقلد فيه اصلا؛ ضرورة ان العمل بالخير الواحد كاستنباط حجيته من وظائف المجتهد، بخلاف المسائل الفرعية حيث ان استنباطها و ان كان وظيفة المجتهد إلّا انه و المقلد فى مقام العمل على حد سواء، و ذلك كقاعدة اليد، و التجاوز، و حكم الشكوك و نحوهما كما لا يخفى.

8

و على كلا التقديرين يكون الاستصحاب من المسائل الاصولية، اما على الاول فلان البحث عن حجية الحكم ببقاء ما كان ليس مفاده هو حكم العمل بلا واسطة بل البحث فيه انما هو لتمهيد قاعدة تقع فى طريق الاستنباط، فيكون استنباطها وظيفة المجتهد، و هذا بناء على كون مجرى الاستصحاب هو الحكم الاصولى واضح جدا.

و تفصيل ذلك انه اما يجرى فى الحكم الشرعى الفرعى او الحكم الشرعى الاصولى او الموضوع الخارجى، فالاول كاستصحاب الطهارة بعد خروج المذى مثلا و الثانى كاستصحاب عدم وجود المعارض بعد الفحص او الحكم بحجية العام المخصص بالاستصحاب و نحوهما و الثالث كاستصحاب طهارة الماء او نجاسة الثوب و نحوهما، و لا اشكال فى دخول الثانى فى المسائل الاصولية بناء على كلا الوجهين فى الفارق المائز بينهما و بين المسائل الفرعية، اما على الاول فلان البحث عن حجية الاستصحاب ليس مما ينتهى الى العمل بلا واسطة، و ذلك واضح، و اما على الثانى فلعدم حظ المقلد فيها اصلا كما لا يخفى.

و اما الاول اعنى الاستصحاب فى الحكم الشرعى الفرعى فعلى المختار فى تعريفه فيدخل فى المسائل الأصولية ايضا على التقديرين، اما على الاول فلان البحث عن حجيته لا يكون منتهيا الى العمل بلا واسطة؛ ضرورة ان المجتهد لا بد ان يفتى بطهارة المذى بالاستصحاب لا ان المقلد يرجع الى الاستصحاب كما يعلم ذلك من المراجعة الى الرسائل العملية، حيث تراهم يفتون بطهارة المذى من غير ذكر للاستصحاب، و ان كان المدرك عندهم هو الاستصحاب، و هذا بخلاف مثل اصالة الصحة و نحوها حيث انهم يفتون بالرجوع اليها عند الشك فى الصحة، فكم فرق بين الاستصحاب فى الحكم الكلى الفرعى و بين اصالة الصحة و نظائرها بما لا يخفى.

9

و اما الثالث اعنى الاستصحاب فى الموضوعات الخارجية فالظاهر انه من الامارات على كل تقدير فيكون من المسائل الفرعية كقاعدة اليد و نظائرها، و عده من الاستصحاب استطرادى.

قوله: و اما لو كان عبارة عن بناء العقلاء الخ‏

قد اتضح مما تقدم دخول الاستصحاب فى الحكم الكلى الفرعى، فى المسائل الاصولية بناء على ما هو التحقيق فى حقيقته من كونه الحكم ببقاء ما كان، و اما لو كان عبارة عن نفس بناء العقلاء او عن نفس الظن بالبقاء الناشى من ملاحظة ثبوته السابق، فالبحث عن حجيته حينئذ بالنسبة الى الحكم الكلى بحث عن المسائل الاصولية قطعا، و ذلك لكون البحث عنه بحثا عن القاعدة الممهدة فى طريق الاستنباط بخلاف البحث عنه بالنسبة الى الموضوعات الخارجية، حيث يكون من المسائل الفرعية كما قدمناه.

و دخوله فى المسائل الاصولية مبنى على ما تقدم من المصنف فى اول الكتاب من ان مسائل الاصول عبارة عما يجمع تحت غرض واحد بلا اشتراكها فى موضوع واحد.

و تفصيل ذلك انهم ذكروا ان تمايز العلوم انما هو بتمايز موضوعاتها، فالموضوع فى كل علم هو جهة جامعة بين مسائله المتشتتة و جهة مائزة، يميز ذاك العلم عن العلم الآخر فلو لم يتميز العلوم بعضها عن بعضها للزم تداخلها، ثم ذكروا معنى الموضوع و انه ما يكون البحث فى العلم عن عوارضه الذاتية، فاحتاجوا الى ذكر معنى العوارض و انقسامها الى الذاتية و غيرها و ذكر اقسام كل واحد منهما.

و لا يخفى ان جميع ذلك تطويلات بلا طائل؛ اذا لتمايز بين العلوم و ان كان مما لا محيص عنه و إلّا لكان كلها علما واحدا إلّا ان التمايز لا بد و ان يكون دائما بالموضوع مما ليس بواجب ضرورة انه قد يكون به كما هو الغالب،

10

و قد يكون بالمحمول فيما يكون مسائل العلم عبارة عن محمول واحد حمل على موضوعات متعددة، و ذلك كما فى علم حفظ الصحة حيث ان الغرض منه تشخيص الموضوعات التى يحمل عليها كونها حافظا للصحة، فمسائله مشتركة فى محمول واحد و كان وحدة المحمول جهة اشتراك تلك المسائل، كما انها جهة امتيازها عن سائر العلوم.

و قد يكون بوحدة الغرض و ذلك فيما اذا لم يتعين الموضوع و المحمول و لكن الغرض معلوم، و المدون للعلم يتفحص عن موضوعات و محمولات دخيلتان فى الغرض فيحمل تلك المحمولات على تلك الموضوعات، و علم الاصول من هذا القبيل، و لهذا قال فى تعريفه: انه صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن ان تقع فى طريق الاستنباط.

اذا عرفت هذا فبناء على ما ذكره المصنف فدخول الاستصحاب فى المسائل الاصولية مما لا خفاء فيه اصلا.

و اما بناء على ما ذكره القوم فلا يخلو ما ان يكون البحث عن دلالة الادلة التى هى الموضوع لعلم الاصول بعد الفراغ عن دليليتها كما هو المختار عند المحقق القمى و جماعة، و اما ان يكون البحث عن دليلية الدليل التى هى ايضا من المسائل الاصولية كما ذهب اليه صاحب الفصول.

فعلى الاول يكون البحث عن حجية الاستصحاب بحثا عن اثبات موضوعية الموضوع فيكون من المبادى التصديقية، و على الثانى بكون البحث عنها من المسائل كما لا يخفى.

ثم ان ما ذكرنا كله مبنى على تسليم كون الاصول علما مستقلا و لكن يمكن دفعه، بدعوى انه عبارة عن مسائل علوم متفرقه كالنحو، و الصرف، و المعانى و البيان، و المنطق و الكلام، و الدراية، و نحوها مما يكون مقدمة للاستنباط قد جمع فى دفتر واحد لكى يسهل تناولها؛ و ذلك لما تقرر من ان الاستنباط يتوقف‏

11

على معرفة علوم انهاها بعضهم الى اربعة عشر، مذكورة فى كتاب القضاء و غيره، و لا شبهة ان تلك العلوم ليست بتمامها مقدمة للاستنباط، بل المتوقف عليه منها مسائل معينة، و تلك المسائل من كل علم هى التى جمعت فى دفتر واحد و سمى بالاصول، و على هذا لا حاجة الى ذكر التمحلات المذكورة فى ادخال بعضها فى الاصول و بعضها فى المبادى و الاشكال فى البعض الآخر كما لا يخفى.

[فى اشتراط بقاء الموضوع فى الاستصحاب‏]

قوله: و هذا مما لا غبار عليه فى الموضوعات الخارجية الخ‏

كما اذا شككنا فى حيوة زيد و اردنا استصحابها، فان موضوعها هو نفس زيد القابل لان يحكم عليه بالموت تارة و بالحياة اخرى و كذلك الكلام فى غالب الموضوعات الخارجية، (و قوله فى الجملة) اشارة الى ان ما ذكر مبنى على الغالب، و إلّا ففى بعض الموارد ليس الموضوع باقيا كاستصحاب كرية الماء المشكوك كريته فعلا مع اليقين بثبوتها فيه سابقا، فما يظهر من الشيخ (قدس سره) من نفى الاشكال عن جريان الاستصحاب فى الموضوعات الخارجية باسرها، ليس على ما ينبغى.

ثم انه قد يتوهم جريان الاشكال الجارى فى الاحكام الكلية فى المقام ايضا بدعوى عدم الفرق بين الموضوعات الخارجية و بين الاحكام الكلية، و ذلك لعدم بقاء الموضوع فى الموضوعات الخارجية بالدقة العقلية اذا الموضوع عند العقل هو العلة التامة للحكم، و كلما له دخل فى تحققه من الشرائط و المعدات و عدم الموانع له دخل فى موضوعية الموضوع، فكما ان الشك فى الحكم الشرعى دائما يكون ناشئا عن الشك فى تحقق بعض ما اعتبر فى العلة التامة، فكذلك يكون فى الموضوعات الخارجية.

لكنه توهم فاسد؛ اذا المراد من الموضوع ليس العلة التامة حتى فى الاحكام الشرعية ايضا اذ من اجزائها هو العلة الفاعلية التى هو جاعل الاحكام و لا شك انه ليس معتبرا فى الموضوع، و الموضوع عبارة عما يعرضه المستصحب و لو كان علته الفاعلية او الغائية مباينا معه.

12

و على هذا يكون الموضوع فى الاستصحاب الواقع فى غير الاحكام الشرعية هو الامور الخارجية كزيد فى استصحاب حياته و كالثوب فى استصحاب رطوبته، و اما الاحكام الشرعية فالشك فى بقائها ناش دائما عن وجدان ما يحتمل اعتبار عدمه فى الموضوع الذى يعرضه الحكم، او فقدان ما يحتمل اعتباره فيه على ما سيأتى توضيحه، فالاشكال الجارى فيها غير جار فى المقام.

قوله: فيشكل حصوله فيها الخ‏

و ذلك لما عرفت آنفا من ان الشك فى بقاء الحكم الشرعى سبب دائما عن انعدام شي‏ء يحتمل دخله فى الموضوع او عن وجود شي‏ء يحتمل دخل عدمه فيه، فالشك فى بقاء الحكم لا يكاد يحصل بدون الشك فى الموضوع، فلا يتحقق شرط الاستصحاب و هو اتحاد القضيتين موضوعا و محمولا؛ اذ فى صورة الشك فى الموضوع لا قطع باتحادهما موضوعا كما هو واضح و لا فرق فى ذلك بين ان يكون الشك من جهة احتمال النسخ او غيره؛ اذ هو فى الحقيقة دفع لا رفع، و اطلاق الرفع عليه فى كلمات الاعلام مسامحة نظرا الى كونه رفعا بحسب مقام الاثبات، و إلّا فبحسب الثبوت ليس للحكم استمرار بل هو محدود بامد معين، نعم يتصور الرفع فى احكام الموالى العرفية الذين ليسوا عالمين بعواقب الامور، و يجوز فى حقهم البداء بالمعنى المستحيل فى حقه تعالى، فحينئذ يكون الشك فى بقاء الحكم ناشيا من غير جهة الشك فى الموضوع، بناء على عدم امكان اخذ عدم الرافع فى موضوع الحكم على ما ذكره المصنف فى الحاشية للزوم الدور، و لكن يرد عليه ان عدم امكان اخذه انما هو فى الابتداء، و اما فى البقاء فلا محذور و لا دور فى البين.

و لكن المصنف فى الحاشية دفعه بان المناط هو اتحاد القضيتين موضوعا و لو بالمداقة العقلية و هو حاصل فى المقام، اذ المفروض ان عدم الرافع ليس له دخل فى موضوعية الموضوع ابتداء و إلّا لزم الدور، و فى اللاحق يكون الباقى عين ما كان سابقا بالدقة، و ان احتمل دخل شي‏ء فى موضوعيته الآن، ثم ان‏

13

هذا الاشكال وارد بناء على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد فى الافعال حيث ان الاحكام حينئذ ليست عارضة للافعال بما هى هى بل بما هى معنونة بعناوين و قيود لها دخل فى المصلحة و المفسدة فيكون جميع القيود راجعة الى الموضوع،

و اما بناء على تبعيتها فى انفسها فيكون الموضوع للحكم هو نفس الفعل و ان كان علته شيئا خارجا عنه نظير عروض الاعراض لموضوعاتها بعلة خارجة عن ذوات الموضوعات.

هذا لكن فيما افاده عن كون النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا تأمل بل منع، و ذلك لامكان ان يقال ان مصلحة الحكم و ان كانت موقتة بوقت معين بحيث لا مصلحة فى بقائه بعده، و الامر الحاكم لا بد و ان يرفع حكمه بانقضاء امد المصلحة إلّا انه يكون باقيا لو لا الرفع، و ذلك كما فى العقد اذا وقع لمصلحة موقتة بشهر مثلا و كان العاقد يفسخه بعد انقضاء الشهر لكن ليس شأنه الارتفاع بانقضاء الشهر من قبل نفسه لو لا الفسخ، بل يتوقف رفعه على الفسخ بحيث لو لم يتعقبه الفسخ لكان باقيا، و ان كانت الشرطية غير صادقة دائما، ضرورة وقوع الفسخ قطعا، لكن وقوعه الدائمى لا يخرجه عن الاحتياج الى الفسخ.

