منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول؛ شرح الحلقة الثالثة - ج2

- الشيخ محمد رضا الأحمدي البهسودي المزيد...
335 /
5

الجزء الثاني‏

أدوات العموم‏

تعريف العموم و أقسامه:

العموم: هو الاستيعاب المدلول عليه باللفظ. و باشتراط أن يكون مدلولا عليه باللفظ يخرج المطلق الشمولي، فإنّ الشمولية فيه ليست مدلولة للكلام، لأنّها من شئون عالم المجعول، و الكلام إنّما ينظر إلى عالم الجعل، خلافا للعامّ فإنّ تكثّر الأفراد فيه ملحوظ في نفس مدلول الكلام، و في عالم الجعل‏ (1).

____________

(1) هذا بسحب تعريف السيد الشهيد (رحمه الله)، في حين أن الشيخ الآخوند (رحمه الله) عرّفه بأنه: «استيعاب و شمول المفهوم لجميع ما يصلح للانطباق عليه»، أي شمول و استيعاب المفهوم لجميع أفراده.

و السبب في عدول السيد الشهيد (رحمه الله) عن تعريف الآخوند (رحمه الله) هو أن تعريف صاحب الكفاية يشمل الإطلاق الشمولي فهو- أيضا- استيعاب المفهوم لجميع أفراده. و الفرق بين العموم و الإطلاق الشمولي في مقام نفس المفهوم، أن الاستيعاب و الشمول للمفهوم يكون مدلولا وضعيا للفظ في العموم. و أما في الإطلاق الشمولي فإن الاستيعاب و الشمول ليس مدلولا للفظ، بل هو استيعاب المفهوم لجميع الأفراد التي يمكن أن ينطبق عليها استيعابا واقعيا. و بعبارة أخرى: إن الفرق بين العام و المطلق الشمولي في مقام نفس المفهوم هو أن الشمول و الانطباق في العام ملحوظ في المفهوم و مدلول عليه باللفظ. أما في المطلق الشمولي فالانطباق غير ملحوظ، بل إن المفهوم هو الملحوظ، أما الانطباق فهو انطباق واقعي. و أما الفرق بين العام و الإطلاق الشمولي من ناحية شمول الحكم للأفراد التي-

6

و دلالة الكلام على استيعاب تفترض عادة دالّين:

أحدهما: يدلّ على نفس الاستيعاب، و يسمّى بأداة العموم.

و الآخر: يدلّ على المفهوم المستوعب لأفراده، و يسمّى بمدخول الأداة.

____________

تنطبق عليها الطبيعة فهو أنه لو قال المولى: أكرم كل عالم، نجد أن كلمة (كل) تدل على شمول و استيعاب مفهوم العالم لأفراده، بحيث لوحظ انطباق العالم على كل فرد منه، أي: أن كلمة (كل) موضوعة لإفادة الاستيعاب و الشمول بالنسبة لأفراد مدخولها، و الحكم في مقام الجعل يتعلق بكل فرد فرد من خلال أن هذه الأفراد ملحوظة بلحاظ الطبيعة، لأن الطبيعة لوحظت منطبقة على أفرادها. و بتعبير آخر: إن الطبيعة لوحظت مرآة للأفراد. هذا في العموم. و أما إذا قال المولى: أكرم العالم، أن المطلق- و هو كلمة (العالم) المأخوذة موضوعا في المثال- لا تدل على أكثر من الطبيعة غير المقيدة، و الحكم في مقام الجعل يتعلق بهذه الطبيعة، و ليس له تعدد في هذا المقام. و أما شمول الحكم لجميع الأفراد فهو ناتج من تحليل العقل، فما دام وجوب الإكرام- في مقام الجعل- علق على فرض العالم في الخارج، و التعليق على هذا الفرض يدل على أن تحقق الموضوع يمثل الوعاء لثبوت الحكم، و لهذا فكلما ينطبق العالم على فرد يكون هذا الفرد موضوعا لفعلية وجوب الإكرام، و هذا يعني أن الحكم الواحد المنشأ ينحل إلى أحكام متعددة بحسب تعدد انطباقات الموضوع، فإذا انطبق العالم على زيد من الناس فإنه يجب إكرامه، و يكون هذا الحكم فعليا بالنسبة إليه، و إذا انطبق العالم على بكر فإنه يجب إكرامه، و يكون الحكم فعليا بالنسبة إليه، و كذلك لو انطبق العالم على عمرو فإنه يجب إكرامه أيضا، و يكون الحكم فعليا بالنسبة إليه، ففي مقام الفعلية يكون الحكم شاملا للأفراد المتحققة، و هذا الانطباق الحقيقي للطبيعة في الواقع على أفرادها يكون سببا لتعدد الحكم، فالكلام- في المثال أعلاه- يدل على جعل الحكم المعلق على الطبيعة بلا قيد، و لكن في مرحلة انطباق الموضوع على أفراده- أي: في مرتبة المجعول- يتعدد هذا الحكم الواحد و بتحليل من العقل حسب تعدد أفراد الموضوع. و من المفروض أن يبيّن المصنف (رحمه الله) الفرق بين العالم و المطلق الشمولي- في مقام نفس المفهوم، لأن البحث حول تعريف العموم الذي يكون مدلولا للفظ المفرد، و هو الأداة، لا في مقام شمول الحكم للأفراد التي ينطبق عليها المفهوم، و على كل حال لأجل إخراج الإطلاق الشمولي قيّد المصنف (رحمه الله) الاستيعاب ب (المدلول عليه باللفظ)

7

ففي قولنا: (أكرم كلّ فقير)، الدالّ على الاستيعاب كلمة (كلّ)، و الدالّ على المفهوم المستوعب لأفراده كلمة (فقير).

و أداة العموم الدالّة على الاستيعاب: تارة تكون اسما و تدلّ على الاستيعاب بما هو مفهوم اسمي، كما في (كلّ) و (جميع). و أخرى تكون حرفا و تدلّ عليه بما هو نسبة استيعابية، كما في لام الجمع في قولنا: (العلماء) بناء على أنّ الجمع المعرّف باللام يدل على العموم، فإنّ أداة العموم فيه هي اللام، و اللام حرف، فإذا دلّت على الاستيعاب فهي إنّما تدل عليه بما هو نسبة (1). و سيأتي تصوير ذلك إن شاء الله تعالى.

ثمّ إنّ العموم ينقسم إلى: الاستغراقي، و البدلي، و المجموعي، لأنّ الاستيعاب لكلّ أفراد المفهوم يعني مجموعة تطبيقاته على أفراده، و هذه التطبيقات: تارة تلحظ عرضية، و أخرى تبادلية، فالثاني هو البدلي، و الأول إن لوحظت فيه عناية وحدة تلك التطبيقات فهو المجموعي، و إلّا فهو عموم استغراقي‏ (2).

____________

(1) فإذا كان الدال على العموم و الاستيعاب اسما، فإنه يعامل في الجملة معاملة الأسماء بأن يجعل مبتدأ مثلا، كما في: كل إنسان حيوان ف (كل) جعلت مبتدأ في الجملة، فتكون دلالتها على الاستيعاب من قبيل المعاني الاسمية الاستقلالية، فتدل على مفهوم الاستيعاب بالنسبة لأفراد المستوعب. و إذا كان الدال على العموم حرفا، كما في: أكرم العلماء، فتدل أداة العموم المتمثلة بلام التعريف الداخلة على الجمع على الاستيعاب بنحو المعنى الحرفي، و الذي هو النسبة الاستيعابية بين المفهوم (المستوعب) و بين أفراده (المستوعبة)

(2) ينقسم العموم إلى ثلاثة أقسام: الأول: العام الاستغراقي، و هو أن يكون الحكم فيه متعلقا بجميع الأفراد في عرض واحد، مثل: أكرم جميع العلماء، حيث يختص الحكم بكل فرد في عرض- ثبوته لسائر الأفراد، فيتعدد الحكم تبعا لتعدد الأفراد.

الثاني: العالم البدلي، و هو أن يكون الحكم فيه متعلقا بجميع الأفراد لا في عرض واحد، مثل: أكرم أي عالم شئت، فيتعلق الحكم بكل فرد على نحو البدل عن بقية الأفراد. الثالث: العالم المجموعي، و هو أن يكون الحكم فيه متعلقا بجميع الأفراد بما هي مركبة، كما في: أكرم مجموع العلماء، فيتعلق بجميع الأفراد، بحيث تلاحظ هذه الأفراد كمركب واحد يثبت له الحكم، و يكون كل فرد من أفراد المفهوم جزءا من المركب. و قد اختلف الأصوليون في أن هذه الأقسام الثلاثة للعموم هل هي أقسام لنفس العام؟ أو أنها أقسام لكيفية تعلق الحكم بأفراد العام؟ و تكون أوصافا لنفس العام بالعرض‏

8

و قد يقال: إنّ انقسام العموم إلى هذه الأقسام إنّما هو في مرحلة تعلّق الحكم به، لأنّ الحكم إن كان متكثرا بتكثّر الأفراد فهو استغراقي. و إن كان واحدا و يكتفى في امتثاله بأيّ فرد من الأفراد فهو بدلي. و إن كان يقتضي الجمع بين الأفراد فهو مجموعي‏ (1).

____________

(1) حيث يرى صاحب الكفاية (رحمه الله) أن العام- و هو المفهوم المستوعب لجميع أفراده- واحد لا يتعدد باختلاف هذه الأقسام، و لكن كيفية تعلق الحكم بالمعنى العام هي التي تتبدل، فقد يتعلق الحكم بكل فرد فرد للمفهوم، بحيث يكون ثابتا لكل فرد بخصوصه، مثل: أكرم جميع العلماء، فالحكم بوجوب الإكرام يكون ثابتا لكل فرد من أفراد طبيعة العلماء، و بتعبير الأصوليين المتأخرين: كل فرد يمثل موضوعا للحكم في عرض موضوعية بقية الأفراد. و تنسب هذه الاستغراقية بالعرض لمتعلق الحكم (العام)، و يسمى العام الاستغراقي.

و قد يتعلق الحكم بفرد غير معين من أفراد المفهوم المستوعب، و يكون ثبوت الحكم حينئذ ثبوتا بدليا، ففي مثل: أكرم أي عالم، يكون وجوب الإكرام ثابتا للفرد الأول على نحو البدل عن بقية الأفراد، و كذلك للفرد الثاني إلى آخر فرد من أفراد (العالم). و بحسب تعبير الأصوليين المتأخرين: إن الحكم يثبت لكل فرد،- و لكن لا في عرض واحد مع موضوعية الفرد الآخر للحكم، لأنه لو فرض ثبوت الحكم بوجوب الإكرام لزيد العالم، لا يثبت هذا الحكم لعمرو العالم، كما لا يثبت لبقية أفراد طبيعة العالم، و بعبارة أخرى: إن كل فرد يكون بديلا عن الأفراد الأخرى في مقام ثبوت الحكم. أي يجب إكرام زيد العالم، أو عمرو العالم، أو بكر العالم بنحو البدلية و الترديد. و قد يتعلق الحكم بجميع أفراد الطبيعة التي تلحظ كمركب واحد، و يمثل كل فرد من الطبيعة جزءا لهذا الموضوع المركب، كما في: أكرم مجموع العلماء، حيث إن وجوب الإكرام، يثبت لأفراد طبيعة العالم بما هي موضوع مركب. فيظهر مما تقدم أنه لا يمكن لحاظ الاستغراقية أو البدلية أو المجموعية للعام بغض النظر عن الحكم، مما يعني إن الاستغراقية هي تعلق الحكم بكل فرد من أفراد العالم بخصوصه. و إن البدلية هي تعلق الحكم بكل فرد من العام على سبيل البدل عن بقية الأفراد. و إن المجموعية فهي تعلق الحكم بكل فرد من حيث إنه جزء من المجموع المركب من جميع الأفراد، تفكيكية تعلق الحكم بالأفراد هي التي تختلف من حالة إلى أخرى‏

9

و لكنّ الصحيح: أنّ هذا الانقسام يمكن افتراضه يقطع النظر عن ورود الحكم، لوضوح الفرق بين التصورات التي تعطيها كلمات من قبيل: (جميع العلماء)، و (أحد العلماء)، و (مجموع العلماء)، حتّى لو لوحظت بما هي كلمات مفردة و بدون افتراض حكم، فالاستغراقية و البدلية و المجموعية تعبّر عن ثلاث صور للعموم ينسجها ذهن المتكلّم وفقا لغرضه، توطئة لجعل الحكم المناسب عليها (1).

____________

(1). و يرد السيد الشهيد (رحمه الله) على رأي صاحب الكفاية (رحمه الله) بأنه لو رجعنا إلى هذه العمومات و من دون التفات إلى تعلق الحكم بها نجد أن الوجدان يقضي باختلاف المعنى المتصور من كل واحد منها عن الآخر،: فثمة فرق بين (جميع العلماء) و التي تفيد العموم الاستغراقي، و بين (أي عالم) التي تفيد العموم البدلي، و بين (مجموع العلماء) التي تفيد العموم المجموعي، و هذا الاختلاف ثابت لهذه العبارات بقطع النظر عن الحكم. و من هذا الاختلاف في المعاني المتصورة للحالات الثلاث نكتشف أن-

10

نحو دلالة أدوات العموم.

لا شكّ في وجود أدوات تدلّ على العموم بالوضع، ككلمة (كلّ)، و (جميع)، و نحوهما من الألفاظ الخاصّة بإفادة الاستيعاب، غير أنّ النقطة الجديرة بالبحث فيها و في كلّ ما يثبت أنّه من أدوات العموم هي أنّ إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدخول الأداة- أي (عالم) مثلا في قولنا: (أكرم كلّ عالم)- هل يتوقّف على إجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في المدخول، أو أنّ دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن قرينة الحكمة، و تتولّى الأداة نفسها دور تلك القرينة؟

____________

الاستغراقية و البدلية و المجموعية وصفا لتعلق الحكم بل قسمان منها لنفس العموم، حيث قد تلحظ الطبيعة منطبقة و موجودة في كل فرد فرد، فيكون انطباقها على فرد في عرض انطباقها على بقية الأفراد، و هذا النحو من الانطباق يمسى بالعموم الاستغراقي. و قد تلحظ الطبيعة الموجودة في فرد واحد منطبقة على الفرد الأول، أو الفرد الثاني، أو الفرد الثالث، و هكذا إلى آخر الأفراد، فيكون انطباقها على الأفراد بدليا، أي إنها في ظرف انطباقها على فرد ما لا تنطبق على غيره من الأفراد، و هذا النحو من الانطباق يسمى بالعموم البدلي، فالطبيعة موجودة في كل فرد، لكن لحاظ هذه الطبيعة في الأفراد يختلف، فتارة تلحظ الطبيعة الموجودة في كل الأفراد، أي أن كل الأفراد التي تمثل وجودا للطبيعة تلحظ من خلال ملاحظة هذه الطبيعة، فالعام يكون استغراقيا، و تارة تلحظ الطبيعة الموجودة في فرد واحد منطبقة على أحد الأفراد دون ان يتوقف انطباقها عند ذلك الفرد بل ينتقل منه إلى الطبيعة الموجودة في الفرد الثاني، و هكذا، فإذا كان الملحوظ هو الطبيعة في فرد ما بما هي مرآة إلى هذا الفرد، أو ذاك الفرد، أو الفرد الثالث، فالعام يكون بدليا. و الفرق بينهما في مقام الانطباق و التحقق في الأفراد، فإذا لوحظت الطبيعة منطبقة على كل فرد فالانطباق و التحقق يكون استغراقيا، و إذا لوحظت الطبيعة في فرد ما منطبقة على الفرد الأول أو الثاني، و هكذا، فالانطباق و التحقق يكون بدليا، و هذا البيان مبني على تعريف المشهور للعموم. أما المجموعية فليست وصفا لنفس العموم، بل تحصل المجموعية للعموم باعتبار وجود عناية زائدة و هي النظر إلى الأفراد، بشكل مركب واحد. فهذه الأقسام الثلاثة-

11

و ظاهر كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) أنّ كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية، لأنّ أداة العموم إذا كانت موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول تعيّن الوجه الأول، لأنّ المراد بالمدخول لا يعرف حينئذ من ناحية الأداة، بل من قرينة الحكمة. و إذا كانت موضوعة لاستيعاب تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه تعيّن الوجه الثاني، لأنّ مفاد المدخول صالح ذاتا للانطباق على تمام الأفراد، فيتمّ تطبيقه عليها فعلا بتوسّط الأداة مباشرة. و قد استظهر- بحقّ- الوجه الثاني‏ (1).

____________

للعموم تمتاز حسب رأي السيد الشهيد (رحمه الله) بما يلي:

أولا: إن الاستغراقية و البدلية و المجموعية ليست أوصافا لكيفية تعلق الحكم بأفراد الطبيعة التي تعمها، كما يقول صاحب الكفاية (رحمه الله).

