منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول؛ شرح الحلقة الثالثة - ج1

- الشيخ محمد رضا الأحمدي البهسودي المزيد...
387 /
7

الجزء الأول‏

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد و آل بيته الطيبين الطاهرين و صحبه المنتجبين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

و بعد ...

لا يخفى على الدارسين ارتباط علم الأصول- بما هو منطق الفقه و ميزان استدلالاته- بحركة الاجتهاد و تطورها.

و لما كانت هذه الحركة- و بحكم التصاقها بواقع الحياة المتغيرة المتجددة- تتعمق يوما بعد آخر، و تتعقد أكثر فأكثر كلما ابتعدنا عن عصر النص، كانت الحاجة لهذا العلم تترسخ و تتأكد.

و لذلك عرف تاريخ علم الأصول منذ الجذور الأولى إلى يومنا الحاضر مسارا تطوريا تصاعديا.

فبذور الفكر الأصولي كانت موجودة في أحاديث النبي (صلى الله عليه و آله و سلّم)، و كلمات الأئمة (عليهم السلام)، و مصنفات جمع من الأصحاب، قام الجيل الأول من المؤسسين بتوظيفها لإرساء الأسس الأولى لهذا العلم و تعزيز استقلاله عن الفقه من جهة، و عن علم الكلام من جهة أخرى في فترة لا حقة.

كالمفيد (ت 413 ه) و سلار (ت 431 ه) و السيد المرتضى (ت 436 ه) و الطوسي (ت 450 ه) و انعكس هذا المسار التطوري لعلم الأصول في أحقاب مختلفة لم تخل من نكسات موضعية و فترات جمود نسبيين، تنتهي سريعا بمجي‏ء

8

بعض المجددين الذين يدفعون ببحوث هذا العلم قدما إلى الأمام.

كما في حالة الركود التي عرفتها حركة الاجتهاد و علم الأصول بعد عصر الشيخ الطوسي، و التي لم تنته إلى أن جاء ابن إدريس الحلي (ت 598 ه) فخرج عن جملة من تلك القواعد و الأسس في كتابه السرائر.

و في القرن 11- 12 كانت النزعة الأخبارية هي الغالبة فتصدى لها مجموعة من العلماء توج جهودهم الوحيد البهبهاني (ت 1206 ه) الذي أعاد لعلم الأصول هيبته و سيادته.

و هكذا إلى أن وصل علم الأصول إلى ذروة عالية من ذرا تبلوره على يد الشيخ الأنصاري (ت 1281 ه)، و الذي يعد بالفعل مؤسسا لعصر جديد يمتد إلى يومنا هذا عبر مائة و خمسين عاما تقريبا، عرف فيه علم الأصول نموا و ازدهارا فاق كما و كيفا ما عرفه هذا العلم طوال تاريخه و من برز رموز هذا العصر المشايخ الأربعة.

الشيخ الآخوند الخراساني (ت 1329 ه)، و الآغا ضياء الدين العراقي (ت 1361 ه)، و الشيخ الأصفهاني (ت 1361 ه)، و الميرزا النائيني (ت 1355 ه)، حيث حصل تطور كبير في البحث الأصولي من حيث جدة الأفكار المطروحة و عمقها و استقصائها أغلب المسائل الأصولية التي تقوم عليها عملية الاستنباط، و قد استفاد جيل من العلماء المعاصرين من هذا الثراء ليدفعوا به أكثر فأكثر إلى النمو و الازدهار، يشمخ على رأسهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) الذي اعتبره البعض مؤسس حقبة جديدة في علم الأصول (عصر ذروة الكمال العلمي) نظرا للإبداع المنهجي و المضموني الذي جاء به، فمن إبداعاته بحثه في تفسير حقيقة الوضع، و نظرية القرن الأكيد التي تقوم عليها، و نظريته في الأصل العلمي الأولي (مسلك حق الطاعة)، و اكتشافه للأسس التي تقوم عليها السيرة في إثبات حكم ما، و إدخاله نظرية حساب الاحتمالات في وسائل الإثبات الوجداني لصدور الدليل ... الخ.

و من عطاءات الصدر: صياغة علم الأصول في مستوى السطوح بشكل حلقات كمنهج دراسي يراعي النمو العلمي للطالب و التدرج في دراسة المسائل‏

9

الأصولية، كما يمنح الطالب فرصة للاطلاع على آخر النظريات الأصولية التي تهيأه بشكل جيد لتلقي دروس البحث الخارج.

و بعد أخذ ورد و منع و قبول شق هذا الكتاب (الحلقات) طريقه إلى قاعات الدرس في الحوزات متحديا (حرس المألوف) مثبتا بجدارة أنه من أفضل المناهج الدراسية، سواء من جهة الأسلوب أو من جهة المضمون، و إيمانا منا بالمكانة السامية لهذا المنهج و الأهمية العلمية لهذا الكتاب قمنا بتدريس الحلقة الثالثة لأكثر من دورة كان آخرها الدورة الثالثة التي شرعنا فيها في 19 رجب 1424 ه الموافق ل 16/ 9/ 2003 م، في حوزة المرتضى في منطقة السيدة زينب (عليها السلام) فكانت حصيلتها هذه الدروس.

و قد سألني العديد من الإخوة المؤمنين و جملة من أفاضل أساتذة الحوزة العلمية و طلبتها ممن يعز علينا ردهم القيام بطبع هذه الدروس و نشرها في كتاب، فاستجبت لطلبهم، و عزمت على الأمر فقمت بتكليف بعض طلبتنا بهذه المهمة.

منهجية الكتاب: اعتمدنا في ضبط المتن (الحلقة الثالثة) على طبعة المؤتمر العالمي للشهيد الصدر المنعقد في طهران عام 2001 م، و التي تمتاز عن غيرها من طبعات الكتاب بالدقة، و جودة التحقيق، و الخلو من الأخطاء الطباعية، و قد ذكرنا نص عبارة المصنف أولا، ثم ألحقنا بها الشرح و التوضيح.

و قد راعينا في هذا الشرح توضيح المطالب العلمية التي ذكرها الشهيد الصدر أو أشار إليها، و توسعنا في شرح بعض المطالب بإضافة بعض الآراء و ذكر المناقشات و الردود عليها، و أحيانا الإجابة عن تلك الردود، و لم يكن غرضنا شرح عبارات المصنف (رحمه الله) و بيان كلماته، و إن قمنا بذلك أحيانا عند اقتضاء الضرورة.

و قد أخرنا الردود و المناقشات و الآراء الأخرى التي لم ترد إشارة إليها في كلمات المصنف إلى آخر البحث و جعلناها هامشا للشرح، لئلا تختلط المطالب على الدارس و يطول الشرح، مما قد يؤدي إلى ضياع الأفكار الأساسية المقصودة من البيان.

10

شكر و رجاء:

و في الختام أود أن أسجل شكري الخاص لكل من الشيخ صبري العبودي، و الشيخ علاء عبد علي، و الشيخ الأسعد بن علي على ما بذلوه في سبيل إنتاج هذا الكتاب.

و أرجو أن ينال الكتاب رضا إخواني أساتذة علم الأصول في الحوزات العلمية و أبنائي الطلبة، و أن يتجاوزوا عما فيه من زلات و أخطاء فإن الكمال لله وحده، آملا منهم ألا يبخلوا علينا بمناقشاتهم و آرائهم فيما أوردناه من طروحات و أفكار ...

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمد رضا الأحمدي البهسودي‏

دمشق- قرية السيدة زينب (عليها السلام)

السبت 7 جمادى الآخرة 1425 ه الموافق ل 2/ 7/ 2004 م‏

11

تمهيد

* تعريف علم الأصول.

* موضوع علم الأصول.

* الحكم الشرعي و تقسيماته.

* تقسيم بحوث الكتاب.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تعريف علم الأصول‏

عرّف علم الأصول بأنه: «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي» (1).

____________

(1) هذا هو التعريف المشهور بين الأصوليين، و لكن توجد عدة ملاحظات على هذا التعريف، نذكرها بعد أن نشير إلى بعض المصطلحات التي وردت في التعريف:

1- (العلم): و يراد به حضور صورة الشي‏ء عند العقل، و ينقسم العلم إلى قسمين: تصور و تصديق، فإذا كانت الصورة الحاضرة تحكي عن وقوع النسبة في الخارج فهذا تصديق حسب رأي البعض، و إن كان حضور الصورة غير وقوع النسبة و تحققها فهو تصور.

البعض الآخر عرّف التصديق: بالإيقاع و التثبيت، بمعنى الإذعان بوقوع النسبة بعد إدراك وقوعها، فالذهن يقوم بعملية إذعان و تسليم بوقوع النسبة في الواقع، و بتعبير آخر إن العقل ينسب هذه النسبة بين الموضوع و المحمول إلى الواقع، و هذا النشاط العقلي يسمى تثبيتا و إيقاعا.

2- (الممهّدة): و التمهيد بمعنى الإعداد، فالقواعد تمهد لاستنباط الحكم الشرعي بمعنى الإعداد لذلك، فالتمهيد هو تدوين القواعد الأصولية لغرض استنباط الحكم الشرعي.

3- (الاستنباط): و فسر الاستنباط بتفسيرين:

أ) الاستنتاج: بمعنى تحصيل المصداق للقاعدة عن طريق تطبيقها عليه ضمن قياس منطقي.

ب) الاستظهار: بمعنى استكشاف الحكم و إحرازه من القاعدة.

أما الإشكالات التي ترد على تعريف المشهور لعلم الأصول فهي:

14

و قد لوحظ على هذا التعريف:

____________

الإشكال الأول: فسر علم الأصول بالعلم بالقواعد، و المقصود من العلم هنا هو التصديق، و تفسير علم الأصول بالتصديق بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي غير صحيح؛ لأن العلم- أي علم كان- هو عبارة عن الفن «و ليس المقصود بذلك (الفن) الدارج في العصر الحالي»، أو الصناعة بتعبير آخر، فالعلم إذن عبارة عن مسائل معينة، و لذلك يتصور العلم و الجهل بعلم الأصول، فمثلا نقول:

(فلان عالم بعلم الأصول، و فلان جاهل به)، فلا بد أن يكون المقصود بعلم الأصول هو نفس المسائل و القواعد الأصولية، حتى يتعلق العلم بهذه القواعد حينا، فنسمي الإنسان عالما بعلم الأصول، و يتعلق الجهل بها حينا آخر، فنقول إنه جاهل بعلم الأصول. و حتى يتصور العلم و الجهل بعلم الأصول فلا بد أن يكون المراد من علم الأصول: نفس القواعد و المسائل، و ليس التصديق بالقواعد، و بعبارة أخرى: لو كان الأصول عبارة عن إدراك القواعد و المسائل، لما تصورنا الجهل به، لأن الإدراك لا يتصور تعلق الجهل به، فتعريفه بأنه العلم بالقواعد غير صحيح، ففن الأصول هو نفس القواعد و المسائل. و لا يخفى شمول هذا الإشكال لتعريف المصنف (رحمه الله) الآتي.

الإشكال الثاني: استخدام كلمة الممهّدة الواردة في التعريف بمعنى المعدّة و المدوّنة، أي إعداد القواعد و تدوينها لاستنباط الحكم الشرعي- هذا الاستخدام يفهم منه أن تدوين القاعدة لغرض الاستنباط له دخل في أصولية القاعدة، و لذلك أخذ قيد (الممهّدة) في التعريف، لغرض إخراج القواعد الرجالية و اللغوية و النحوية- التي لها دخل في استنباط الحكم الشرعي- من التعريف، لأن بعض القواعد الرجالية تدخل في الاستنباط، فمثلا القاعدة الرجالية التي تفيد أن رواية المشايخ الثلاثة عن شخص تكون موجبة لوثاقة المروي عنه، هذه القاعدة الرجالية لها دخل في استنباط الحكم الشرعي، و لإخراجها ذكر قيد (الممهدة)، فهي برغم كونها دخيلة في عملية الاستنباط إلّا أنها لما لم تدون في علم الأصول تكون خارجة عن التعريف، و كذلك الحال في القواعد اللغوية فهي كذلك تخرج لأجل ذكر قيد (الممهدة).

و لكن تقييد القواعد بالممهدة- أي المدونة- غير صحيح؛ لأنه يفهم من هذا

15

أولا: بأنه يشمل القواعد الفقهية، كقاعدة أنّ (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) (1).

____________

القيد أن أصولية المسألة أو القاعدة مرتبطة بتدوينها، فإذا كانت القاعدة مدونة في علم الأصول لغرض الاستنباط فهي أصولية، و إلا فلا، فالتمهيد و التدوين لغرض الاستنباط له دخل في أصولية المسألة. و الحال أن هذا الكلام ليس صحيحا؛ لأن التدوين متأخر و متفرع على أصولية المسألة، فلكي تدون المسألة في كتب الأصول لا بد أن تكون أصولية، لا أن التدوين هو سبب أصولية المسألة. و هذان الإشكالان لم يذكرهما السيد الشهيد (رحمه الله) في الحلقة الثالثة، إنما ذكر ثلاثة إشكالات أخرى‏

(1) هذا الإشكال يتعلق بتفسير كلمة (الاستنباط) الواردة في التعريف الذي تقدم، و يرد إشكال على كل من التفسيرين، فيكون لهذا الإشكال شقان:

الشق الأول: أنه هل المقصود من كلمة (الاستنباط) في التعريف هو استنتاج الحكم الشرعي لمصداق القاعدة الأصولية، فعلى هذا المعنى تدخل القواعد الفقهية، لأن منها ما يستنتج منه حكم شرعي كلي لمصداق القاعدة، مثل قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)؛ حيث يمكن استنتاج حكم شرعي عن طريق القياس التالي:

- البيع الشرعي يضمن بصحيحه (صغرى).