و كذا فى المقام انقضاء امد مصلحة الحكم و ان كان مقتضيا لوقوع النسخ لكن ليس الحكم مما يرتفع بانقضاء امد المصلحة بلا وقوع النسخ بل يكون باقيا ابدا و ان لم يكن فى بقائه مصلحة، و عدم المصلحة فى بقائه مقتضى لحتمية النسخ لا لارتفاعه بلا نسخ، فليس النسخ دفعا حقيقة بل لا يكون الارفع الامر الثابت لو لا الرفع فافهم.

قوله: و يندفع هذا الاشكال الخ‏

. ملخص الجواب ان الاشكال وارد على تقدير البناء فى موضوع الاستصحاب على الدقة العقلية مع البناء على كون الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد فى الافعال، و المبنى الاول ممنوع لكفاية

14

بقاء الموضوع بنظر العرف و عدم الحاجة الى بقائه بالدقة العقلية فحينئذ يندفع الاشكال فى جميع الاحكام الشرعية من غير فرق بين كون الدليل الدال عليه من الادلة اللفظية او اللبية كالاجماع و العقل، و لو تنزلنا عن ذلك، فنقول ان المدار فى الاستصحاب على الموضوع بلسان الدليل فكلما كان ذلك باقيا يجوز الاستصحاب، فاذا ورد الماء المتغير نجس كان الموضوع فى لسان الدليل هو الماء بوصف التغير، و اذا ورد الماء نجس اذا تغير يكون الموضوع هو نفس الماء بذلك النظر و ان كان فى الواقع هو الماء المتغير فى كلا الحالين فعلى هذا يفرق بين ما كان دليل المستصحب لبيا من عقل او سيرة او اجماع لبى او لفظيا مجملا من جهة الموضوع فلا يجرى الاستصحاب بناء على اعتبار بقاء الموضوع بلسان الدليل و بين ما كان لفظا غير مجمل او اجماعا منعقدا على اللفظ المطلق فيجرى.

و اما تحقيق ان المعتبر فى موضوع الاستصحاب هل هو الدقة العقلية او النظر المسامحى العرفى او ما كان موضوعا فى لسان الدليل، فسيأتى تحقيقه، و حاصل الكلام ورود الاشكال فى جميع الاحكام الشرعية بناء على الاول، و اندفاعه باسره بناء على الثانى، و التفصيل بين دليل المستصحب فيما كان لبيا او لفظا مجملا و بين غيره بناء على الثالث.

قوله: بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا او عقلا الخ‏

هذا اشارة الى ما ذكره الشيخ (قدس سره) فى مقام تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب الى ما كان المستصحب ثابتا بالدليل العقلى فلا يجرى الاستصحاب فيه و ما كان ثابتا بالدليل الشرعى فيجرى، و ظاهر كلامه ثبوت الفرق بينهما و لو قلنا بكون المناط فى الموضوع هو لسان الدليل او العرف، و حاصل مرامه فى اثبات الفرق ان الاحكام الشرعية المستكشفة عن الحكم العقلى تابعة له، بمعنى ان كل عنوان من العناوين التى تعلق به الحكم العقلى من الحسن و القبح يكون متعلقا للحكم الشرعى ايضا.

15

و من المعلوم ان حكم العقل بالحسن او القبح ليس فيه اجمال و اهمال، بل يستقل به اذا احرز جميع قيود موضوع حكمه و لا يستقل به اذا لم يحوز ذلك، فالشك فى بقاء الحكم حينئذ ناشى دائما عن الشك فى موضوعه، اذ ما دام لم يشك فيه فالعقل مستقل بما حكم به و يتبعه حكم الشرع ايضا بسبب الملازمة، و هذا بخلاف ما كان الدليل هو النقل فانه قد يؤخذ الموضوع على وجه يشك فى الحكم مع القطع ببقاء موضوعه المأخوذ فى الدليل.

و بيان ذلك ان حكم العقل دائما يكون معروضه نفس العناوين البسيطة المقبحة او المحسنة نظير عنوان المسكر و الظلم و نحوهما، و كون الخمر حراما عنده ليس إلّا من جهة انطباق هذا العنوان البسيط عليه لا لانه بنفسه يكون موضوعا للحرمة، فاذا شك فى حرمة الخمر بعد احتمال زوال الاسكار فقد شك فى بقاء ما هو موضوع لحكم العقل و هو المسكر فلا قطع ببقاء الموضوع، و لا يجوز ان يقال ان الخمر كانت حراما و الآن نشك فى بقاء حرمته فنستصحب تلك الحرمة لان الموضوع ليس الخمر بما هى هى بل بما هو مسكر و بعد احرازه يكون الحكم مقطوع الثبوت، و هذا بخلاف ما لو كان الدليل هو الشرع فان الموضوع فى الادلة الشرعية غالبا هو المعنونات بتلك العناوين البسيطة مثل الخمر و نحوها من المسكرات فاذا شككنا فى زوال الاسكار، بل اذا شككنا بعد زواله فى بقاء الحرمة لاحتمال مناط آخر فى البين لم يطلع العقل عليه يجرى الاستصحاب للقطع ببقاء موضوعه المأخوذ فى الدليل و نستكشف منه بقاء المناط ايضا بقاعدة كلما حكم به الشرع حكم به العقل؛ فان المراد منه هو حكم العقل بوجود مناط فى البين بعد حكم الشرع و ان لم يعلمه تفصيلا، نعم لو علم بانحصار الملاك الواقعى لحرمة الخمر فى الادلة الشرعية بما هو معلوم لدى العقل كالاسكار لم يجرى الاستصحاب بعد زوال تلك المناط كما هو واضح بل لا يشك فى بقاء الحكم ح للقطع بانتفاء الحكم بانتفاء ما هو مناطه.

16

قوله: و اما الثانى فلان الحكم الشرعى الخ‏

حاصله ان بقاء الموضوع عرفا كاف فى جريان الاستصحاب فى الحكم الشرعى المستفاد من حكم العقل و اما كيفية بقائه فسيأتي تفصيله.

قوله: قلت ذلك لان الملازمة الخ‏

حاصل هذا الجواب دفع توهم ان الملازمة بين الحكمين يقتضى القطع بانتفاء الحكم الشرعى مع انتفاء الحكم العقلى فكيف يتصور الشك فى بقائه مع انتفائه حتى يصح جريان الاستصحاب بالمسامحة العرفية فى الموضوع و لا دخل له بما ذكره الشيخ (قدس سره) و جوابه ما تقدم من دعوى التسامح فى الموضوع؛ اذ دليله على عدم جريان الاستصحاب هو حصول الشك فى بقاء الموضوع.

و توضيح مرامه فى دفع الاشكال الثانى المعبر عنه بقوله «فان قلت الخ» ان الملازمة بين حكم العقل فعلا و بين حكم الشرع كذلك انما هو بحسب مقام الاثبات و الكشف بمعنى انه اذا حكم العقل بحسن شي‏ء فعلا يحرز حكم الشرع بوجوبه فعلا، لا فى مقام الثبوت بمعنى انه اذا لم يحكم بحسنه فعلا لم يكن حكم من الشارع بوجوبه فعلا ايضا.

بل ربما لا يكون للعقل حكم فعلى فى مورد لعدم ادراكه الملاك الواقعى، و يكون للشرع حكم فى ذلك المورد لاحاطته بالملاكات الواقعية التى لو ادركها العقل يحكم بالحسن او القبح.

و بعبارة اخرى ان الملازمة ثابتة بين حكم العقل شأنا و بين حكم الشرع فعلا، و لا ملازمة بينهما فى الحكم الفعلى، بل الملازمة بينهما تكون فى مقام الاثبات بالمعنى المتقدم، لا فى مقام الثبوت، و الملازمة بحسب الثبوت انما تكون بين ما هو ملاك العقل فعلا على تقدير الاطلاع عليه و بين حكم الشرع فعلا، ضرورة انفكاك حكم الشرع فعلا عن حكم العقل فعلا كثيرا؛ لعدم ادراكه المناطات الواقعية دائما و الشرع حيث كان محيطا بجميعها يحكم بالوجوب او الحرمة

17

فى غير مورد مع ان العقل لا يحكم بشي‏ء فعلا كما فى كثير من الاحكام الشرعية التعبدية.

فتبين ان ما ذكره الشيخ (قدس سره) فى كلامه المتقدم من عدم الاجمال فى حكم العقل انما يصح فى حكمه الفعلى، بمعنى انه ما دام لم يحرز جميع الخصوصيات المعتبرة فيه لم يحكم بشي‏ء.

و اما عدم الاجمال فى حكمه الشأنى ففيه منع؛ لانه قد يحكم بحسن فعل فيه جهات و خصوصيات معها يكون حسنا قطعا، و اما ان لجميعها مدخلية فيه فلا يعلم به لاحتمال عدم دخل بعضها فيه، و نظير ذلك موجود فى سائر القوى ايضا؛ فان الانسان ربما يبصر شيئا مليحا او يسمع صوتا حسنا و لا يعلم ان جميع الخصوصيات الموجودة فى المبصر و المسموع لها دخل فى الملاحة و حسن الصوت، ام لا مدخلية لبعضها، بل يكون بعضها كالحجر فى جنب الانسان، فالقوة العاقلة ربما يقطع بحسن شي‏ء عند وجدانه لخصوصيات و جهات مع عدم قطعه بدخل جميعها فيه، فلا قطع له الا فى حالة وجدان جميعها.

كما انه ربما يسرى الاجمال الى حكمه الشأنى لعدم ادراكه انحصار الملاك فيما ادركه، مثلا اذا ادرك قبح الخمر لاسكاره و لا يعلم بان فيه ملاكا آخر موجبا لقبحه و لو لم يكن مسكرا، فاذا زال اسكاره يحتمل وجود ملاك آخر فيه يكون قبيحا ايضا، فلا حكم له الا مع وجود الاسكار، هذا بيان مرام المصنف فى هذا المقام.

[فى اختلاف آراء الاصحاب فيه‏]

قوله: ثم انه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب الخ‏

اقول قد انهى الاقوال المختلفة فى الاستصحاب على ما فى الرسائل الى احد عشر قولا، الاول القول بالحجية مطلقا، الثانى عدم الحجية مطلقا، الثالث التفصيل بين العدمى و الوجودى، الرابع التفصيل بين الامور الخارجية فيعتبر فيها و بين الحكم الشرعى مطلقا كليا و جزئيا فلا يعتبر فيه، الخامس التفصيل بين الحكم الشرعى الكلى فلا يعتبر فيه الا

18

فى عدم النسخ و بين غيره من الحكم الجزئى و الموضوعات الخارجية فيعتبر فيهما، السادس التفصيل بين الحكم الجزئى فيعتبر فيه و بين غيره من الحكم الكلى و الموضوعات الخارجية فلا يعتبر فيهما، السابع التفصيل بين الاحكام الوضعية يعنى نفس الاسباب و الشروط و الموانع، و الاحكام التكليفة الثابتة لها لا السببية و الشرطية و المانعية فيجرى فيها و بين غيرها من الاحكام الشرعية فلا يجرى فيها، الثامن التفصيل بين ما ثبت بالاجماع فلا يعتبر فيه و بين غيره فيعتبر، التاسع بين ما كان الشك فى المقتضى فلا يعتبر او فى الرافع فيعتبر، العاشر التفصيل المتقدم لكن مع القول باعتباره فيما كان الشك فى الغاية لا مطلق الرافع، الحادي عشر زيادة الشك فى مصداق الغاية من جهة الشبهة المصداقية دون الشبهة المفهومية، هذا و لكل واحد من هذه الاقوال دليل مذكور فى الرسائل مع ما يرد عليه من النقض و الابرام.

[فى ادلة القائلين بحجية الاستصحاب‏]

قوله: الوجه الاول استقرار بناء العقلاء الخ‏

لا يخفى ان النافى لحجية الاستصحاب بقول مطلق لا يحتاج الى اقامة الدليل بل يكفيه عدم الدليل على حجيته كما هو شأن الحجة فى كل مورد، و ذلك لما هو معلوم من ان العمل بغير العلم يحتاج الى الدليل، و مع الشك فى حجية امر، يكفى للحكم بعد حجيته الشك فالنافى مستريح عن اقامة البرهان على النفى، و اما المثبت و لو فى الجملة لا بد له من اقامة البرهان و الدليل على مدعاه.

اذا ظهر ذلك فاعلم انه قد استدل على الاثبات بوجوه‏

[الاول بناء العقلاء]

الاول بناء العقلاء فى امورهم من معاشهم و معادهم (كما ادعاه العلامة و اكثر من تاخر عنه) و زاد بعضهم بانه لو لا ذلك لاختل نظام العالم و عيش بنى آدم، و ثالث بان العمل على طبق الحالة السابقة امر مركوز فى النفوس حتى الحيوانات كما هو المشاهد فى انها يرجعن من الاماكن البعيدة الى اماكنها و اوكارها، و لو لا البناء على ابقاء ما كان لم يكن لذلك وجه، و اذا ثبت بنائهم على ذلك و لم يردع عنه الشارع يكون ماضيا و حجة شرعية لعدم الردع.