ثانيا: إن الاستغراقية و البدلية وصفان للعموم، و أما المجموعية فليست وصفا للعموم، بل إن العموم المجموعي في حقيقته هو عموم استغراقي، و لكن الأفراد لوحظت من خلال الطبيعة كمجموعة واحدة، بحيث يكون كل فرد جزءا لتلك المجموعة. فالمجموعية- إذن- وصف للعموم الاستغراقي باعتبار هذا اللحاظ الزائد، فلو لا هذه العناية الزائدة لما كان العموم متصفا بالمجموعية.

و هذه الصور الثلاث للعموم (الاستغراقية، البدلية، المجموعيّة) يتصورها الإنسان بحسب اختلاف غرضه من كل واحد منها، فيتصورها في ذهنه تمهيدا لجعلها موضوعا لحكمه. نحو دلالة أدوات العموم‏

(1) لهذا البحث أهمية كبيرة، و تترتب عليه ثمرة فقهية مهمة نظهر في باب التعارض، و يتمثل في أن أدوات العموم هل تدل على استيعاب و شمول جميع ما ينطبق عليه مدخولها بنفسها، أو أن دلالتها على استيعاب تمام ما ينطبق عليه المدخول تتوقف على إجراء مقدمات الحكمة. فالآخوند صاحب الكفاية (رحمه الله) يرى أنه يوجد وجهان من الناحية النظرية. الوجه الأول: و هو توقف الدلالة على إجراء مقدمات الحكمة، و هذا الوجه اختاره المحقق النائيني (رحمه الله).

و هذا الوجه يأتي عند ما تدل أداة العموم على استيعاب ما يراد من المدخول-

12

____________

لتمام ما يصلح للانطباق عليه، و المراد مما يراد من المدخول هو المدخول من حيث‏إنه طرف للمراد الجدي المتمثل في الحكم الواقعي. و بعبارة أخرى ما يلحظ من المدخول عند تعلق المراد الجدي به. و المدخول في هذا المقام إما أن يلحظ مطلقا، أو مقيدا، و لا بد من إجراء مقدمات الحكمة لتعيين أن المدخول مطلق في مقام جعل الحكم الواقعي، و ليس مقيدا.

الوجه الثاني: أن دلالة أداة العموم علي استيعاب المدخول لتمام ما يصلح للانطباق عليه لا تحتاج إلى مقدمات الحكمة. و هذا الوجه يأتي عند ما نلتزم بأن أداة العموم تدل على استيعاب المدخول بما له من المعنى الموضعي لتمام ما يصلح للانطباق عليه. و الشيخ الآخوند (رحمه الله) يرى أن كلا من هذين الوجهين محتمل من الناحية النظرية، فكما أن دلالة الأداة على العموم يمكن أن تتوقف على إجراء مقدمات الحكمة، فكذلك يمكن أن لا تتوقف على مقدمات الحكمة.

أما في مقام الإثبات فإن دلالة الأداة على العموم لا تتوقف على مقدمات الحكمة ... و السيد الشهيد (رحمه الله) يرى أن الحق مع الشيخ الآخوند (رحمه الله) و ليس مع الميرزا النائيني (رحمه الله)*.

(*) و في كلام المحقق النائيني احتمالان:

الاحتمال الأول: أن أداة العموم تدل على استيعاب ما يراد من المدخول لجميع أفراده، و يستدل عليه بأن الأداة لا تدل على استيعاب المدخول بما له من المعنى الوضعي لتمام ما ينطبق عليه، لأن المعنى الوضعي للمدخول هو الطبيعة المهملة، و هذه الطبيعة تمثل قدرا جامعا بين الطبيعة لمطلقة- التي تصلح للانطباق على جميع أفرادها- و الطبيعة بشرط لا، التي هي مجردة عن الخصوصيات الخارجية، و هي التي لا تصلح للانطباق على أفرادها، و الطبيعة بشرط شي‏ء و هي التي تصلح للانطباق على أفرادها، و القدر الجامع بين ما ينطبق و ما لا ينطبق لا يصلح للانطباق على الأفراد، و إذا لم تكن الطبيعية صالحة للانطباق على جميع الأفراد، فإن أداة العموم لا تدل على استيعاب الطبيعة لأفرادها، لأن استيعاب الأفراد متفرع على صلاحية الانطباق على الأفراد، و من ثم فلا بد أن يكون العموم باعتبار ما يراد من المدخول، هذا من ناحية. و من ناحية أخرى، فإن أداة

13

____________

(11- 1) العموم لا تقتضي أن يكون المدخول مطلقا أو مقيدا.

فمن هاتين الناحيتين يحتمل أن يكون المراد من المدخول هو المطلق، فالأداة تدل على عموم المطلق لأفراده، و يحتمل أن يكون المراد هو المقيد، فالأداة تدل على عموم المقيد لجميع أفراده، و لنفي المقيد و تعيين المطلق في المدخول نجري مقدمات الحكمة. و مما تقدم يظهر أن دلالة أداة العموم على الاستيعاب تتوقف على إجراء مقدمات الحكمة، لأن الاستيعاب المدلول للأداة يتحول من المعنى الوضعي للمدخول إلى ما يرد من المدخول. بفضل البرهان السابق. و المقصود بما يراد من المدخول هو المدخول من حيث إنه طرف للمراد الجدي المتمثل في الحكم الواقعي. و بعبارة أخرى: ما يلحظ من المدخول في مقام جعل الحكم الواقعي، و الملحوظ من المدخول في مقام الجعل إما مطلق أو مقيد، و لتحديد أن المدخول مطلق و ليس مقيدا نحتاج إلى إجراء مقدمات الحكمة.

الاحتمال الثاني: و هو استفادة شمول و استيعاب الحكم الواقعي للأفراد بواسطة إجراء مقدمات الحكمة في مدخول الأداة. و يستدل عليه بأن للكلام مدلولين: مدلول تصوري، و مدلول تصديقي، فالمدلول التصوري لهيئة (أكرم) في مثل: أكرم كل عالم- مثلا- هو وجوب الإكرام، و هذه الجملة تدل على تعلق وجوب الإكرام بجميع الأفراد التي تنطبق عليها طبيعة العالم، فتكون هذه الأفراد موضوعا لوجوب الإكرام. و هذا المدلول التصوري لا يكفي لتحديد الأفراد التي تكون موضوعا للمراد الجدي للجملة (المدلول التصديقي)، و هو وجوب الإكرام الواقعي الذي اعتبره المتكلم و جعله في عالم نفسه، فكلمة (العالم) تدل على طبيعة العالم المهملة، و كلمة (تدل) على الأفراد التي تستوعبها هذه الطبيعة المهملة، هذا في مرحلة المدلول التصوري، و لا يمكن أن يتعلق المراد الجدي للمتكلم- و الذي يمثل مرحلة المدلول التصوري. و لا يمكن أن يتعلق المراد الجدي للمتكلم- و الذي يمثل مرحلة المدلول التصديقي- و لا يمكن أن يتعلق المراد الجدي للمتكلم- و الذي يمثل مرحلة المدلول التصديقي- بأفراد طبيعة العالم المهملة المستوعبة لهذه الأفراد، لأن من غير الممكن تصور أن المولى- في مقام الثبوت و واقع الحكم- لاحظ المدخول مهملا غير مفيد و لا مطلق، أما بناء على رأي السيد الشهيد (رحمه الله) فلأن بين الإطلاق و التقييد في مقام الثبوت و واقع الحكم تقابل التناقض، فافتراض أن الطبيعة لوحظت مهملة في مقام الجعل يستلزم ارتفاع النقيضين. و أما بناء على رأي السيد الخوئي (رحمه الله) فلأنه يعني أن المتكلم لا يعرف هل إن للقيد دخلا في مراده الجدي أم لا، و هذا يستلزم أن لا يصدر منه الحكم، و هذا خلف-

14

____________

(11- 1)- فرض صدور الحكم من المولى.

و لهذا فلا بد أن تلحظ الطبيعة مطلقة أو أن تلحظ مقيدة في مقام الجعل، فإذا لوحظت طبيعة العالم مطلقة فهذا يعني أن المتكلم في مقام الجعل، اعتبر وجوب الإكرام الواقعي للطبيعة من دون قيد، و إذا لوحظت هذه الطبيعة مفيدة فوجوب الإكرام الواقعي اعتبر للطبيعة المقيدة، و بإجراء مقدمات الحكمة يثبت أن الطبيعة المطلقة هي الموضوع للحكم الواقعي لا الطبيعة المقيدة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى فإن وجوب الإكرام في مرحلة المدلول التصوري يتعلق بجميع ما تنطبق عليه الطبيعة المهملة من جهة دلالة أداة العموم على استيعاب هذه الطبيعة لجميع أفرادها.

و بعد أن تبيّن (أن الحكم الواقعي متعلق بالطبيعة المطلقة ببركة مقدمات الحكمة، و أن مفهوم الحكم متعلق بأفراد تلك الطبيعة ببركة دلالة أداة العموم على الاستيعاب) يثبت الحكم الواقعي لجميع ما تنطبق عليه الطبيعة المطلقة، لأن الحكم في مرحلة المدلول التصوري عند ما يتعلق بجميع أفراد مدخول الأداة يكشف عن أن الحكم الواقعي متعلق بجميع أفراد الطبيعة المطلقة من باب أصالة التطابق بين مقام الإثبات و الثبوت.

فعلى أساس هذا الاحتمال تكون أداة العموم دالة على استيعاب المدخول لجميع ما يصلح للانطباق عليه في مرحلة المدلول التصوري لكلام. لكن هذه الدلالة له تكفي لاستيعاب المراد الجدي (الحكم الواقعي) بجميع أفراد المدخول، و لذلك نجري مقدمات الحكمة حتى يثبت ان الطبيعة المطلقة طرف للحكم الواقعي، و بأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الثبوت يتعلق الحكم الواقعي بجميع أفراد المدخول، خلافا للاحتمال الأول، إذ أن دلالة الأداة على الاستيعاب متوقفة على تعيين المراد من المدخول من خلال التمسك بمقدمات الحكمة.

و هنا يظهر أن استفادة شمول الحكم الواقعي (المراد الجدي) لجميع أفراد الطبيعة المطلقة تتوقف على إجراء مقدمات الحكمة و أداة العموم معا.

و يرد السيد الشهيد (رحمه الله) على الاحتمال الأول في كلام الميرزا النائيني (رحمه الله) برد حلي، حيث إن الطبيعة المهملة هي الطبيعة الملحوظة في اللابشرط القسمي.

و الفرق بينهما بالاعتبار، كما تقدم. و الطبيعة في اللابشرط القسمي تكون مطلقة بالحمل الشائع، بمعنى أن الإطلاق ليس قيدا فيها، بل هو خصوصية تكوينية للحاظ.

15

____________

(11- 1) و عندئذ فإما أن يكون المدخول قد استعمل في المقيد، أو في الطبيعة المهملة التي لوحظت مطلقة.

و الأول مردود بأصالة الحقيقة، لأن المعنى الحقيقي للمدخول هو الطبيعة المهملة التي لوحظت مطلقة بالحمل الشائع، باعتبار أن الإطلاق صفة تكوينية (واقعية) للحاظ هذه الطبيعة، و ليس قيدا للطبيعة الملحوظة في اللابشرط القسمي حتى يمنع من انطباقها على جميع الأفراد، فمن ناحية نجد أن المدخول لم يستعمل في المعنى المقيد، بحيث يمنع من الانطباق على جميع الأفراد. و من ناحية ثانية نلاحظ أن إطلاق معنى المدخول في الذهن يمثل خصوصية واقعية للحاظ المعنى، و ليس قيدا فيه حتى يمنع من انطباقه على جميع الأفراد. و من هاتين الناحيتين يتبيّن أن لا مانع من انطباق المعنى على جميع الأفراد، و من ناحية ثالثة نلاحظ أن الطبيعة المهملة قابلة بنفسها للانطباق على جميع الأفراد، و من ثم تدل أداة العموم على انطباق المعنى على جميع الأفراد، و هكذا تقوم الأداة بدور مقدمات الحكمة في إسراء الحكم على جميع الأفراد، فلا حاجة إلى مقدمات الحكمة في ذلك.

و يرد على الاحتمال الثاني في كلام الميرزا (رحمه الله) كما في البحوث، بأن دخول أداة العموم على الطبيعة كاف لاستفادة عموم الحكم إلى جميع أفراد المدخول، و لا نحتاج إلى مقدمات الحكمة لإثبات ذلك، و تقدم قبل بيان هذا الوجه بما ذكرناه سابقا؛ من أن حال المتكلم قد يكون ظاهرا في أن: (كل ما يقوله يريده) و ذلك في قاعدة احترازية القيود، و قد يكون ظاهرا في أن: (كل ما لم يقله لا يريده) و ذلك في مقدمات الحكمة، و بناء على هذين الظهورين يفرق بين جملة: أكرم العالم، و بين جملة: أكرم كل عالم، فالمدلول التصوري لكلمة (العالم) في الجملة الأولى هو طبيعة العالم، و المدلول التصوري ل (أكرم) هو وجوب الإكرام المتعلق بطبيعة العالم، فإذا شككنا في أن قيد العدالة هل له دخل في وجوب الإكرام الواقعي بحيث إنه لا يجب إكرام عالم إلا عدول العلماء، أو إنه يجب إكرام جميع العلماء سواء كانوا عدولا، أم غير عدول- فنتمسك بمقدمات الحكمة لإثبات أن الطبيعة المقيدة غير ملحوظة للمتكلم في مقام الجعل، لأنه لم يذكر في كلامه ما يدل على القيد، فيثبت بذلك أن مراده الجدي هو وجوب الإكرام المتعلق بالطبيعة المطلقة، و هذه الطبيعة غير المقيدة على العالم غير العادل، فيكون مشمولا بالحكم، فوجوب الإكرام الواقعي تعلق بطبيعة العالم، و لو

16

____________

(11- 1) كانت هذه الطبيعة ملحوظة للمتكلم مقيدة في مقام الجعل لكان عليه أن يذكر في كلامه ما يدل على القيد، فما دام لم يذكر القيد فهو لا يريده، أي لم يلحظه في مقام الجعل، لأن الإطلاق الإثباتي- و هو عدم ذكر القيد- كاشف عن الإطلاق الثبوتي- و هو عدم لحاظ القيد- كما تقدم في بحث الإطلاق و التقييد.

و أما الجملة الثانية و هي: أكرم كل عالم، فالمدلول التصوري لها هو وجوب الإكرام المتعلق بجميع ما ينطبق عليه المدخول، و الذي هو طبيعة العالم المهملة، و أما المدلول التصديقي الجدي لها فهو وجوب الإكرام الواقعي الذي اعتبره المتكلم و أبرزه من خلال هذه الجملة، و لكن هل أن هذا الوجوب الواقعي تعلق بجميع أفراد الطبيعة المطلقة بالحمل الشائع، أو أنه تعلق ببعض الأفراد فقط، فالمتكلم في مقام الإثبات- و الذي يتمثل في الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى- لاحظ الأفراد غير العدول من العلماء من خلال لحاظ جميع الأفراد لطبيعة المطلقة فتكون جزءا مما قاله المتكلم، لأن أفراد العلماء المقيدة بعدم العدالة تكون مدلولا تضمنيا للفظ، فإذا شككنا في أن لقيد العدالة دخلا في المراد الجدي و بذلك يخرج العلماء غير العدول عن الحكم، نتمسك بظهور حاله في: أن ما يقوله يريده، لنفي دخل القيد في مراده، فالمتكلم قد نص في كلامه على إكرام جميع العلماء بما فيهم غير العدول منهم، فلو فرض أن للعدالة دخلا في المراد الجدي، فهذا يعني عدم شمول الحكم الواقعي للعلماء غير العدول، مع أن المتكلم قال بوجوب إكرام الكل، و لهذا فلو لم يرد المتكلم الكل فهذا خلاف ظهور حاله في: أن ما يقوله يريده. و لذلك فمجرد دخول أداة العموم على الطبيعة كاف لإثبات شمول الحكم لجميع أفراد الطبيعة و أن القيد ليس له دخل في المراد الجدي، دون الحاجة إلى التمسك بمقدمات الحكمة لنفي دخل القيد في المراد الجدي للمتكلم. و من هنا نعرف الفرق بين الإطلاق الشمولي و العموم فإن شككنا أن للقيد- كالعدالة دخلا في المراد الذي للمتكلم أم لا، فالأفراد الفاقدة لهذا القيد تكون ملحوظة في الموضوع من خلال دلالة أداة العموم، و تكون هذه الأفراد الفاقدة للقيد مدلولا تضمنيا للموضوع، فتدخل في ظهور حال المتكلم بأن ما يقوله يريده، فيثبت أن المراد الجدي (الحكم الواقعي) متعلق بجميع أفراد الطبيعة، سواء كانت متصفة بالقيد- المشكوك دخله- أو غير متصفة به. أما في الإطلاق فلو شككنا هل إن لقيد العدالة دخلا في المراد الجدي أم لا، نتمسك بظهور حال المتكلم في أن كل ما لم يقله لا يريده؛ لإثبات أن المراد الجدي هو المطلق، حيث إن الأفراد الفاقدة لهذا القيد ليست ملحوظة في الموضوع للمراد الجدي، بل إن الطبيعة تنطبق عليها كما تنطبق على الكل، و لو كانت هي الملحوظة لكان على المتكلم أن يذكر القيد و ما دام المتكلم لم يذكر القيد (لم يقله)، فهذا يدل على عدم دخل القيد في مراده الجدي (لا يريده)، فيثبت أن الملحوظ في المراد الجدي هو المطلق‏

17

و قد يبرهن على إبطال الوجه الأوّل ببرهانين:

البرهان الأول: لزوم اللّغوية منه، كما تقدّم توضيحه في الحلقة السابقة (1).