- و كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (كبرى).

- ... فالبيع يضمن بفاسده (النتيجة).

و أيضا يمكن التمثيل للقواعد الفقهية التي يستنتج منها حكم شرعي كلي بقاعدة (ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده)، و ذلك عن طريق القياس التالي:

- الهبة غير المعوضة لا تضمن بصحيحها (صغرى).

- و كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده (كبرى).

- ... فالهبة غير المعوضة لا تضمن بفاسدها (النتيجة).

و النتيجة في المثال الأول- و هي (البيع يضمن بفاسده)- حكم لمصداق القاعدة

16

و ثانيا: بأنّه لا يشمل الأصول العملية؛ لأنّها مجرد أدلّة عملية، و ليست أدلّة محرزة، فلا يثبت بها الحكم الشرعيّ، و إنّما تحدّد بها الوظيفة العملية (1).

____________

الفقهية التي مثلت الكبرى، كما أن النتيجة في المثال الثاني- و هي (الهبة غير المعوضة لا تضمن بفاسدها)- حكم لمصداق الكبرى. و كذلك قاعدة أصالة الطهارة (كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس) يمكن أن يستنتج منها حكم شرعي كلي هو طهارة الحيوان المتولد من الكلب و الشاة- مثلا- حيث يفتي بعض الفقهاء أن هذا الحيوان لا يلحق بالكلب، و لا بالشاة، بل هو مشكوك الطهارة، فنشكل لذلك قياسا كالتالي:

- المتولد من الكلب و الشاة مشكوك الطهارة (صغرى).

- و كل مشكوك الطهارة طاهر (كبرى).

- ... فالمتولد من الكلب و الشاة طاهر (النتيجة).

و هذا حكم كلي مستنتج من القاعدة الفقهية، و هي أصالة الطهارة، و لذلك فإذا كان معنى الاستنباط هو الاستنتاج و الاستخراج فهذا التعريف سيشمل القواعد الفقهية

(1). هذا هو الشق الثاني من الإشكال السابق و الذي ذكره السيد الشهيد (رحمه الله) بصورة إشكال مستقل، فلو لم نفسر الاستنباط بمعنى الاستنتاج و الاستخراج، بل فسرناه بالاستظهار و الإحراز، فيكون معنى التعريف: أن القواعد الأصولية هي تلك التي نستظهر منها الحكم الشرعي الكلي، فيستلزم هذا خروج كثير من المسائل الأصولية، كالأصول العملية الشرعية و العقلية.

أما الأصول الشرعية التي هي عبارة عن جعل شرعي في ظرف الشك يعين الوظيفة العملية للمكلف تجاه الحكم الواقعي، كما في أصالة الحل (كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام)، أو قاعدة البراءة الشرعية (رفع ... ما لا يعملون) التي هي مفاد لأصلين، هما:

1- مشكوك الحلية حلال.

2- مشكوك الحلية و الحرمة مرفوع الحرمة.

فهذه الأصول الشرعية تكون خارجة عن تعريف علم الأصول؛ لأنها لا تحرز

17

____________

الحكم الشرعي، بل يستنتج الحكم منها.

فمثلا لو أجرينا قاعدة البراءة عند الشك في حرمة شرب التتن، و ذلك كالتالي:

- شرب التتن مشكوك الحرمة (صغرى).

- و كل مشكوك الحرمة ليس بحرام (كبرى).

- ... شرب التتن ليس بحرام (النتيجة).

الكبرى في هذا المثال من لوازم حديث الرفع (رفع عن أمتي ما لا يعلمون)، أي أن الحكم المجعول مرفوع ما دام المكلف غير عالم به، أما النتيجة فهي حكم شرعي كلي من مصاديق كبرى القياس، و مستنتج منها.

و كذلك لو طبقنا أصالة الحل على المثال لحصلنا على نتيجة مشابهة:

- شرب التتن مشكوك الحلية (صغرى).

- و كل مشكوك الحلية حلال (كبرى).

- ... شرب التتن حلال (النتيجة).

و النتيجة هنا أيضا حكم شرعي كلي من مصاديق الكبرى.

و على هذا فالأصول العملية الشرعية- التي هي في الحقيقة أحكام شرعية كلية تنطبق على مصاديقها و مواردها، و يستنبط منها حكم هذه المصاديق- تكون خارجة عن علم الأصول، لأن علم الأصول عبارة عن قواعد لاستنباط و استظهار الحكم الشرعي، و الحكم الشرعي لا يستظهر من الأصول العملية الشرعية، بل يستنتج منها، و لذلك تكون هذه الأصول العملية خارجة عن التعريف. و كذلك الحال في الاستصحاب، حيث يكون خارجا عن تعريف علم الأصول؛ لأن الحكم الشرعي يستنتج منه، فمثلا: لو شككنا في بقاء وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، فنجري قياسا على الشكل التالي:

- وجوب صلاة الجمعة متيقن الحدوث و مشكوك البقاء (صغرى).

- و كل متيقن الحدوث و مشكوك البقاء باق (كبرى).

- ... وجوب صلاة الجمعة باق (النتيجة).

و النتيجة هنا- و هي (وجوب صلاة الجمعة باق في عصر الغيبة)- أيضا حكم شرعي‏

18

____________

كلي مستنتج من الأصل العملي، و هو الاستصحاب، فلذلك يكون الاستصحاب خارجا عن تعريف علم الأصول. هذا ما يتعلق بالأصول العملية الشرعية.

و أما الأصول العملية العقلية فهي أيضا خارجة عن تعريف علم الأصول؛ لأنها مما يستنتج منه حكم عقلي، فمثلا: لو سلمنا بصحة قاعدة البراءة العقلية، أي (قبح العقاب بلا بيان) و أجريناها في شرب التتن، فنشكل في هذه الحالة قياسا بهذه الصورة:

- شرب التتن لا بيان على حرمته.

- و كل ما لا بيان على حرمته لا حرج في فعله عقلا (كبرى)

- ... شرب التتن لا حرج في فعله عقلا (النتيجة).

و هذه النتيجة تتمثل في حكم عقلي استنتج من الكبرى العقلية.

فالأصول العملية العقلية لا يستنبط منها حكم شرعي، بل تكون تطبيقا للكبرى في مورد معين هذا أولا، و ثانيا إن النتيجة ليست حكما شرعيا، بل هي حكم عقلي من مصاديق و تطبيقات الكبرى العقلية، فلهذين السببين تكون الأصول العملية العقلية خارجة عن التعريف.

إذن فالإشكال الثالث يكون مرددا بين شقين: إما أن الاستنباط بمعنى الاستنتاج و الاستخراج فتدخل القواعد الفقهية أي لا يكون التعريف مانعا. و إما أن الاستنباط بمعنى الاستظهار و الإحراز فتخرج الأصول العملية الشرعية و العقلية من تعريف علم الأصول فلا يكون التعريف جامعا.

أما السيد الشهيد (رحمه الله) فذكر كلا من الشقين كإشكال مستقل، فذكر أن التعريف يشمل القواعد الفقهية على فرض أن الاستنباط بمعنى الاستنتاج و الاستخراج. و ذكر أنه لا يشمل الأصول العملية إذا كان الاستنباط بمعنى الاستظهار و الإحراز. و على هذا لا يبقى داخلا في تعريف علم الأصول إلّا الملازمات العقلية التي يحصل بواسطتها العلم الوجداني بالحكم الشرعي الكلي، و مباحث الحجج: كحجية الظهور، و حجية خبر الواحد، و حجية الإجماع، و حجية الشهرة

19

و ثالثا: بأنّه يعمّ المسائل اللغويّة، كظهور كلمة «الصعيد» مثلا لدخولها في استنباط الحكم‏ (1).

____________

(1). فقد ورد في التعريف الإشارة إلى القواعد الأصولية بأنها: (القواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي)، فهل يستنبط الحكم الشرعي من هذه القواعد دون الحاجة إلى قاعدة أخرى؟ أي أن القاعدة الأصولية تكون مقيدة بأن يستنبط منها الحكم الشرعي بنفسها (لحالها) دون أن تكون بحاجة إلى انضمام قاعدة أصولية أخرى إليها، و حينئذ تخرج كثير من المسائل الأصولية من علم الأصول، كمباحث الألفاظ مثل: (الأمر ظاهر في الوجوب) فهذه المسألة الأصولية لا يستنبط منها حكم شرعي إذا لم تنضم إليها مسألة أصولية أخرى و هي حجية الظهور، لذلك نحتاج هنا إلى قياسين لاستنباط الحكم الشرعي من هذه القاعدة:

القياس الأول:

- الأمر ظاهر في الوجوب (صغرى).

- و كل ظاهر يجب العمل به (كبرى).

- ... الأمر يجب العمل به (النتيجة).

و هذه النتيجة ليست حكما شرعيا، بل تدخل في قياس آخر لاستنباط الحكم الشرعي.

القياس الثاني:

- أقيموا الصلاة أمر (صغرى).

- و كل أمر يجب العمل به (كبرى).

- ... أقيموا الصلاة يجب العمل به (كبرى).

و هذا الحكم الشرعي الوارد في النتيجة الثانية استنبط من قاعدتين أصوليتين:

الأولى: الأمر ظاهر في الوجوب.

الثانية: حجية الظهور.

أما إذا قلنا بعدم اشتراط استقلالية القاعدة في استنباط الحكم الشرعي، فإن التعريف سيشمل القواعد اللغوية و الرجالية و النحوية، فمثلا إذا كان معنى كلمة الصعيد هو التراب الخالص، فهذا سيؤدي إلى ظهور الصعيد في ذلك المعنى،

20

[الجواب عن الملاحظة الأولى:]

أما الملاحظة الأولى فتندفع: بأنّ المراد بالحكم الشرعيّ الذي جاء في التعريف:

جعل الحكم الشرعيّ على موضوعه الكلّي، فالقاعدة الأصولية ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهية هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها إلّا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته‏ (1).

____________

و سيتوقف استنباط الحكم الشرعي المتعلق بالتيمم بالتراب الخالص على انضمام قاعدة أخرى، و هي (حجية الظهور)، فيكون لهذه المسألة اللغوية دخل في استنباط الحكم الشرعي و لو بواسطة قاعدة أخرى و هي حجية الظهور.

و يمكن التمثيل لذلك أيضا بما يخبر به الرجالي من وثاقة أحد الرواة التي يمكن أن يستنتج منها حكم شرعي، و لكن بعد انضمام قاعدة أخرى إليها و هي حجية خبر الثقة، فبانضمام هذه القاعدة إلى وثاقة الراوي الثابتة بقول الرجالي نستنتج حكما شرعيا، فيكون للقواعد الرجالية دخل في استنباط الحكم الشرعي. هذا إذا لم يكن الاستنباط من القاعدة الأصولية معتبرا بنحو الاستقلال.

إذن فالإشكال الرابع يتكون من شقين: فإذا كان استنباط الحكم الشرعي من القواعد الأصولية بنحو الاستقلال و دون الحاجة إلى انضمام قاعدة أصولية أخرى، فتخرج بذلك مباحث الألفاظ. و أما إذا لم يكن بنحو الاستقلال، فستدخل بذلك القواعد اللغوية و النحوية و الرجالية.

و السيد الشهيد (رحمه الله) لم يذكر فيما يتعلق بالإشكال الرابع إلّا الشق الثاني منه و بصورة إشكال مستقل.

و بسبب هذه الإشكالات الواردة على هذا التعريف، حاول المتأخرون الإجابة عنها، فعقدوا بابا لتحديد ضابط المسألة الأصولية، الذي به تتميز عن القواعد الفقهية و اللغوية و الرجالية

(1) و تمهيدا لبيان رد السيد الشهيد (رحمه الله) على الملاحظة الأولى، نشير إلى أن القواعد الفقهية تقسم إلى قسمين:

القسم الأول: القواعد الفقهية التي يستنبط و يستنتج منها حكم شرعي جزئي، و تجري في خصوص الشبهات الموضوعية مثل: أصالة الصحة في عمل الغير،

21

ففرق كبير بين حجّية خبر الثقة و القاعدة الفقهية المشار إليها، لأنّ الأولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارة، و جعل حرمة العصير العنبيّ أخرى، و هكذا، فهي‏

____________

و قاعدة الفراغ، و قاعدة التجاوز، فعند الشك في صحة النكاح الصادر من الغير نشكل قياسا منطقيا بحسب التالي:

- هذا النكاح الصادر من الغير مشكوك الصحة (صغرى).

- و كل مشكوك الصحة صحيح (كبرى).

- ... هذا النكاح الصادر من الغير صحيح (النتيجة).

فنتيجة هذا القياس تتمثل في حكم جزئي بصحة نكاح الغير، يكون مستنبطا من الكبرى الكلية المتمثلة في القاعدة الفقهية.

و هكذا في قاعدة الفراغ نجري قياسا مماثلا:

- هذه الصلاة مشكوك في صحتها بعد الفراغ منها (صغرى).

- و كل مشكوك في صحته بعد الفراغ عنه صحيح (كبرى).

- ... هذه الصلاة صحيحة (النتيجة).

و النتيجة هنا أيضا حكم جزئي خاص بصحة صلاة المكلف المشكوك فيها بعد الفراغ منها، و هي مستنتجة من القاعدة الفقهية الكبرى.

و كذلك الحال في قاعدة التجاوز عند الشك في الإتيان بالركوع:

- الركوع مشكوك في وجوده بعد تجاوز محله (صغرى).

- و كل مشكوك الوجود بعد تجاوز المحل موجود (كبرى).

- ... فالركوع بعد تجاوز محل الشك بوجود (النتيجة).

و النتيجة في هذا المثال حكم جزئي مستنبط من قاعدة التجاوز التي مثلث الكبرى في القياس.