19

قوله و فيه اولا الخ: قد عرفت ان النافى لا يحتاج الى دليل بل يكفيه ابطال دليل المثبت، و المتمسك ببناء العقلاء لا بد له من اثبات امرين احدهما اثبات نفس بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة، فيكون بمنزلة صغرى الدليل و ثانيهما اثبات عدم ردع الشارع فيكون بمنزلة كبرى الدليل، و للنافى ان ينفى كلتا المقدمتين و يكفيه نفى إحداهما، و المصنف ينفى كلتا المقدمتين، اما الصغرى فبمنع استقرار بناء العقلاء تعبدا؛ اذ لعل بنائهم على ذلك يكون رجاء لبقائها او من باب الاحتياط او للاطمينان ببقاء ما كان المعبر عنه بالعلم العادى او للظن بالبقاء و لو نوعا، او يكون غفلة، و اما التمسك لاثباته بكونه مرتكزا فى جبلة الحيوانات ففاسد جدا لعدم العلم بما هى عليه و عدم استكشاف كون افعالها و الحركة على طبق الحالة السابقة يكون لاجل البناء على اليقين السابق كما هو ظاهر و اما الكبرى فبمنع عدم ثبوت الردع، فانه و ان لم يردع عنها بالخصوص لكنه يكفى فى الردع عنها ما دل على النهى عن اتباع غير العلم من الآيات و الاخبار.

فان قلت قد ذكر المصنف فى باب التمسك لحجية الخبر الواحد ببناء العقلاء ان الآيات الناهية للعمل بغير العلم لا تكفى للردع عنه، للزوم الدور؛ و ذلك لان رادعيتها تتوقف على عمومها لكى يشمل مورد بناء العقلاء و عمومها متوقفة على عدم كونها مخصصة ببناء العقلاء، و عدم التخصيص متوقف على عدم حجية بنائهم فاثبات عدم حجية بنائهم باصالة عموم الآيات متوقف على عدم حجية بنائهم، فيجي‏ء الدور، و هذا البيان بعينه جار فيما نحن فيه؛ ضرورة ان ردع بناء العقلاء فى العمل بالاستصحاب، بالآيات الناهية متوقف على حجية عمومها، و هى متوقف على عدم كون البناء فى العمل بالاستصحاب حجة و إلّا يصير مخصصا لها، فاثبات عدم حجيته متوقف على عدم حجيته، و هل هذا الا الدور، فما الفارق بين بنائهم على العمل بالخبر الواحد و بين بنائهم على العمل بالاستصحاب؟ حتى يمنع من اثبات الردع بالآيات الناهية فى الاول دون الثانى.

20

قلت الفرق ظاهر، لان المصنف بعد بيان لزوم الدور فى اثبات الردع بالآيات الناهية، اورد على نفسه بانه كما يكون اثبات المردوعية ببناء العقلاء فى حجية الخبر الواحد بالآيات الناهية دورا كذلك اثبات اعتبار خبر الثقة ببناء العقلاء ايضا مستلزم للدور؛ و ذلك لان اعتبار الخبر بسبب السيرة متوقف على حجية السيرة و حجيتها تتوقف على ان تكون الآيات الناهية مخصصة بها و هو يتوقف على عدم الردع بها عنها. ثم اجاب بان حجية السيرة لا تتوقف على عدم رادعية الآيات عنها حتى يقال بتوقف عدم رادعيتها على حجية السيرة بل يكفى فى حجيتها عدم ثبوت الردع عنها.

و لا يخفى ان هذا الجواب لبا يرجع الى التمسك فى حجية السيرة بالاستصحاب و بيانه انه قد ثبت بناء العقلاء و ديدنهم على العمل بخبر الثقة، و انه حجة عندهم و لم يثبت ردع الشارع اياهم فما لم يثبت ردعه نستصحب بقاء عدم مردوعية بنائهم الى ان يثبت الردع، لحجية الاستصحاب فرضا مع قطع النظر عن حجيته ببناء العقلاء او بالاخبار، حتى يقال بان حجية الخبر بالسيرة حينئذ يتوقف على حجية الاستصحاب و هو متوقف على حجية الخبر بل يكون حجيته بديهية من غير توقف على حجية الخبر.

و مثل هذا الجواب لا يجرى فى اثبات حجية الاستصحاب بالسيرة لعدم امكان ان يقال ان بناء العقلاء بالعمل على طبق الحالة السابقة و حجيته كان عندهم متيقنا بالقطع، و لم يثبت ردع الشارع اياهم فيستصحب عدم مردوعيته؛ و ذلك لانه مستلزم لاثبات حجية الاستصحاب بالاستصحاب الذى كلامنا فيه و انه حجة ام لا و المفروض عدم ثبوت حجيته بعد، فهدا هو الفارق بين التمسك بالسيرة فى المقام و بين التمسك بها فى مسئلة حجية الخبر.

و لكن الانصاف صحة التمسك بالسيرة لاثبات حجية الاستصحاب صغرى و كبرى. اما الاولى فلانهم يعاملون مع المشكوك معاملة المتيقن عند الشك فى بقائه‏

21

وجدانا، و هذا امر جبلى مرتكز فى الاذهان مودع فى طباعهم من قبل بارئهم لحكم و مصالح، و امر غريزى جعل طبيعة لهم من غير ان يكون منشؤه الغلبة او الظن بالبقاء حتى يقال بعدم تحقق الغلبة لاحتياجه الى الاحاطة بالمقامات و تشخيص ان الأغلب فى كل مورد بقائه بعد وجوده، او تشخيص ان المنشأ فى بنائهم فى جميع المقامات على البقاء هو حصول الظن بالبقاء، و كلاهما خلاف الوجدان و مع تسليم الغلبة او الظن فبالمنع من حجيتهما، فالحق ما ذكرناه من انه امر غريزى ارتكازى مودع فيهم من قبل صانعهم لا يعلم وجهه إلّا اللّه تبارك و تعالى، كسائر الغرائز الطبيعية.

و دعوى هذا المقدار من السيرة ليست بجزاف و لا خلاف الانصاف، و لكن ينبغى ان ينظر ان البناء منهم على البقاء ثابت فيما اذا تيقن بوجود شي‏ء و شك فى بقائه مطلقا، او يكون فيما اذا شك فى تحقق مزيل و رافع فلا يعتنون باحتمال وجود المزيل فقط، و اما اذا شك فى البقاء عن جهة الشك فى المقتضى فلا يترتبون احكام المتيقن السابق، فلا يبعد دعوى تحقق السيرة فى خصوص الشك فى الرافع و المزيل، دون الشك فى المقتضى، و ذلك ايضا بشهادة الوجدان.

و اما الثانية اعنى اثبات حجية السيرة بعدم الردع عنها فالحق عدم ثبوت الردع عنها، اما بالخصوص فواضح ضرورة عدم دليل خاص يدل على الردع، و اما بالعموم فلعدم اثبات رادعية الآيات الناهية، لا لما ذكره المصنف فى مسئلة حجية خبر الثقة من استلزام الدور، بل لان مساقها النهى عن العمل بغير علم فى اصول الدين اولا و مع تسليم شمولها لغير اصول الدين فلانصرافها عن شمولها لمثل بناء العقلاء ثانيا؛ و ذلك لانها واردة فى مقام توبيخ الكفار لا انها فى مقام جعل حكم تعبدى فى مقابل ما كان بايدى العقلاء المؤمنين منهم و غيرهم.

و التوبيخ لا يصح إلّا على امر معلوم وجه فساده بحيث يكون مخالفا لديدن العقلاء بما هم عقلاء، فلا تشمل حينئذ نفس بناء العقلاء فهى منصرفة عن‏

22

شمولها لمثل بنائهم، و لذا تريهم لا يرفعون اليد عن بنائهم على اصالة الصحة عند الشك فيها، و اصالة السلامة عند الشك فى الفساد، و كون ذى اليد مالكا عند الشك فيه، و امثالها.

و السر فى ذلك ان تلك الامور التى تكون حجيتها من باب بنائهم بما هم عقلاء خارجة عن مصب الآيات الناهية، و ذلك لما ذكرنا من انها ليست فى مقام التعبد بحرمة العمل بغير العلم، بل هى صادرة فى مقام توبيخ الكفار عن مخالفة طريق العقلاء، فلا يشمل نفس طريقتهم.

ثم انه لو فرض شمولها للسيرة و تكون السيرة مصداقا من مصاديق عموم تلك الآيات، فالحق عدم حجية السيرة حينئذ لامكان التمسك باصالة العموم مطلقا سواء قامت السيرة على حجية خبر الثقة او على حجية الاستصحاب ام لا، و ذلك لان حجية اصالة العموم و لو كان متوقفا على عدم اثبات مخصصية السيرة، و لكن حجيتها انما هو لتمام المقتضى لها فهى تام الاقتضاء فى الحجية إلّا ان يثبت لها مخصص، بخلاف مخصصية السيرة فان المقتضى لمخصصيتها لا يثبت إلّا بعد حجيتها، فما لم يثبت حجيتها لم يكن فيها مقتضى للتخصيص، فيدور الامر بين تقديم العموم التى قد ثبت اقتضاء عمومه و بين تقديم المخصص الذى لم يثبت بعد اقتضاء مخصصيته، و لا شبهة فى ان اصالة العموم حينئذ هو المحكم.

و لا يثمر اثبات حجية السيرة فى باب حجية الخبر بالاستصحاب، و ذلك لانه بعد فرض شمول الآيات للسيرة فى كلا المقامين اعنى فى باب حجية خبر الثقة و الاستصحاب لا يمكن استصحاب حجيتها اصلا؛ لان مفاد الآيات و لسانها آبية عن ذلك؛ لدلالتها على ان العمل بها كانت غير مغنية عن الحق بلا مصحح للاستناد بها من اول الامر، لا انها كانت حجة فى برهة من الزمان ثم ردعت عنها فى زمان آخر؛ حتى يصح عند الشك عن الردع عنها ان يتمسك بعدم مردوعيتها.

23

و بعبارة اخرى بناء على فرض كونها من مصاديق عموم الآيات لم تكن حجيتها متيقنة بيقين سابق لكى يستحب عدم مردوعيتها لدلالة الآيات على النهى عن اتباع غير العلم ازلا و ابدا، لا انه كان مرخصا فيه الى زمان صدور الآيات ثم نهى عنه كما لا يخفى.

هذا و لكن الاقوى كما عرفت صحة التمسك لحجية الاستصحاب بالسيرة و بناء العقلاء لكن فيما يكون الشك فى البقاء من جهة الشك فى الرافع.

فان قلت هذا فى الحقيقة راجع الى قاعدة المقتضى و المانع، و لا دخل له بالاستصحاب قلت الفرق بينهما ظاهر فان الاستصحاب بناء على اثباته ببناء العقلاء عبارة عن عدم الاعتناء بالشك فى المزيل، و رفع اليد عن حكم المزيل باصالة عدمه عند الشك فيه الثابتة ببناء العقلاء، بخلاف قاعدة المقتضى فانها عبارة عن كون نفس وجود المقتضى علة للحكم بوجود المقتضى بلا اعتماد على اصالة عدم الرافع كما لا يخفى.

[الثانى الظن بالبقاء]

قوله: الوجه الثانى ان الثبوت فى السابق الخ‏

حاصل هذا الوجه هو التمسك لاثبات الحجية بالظن بالبقاء بان يقال نفس العلم بوجود السابق موجب لحصول الظن ببقائه و يرد عليه، منع الصغرى اولا بان مجرد الثبوت فى السابق لا يقتضى الظن بالبقاء، لا ظنا شخصيا فعلا، و لا ظنا نوعيا، و ما نقل عن العضدى من ان «كلما ثبت دام» ممنوع، بل الثابت يجوز ان يدوم و يجوز ان لا يدوم، و دعوى كون الغالب فى الموجودات هو البقاء و تلك الغلبة موجبة لحصول الظن ببقاء ما شك فى بقائه، الحاقا للشي‏ء بالاعم الاغلب جزاف لعدم تحقق الغلبة اولا، و عدم حصول الظن منها فى مورد المشكوك ثانيا.

و منع الكبرى ثانيا ضرورة عدم دليل على حجية ذاك الظن بعد تسليم تحققه؛ اما النوعى منه فواضح، و اما الشخصى منه؛ فلانه مبنى على صحة التمسك بدليل الانسداد، و هو ممنوع، نعم يتم عند من يقول بحجية الظن‏

24

المطلق، و القول بحجية الاستصحاب من باب الظن الشخصى بحيث يختلف الحكم باختلاف الاشخاص و الازمان مما لم يقل به احد، كما صرح به الشيخ (قدس سره) فى الرسائل، مضافا الى استلزامه حصول الظن الفعلى بكلا طرفى نقيض الشي‏ء فى بعض الموارد و هو محال.