و لكنّ التحقيق عدم تمامية هذا البرهان، لعدم لزوم لغويّة وضع الأداة للعموم من قبل الواضع، و لا لغويّة استعمالها في مقام التفهيم من قبل المتكلّم، و ذلك لأنّ العموم و الإطلاق ليس مفادهما مفهوما و تصورا شيئا واحدا، فإنّ أداة العموم‏

____________

(1). و هذا البرهان للسيد الخوئي (رحمه الله) حيث أشكل على ما اختاره المحقق النائيني (رحمه الله) بأنه لو كانت دلالة أداة العموم على استيعاب المدخول لتمام ما يصلح للانطباق عليه في مقام الجعل متوقفة على إجراء مقدمات الحكمة في المدخول، فلا حاجة لوضع أداة العموم لاستيعاب المدخول لتمام أفراده، كما لا حاجة لأن يستعمل المتكلم أداة العموم لإخطار و تفهيم استيعاب المدخول لجميع الأفراد، لأن مقدمات الحكمة تثبت شمول الطبيعة لجميع ما تنطبق عليه، فلا داعي- حينئذ- لوضع أداة العموم لإفادة الاستيعاب، كما أن المتكلم يستغني في مقام الاستعمال على الإتيان بأداة العموم في الجملة لإخطار و تفهيم استيعاب الطبيعة لجميع ما تنطبق عليه، طالما يمكن إثبات الاستيعاب و الشمول بإجراء مقدمات الحكمة في المدخول. و كذلك فإن الإتيان بأداة العموم لا يفيد تأكيد المعنى الذي يستفاد من مقدمات الحكمة، لأن التأكيد يحصل عند ما تكون دلالة الأداة على الاستيعاب مستقلة عن مقدمات الحكمة حتى يتوارد الدالان على مدلول واحد، و الحال أن دلالة أداة العموم تتوقف على دلالة مقدمات الحكمة

18

مفادها الاستيعاب و إراءة الأفراد في مرحلة مدلول الخطاب، و أمّا قرينة الحكمة فلا تفيد الاستيعاب، و لا تري الأفراد في مرحلة مدلول الخطاب، بل تفيد نفي الخصوصيات و لحاظ الطبيعة مجرّدة عنها، فالتكثّر ملحوظ في العموم، بينما الملحوظ في الإطلاق ذات الطبيعة، و هذا يكفي لتصحيح الوضع حتّى لو لم ينته إلى نتيجة عملية بالنسبة إلى الحكم الشرعي، لأنّ الفائدة المترقّبة من الوضع إنّما هي إفادة المعاني المختلفة. و كذلك يكفي لتصحيح الاستعمال، إذ قد يتعلّق غرض المستعمل بإفادة التكثّر بنفس مدلول الخطاب‏ (1).

____________

(1) يرد السيد الشهيد (رحمه الله) على البرهان المتقدم: بأن مدلول اللفظ المتحقق بواسطة مقدمات الحكمة يختلف عن المدلول الذي تفيده أداة العموم، فمقدمات الحكمة تدل على أن الطبيعة غير المقيدة هي الموضوع للحكم، فلفظ (العالم) في مثل: أكرم العالم، يدل بمعونة مقدمات الحكمة على أن تمام الموضوع لوجوب الإكرام هو طبيعة العالم غير المقيدة، أي إن المدلول اللفظي لكلمة (العالم) هو طبيعة العالم المهملة، و يثبت أنها تمام الموضوع للمراد الجدي للمتكلم من دون قيد من خلال إجراء مقدمات الحكمة في الموضوع. و أما كلمة (كل) فتدل على استيعاب الطبيعة لتمام الأفراد التي تنطبق عليها، أي أن الطبيعة لوحظت منطبقة على جميع أفرادها، فالمدلول اللفظي لأداة العموم و هو انطباق الطبيعة على جميع أفرادها، يختلف عن المدلول اللفظي للموضوع الذي يتمثل في لحاظ الطبيعة بلا قيد- أي لحاظها مطلقة- و نتيجة هذا الاختلاف بين مدلولي الكلمتين، فإنه يوجد ما يبرر وضع الأداة لاستيعاب الطبيعة لما تنطبق عليه، لأن الغرض من الوضع هو تفهيم المعاني و إيصالها إلى المخاطب، و ما دام معنى الأداة يختلف عن المعنى المستفاد من اللفظ بمعونة قرينة الحكمة، فيمكن أن توضع الأداة للمعنى المغاير لما يستفاد من اللفظ بقرينة الحكمة لأجل إخطاره في ذهن السامع، فكلمة (كل) توضع لإفادة استيعاب الطبيعة لجميع ما تنطبق عليه، و بهذا يخرج وضع أداة العموم عن اللغوية.

و كذلك لو كان المتكلم في مقام الاستعمال، فلا يكون استعماله لأداة العموم لغوا، فلو قال المتكلم: أكرم كل على، و كان مصب الحكم هو جميع الأفراد، فإن-

19

البرهان الثاني: أنّ قرينة الحكمة ناظرة- كما تقدّم في بحث الإطلاق- إلى المدلول التصديقيّ الجدّي، فهي تعيّن المراد التطبيقي، و لا تساهم في تكوين المدلول التصوري. و أداة العموم تدخل في تكوين المدلول التصوريّ لكلام، فلو قيل بأنّها موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول الذي تعيّنه قرينة الحكمة- و هو المدلول التصديقي- كان معنى ذلك ربط المدلول التصوريّ للأداة بالمدلول التصديقيّ لقرينة الحكمة، و هذا واضح البطلان، لأنّ المدلول التصوريّ لكلّ جزء من الكلام إنّما يرتبط بما يساويه من مدلول الأجزاء الأخرى، أي بمدلولاتها التصورية، و لا شكّ في أنّ للأداة مدلولا تصوّريا محفوظا حتى لو خلا الكلام الذي وردت فيه من المدلول التصديقي نهائيا- كما في حالات الهزل- فكيف يناط مدلولها الوضعيّ بالمدلول التصديقي‏ (1)؟

____________

الغرض من استعمال كلمة (كل)- في هذه الحال- هو تفهيم أن جميع أفراد طبيعة العالم هي الموضوع لوجوب الإكرام. و هذا على خلاف كلمة (العالم) في مثل:

أكرم العالم، التي يستعملها المتكلم لتفهيم أن الطبيعة هي الموضوع لوجوب الإكرام، و بإجراء مقدمات الحكمة يستفاد أن الحكم ثابت للطبيعة المنطبقة على جميع أفرادها أي أنه ثابت للطبيعة غير المقيدة بقيد، فالنتيجة في الحالتين و إن كانت واحدة، إلا إن شيوع الحكم لجميع الأفراد باستعمال أدوات العموم يكون مباشرا، و أما شيوعه في أفراد الطبيعة بمعونة إجراء مقدمات الحكمة في الموضوع فيكون بصورة غير مباشرة، و المتكلم قد يتعلق غرضه بإفادة أن الأفراد هي المصب للحكم بصورة مباشرة فيستعمل أداة العموم لإفادة هذا المعنى، و قد يتعلق غرضه بتفهيم أن الأفراد تمثل مصبا للحكم و لكن بصورة غير مباشرة نتيجة لإجراء مقدمات الحكمة في الموضوع، فيستعمل اللفظ بلا قيد لإفادة هذا المعنى. فلا يكون استعمال المتكلم لأداة العموم لغوا

(1) و هذا البرهان للسيد الشهيد (رحمه الله)، فما ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) من أن دلالة الأداة على العموم متوقفة على إجراء مقدمات الحكمة في المدخول، يشكل عليه بما حوصله: أن المدلول (التصوري) لكلمة (كل) في مثل:

أكرم كل عالم، لو كان مربوطا بإجراء مقدمات الحكمة لإثبات أن ما لوحظ من-

20

العموم بلحاظ الأجزاء و الأفراد:

يلاحظ أنّ كلمة (كلّ)- مثلا- ترد على النكرة فتدلّ على العموم و الاستيعاب لأفراد هذه النكرة. و ترد على المعرفة فتدلّ على العموم و الاستيعاب أيضا، لكنّه استيعاب لأجزاء مدلول تلك المعرفة لا لأفرادها. و من هنا اختلف قولنا: (اقرأ كلّ كتاب) عن قولنا: (اقرأ كلّ الكتاب)، و على هذا الأساس يطرح السؤال التالي:

____________

- الطبيعة في مقام هو طبيعة العالم من دون قيد، و حينئذ كلمة (كل) تدل على أن هذه الطبيعة المطلقة التي هي موضوع للمراد الجدي مستوعبة لجميع أفرادها، و هذا يعني أن المدلول التصوري لكلمة (كل) مربوط بالمدلول التصديقي للكلام، و هذا واضح البطلان.

توضيحه: إن المدلول التصوري لكل كلمة في الجملة مرتبط بالمدلول التصوري لبقية أجزاء الجملة، لا أنه مربوط بالمدلول التصديقي لبقية الأجزاء، فالمدلول التصوري لهيئة (أكرم) في مثل: أكرم كل عالم، هو الوجوب بالمعنى الحرفي الذي يتمثل في النسبة الإرسالية الناشئة من الإرادة الشديدة، و المدلول التصوري لمادة (أكرم) هو الإكرام، فيكون المدلول التصوري ل (أكرم) هو النسبة الإرسالية الناشئة من الإرادة الشديدة المتعلقة بالإكرام، و وجوب الإكرام- هذا- بنحو المعنى الحرفي يكون متعلقا بالمدلول التصوري لكلمة (كل) و هو استيعاب المدخول لجميع ما ينطبق عليه، و المدلول التصوري لكلمة (عالم) هو طبيعة العالم المهملة، التي لا يعقل أن تكون طرفا للمراد الجدي للمتكلم في مقام الثبوت، فلا بد أن تكون الطبيعة مدخولا للأداة بما هي ملحوظة في مقام جعل الحكم الواقعي، فيكون المدلول التصوري لكلمة (كل) و هو الاستيعاب مربوطا بما يلحظ من المدخول في مقام الجعل و هو الطبيعة بلا قيد، و لذلك فالطبيعة المهملة التي تمثل المدلول التصوري لكلمة (عالم) لا ترتبط ببقية المداليل التصورية للألفاظ، و ارتباط المدلول التصوري لكلمة (كل) بالمراد الجدي من المدخول يستلزم: أولا: أنه إذا لم يكن هناك مراد جدي للمتكلم فلا يكون لكلمة (كل) مدلول تصوري، كما لو صدر الكلام من المتكلم غير الجاد. و ثانيا: أن المدلول التصوري لكلمة (عالم) غير مرتبط بالمدلول التصوري لبقية أجزاء الجملة، و كلا هذين اللازمين باطل، لأن المدلول-

21

هل إنّ لأداة العموم وضعين لنحوين من الاستيعاب؟ و إلّا كيف فهم منها في الحالة الأولى استيعاب الأفراد، و في الحالة الثانية استيعاب الأجزاء (1)؟

و قد أجاب المحقق العراقي (رحمه الله) على هذا السؤال: بأنّ (كلّ) تدلّ على استيعاب مدخولها للأفراد، و لكنّ اتّجاه الاستيعاب نحو الأجزاء في حالة كون المدخول معرّفا باللام، من أجل أنّ الأصل في اللام أن يكون للعهد، و العهد يعني تشخيص الكتاب في المثال المتقدّم، و مع التشخيص لا يمكن الاستيعاب للأفراد، فيكون هذا قرينة عامّة على اتّجاه الاستيعاب نحو الأجزاء كلّما كان المدخول معرّفا باللام‏ (2).

____________

- التصوري لكل كلمة محفوظ في الكلام، سواء كان المتكلم في مقام الجد أم لا، كما أنه مرتبط بباقي المداليل التصورية لأجزاء الجملة، و لذلك فلا يحتاج إلى إجراء مقدمات الحكمة حتى تدل أداة العموم على استيعاب ما يراد من المدخول لجميع ما تنطبق عليه، فيثبت صحة الوجه الآخر

(1) يتناول السيد الشهيد (رحمه الله) تحت هذا العنوان بالبحث دلالة أدوات العموم، مثل: (كل) حين تدخل على المعرفة أو على النكرة حيث تدل عند دخولها على المعرفة على الشمول و الاستغراق لتمام الأجزاء مثل: اقرأ كل الكتاب، ذلك أن وجوب القراءة يتعلق بكل جزء من الكتاب. و أما عند دخولها على النكرة فإن أداة العموم تدل على الشمول و الاستغراق الأفرادي، مثل: اقرأ كل كتاب، حيث يتعلق وجوب القراءة بكل فرد من أفراد طبيعة الكتاب.

فالسؤال الذي يطرح في المقام، أن أداة العموم كيف تدل في حالة على الاستغراق الأجزائي، و تدل في حالة أخرى على الاستغراق الأفرادي؟ فهل إنها وضعت مرة للاستغراق الأجزائي، و وضعت بوضع آخر للاستغراق الأفرادي‏

(2) أجاب المحقق العراقي (رحمه الله) عن ذلك بأن أداة العموم لم توضع بوضعين، بل إنها وضعت أساسا للدلالة على الاستغراق الأفرادي، إلا إنها يمكن أن تدل على الاستغراق الأجزائي إذا كانت هناك قرينة تدل على أن المقصود هو تمام أجزاء المدخول، و هذه القرينة هي الألف و اللام العهدية، حيث إن الأصل فيها- أي الألف و اللام- أنها وضعت للدلالة على أمر معهود عند المخاطب، فهي تشير إلى-

22

دلالة الجمع المعرّف باللام على العموم:

قد عدّ الجمع المعرّف باللام من أدوات العموم، و لا بدّ من تحقيق كيفية دلالة ذلك على العموم ثبوتا أوّلا، ثمّ تفصيل الكلام في ذلك إثباتا.

أمّا الأمر الأول: فهناك تصويرات لهذه الدلالة:

منها أن يقال: إنّ الجمع المعرّف باللام يشتمل على ثلاثة دوال:

أحدهما: مادّة الجمع التي تدلّ في كلمة (العلماء) على طبيعيّ العالم.

و الآخر: هيئة الجمع التي تدلّ على مرتبة من العدد لا تقلّ عن ثلاثة من أفراد تلك المادّة.

و الثالث: اللام، و تفترض دلالتها على استيعاب هذه المرتبة لتمام أفراد المادّة، و يكون الاستيعاب مدلولا للّام بما هو معنى حرفيّ و نسبة استيعابية قائمة بين المتسوعب- بالكسر- و هو مدلول هيئة الجمع، و المستوعب- بالفتح- و هو مدلول مادّة الجمع‏ (1).

____________

- شي‏ء معين و مشخص، و لذلك فإذا دخلت أداة العموم على هذا الشي‏ء المعين و المشخص فلا بد أن تدل على استيعاب جميع أجزاء ذلك الشي‏ء، لأن المشخص و المعين لا أفراد له حتى تقوم أداة العموم بالدلالة عليها

(1) و يشير السيد الشهيد (رحمه الله) بذلك إلى أن البحث في دلالة الجمع المحلى باللام يكون في مقامين: مقام الثبوت، أي مقام تصوير الدلالة على العموم.

و مقام الإثبات، أي مقام ملاك و مناط هذه الدلالة.