القسم الثاني: القواعد الفقهية التي يستنتج منها حكم شرعي كلي، و يمكن أن يستنتج منها حكم جزئي أيضا، مثل قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، التي يمكن توضيح كيفية استنتاج الحكم الكلي منها في القياس التالي:

- البيع يضمن بصحيحه (صغرى).

- و كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (كبرى).

22

أصولية. و أمّا الثانية فهي جعل شرعيّ للضمان على موضوعي كلّي، و بتطبيقه على مصاديقه المختلفة- كالإجارة و البيع مثلا- نثبت ضمانات متعدّدة مجعولة كلّها بذلك الجعل الواحد.

____________

- ... البيع يضمن بفاسده (النتيجة).

و النتيجة هي كما ذكرنا حكم شرعي كلي.

و يمثل لهذا القسم أيضا بقاعدة (أصالة الطهارة) الي تجري في الشبهات الموضوعية و الحكمية، و يستنتج منها حكم كلي، و قد تقدم التمثيل لهذه القاعدة بالمتولد من الكلب و الشاة، و الذي يشك في طهارته.

و يمكن أن يكون الحكم المستنتج من هذه القاعدة جزئيا لا كليا، كما في حالة الشك في طهارة ثوب معين، و ذلك حسب القياس التالي:

- هذا الثوب يشك في طهارته (صغرى).

- و كل مشكوك الطهارة طاهر (كبرى).

- ... هذا الثوب طاهر (النتيجة).

و النتيجة في هذا المثال حكم جزئي و ليس كليا.

و السيد الشهيد (رحمه الله) في دفعه للملاحظة الأولى، يرى أن المقصود من الحكم الشرعي الذي تمهد لاستنباطه القواعد الأصولية الواردة في التعريف هو:

جعل حكم شرعي كلي على موضوع كلي، فالحكم المأخوذ في تعريف علم الأصول لا بد أن يتوفر فيه شرطان:

1- أن يكون الحكم الشرعي كليا.

2- أن يكون جعل الحكم الشرعي الكلي مستنبطا من القاعدة.

و القواعد الفقهية تخرج من تعريف علم الأصول بواسطة هاتين النقطتين، فالقواعد التي تجري في الشبهات الموضوعية و يستنتج منها حكم جزئي كأصالة الصحة و قاعدة الفراغ و قاعدة التجاوز تخرج بقيد اشتراط كون الحكم المستنبط كليا. أما القواعد الفقهية التي قد يستنتج منها حكم كلي، كقاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، و أصالة الطهارة التي تجري في الشبهات الحكمية، كما في حكم المتولد من الكلب و الشاة، فتخرج بالقيد الثاني، و هو أن يكون المستنبط

23

[الجواب عن الملاحظة الثانية:]

و أمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها: تارة بإضافة قيد إلى التعريف، و هو (أو التي ينتهي إليها في مقام العمل)، كما صنع صاحب الكفاية (1).

____________

من القاعدة الأصولية جعلا شرعيا، في حين أن الحكم المستنتج من هذا النوع من القواعد الفقهية ليس جعلا شرعيا، و إنما حصة خاصة و تطبيق على أحد مصاديق القاعدة، فالنتيجة في المثال المتقدم و هي: (طهارة المتولد من الكلب و الشاة)، حصة من كبرى (طهارة كل مشكوك الطهارة)، نعم نفس القاعدة الفقهية عبارة عن جعل حكم شرعي كلي لموضوع كلي، كما في جعل الطهارة للموضوع مشكوك الطهارة و النجاسة، حيث إن الطهارة المجعولة في هذه الحالة تتعلق بموضوع كلي، و هو مشكوك الطهارة، و لكن يمكن أن يستنبط منها حكم حصة خاصة، و هي طهارة المتولد من الكلب و الشاة.

و إذا كانت النتيجة المستفادة من القاعدة من حصص و تطبيقات القاعدة الفقهية، فلا بد أن يكون المراد من الاستنباط الوارد في التعريف هو الاستظهار لا الاستنتاج، حتى يستفاد الجعل الكلي الشرعي من القاعدة الأصولية، مع إن السيد الشهيد (رحمه الله) عبّر في الحلقة الثالثة بأن: (القاعدة الأصولية ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل).

فالحكم المستنبط من خبر الثقة الدال على وجوب السورة في الصلاة يكون مغايرا لقاعدة حجية خبر الثقة التي هي من مسائل علم الأصول، و كذلك عند قيام خبر الثقة على حرمة العصير العنبي، فهذا الحكم ليس من تطبيقات قاعدة حجية خبر الثقة، و هذا يعني أن الحكم في هذين المثالين مستظهر من القاعدة و ليس مستنتجا منها، حتى يكون من مصاديق القاعدة و حصة من حصصها. و لكن عند تفسير الاستنباط بمعنى الاستظهار سيرد إشكال بسبب خروج الأصول العملية من تعريف علم الأصول؛ لأن الحكم الشرعي المستنبط منها من نتائج و تطبيقات و حصص الأصل العملي، و ليس جعلا شرعيا كليا مستكشفا عن القاعدة الأصولية، و سيأتي جواب السيد الشهيد (رحمه الله) عن هذا الإشكال في ردّه على الملاحظة الثانية

(1) ذكر السيد الشهيد (رحمه الله) جوابين عن الملاحظة الثانية:

24

____________

الأول: لصاحب الكفاية (رحمه الله) الذي يرى أن تفسير الاستنباط بمعنى الاستظهار و الاستكشاف مختص بالأدلة المحرزة للحكم الشرعي التي يعبر عنها بالأدلة الاجتهادية. و أما الأصول العملية التي يعبر عنها بالأدلة الفقاهتية فلا يستظهر منها الحكم الشرعي، و إنما تتحدد بها الوظيفة العملية للمكلف في مقام العمل، فالفقيه حين تواجهه مسألة ما يجهل حكمها، يبحث أولا عما يصلح أن يكون دليلا من الصنف الأول من المسائل الأصولية، و عند ما لا يجد دليلا اجتهاديا يعين الحكم الشرعي، يبحث عما يمكن أن يحدد الوظيفة، و كيفية التطبيق و العمل للمكلف من الأصول العملية، فعند الشك في حرمة شرب التتن- مثلا- و عدم عثور الفقيه على ما يحدّد به الحكم الشرعي من الأدلة الاجتهادية، تكون الوظيفة العملية أي كيفية العمل و التطبيق العملي للحكم الواقعي لشرب التتن مرددة بين جواز الفعل أو لزوم الترك، فيحدد الفقيه الوظيفة العملية على أساس أصالة الإباحة، حيث إن:

- شرب التتن مشكوك الحلية (صغرى).

- و كل مشكوك الحلية حلال (كبرى).

- ... شرب التتن حلال (النتيجة).

و إذا كانت النتيجة هي حلية شرب التتن، فهذا يعني أن وظيفة المكلف في مقام العمل و التطبيق هي جواز الفعل.

و يمكن أن يرد على جواب الآخوند (رحمه الله) بالاعتماد على ما ذكره هو (رحمه الله): من أنه إذا كان التمايز بين العلوم بالأغراض فلا بد أن يكون لكل علم غرض واحد، لأن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، و هذا يستلزم أن يكون (علم الأصول) علمان لا علم واحد؛ لأن الغرض من بعض القواعد الأصولية هو استنباط الحكم الشرعي، و الغرض من البعض الآخر هو تعيين الوظيفة العملية.

كما و يشكل عليه: بأن ضم عناوين بعض القواعد الأصولية إلى بعض لا يعطينا الضابط الموضوعي و الخصوصية التي نميز بها قواعد علم الأصول عن غيرها من القواعد، مع إن المطلوب من التعريف هو إبداء الضابط الموضوعي الذي بموجبه تدون بعض المسائل في هذا العلم دون غيرها

25

و أخرى بتفسير «الاستنباط» بمعنى الإثبات التنجيزي و التعذيري، و هو إثبات تشترك فيه الأدلّة المحرزة و الأصول العملية معا (1).

[الجواب عن الملاحظة الثالثة:]

و أما الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولات للجواب عليها:

منها: ما ذكره المحقّق النائينيّ (قدّس الله روحه) من إضافة قيد الكبروية في‏

____________

(1) هذا هو الجواب الثاني عن الإشكال الثاني، و هو للسيد الخوئي (رحمه الله) أخذه عن المحقق الأصفهاني (رحمه الله)، و قد ارتضاه السيد الشهيد (رحمه الله) و حاصله: أن معنى الاستنباط هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، و المقصود من تحصيل الحجة هو الإثبات التنجيزي و التعذيري بالنسبة للحكم الشرعي، فالمسائل الأصولية بقسميها: الأدلة المحرزة و الأصول العملية، مما تحصل به الحجة على الحكم الشرعي، فعند الشك بحلية أكل لحم الأرنب، و قيام الأمارة كخبر الثقة على حرمته واقعا، فالأمارة في هذه الحالة تكون منجزة للحرمة الواقعية، و يكون المكلف مستحقا للعقاب عند مخالفته و عدم امتثاله للحكم الشرعي، و أما لو دلت الأمارة على حلية أكل الأرنب، فتكون الأمارة معذرة عن مخالفة الحكم الواقعي على تقدير كون الحكم الواقعي هو الحرمة. هذا بالنسبة للصنف الأول من القواعد الأصولية، و هي الأدلة المحرزة.

و كذلك الحال في الصنف الثاني من القواعد الأصولية، و هي الأصول العملية، حيث قد تكون منجزة كما في أصالة الاحتياط إذا كانت الحرمة ثابتة في الواقع، و قد تكون معذرة كأصالة البراءة التي تفيد التعذير عند مخالفة الحرمة فيما لو كانت الحرمة ثابتة في الواقع.

نعم، تبقى أصالة الطهارة داخلة في تعريف علم الأصول حتى في حالة تفسير الاستنباط بتحصيل الحجة المنجزة أو المعذرة، بالرغم من أنها من القواعد الفقهية، فمثلا عند الشك في طهارة المتولد من الكلب و الشاة، تجري أصالة الطهارة فنحكم بطهارة الحيوان المتولد من الكلب و الشاة و تكون أصالة الطهارة معذرة عن مخالفة الحرمة الواقعية على فرض ثبوتها في الواقع، و خروج هذه القاعدة يأتي عند الإجابة عن الملاحظة الثالثة

26

التعريف لإخراج ظهور كلمة (الصعيد)، فالقاعدة الأصولية يجب أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، و أمّا ظهور كلمة (الصعيد) فهو صغرى في القياس و بحاجة إلى كبرى حجّية الظهور (1).

____________

(1) ذكر السيد الشهيد (رحمه الله) في الحلقات جوابين عن الملاحظة الثالثة:

الأول: جواب المحقق النائيني (رحمه الله): حيث يرى أن القاعدة الأصولية هي تلك التي تقع كبرى في القياس لاستنباط الحكم الشرعي، فبواسطة قيد الكبروية نستطيع إخراج المسائل الرجالية و اللغوية، و سنذكر ثلاثة نماذج من الأمثلة للقواعد الأصولية التي تقع كبرى في الاستنباط الفقهي.

النموذج الأول: من باب الملازمات العقلية، و يمثل له بالسفر إلى الحج:

- السفر للحج مقدمة للواجب (صغرى).

- كل مقدمة للواجب واجبة (كبرى).

- ... السفر كمقدمة للحج الواجب واجب (النتيجة).

و هذه النتيجة الفقهية تمّ استنباطها من القاعدة الأصولية التي وقعت كبرى في القياس.

النموذج الثاني: من باب الحجج، و يمثل له بقيام خبر الثقة على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة:

- صلاة الجمعة مما قام خبر الثقة على وجوبها في عصر الغيبة (صغرى).

- كلما قام خبر الثقة على وجوبه فهو واجب (كبرى).

- ... صلاة الجمعة في عصر الغيبة واجبة (النتيجة).

و هذه النتيجة الفقهية- أو الحكم الشرعي- مستنتجة من كبرى القياس الفقهي التي هي من لوازم القاعدة الأصولية المتمثلة في حجية خبر الثقة.

النموذج الثالث: من باب الأصول العملية، و يمثل له بجريان أصالة الحل عند الشك في حرمة شرب التتن:

- شرب التتن مشكوك الحرمة (صغرى).

- كل مشكوك الحرمة حلال (كبرى).

- ... شرب التتن حلال (النتيجة).

27

و يرد عليه: أنّ جملة من القواعد الأصولية لا تقع كبرى أيضا، كظهور صيغة الأمر في الوجوب، و ظهور بعض الأدوات في العموم أو في المفهوم، فإنّها محتاجة إلى كبرى حجّية الظهور، فما الفرق بينها و بين المسائل اللغوية (1)؟

____________

و في هذا المثال استنتجنا النتيجة الفقهية من كبرى القياس التي هي نفس القاعدة الأصولية.

فبحسب رأي الشيخ النائيني (رحمه الله) لا بد أن تقع القاعدة الأصولية كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، و بذلك تخرج المسائل الرجالية و اللغوية و النحوية من تعريف علم الأصول، لأنها لا تقع كبرى في قياس الاستنباط الفقهي؛ فظهور كلمة (الصعيد) في التراب الخالص- و هي من المسائل اللغوية- لا يستنتج منه حكم شرعي، إلّا إذا جعلناه صغرى في القياس:

- الصعيد ظاهر في التراب الخالص (صغرى).

- و كل ظاهر يجب أن يتعبد به (كبرى).