و ذلك كما اذا لم يكن فى الحوض ماء مثلا ثم يصب فيه الماء الى ان يبلغ الى حد يشك فى كريته و لازم ما ذكر من استصحاب عدم كريته حصول الظن الشخصى بعدم الكرية فى هذا الحد، و لو فرض ملاء الحوض من الماء فنقص منه الى حد يشك فى كريته فلازم استصحاب كريته حصول الظن الشخصى بكريته في هذا الحد فيلزم حصول الظن بالكرية و عدمها فى هذا الحد المعين، و هذا محال، فالحاصل ان دعوى حجية الاستصحاب من باب الظن شخصيا او نوعيا فاسد جدا من حيث الصغرى و الكبرى.

[الثالث الاجماع‏]

قوله: الوجه الثالث دعوى الاجماع عليه الخ‏

التمسك بالاجماع لحجية الاستصحاب مثل التمسك بالظن ممنوع صغرى و كبرى؛ اذ المحصل منه غير حاصل لكثرة الاقوال المختلفة فيه و انكاره رأسا من جماعة، و مع فرض حصوله لا يكون حجة مع العلم باختلاف مبانى المجمعين كما لا يخفى، و المنقول منه غير حجة لعدم حجية الاجماع المنقول مطلقا، و مع تسليم حجيته لا يكون حجة فى مثل المقام المعلوم اختلاف مبانى مجمعيه، مع ان الظاهر من نقله انما هو فى خصوص الشك فى الرافع، كما يظهر من عبارة المبادى المحكية فى المتن، و لهذا قيل بخروج الشك فى الرافع عن محل النزاع، و ان كان فيه ما لا يخفى لثبوت القائل بانكار حجيته مطلقا حتى فى الشك فى الرافع.

[الرابع الاخبار]

[منها صحيحة زرارة و النقض و الابرام فيها]

قوله: منها صحيحة زرارة قال قلت له‏

الظاهر ان يكون المسئول عنه هو الامام (عليه السلام)؛ لان جلالة شأن الراوى شاهد على انه لا يضمر الا مع القرينة على كونه الامام؛ لانه لا يستفتى من غير الامام ع خصوصا مع هذا الاهتمام‏

25

فى السؤال و الجواب: «الرجل ينام و هو على وضوء يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟» الظاهر من هذه العبارة ان السؤال كان عن الشبهة الحكمية، و هى يحتمل على احد وجهين، احدهما ان يكون السؤال عن حكم الخفقة و الخفقتان بعد تبين مفهومهما، و يكون المراد بقوله: «الرجل ينام» انه يريد النوم، فكانه بعد العلم بحكم النوم و انه ناقض للوضوء، و العلم بمفهوم الخفقة و الخفقتان، يسأل عن حكمهما و انهما كالنوم حكما فى الناقضية؟ و ذلك كما اذا علم بناقضية البول و علم ايضا ان المذى غير البول و شك فى حكمه انه هل هو مثل البول فى كونه ناقضا؟ و هذا الوجه لا يخلو عن بعد، و ثانيهما ان يكون السؤال عن حكمهما من جهة الشك فى انهما هل يكون من مراتب النوم الناقض ام لا، فيكون الشك فى حكمهما من جهة الشك فى كونهما عن مراتب النوم ام لا، ضرورة ان للنوم مراتب فانه قد تنام العين و لا ينام الاذن و لا بقية الجوارح، و ظنى انه قد تقرر فى محله ان اول حس يغلبه النوم من الحواس هو حس البصر ثم يعرض الحواس الأخر الى ان ينتهى الى الاذن، و هو آخر حس يعرضه النوم و هو كاشف عن نوم القلب، اعنى الروح الحيوانى الذى نومه منشأ لتعطيل الحواس كلها، و هو النوم الكامل الناقض للوضوء، فاذا كان له مراتب فيكون السؤال من انه بجميع مراتبه ناقض او الناقض منحصر بمرتبة خاصة منه، و معلوم ان هذا ايضا من الشبهة الحكمية و هذا الوجه اظهر بقرينة الجواب، «قال (عليه السلام): يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، و اذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء» و لا يخفى ان اكثر ما نقل الحديث يكون باسقاط لفظ القلب الثانى، و عليه فيكون نوم الاذن كاشفا عن نوم القلب، و ذلك لما بيناه آنفا من كونه آخر حاسة يغلبها النوم، لكن الموجود فى بعض نسخ التهذيب المصححة ذكره، و عليه فلا حاجة الى تجشم، و الظاهر ان المصنف اطلع على هذه النسخة و لذا ذكر لفظ القلب الثانى ايضا، و كيف كان فحاصل جوابه (عليه السلام) ان النوم الناقض هو

26

ما كان غالبا على القلب او على الاذن الكاشف عن غلبته على القلب دون الغالب على البصر خاصة، فليس الخفقة و الخفقتان كالنوم فى الحكم و ان كانتا من مراتب النوم، فالناقض منه المرتبة الغالبة على القلب لا غير. «قلت فان حرك فى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم» الظاهر ان السائل بعد الفراغ عن حكم قسمى النوم و العلم بكون الناقض منه هو الغالب على الاذن و غير الناقض منه هو الغالب على البصر خاصة، اراد ان يسأل عن حكم الشبهة الموضوعية، فكرر السؤال بانه ان حرك فى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم به و لا يسمع صوته لكن يشك فى ان عدم سماع صوته هل هو مستند الى غلبة النوم على الاذن لكى يكون ناقضا او من جهة اخرى من غفلة او توجه النفس الى امر آخر موجب لصرفها عن اعمال حاسة الاذن مع كونه فى حال اليقظة، فلا يكون الناقض متحققا، و بعبارة اخرى يكون السؤال عن حكم الشك فى تحقق الناقض، و انه ما ذا يصنع عند الشك فيه «قال (عليه السلام): لا» يعنى (و اللّه العالم) ان الشك فى تحقق الناقض لا يوجب نقض الوضوء بل عند الشك فى تحققه يبقى على وضوئه «حتى» يعلم بانه قد تحقق و «يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بين» اى ظاهر فى تحقق الناقض و لا يعتنى بالشك فيه ما لم يكن ثبوته بينا «و إلّا» اى و ان لم يستيقن و لم يجئ من ذلك امر بين «فانه على يقين من وضوئه» و فى قوله (عليه السلام): فانه على يقين من وضوئه، احتمالات».

الاول ان يكون جواب الشرط محذوفا، و قوله (عليه السلام): «فانه على يقين» علة للجزاء اقيمت مقامه، و التقدير، و ان لم يستيقن انه قد نام فلا يجب الوضوء لكونه على يقين من وضوئه و جعل قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين بالشك ابدا» بمنزلة كبرى كلية للصغرى المزبورة و اقامة العلة مقام الجزاء غير عزيز فى القرآن الكريم و فى السنة العرب، كقوله تعالى‏ «إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» و نظائره الكثيرة، و تقريب الاستدلال به انما يتم على هذا الاحتمال.

27

الثانى ان يكون نفس قوله: «فانه على يقين» جزاء للشرط، و المعنى حينئذ، و ان لم يستيقن انه قد نام فهو مستيقن لوضوئه السابق و يتثبت على مقتضى يقينه و لا ينقضه و على هذا فلا دلالة فى الرواية على عدم جواز نقض مطلق اليقين بالشك، بل دالة على قاعدة كلية فى خصوص باب الوضوء، لكن هذا الاحتمال بعيد؛ لكون شأن الجزاء ان يكون مترتبا على شرطه، ضرورة علية الشرط له، و هنا ليس كذلك لان عدم الاستيقان بصدور النوم ليس علة للاستيقان بانه على الوضوء بل هو فى الحقيقة علة للشك فى الوضوء كما لا يخفى، بخلاف تقدير الجزاء حيث انه لا حزازة فى ان يقال جعل عدم اليقين بالنوم علة لعدم وجوب الوضوء.

الثالث ان يكون الجزاء «قوله (عليه السلام) و لا ينقض» و جي‏ء بقوله «فانه على يقين» و فصل به بين الشرط و الجزاء توطئة و تمهيدا لذكر الجزاء، و المعنى حينئذ و ان لم يستيقن فلا ينقض يقينه بل يثبت على يقينه، و على هذا الاحتمال لا يستفاد منها القاعدة الكلية ايضا بل تكون كلية فى خصوص باب الوضوء، و لكن هذا الاحتمال ابعد من الثانى؟ لعدم معهودية تصدر الجزاء بالواو.

ثم انه يمكن منع دلالة الرواية على الاحتمال الاول ايضا، بجعل قوله «فانه على يقين من وضوئه» قاعدة كلية فى خصوص باب الوضوء قد انطبقه الامام على المورد الخاص، اعنى الشك فى وقوع الحدث النومى، فيقال بانه لا اختصاص لتلك القاعدة بهذا المورد بل يعم كلما شك فى وقوع حدث ناقض للوضوء بعد اليقين به؛ و هذا الاحتمال مع قيامه فى نفسه مؤيد باللام فى قوله «و لا ينقض اليقين» فانها و ان كانت ظاهرة فى الجنس لكن سبق اليقين بالوضوء يوهن ظهوره بحيث لو جعلت للعهد و اريد منها خصوص اليقين بالوضوء، و يجعل اشارة الى اليقين بالوضوء المذكور سابقا لم يكن ببعيد، فعلى هذا لا يتم الاستدلال بالرواية على المدعى حتى على التقريب الاول.

28

لكن الانصاف ضعف هذا الاحتمال؛ و ذلك لظهور التعليل المذكور فى الرواية فى انه علل بامر ارتكازى لا تعبدى، فان اثبات الحكم فى الزمان الثانى مع الشك فيه بعد العلم بثبوته فى الزمان الاول امر مغروس فى الاذهان مأنوس لدى العقلاء فى الجملة، و الامام (عليه السلام) علل حكمه بما هو مغروس فى ذهن المخاطب، فعلى هذا يكون دليلا على امضاء ما يكون العقلاء عليه من ارتكازهم، و هذا معنى ظاهر جدا، بخلاف ما لو جعل التعليل امرا تعبديا فانه بعيد جدا؛ لان الاستدلال لا ثبات امر تعبدى لا يعلم المخاطب وجه ثبوته بامر تعبدى آخر مثله غير مستقيم.

و دعوى ان المخاطب كان عالما بالحكم التعبدى الذى جعل علة للمعلل له مدفوعة بانه (عليه السلام) يكون فى مقام بيانه بهذا البيان؛ و لذا يجعل الرواية دليلا على ثبوت حكم التعليل لا كاشفا عن معلومية حكمه فى الزمن الاول و بينه المعصوم ببيانات أخر كما لا يخفى، و مما يؤيد ان اللام للجنس استدلال الامام (عليه السلام) بهذه الفقرة اعنى «لا تنقض الخ» على حكم المضى مع الشك، فى غير مورد الوضوء ايضا.

مع ان جعل اللام للعهد مشيرا بها الى اليقين المذكور سابقا لا يجعله ظاهرا فى اليقين بالوضوء فقط، لان فى قوله (عليه السلام) «على يقين من وضوئه» احتمالان، احدهما ان يكون قوله: من وضوئه، متعلقا بالمظروف اعنى لفظ اليقين، و على هذا يدل على ذكر متعلق اليقين و يكون اليقين هو اليقين بالوضوء و ثانيهما ان يكون متعلقا بالظرف اعنى قوله: «على يقين «فيصير المعنى، فهو من طرف وضوئه على يقين فيكون اليقين حينئذ مطلقا لعدم صحة تعلق اليقين المتعلق بالوضوء به ثانيا، و على هذا الاحتمال يستقيم الاستدلال و لو جعل اللام للعهد؛ لانه يكون اشارة الى اليقين المطلق حينئذ، و يومئ الى رجحان الاحتمال الثانى التعبير بقوله: «من وضوئه» بلفظة من، و إلّا فحق التعبير ان يعبر بالباء كما لا يخفى.

29

[فى دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب فى الشك فى وجود الرافع و رافعية الموجود]

و بالجملة فالمعيار فى تمامية الاستدلال هو بيان تمامية العموم فى قوله (عليه السلام): «و لا تنقض الخ» و عدم اختصاصه بباب الوضوء، و لا بعد فى تمامية عمومه بملاحظة ما ذكرنا من ظهور كون التعليل على امر ارتكازى، و بملاحظة تطبيقها فى الاخبار على غير الوضوء ايضا، فلا يكاد بشك فى ظهور القضية فى عموم اليقين و الشك.

ثم انه بناء على الاختصاص بقاعدة كلية فى خصوص باب الوضوء، يدخل الرواية فى الاخبار الخاصة التى استفيد منها حكم الاستصحاب فى موارد مخصوصة، و يستفاد منها قاعدة كلية بحيث يحصل من اجتماع مواردها القطع بانه حكم كلى غير مختص بباب دون باب، فالاستدلال بالرواية يتم ايضا و لو قلنا بظهورها فى القاعدة الكلية فى باب الوضوء، لكن المقصود مما تقدم جعلها من الاخبار العامة فتبصر.