و قبل الدخول في البحث الثبوتي لا بد من ذكر مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن السيد الشهيد (رحمه الله) اختلف مع صاحب الكفاية (رحمه الله) في تعريف العموم، فقد عرفه الآخوند (رحمه الله) بأنه: «استيعاب المفهوم لجميع ما يمكن أن ينطبق عليه»، و بتعبير آخر: انطباق المفهوم على جميع أفراده. و أما السيد الشهيد (رحمه الله) فلم يرتض هذا التعريف، و عرّفه في الحلقات بأنه «الاستيعاب المدلول عليه باللفظ». و هذا التعريف يشمل تعريف المشهور، و التعريف الذي اختاره السيد الشهيد (رحمه الله) في تقريرات بحثه، و اختاره-

23

____________

- أيضا السيد الخميني (رحمه الله) و هو: استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر»، بمعنى انطباق مفهوم على أفراد المفهوم الآخر انطباق كاملا، و المفهوم الذي يكون مدلولا لأداة العموم في مثل: (كل)، هو مفهوم التعدد و الكثرة، حيث إن للكثرة مصاديق كثيرة تنطبق عليها، منها: أفراد العالم، و أفراد الجاهل، و أفراد المؤمن، و أفراد الإنسان، و مفهوم الكثرة لا يحكي عن تلك المصاديق كما أن كل مفهوم لا يكون حاكيا عن الأفراد بما هي أفراد، فمفهوم الإنسان- مثلا- لا يحكي عن أفراد الإنسان. نعم، يمكن لمفهوم الكثرة أن يكون حاكيا عن مصاديق المفهوم الآخر إذا أضيف مفهوم الكثرة إلى مفهوم آخر، فيكون مفهوم الكثرة المستفاد من أداة العموم حاكيا و منطبقا على أفراد المفهوم الآخر، كما لو أضيفت أداة العموم، نحو كلمة: (كل) إلى مفهوم كلمة (عالم)، في مثل: أكرم كل عالم، حيث إن مفهوم الكثرة يبين أفراد العالم، لأن مفهوم الكثرة صالح للانطباق على أفراد العالم بقطع النظر عن الإضافة، فعند ما تضاف كلمة (كل) تدل على التكثر و التعدد في اسم الجنس (العالم)، فالتكثر المدلول لأداة العموم يتحقق في أفراد العالم و يستوعب جميع أفراده، فانطباق التكثر على أفراد المدخول ليس انطباقا جزئيا، بل هو انطباق تام بحيث لا يبقى فرد خارج عن هذا الانطباق، و لذلك يكون حاكيا عن جميع أفراد المدخول و هذا الانطباق لمفهوم التكثر على جميع أفراد المضاف إليه عبر عنه السيد الشهيد (رحمه الله) ب (استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر)، لأن المقصود من الاستيعاب هو الانطباق التام الكامل لمفهوم التعدد و التكثر على أفراد المضاف إليه، فإذا أضيفت كلمة (كل) التي تدل على الكثرة إلى مفهوم العالم يكون حاكيا عن أفراد العالم. و المفهوم الذي يكون مدلولا لأداة العموم (أي)، كما في: أكرم أي عالم، هو مفهوم الواحد، حيث إن الواحد مصاديق متعددة، منها: فرد من الناس، أو فرد من الفقراء، أو فرد من الضيوف، أو فرد من العلماء، و مفهوم الواحد لا يحكي عن تلك المصاديق، و لكنه يمكن أن يكون حاكيا عن مصاديق المفهوم الآخر إذا أضيف مفهوم الواحد إليه، كما في المثال، و لكن حكايته و انطباقه على مصاديق-

24

____________

- المفهوم الآخر يكون بدليا. المقدمة الثانية: أن الجمع المحلى مثل: (العلماء)، يشتمل على ثلاثة دوال: الدال الأول: مادة الجمع، و هي تتمثل في اللفظ المفرد للجمع الذي وقع مدخولا للألف و اللام، و هي تدل على طبيعة العالم بلا قيد. الدال الثاني: هيئة الجمع، التي تدل على مرتبة من العدد لا تقل عن الثلاثة، بنحو اللابشرط بالنسبة للزيادة، و بتعبير آخر تدل ما فوق الاثنين، و في هذا البحث يتحدث عن استيعاب و انطباق هذا المعنى على أفراد المادة. الدال الثالث: الألف و اللام الداخلة على هيئة الجمع، و هي تدل على استيعاب معنى الجمع لتمام أفراد الطبيعة التي تقع مادة للجمع.

و بعد ذكر هاتين المقدمتين نأتي تصوير دلالة الجمع المحلى بالألف و اللام بحسب تعريف العموم من وجهة نظر السيد الشهيد (رحمه الله) و الشيخ الآخوند (رحمه الله)، أما بحسب تعريف السيد الشهيد (رحمه الله) للعموم فتصوير هذه الدلالة يتلخص في: أن معنى الجمع- على فرض كونه معنى اسميا- و هو التكثر الذي يزيد على الاثنين من أفراد المادة يستوعب و ينطبق على جميع أفراد المادة. و أما حسب تعريف الشيخ الآخوند (رحمه الله) للعموم فيوجد تصويران لكيفية دلالة الجمع المعرف باللام على العموم. التصوير الأول: أن هيئة الجمع المحلى بالألف و اللام تدل على التعدد و التكثر الذي لا يقل عن ثلاثة و بنحو اللابشرط بالنسبة للزيادة، المتحقق في المرتبة الأخيرة و هي جميع الأفراد، و يكون مدلولا للجمع المحلى بالألف و اللام باعتبار أن هذه المرتبة مستوعبة لبقية المراتب. و بذلك يكون الحكم ثابتا لجميع الأفراد لأن المدخول منطبق على تمام أفراد الطبيعة. التصوير الثاني: أن الجمع المعرف باللام يدل على عموم معنى هيئة الجمع لمراتبه، و معنى هيئة الجمع هو التعدد و التكثر الذي لا يقل عن الثلاثة و بنحو اللابشرط بالنسبة للزيادة، فالألف و اللام تدل على شمول هذا المعنى لجميع مراتبه بدءا من المرتبة الأولى-

25

و أمّا الأمر الثاني: فإثبات اقتضاء اللام الداخلة على الجمع للعموم يتوقّف على إحدى دعويين:

إمّا أن يدّعى وضعها للعموم ابتداء، و حيث إنّ اللام الداخلة على المفرد لا تدلّ على العموم فلا بدّ أن يكون المدّعى وضع اللام الداخلة على الجمع بالخصوص لذلك.

و إمّا أن يدّعى أنّها تدلّ على معنى واحد في موارد دخولها على المفرد و على الجمع، و هو التعيّن في المدخول، على ما تقدّم في معنى اللام الداخلة على اسم الجنس في الحلقة السابقة.

فإذا كان مدخولها اسم الجنس كفى في التعيّن المدلول عليه باللام تعيّن الجنس الذي هو نحو تعيّن ذهنيّ للطبيعة، كما تقدّم في محلّه.

____________

المتمثلة في الثلاثة، ثم المرتبة المتمثلة في الأربعة، ثم المرتبة الرابعة المتمثلة في الخمسة ... و هكذا حتى المرتبة الأخيرة التي هي جميع المراتب، فلو قال المولى: أكرم العلماء، فإن وجوب الإكرام يكون ثابتا لكل جماعة من العلماء وصولا إلى جميع الأفراد التي تعتبر الجماعة الأخيرة التي لا جماعة فوقها. و يرد على هذا التصوير: أنه يستلزم تكرر دخول جماعة واحدة عدة مرات في معنى الجمع، فمثلا: ثلاثة من العلماء تكون مشمولة لمعنى الجمع مرة لحالها، و مرة في ضمن الأربعة، و أخرى في ضمن الخمسة، و هكذا .. و كذلك الأمر بالنسبة للأربعة تتكرر في المراتب العليا. و من الأمور الارتكازية أن المراد الجدي (الحكم الواقعي) لا يتكرر بالنسبة للأفراد الذين يتكرر دخولهم في أكثر من تجمع، فإذا كان زيد و عمرو و بكر داخلا في جماعة، مثل: ستة أفراد، فهؤلاء العلماء الثلاثة يكونون مشمولين بالجمع مرة لحالهم، و ثانية ضمن الأربعة، و مرة ثالثة ضمن الخمسة، و رابعة ضمن الستة، فالحكم بوجوب الإكرام على الرغم من ذلك لا يتعدد بالنسبة لهؤلاء بحسب تكرر دخولها في المراتب المختلفة، لأن الارتكاز العقلائي قائم على عدم تعدد المراد الجدي بحسب تكرر دخول الأفراد في المراتب المتعددة، و هذا الارتكاز قرينة على عدم صحة هذا التصوير، و يبقى التصوير الأول‏

26

و إذا كان مدخولها الجمع فلا بدّ من فرض التعيّن في الجمع، و لا يكفي التعيّن الذهنيّ للطبيعة المدلولة لمادّة الجمع. و تعيّن الجمع بما هو إنّما يكون بتحدّد الأفراد الداخلة فيه، و هذا التحدّد لا يحصل إلّا مع إرادة المرتبة الأخيرة من الجمع المساوقة للعموم، لأنّ أيّ مرتبة أخرى لا يتميّز فيها- من ناحية اللفظ- الفرد الداخل عن الخارج‏ (1).

____________

(1) البحث في مقام الإثبات عن تخريج دلالة الجمع المحلى بالألف و اللام على العموم، و بتعبير آخر ما هو الملاك لهذه الدلالة، و في المقام يوجد ملا كان و تخريجان لكيفية الدلالة.

الملاك الأول: إن الألف و اللام موضوعة للعموم و الاستيعاب بنحو المعنى الحرفي، و قد عبر السيد الشهيد (رحمه الله) عن هذا الملاك بالدعوى الأولى بقوله: (... إما أن يدعى وضعها للعموم ابتداء ...) و على أساس هذا الملاك للدلالة بحسب التصوير الصحيح لكلام الشيخ الآخوند (رحمه الله) في مقام الثبوت، فالألف و اللام بوضعها للاستيعاب تدل على أن معنى الجمع بنحو المعنى الاسمي، و الذي هو التكثر و التعدد- الذي لا يقل عن ثلاثة المتحقق في الخارج بالمرتبة العليا المستوعب لجميع مراتب الجمع الأخرى.

و بحسب التصوير المتقدم لكلام السيد الشهيد (رحمه الله)، فالألف و اللام بوضعها للاستيعاب تدل على النسبة الاستيعابية بين معنى الجمع الذي تقدم، و بين جميع أفراد المادة.

و يمكن أن يورد على هذا التخريج: أن الألف و اللام لو كانت موضوعة للاستيعاب فهذا يستلزم تعدد الوضع، فالألف و اللام الداخلة على الجمع موضوعة للاستيعاب، أما الألف و اللام الداخلة على المفرد فموضوعة للتعيّن الجنسي للمدخول، فالألف و اللام في مثل: أكرم العالم تشير إلى شي‏ء معين هو مفهوم (طبيعة) العالم من حيث إنها متعينة و متميزة بالذات في عالم الذهن عن بقية المفاهيم و الطبائع، حيث إنها- أي طبيعة العالم- متميزة بذاتها عن طبيعة الجاهل، كما أنها متميزة بذاتها عن طبيعة المؤمن، و متميزة بذاتها عن طبيعة الكافر، و هكذا بالنسبة لبقية الطبائع‏

27

____________

و الحال أن من البعيد جدا، أن تكون الألف و اللام موضوعة بوضعين: الأول: للاستيعاب، فيما لو دخلت على الجمع. و الثاني: للتعين الجنسي، فيما لو دخلت على المفرد. حيث إن أهل اللغة يرون أنها موضوعة بوضع واحد لكل من الحالتين، و أما الاختلاف في المعنى فناشئ من خصوصية المدخول، لا من الوضع، كما هو المدعى.

الملاك الثاني: أن الألف و اللام وضعتا للتعيين، و هذا الملاك يمثل الدعوى الثانية في كلام السيد الشهيد (رحمه الله) حين قال: «... و إما أن يدعى أنها تدل على معنى واحد ...» فالألف و اللام الداخلة على المفرد تدل على التعين الجنسي، أما الألف و اللام الداخلة على الجمع فتدل على التعين الانطباقي، و هذا التعيّن يتحقق في المرتبة الأخيرة للمدخول التي تعرف بالمرتبة العليا، فكلمة (العلماء)- مثلا- تدل بهيئتها- على فرض كون معناها اسميا- على التعدد و التكثر الذي لا يقل عن ثلاثة و بنحو اللابشرط بالنسبة للزيادة، و هذا المعنى يتعين من ناحية الصدق و الانطباق في المرتبة العليا التي هي جميع الأفراد، فلو فرض أن عدد أفراد العلماء هو (100) فرد، فهذه المرتبة هي المتعينة من ناحية الصدق لعدم وجود مرتبة أعلى منها، و لذلك يكون انطباق المدخول في هذه المرتبة غير مردد كما لو كان معنى الجمع في مرتبة أقل من (100) كمرتبة (99)، فالتكثر و التعدد و إن كان متحققا في هذه المرتبة إلا ان انطباق معنى الجمع الذي يمثل مدخولا للأداة المتحقق في هذه المرتبة يكون مرددا بالنسبة لأحد الأفراد، فهل إن المدخول المتحقق في التسعة و التسعين (99) فردا من العلماء هو عامة العلماء باستثناء زيد، أو إن المدخول المتحقق في التسعة و التسعين (99) هو عامة العلماء باستثناء عمرو بحيث يكون زيد داخلا، فمعنى الجمع المتحقق في غير المرتبة الأخيرة في مثل مرتبة (99) يكون مرددا من ناحية الصدق بين (99) من دون زيد، أو (99) من دون عمرو و دخول زيد فيها. فالألف و اللام تشير إلى المرتبة المتعينة صدقا و انطباقا من معنى الهيئة، لا إلى تعين ذات المرتبة، كما قد يتوهم، لأن كل مرتبة متميزة بذاتها عن المرتبة الأخرى، فمرتبة المائة (100) متميزة بذاتها عن مرتبة التسعة و التسعين (99)، و مرتبة التسعة و التسعين (99) متميزة عن‏

28

____________

مرتبة الثمانية و التسعين (98)، و هذه متميزة عن مرتبة السبع و التسعين (97)، و هكذا حتى أقل مرتبة من مراتب التعدد و التكثر، فالألف و اللام تدل على تعين الجمع في المرتبة الأخيرة، و هذا التعين يستلزم استغراق معنى الجمع لجميع أفراد المفرد. و يمكن تطبيق هذا الملاك على مقام الثبوت حسب تعريف كل من الشيخ الآخوند (رحمه الله) و السيد الشهيد (رحمه الله) للعموم.

أما بناء على تعريف الآخوند (رحمه الله) فإن معنى الجمع هو التكثر الذي لا يقل عن الثلاثة و بنحو اللابشرط بالنسبة للزيادة، و هذا المعنى يكون متعينا في المرتبة الأخيرة التي هي جميع أفرد المفرد، و الألف و اللام بوضعها للتعين تدل على معنى الجمع المتعين صدقا، و هي جميع أفراد المفرد، و جميع الأفراد تشتمل على جميع مراتب الجمع، فيكون جميع الأفراد مستوعبا لجميع مراتب الجمع بدلالة الألف و اللام على التعين صدقا و انطباقا.

و الفرق بين تطبيق هذا الملاك على التصوير الصحيح لكلام الآخوند (رحمه الله) و تطبيق الملاك الأول عليه، هو: أن الألف و اللام حسب الملاك الأول تدل بالوضع على استيعاب معنى الجمع المتمثل في المرتبة الأخيرة لجميع مراتبه، فالمرتبة الأخيرة هي المدلولة للجمع المحلى باعتبار استيعابها لجميع مراتب الجمع. و أما- حسب الملاك الثاني- فالألف و اللام تدل بالوضع على تعين معنى الجمع في المرتبة الأخيرة التي تكون مستوعبة لجميع مراتبه، فاستيعاب معنى الجمع لجميع مصاديقه و مراتبه يكون نتيجة لدلالة الألف و اللام على التعين الصدقي‏*.

(*) و يرد على تطبيق الملاك الأول على دلالة الجمع المحلى بالألف و اللام بحسب تعريف الآخوند (رحمه الله) للعموم، أن العموم حسب تعريف الشيخ الآخوند (رحمه الله) هو: استيعاب المفهوم لجميع مصاديقه، و مدخول الألف و اللام هو الجمع، و معنى الجمع- كما تقدم- هو التكثر الذي يزيد عن الاثنين، و استيعاب هذا المفهوم (التكثر) لجميع مراتبه لا بد أن يكون مدلولا للجمع المحلى. و الحال أنه على أساس الملاك الأول نجد أن لام التعريف دلّت على جميع الأفراد باعتباره يستوعب المراتب الأخرى، و جميع الأفراد يكون مصداقا من مصاديق معنى الجمع، فمفهوم الجمع ليس هو المستوعب و المنطبق‏

29

____________

أما بناء على تعريف السيد الشهيد (رحمه الله) لدلالة الجمع المعرّف باللام على العموم، فإن هيئة الجمع تدل على التعدد الذي يزيد على الاثنين من أفراد المادة، و هذا التعدد ينطبق على جميع ينطبق على جميع أفراد المادة بحيث لا يبقى فرد خارج عن معنى الجمع، أي أن مفهوم هيئة الجمع- على فرض كونه اسميا- يكون مستوعبا لجميع أفراد المادة، فعلى أساس الملاك الأول وضعت الألف و اللام للنسبة الاستيعابية بين معنى الجمع و بين أفراد المادة، فانطبق تعريف السيد الشهيد (رحمه الله) للعموم باستيعاب مفهوم لأفراد المفهوم الآخر على الجمع المحلى.