فالكبرى هنا من المسائل الأصولية. و أما المسائلة اللغوية فلم تقع كبرى في القياس، بل إنها وقعت صغرى، فعن طريق أخذ قيد الكبروية في القواعد الأصولية نستطيع إخراج المسائل الرجالية و اللغوية و النحوية

(1) و يورد الشهيد الصدر (رحمه الله) على هذا الجواب إشكالا حاصله: أن أخذ قيد الكبروية و صفا في القاعدة الأصولية لإخراج المسائل الرجالية و اللغوية يؤدي إلى إخراج بعض المسائل الأصولية التي لا تقع كبرى في قياس الاستنباط الفقهي، بل تكون من الصغريات فيه، كما في مباحث الألفاظ، و مباحث الملازمات العقلية، و يمكن أن يمثل للأولى بعدة أمثلة منها: ظهور صيغة الأمر في الوجوب، و ظهور الجمع المحلى بالألف و اللام في العموم، و ظهور الجملة الشرطية في المفهوم، و لكننا سنقتصر في توضيح ذلك على المثال الأول، حيث إن ظهور صيغة الأمر في الوجوب لا تقع كبرى في قياس الاستنباط بل صغرى، و لذلك نحن بحاجة إلى قياسين لاستنباط الحكم الشرعي، كالتالي:

- الأمر ظاهر في الوجوب (صغرى).

- كل ظاهر يجب التعبد به (كبرى).

28

و كذلك أيضا مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإنّ الامتناع فيها يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابي: «صلّ و لا تغصب»، و الجواز فيها يحقّق صغرى لكبرى حجّية الإطلاق‏ (1).

____________

- ... الأمر يجب التعبد به (النتيجة).

و هذه النتيجة ليست حكما شرعيا، بل نستفيد منها في قياس ثان نتوصل به إلى الحكم الشرعي و هو أنّ:

- أقيموا الصلاة أمر (صغرى).

- كل أمر يجب التعبد به (كبرى).

- ... أقيموا الصلاة يجب التعبد به (النتيجة).

فتخرج هذه المسألة الأصولية من مباحث الأصول حسب تعريف الميرزا (رحمه الله) الذي اعتبر الكبروية قيدا في أصولية المسألة، لوقوعها صغرى في القياس‏

(1) و يمكن أن يمثل لذلك أيضا بالملازمات العقلية كما في مسألة اجتماع الأمر و النهي، فعلى القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي تكون المسألة من صغريات باب التعارض، و تترتب عليها أحكامه:

- الأمر و النهي في مورد واحد على القول بالامتناع متعارضان (صغرى).

- و كل متعارضين تترتب عليهما أحكام التعارض (كبرى).

- ... الأمر و النهي في مورد واحد تترتب عليهما أحكام التعارض (النتيجة).

و هذه النتيجة التي توصلنا إليها عن طريق القياس الأول، نجعلها كبرى في قياس ثان، حتى نستطيع الوصول بعد ذلك إلى الحكم الشرعي:

- صلّ و لا تغصب في مورد واحد أمر و نهي (صغرى).

- كل أمر و نهي تترتب عليهما أحكام التعارض (كبرى).

- ... صلّ و لا تغصب تترتب عليهما أحكام التعارض (النتيجة).

و النتيجة الفقهية لم تتضح بواسطة هذا القياس، بل غاية ما هناك أن المورد مما تترتب عليه أحكام التعارض، و حينئذ نبحث عن أحد المرجحات لتقديم أحد الدليلين على الآخر، و عند عدم المرجح يتساقط كلا الدليلين.

و على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي فإن المسألة تكون صغرى لكبرى‏

29

و منها: ما ذكره السيّد الأستاذ من استبدال قيد الكبروية بصفة أخرى، و هي:

أن تكون القاعدة وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعيّ بلا ضمّ قاعدة أصولية أخرى، فيخرج ظهور كلمة (الصعيد)، لاحتياجه إلى ضمّ ظهور صيغة «افعل» في الوجوب، و لا يخرج ظهور صيغة «افعل» في الوجوب و إن كان محتاجا إلى كبرى حجّية الظهور؛ لأنّ هذه الكبرى ليست من المباحث الأصولية؛ للاتفاق عليها (1).

____________

حجية الإطلاق، إذا لم تكن هناك مندوحة (أي فرصة) للمكلف بامتثال الأمر دون التورط في مخالفة النهي، لأن الأمر يشمل بإطلاقه مورد اجتماع الأمر و النهي، كالصلاة في المكان المغصوب، كما إن النهي يشمل بإطلاقه هذا المورد أيضا، فمقتضى إطلاق (صلّ) أن الصلاة مطلوبة و لو في المكان المغصوب، و مقتضى إطلاق (لا تغصب) حرمة الغصب و لو كان متمثلا بالصلاة.

و على هذا فمسائل باب الملازمات العقلية تكون خارجة عن تعريف علم الأصول؛ لأنها لا تقع كبرى في قياس الاستنباط، بل تكون من الصغريات فيه.

و إذن جواب الشيخ النائيني (رحمه الله) على الإشكال الثالث لإخراج المسائل الرجالية و اللغوية و النحوية من تعريف علم الأصول غير تام؛ لأنه يؤدي إلى خروج بعض المسائل الأصولية أيضا كمباحث الألفاظ، و مباحث الملازمات العقلية؛ لأنها لا تقع كبرى في القياس‏

(1) جواب السيد الخوئي (رحمه الله): حيث قيد أصولية المسألة بعدم انضمام قاعدة أصولية أخرى إليها في عملية الاستنباط الفقهي، و ذلك لإخراج المسائل الرجالية و اللغوية و النحوية من تعريف علم الأصول، فظهور كلمة الصعيد في التراب الخالص التي هي من المسائل اللغوية مما يحتاج إلى قاعدة أصولية أخرى لاستنباط الحكم الشرعي، و هي ظهور فَتَيَمَّمُوا* في الوجوب، لأنها من مصاديق صيغة الأمر.

و كذلك الحال في المسائل الرجالية، فوثاقة أحد الرواة تحتاج إلى انضمام قاعدة أصولية أخرى إليها، و هي حجية خبر الثقة، فيكون هذا النحو من المسائل خارجا عن علم الأصول.

و أما مباحث الألفاظ مثل: ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فإنها و إن احتاجت‏

30

و نلاحظ على ذلك:

أولا: أن عدم احتياج القاعدة الأصولية إلى أخرى: إن أريد به عدم الاحتياج في كل الحالات فلا يتحقق هذا في القواعد الأصولية؛ لأن ظهور صيغة الأمر في الوجوب- مثلا- بحاجة في كثير من الأحيان إلى دليل حجية السند حينما تجي‏ء الصيغة في دليل ظني السند.

و إن أريد به عدم الاحتياج و لو في حالة واحدة فهذا قد يتفق في غيرها، كما في ظهور كلمة «الصعيد» إذا كانت سائر جهات الدليل قطعيّة (1).

____________

إلى انضمام مسألة أخرى إليها في استنباط الحكم الشرعي و هي حجية الظهور، إلّا أن هذه القضية الكلية- و هي حجية الظهور- ليست مسألة أصولية- بسبب عدم الخلاف فيه بين الأصوليين، و إن وقع اختلاف في بعض تفاصيلها، حيث يرى البعض و هم الأخباريون عدم حجية ظواهر الكتاب، أو اختصاص حجية الظهور بمن قصد إفهامه، كما يرى المحقق القمي (رحمه الله) صاحب القوانين. و على أي حال فمباحث الألفاظ تبقى داخلة في علم الأصول بالرغم من احتياجها إلى قاعدة أخرى؛ لأن أصولية المسألة منوطة بعدم انضمام مسألة أصولية أخرى إليها، و ليست منوطة بعدم انضمام أي مسألة أخرى إليها

(1) و يستشكل السيد الشهيد (رحمه الله) على كلام السيد الخوئي (رحمه الله) بأنّه ما المقصود من عدم انضمام قاعدة أصولية أخرى إلى القاعدة الأصولية في استنباط الحكم الشرعي. هل المقصود من عدم الانضمام هو عدم وجود قاعدة أصولية أخرى تكون كبرى منطبقة على هذه القاعدة الأصولية؟ فهذا المعنى يرجع إلى جواب المحقق النائيني (رحمه الله)؛ لأن معنى ما ذكره (رحمه الله) من أن القاعدة يجب أن تكون كبرى هو عدم انضمام كبرى ثانية إليها.

و أما إذا كان المقصود هو أن لا تنضم إليها قاعدة أصولية أخرى سواء كانت هذه القاعدة الأخرى كبرى في قياس الاستنباط أو لم تكن كبرى، فهنا يوجد فرضان:

الفرض الأول: ألّا تنضم إلى القاعدة الأصولية قاعدة أصولية أخرى دائما، و على هذا تخرج بعض مباحث حجية الظهور؛ لأنها تحتاج أحيانا إلى قاعدة حجية

31

و ثانيا: أنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب و أنّ ظهور آخر بحاجة إلى ضمّ قاعدة حجّية الظهور، و هي أصوليّة؛ لأنّ مجرّد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها أصولية؛ لأن المسألة لا تكتسب أصوليتها من الخلاف فيها، و إنّما الخلاف ينصبّ على المسألة الأصولية (1).

____________

خبر الثقة، إذا كان الدليل من أخبار الآحاد، و إن كانت لا تحتاج في أحيان أخرى إلى قاعدة أصولية أخرى، إذا كان الظهور لآية قرآنية قطعية السند.

الفرض الثاني: أن لا تحتاج إلى انضمام قاعدة أصولية أحيانا و ليس دائما، فتدخل بعض المسائل اللغوية مثل ظهور كلمة الصعيد في التراب الخالص؛ لأنها لا تحتاج إلى انضمام كبرى حجية السند، فيما لو وردت في دليل قطعي السند، كما في ظهور بعض آيات الكتاب الكريم‏

(1) و يرد ثانيا على كلام السيد الخوئي (رحمه الله) أنّ ما ذكره من بيان لعدم خروج مباحث الألفاظ من مسائل علم الأصول بأن كبرى حجية الظهور واضحة و مما لا خلاف فيه بين الأصوليين غير تام، ذلك أن الاتفاق على المسألة و عدم الخلاف فيها ليس سببا لعدم كون المسألة أصولية، فلا بد أولا من تحقق كون المسألة أصولية في مقام الثبوت، ثم في مقام الإثبات قد تكون هذه المسألة موردا للخلاف بين الأصوليين، لا إن أصولية المسألة معلقة على أمر متأخر عنها و هو مقام الإثبات المتمثل في اختلاف الأصوليين أو اتفاقهم عليها.

فما أجاب به السيد الخوئي (رحمه الله) عن الإشكال الثالث غير تام.

فالإشكال الثالث حسب رأي السيد الشهيد (رحمه الله) وارد على تعريف المشهور، و لهذا فنحن بحاجة إلى تعريف آخر لعلم الأصول، يتوفر على الضابط الموضوعي الذي بواسطته نميز مسائل و قواعد علم الأصول عن غيرها، و نخرج المسائل التي قد تدخل في تعريف علم الأصول، و لذلك عرّفه (رحمه الله) بأنه:

«العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط الحكم الشرعي».

و بهذا يظهر أن ضابط المسألة الأصولية يتمثل في صلاحية المسألة لأن تكون عنصرا مشتركا في أغلب أبواب الفقه و لا ينحصر دورها في الاستنباط في بعض أبواب الفقه دون بعض، فأصالة الطهارة و إن كانت حجة بمعنى التنجيز و التعذير إلّا

32

و هكذا يتّضح أنّ الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور.

و الأصحّ في التعريف أن يقال: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي»، و على هذا الأساس تخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة «الصعيد»؛ لأنّها لا تشترك إلّا في استنباط حال الحكم المتعلّق بهذه المادّة فقط، فلا تعتبر عنصرا مشتركا (*).

____________

أنها تختص بباب الطهارة فقط دون غيره. و هكذا قول اللغوي بالنسبة لمعنى كلمة الصعيد، فإنه لا يستنبط منه إلّا الحكم الذي أخذ في موضوعه لفظ الصعيد، فليس قول اللغوي في معنى الصعيد عنصرا مشتركا

(*) و لكن قد يرد على تعريف المصنف (رحمه الله) بأن مسائل علم الرجال لا تخرج بقيد الاشتراك؛ لأن وثاقة الراوي قد تدخل في استنباط الحكم الشرعي في أبواب مختلفة من الفقه، إذا كان للراوي أخبار في أكثر من باب من أبواب الفقه و قد حاول السيد الشهيد (رحمه الله) الإجابة عن هذا الإشكال في البحوث، بما حاصله: أنه ليس كل عنصر مشترك هو من علم الأصول، بل لا بد أن يكون العنصر المشترك مما يستخدمه الفقيه دليلا على جعل الحكم الشرعي الكلي، فمسألة حجية الظهور أصولية؛ لأنها بالإضافة إلى كونها عنصرا مشتركا، تشتمل على الخصوصية الثانية، لأن الفقيه يستعمل الظهور كدليل على جعل الحكم الشرعي الكلي، و هذا بخلافه في مثل: وثاقة زرارة، فهي تحقق الموضوع للحكم الظاهري بحجية الخبر، إذ موضوع الحجية هو وثاقة الراوي، و الدليل على الجعل الشرعي هو الخبر، فوثاقة الراوي موضوع للحجية و ليس دليلا على الجعل الشرعي.