قوله: ثم لا يخفى حسن اسناد النقض الخ‏

اراد اثبات دلالة الرواية على حجية الاستصحاب مطلقا سواء كان فى مورد الشك فى الرافع باقسامه من الشك فى وجود الرافع او فى رافعية الموجود، و على الثانى كانت الشبهة حكمية كما اذا لم يدر حكم المذى من انه ناقض ام لا، او مفهومية كما اذا تردد الناقض بين النوم و الخفقة مثلا من جهة الاجمال فى مفهوم النوم، او كانت مصداقية كما اذا صدر منه رطوبة و شك فى انها مصداق البول الناقض او المذى غير الناقض، خلافا للمحقق السبزوارى فيما عدى الاول، حيث خصص حجيته بمورد الشك فى وجود الرافع و نفاها فى موارد الشك فى رافعية الموجود، و فى موارد الشك فى بقاء المقتضى باقسامه، من الشك فى اصل الاستعداد، كما اذا لم يعلم باستعداد السراج للاضاءة، او فى مقداره كما اذا علم ان له استعداد الإضاءة و لكن يشك فى ان استعداده هل هو للبقاء ساعتين او اربع ساعات مثلا فبعد مضى ساعتين مثلا يزول شكه على الاول و يكون باقيا على الثانى، او فى مضى زمان الاستعداد كما اذا علم بان له استعداد البقاء الى الصبح‏

30

و يشك فى طلوع الصبح، خلافا للشيخ (قدس سره) حيث خصص حجيته بالشك فى الرافع باقسامه و نفاها فى الشك فى المقتضى مطلقا.

و ينبغى ان يعلم اولا ان مورد الرواية هل هو الشك فى وجود الرافع او فى رافعية الموجود؟ اما تقريب الاول فواضح مما قدمناه، ضرورة ان قول الراوى: «فان حرك فى جنبه شي‏ء الخ» سؤال عن حكم الشبهة الموضوعية من جهة الشك فى تحقق النوم منه الذى يكون ناشيا من عدم العلم بحركة ما حرك فى جنبه و اما تقريب الثانى هو ان يقال انه اراد فى سؤاله عن حكم ما اذا حصل له حالة وجدانية مخصوصة موجبة لعدم اطلاعه على حركة ما حرك و شك فى كون تلك الحالة نوما حتى يكون ناقضا او غير نوم من غفلة و نحوها حتى لا يكون ناقضا، نظير ما اذا خرج منه رطوبة يشك فى كونها بولا او مذيا و لا يخفى ظهورها فى الاول؛ اما اولا فلبعد الإحساس بتلك الحالة الوجدانية غالبا؛ لكونها مما لا يلتفت اليها، فلا تكون نظير الرطوبة المحسوسة الخارجية المرددة بين البول و المذى، و اما ثانيا فبقرينة جواب الامام (عليه السلام) حيث انه لو كان السؤال عن رافعية الموجود لكان الأنسب فى الجواب ان يقول (عليه السلام) حتى يستيقن ان الحالة المرددة نوم، كما اذا سئل عن الرطوبة المرددة يكون المناسب ان يقال فى الجواب، لا يجب الوضوء حتى يعلم بانها بول، لا ان يقال حتى يعلم انه قد بال، فبقرينة قوله (عليه السلام): «حتى يستيقن انه قد نام» يستكشف ان السؤال كان فى تحقق النوم، فيكون الشك فى وجود الرافع.

ثم انه لا ثمرة مهمة فى تشخيص ان الرواية من ايهما ليقال اذا كان من قبيل الشك فى الرافعية تصير الرواية حجة على منكر حجية الاستصحاب فيها، و ذلك للزوم تخصيص المورد المستهجن القبيح.

[هل يختص بالشك فى الرافع ام هو اعم منه و من الشك فى المقتضى‏]

بقى الكلام فى ان حجية الاستصحاب هل تعم الشك فى المقتضى او تختص بما يكون الشك فى الرافع، و قد عرفت ان مختار الشيخ (قدس سره) هو الثانى، و استدل له بان النقض حقيقة فى رفع الهيئة الاتصالية، كما فى نقض الحبل و نحوه،

31

و ارادة هذا المعنى متعذر فى المقام كما لا يخفى، و مع تعذر المعنى الحقيقى اذا كان للفظ معنيان مجازيان يكون احدهما اقرب الى المعنى الحقيقى ينصرف اللفظ اليه؛ بسبب انعقاد ظهور ثانوى فيه بعد انصرافه عن المعنى الحقيقى و لذا لا يحتاج الى قرينتين بل يكفى قرينة صارفة عن معناه الحقيقى، و يكون الظهور الثانوى كافيا فى صرف اللفظ اليه، و اقرب المجازات الى المعنى الحقيقى هو ما فيه مقتضى الثبوت و شك فى بقائه من جهة الشك فى الرافع، و المراد منه رفع اليد عما كان فيه مقتضى الثبوت المناسب لان يعبر عنه بالقلع الذى هو بمفهومه يدل على رفع الامر الثابت و لو لم يذكر متعلقه بعد، فيكون انسب بنقض الهيئة الاتصالية،

بخلاف ما لو اريد منه رفع اليد عن مطلق اليقين السابق سواء كان له المقتضى للثبوت ام لا المناسب لان يعبر عنه بالرفع الذى بمفهومه يكون اعم من القلع، و بعد ارادة المتيقن من اليقين، اما باستعماله فى المتيقن، او بجعل اليقين آلة و مرآتا للمتيقن، و معلوم ان ملاحظته آليا عين لحاظ المتيقن فهو بهذا اللحاظ عين المتيقن، فصير المعنى لا ترفع اليد عن المتيقن الثابت الذى له الاقتضاء فى البقاء بناء على الاول، او يطلق المتيقن السابق و لو لم يكن فيه اقتضاء ثبوت بناء على الثانى،

و اذا كان الظهور الثانوى موجبا لانصراف اللفظ الى المعنى الاول و يصير ظاهرا فيه، فيدور الامر بين رفع اليد عن هذا الظهور و ابقاء متعلقه اعنى المتيقن على العموم اذ هو كما عرفت يشمل ما لم يكن فيه مقتضى الثبوت، او نأخذ بظهوره و نجعل ظهوره قرينة على اختصاص متعلقه بخصوص الشك فى الرافع، و الاول اى الاخذ بظهور الفعل و جعله قرينة على تخصيص عموم المتعلق، ارجح؛ لان خصوصية الفعل يصير مخصصا لعموم متعلقه، و لا عكس،

كما فى لا تضرب احدا حيث ان الضرب مختص بالمولم منه، و الاحد

32

عام يشمل الاموات و الاحياء، و لكن خصوصية الفعل صار منشأ لتخصيص الاحد بالاحياء.

هذا ملخص مرامه (قدس سره)، و هو كما ترى موقوف على تقديم ظهور الفعل على ظهور متعلقه و جعله موجبا و قرينة لصرف المتعلق عن ظهوره، و هذا امر نظرى فى نفسه لم يقم عليه دليل، بل هو (قدس سره) فى المكاسب فى باب بيع نصف الدار اختار العكس و حكم بتقديم ظهور المتعلق على ظهور الفعل، حيث ان قول البائع بعت ظاهر فى كون البيع عن نفسه و واقع على ماله لا انه فضولى بالنسبة الى متعلقه، و لفظ النصف ظاهر للنصف المشاع، فظهور الفعل يقتضى ان يكون المبيع نصف الدار المختص بالبائع، و ظهور النصف فى النصف المشاع مقتضى لوقوع البيع على نصف ما يختص بالبائع الذى هو ربع الدار و النصف المختص بالشريك الذى هو اربع الدار ايضا، فمقتضى ظهور كل منهما مخالف لمقتض ظهور الآخر.

و التحقيق ان يقال ان الظهور ان اما ان يكونا متساويين كما اذا كان كلاهما وضعيا او اطلاقيا، او يكون احدهما اقوى كما اذا كان احدهما مستندا الى الوضع و الآخر الى الاطلاق، و على الثانى لا اشكال فى تقديم ما هو الاقوى و ان كان هو المتعلق، و على الاول قد يقال بتقديم ظهور المتعلق؛ لان المتكلم؛ ما دام شاغلا بالكلام له ان يلحق بكلامه ما شاء، فلا يستقر ظهور الصدر الا بعد تمامه، و حينئذ يجعل ظهور الذيل قرينة على صرف الصدر عن ظهوره، دون العكس، و فيه مضافا الى ما فيه، اجنبى عن المقام لان الكلام فى ان ظهور المتعلق مقدم او المقدم هو ظهور الفعل من غير مدخلية للتقدم و التأخر فى ذلك، بل و لو كان المتعلق مقدما على الفعل من حيث الذكر يجرى الكلام فيه ايضا، و يمكن ان يقال حينئذ بالاجمال و لزوم التوقف و الاخذ بالقدر المتيقن لو كان.

و قد أورد عليه المصنف (قدس سره) بان الالتزام بكون اقرب المجازات هو ما كان الشك فى البقاء مستندا الى الشك فى الرافع مع كون المشكوك مما له‏

33

اقتضاء البقاء انما يتم بناء على كون المصحح لاستعمال النقض يكون منحصرا فى متعلق اليقين لا اليقين نفسه، و هو ممنوع، بل المصحح هو نفس اليقين‏ (1) لما فيه من معنى الاستحكام حيث انه عبارة عن مرتبة من العلم غير القابل للزوال، سواء كان متعلقه مما فيه معنى مناسبا للاستحكام ام لا، و كون اليقين كناية عن المتيقن فيكون اسناد النقض حقيقة الى المتيقن لا اليقين نفسه، لا يوجب نفى ما ادعيناه، لان من الممكن ان يكون الشي‏ء بلفظ الصريح غير قابل لاسناد فعل اليه و بلفظ ما يكنى به عنه يكون قابلا للاسناد، و على هذا فاسناد النقض الى ما لا مقتضى له للثبوت و ان لم يكن صحيحا بلفظه الصريح، لكن بجعل اليقين كناية عنه و كونه مما فيه الاستحكام يصح ان يسند اليه النقض.

و الذى يدل على كون المصحح للاسناد هو اليقين نفسه لا متعلقه بما فيه من الاقتضاء للبقاء هو انه لو كان اقتضاء بقاء المتعلق مصححا له لكان اللازم صحة اسناد النقض الى نفس المتعلق اذا كان فيه الاقتضاء؛ مع انه لا يصح ذلك قطعا؛ لركاكة مثل نقضت الحجر من مكانه، و لكان اللازم عدم صحة الاسناد فيما اذا لم يكن المتعلق مقتضيا للثبات مع انه صحيح قطعا كما يقال انتقض اليقين باشتعال السراج.

فمن هذا يستكشف ان المصحح ليس إلّا نفس اليقين، فانه كلفظ البيعة و العهد و الصوم و الصلاة انما يحسن اسناد النقض اليه بملاحظة نفس لفظه لا بملاحظة متعلقه؛ لما فى معناه من الابرام كما فى اخواته.

قوله: فان قلت نعم الخ‏

اراد بهذا السؤال اقامة برهان آخر على اختصاص الرواية بالشك فى الرافع دون الشك فى المقتضى، و بيانه انه لا ينبغى الاشكال‏

____________

(1)- اليقين على ما فى شرح الاشارات هو التصديق بطرف مع الحكم بامتناع الطرف الآخر و يعتبر فيه امور ثلاثة الجزم و المطابقة و الثبات، و منه يظهر ان فيه معنى الابرام و الاستحكام شب پنجشنبه 6 ربيع الاول 1368 طهران حسن‏آباد (منه (دام ظله))

34

فى استحالة اجتماع الشك و اليقين موردا و زمانا، فلا بد من ان يجعل زمانهما متغايرين مع اتحاد موردهما بان يتعلق اليقين فى وقت بامر ثم شك فى نفس ما تعلق به اليقين فى وقت آخر، و هذا هو المعبر عنه بالشك السارى، او يجعل متعلقهما امرين مع اتحاد زمانيهما، كان يتعلق اليقين بالحدوث و كان الشك فى البقاء، و هذا هو المعبر عنه بالاستصحاب، ففى الاستصحاب لا بد ان يكون متعلق اليقين مغايرا لمتعلق الشك، فحينئذ يستشكل بانه لا انتقاض لليقين بالشك ابدا فى باب الاستصحاب؛ اذا اليقين بالحدوث باق غير مرتفع عند الشك فى البقاء و لا يزول بسبب الشك فى البقاء اصلا، فلا بد من اسناد الانتقاض الى اليقين من عناية و هى عبارة عن ملاحظة تعلق اليقين التقديرى بالبقاء لو لا عروض الشك بمعنى ان تعلق يقين بالبقاء متوقف على عدم الشك حتى يجعل ذلك اليقين التقديرى بحكم الشارع يقينا تعبدا غير تعلقى بالقاء جهة الشك من باب التعبد.