و على أساس الملاك الثاني فإن الألف و اللام تدل بصورة مباشرة على التعين الصدقي لمعنى الجمع الذي يحصل في المرتبة الأخيرة من مراتب المدخول و هي جميع الأفراد، و هذا التعين يلازم انطباق الجمع على أفراد المادة انطباقا كاملا، و على هذا التخريج يكون العموم لازما لمعنى الألف و اللام. فتعريف السيد الشهيد (رحمه الله) للعموم بأنه: استيعاب مفهوم لأفراد المفهوم الآخر ينطبق على الجمع المحلى بالألف و اللام على كلا الملاكين‏

(26- 1) على مصاديقه، بل إن المرتبة الأخيرة هي التي تكون مستوعبة للمراتب الأخرى، و لذلك فتعريف الآخوند (رحمه الله) للعموم باستيعاب المفهوم لأفراده لا يشمل الجمع المحلى بالألف و اللام. هذا أولا.

و ثانيا: إن الاستيعاب في تعريف العموم بأنه استيعاب المفهوم لكل ما يصلح للانطباق عليه، هو استيعاب انطباقي، لأن طرف هذا الاستيعاب هو المفهوم و طرفه الآخر يتمثل في أفراد هذا المفهوم، و لذلك فاستيعاب المفهوم لهذه الأفراد يتحقق بانطباق المفهوم على كل فرد فرد منها، و على أساس الملاك الأول لدلالة الجمع المحلى بالألف و اللام على العموم يكون استيعاب جميع الأفراد- بما هي تجسيد لمعنى الجمع- للمراتب الأخرى استيعاب تضمني، كاستيعاب الكل لأجزائه، و من هنا يظهر أن دلالة الألف و اللام على الاستيعاب ليست من مصاديق تعريف العموم الذي اختاره الشيخ الآخوند (ره). و أما على أساس الملاك الثاني فالألف و اللام تدل على معنى الجمع المتعين في المرتبة الأخيرة، و هي جميع أفراد المادة، و من لوازم ذلك أن يكون معنى الجمع المتعين في هذه المرتبة مستوعبا جميع مراتب الجمع الأخرى، فعموم و استيعاب الجمع لأفرده يكون لازما لمعنى الألف و اللام، فلا ينطبق تعريف الآخوند (رحمه الله) للعموم على الجمع المحلى بالألف و اللام، لأن استيعاب المرتبة العليا المتمثلة في جميع الأفراد للمراتب الأدنى منها استيعاب تضمني، و ليس انطباقيا، كما أوضحنا سابقا.

30

النكرة في سياق النهي أو النفي:

ذكر بعض: أنّ وقوع النكرة في سياق النهي أو النفي من أدوات العموم.

و أكبر الظنّ أنّ الباعث على هذه الدعوى أنّ النكرة- كما تقدّم في حالات اسم الجنس من الحلقة السابقة- يمتنع إثبات الإطلاق الشموليّ لها بقرينة الحكمة، لأنّ مفهومها يأبى عن ذلك، بينما نجد أنّنا نستفيد الشمولية في حالات وقوع النكرة في سياق النهي أو النفي، فلا بدّ أن يكون الدالّ على هذه الشمولية شيئا غير إطلاق النكرة نفسها، فمن هنا يدّعى أنّ السياق- أي وقوع النكرة متعلّقا للنهي أو النفي- من أدوات العموم ليكون هو الدالّ على هذه الشمولية (1).

و لكنّ التحقيق: أنّ هذه الشمولية سواء كانت على نحو شمولية العامّ أو على‏

____________

(1) من الأدوات التي ادعيت دلالتها على العموم، النكرة في سياق النفي، مثل: لا رجل في الدار، أو النكرة في سياق النهي، مثل: لا تكرم فاسقا، حيث يذهب مشهور الأصوليين و النحاة إلى أن النكرة- أي اسم الجنس المنون- تدل على عموم الحكم لجميع أفراد الطبيعة، لأن من الملاحظ أن اسم الجنس المنون الوارد في سياق الإيجاب كما في: أكرم فقيرا يدل على الطبيعة المقيدة بالوحدة التي يمتنع فيها الإطلاق الشمولي، حيث إنها لا يمكن أن تنطبق على جميع الأفراد في عرض واحد، لأنها تنطبق على كل فرد من هذه الطبيعة بنحو البدلية و الترديد، و لذلك يتحقق الامتثال بإكرام فقير واحد، أما اسم الجنس المنون (النكرة) الواقع في سياق النهي، نحو: لا تكرم فاسقا، يدل على الشمولية و الاستغراق، فكل فرد من الفاسق يمثل موضوعا لحرمة الإكرام، فتتعدد حرمة الإكرام تبعا لتعدد انطباق طبيعة الفاسق على أفرادها، و لذلك لا يتحقق فيه الامتثال إلا بترك إكرام جميع الفساق. فالنكرة المنونة الواردة في سياق النهي أو النفي تكون موضوعة للدلالة على شمول هذه النكرة لجميع أفرادها، كما أن كلمة (كل) موضوعة لاستيعاب تمام أفراد مدخولها

31

نحو شمولية المطلق بحاجة إلى افتراض مفهوم اسميّ قابل للاستيعاب و الشمول لأفراده بصورة عرضية لكي يدلّ السياق حينئذ على استيعابه لأفراده، و النكرة لا تقبل الاستيعاب العرضي، كما تقدم، فمن أين يأتي المفهوم الصالح لهذا الاستيعاب لكي يدلّ السياق على عمومه و شموله‏ (1)؟

و من هنا نحتاج إذن إلى تفسير للشمولية التي نفهمها من النكرة الواقعة في سياق النهي و النفي، و يمكن أن يكون ذلك بأحد الوجهين التاليين:

الأول: أن يدّعى كون السياق قرينة على إخراج الكلمة عن كونها نكرة، فيكون دور السياق إثبات ما يصلح للإطلاق الشمولي. و أمّا الشمولية فتثبت بإجراء قرينة الحكمة في تلك الكلمة بدون حاجة إلى افتراض دلالة السياق نفسه على الشمولية و العموم‏ (2).

____________

(1) يناقش السيد الشهيد (رحمه الله) في ذلك: بأن الأداة تدل على الشمولية و الاستيعاب لو كانت الطبيعة صالحة للانطباق على جميع أفرادها في عرض واحد، فتقوم أداة العموم بالدلالة على هذه الشمولية. في حين أن النكرة الواقعة في سياق النهي ليس لها مثل هذه الصلاحية، لأن تنوين التنكير يدل على الوحدة، و الطبيعة المقيدة بالوحدة ليس لها صلاحية الانطباق على جميع أفرادها في عرض واحد، و إذا لم يكن للنكرة مثل هذه القابلية فكيف تدل على الشمولية و الاستيعاب؟!

(2) و هذا الوجه للسيد الشهيد (رحمه الله) الذي يرى أن الصحيح هو أن وقوع النكرة في سياق النهي أو النفي يعتبر قرينة على أن التنوين في النكرة ليس تنوين التنكير بل هو تنوين التمكين، و إذا لم يكن التنوين تنوين تنكير فهو لا يدل على أن الطبيعة مقيدة بالوحدة و حينئذ فإذا شككنا أن الفاسق في مثل: لا تكرم فاسقا، هل هو مقيد بأن يكون الفاسق جاهلا أو أنه غير مقيد بذلك، نتمسك بقرينة الحكمة لإثبات أن الفاسق بلا قيد هو الموضوع لحرمة الإكرام، و هناك قرينة أخرى- في المقام- و هي: أن الفاسق موضوع للحكم، و الموضوع هو ما يفرض وجوده في مقام الجعل- كما تقدم- فيتعدد الحكم بحسب تعدد انطباقات الموضوع على أفراده، و من ثم فإن الحكم يكون شموليا بالنسبة لجميع أفراد الفاسق.-

32

الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه الله) من أنّ الشمولية ليست مدلولا لفظيا، و إنّما هي بدلالة عقلية، لأنّ النهي يستدعي إعدام متعلّقه، و النكرة لا تنعدم ما دام هناك فرد واحد (1).

غير أنّ هذه الدلالة العقلية إنّما تعيّن طريقة امتثال النهي، و أنّ امتثاله لا يتحقّق إلّا بترك جميع أفراد الطبيعة، و لا تثبت الشمولية- بمعنى تعدّد الحكم و التحريم-

____________

- فشمولية الحكم في النكرة الواقعة في سياق أو النفي، مبنية على أساس أن التنوين فيها ليس للتنكير، بل هو للتمكين، فتكون صالحة للانطباق على جميع الأفراد في عرض واحد، و تجري مقدمات الحكمة لإثبات أن الموضوع مطلق، و هناك قرينة أخرى و هي أنه موضوع، و لذلك فإن الحكم يشمل جميع الأفراد، و تتعدد فعلية الحكم بحسب تعدد انطباقات الموضوع.

فالشمولية- في هذه الحالة- ليست ناشئة من كون النكرة في سياق النهي من أدوات العموم، لأن مناط العموم هو أن الشمولية مدلولة للفظ، و الحال أن هذه الشمولية تثبت بمقدمات الحكمة، و خصوصية أخذ النكرة الواردة في سياق النهي موضوعا للحكم‏

(1) يذهب صاحب الكفاية (رحمه الله) إلى أن الشمولية ليست مدلولا للفظ، بل إن النهي أو النفي الذي تقع النكرة في سياقه يدل على المنع و الزجر عن العمل الذي تعلق بالنكرة، أو يدل على عدمه، و الطبيعة لا تنعدم إلا بانعدام جميع أفرادها، فهذه القاعدة العقلية تكون قرينة على شمول الحكم و استيعابه لجميع أفراد الطبيعة، فاسم الجنس المنون، في مثل: لا تكرم فاسقا، يدل على طبيعة الإكرام بالنسبة لطبيعة الفاسق في فرد غير معين، و كانت طبيعة الفاسق في فرد غير معين يمكن أن تنطبق على الفرد الأول- زيد مثلا- فيحرم إكرامه، و يمكن أن تنطبق على الفرد الثاني- بكر مثلا- فيحرم إكرامه، و هكذا بالنسبة لجميع الأفراد، فحرمة الإكرام تتعدد بالقياس إلى انطباقات الفاسق في فرد غير معين، و النهي يزجر عن طبيعة الإكرام التي لا تنعدم إلا بالامتناع عن إكرام كل فرد من الفساق، فحينئذ لا بد من إعدام جميع أفراد الإكرام بالنسبة لجميع الأفراد التي ينطبق عليها الفاسق‏

33

بعدد تلك الأفراد، كما هو واضح‏ (1).

____________

(1) و يجيب السيد الشهيد (رحمه الله) عن الوجه السابق بأن قاعدة: إن الطبيعة لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، و إن كانت صحيحة إلا إن موردها في البحوث الأصولية هو حالة ما إذا كانت الحرمة واحدة، و هذه الحرمة تزجر عن صرف وجود الطبيعة، و الانزجار و الترك يستلزم ترك جميع أفراد الطبيعة المزجور عنها أو المطلوب تركها كما في: لا تحدث؛ لأن الحدث غير قابل للتكرار، فالشخص إذا أحدث بالبول، فلن يحصل له حدث جديد بالنوم مثلا؛ لأن الحدث السابق مستمر، و لذلك فالحدث غير قابل للتعدد، و يكون الحكم بالنسبة له واحدا، فعن طريق هذه القاعدة نفسر شمولية الامتثال بمعنى أن المطلوب هو الزجر أو ترك صرف وجود الحدث، و ترك صرف الوجود يستلزم ترك جميع أفراد المنهي عنه، لأن صرف الوجود يتحقق بوجود أي فرد من أفراد المتعلق، و لذلك فلا بد من ترك الإتيان بجميع الأفراد، حتى يتحقق امتثال النهي، و من ثم لا تختلف هذه الاستغراقية بين حالة تعلق النهي بالنكرة، أو بالمعرفة، كما في: لا تكرم الفاسق.

أما الشمولية بالنسبة للنكرة الواقعة في سياق النهي أو النفي، التي تكون موضوعا للحكم، فهي شمولية للحكم، فحرمة الإكرام بحسب تعدد أفراد الفاسق، و ليس المطلوب في المقام هو تفسير شمولية الامتثال، حتى يتمسك الشيخ الآخوند (رحمه الله) بهذه القاعدة، بل إن المطلوب هو تفسير شمولية الحكم بمعنى تعدد الحكم في مقابل بدلية الحكم، أي: وحدته، كما لو وقعت النكرة- مثلا- في سياق الإيجاب، مثل: أكرم عالما، فالنكرة هنا تدل على بدلية الحكم، حيث يكون حكم واحد متعلق بصرف وجود العالم، و لذلك يعتبر المكلف ممتثلا بإكرام عالم واحد. في حين أن النكرة في سياق النهي تدل على شمولية الحكم و تعدده، حيث يتعدد الحكم تبعا لتعدد الفاسق.

فتمسك الآخوند (رحمه الله) بقاعدة: (إن الطبيعة لا تنعدم إلا بانعدام جميع الأفراد) كقرينة على إفادة النكرة الواقعة في سياق النهي أو النفي للعموم غيرص حيح‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المفاهيم‏

تعريف المفهوم: لا شكّ في أنّ المفهوم مدلول التزاميّ للكلام، و لا شكّ أيضا في أنّه ليس كلّ مدلول التزاميّ يعتبر مفهوما بالمصطلح الأصولي.

و من هنا احتجنا إلى تعريف يميّز المفهوم عن بقية المدلولات الالتزامية (1).

و قد ذكر المحقّق النائيني (رحمه الله) بهذا الصدد: أنّ المفهوم هو اللازم البيّن مطلقا، أو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ في مصطلح المناطقة (2).

____________

(1) يعرف المفهوم بأنه: «مدلول التزامي لمنطوق الكلام». فبين المدلول الالتزامي و المفهوم عموم و خصوص مطلق، فكل مفهوم هو مدلول التزامي و لكن بعض المداليل الالتزامية ليست مفهوما، كما في المداليل الالتزامية المفردة، و المداليل الالتزامية التي تكون أحكاما، و مثال الأول: طلعت الشمس، فالمدلول الالتزامي للشمس هو وجود الضوء، و كذلك: حاتم كان عربيا فالمدلول الالتزامي لحاتم هو الجود. و مثل هذا المدلول الالتزامي ليس مفهوما بنظر الأصوليين. و مثال الثاني:

وجوب المقدمة عند وجوب ذي المقدمة، ف (صلّ) تدل بالالتزام على وجوب الطهارة، هذا الوجوب مدلول التزامي لوجوب الصلاة إلا إنه ليس بمفهوم حسب رأي الأصوليين. و لذلك فلا بد من البحث عن الخصوصية التي تميز المفهوم عن سائر المداليل الالتزامية

(2) فقد عرّفه (رحمه الله) بأنه: «حكم غير مذكور لازم للمنطوق بالملازمة البينة بالمعنى الأخص». و هذا التعريف يضم ثلاثة بنود:

البند الأول، (حكم) و بهذا التعبير تخرج المداليل الالتزامية المفردة مثل: طلعت الشمس، و حاتم كان عربيا، و كذلك باب الكنايات، مثل: زيد جبان الكلب،-

36

____________

الذي هو كناية عن الجود، و ذلك بذكر اللازم و إرادة الملزوم.

البند الثاني: (غير مذكور) و بهذا البند من التعريف تخرج المداليل المطابقية و التضمنية، لأنها تكون مذكورة في منطوق الكلام.

البند الثالث: (لازم للمنطوق ملازمة بينة بالمعنى الأخص)، و اللازم البيّن بالمعنى الأخص يكفي فيه تصور نفس الملزوم في الانتقال إلى اللازم. أما اللازم بالمعنى الأعم فلا يكفي فيه مجرد تصور الملزوم، بل لا بد من تصور الملزوم و اللازم و النسبة بينهما. و تخرج بهذا البند اللوازم غير البيّنة، كما تخرج اللوازم البيّنة بالمعنى الأعم، مثل: وجوب المقدمة الذي يلازم وجوب ذي المقدمة، و النهي عن الضد الذي يلازم الأمر بالنهي، و كذلك فساد الشي‏ء الذي يلازم النهي عنه، لأن هذه المداليل الالتزامية ليست بينة بالمعنى الأخص.

فاللازم الذي يعتبر مفهوما حسب تعريف الشيخ النائيني (رحمه الله) يتميز بخصوصيتين: (1) أنه حكم. (2) أنه لازم بيّن بالمعنى الأخص‏*.