و بهذه الخصوصية و هي: استخدام الفقيه للقاعدة كدليل على الجعل الشرعي الكلي نستغني عن استخدام كلمة (الاستنباط) في تعريف علم الأصول؛ لأن هذه الخصوصية ترجع إلى تفسير الاستنباط بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، و لذا فالسيد الشهيد (رحمه الله) لم يستخدم في البحوث كلمة (الاستنباط) في تعريف علم الأصول حيث عرّفه بأنه: «العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي»، و خلاصة ما ذكره هناك:

أن القاعدة الأصولية تتميز بخصوصيتين:

الأولى: أن تكون القاعدة مشتركة في أكثر أبواب الفقه، و بهذه الخصوصية تخرج بعض القواعد الفقهية، مثل: أصالة الطهارة، و المسائل اللغوية و النحوية. و هذا ما ذكره الشيخ الآخوند (رحمه الله) في ضابط المسألة الأصولية: الثانية: أن تستخدم القاعدة الأصولية

33

____________

من قبل الفقيه كدليل و حجة تجاه الجعل الشرعي الكلي، و بهذه الخصوصية تخرج بقية القواعد الفقهية، و المسائل الرجالية. و هذا ما ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه الله) في تفسير الاستنباط

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

موضوع علم الأصول‏

موضوع علم الأصول- كما تقدم في الحلقة السابقة- «الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي». و البحث الأصوليّ يدور دائما حول دليليّتها (1).

و عدم تمكّن بعض المحقّقين من تصوير موضوع العلم على النحو الذي ذكرناه‏

____________

(1) إن موضوع علم ما عند السيد الشهيد (رحمه الله) هو المحور الأساسي الذي ترتكز عليه أبحاث ذلك العلم و تدور حوله؛ لغرض الكشف عن حالاته و شئونه، و لذلك فالموضوع في علم الأصول هو العناصر أو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، و البحث يدور حول حجيتها و دليليتها، أي: مدى صلاحيتها للاستدلال.

و البحث الأصولي ينصب على الحصص المختلفة لهذا الموضوع، مثل: حجية خبر الثقة، حجية العلم الإجمالي في أصالة الاشتغال، حجية القطع، حجية الظهور، حجية الإجماع، فالحجة بشكل عام هي موضوع علم الأصول.

و أما مشهور الأصوليين فيرون أن الموضوع لكل علم هو: «ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، و توضيحه: أن العرض الذي يراد به- هنا- «المحمول الخارج عن ذات الموضوع»، يكون بشكل عام على سبعة أقسام، حيث إن العرض عند ما يلحق بمعروضه، إما أن يحتاج إلى واسطة في اتصاف المعروض بعارضه، أو أنه لا يحتاج إلى واسطة في ذلك، مثل: التعجب العارض للإنسان، حيث لا يتوقف عروض التعجب للإنسان على واسطة.

و أما القسم الأول- أي ما يحتاج إلى واسطة في الاتصاف- فالواسطة تقسم إلى قسمين:

1- واسطة داخلية، حيث تكون الواسطة داخلة في ذات المعروض، و هي تنقسم بدورها إلى قسمين:

36

أدّى إلى التشكّك في ضرورة أن يكون لكل علم موضوع، و وقع ذلك موضعا للبحث، فاستدلّ على ضرورة وجود موضوع لكلّ علم بدليلين:

____________

أ) واسطة داخلية مساوية للمعروض، كإدراك الكليات الذي يعرض للإنسان، بواسطة مساوية للإنسان، و هي المناطق.

ب) واسطة داخلية أعم من المعروض، كعروض المشي للإنسان بواسطة أن الإنسان حيوان، فالحيوان واسطة داخلية، و لكنها أعم من المعروض، حيث إن الحيوان قد يكون إنسانا، أو حمارا، أو فرسا.

2- واسطة خارجية، حيث تكون الواسطة خارجة عن ذات المعروض، و هي على أقسام:

أ) واسطة خارجية مساوية للمعروض، مثل: عروض الضحك للإنسان بواسطة التعجب، فالتعجب واسطة خارجة عن ذات الإنسان إلّا إنها مساوية له.

ب) واسطة خارجية أعم من المعروض، مثل: عروض التحيز للأبيض بواسطة كونه جسما، فالجسم أعم من الأبيض.

ج) واسطة خارجية أخص، مثل: عروض التعجب للحيوان، بواسطة كون الحيوان إنسان، فالإنسان أخص من الحيوان.

د) واسطة خارجية مباينة، مثل: عروض الحرارة للماء بواسطة النار، فهناك تباين بين الواسطة و هي النار، و المعروض الذي هو الماء.

و باتضاح المقصود من العرض و أقسامه لدى المناطقة، يكون قد اتضح المراد من العرض الذاتي في تعريف المشهور للموضوع، فهو ما تقتضيه ذات المعروض بنفسها أو بأمر مساو لها، فله خصوصيتان.

الأولى: أنه أي العرض الذاتي من مقتضيات الذات.

الثانية: أن العرض مساو للمعروض، و لا يوجد في غير المعروض.

و بناء على هذا، فإن العرض الذاتي يشمل ثلاثة أقسام فقط، و هي:

1- العرض بدون واسطة.

2- العرض بواسطة داخلية مساوية.

3- العرض بواسطة خارجية مساوية.

37

أحدهما: أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات، بمعنى أنّ استقلال علم النحو عن علم الطبّ إنّما هو باختصاص كلّ منهما بموضوع كلّيّ يتميز عن موضوع الآخر، فلا بدّ من افتراض الموضوع لكلّ علم‏ (1).

____________

أما بقية الأقسام فتدخل في العرض الغريب‏* الذي يعبر به عادة عن الأعراض غير الذاتية.

و لهذا فيرد على تعريف المشهور للموضوع بأنه: «ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» إشكال، لأن محمولات المسائل تعرض للموضوع بواسطة خارجية أخص، لأن الموضوع في الفقه هو (فعل المكلف)، و الوجوب و الحرمة و الإباحة ... و غيرها، تعرض لفعل المكلف بواسطة موضوعاتها، فلا تتوفر خصوصيتا العرض الذاتي في هذه الأعراض، و هما: أن يكون العرض من مقتضيات الذات، و أن يكون مساويا للمعروض، و لا يوجد في غيره، فالوجوب الذي قد يعرض لفعل المكلف بواسطة الصلاة، ليس من مقتضيات ذات فعل المكلف، كما إنه ليس مساويا لفعل المكلف بل أخص منه، و كذلك الحرمة التي قد تعرض لفعله بواسطة شرب الخمر أو الزنا، أو الإباحة التي تعرض لفعله بواسطة شرب الماء- مع عدم الحاجة إليه- فتكون هذه المحمولات أو الأحكام أعراضا غريبة بالنسبة للموضوع الذي هو فعل المكلف.

و بسبب الإشكالات المتعددة على التعريف المشهور لموضوع علم الأصول، و عدم تمكن بعض الأصوليين من تصوير موضوع لعلم الأصول يكون البحث فيه عن عوارضه الذاتية، شككوا في ضرورة وجود موضوع لكل علم.

(*) و العرض الغريب: المحمول العارض للموضوع بواسطة أمر مباين لذات الموضوع، كعروض الحرارة للماء، الذي تم بواسطة أم مباين للمعروض (الماء) و هذه الواسطة هي النار.

و المحمول العارض لذات الموضوع بواسطة أمر خارج أعم من المعروض، مثل عروض الحركة على الأبيض، فإن هذا العروض تم بواسطة أن الأبيض جسم، إذ الجسم يكون أعم من الأبيض، و المحمول العارض بواسطة خارجية أخص، و المحمول العارض بواسطة داخلية أعم، فتكون أربعة أقسام من العرض داخلة في العرض الغريب.

(1) حاول بعض الأصوليين- ممن يرى ضرورة وجود موضوع لكل علم‏

38

و هذا الدليل أشبه بالمصادرة؛ لأنّ كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوع لكلّ علم، و إلّا تعيّن أن يكون التمييز قائما على أساس آخر، كالغرض‏ (1).

____________

الاستدلال على ضرورة وجوده بدليلين، و لما كان الاستدلال على ذلك مبني على مفهوم التمايز بين العلوم، فيتعين الإشارة إلى مقامي التمايز بين العلوم.

الأول: التمايز في مقام التعلم، أي بما ذا يميز المتعلم هذا العلم عن العلم الآخر، فهل يميزه بالموضوع أو بالغرض، و للتمايز في هذا المقام فائدتان:

1- تمييز المتعلم للعلوم بعضها عن البعض الآخر، ليعرف من أي علم يبدأ دراسته.

2- أن استعدادات الناس و قابلياتهم متفاوتة، و عند تمييز المتعلم لهذا العلم عن غيره، يعرف العلم الذي يتناسب مع قابليته و استعداداته.

الثاني: التمايز في مقام التدوين، أي أن المدون بما ذا يختزل مجموعة من المسائل عن غيرها و يسميها علما، و على أي أساس يفرد هذه المسائل عن تلك، و يضعها تحت عنوان علم معين؟ و التمايز هنا يكون إما بالموضوع أو بالغرض.

فالعلوم في مقام التدوين تتمايز عن بعضها بالموضوعات، فكل علم مستقل عن الآخر، و مختص بمجموعة مسائل تشترك في موضوع كلي يميزه عن غيره من العلوم، فعلم النحو موضوعه الكلمة، أما علم الطب فموضوعه بدن الإنسان، فعلى أساس الموضوع جعل المدوّن مجموعة من المسائل علما، و اختصاص كل علم بموضوعه الخاص و انفراده به هو السبب في استقلاليته و امتيازه عن غيره، و إذن فلا بد من وجود موضوع لكل علم؛ حتى يمتاز عن بقية العلوم‏

(1) و يرد على هذا الدليل: أن جعل الموضوع سببا لامتياز العلوم بعضها عن بعض متوقف على التسليم بوجود موضوع خاص لكل علم، و بحثنا إنما هو في ضرورة وجود موضوع لكل علم، فيكون هذا الدليل أشبه بالمصادرة*، لأن صحة الدليل متوقفة على نفس المدعى.

(*) المصادرة اصطلاحا يقصد بها: أن يكون الدليل على المدعى هو عين المدعى أو جزء المدعى، أو أن صحة الدليل متوقفة على نفس المدعى أو جزئه.

39

و الآخر: أن التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلا بدّ من موضوع لكلّ علم إذن لكي يحصل التمايز، و إن كان بالغرض على أساس أنّ لكلّ علم غرضا يختلف عن الغرض من العلم الآخر، فحيث إنّ الغرض من كلّ علم واحد، و الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فلا بدّ من افتراض مؤثّر واحد في ذلك الغرض.

و لمّا كانت مسائل العلم متعدّدة و متغايرة فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد، بل يتعيّن أن تكون مؤثّرة بما هي مصاديق لأمر واحد. و هذا يعني فرض قضية كلّيّة تكون بموضوعها جامعة بين الموضوعات، و بمحمولها جامعة بين المحمولات للمسائل، و هذه القضية الكلّية هي المؤثرة، و بذلك يثبت أنّ لكلّ علم موضوعا، و هو موضوع تلك القضية الكلّية فيه‏ (1).

____________

فالدليل مبني على أن تمايز العلوم بعضها عن بعض بالموضوعات، و هذا يتوقف على المدعى، و هو وجود الموضوع لكل علم، هذا من جهة و من جهة أخرى من الممكن أن يكون تمايز العلوم عن بعضها في مقام التدوين بالأغراض مثلا فيبطل هذا الدليل‏

(1) الدليل الثاني: إنه إذا كانت العلوم تتمايز بالموضوعات، فلا بد من وجود موضوع خاص لكل علم، و إن كان التمايز بالغرض، على أساس أن لكل علم من العلوم غرضا يختص به، و يختلف عن الغرض المترتب على غيره من العلوم، و هذا الغرض المميز للعلم يتمثل في أمر واحد، فالغرض من علم النحو مثلا شي‏ء واحد، و هو صون اللسان عن الخطأ، و هذا الغرض يحصل بواسطة مسائل علم النحو المتعددة ك (الفاعل مرفوع)، و (المفعول به منصوب) و (المضاف إليه مجرور) و هكذا، و لما كان الغرض المترتب على هذه المسائل واحدا، و المسائل التي يحصل بها هذا الغرض الواحد متعددة، فلا بد أن ترجع هذه المسائل المتعددة إلى قضية واحدة كلية، يكون موضوعها جامعا لموضوعات المسائل، و محمولها جامعا لمحمولات المسائل؛ لأن (الواحد لا يصدر إلّا من واحد)، و هذه القضية الواحدة الكلية، هي العلة المؤثرة في حصول الغرض، و هذه القضية في مثالنا المتقدم هي:

(الكلمة لها حكم إعرابي)، إذ لو كانت هذه المسائل متفرقة و لم يجمع بينها جامع كلي، للزم من ذلك صدور الواحد الكلي و هو الغرض من الكثير المتعدد و هي‏

40

و قد أجيب على ذلك:

بأنّ الواحد على ثلاثة أقسام: واحد بالشخص و واحد بالنوع و هو الجامع الذاتيّ لأفراده. و واحد بالعنوان، و هو الجامع الانتزاعيّ الذي قد ينتزع من أنواع متخالفة. و استحالة صدور الواحد من الكثير تختصّ بالأوّل، و الغرض المفترض لكلّ علم ليست و حدته شخصيّة، بل نوعيّة أو عنوانية.

فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام‏ (1).

____________

المسائل، و هذا خلف القاعدة المتقدمة.

فهذا الدليل يتوقف على ثلاثة أمور:

1- الغرض المترتب على العلم هو غرض واحد.

2- بين هذا الغرض و المسائل التي تؤدي إليه علاقة العلة و المعلول، فالمسائل علة للغرض.

3- القاعدة الفلسفية (إن الواحد لا يصدر إلّا من واحد)، فمن وحدة المعلول نعرف وحدة العلة.

فلا بد إذن من وجود قضية جامعة بين المسائل المتعددة تكون علة للغرض الواحد المترتب على العلم‏

(1) قبل الرد على هذا الدليل لا بد من ذكر مقدمة في بيان الوحدة و أقسامها:

فالوحدة إما أن تكون وصفا للوجود العيني، فهذا الوجود العيني إما لا يمكن فرض ثان له فيسمى ب (الواحد بالوحدة الحقة الحقيقية) و هي مختصة بذات الباري تعالى، أو أنه يمكن فرض ثان له فيسمى ب (الواحد بالوحدة العددية أو الشخصية).