فالمكلف لو لا دليل الاستصحاب يكون على يقين فى البقاء لو لا الشك فيه و بعد الحكم من الشارع بالاستصحاب يحصل ما هو المعلق عليه لليقين اعنى عدم الشك بحكم الشارع تعبدا، فيكون حينئذ يقينا تنجيزيا بالبقاء تعبدا، و هذه العناية هى المصححة لاسناد انتقاض اليقين بالشك و هى مختصة بما يكون الشك فى الرافع دون المقتضى اذ فى مورده يصح ان يقال انه لو لا الشك فى الرافع لكان على يقين فى البقاء بخلاف الشك فى المقتضى.

و بعبارة اخرى لا بد فى صحة الانتقاض من اعتبار يقين فى حال الشك حتى يصح اسناد النقض و لا بد فى اعتباره من مصحح، و المصحح موجود فى الشك فى الرافع دون المقتضى فان الشك فى الرافع لا يكون إلّا لكونه عالما بالمقتضى، و العلم به موجب لصحة اعتبار اليقين، و ان لم يكن يقين حقيقة، بخلاف ما اذا كان الشك فيه فانه لا مصحح لاعتباره حينئذ، فلا يرد ان اليقين التعليقى لو لا الشك كما يكون عند الشك فى الرافع يكون عند الشك فى المقتضى ايضا؛ لان مصحح‏

35

الاعتبار و هو العلم بالمقتضى موجود فى الاول دون الثانى.

قوله: قلت الظاهر ان وجه الاسناد الخ‏

يعنى ما ذكرت من اعتبار مصحح لاسناد الانتقاض الى اليقين امر لا محيص عنه، إلّا ان كون العناية فيما ذكرت من اعتبار يقين فى حال الشك مما لا محيص عنه، ممنوع، لامكان الاسناد بعناية اخرى و هى تجريد الشك و اليقين عن حيث تعدد موردهما من حيث الزمان، و لحاظ اتحاد متعلقيهما من حيث الزمان، و بعد لحاظ تجريد متعلق اليقين عن حيث كونه حدوث الشي‏ء و متعلق الشك عن حيث كونه بقائه فكانهما تعلقا بذات واحدة، و تلك العناية كافية فى تصحيح اسناد النقض من غير حاجة الى عناية اخرى، و على ما ذكرنا فلا يبقى مجال للاختصاص بالشك فى الرافع، ضرورة صحة الاستناد بتلك العناية و لو مع الشك فى المقتضى فى نظر العرف.

و كون الاستناد مع بقاء المقتضى و الشك فى الرافع اقرب بمعنى الانتقاض لا يوجب تعينه بعد عدم التفاوت بينهما بنظر العرف، لان المدار فى الاقربية هو نظرهم لا الاعتبار.

و فيه ان صرف امكان عناية التجريد لا يقتضى الأخذ بها ما لم يجعل اللفظ ظاهرا فيها؛ لان المدعى للتعميم لا بد له من الاثبات، بخلاف المخصص بمورد الشك فى الرافع؛ فانه لا يحتاج فى اثبات مدعاه باستظهار العناية الاولى بل يكفيه عدم ظهور اللفظ فى العناية الثانية لكون الشك فى الرافع هو القدر المتيقن من حجية الاستصحاب و مع عدم الظهور فى اعتبار واحد من العنايتين يؤخذ بالقدر المتيقن،

مضافا الى تأيده بالاجماع و بناء العقلاء و ان الكلية الكبرى امر ارتكازى و قد عرفت ان المرتكز منه هو فى مورد الشك فى الرافع، و انه مورد الرواية؛ مع دعوى ظهور الرواية فى العناية الاولى كما لا يخفى، فالقول بالاختصاص بمورد الشك فى الرافع اقوى، إلّا ان يثبت التعميم بغير تلك الرواية من الاخبار الآتية.

36

ثم لا يخفى عدم اختصاص الرواية فى حجية الاستصحاب بما يكون المستحب امرا وجوديا او عدميا بل يجرى فيهما معا اذا كان الشك فى الرافع، لان كل واحد من الوجود و العدم رافع للآخر و طارد له، سواء كان فى الاحكام الكلية او فى الموضوعات، و ان كان مورد الاول منحصرا بالنسخ و توهم ان النسخ دفع حقيقة لا رفع مدفوع؛ بان المصلحة المقتضية للجعل و ان كانت محدودة الى زمان النسخ، و الشارع ايضا عالم بوقوع النسخ فى وقته، لكن مع ذلك لو لم يقع النسخ لكان الحكم باقيا بمقتضى جعله، فالنسخ رفع له حقيقة، و ذلك كما فى العقد اذا عقد شيئا لمصلحة موقتة بيوم مثلا و يعلم بانه يفسخ ذاك العقد بعد انقضاء امد مصلحته و يفسخه ايضا، لكن لو لم يفسخه يكون العقد باقيا، فبالفسخ يرتفع العقد، فيكون الفسخ رافعا له، و اما فى الموضوعات فموارد الشك فى الرافع لا تعد و لا تحصى.

قوله: و اما الهيئة فلا محالة يكون المراد منها الخ‏

حاصل ما افاده فى المقام ان الهيئة لا تكون قرينة على كون المراد من اليقين هو المتيقن على تقدير المجاز فى الكلمة، او احكام اليقين على طريق المجاز فى الحذف؛ ضرورة انه بناء على ارادة المتيقن او احكام اليقين لا بد من ارادة الانتقاض بحسب العمل، لان نقض اليقين نفسه بالشك كما انه ليس باختيارى كذلك ثبوت موضوع ذى اثر او ثبوت نفس الاثر ليس باختيارى للمكلف ايضا حتى يصح النهى عن نقضهما فلا بد على كلا التقديرين من تصرف، بان يقال ان المراد هو العمل باليقين او بالمتيقن، و مع لزوم التقدير فلا داعى الى ارادة المتيقن، بل ارتكاب ارادة المتيقن او احكام اليقين موجب لارتكاب تجوزين، احدهما فى لفظ اليقين على طريق المجاز فى الكلمة او الحذف و ثانيهما بارادة العمل بالمتيقن او احكام اليقين، بخلاف ارادة اليقين نفسه؛ حيث انه لا يوجب إلّا ارتكاب مجاز واحد و لا ريب ان ارتكاب مجاز واحد اولى من ارتكاب مجازين، و من هذا يظهر

37

صحة ما افاده المصنف من انه لا مجوز لارادة المتيقن من اليقين، او ارادة احكام اليقين فضلا عن اللزوم.

قوله: لا يقال لا محيص عنه الخ‏

الاشكال هاهنا من وجهين الاول انه بناء على كون متعلق النقض هو اليقين لا المتيقن و آثار اليقين، لا تدل هذه الصحيحة على حجية الاستصحاب اصلا، بل تدل على انه اذا كان لليقين اثر يترتب عليه مع الشك، و من المعلوم انه لا دخل له بالاستصحاب، و المقصود فى هذا الباب هو التعبد بالاثر الواقعى الثابت لموضوعه، او بموضوع واقعى باعتبار التعبد باثره، و الثانى ما هو المراد من المتن و حاصله ان ارادة اليقين نفسه مناف لمورد الصحيحة، ضرورة ان موردها هو التعبد بالطهارة المتيقنة سابقا التى ليست من آثار اليقين.

قوله: فانه يقال انما يلزم الخ‏

و حاصله ان ما ذكر انما يلزم لو كان اليقين مأخوذا فى القضية على وجه الاستقلالية لا الآلية، لكنه ممنوع؛ لكون اخذه على النحو الثانى هو المتعين؛ لظهور نفس تلك الكبرى بنفسها فى انها كناية عن لزوم العمل بالتزام حكم مماثل للمتيقن او لحكمه، لا عن لزوم العمل بالتزام حكم مماثل لحكم اليقين، و لظهور قوله (عليه السلام): «فانه على يقين من وضوئه» و غيره من الفقرات ايضا فى ذلك، و ان المراد به ترتيب آثار المتيقن او الالتزام بالحكم المتيقن.

و نظير ذلك فى العرفيات كثير، مثل ان يقال: اذا علمت بمجيئى زيد فاكرمه، فان وجوب الاكرام مرتب على نفس المجي‏ء لا على العلم به، و العلم قد اخذ مرآتا و آلة له كما لا يخفى.

قوله: و ذلك لسراية الآلية و المرآتية الخ‏

هذا اشارة الى دفع ما ربما يتوهم فى المقام من انه يلزم من اخذ اليقين على وجه الآلية. استعماله بلحاظين مختلفين احدهما لحاظه الاستقلالى و الآخر لحاظه الآلي؛ و ذلك لان‏

38

معناه هو مفهوم اليقين الكلى، و استعمال لفظ اليقين فى مفهوم اليقين بالنسبة الى افراد اليقين يكون بلحاظ استقلالى، و بالنسبة الى متعلقات تلك الافراد يكون بلحاظ آلى.

و حاصل الدفع ان الآلية سارية من الافراد الى مفهوم اليقين ايضا، فقد استعمل لفظ اليقين فى مفهومه الذى هو اليقين بالحمل الاولى الذاتى الحاكى عن افراد اليقين التى هى يقين بالحمل الشائع الصناعى التى يكون النظر اليها نظرا مرآتيا بلحاظ مرآتى آلى، و لا يستعمل فى افراد اليقين التى يكون النظر اليها استقلاليا حتى يسرى الاستقلالية اليه، و بالجملة فحيث يستعمل فى افراد اليقين الملحوظة آليا فلا بد ان يكون النظر الى هذا المفهوم الكلى ايضا آليا؛ لسراية حكم الافراد و المصاديق الى الكلى المنطبق عليها، كما لو كان مستعملا فى افراد اليقين الملحوظة استقلالا يسرى الاستقلالية الى مفهومه الكلى، و كان استعمال كلمة اليقين فيه بلحاظ استقلالى، كما اذا اخذ افراد اليقين موضوعا لحكم او جزء موضوع فان كلمة اليقين المستعملة فى تلك الافراد بلحاظ استقلالى تستعمل فى المفهوم الكلى ايضا بلحاظ استقلالى؛ لسراية الاستقلالية فى الافراد الى المفهوم الكلى ايضا.

[فى دلالة الصحيحة لجريانه فى الموضوعات، و الاحكام الكلية، و الجزئية]

قوله: ثم انه حيث كان كل من الحكم الشرعى و موضوعه الخ‏

الغرض من هذا الكلام تعميم دلالة الصحيحة لجريان الاستصحاب فى الموضوعات الخارجية و الاحكام الكلية و الجزئية، بدعوى عدم اختصاصها بالاول، بتوهم كون المورد من الموضوعات؛ و ذلك لان المورد لا يوجب التخصيص بعد اطلاق اللفظ، سيما بعد التعدى فى الجملة عن مورد الرواية؛ اذا لمورد كما عرفت عبارة عن الشك فى الطهارة من جهة الشك فى تحقق النوم، و قد فرضنا التعدى الى الشك فيها من جهة سائر النواقض ايضا، بل الى مطلق الموضوعات و لو لم تكن طهارة، و مما يدل على العموم كون القضية ارتكازية و من المعلوم عدم‏

39

الفرق بين الموضوع و الحكم ارتكازا، فيعم الخبر للاحكام مطلقا جزئية كانت او كلية.

قوله: فتأمل،

لعله اشارة الى ان مورد الخبر هو الحكم الجزئى لان الطهارة من الامور المجعولة على التحقيق. فحينئذ لو فرضنا الاقتصار على المورد على خلاف التحقيق تكون الصحيحة من ادلة التفصيل بين الاحكام الجزئية و غيرها من الموضوعات و الاحكام الكلية، لا من ادلة التفصيل بين الموضوعات و مطلق احكام الكلية و الجزئية كما هو المدعى.

[و منها صحيحة اخرى لزرارة، و البحث فيها]

قوله: و منها صحيحة اخرى لزرارة الخ‏

: هذه ايضا مضمرة لكنه لا يضرها الاضمار كما تقدم فى الصحيحة الاولى، و قال فى الجواهر: بل عن العلل اسناده الى ابى جعفر (عليه السلام).

قوله: قلت له قد اصاب ثوبى دم رعاف، الى قوله (عليه السلام): تعيد الصلاة و تغسله.

هذه الفقرة ظاهرة فى وجوب اعادة الصلاة فى صورة نسيان النجاسة، لظهور الجملة الخبرية فى الوجوب، إلّا انه معارض ببعض الاخبار الدالة على عدم الوجوب صريحا فى صورة النسيان، لكن المشهور قد عملوا بظاهر اخبار الوجوب كالصحيحة و نحوها، و تمام الكلام فى الفقه.

قوله: فان لم اكن رايته و علمت انه قد اصابه الخ‏

يحتمل هذه الفقرة وجوها الاول انه قد بقى على علمه الاول بعد الفحص و لكن لم يصل الى موضع النجاسة بعينه الثانى انه قد زال علمه فعرض له الشك الثالث انه قل تبدل علمه بالاصابة بعد الفحص بالعلم، بالعدم، و قد يؤيد هذا بان الغالب بعد الفحص و عدم الوجدان هو القطع بالعدم و بانه كيف يصح الدخول فى الصلاة مع العلم بالنجاسة او مع الشك بها كما على الوجهين الاولين، لكن التأييدين ممنوعان اما الاول فبمنع الغلبة المذكورة اولا و ان الغلبة الخارجية لا يقدح فى حجية ظهور اللفظ ثانيا و لا اشكال فى ظهور تلك الفقرة من الرواية فى بقائه على علمه الاول،

40

و اما الثانى فباحتمال ان يكون النجاسة المشكوكة غير مانعة بحسب الواقع، و قد سئل عن ذلك، و اما الدخول فى الصلاة فيصح برجاء الواقع.