(*) و أما المحقق صاحب الكفاية (رحمه الله) فقد عرّف المفهوم بأنه: «حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ، سواء وافقه في الإيجاب و السلب أم خالفه في ذلك». و هذا التعريف يشتمل أيضا على بنود ثلاثة:

البند الأول: (حكم)، و عن طريق هذا البند تخرج المداليل الالتزامية المفردة لمثل: طلعت الشمس، و حاتم كان عربيا، و كذلك الكنايات. و الحكم قد يكون إنشائيا، مثل: إن جاءك زيد فأكرمه، و مفهومه: إن لم يجئك فلا يجب إكرامه. و قد يكون الحكم إخباريا، مثل: إن زرتني في البيت أعطيك هدية، فهذان حكم إخباري بإعطاء الهدية معلق بالزيارة، فإذا انتفت الزيارة ينتفي إعطاء الهدية، فمفهومه هو: إن لم تزرني فلن أعطيك الهدية.

البند الثاني: (تستتبعه) بمعنى تقتضيه، و بهذا التعبير يخرج الحكم الذي يكون مدلولا مطابقيا أو تضمنيا، لأن اللفظ يدل على المدلول المطابقي للكلام، كما يدل على المدلول التضمني بدون استتباع.

البند الثالث: (خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ)، و هذا البند يدل على كون خصوصية المعنى في المنطوق- التي تستتبع حكما إنشائيا أو إخباريا- مدلولة للفظ، سواء-

37

____________

كانت دلالة اللفظ على الخصوصية بالوضع، كما في دلالة الجملة الشرطية على المفهوم- حسب رأي بعض الأصوليين- أو أن يكون ذلك بمقدمات الحكمة التي بواسطتها يثبت أن الشرط علة منحصرة للجزاء، أو أن تكون هذه الخصوصية مدلولا التزاميا للمدلول المطابقي، كما في مفهوم قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ...) [الإسراء: 23]، فالمدلول المطابقي للآية هو حرمة التأقف، و المدلول الالتزامي لموضوع الحرمة المتمثل في التأفف هو الإيذاء، و الإيذاء خصوصية تستتبع حرمة الضرب، لأن الإيذاء في الضرب أقوى من الإيذاء في التأفف، فإذا كان التأفف حراما حسب المدلول المطابقي للآية، فالضرب يكون حراما بطريق أولى، بسبب دلالة الآية بالالتزام على أن ملاك حرمة التأفف هو الإيذاء. أو الخصوصية تكون مدلولا التزاميا لمتعلق الحكم في المنطوق مثل: قم لخادم العالم، فالقيام لخادم العالم إنما هو احترام للعالم، الذي يكون مدلولا التزاميا للقيام، و الاحترام في تقبيل جبهة العالم أقوى منه في القيام. و لذلك لا بد أن يدل اللفظ بالالتزام على خصوصية المعنى، و يستدل بهذه الخصوصية على الحكم الموافق للمدلول الالتزامي لمتعلق غير المذكور و هو الضرب في المثال الأول، و تقبيل جبهة العالم في المثال الثاني.

فالمفهوم- حسب تعريف الشيخ الآخوند (رحمه الله)- يتميز بخصوصيتين: (1) أنه حكم إنشائي أو إخباري، (2) أن تستتبعه (تقتضيه) خصوصية المعنى.

و يشكل السيد الشهيد (رحمه الله) على هذا التعريف- في تقريرات بحثه- بإشكالين:

الإشكال الأول: أن التعريف غير مانع من دخول الأغيار، لأنه يشمل دلالة صيغة الأمر على وجوب المقدمة، بناء على أن دلالتها على الوجوب تتم بمقدمات الحكمة، كما هو رأي المحقق العراقي (رحمه الله) و أشار إليه الشيخ الآخوند (رحمه الله)، فصيغة الأمر، نحو، (صلّ) ظاهرة في الطلب، و أما كون الطلب وجوبيا فيستفاد من مقدمات الحكمة، فالوجوب يمثل خصوصية للمنطوق تكون مدلولة للفظ، و هذا الوجوب للصلاة يستتبع وجوب المقدمة (الطهارة) بناء على الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فيكون وجوب الطهارة حكما مدلولا التزاميا لوجوب الصلاة بمقدمات الحكمة، و بهذا لا يكون التعريف مانعا كما هو المفترض في الحدود و الرسوم.

الإشكال الثاني: أنه غير جامع فهو يستلزم خروج مفهوم الموافقة، مثل قوله تعالى:

38

____________

(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ..) [الإسراء: 23]، الذي يدل بالمطابقة على حرمة التأفف، و المدلول الالتزامي لحرمة التأفف هو حرمة الضرب، حيث لا توجد في هذه الحالة خصوصية في المعنى المراد من اللفظ تستتبع و تستلزم المفهوم. و لذلك يخرج هذا النحو من المفهوم عن تعريف الشيخ الآخوند (رحمه الله).

و يمكن المناقشة في الإشكالين السابقين: بأن المقصود من الاستتباع ليس الاستلزام كما فسره السيد الشهيد (رحمه الله)، بل المقصود منه الاستتباع في مقام الإثبات، و هو الانفهام، فخصوصية المعنى المراد من اللفظ تمثل نكتة انفهام الحكم الإنشائي أو الإخباري، و لذلك فلا بد أن تكون هذه الخصوصية (نكتة الانفهام) مدلولة للفظ، و لذلك فكلا الإشكالين غير وارد على تعريف صاحب الكفاية (رحمه الله) للمفهوم.

أما الإشكال الأول فمدفوع، لأننا بإجراء مقدمات الحكمة في هيئة الأمر، مثل: صلّ، نستفيد دلالة الأمر على الوجوب، و نكتة انفهام وجوب الطهارة هي الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة، لا وجوب الصلاة، و قد ذكرنا في البحوث المتقدمة أن تحقق المدلول الالتزامي للكلام يتوقف على أمرين: الأول: ثبوت الملزوم. و الثاني: تحقق الملازمة. و لذلك فإذا ثبتت الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة، فنكتة انفهام وجوب الطهارة لا تكون- في هذه الحالة- مدلولة للفظ، بل هي حكم العقل بأن وجوب ذي المقدمة يستلزم وجوب المقدمة.

و أما الإشكال الثاني فمدفوع بأن مفهوم الموافقة، مثل قوله تعالى: (... فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ...) [الإسراء: 23]، يشتمل على خصوصية مدلولة للفظ تمثل نكتة انفهام الحكم التي تستتبع المفهوم، ذلك أن نكتة حرمة التأفف هي الإيذاء، لأن التأفف يوجب الإيذاء، و حرمة التأفف تدل على حرمة الضرب، لأن الإيذاء في الضرب أكثر من الإيذاء في التأفف، و لذلك فإن الضرب يكون حراما بطريق أولى.

ففي مفهوم الموافقة لا بد أن يكون اللفظ دالّا على ملاك الحكم، و يكون هذا الملاك موجودا في المقيس بصورة أقوى من المقيس عليه، و لهذا فإذا كان الملاك في حرمة التأفف كان الضرب حراما بطريق أولى، و لذلك فإن مفهوم الموافقة يكون مدلولا لفظيا للدليل.- و وجه اختلاف مفهوم الموافقة عن قياس أبي حنيفة، أن الملاك في القياس ليس مدلولا، بل هو مدرك بالظن و التخمين، و يقوم الفقيه بإسراء الحكم من المقيس عليه المعلوم ثبوت الحكم له إلى المقيس المطلوب الحكم له‏

39

و نلاحظ على ذلك: أنّ بعض الأدلّة التي تساق لإثبات مفهوم الشرط- مثلا- تثبت المفهوم كلازم عقليّ بحت دون أن يكون مبيّنا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى‏ (1).

____________

(1) يشكل السيد الشهيد (رحمه الله) على تعريف الميرزا النائيني (رحمه الله) بأنه: لا يشمل ما هو متداول بين الأصوليين في إثبات المفهوم للجملة الشرطية- مثلا- بالاعتماد على مقدمات الحكمة و البرهان العقلي، و ثبوت المفهوم للجملة عن طريق ذلك البرهان يعني أن المفهوم ليس لازما بيّنا لمنطوق القضية، فلو فرض أن المولى قال: إن جاءك زيد فأكرمه، فالمجي‏ء يمثل علة تامة منحصرة لا بديل لها بحيث إن انتفاء المجي‏ء يؤدي إلى انتفاء وجوب الإكرام بمقتضى إطلاق الشرط في التأثير في الجزاء، فإنه علة في كل حال، سواء سبقه شي‏ء أم لا، و سواء قارنه شي‏ء أم لا، فلو فرض أن ثمة علة أخرى للجزاء غير المجي‏ء كالمرض مثلا، فإذا حصل الشرط البديل (المرض) قبل تحقق المجي‏ء فمعنى ذلك أن المجي‏ء لا يؤثر في الجزاء بناء على ما هو مسلم في الفلسفة من: (أن المعلول يستند إلى أسبق العلل). و هذا يتنافى مع إطلاق تأثير الشرط- و هو المجي‏ء- في الجزاء و لو كان مسبوقا بشي‏ء آخر مثل المرض، و لو حصل هذا البديل مقارنا للشرط فلا يخلو من فرضين: إما أن الشرط و العلة البديلة علتان مستقلتان للجزاء، و هذا مخالف للقاعدة الفلسفية: (أن الواحد لا يصدر إلا من الواحد). و إما أن تكون العلة البديلة مشاركة للشرط في التأثير في الجزاء، و هذا يتنافي مع إطلاق الشرط في التأثير في الجزاء، سواء قارنه شي‏ء أم لا. و بهذا الإطلاق يثبت أن الشر تامة لا يشاركها شي‏ء في التأثير في الجزاء. و بهذا يثبت أن الشرط علة منحصرة في الجزاء. فبالاستناد إلى مقدمات الحكمة و القواعد الفلسفية أثبت الأصوليون المفهوم للجملة الشرطية، أي أثبتوا الملازمة بين تعليق الجزاء على شرط و بين انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و هذا برهان عقلي (دقي) لا يفهمه إلا المختصون، فالملازمة بين المنطوق و المفهوم ليست ملازمة بيّنة فضلا عن أن تكون بيّنة بالمعنى الأخص‏

40

فالأولى أن يقال: إنّ المدلول الالتزاميّ تارة: يكون متفرعا على خصوصيّة الموضوع في القضية المدلولة للكلام بالمطابقة على نحو يزول باستبداله بموضوع آخر.

و أخرى: يكون متفرعا على خصوصية المحمول بهذا النحو.

و ثالثة: يكون متفرّعا على خصوصية الربط القائم بين طرفي القضية، على نحو يكون محفوظا و لو تبدّل كلا الطرفين.

فقولنا: (إذا زارك ابن كريم وجب احترامه) يدلّ التزاما على وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته، على وجوب تهيئة المقدّمات التي يتوقّف عليها احترام الابن الزائر، و على أنّه لا يجب الاحترام المذكور في حالة عدم الزيارة.

و المدلول الأول مرتبط بالموضوع، فلو بدّلنا ابن الكريم باليتيم- مثلا- لم يكن له هذا المدلول.

و المدلول الثالث متفرّع على الربط الخاصّ بين الجزاء و الشرط، و مهما غيّرنا من الشرط و الجزاء يظلّ المدلول الثالث بروحه ثابتا معبّرا عن انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط، و إن كان التغيير ينعكس عليه، فيغيّر من مفرداته تبعا لما يحدث في المنطوق من تغيّر في المفردات.

و هذا هو المفهوم، لكن على أن يتضمّن انتفاء طبيعيّ الحكم، لا شخص الحكم المدلول عليه بالخطاب، تمييزا للمفهوم عن قاعدة احترازيّة القيود التي تقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد (1).

____________

(1) عرّف السيد الشهيد (رحمه الله) المفهوم بأنه: «مدلول التزامي ناشئ من خصوصية الربط و العلاقة بين طرفي القضية بحيث يبقى هذا المدلول حتى و إن تبدل طرفا القضية». و قد أضاف السيد الشهيد (رحمه الله) قيدا زائدا إلى تعريف المفهوم، و هو أن يكون المدلول الالتزامي الناشئ من خصوصية العلاقة بين طرفي‏

41

ضابط المفهوم‏

و نريد الآن أن نعرف الربط المخصوص الذي يؤخذ في المنطوق و يكون منتجا

____________

القضية هو انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء الشرط.

توضيح تعريف السيد الشهيد (رحمه الله): إن المولى لو قال: أكرم ابن الكريم، فالمدلول الالتزامي لهذه الجملة- و هو وجوب إكرام نفس الكريم- يكون متفرعا على موضوع القضية و هو (ابن الكريم)- لأن إكرام ابن الكريم كان واجبا بملاك الإجلال و التعظيم لوالده، فإكرام نفس الكريم يجب بطريق أولى بمقتضى مفهوم الموافقة، لتحقق ملاك الإكرام و هو الإجلال و التعظيم فيه بنحو أقوى، فوجوب إكرام الكريم مدلول التزامي لوجوب إكرام ابن الكريم.

و لو استبدلنا موضوع القضية بموضوع آخر هو اليتيم- مثلا- كما لو قال المولى:

أكرم اليتيم، فالمدلول المطابقي للجملة مرتبط نفس موضوع القضية، فلو أبدلناه ب (أم اليتيم)- مثلا- فإن الجملة لا تدل على وجوب إكرام أم اليتيم.

و أما بالنسبة للمحمول (وجوب الإكرام) فإن له مدلولا التزاميا و هو وجوب تهيئة مقدمات الإكرام، و كان الإكرام يتوقف على بعض المقدمات، كشراء الطعام أو تهيئة البيت فوجوب هذه المقدمات يمثل مدلولا التزاميا لوجوب الإكرام، و هذا المدلول الالتزامي للمحمول ليس ثابتا، بل إنه يتغير بتغير المحمول من وجوب الإكرام إلى إباحة الإكرام، فيما لو أن المولى قال: يجوز إكرام ابن الكريم، فمع جواز الإكرام لا تكون مقدمات الإكرام واجبة، فالقضية التي تربط بين الحكم و موضوعه، تشتمل على مدلول التزامي للحكم، و مدلول التزامي للموضوع، و هذان النحوان من المداليل الالتزامية ليست مفهوما. فالمفهوم هو المدلول الالتزامي الذي يكون متفرعا على الربط الخاص بين طرفي القضية، أي بين الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية مثلا، و هذا النحو من العلاقة بين طرفي القضية يبقى ثابتا و إن تم تغيير طرفي القضية، فهو دائما يؤدي إلى انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط. و هذا النحو من العلاقة بين الطرفين- بنظر السيد الشهيد (رحمه الله)- هو-

42

للمفهوم. و توضيح ذلك: أنّا إذا أخذنا الجملة الشرطية كمثال للقضايا التي يبحث عن ضابط ثبوت المفهوم لها، نجد أنّ لها مدلولا تصوّريا و مدلولا تصديقيا.

____________

خصوصية التصاق الجزاء بالشرط و توقفه عليه، و هذا يستلزم انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط مهما تبدّلت أطراف القضية، فبدل أن تقول: إن زارك ابن الكريم تقول: إن سلم عليك ابن الكريم، و بدل أن تقول: فأكرمه، تقول: لا تهنه، فخصوصية العلاقة بين الشرط و الجزاء محفوظة في هذه الحالة بالرغم من تبدل أطراف القضية، فكما أن وجوب الإكرام ينتفي عند عدم زيارة ابن الكريم، كذلك فإن حرمة الإهانة تنتفي عند عدم سلام ابن الكريم. فالمفهوم يعبر عن انتفاء طبيعي (سنخ) الحكم عند انتفاء القيد لا شخصه، و أما في قاعدة احترازية القيود، فإن الحكم ينتفي- أيضا- عند انتفاء القيد، إلا إن المنتفي هو شخص الحكم، لا سنخه. و المقصود بسنخ الحكم- كما مر سابقا- هو طبيعة الحكم من دون التقييد بملاك معين، و يقصد بشخص الحكم، الحكم الناشئ من ملاك معين. فعند انتفاء مجي‏ء ابن الكريم، ينتفي طبيعي وجوب الإكرام من دون التقييد بملاك معين، لا أن المنتفي هو وجوب الإكرام الناشئ من ملاك التعظيم للكريم فقط، و لذلك فلا يجب إكرامه بأي ملاك آخر، كأن يكون بملاك العلم أو العدالة ...، هذا في المفهوم. أما في قاعدة احترازية القيود، مثل: أكرم الفقير العادل، فعند انتفاء قيد العدالة، ينتفي وجوب إكرام الفقير، إلا إن المنتفي هو وجوب الإكرام الناشئ من ملاك العدالة، و لذلك فقد يجب إكرامه بملاك آخر هو العلم، أو كونه هاشميا، أو بملاك أنه ابن سبيل‏*. و هذا التعريف للمفهوم اقتبسه السيد الشهيد (رحمه الله) من المحقق الإيرواني (رحمه الله)

(*) و قد يرد على تعريف السيد الشهيد (رحمه الله): بأن التعريف لا يشمل مفهوم الموافقة لأن خصوصية العلاقة بين طرفي القضية تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء القيد، و هذا مختص بمفهوم المخالفة، سواء كانت القضية مكوّنة من شرط و جزاء كما في القضية الشرطية، أو من وصف و حكم كما في الجملة الوصفية، أو من لقب و حكم، أو من عدد و حكم كما في الإعداد، أو من غاية و حكم كما في الجملة الغائية. و أما تعريف الشيخ الآخوند (رحمه الله) فهو يشمل مفهوم بالإضافة إلى مفهوم المخالفة.