و إما أن تكون الوحدة وصفا للمفهوم، فهذا المفهوم المتصف بالوحدة إما ذاتي لجميع أفراده الموجودة، و يمثل تمام الذات فيسمى ب (الواحد النوعي)، أو أن هذا المفهوم المتصف بالوحدة يمثل جزء الذات لأفراده فيسمى ب (الواحد الجنسي). أما لو اتصف المفهوم بالوحدة دون أن تكون له أفراد بالذات فيسمى ب (الواحد العنواني).

ثم إن الوحدة قد تكون بالعرض في فردين، فزيد و عمرو مشتركان في الإنسان الذي هو واحد نوعي، مع إن كل فرد منهما واحد بالشخص مع إمكان فرض‏

41

و هكذا يرفض بعض المحققين الدليل على وجود موضوع لكلّ علم. بل قد يبرهن‏

____________

وجود الثاني، و يتصفان بالوحدة لأجل وحدة نوعهما. و قد تكون الوحدة بالعرض في نوعين، فالحمار و الحصان يتصفان بالوحدة، مع أنهما نوعان مختلفان، لأجل وحدة جنسهما، و لم يتعرض المصنف (رحمه الله) إلى أقسام الوحدة بالعرض.

و المصنف (رحمه الله) أشار إلى ثلاثة أقسام للوحدة تختص بالممكنات، و هي:

أ- الواحد بالشخص: حيث إن الوجود العيني يوصف بالوحدة مع أنه يمكن فرض وجود الثاني، فزيد مثلا واحد شخصي، مع أن وجود ثان له ليس ممتنعا.

ب- الواحد النوعي: و يعبر به المصنف (رحمه الله) عن الواحد بالنوع و الواحد بالجنس، ففي كل منهما تكون الوحدة وصفا للمفهوم التي قد تمثل تمام الذات أو جزءها لجميع أفرادهما الموجودة، فالإنسان مفهوم واحد جامع ذاتي لزيد، و عمرو، و خالد ...، و يمثل تمام الذات لأفراده، كما أن الحيوان مفهوم واحد جامع ذاتي للأنواع مثل: الحمار، و الحصان، و البقر ...، و يمثل جزء الذات لتلك الأنواع.

ج- الواحد بالعنوان: و يراد به المفهوم الجامع الذي ينتزع من موجودات مختلفة عن بعضها، فيوصف هذا المفهوم الجامع بالوحدة، دون أن تكون له أفراد موجودة بالذات، فالثلج و القطن يوصفان بالوحدة؛ لأنهما يجتمعان في عنوان واحد منتزع منهما، و هو الأبيض، مع أنهما مختلفان ذاتا.

و باتضاح هذه الأقسام يتضح الرد على ما استدل به من ضرورة وجود موضوع واحد لكل علم بناء على تمايز العلوم عن بعضها بالأغراض، و لما كان الغرض من كل علم واحد و الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فلا بد أن يكون موضوع كل علم واحدا. و يرد عليه: أن قاعدة الواحد لا يصدر إلّا عن واحد، لا تتم إلّا في الواحد الشخصي فهو الواحد حقيقة، فلا يمكن صدوره من المتعدد، و أما الواحد بالنوع أو بالعنوان، فلا يستحيل صدوره من المتعدد بحسب مصاديقه المتعددة.

فالغرض المترتب على مسائل العلم ليس واحدا بالوحدة الشخصية الحقيقية، بل وحدته إما وحدة نوعية، كالاقتدار على استنباط الأحكام بالنسبة لعلم الأصول- مثلا- أو أنها وحدة عنوانية انتزاعية، كحفظ اللسان عن الخطأ بالنسبة لعلم النحو، فإن لحفظ اللسان حصص متعددة يجمعها عنوان (حفظ اللسان)، فحصة منه‏

42

على عدمه: بأنّ بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل و الوجود، و على مسائل موضوعها الترك و العدم، و تنتسب موضوعات مسائله إلى مقولات ماهويّة و أجناس متباينة، كعلم الفقه الذي موضوع مسائله الفعل تارة و الترك أخرى، و الوضع تارة و الكيف أخرى، فكيف يمكن الحصول على جامع بين موضوعات مسائله؟ (1).

____________

تحصل من مسألة (الفاعل مرفوع)، و حصة أخرى تحصل من مسألة (المفعول به منصوب)، و حصة ثالثة من حفظ اللسان تحصل من مسألة (المضاف إليه مجرور) و هكذا، فلا يستحيل صدور الواحد النوعي أو العنواني من المتعدد*.

(*) و يمكن الرد على الأمر الثاني من الدليل الثاني بأن علاقة المسائل بالغرض ليست علاقة المعلول بالعلة، ذلك أن الغرض من مسائل علم النحو- مثلا- إذا كان هو تحقق الكلام الصحيح في الخارج، و صون اللسان بالفعل عن الخطأ، فيلزم عدم وقوع خطأ في المقال خارجا لثبوت المسائل النحوية في نفس الأمر و الواقع.

و إذا كان الغرض هو التمكن من عدم الخطأ في المقال في علم النحو، أو عدم الخطأ في الفكر في علم المنطق، فهذا الغرض لا يترتب على نفس المسائل، بل يترتب على العلم بالمسائل النحوية و المنطقية.

و إذا كان الغرض هو مطابقة الكلام مع القاعدة العلمية، فليست نسبة مسائل العلم إليه نسبة الأثر إلى المؤثر و الغرض إلى ذي الغرض، و إنما هو مجرد نسبة و إضافة بين شيئين متغايرين ينتزعها الذهن كلما افترض وجود هذين الشيئين، فمسائل علم النحو تكون طرفا لهذه النسبة، و الطرف الآخر هو الكلام، و هذه النسبة و المطابقة بين الكلام و المسائل إذا كانت غرضا فلا تترتب على المسائل ترتب المعلول على العلة، بل الغرض بهذا المعنى يتقوم بالطرفين (الكلام و المسائل)، و وحدة هذا الغرض و تعدده تابعة لوحدة الطرفين و تعددهما، و لما كانت مسائل علم النحو متعددة، فمطابقة الكلام لهذه المسائل تتعدد، و لذلك فالغرض بمعنى صحة الكلام في النحو و صحة الفكر في المنطق ليس غرضا واحدا، هذا أولا. و ثانيا: ترتبه على المسائل ليس ترتب المعلول على العلة، حتى يستكشف القدر الجامع بالقاعدة الفلسفية.

(1) حاول بعض الأصوليين كالسيد الخوئي (رحمه الله) البرهنة على استحالة وجود موضوع لكل علم، و قبل ذكر دليله، لا بد من الإشارة إلى أن للموضوع حسب رأي المشهور خاصيتين:

43

و على هذا الأساس استساغوا أن لا يكون لعلم الأصول موضوع. غير أنّك عرفت أنّ لعلم الأصول موضوعا كلّيا على ما تقدّم‏ (1).

____________

الأولى: أن العلم يبحث عن العوارض الذاتية للموضوع، و لذلك فلا بد أن تكون المحمولات في المسائل أعراضا ذاتية لموضوع العلم.

الثانية: أن موضوع العلم لا بد أن يكون قدرا جامعا بين موضوعات المسائل.

و هذا الدليل للسيد الخوئي (رحمه الله) و هو مبني على أساس رأي المشهور في تعريف موضوع العلم، حيث لا يمكن تصوير القدر الجامع الذاتي بين بموضوعات المسائل لبعض العلوم، مثل علم الفقه، ذلك إن موضوع بعض مسائله من مقولة الجوهر من قبيل: (الدم نجس)، و بعضها من مقولة الوضع، مثل: (الركوع واجب)، و بعضها من مقولة الكيف، مثل: (القراءة واجبة في الصلاة)؛ لأن القراءة من الكيف المسموع، و بعض موضوعات المسائل من الأمور العدمية، كالصوم و الإحرام، و هذه المقولات المختلفة أجناس عالية، لا شي‏ء أعلى منها ليكون جامعا بينها، فالجوهر يباين الكيف أو الوضع مباينة تامة، و إمكان وجود جامع لها معناه عدم تباينها، و إذا لم يعقل الجامع بين الأجناس العالية، فكيف يعقل الجامع الذاتي بين الوجود و العدم؟!

(1) و السيد الشهيد (رحمه الله) لا يعترف بالخصوصيتين المذكورتين للموضوع في كلام المشهور، و يرى أن موضوع العلم هو ما يكون محور البحث و مداره، سواء كان قدرا جامعا بين موضوعات المسائل، كالكلمة في مسائل النحو، أو قدرا جامعا بين المحمولات، كالحكم الشرعي في علم الفقه، و الفقيه يبحث عن تعيينات الحكم الشرعي من الوجوب، و الحرمة، و الطهارة، و النجاسة، و الملكية، و ما شابه، و هكذا في الفلسفة، إذ إن الجوهر موجود، و العرض موجود و الجسم موجود، و الروح موجودة، فيكون الوجود هو القدر الجامع بين المحمولات المسائل الفلسفية.

و على هذا الأساس نقول: إن موضوع علم الفقه هو (الحكم الشرعي)، و نسبة الحكم الشرعي إلى مسائل علم الفقه كنسبة الوجود إلى مسائل الفلسفة، فهو المحور الذي تدور عليه أبحاث علم الفقه.

و برد ما يبرهن به على استحالة وجود موضوع لكل علم (و منها علم الأصول)، تتضح تمامية ما ذهب إليه الشهيد الصدر (رحمه الله) من أن موضوع علم الأصول‏

44

____________

هو: الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، فهي محور البحث الأصولي الذي يدور حول دليليتها، أي مدى صلاحيتها للاستدلال الفقهي على الحكم الشرعي‏

45

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

الأحكام التكليفية و الوضعية:

قد تقدّم في الحلقة السابقة أنّ الأحكام الشرعية على قسمين: أحدهما الأحكام التكليفية، و الآخر الأحكام الوضعية (1).

____________

(1) من المفيد أن نقدم لهذا البحث بذكر جملة من الأمور:

منها: أن المفهوم الذي ليس له مصداق بالذات ينقسم إلى قسمين:

الأول: المفهوم الانتزاعي: و هو المفهوم الذي ليس له ما بإزاء مستقل و لحاله في الخارج، أي ليس له مصداق خارجي، و لكنه موجود بمنشإ انتزاعه، مثل: مفهوم الإمكان المنتزع من الإنسان، حيث لا يوجد له ما بإزاء في الخارج متميز عن منشأ الانتزاع، بل إنه يتحقق بمنشإ الانتزاع.

الثاني: المفهوم الاعتباري: و هو ما ليس له ما بإزاء الخارج و ليس له منشأ انتزاع، مثل: الملكية، و الزوجية، و غيرهما، حيث لا يوجد للملكية مصداق خارجي، و ليس لها منشأ واقعي تنتزع منه، بل هي تتحقق بالاعتبار و اللحاظ القائم بذهن المعتبر، و أما المعتبر (بالفتح) فيتحقق بهذا الاعتبار، في حين أن نفس الاعتبار و اللحاظ هو أمر حقيقي قائم في نفس المعتبر (بالكسر)، فالاعتبار- مثلا- يتعلق بالملكية، و لأجل هذا التعلق حصلت الملكية بهذا الاعتبار، دون أن يكون هناك موصوف في الخارج ينتزع هذا المفهوم الاعتباري منه.

و الفرق بين المفهوم الانتزاعي و الاعتباري، أنّ المفهوم الانتزاعي موجود بمنشإ الانتزاع، و أما المفهوم الاعتباري فموجود بالاعتبار و اللحاظ القائم في ذهن المعتبر.

و منها: أن الحكم الشرعي- و حسب تعريف السيد الشهيد (رحمه الله)- هو:

التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان، و هو ينقسم إلى قسمين:

46

و قد عرفنا سابقا نبذة عن الأحكام التكليفية (1).

و أمّا الأحكام الوضعيّة فهي على نحوين:

الأوّل: ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي، كالزوجية الواقعة موضوعا لوجوب الإنفاق، و الملكية الواقعة موضوعا لحرمة تصرّف الغير في المال بدون إذن المالك‏ (2).

الثاني: ما كان منتزعا عن الحكم التكليفي‏ (*)، كجزئية السورة للواجب المنتزعة

____________

أ- الحكم التكليفي: و هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان، و له توجيه عملي مباشر لسلوك الإنسان و أفعاله، كوجوب الصلاة، و حرمة الزنا.

ب- الحكم الوضعي: و هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان، و ليس له توجيه عملي مباشر لسلوكه و أفعاله، كالزوجية و الملكية

(1) حيث مرّ في الحلقة السابقة تقسيم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام هي:

الوجوب، و الحرمة، و الاستحباب، و الكراهة، و الإباحة بالمعنى الأخص، و أما الحكم الوضعي فينقسم إلى قسمين. سيأتي بيان كل منهما

(2) هذا هو القسم الأول للحكم الوضعي، و هو الذي يكون موضوعا للحكم‏

(*) في هذا التعبير للسيد الشهيد (رحمه الله) مسامحة، لأن وجوب المركب هو المصحح لانتزاع الجزئية من السورة، و ليس هو منشأ الانتزاع لها، بل منشأ انتزاعها هو السورة و إلا لكانت الجزئية وصفا للوجوب، و المفروض أن مفهوم الجزئية ينتزع من الموصوف الذي هو السورة، و أن يحمل عليه بصورة المشتق (الذي يراد به كل ما يحمل على الذات بسبب قيام صفة فيها خارجة عنها، و بهذا يعم المشتق بعض الجوامد كالزوج و الأخ، و تخرج الأفعال لأنها لا تحمل على الذات، و ليس المقصود هنا هو المشتق بالمعنى اللغوي).