قوله: فان ظننت انه قد اصابه و لم اتيقن الخ‏

فى هذه الفقرة وجوه من الاحتمال.

الاول انه بعد الفحص علم بالعدم ثم وجد بعد الصلاة النجاسة المظنونة قبل الشروع فيها، و على هذا فلا دخل لها بقاعدة الاستصحاب، و لا بقاعدة اليقين؛ ضرورة ان المورد حينئذ من موارد حصول يقين بعد يقين آخر و من المعلوم ان حصول صفتى اليقين و الشك من اركان كلتا القاعدتين، و لكن هذا الاحتمال مدفوع بملاحظة تعليل الامام (عليه السلام) لعدم الاعادة «بانك كنت على يقين فشككت» الصريح فى حدوث الشك فى البين.

الثانى ان يحصل له القطع بالعدم من الفحص و وجد بعد الصلاة نجاسة قد شك فى انها هل هى التى خفيت عليه قبل الصلاة او حدثت جديدا، فيصير شكه ساريا الى اليقين الحاصل له قبل الصلاة بالعدم، فيكون مفاد الخبر حينئذ قاعدة اليقين ان انطبق على اليقين الناشى من الفحص، و لا غبار عليه من جهة التعليل، لانه كان على يقين من الطهارة حين الصلاة، ثم حصل له الشك على طريق السريان بعدها و ان انطبق اليقين المذكور فيه على اليقين الحاصل له قبل الشك فى الاصابة فينطبق على الاستصحاب ايضا.

الثالث ان لا يحصل له القطع بالعدم و يكون المراد من اليقين هو اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة، و يكون المرئى بعد الصلاة مما يحتمل كونها هى المظنونة قبل الصلاة او الحادثة بعدها، فيكون الخبر دليلا على الاستصحاب، و لا يرد الاشكال الآتى فى المتن.

الرابع ان لا يحصل له من الفحص القطع بالعدم ايضا لكن بعد رؤية

41

النجاسة بعد الصلاة علم بانها هى المشكوكة قبل الصلاة، و على هذا الاحتمال يكون الخبر ايضا دليلا على الاستصحاب، و لكن يرد عليه عدم صحة التعليل بقوله (عليه السلام): «لانك كنت على يقين من طهارتك الخ» لان المعلل هو عدم الاعادة و من المعلوم ان الاعادة ليست نقضا لليقين بالشك بل هى نقض لليقين باليقين اذ المفروض انكشاف الحال و حصول العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة، نعم هو علة لجواز الدخول فى الصلاة لا لعدم وجوب الاعادة.

قوله: و لا يكاد يمكن التفصي عن هذا الاشكال الخ‏

اقول قد اجيب عن الاشكال المذكور بوجوه.

الاول ما اختاره المصنف هاهنا، و توضيحه على ما نقل بعض الاعاظم من محضر درسه، ان هنا طوائف ثلاث من الاخبار، إحداها ما دل على شرطية الطهارة الخبثية على الاطلاق، و ثانيها ما دل على كونها شرطا علميا و انه لا يضر عدمها فى حال الجهل، و ثالثها هذه الصحيحة فانها ايضا من جملة الادلة، و لا يلزم توجيه هذه الصحيحة على وجه تطابق مع سائر الادلة، بل اللازم ملاحظة التوفيق العرفى بين جميع الادلة الواردة فى هذا الباب التى من جملتها هذه الصحيحة.

فيقال: ان التوفيق العرفى يقتضى ان الطهارة الخبثية شرط علمى فى حال الغفلة (1)

____________

(1)- يعنى انها ليست شرطا فى حال الغفلة اصلا لا بوجودها الواقعى و لا بوجودها الاحرازى فتصح الصلاة فى حال الغفلة مع عدمها، و انما شرطيتها مختصة بحال الالتفات، و فى تلك الحالة ايضا ليست شرطا بوجودها الواقعى مطلقا و لا بوجودها الاحرازى اعنى احرازها مطلقا، بل انما هى بوجودها الواقعى شرط اقتضائى، و لذا يصح استصحابها عند الشك فى بقائها، و بوجودها الاحرازى شرط علمى احرازى لا يجب الاعادة؛ لتبين وقوع الصلاة مع الشرط و هى طهارة المحرزة بالاستصحاب حال الصلاة. (منه (دام ظله))

42

و اما فى حال الالتفات فهى ليست شرطا واقعيا محضا و لا شرطا علميا كذلك، بل هى متوسطة بين الامرين بمعنى كونه شرطا واقعيا اقتضائيا و شرطا علميا احرازيا، فباعتبار كونها شرطا واقعيا اقتضائيا يصح جريان الاستصحاب فيها؛ فلا يرد انه لو لم تكن شرطا واقعيا لم يجرى الاستصحاب فيها؛ لانها ليست اثرا شرعيا و لا موضوعا لاثر شرعى.

و باعتبار انه ليست شرطا علميا صرفا على الاطلاق بل هى كذلك فى حال الغفلة و اما فى حال الالتفات فهى شرط علمى احرازى، يندفع ما يقال من ان المتعين التعليل بعدم العلم لا بالاستصحاب، بل المتعين حينئذ التعليل بانه محرز للطهارة ببركة الاستصحاب لا بعدم العلم كما لا يخفى، و باعتبار كونها ليست شرطا واقعيا صرفا، يندفع ما يقال من ان الاعادة ح نقض لليقين باليقين لا بالشك.

الوجه الثانى ما نقل عن بعض و حاصله ان ظاهر الرواية و ان كان جريان الاستصحاب فى حال انكشاف الواقع و بعد الصلاة، إلّا انه من المعلوم انه ليس بمراد، بل لا بد ان يحمل على جريانه حال قبل الانكشاف و هو حال الشك، فحينئذ نقول صحة التعليل باعتبار اقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء، بان يكون حاصل التعليل انه حين الصلاة قد طابق عمله للوظيفة المقررة للشاك، فيكون العمل مطابقا للامر الظاهرى، و كل امر ظاهرى على الاطلاق، او ما كان نظير المقام من الموارد التى قد جعل فيها حكم ظاهرى، مقتض للاجزاء.

و بالجملة ان هذا التعليل لا يصح بدون انضمام الكبرى المذكورة، فلا بد من القول بانه قد اكتفى فى الكلام بمجرد ذكر الصغرى، و الكبرى مطوية فى الكلام.

فيرتكب فى الصحيح خلاف ظاهرين الاول حمل جريان الاستصحاب على ما قبل الانكشاف الثانى الالتزام يكون الكبرى مطوية.

فهذا التوجيه يشارك مع التوجيه الاول فى ارتكاب الاول منهما، و يرد

43

عليه بان الثانى فى غاية البعد، لان اجزاء الامر الظاهرى ليس امرا واضحا حتى يقال بكونه مطويا فى الكلام كما لا يخفى.

الوجه الثالث ما اورده فى الرسائل على سبيل الدعوى، و حاصله ان الاجزاء من الآثار المرتبة على الطهارة الواقعية بلا واسطة فيثبت بالاستصحاب و قد اورد عليه بان الاعادة لا تكون من الآثار الشرعية بل هى اثر عقلى لا يثبت بالاستصحاب.

قوله: لا يقال لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة الخ‏

توضيحه ان الاستصحاب لا بد فيه من احد امرين اما من كون المستصحب امرا مجعولا، و اما من كونه موضوعا لامر مجعول، و بعد البناء على كون الشرط هو احراز الطهارة لانفسها فلا مجال لاستصحابها لانها ليست بنفسها امرا مجعولا بل هى من الامور الخارجية التى كشف عنها الشارع و لا موضوعا لاثر شرعى؛ لان الموضوع للشرطية التى هى اثر شرعى فى المقام هو احرازها لانفسها.

قوله: فانه يقال الخ‏

حاصل ما اجاب به عن الاشكال امران الاول ما تقدم فى تقرير الوجه المختار عنده فى دفع الاشكال، من ان قضية الجمع بين جميع اخبار الباب هو كون الطهارة شرطا واقعيا اقتضائيا، فيكون موضوعا للاثر الشرعى و هو الشرطية و لو بحسب الاقتضاء، و هذا على تقدير كون الشرطية امرا مجعولا واضح لا سترة فيه، و على فرض عدم مجعوليتها يكفى فى استصحابها كونها منتزعة من التكليف، فباستصحاب الطهارة يوسع دائرة التكليف المتعلق بالمشروط كما لا يخفى. الثانى ما اشار اليه بقوله: (هذا مع كفاية الخ) و حاصله ان الطهارة و ان لم تكن شرطا إلّا انه من قيود الشرط و لها دخل فيه؛ اذا لشرط هو احرازها، فلا بأس بجريان الاستصحاب فيما له دخل فيما هو موضوع للاثر.

قوله: لا يقال سلمنا ذلك الخ‏

هذا اشكال آخر على ما ذكره من الوجه، و هو كون الشرط هو احراز الطهارة، و حاصله انه لو كان الشرط

44

هو احرازها لكان المناسب التعليل بالاحراز فى الصحيحة لا بنفس الطهارة كما علل الامام (عليه السلام) بقوله «لانك كنت الخ» فان حاصله هو كون المصلى على الطهارة، لا انه محرزها بالاستصحاب.

قوله: فانه يقال نعم الخ‏

و حاصل الجواب ان التعليل لو فرض كونه بلحاظ حال الانكشاف فالاثر كما ذكرت؛ لان المتعين حينئذ هو التعليل بالاحراز لا بوجود الطهارة المستصحبة، لانها معدومة حال الانكشاف، لكنه ليس كذلك بل التعليل انما هو بلحاظ حال الصلاة لا بلحاظ حال الانكشاف، و الشاهد عليه انه لو كان الامر كذلك لم تكن الاعادة نقضا لما مر فى تقرير الاشكال، فاذا كان التعليل بلحاظ هذا الحال فالتعليل بالطهارة دون الاحراز تنبيه على حجية الاستصحاب و انه كان هناك استصحاب، و ان كان التعليل بالاحراز يصح ايضا، مضافا الى ان التعليل بالطهارة يستلزم استلزاما واضحا لكون ما يجدى بعد الانكشاف هو الاحراز المتحقق بالاستصحاب لا نفس الطهارة، و إلّا لما كانت الاعادة نقضا، فلا حاجة حينئذ الى التعليل بالاحراز صريحا للزومه للمذكور بداهة.

و نقل عن المصنف فى الدرس جواب آخر، حيث قال و ايضا التعليل بالطهارة دون الاحراز فيه تنبيه على ان الاول اولى فى مقام التعليل، لكونها مقدمة على الاحراز رتبة، و مع وجود الطهارة المستصحبة التى هى شرط واقعى اقتضائى لا معنى للتعليل بالاحراز، مع كون الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة كما عرفت فى الوجه الاول.

قوله: ثم انه لا يكاد يصح التعليل الخ‏

هذا هو الوجه الثانى الذى قدمناه فى الجواب فى اصل الاشكال فراجع.

قوله: مع اقتضائه شرعا او عقلا فتامل،

قال فى الحاشية وجه التامل ان اقتضاء الامر الظاهرى ليس بذاك الوضوح كى يحسن بملاحظته التعليل بلزوم‏

45

النقض من الاعادة كما لا يخفى انتهى.

قوله: مع انه لا يكاد يوجب الاشكال فيه، الى قوله: فانه لازم على كل حال الخ‏

لا يخفى ان الاشكال المذكور غير لازم على تقدير الحمل على قاعدة اليقين؛ لانه بناء عليه لا يقين بوقوع الصلاة مع النجاسة حتى يكون الاعادة نقضا لليقين باليقين و لعله الى هذا اشار بقوله «فتأمل».

قوله: و قد اشكل بعدم امكان ارادة ذلك على مذهب الخاصة الخ‏

اقول يقع الكلام تارة فى اصل دلالة الصحيحة على الاستصحاب، و اخرى فى مقدار دلالتها من حيث عمومها لجميع الموارد او اختصاصها بموردها فقط، اما المقام الاول فقد استشكل فى دلالتها بان ظاهرها البناء على الاقل و الاتيان بالركعة المتصلة معللا بحرمة نقض اليقين بالشك، و هو موافق لمذهب العامة، و على هذا فيحتمل فى الرواية امور.

الاول ان تكون محمولة على التقية من حيث العلة و المعلول، فيقال بان الحكم على لزوم البناء على الاقل، و القاعدة المعللة بها كلاهما صادران تقية، و على هذا لا تكون دليلا على حجية الاستصحاب كما لا يخفى.

الثانى ان يحمل المعلول فقط على التقية دون العلة، بان يقال ان الامام (عليه السلام) بين حكما مخالفا للواقع تقية، و علله بعلة موافقة للواقع بالنسبة الى غير المعلول، و حينئذ تكون دليلا على حجية الاستصحاب.