43

و حينما نفترض المفهوم للجملة الشرطية، تارة: نفترضه على مستوى مدلولها التصوّري، بمعنى: أن الضابط الذي به يثبت المفهوم يكون داخلا في المدلول التصوّريّ للجملة. و أخرى: نفترضه على مستوى مدلولها التصديقي، بمعنى: أنّ الضابط الذي به يثبت المفهوم لا يكون مدلولا عليه بدلالة تصوّرية، بل بدلالة تصديقية (1).

أمّا الضابط لإفادة المفهوم في مرحلة المدلول التصوري فهو أن يكون الربط المدلول عليه بالأداة أو الهيئة في هذه المرحلة من النوع الذي يستلزم الانتفاء عند الانتفاء، لأنّ ربط قضية أو حادثة بقضية أو حادثة أخرى إذا أردنا أن نعبّر عنه بمعنى اسميّ وجدنا بالإمكان التعبير عنه بشكلين:

فنقول تارة: زيارة شخص للإنسان تستلزم أو توجد وجوب إكرامه.

و نقول أخرى: إنّ وجوب إكرام شخص يتوقّف على زيارته، أو هو معلق على فرض الزيارة و ملتصق بها.

ففي القول الأول استعملنا معنى الاستلزام، و في القول الثاني استعملنا معنى التوقّف و التعليق و الالتصاق. و المعنى لا يدلّ التزاما على الانتفاء عند الانتفاء، و الثاني يدلّ عليه.

فلكي تكون الجملة الشرطية- مثلا- مشتملة في مرحلة المدلول التصوري على ضابط إفادة المفهوم لا بدّ أن تكون دالة على ربط الجزاء بالشرط بما هو م عنى حرفيّ مواز للمعنى الاسميّ للتوقّف و الالتصاق، لا على الربط بما هو معنى حرفيّ‏

____________

(1) قد تبيّن مما سبق أن المفهوم ناتج عن الربط الخاص بين طرفي القضية، و لكن ما هي تلك الخصوصية أو النكتة التي توجد في المنطوق و تستلزم المفهوم، بحيث ينتفي الحكم عند انتفاء القيد؟

و في مقام الجواب، لا بد من معرفة كيفية الربط بين الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية- مثلا- و سواء كان هذا الربط، مدلولا لهيئة الجملة، أو مدلولا لأداة الشرط، و لذلك يرى السيد الشهيد (رحمه الله)- فيما استفاده من كلمات المحقق الإيرواني (رحمه الله)- أن البحث عن خصوصية الربط التي تبين نكتة (ضابط) المفهوم يتم في مرحلتين: مرحلة المدلول التصوري، و مرحلة المدلول التصديقي‏

44

مواز للمعنى الاسميّ لاستلزام الشرط للجزاء.

و لا بدّ- إضافة إلى ذلك- أن يكون المرتبط على نحو التوقّف و الالتصاق طبيعيّ الوجوب، لا وجوبا خاصّا، و إلّا لم يقتض التوقّف إلّا انتفاء ذلك الوجوب الخاصّ، و هذا القدر من الانتفاء يتحقّق بنفس قاعدة احترازية القيود و لو لم نفترض مفهوما.

و إذا تثبت دلالة الجملة في مرحلة المدلول التصوري على النسبة التوقّفية و الالتصاقية ثبت المفهوم، و لو لم يثبت كون الشرط علّة للجزاء أو جزء علّة، بل و لو لم يثبت اللزوم إطلاقا و كان التوقّف لمجرّد صدفة (1).

____________

(1) أما في مرحلة المدلول التصوري فإن عبّرنا عن الربط المدلول لهيئة الجملة الشرطية أو لأداة الشرط في مثل إن زارك فأكرمه- الذي هو من المعاني الحرفية- بالاسم الموازي له، و حينئذ يمكن أن نحصل على صورتين لهذا المعنى الاسمي:

الأولى: أن نعبر عن الربط الخاص بين طرفي القضية الذي يمثل المدلول التصوري للجملة الشرطية بالاستلزام، بمعنى أن الشرط يستلزم الجزاء، فنعبر عن الجملة السابقة ب: إن زيارة زيد تستلزم وجوب الإكرام، هذا حسب رأي مشهور الأصوليين.

الثانية: أن نعبر عن المدلول التصوري للجملة الشرطية المتمثل في الربط بين الشرط و الجزاء بالتوقف الالتصاق أو الانحصار- كما عبر عنه المحقق الإيرواني (رحمه الله)-، و هذا التعبير الأخير أكثر دقة من غيره في تبيان نحو الربط بين الشرط و الجزاء الذي يستلزم المفهوم، فنقول: إن وجوب إكرام زيد يتوقف على زيارته، و هو ملتصق بها.

و لكي يتضح بدقة رأي مشهور الأصوليين في المسألة، لا بد من أن نذكر أن الربط الذي يكون بين طرفي الجملة الشرطية على ستة أقسام:

القسم الأول: الربط الاتفاقي، بمعنى ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، فكلما يحصل الشرط يحصل الجزاء دون أن ينفك عنه، و عدم انفكاك الجزاء عن الشرط ليس لجهة استحالة الانفكاك بل من باب الصدفة و الاتفاق، مثل: إذا جاء زيد لزيارة مقام السيدة زينب (عليها السلام) جاء عمرو للزيارة، فيحصل مجي‏ء عمرو-

45

____________

اتفاقا كلما يجي‏ء زيد، حيث يمكن أن ينفك مجي‏ء الأول عن الثاني. و مثل هذا النحو من الربط لا يستلزم المفهوم حسب رأي المشهور.

القسم الثاني: الربط اللزومي، بحيث يستحيل انفكاك اللازم عن الملزوم، كما في الربط بين العلة و المعلول، مثل: إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، فوجود النهار معلول لطلوع الشمس، و من المستحيل انفكاك وجود النهار من طلوع الشمس، و كما في الربط بين الشرط و الجزاء إذا كانا معلولين لعلة واحدة، مثل: معلولية الحرارة و الضوء للنار، فكل من الحرارة و الضوء معلول لنفس العلة و هي النار. فهنا توجد ملازمة بين الضوء و الحرارة، بحيث يستحيل انفكاك الضوء عن الحرارة في النار. و هذا القسم من الربط لا يستلزم المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء، لأن من الممكن أن يكون لمعلول واحد علل متعددة يتحقق بسببها، فالضوء- مثلا- كما يحصل بوجود الشمس، فهو يحصل بوجود النار، و لذلك فانتفاء الشمس لا يستلزم انتفاء الضوء.

القسم الثالث: الربط الترتبي، و الترتب يأتي بمعنيين:

الأول: الترتب بمعنى التوقف و الحاجة في الوجود، و ذلك عند ما يكون أحد الشيئين متوقفا في وجوده على وجود الشي‏ء الآخر، سواء كان الشي‏ء الآخر علة تامة أو ناقصة، كما في توقف الحرارة على النار، و لذلك يجوز أن نقول: إن وجدت النار فالحرارة موجودة.

الثاني: بمعنى الحصول بعد الحصول، أي مجرد تأخر حصول أحد الشيئين عن حصول الشي‏ء الآخر، سواء كان تأخرا عقليا في مثل تأخر المعلول عن العلة، أو زمانيا مثل تأخر الرعد عن البرق.

و الترتب بالمعنى الثاني يكون أعم من الترتب بالمعنى الأول. و الربط الترتبي لا يدل على المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء، لأنه من الممكن أن تكون هناك علل متعددة تؤثر كل واحدة منها في وجود المعلول بنحو مستقل عن الأخرى، فلا يستلزم انتفاء العلة حينئذ انتفاء المعلول.

القسم الرابع: الربط العلّي التام، بأن يكون الشرط علّة تامة للجزاء كما في-

46

____________

علّية الشمس للضوء، و هذا القسم لا يدل على المفهوم، لأن من الممكن أن يكون للجزاء علة تامة بديلة تؤثر في ثبوته، فلا ينتفي الجزاء عند انتفاء الشرط.

القسم الخامس: الربط العلّي الانحصاري، بحيث لا توجد علة بديلة للشرط في التأثير في ثبوت الجزاء مثل إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، و في هذا القسم تتم دلالة الجملة على المفهوم، لأن الجزاء ينتفي بانتفاء الشرط.

و بعد أن عرفنا أنواع الربط بين الجزاء و الشرط، فالجملة الشرطية في مرحلة المدلول التصوري على قول مشهور الأصوليين تدل على الربط اللزومي، بين الجزاء و الشرط، و لذلك فهي لا تدل على المفهوم في مرحلة المدلول التصوري.

و أما السيد الشهيد (رحمه الله)- و تبعا للمحقق الإيرواني (رحمه الله)- يرى أن الجملة الشرطية في مرحلة المدلول التصوري تدل على النسبة الالتصاقية و التوقفية، بحيث إن الجزاء لا ينفك عن الشرط، و ليس المقصود هنا التوقف بالمعنى الفلسفي، و هو حاجة الجزاء في وجوده إلى الشرط، و ليس عدم الانفكاك بالمعنى الفلسفي أي من ناحية الجزاء عند وجود الشرط، فيستحيل انفكاك الجزاء منه بعد وجوده، بل المقصود هو التوقف بالمعنى الأصولي- إن صح التعبير- و بالمعنى الذي ابتكره المحقق الإيرواني (رحمه الله)، و بلوره السيد الشهيد (رحمه الله)، أي أن يكون التوقف من ناحية الجزاء بحيث لا يوجد الجزاء من دون الشرط، و بعبارة جامعة: إن الجزاء لا يوجد إلا بوجود الشرط، و لذا عبر المحقق الإيرواني (رحمه الله) بالربط الانحصاري.

و لذلك فالمدلول التصوري للجملة الشرطية هو النسبة الالتصاقية أو الانحصارية بين الجزاء و الشرط، فلا بد أن يوجد الشرط حتى يوجد الجزاء، و حينئذ تدل الجملة على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و لكن على نحو أن تكون النسبة الالتصاقية أو الانحصارية متحققة بين القيد و سنخ (طبيعي) الحكم، فحينئذ فقط يتحقق انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء القيد.

فضابط دلالة الجملة على المفهوم يوجد حسب رأي السيد الشهيد (رحمه الله) في مرحلة المدلول التصوري‏

47

و أمّا على مستوى المدلول التصديقي للجملة فقد تكشف الجملة في هذه المرحلة عن معنى يبرهن على أنّ الشرط علّة منحصرة، أو جزء علّة منحصرة للجزاء، و بذلك يثبت المفهوم. و هذا من قبيل المحاولة الهادفة لإثبات المفهوم تمسّكا بالإطلاق الأحواليّ للشرط لإثبات كونه مؤثّرا على أيّ حال، سواء سبقه شي‏ء آخر أو لا، ثمّ لاستنتاج انحصار العلّة بالشرط من ذلك، إذ لو كانت للجزاء علّة أخرى لما كان الشرط مؤثّرا في حال سبق تلك العلّة، فإنّ هذا انتزاع للمفهوم من المدلول التصديقي، لأنّ الإطلاق الأحواليّ للشرط، مدلول لقرينة الحكمة، و قد تقدّم سابقا أنّ قرينة الحكمة ذات مدلول تصديقيّ، و لا تساهم في تكوين المدلول التصوري‏ (1).

____________

(1) و أمّا في مرحلة المدلول التصديقي فبعد تحقق دلالة الجملة الشرطية على النسبة الاستلزامية فبوجود الشرط يستحيل عدم وجود الجزاء، و لذلك عبر السيد الشهيد (رحمه الله) عنها بالنسبة الإيجادية، فإن المدلول التصديقي لهذه الجملة هو قصد الحكاية عن النسبة الإيجادية الانحصارية، فنكتة دلالة الجملة الشرطية- في مرحلة المدلول التصديقي- على المفهوم هى النسبة الاستلزامية الانحصارية، أي أن المتكلم من خلال إفهام المدلول التصوري للجملة الشرطية- و هو النسبة الاستلزامية- يقصد الحكاية عن أن الشرط علة منحصرة للجزاء. و لا بد من إجراء مقدمات الحكمة لإثبات أن الشرط في مرحلة المدلول التصديقي يكون علة منحصرة للجزاء.

توضيح ذلك: إن الإطلاق يكون على نحوين:

النحو الأول: إطلاق أفرادي، و هو يجري عند ما يكون المعنى كليا و له حصص متعددة ينطبق عليها، مثل: أكرم العالم، فالعالم بالنسبة لقيد العدالة أو عدم العدالة له حصتان، و تجري مقدمات الحكمة لإثبات أن العدالة لم تلحظ في موضوع الحكم، حيث إن المتكلم لم يذكر قيد العدالة في كلامه، فيثبت أن الموضوع هو طبيعة العالم بدون قيد العدالة، و هذه الطبيعة غير المقيدة تنطبق على حصتيها:

العالم العادل، و العالم غير العادل.

النحو الثاني: إطلاق أحوالي، و هو يجري عند ما يكون المعنى جزئيا- ليس له-

48

هذا ما ينبغي أن يقال في تحديد الضابط.

و أمّا المشهور فقد اتّجهوا إلى تحديد الضابط في ركنين، كما مرّ بنا في الحلقة السابقة:

____________

- حصص متعددة ينطبق عليها- لإثبات أن الحكم ينطبق على هذا المعنى في حالاته المختلفة، مثل: أكرم زيدا، ف (زيد) ليس له حصص أو أفراد متعددة، و لكن له حالات مختلفة، و حينما نشك أنه هل يجب إكرام زيد في حال كونه عادلا فقط، أم أنه يجب إكرامه حتى في حال كونه فاسقا، نتمسك بالإطلاق الأحوالي لإثبات أن الموضوع لوجوب الإكرام هو زيد بدون قيد العدالة، لأن المتكلم لم يذكر أن الحكم مختص بحالة من حالات زيد و هي العدالة مثلا، فيكون الحكم ثابتا لزيد في مطلق حالاته بدون قيد.

و لإثبات أن المدلول التصديقي للجملة الشرطية هو أن الشرط علة منحصرة، و ليس لها بديل في التأثير في الجزاء نتمسك بالإطلاق الأحوالي، فالزيارة في مثل:

إن زارك زيد فأكرمه، تكون مؤثرة في وجوب الإكرام في جميع حالات الزيارة، و لو كان لوجوب الإكرام علة أخرى بديلة غير الزيارة كمرض زيد- مثلا- و فرض أن المرض حصل قبل الزيارة، فوجوب الإكرام- في هذا الفرض- سيستند إلى المرض، لأن المعلول يستند إلى أسبق علله، مما يعني أن الزيارة غير مؤثرة في وجوب الإكرام في حال تقدم المرض، و الحال أنه يجب إكرام زيد عند زيارته سواء كانت زيارته مسبوقة بالمرض أم لا، فبالإطلاق و مقدمات الحكمة يثبت أنه ليس للزيارة علة بديلة سابقة، لأن المتكلم لم يذكر أنه يجب إكرام زيد في حال كون الزيارة غير مسبوقة بالمرض. فبالإطلاق الأحوالي نستفيد عدم وجود بديل سابق للشرط في التأثير في ثبوت الجزاء.

و كذلك لنفي العلة البديلة المقارنة، حيث يتمسك بالإطلاق الأحوالي لإثبات أن الزيارة مؤثرة في الجزاء، و لو كانت مقارنة لمرض زيد؛ لأن العلة البديلة المقارنة لا يخلو من احتمالين:

الأول: أن تكون العلة المقارنة مؤثر بالاستقلال في وجوب الإكرام، كما أن الزيارة تؤثر بصورة مستقلة في ذلك، و هذا الاحتمال باطل، لأنه من المستحيل-

49

أحدهما: استفادة اللزوم العلّيّ الانحصاري.

و الآخر: كون المعلّق مطلق الحكم لا شخصه، و لا كلام لنا فعلا في الركن الثاني‏ (1).

و أما الركن الأول فالالتزام بركنيّته غير صحيح، إذ يكفي في إثبات المفهوم-

____________

- توارد علتين مستقلتين على معلول واحد في عرض واحد.