فيقال: (السورة جزء)، و أما لو كانت الجزئية منتزعة من وجوب السورة، فلا بد أن تحمل عليه الجزئية، إلّا إن هذا غير ممكن فلا يقال: (الوجوب جزء للصلاة)، لأن الجزئية حكم للسورة لا لوجوب السورة. و كذلك فإن شرطية الزوال ليست منتزعة من الوجوب المشروط بالزوال، بل هي منتزعة من الزوال.

نعم، الوجوب المشروط بالزوال هو المصحح لانتزاع الشرطية، و المفروض أن الشرطية منتزعة من الموصوف (أي الزوال)، و أن يحمل المفهوم المنتزع على هذا الموصوف بعد

47

____________

التكليفي، كالملكية التي هي حكم وضعي تقع موضوعا للحكم التكليفي بجواز تصرف المالك في المملوك، و حرمة تصرف الغير فيه بدون رضا المالك، و الزوجية التي تكون موضوعا للحكم التكليفي و هو وجوب إنفاق الزوج على الزوجة،

تحويله إلى مشتق فيقال: (الزوال شرط)، و أما إذا انتزعت الشرطية عن وجوب الصلاة المشروط بالزوال، فلا بد من حمل الشرطية عليه، و هذا غير ممكن حيث لا يقال:

(وجوب الصلاة شرط)، لأن الشرطية حكم للزوال، لا للوجوب.

أما كيف يكون الوجوب المتعلق بالمركب مصححا لانتزاع الجزئية بمعنى البعضية للمركب، بهذا النحو لمّا يتعلق الوجوب بمجموع الصلاة المتضمنة للسورة، فبالطبع تكون السورة جزءا و بعضا للواجب، و هكذا الشرطية التي هي بمعنى ما يناط به الواجب، فمثلا بالنسبة لشرطية الطهارة للصلاة، نجد أنها لا تنتزع من الطهارة إلّا عند ما يتعلق الوجوب بالصلاة المقترنة بالطهارة، فجعل الوجوب للصلاة المقترنة بالطهارة مصحح لانتزاع الشرطية بمعنى ما يناط به الواجب من الطهارة، فإذا المصحح لانتزاع الشرطية هو جعل الوجوب للمركب المقيد بالقيد.

و هكذا الحال بالنسبة لشرطية الزوال لوجوب الصلاة، التي تعني ما يعلق عليه الوجوب، فمثلا: لو قال المولى في مقام الجعل: إن زالت الشمس فصلّ، فإن الوجوب المنشأ بهذه الصيغة علق على الزوال، و في الحقيقة أن فعلية الوجوب متوقفة على تحقق الزوال، و الشرطية بهذا المعنى تنتزع من الزوال عند إنشاء الوجوب المعلق عليه، فإنشاء الوجوب المعلق مصحح لانتزاع الشرطية، لا أن منشأ الانتزاع للشرطية هو الوجوب المعلق.

فالمفهوم الانتزاعي يحمل على منشأ الانتزاع إذا حولنا هذا المفهوم إلى مشتق، فمفهوم الإمكان المنتزع من الإنسان يحمل على الإنسان الذي هو منشأ الانتزاع لهذا المفهوم بعد تحويله إلى مشتق فيقال: (الإنسان ممكن)، و في مثال جزئية السورة، الجزئية منتزعة من السورة، لا من وجوب السورة، و لكن المصحح لانتزاع الجزئية هو تعلق الوجوب بالصلاة ككل، أما منشأ الانتزاع فهو الموصوف الذي ينتزع منه هذا الحكم الوضعي، فلا بد أن يكون المنشأ لانتزاع الجزئية هو السورة ليصح حمل الجزئية عليها بصورة المشتق فيقال: (السورة جزء)، و هذا لا يتفق مع تعبير المصنف (رحمه الله) المتقدم، و على هذا فما يعبر به جملة من الأصوليين من أن منشأ انتزاع جزئية السورة هو وجوب السورة غير صحيح، بل الصحيح التعبير بأن مصحح انتزاع جزئية السورة هو وجوب المركب‏

48

عن الأمر بالمركّب منها، و شرطيّة الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال‏ (1).

و لا ينبغي الشكّ في أنّ القسم الثاني ليس مجعولا للمولى بالاستقلال، و إنّما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي؛ لأنّه مع جعل الأمر بالمركّب من السورة و غيرها يكفي هذا الأمر التكليفي في انتزاع عنوان الجزئية للواجب من السورة، و بدونه لا يمكن أن تتحقّق الجزئيّة للواجب بمجرّد إنشائها و جعلها مستقلا (2).

و بكلمة أخرى: أنّ الجزئية للواجب من الأمور الانتزاعية الواقعية، و إن كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئيّة الجزء للمركّبات الخارجيّة من حيث كونها أمرا انتزاعيا واقعيا، و إن اختلفت الجزئيتان في وعاء

____________

و جواز الاستمتاع بالنسبة للزوج، و هذا الحكم الوضعي من المفاهيم الاعتبارية التي تتحقق بالاعتبار، إلّا إن له آثار شرعية تترتب عليه‏

(1) هذا هو القسم الثاني للحكم الوضعي، و هو المنتزع من الحكم التكليفي كجزئية السّورة و شرطية الزوال للصلاة، فالجزئية بالنسبة للسورة منتزعة من الوجوب المتعلق بالمركب (أي الصلاة)، إذ بعد تعلق الوجوب بالصلاة المتضمنة للسورة تنتزع الجزئية و البعضية من الوجوب بالنسبة إلى السورة، و كذلك شرطية الزوال للصلاة تنتزع من الوجوب المقيد بالزوال‏

(2) فالقسم الثاني للحكم الوضعي من المفاهيم الانتزاعية التي ليس لها ما بإزاء مستقل في الخارج، و التي تتحقق بمنشإ الانتزاع، و لذلك فلا يمكن أن تكون مجعولة للمولى بنحو مستقل عن منشأ انتزاعها المتمثل في الحكم التكليفي الذي هو من الأمور الاعتبارية، لأن اعتبار الجزئية للسورة- مثلا- إما أن يكون مسبوقا بالأمر بالمركب أو لا، فإذا كانت مسبوقة بالأمر بالمركب، فيكون اعتبار الجزئية لغوا بعد ما تنتزع من الوجوب. و إما إن لم تكن مسبوقة بالأمر بالمركب، فلا يمكن تحقق الجزئية، لعدم وجود منشأ انتزاع لها و هو الأمر بالمركب، و الجزئية لا تتحقق إذا لم يتحقق منشأ انتزاعها.

فالأحكام الوضعية من القسم الثاني ليست مجعولة بصورة مستقلة و لحالها، بل هي مجعولة بجعل منشأ انتزاعها الذي هو من الأمور الاعتبارية

49

الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئية أمرا واقعيا فلا يمكن إيجادها بالجعل التشريعي و الاعتبار (1).

و أمّا القسم الأوّل فمقتضى وقوعه موضوعا للأحكام التكليفية عقلائيا و شرعا هو كونه مجعولا بالاستقلال، لا منتزعا عن الحكم التكليفي؛ لأنّ موضوعيّته للحكم التكليفيّ تقتضي سبقه عليه رتبة، مع أنّ انتزاعه يقتضي تأخّره عنه‏ (2).

____________

(1) يشير المصنف (رحمه الله) هنا إلى أن نكتة الدليل المتقدم تتمثل في أن جزئية السورة للواجب المركب من الأمور الانتزاعية الواقعية، مع أن وعاء واقعها الذي تنتزع منه هو عالم الجعل و الاعتبار، و الأمور الواقعية لا يمكن إيجادها بالاعتبار، حيث لا فرق بين الجزئية المنتزعة من الأمور الاعتبارية و الجزئية المنتزعة من المركبات الخارجية، كجزئية الأوكسجين للماء، فكل من الجزئيتين من الأمور الواقعية، و إن اختلفتا في منشأ الانتزاع و وعاء الواقع الذي تنتزعان منه، فواقع كل شي‏ء بحسبه، فقد يكون منشأ الانتزاع أمرا واقعيا فيكون المفهوم المنتزع واقعيا أيضا، و قد يكون أمرا اعتباريا فيكون المفهوم المنتزع واقعيا بواقعية منشئه الذي يكون واقعيا بالاعتبار، و إذا كان القسم الثاني من الأحكام الوضعية من قبيل الجزئية التي من الأمور الواقعية، فلا يمكن إيجادها بالجعل و الاعتبار

(2) و القسم الأول من الأحكام الوضعية التي تقع موضوعا للحكم التكليفي تكون مجعولة من قبل المولى بنحو الاستقلال، و ليست منتزعة من الحكم التكليفي، لأن مقتضي موضوعيتها للحكم التكليفي، هو تقدم الحكم الوضعي على الحكم التكليفي، لأن الموضوع متقدم رتبة على الحكم، و كون الحكم الوضعي منتزعا من التكليفي، يستلزم تأخر الحكم الوضعي عن التكليفي، لأن المنتزع متأخر عن منشأ الانتزاع، فيكون الحكم الوضعي متقدما رتبة على الحكم التكليفي، و متأخرا عنه في آن واحد و هذا محال. فالزوجية- مثلا- لا يمكن أن تكون منتزعة من جواز الاستمتاع، لأنه لما كانت الزوجية موضوعا لجواز الاستمتاع، فهذا يعني أنها متقدمة عليه، و فرض أن الزوجية منتزعة من جواز الاستمتاع، يعني أنها متأخرة عنه، و هذا محال، لأنه يستلزم تقدم المتأخر. و بهذا يظهر خطأ ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (رحمه الله) من: أن جميع الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية

50

و قد تثار شبهة لنفي الجعل الاستقلاليّ لهذا القسم أيضا بدعوى أنّه لغو؛ لأنّه بدون جعل الحكم التكليفيّ المقصود لا أثر له، و معه لا حاجة إلى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفيّ ابتداء على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعيّ عليه‏ (1).

و الجواب على هذه الشبهة: أنّ الأحكام الوضعية التي تعود إلى القسم الأوّل اعتبارات ذات جذور عقلائية، الغرض من جعلها تنظيم الأحكام التكليفية و تسهيل صياغتها التشريعية فلا تكون لغوا (2).

____________

(1) فالبعض يحاول أن يثير شبهة لنفي الجعل الاستقلالي للأحكام الوضعية من القسم الأول، و ذلك لأن الجعل الاستقلالي للزوجية أو الملكية، إما أن يستتبع جعل حكم تكليفي يكون الحكم الوضعي موضوعا له، أو لا يستتبع حكما تكليفيا يترتب على الحكم الوضعي.

فعلى الأول لا نكون بحاجة إلى جعل الحكم الوضعي كالزوجية، بل يمكن جعل الحكم التكليفي بوجوب الإنفاق على نفس موضوع الحكم الوضعي الذي هو المرأة التي أجري معها العقد، دون الحاجة إلى جعل مستقل للزوجية.

و على الثاني يكون الجعل الاستقلالي للملكية لغوا إذا لم يترتب عليها حكم تكليفي بعدم جواز تصرف الغير في مال المالك بدون إذنه، و عمل المولى منزه عن اللغوية، و لهذا فلا يمكن جعل الحكم الوضعي بنحو مستقل عن جعل الحكم التكليفي‏

(2) و يجاب عن الشبهة المتقدمة، بأن جعل الحكم الوضعي بنحو مستقل ليكون موضوعا للحكم التكليفي عمل جرت عليه سيرة العقلاء لغرض تنظيم تشريع الأحكام و تيسير عملية صياغتها القانونية من قبل المشرع.

و بعبارة أصولية: أن الجعل و الاعتبار الاستقلالي للحكم الوضعي يعين مورد جريان الحكم التكليفي، فوجوب النفقة هل هو حكم للرجل تجاه أي امرأة كانت، أو هو مختص بالمرأة التي تجمعه بها علقة شرعية خاصة هي (الزوجية)، و كذلك جواز التمتع، فهل هو حق للرجل تجاه أي امرأة، أو إنه حكم لخصوص الزوجين؟

و أيضا جواز التصرف في المملوك هل هو حكم بين أي شخص و الكتاب- مثلا- أم‏

51

شمول الحكم للعالم و الجاهل:

و أحكام الشريعة- تكليفية و وضعية- تشمل في الغالب العالم بالحكم و الجاهل على السواء، و لا تختصّ بالعالم‏ (1). و قد ادّعي أنّ الأخبار الدالّة على ذلك مستفيضة (2).

و يكفي دليلا على ذلك إطلاقات أدلّة تلك الأحكام‏ (3).

و لهذا أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعيّ بين العالم و الجاهل موردا للقبول على وجه العموم بين أصحابنا، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ على خلاف ذلك في مورد.

____________

إنه خاص بالشخص و الكتاب الذي يكون ملكا له؟ فالجعل الاستقلالي للحكم الوضعي هو الذي يعين و يحدد المورد الذي تنطبق عليه الأحكام التكليفية، فلا يكون جعله لغوا

(1) في هذا المبحث يشير السيد الشهيد (رحمه الله) إلى قضية مسلمة بين علماء الإمامية و هي: أن الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو وضعية تكون مشتركة بين العالم و الجاهل‏

(2) حيث ادعى الشيخ الأنصاري (رحمه الله) استفاضة الأخبار الدالة على الاشتراك. و عهدة هذه الدعوى على مدعيها، حيث لا يوجد خبر واحد يمكن أن يدل على شمول الأحكام للعالم و الجاهل‏

(3) كما في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. (آل عمران: 97)، ف مَنِ اسْتَطاعَ‏ أعم من أن يكون عالما بالحكم بوجوب الحج أو جاهلا به، فالحج واجب على المستطيع مطلقا. و كذلك قوله سبحانه: أَقِيمُوا الصَّلاةَ ...* (الأنعام: 72)، حيث يستفاد منها الأمر بإقامة الصلاة مطلقا، سواء كان المكلف عالما بوجوب إقامة الصلاة أو جاهلا بذلك.

و أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (البقرة: 183)، ف كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ تفيد وجوب الصوم مطلقا سواء كان المكلف عالما بوجوب الصوم أو جاهلا بوجوبه.

و هذا دليل واضح على شمول الحكم لكل من العالم به و الجاهل‏

52

و قد يبرهن على هذه القاعدة عن طريق إثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالم؛ لأنّه يعني أن العلم بالحكم قد أخذ في موضوعه، و ينتج عن ذلك تأخّر الحكم رتبة عن العلم به و توقّفه عليه وفقا لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه‏ (1).

____________

(1) فقد أقيم برهان عقلي على الاشتراك في مسألة (أخذ العلم بالحكم موضوعا لنفس الحكم)، و هذا الدليل يثبت استحالة اختصاص الحكم بالعالم، فإذا استحال اختصاص الحكم بالعالم، فلا بد أن يكون الحكم شاملا للعالم و الجاهل على السواء. و بيان استحالة اختصاص الحكم بالعالم متوقفة على مقدمتين:

المقدمة الأولى: المعروف بين أتباع مدرسة المحقق النائيني (رحمه الله) أن الحكم له مرتبتان:

أ) مرتبة الجعل و الإنشاء: و تحديد هذه المرتبة يختلف بحسب اختلاف الأصوليين في تفسير حقيقة الإنشاء، فالمشهور يرى أن الإنشاء هو: إيجاد المعنى باللفظ، و على هذا الأساس فمرتبة الإنشاء تعني: إنشاء الحكم بغرض التحريك للمكلف الواجد للشرائط على نحو القضية الحقيقية.

أما السيد الخوئي (رحمه الله) فيرى أن الإنشاء هو: الإبراز و الإظهار، و لذلك فإن مرتبة الإنشاء تعني: إبراز الاعتبار النفساني بغرض التحريك للمكلف الواجد للشرائط على نحو القضية الحقيقية. أي أن الموضوع و هو المكلف الواجد للشرائط في كلا التعريفين يكون مفترض الوجود، فمثلا في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آل عمران: 97)، الموضوع لوجوب الحج هو المستطيع، فتكون مفاد الآية الكريمة هو: أن المستطيع يجب عليه الحج.

و الوجوب إما بمعنى الطلب اللزومي الذي يوجد بهذه الجملة، أو بمعنى ثبوت الفعل الذي يعتبره المولى في ذمة المكلف، و في هذه الآية اعتبر المولى ثبوت الحج في ذمة المكلف على فرض تحقق الاستطاعة، و المقصود بأخذ الموضوع مفترض الوجود: أنه لو وجد مكلف و كان مستطيعا يجب عليه الحج.

و جعل الوجوب للحج أو إبراز اعتبار ثبوت الحج في ذمة المكلف المستطيع معناه: أن الجعل أو إبراز الاعتبار علق على فرض الموضوع. و أما معنى فرض‏

53

____________

الموضوع فسيأتي توضيحه عند البحث عن (القضية الحقيقية و القضية الخارجية).

ب) مرتبة فعلية الحكم: حيث يصل الحكم إلى مرحلة المحركية و الفاعلية بالنسبة للمكلف عند ما يتحقق الموضوع المفروض- المستطيع في المثال السابق- الذي أخذ بنحو القضية الحقيقية أي بنحو قضية شرطية، و بذلك يخرج هذا الموضوع من عالم الفرض إلى عالم التحقق و العين، و بعد ما يتحقق هذا الموضوع المفروض يصل الحكم إلى مرحلة الفعلية، أي يكون بنحو قضية حملية، و عندئذ يكون الحكم محركا للمكلف، فإذا وجد مكلف و كان مستطيعا يجب عليه الحج.

و يمكن تصوير ذلك بافتراض تحقق الاستطاعة في زيد، فالاستطاعة خرجت من عالم الفرض إلى عالم التحقق و الانطباق، فيقال: (زيد مستطيع)، (كل مستطيع يجب عليه الحج)، إذا (زيد يجب عليه الحج).

و النتيجة هنا قضية حملية، و الحكم الذي كان بنحو الكلي المعلق على فرض الموضوع، تحول من الفرض إلى التحقق، فأصبح حكما بنحو القضية الحملية متوجها إلى شخص معين فنقول: (زيد يجب عليه الحج)، و حين يتعلق الحكم بذمة مكلف معين يحركه للامتثال، و يسمى الحكم فعليا، و من ثم يصل إلى مرتبة الفاعلية و المحركية، و يسمى باصطلاح مدرسة المحقق النائيني، (رحمه الله) مجعولا.

و مرتبة المجعول للحكم تعني: أن الحكم يتحول إلى قضية حملية خاصة بمكلف معين عند ما يتحول الموضوع المفروض الوجود إلى حقيقة واقعة، فيكون محركا لهذا المكلف، و بعبارة أكثر اختصارا: أنه ببركة تحول الموضوع المفروض الوجود إلى موضوع محقق الوجود يصير الحكم فعليا، و يتصف بالمحركية و الفاعلية.

المقدمة الثانية: لوصول الحكم إلى مرتبة الفعلية و تعلقه بذمة المكلف بحيث يكون محركا و باعثا للعمل إذا كان أمرا، أو زجرا إذا كان نهيا، لا بد من توفر شرطين:

- أولا: يجب أن يكون المكلف عالما بالجعل، أي عالما بهذه القضية الحقيقية التي‏

54

____________

تمثل الكبرى، و هي في مثالنا (المستطيع يجب عليه الحج)، أي لا بد أن يعلم المكلف بالقضية الشرطية.

- ثانيا: لا بد أن يعلم بتحقق هذا الموضوع المفروض الوجود، فيعلم أنه مستطيع، لا إن الآخرين يعلمون أنه مستطيع و هو لا يعلم ذلك، فالحكم لا يصل إلى مرحلة الفعلية و المحركية ما لم يعلم المكلف بتحقق الموضوع فيه و أنه مستطيع، فيشكل قياسا منطقيا هذه صورته: (أنا مستطيع)، (و كل مستطيع يجب عليه الحج)، إذا (أنا يجب عليّ الحج).

فبعد هاتين المقدمتين يعرف المكلف أن التكليف تعلق بذمته، و العقل يحكم بلزوم امتثال الحكم، و الذي يحركه نحو الامتثال هو حكم العقل بلزوم الامتثال، ذلك أن المحرك لا بد أن يكون أمرا باطنيا، و بعد حكم العقل بلزوم الامتثال يكون التكليف مقتضيا للتحريك.

باتضاح هاتين المقدمتين يتبين أن أخذ العلم بالحكم موضوعا لنفس الحكم مستحيل، فأخذ العالم بوجوب الصلاة موضوعا للحكم بوجوب الصلاة، مستحيل، لاستلزامه للدور، لأنه بناء على المقدمة الثانية: الوجوب الفعلي للصلاة متوقف على العلم بالكبرى، و هي: العلم بجعل الصلاة على العالم بوجوب الصلاة، كما أنه متوقف على العلم بالصغرى، التي هي: المكلف العالم بالوجوب الفعلي للصلاة، فالعلم بالصغرى يعني علم المكلف بعلمه بالوجوب الفعلي للصلاة، فالعلم بالوجوب الفعلي للصلاة متوقف على العلم بالكبرى و على العلم بالصغرى، و العلم بالعلم بوجوب الصلاة هو بالنتيجة علم بوجوب الصلاة، لأن العلم من الأمور الوجدانية، فالعلم لا يحضر بالعلم، بل هو بنفسه حاضر في الذهن. فيكون العلم بالوجوب الفعلي للصلاة متوقفا على العلم بالوجوب الفعلي للصلاة، و هذا من توقف الشي‏ء على نفسه، و هو ملاك الدور المستحيل، لأنه لا يوجد تغاير بين العلم الأول و الثاني، فالمتوقف هو: العلم بالوجوب الفعلي للصلاة:

و المتوقف عليه هو نفسه، هذا إذا كان العالم بوجوب الفعلي للصلاة هو الموضوع لفعلية الحكم‏

55

و لكن قد مرّ بنا في الحلقة السابقة، أنّ المستحيل هو أخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه لا أخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول فيه‏ (1).

____________

(1) فإذا كان العلم بالجعل (الإنشاء) هو الموضوع للمجعول، فليس من المستحيل- كما يرى الآخوند (رحمه الله) و وافقه على ذلك السيد الشهيد (رحمه الله)- أن يؤخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول، لأن من الواضح أن الجاعل لما يجعل وجوبا للصلاة، فإن نفس الجعل متوقف على فرض الموضوع، فالحكم في مرتبة الإنشاء يكون بنحو القضية الحقيقية و الموضوع المفترض هنا هو العالم بوجوب الصلاة، فالمولى جعل وجوب الصلاة معلقا على فرض حصول العلم في المكلف بإنشاء وجوب الصلاة، و جعل الوجوب من المولى ليس متوقفا على تحقق العلم واقعا بل متوقف على الفرض، و كما إن الحج في مقام الجعل معلق على فرض الاستطاعة، فإن إنشاء الوجوب للصلاة معلق كذلك على فرض العلم بالجعل و ليس على واقع العلم.

و بعد إنشاء الحكم من قبل المولى للعالم بالجعل يعلم المكلف بهذا الإنشاء أي يعلم بالكبرى، فهذا العلم الذي كان مفروض الوجود في مقام جعل الوجوب يتحول إلى واقع متحقق بالنسبة لهذا المكلف، و بذلك يتحقق الموضوع لوجوب الصلاة، فيتحول الحكم بوجوب الصلاة إلى فعلي.

ففعلية وجوب الصلاة متوقفة على العلم بوجوب الصلاة، أما علم المكلف بوجوب الصلاة فليس متوقفا على فعلية الوجوب، بل هو متوقف على الإنشاء، و الإنشاء معلق على فرض العلم، فلا يوجد هنا دور و لا توقف للشي‏ء على نفسه، لأن المتوقف على العلم هو فعلية الوجوب، و العلم متوقف على الإنشاء، ففعلية الحكم متوقفة على علم المكلف بإنشاء المولى، و إنشاء المولى ليس متوقفا على العلم بل على فرض العلم، فلو وجد مكلف و كان عالما بالجعل فتجب عليه الصلاة.

و لذلك فيمكن أن يختص الحكم بالعالم في بعض الموارد، و من هذا القبيل وجوب الجهر و الإخفات، و وجوب القصر و التمام، فيجب القصر إذا كان المكلف عالما بوجوب القصر، و أما إذا كان جاهلا و صلى تماما بدل القصر فصلاته صحيحة، لأن وجوب القصر يختص بالعالم بوجوب القصر، و هذا مما لا إشكال‏

56

[التخطئة و التصويب:]

و يترتّب على ما ذكرناه من الشمول: أنّ الأمارات و الأصول التي يرجع إليها المكلّف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية قد تصيب الواقع، و قد تخطئ، فللشارع إذن أحكام واقعية محفوظة في حقّ الجميع، و الأدلّة و الأصول في معرض الإصابة و الخطأ، غير أنّ خطأها مغتفر؛ لأنّ الشارع جعلها حجّة، و هذا معنى القول بالتخطئة (1).

و في مقابله ما يسمّى بالقول بالتصويب، و هو: أنّ أحكام الله تعالى ما يؤدّي إليه الدليل و الأصل، و معنى ذلك أنّه ليس له من حيث الأساس أحكام، و إنّما يحكم تبعا للدليل أو الأصل، فلا يمكن أن يتخلّف الحكم الواقعيّ عنهما (2).

____________

فيه كما يرى الآخوند (رحمه الله)، حيث يكون وجوب القصر الفعلي متوقفا على العلم بوجوب القصر الإنشائي، فالمكلف حين يعلم بأن المولى أنشأ وجوب القصر للمسافر يكون وجوب القصر فعليا بالنسبة له، أما إذا لم يعلم بهذا الإنشاء، فالحكم لا يكون فعليا، و هذا لا يستلزم الدور

(1) فثمرة القول باشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل هو التخطئة في الأمارات و الأصول التي يرجع إليها المكلف في ظرف الشك بالحكم الواقعي، فالأمارة حينا تطابق هذا الحكم الواقعي وحينا تخالفه، و كذلك الأصل، و سواء كان ذلك في الشبهات الحكمية* أو في الشبهات الموضوعية**. فالأمارات و الأصول التي يرجع إليها المكلف في هاتين الشبهتين قد تطابق الواقع و قد تخالفه، هذا هو معنى القول بالتخطئة، و في مقابل هذا الرأي هناك رأي آخر يقول بالتصويب، و هو على عدة أقسام، لكن المعروف منها: التصويب الأشعري، و التصويب المعتزلي.

(*) معنى الشبهة الحكمية هو: الشك في جعل حكم من قبل الشارع لمتعلق كلي، مثل:

الشك في حلية أو حرمة شرب التتن.

(**) معنى الشبهة الموضوعية هو: الشك في الحكم الجزئي بالنسبة لموضوع من الموضوعات الخارجية، مثل: الشك في طهارة هذا الثوب و عدم طهارته، أو حلية هذا اللحم و عدم حليته، على أساس أن هذا اللحم مذكى أو غير مذكى.

(2) هذا هو معنى التصويب الأشعري الذي يقصد به: أن المواقعة و الحادثة بعنوانها الأولي خالية عن الحكم الشرعي بقطع النظر عن الأدلة القائمة للمكلف‏