الثالث ما حكى عن صاحب الوافى، و حاصله انه اذا شك فى الثلاث و الاربع فهاهنا احتمالات، الاول ان يقطع الصلاة و يرفع اليد عما اتى به بسبب وقوع الشك فى اتيان الرابعة، الثانى ان يبنى على الاربع و يتمه و لم يأت بشي‏ء بعده، فتكون صلواته هذه مركبة من المتقين و هو الثلاث الماتى به، و المشكوك حصوله و هو الركعة الرابعة، الثالث ان يبنى على الاقل ثم يأتى بركعة موصولة، الرابع ان يبنى على الاقل ايضا لكن يسلم و يأتى بركعة منفصلة، و الامام (عليه السلام) قد

46

دفع الاحتمال الاول يقوله: «و لا ينقض اليقين بالشك» اى لا يقطع الثلاثة المتيقنة بسبب الشك، و الثانى بقوله: و لا يدخل الشك فى اليقين، اى لا يجعل صلاته مركبة من الركعة المشكوكة و الركعات المتيقنة، و بقى الاحتمالان الآخران، فيكون المصلى مخيرا بين الامرين، و على هذا فلا مساس للرواية على الاستصحاب كما لا يخفى.

الامر الرابع ما احتمله فى الفصول على ما حكاه عنه الشيخ (قدس سرهما)، و حاصل مرامه ان يحمل الفقرة الاولى من الرواية و هى قوله (عليه السلام) «لا ينقض اليقين بالشك» على الاستصحاب، بمعنى عدم جواز البناء على وقوع المشكوك ثم بمقتضى ذلك يلزم عليه الاتيان بالمشكوك، فيمكن اتيانه منضما او منفصلا، و قوله (عليه السلام) «لا يدخل الشك فى اليقين» يكون بيانا لكيفية الاتيان بالمشكوك، و المراد من الشك هو المشكوك و باليقين هو المتقين، فيكون المغيا حينئذ، لا يدخل المشكوك فى المتيقن بل يأتى منفصلة، و كذلك فقراتها الآخر، فتكون الفقرة الاولى منها محمولة على الاستصحاب و الفقرات الأخر على القاعدة.

الامر الخامس ما احتمله الشيخ (قدس سره) و هو ان يكون المراد من اليقين هو اليقين بالفراق و البراءة بالعمل بالوظيفة المقررة للشاك فى الركعات على ما تضمنته الاخبار العامة الواردة فى باب الشك، و الاخبار الخاصة الواردة فى هذا الشك، فيكون مطابقا لعمل الخاصة، فلا يكون دليلا على حجية الاستصحاب.

الامر السادس ما ذكره المنصف فى المتن بقوله «و يمكن الذب عنه الخ» و حاصله ان المراد من اليقين هو اليقين بعدم اتيان الركعة المشكوكة غاية الامران اطلاق‏

قوله: «لا تنقض اليقين»

يقتضى اتيانها و ضمها الى المتقين موصولة، و بعبارة اخرى ان مقتضى الاستصحاب فى المورد امران اتيان الركعة المشكوكة و كونها موصولة كما يقتضيه ظاهر قوله (عليه السلام) «قام و اضاف اليه اخرى» و الامام (عليه السلام) قد بين باخبار الاحتياط ان هذا خلاف الاحتياط، و ان الاحتياط فى‏

47

الاتيان بالركعة المشكوكة مفصولة؛ لاحتمال ان يكون فى الواقع قد اتى بالرابعة فيكون قد زاد ركوعا و سجدتين بخلاف الانفصال، فانه ان كانت الصلاة تامة فلا اشكال، و ان كانت ناقصة تكون هذه تمامها فيستكشف من حكمه (عليه السلام) ان زيادة النية و التكبير ليست بمثابة زيادة الركوع و السجود، بل الاولى اسهل فى مقام الدوران بينهما.

و الحاصل ان الاتصال مقتضى ظاهر قوله (عليه السلام) «قام و اضاف» و قضية اطلاق لا تنقض، كما ان اصل الاتيان قضيته ايضا، و اخبار الاحتياط تخالفه من الجهة الاولى دون الاخيرة، فيخرج عن ظهور قوله «قام و اضاف بها» و يحمل على الانفصال، و نقيد باخبار الاحتياط ايضا اطلاق لا تنقض فيكون حجة فى الحكم باصل الاتيان، و الخروج عن الظهور من جهة لا يقدح فى حجيته من جهة اخرى، فيكون دليلا على قاعدة الاستصحاب بلا اشكال.

هذه احتمالات ست قد احتمل فى معنى الرواية، و قد اورد على كل واحد منها.

اما الاولين، فلان الحمل على التقية خلاف ظاهر الرواية حيث ان ظاهر صدرها (1) هو البناء على الاكثر ثم الاحتياط فى الشك بين الاثنين و الاربع مع انه مخالف للعامة، مضافا الى ما فى الاحتمال الثانى من ان حمل اصل الحكم على التقية، و علته على الواقع بعيد فى الغاية، و ان نفى عنه البعد فى الرسائل بملاحظة عدم خروج المورد عن تحت القاعدة المستلزم خروجه لتخصيص المورد المستهجن القبيح، و ارتضاه استادنا المعظم العراقى‏ (2) على ما نقلناه عنه.

____________

(1) صدر الرواية هكذا: قال قلت له من لم يدر فى اربع هو او فى ثنتين و قد احرز الثنتين قال يركع بركعتين و اربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شي‏ء عليه. (منه (دام ظله))

(2) هو استادنا العلامة المحقق الشيخ ضياء الدين العراقى (قدس سره) الشريف المتوفى سنة 1361 من الهجرة النبوية القمرية فى النجف الاشرف المدفون فى الحجرة الثانية الواقعة على يسار الداخل فى الصحن الشريف من الباب السلطانى (الضلع الغربى الجنوبى من الصحن الشريف (شهيدى)

48

و اما الثالث فلبعده عن الاذهان العامية، و من المقرر أن المتبع فى باب الالفاظ هى تلك الاذهان، مضافا لاستلزامه اختلاف معنى كلمة الشك فى الفقرتين حيث اريد من قوله «لا ينقض اليقين بالشك» نفس الشك، و من قوله «و لا يدخل الشك فى اليقين» الركعة المشكوكة.

و اما الاحتمال الرابع فلما فيه من المخالفة لظواهر الفقرات الست او السبع كما فى الرسائل، و قد كتبنا وجه الترديد فيما علقناه على الرسائل.

و اما الاحتمال الخامس و هو ما احتمله الشيخ (قدس سره) فلما فيه من خلاف الظاهر مضافا الى ظهور الفقرة فى كون الشك متعلقا بما تعلق به اليقين، و عليه يلزم الاختلاف فى المتعلق، هكذا قيل لكنه مدفوع؛ ضرورة ان المراد من اليقين حينئذ ما يوجب اليقين ببراءة الذمة من العمل و بالشك ما يوجب الشك فيها من قبيل ذكر المسبب و ارادة السبب، و كيف كان فقد صرح الشيخ (قدس سره) يكون هذا المعنى بعيدا فى نفسه.

و اما الاحتمال السادس فبما اورد عليه استادنا المعظم بعدم اتحاد الموضوع فى القضية المتيقنة و المشكوكة ضرورة انه فى القضية المتيقنة هو الركعة المتصلة و فى القضية المشكوكة ذات الركعة مجردة عن قيد الاتصال فهى فى احدى القضيتين غيرها فى اخرى، و الحق فى المقام المطابق للانصاف ان يقال بصيرورة الرواية مجملة بواسطة تكثر الاحتمالات فيها و تساوى بعضها مع الآخر فيسقط الاستدلال بها على حجية الاستصحاب كما اعترف به الشيخ (قدس سره) كما لا يخفى.

قوله: و ربما اشكل ايضا بانه لو سلم دلالتها، الخ‏

هذا هو المقام الثانى اعنى مقام اثبات مقدار دلالتها و لا اشكال فى عمومها على نحو العموم المتقدم فى الصحيحتين المتقدمتين لو كان قوله «و لا ينقض» و ما بعده من الافعال مبنيا للمفعول، و ذلك لان ظاهر التعليل حينئذ كونه تعليلا للحكم السابق بقضية كلية، و لكن الظاهر

49

من الفقرات لكونها مبنية للفاعل و حينئذ يقع الاشكال بانه لا وجه للتعدى الى غير المورد و لو سلم الغاء الخصوصية فانما هو بالنسبة الى ركعات الصلاة لا ازيده و لو سلم الإلغاء ازيد من ذلك فانما يتعدى الى الشبهات الموضوعية لا الشبهات الحكمية التى هى المهم للاصولى فعلى هذا فيكون الخبر من الاخبار الخاصة لا العامة المثبتة لحكم الاستصحاب مطلقا.

قوله: و الغاء خصوصية المورد الخ‏

مراده ان دعوى تنقيح المناط من الخارج غير واضح، و ان كان يؤيده التطبيق المذكور، نعم لا يبعد دعوى تنقيح المناط اللفظى كما يشير اليه بقوله: بل دعوى ان الظاهر، و يأتى شرحه عن قريب.

قوله: بل دعوى ان الظاهر من نفس القضية الخ‏

يريد دعوى امكان ادخال الخبر فى الاخبار العامة، بدعوى ان الفقرات و ان كانت ظاهرة فى كونها مبنية للفاعل إلّا ان ظاهر قوله: و لا ينقض، و كذا ما بعده هو تعليل الحكم السابق، و لو كان منحصرا فى مورده للزم التعليل لامر تعبدى بامر تعبدى مثله و هو بعيد كما تقدم مثله فى الصيحة الاولى، بل الظاهر كون التعليل بامر ارتكازى، و من المعلوم ان المرتكز هو عدم نقض اليقين بالشك مطلقا، فرجوع الضمائر فى تلك الافعال الى المصلى الخاص باعتبار كونه متيقنا لا باعتبار كونه مصليا، فالمناط هو وصف اليقين و الشك، و هذا من باب تنقيح المناط و لكن لا من الخارج بل من مقام اللفظ.

[و منها قوله (عليه السلام) من كان على يقين (الخ) و البحث فيه‏]

قوله: او بان اليقين لا يدفع بالشك الخ‏

ظاهر العبارة ان قوله: بان اليقين لا يدفع بالشك، من تتمة الرواية لكن على حسب اختلاف النسخ، لكنه ليس كذلك و ليست هذا الجملة من تتمه هذه الرواية بل هى تكون من جزء رواية اخرى فان الموجود هنا روايتان. إحداها رواية الخصال و هى هكذا: «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين» و الثانية رواية اخرى لسند آخر

50

و هى هكذا: «من كان على يقين فاصابه شك فليمض على يقينه فان اليقين لا يدفع بالشك» فتبصر.

قوله: و هو و ان كان يحتمل قاعدة اليقين الخ‏

لا اشكال فى امتناع تعلق اليقين و الشك بامر واحد فى زمان واحد لانهما متضادان يتمنع تعلقهما فى آن واحد لشى‏ء واحد، فلا بد من الاختلاف بينهما اما من حيث الزمان و اما من حيث المتعلق بان كان اليقين متعلقا بشي‏ء كالحدوث، و الشك بشي‏ء آخر كبقاء ذلك الحادث، و اما من حيث الزمان و المتعلق معا، و الاول عبارة عن قاعدة اليقين و الاخيران موردان للاستصحاب، و قد يسمى الشك فى مورد القاعدة بالشك السارى لسرايته الى اليقين السابق، مقابل الاستصحاب المسمى الشك فى مورده بالشك الطارى و عدم سرايته الى اليقين بل مع اجتماعه مع اليقين.

فالمعتبر فى قاعدة اليقين امران احدهما اختلاف زمان الوصفين الثانى اتحاد متعلقهما، و فى الاستصحاب امر واحد، و هو اختلاف متعلق الوصفين سواء كان زمان الوصفين متحدا او متعددا، كان زمان اليقين سابقا او بالعكس، و مثال العكس كما اذا شك فى عدالة زيد فى يوم الجمعة ثم يتيقن بكونه عادلا فى يوم الخميس مع عدم القطع بخلافه فيستصحب عدالته المتيقنة فى يوم الخميس الى يوم الجمعة و السبت هذا على ما ذكره بعض الاعاظم.

لكن التحقيق اعتبار وحدة زمان الوصفين و تعدد متعلقهما فى الاستصحاب بعكس القاعدة، فهو مع القاعدة متعاكسان؛ اذا المعتبر فى الاستصحاب ايضا امران اتحاد زمان الوصفين و اختلاف متعلقهما، و ذلك لان مع تعدد زمان الوصفين بان كان اليقين سابقا و الشك لاحقا لا يخلو اما ان يكون اليقين السابق المتعلق بحدوث الشي‏ء باقيا فى زمان الشك فى بقائه او انقلب اما الى اليقين بخلافه، او الى الشك فيه، فعلى الاول اتحد زمان الوصفين؛ اذ لا عبرة باليقين السابق على زمان الشك فى اجراء الاستصحاب؛ ضرورة انه او فرض عدمه كان اليقين الحاصل‏