الثاني: أن تكون العلة المقارنة مؤثرة بنحو بجزء العلة في الجزاء، و أما جزء العلة الآخر فهو الزيارة، و هذا يعني أن الشرط مؤثر في الجزاء فقط في حالة الاقتران بشي‏ء آخر، و الحال أنه بالإطلاق الأحوالي يثبت أن الزيارة مؤثرة بالاستقلال مطلقا سواء كانت مقارنة للمرض أو غير مقارنة. و بذلك يتبين أنه لا توجد علة أخرى بديلة للشرط في التأثير.

و لذلك يرى المشهور أنه في مرحلة المدلول التصديقي لا بد أن يكون الربط بين الجزاء و الشرط متوفرا على خصوصيات خمس: الأولى: أن يكون الربط لزوميا، الثانية: الترتبي. الثالثة: الترتبي العلّي. الرابعة: الترتبي العلّي التام. الخامسة. العلّي التام المنحصر. و عند توفر هذه الخصوصيات جميعا في الربط في مرحلة المدلول التصديقي تكون الجملة ذات مفهوم.

و بهذا البيان يتضح أن المدلول التصديقي (المراد الجدي) للجملة الشرطية هو النسبة الاستلزامية الانحصارية، فالنكتة و الخصوصية الموجودة في المنطوق التي تكون مؤثرة في ثبوت المفهوم للجملة هي: أن وجود الشرط يمثل علة منحصرة للجزاء، و لذلك فبانتفاء الشرط ينتفي الجزاء فيثبت المفهوم للجملة بمعنى الانتفاء عند الانتفاء. فضابط المفهوم عند السيد الشهيد (رحمه الله) ركنان:

الأول: استفادة الربط الالتصاقي أو التوقفي في مرحلة المدلول التصوري، أو الربط اللزومي الانحصاري في مرحلة المدلول التصديقي.

الثاني: كون المعلق هو الحكم المطلق، لا شخص الحكم أي المقيد

(1) فضابط المفهوم حسب رأي مشهور الأصوليين يتمثل في ركنين: الأول:

أن القيد علة منحصرة للحكم. الثاني: أن المعلق على القيد هو سنخ الحكم، لا شخصه‏

50

كما تقدّم- دلالة الجملة على الربط بنحو التوقّف، و لو كان على سبيل الصدفة (1).

مورد الخلاف في ضابط المفهوم:

ثمّ إنّ المحقّق العراقيّ (رحمه الله) ذهب إلى أنّه لا خلاف في أنّ جميع الجمل‏

____________

(1) يلاحظ السيد الشهيد (رحمه الله) على الركن الأول ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: أن المشهور حصر نكتة دلالة الجملة الشرطية على المفهوم في مرحلة المدلول التصديقي بأن تدل الجملة على الربط الاستلزامي الانحصاري بين الشرط و الجزاء، مع أن الجملة يمكن أن يتوفر فيها ضابط المفهوم في مرحلة المدلول التصوري فيما لو كانت تدل على النسبة التوقفية بين الجزاء و الشرط، بأن يكون الجزاء غير منفك عن الشرط، بحيث لا يوجد بوجود غير الشرط، حتى إن كان الربط بينهما بنحو الربط الاتفاقي، فيما لو كان المتكلم يبين بكلامه أن الجزاء متوقف على الشرط، فبانتفاء الشرط حينئذ ينتفي الجزاء.

الملاحظة الثانية: أنه لو فرض أن المدلول التصوري للجملة الشرطية هو النسبة الاستلزامية فلا يجب أن تتوفر في مرحلة المدلول التصديقي كل الخصوصيات الخمس التي أخذها المشهور، و هي: أن يكون الربط لزوميا ترتيبا علّيّاً تاما انحصاريا، فلا يلزم أن يكون الربط ترتيبا، لأن من الممكن أن يكون كل من الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية- مثلا- معلولين لعلة واحدة منحصرة، و مع ذلك يتحقق المفهوم للجملة، لأن انتفاء الشرط يكشف عن انتفاء العلة المنحصرة، و بانتفائها ينتفي الجزاء، و عندئذ فلو انتفى الشرط فإن الجزاء ينتفي، رغم عدم وجود ترتب بينهما. و أيضا لا يجب أن يكون الربط بنحو العلّية التامة فيكفي في تحقق الانتفاء عند الانتفاء أن يكون الشرط جزء علة منحصرة للجزاء، أي أنه يكون علة ناقصة للجزاء، و بانتفاء هذه العلة الناقصة تنتفي العلة المنحصرة فينتفي الجزاء، لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء.

و لذلك فمجرد الربط اللزومي الانحصاري كاف في تحقق دلالة الجملة على المفهوم، بحيث إن انتفاء القيد يؤدي إلى انتفاء الجزاء

51

التي تكلّم العلماء عن دلالتها على المفهوم تدلّ على الربط الخاصّ المستدعي للانتفاء عند الانتفاء، أي على التوقّف، و ذلك بدليل أن الكلّ متّفقون على انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد شرطا أو وصفا، و إنّما اختلفوا في انتفاء طبيعيّ الحكم، فلو لا اتّفاقهم على أنّ الجملة تدلّ على الربط الخاصّ المذكور لما تسالموا على انتفاء الحكم- و لو شخصا- بانتفاء القيد (1).

____________

(1) اتفق مشهور الأصوليين على ضرورة البحث في توفر الركنين اللذين تقدمت الإشارة إليهما في ضابط المفهوم، إلا إن المحقق العراقي (رحمه الله) يرى أنه لا يلزم البحث في كلا الركنين، بل يكفي البحث في تحقق الركن الثاني في الجملة التي يبحث عن ثبوت المفهوم لها، و هو أن يكون المعلق على القيد (الشرط) هو طبيعي الحكم لا شخصه، و أما لو كان المعلق هو شخص الحكم فليس للجملة مفهوم. و ذلك بسبب اتفاق الأصوليين على أن الطبيعة المقيدة بقيد إذا أخذت موضوعا في حكم من الأحكام، فإن هذا الموضوع المقيد يعتبر علة منحصرة للحكم، و الشاهد على أن القيد علة منحصرة للجزاء هو اتفاق الأصوليين في مسألة التعارض بين المطلق و المقيد الإيجابيين، حيث يحمل المطلق على المقيد، فيما لو عرفنا من الخارج أن الحكم واحد في كل منهما، و إن الحكم المجعول في الدليل المطلق هو نفس الحكم المجعول في الدليل المقيد، ففي مثل: أكرم عالما عادلا، يكون القيد مؤثرا بخصوصه في وجوب الإكرام أي أنه علة منحصرة للحكم بوجوب الإكرام، و هذا يستلزم أن ينتفي الجزاء عند انتفاء القيد، و لذلك يحصل التنافي بين الدليل المقيد و الدليل المطلق، لأن الحكم ينتفي عن الموضوع الفاقد للقيد في الدليل المقيد، و الحال أن الحكم يكون ثابتا لموضوع الفاقد للقيد في الدليل المطلق، و لو لم يكن القيد علة منحصرة للحكم، لكان هناك علة أخرى بديلة تؤثر في ثبوت الحكم، كما لو فرض قيام الزاهد عن الملذات مقام العادل، و هذا يعني أن الحكم الثابت للمقيد يثبت للمقيد بوصفه فردا من أفراد المطلق لا بخصوصه، و من ثم يكون ثابتا للمورد الفاقد للقيد، فلا يحصل التنافي بين المطلق و المقيد، و لا حاجة لحمل المطلق على المقيد.

فمن حمل المطلق على المقيد- بحسب قواعد باب التعارض- نكتشف أن-

52

و على هذا الأساس فالبحث في إثبات المفهوم في مقبل المنكرين له ينحصر في مدى إمكان إثبات أنّ طرف الربط الخاصّ المذكور ليس هو شخص الحكم، بل طبيعيّه ليكون هذا الربط مستدعيا لانتفاء الطبيعيّ بانتفاء القيد.

و إمكان إثبات ذلك مرهون بإجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في مفاد هيئة الجزاء و نحوها ممّا يدلّ على الحكم في القضية (1).

و هكذا يعود البحث في ثبوت المفهوم لجملة (إذا كان الإنسان عالما فأكرمه)، أو لجملة (أكرم الإنسان العالم) إلى أنّه هل يجري الإطلاق في مفاد (أكرم) في‏

____________

- اتفاقهم على أخذ الموضوع بقيده في الحكم يدل على أن القيد علة منحصرة للجزاء، فتوفر هذا الركن في جميع الجمل التي ادعيت دلالتها على المفهوم أمر مفروغ منه، و ينبغي البحث في أن المعلق على القيد هل هو سنخ الحكم أم شخصه، و الصحيح أن مقدمات الحكمة تجري في مفاد هيئة الأمر، و بإجراء مقدمات الحكمة في هيئة الأمر المعلق على القيد في الجملة الشرطية يثبت أن المعلق على القيد هو الحكم المجعول من دون تقييده بملاك معين كما يقول السيد الشهيد (رحمه الله) في تعريف سنخ الحكم، أو من دون تقييده بالمبرز بالصيغة أو المنشأ بالصيغة كما يقول المشهور

(1) المصنف (رحمه الله) يحتمل أن يشير في هذا التعبير إلى أن الدليل لو كان من قبيل هيئة الأمر (التي تدل على الوجوب بنحو المعنى الحرفي المتمثل في النسبة الإرسالية الناشئة من الإرادة بحيث يكون التقييد داخلا و القيد خارجا)، فهي تدل على المعنى الجزئي، و مقدمات الحكمة إنما تجري في المعاني الكلية .. و من ثم فإن المعلق على القيد هو شخص الحكم لا طبيعته، و قد تقدم في ضابط المفهوم اشتراط أن يكون المعلق على القيد هو طبيعي الحكم لا شخصه، فلا يكون للجملة مفهوم.

و قد بحث جريان مقدمات الحكمة في مفاد الهيئة في (الواجب المشروط و المطلق).

و الصحيح أن مقدمات الحكمة تجري في مفاد الهيئة في (الواجب المشروط و المطلق).

و الصحيح أن مقدمات الحكمة تجري في مفاد هيئة الأمر، و بإجراء مقدمات الحكمة في هيئة الأمر المعلقة على القيد في الجملة الشرطية يثبت أن المعلق على القيد هو الحكم المجعول من دون تقييده بملاك معين، كما يقول السيد الشهيد (رحمه الله) أو من تقييده بالمبرز بالصيغة أو المنشأ بالصيغة، كما يقول المشهور

53

الجملتين لإثبات أنّ المعلّق على الشرط أو الوصف طبيعيّ الحكم، أو لا؟ و نسمّي هذا بمسلك المحقّق العراقيّ في إثبات المفهوم‏ (1).

____________

(1) و يرد على ما ذهب إليه المحقق العراقي (رحمه الله): بأن حمل المطلق على المقيد يتم فيما لو أخذ الموضوع بقيده في شخص الحكم، فيكون القيد بخصوصه مؤثرا في شخص الحكم، و هذا يستلزم أن يكون القيد علة منحصرة لشخص الحكم، و بانتفاء القيد ينتفي شخص الحكم. و هناك برهان على أن القيد المأخوذ في شخص الحكم علة منحصرة له، لأنه لو كان هناك علة بديلة للقيد تؤثر في ثبوت الحكم، كما لو فرض أن الزاهد عن الملذات و الشهوات يمثل علة بديلة للعادل في ثبوت وجوب الإكرام، فهذا لا يخلو من احتمالين. الاحتمال الأول: أن قيد العادل مؤثر بخصوصه في شخص الحكم بوجوب الإكرام، كما أن القيد الآخر المحتمل- و هو الزاهد- مؤثر بخصوصه في شخص الحكم، و هذا يعني أن شخص الحكم يكون معلقا على موضوعين مختلفين في عرض واحد، و هذا مستحيل لأنه يستلزم تعدد الواحد أي أن شخص الحكم يتعدد بتعدد الموضوع. الاحتمال الثاني: أن القدر الجامع بين القيدين العادل و الزاهد- و هو العارف بالله- هو المأخوذ موضوعا لشخص الحكم، فيكون الزاهد داخلا تحت القدر الجامع الذي هو الموضوع، و بذلك يؤثر في ثبوت شخص الحكم. و لا إشكال من الناحية العقلية في هذا الاحتمال، إلا إنه مخالف لظهور حال المتكلم في أن: ما يقوله يريده، لأن ظاهر الدليل المقيد: (أكرم عالما عادلا)- مثلا- أن العادل بخصوصه قيد لوجوب الإكرام، و على أساس أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت فما دام الوجوب مقيد بالعادل في مدلول الدليل فالعادل مؤثر بخصوصه في شخص وجوب الإكرام المجعول بهذا الدليل (هو المراد الجدي للمتكلم)، لا بعنوان أنه داخل تحت القدر الجامع المؤثر في الحكم. و لذلك فلا يمكن أن تكون هناك علة أخرى بديلة مؤثرة في الحكم، و إذا كان القيد بخصوصه مؤثر، فهذا يستلزم أن يكون القيد علة منحصرة لشخص الحكم، و لهذا فالدليل المطلق يتنافى مع الدليل المقيد في مورد انتفاء القيد، لأن المقيد يدل على أن قيد العادل- مثلا- علة منحصرة للحكم، و بفقدانه ينتفي الحكم، و أما المطلق فيدل على أن الحكم ثابت للفاقد للقيد، و عندئذ يصار إلى حمل المطلق على المقيد فيدل على أن بين الدليلين، كما هو مذكور في محله. و هذا البرهان الذي ذكر في إثبات أن القيد علة منحصرة لشخص الحكم لا يأتي عند ما يعلق سنخ الحكم على القيد

54

مفهوم الشرط:

ذهب المشهور إلى دلالة الجملة الشرطية على المفهوم، و قرّب ذلك بعدّة وجوه:

الأول: دعوى دلالة الجملة الشرطية بالوضع على أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء، و ذلك بشهادة التبادر (1).

____________

(1) من الجمل التي وقع الخلاف في دلالتها على المفهوم الجملة الشرطية، فقد ذهب المشهور إلى أن لها مفهوما، و خالف في ذلك الآخوند صاحب الكفاية (رحمه الله) الذي ذهب إلى عدم دلالة الجمل الشرطية على المفهوم. و ذكرت عدة- وجوه لتقريب دلالة الجملة الشرطية على المفهوم. الوجه الأول: أن الجملة الشرطية وضعت للدلالة على النسبة اللزومية الانحصارية، و بتعبير آخر: أن أداة الشرط تدل على أن الشرط علة منحصرة للجزاء، و بانتفاء الشرط ينتفي الجزاء، و الدليل على هذا أن المتبادر من الجملة الشرطية هو أن الشرط علة منحصرة للجزاء

فلو فرض أن سنخ (طبيعي) الحكم معلق على القيد، أي أن القيد بخصوصه مؤثّر في سنخ الحكم، فهذا لا يستلزم أن يكون القيد علة منحصرة للطبيعي، لأنه لا يوجد ما يمنع من أن يكون قيد العادل- مثلا- مؤثرا بخصوصه في سنخ الحكم بوجوب الإكرام، و أن تكون العلة البديلة، كقيد الزاهد، مؤثرة هي الأخرى بخصوصها في هذا الحكم، لأن الطبيعة تتعدد بحسب تعدد الأفراد، فيكون السنخ بفرد منه معلقا على قيد العدالة بخصوصها، و يكون السنخ بفرد آخر منه معلقا على قيد الزاهد بخصوصه أيضا و هكذا. و هذا مشابه لما هو حاصل في الطبيعيات، فتعليق الطبيعة على قيد بخصوصه لا يعني أن القيد علة منحصرة للجزاء، فطبيعة الاحتراق- مثلا- ضمن فرد تكون معلولة للنار، و هذه الطبيعة تكون معلولة ضمن فرد آخر لضوء الشمس، فتعليق الاحتراق على النار خاصة، لا يستلزم أن يكون هذا القيد علة منحصرة.

و الاتفاق على أن القيد علة منحصرة بالنسبة لشخص الحكم لا يلازم الاتفاق على أن القيد علة منحصرة لسنخ الحكم، و مورد اتفاق الأصوليين في مسألة حمل المطلق على المقيد هو حالة ما لو كان المعلق على القيد هو شخص الحكم، و كان كل من الدليل المطلق و المقيد إيجابيان، و عرفنا من الخارج أن الحكم واحد في كل منهما، فيحصل التنافي بين الدليلين بسبب أن القيد بخصوصه مؤثر في المقيد، فيكون علة منحصرة للحكم، مما يؤدي إلى انتفاء الحكم عند انتفاء القيد، أما الدليل المطلق فيثبت الحكم حتى للمورد الفاقد للقيد، و يحصل التنافي بينهما، و لهذا يحمل المطلق على المقيد حسب قواعد الجمع العرفي في باب التعارض.

فالصحيح هو ما ذهب إليه مشهور الأصوليين من ضرورة البحث عن توفر ضابط المفهوم بركنيه في الجمل التي يدعى دلالتها على المفهوم‏