نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج1

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
403 /
3

الجزء الأول‏

[المقدمات‏]

مقدّمة المؤلّف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و به نستعين؛

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله أوصيائه الأئمة الطاهرين سيّما الإمام المبين و غياث المضطر المستكين (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) و اللّعنة المؤبدة على أعدائهم أجمعين‏

أمّا بعد فلا يخفى على ذوي العلم و التقى و أولي الفضل و النهى انّ ما تضمنه هذا الكتاب نتيجة ما تلقيته في علم اصول الفقه من دروس ألقاها سيدنا الاستاذ العلامة الفقيه الاصولي حجة حجة اللّه المعبود الحاج السيد محمود الشاهرودي قدس اللّه تعالى نفسه الطاهرة على فضلاء الحوزة المقدسة العلمية في النجف الأشرف باب مدينة علم الرسول صلّى اللّه عليهما و آلهما و قد وفّقت لحضور محضره الشريف فقها و اصولا لمدة لا تقلّ من عشرين عاما، و لتحرير ما استفدته منه في مجلس الدرس، و هذا المؤلّف أبحاثه القيّمة في دورته الثانية الاصولية و كان (قدّس سرّه) يلاحظه و يراجعه في الدورة الثالثة و يرغّب في نشره تعميما للفائدة و لكن لم يتيسر ذلك أيّام تشرفي بجوار الروضة المقدسة العلوية على من حلّ بها في كلّ‏

4

ان أفضل الصلاة و التحية رغم تكرر الطلب فأصبحت مجمدة عشرات السنين الى أن وفّق اللّه سبحانه لطبعه بعض أعلام المنتسبين الى سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه)، و لمّا كان ما حرّرته حين استفادتي في مجلس الدرس بحاجة الى مراجعة جديدة لتحسين عبارة و حذف مكرر و تقديم بعض المطالب و تأخير آخر، و لم يكن بوسعي القيام بذلك لما أنا عليه من الشيخوخة و انحراف المزاج و غيرهما؛ فأوكلت إليهم الأمر فبذلوا الجهد و أتعبوا النفس لإعداده للطبع و صرّحوا بمطابقة ما ضبطوه في هذا الكتاب لتحريراتنا فجزاهم اللّه تعالى عن العلم و أهله خير الجزاء و شكر مساعيهم الجميلة و أسأله سبحانه و تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد المتواضع و أن ينفعنا به يوم لا ينفع مال و لا بنون و أرجو من اخواننا أهل العلم و التقوى ألا ينسونا من الأدعية الصالحة سيما لحسن الخاتمة و السلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته.

حرّر هذه الكلمات بيده الجانية الفانية في البلدة المقدسة (قم في اليوم الرابع من شهر جمادي الثانية 1418 ه)

محمد جعفر الموسوي الجزائري (المروج)

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[مقدمة التحقيق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين و بعد،

إنّ تاريخ الفكر الجعفري ملي‏ء بنجوم لامعة في سماء العلم، و أنوار الهداية الربانيّة، و المثل العليا للورع و التقوى، فإنهم قد اهتدوا إلى الكمال، فصاروا كالشموع النيّرة يضيئون الطريق أمام سالكي الحق و النجاة.

إنهم علماؤنا الأعلام الذين بذلوا قصارى جهدهم في طريق الاجتهاد و الوصول إلى الأحكام بعد انقطاعهم عن حجة الله.

فكان لكل واحد منهم دوره المهم في إحياء المذهب الجعفري في عصره، و السعي إلى تربية الأجيال من العلماء لحمل لواء الحوزات بعد سلفهم الصالح، و هذا هو السرّ في بقاء مدرسة الفكر الجعفري شامخة الأفكار و الآراء.

و من جملة الذين كان لهم الدور الكبير في هذا المجال سماحة آية الله العظمى أستاد الحوزات العلمية المرجع الفقيد السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدّس سرّه).

فقد ارتقى كرسي التدريس بعد شيخه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بكل جدارة،

8

و تصدّر للزعامة العلمية حتى ربّى جيلا من المجتهدين و الفضلاء تفتخر الحوزات العلمية بوجودهم الكريم.

فقد دوّنوا المفاهيم العالية من أستادهم الكبير و ساروا على نهجه السديد.

و قد ألّفوا كتبا كثيرة من تقريرات بحث الأستاد بحيث صار من الصعب إحصائها، و لكن لم ينشر منها إلّا القليل.

و لذا فقد عمدت مؤسسة (آل المرتضى للتحقيق و النشر) إلى طبع آثاره و نشر آرائه في مجال الأبحاث الأصولية و الفقهية.

و هذا الكتاب الذي بين يديكم هو الجزء الأول من الدورة الأصوليّة الكاملة التي ألفها سماحة الحجة الفقيه الاصولي البارع المرحوم آية الله العظمى السيد محمد جعفر المروج الجزائري (قدّس سرّه)، و التي بدأ بتقريرها عام 1373 الهجرية القمرية بكل دقة، بحيث أصبح كتابا واسعا جديرا بالاهتمام و التقدير، دوّن فيه أعمق الآراء و المطالب الاصوليّة، لأنّ المؤلف كان من أفضل حضار البحث و مقرريه، لذلك كان الكثيرون ينتظرون صدور هذا الكتاب و يلحّون على اصداره، و سيرى القارئ مدى ما يحويه هذا الكتاب من بحوث علمية عميقة، و لكن مما يؤسف له انّ الكتاب لم يصدر في حياة المؤلف.

و يمتاز هذا الكتاب بذكر آراء الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بصورة دقيقة، و ربما يختلف أحيانا عمّا نقل عنه في بعض تقريراته، و هذا ما يلاحظه القارئ الكريم خلال هذا الكتاب.

و تجدر الإشارة الى ملاحظتين، الاولى: أنه يذكر في المتن رأيا و ينسبه إلى (سيدنا الأستاد) و ليس هو إلّا آية الله العظمى السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدّس سرّه)، و هذه النسبة إنما هي من المقرر (قدّس سرّه).

9

الثانية: أنه قد ذكر في هامش الكتاب مطالب من الدورة التالية لهذه الدورة، فما كان منه موافقا لسياق المتن أدخل في المتن، و ما لم يكن كذلك عقد له هامش في ذيل الصفحة.

هذا و في الختام نسأل الله أن يوفقنا لما يحب و يرضى، و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مؤسسة آل المرتضى (عليهم السّلام) للتحقيق و النشر 15 ربيع الثاني 1421

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[ترجمة المؤلف (قدّس سرّه)‏]

نبذة من حياة الفقيد آية اللّه العظمى السيد محمد جعفر المروّج الجزائري (قدّس سرّه)

ترجمة للمؤلف (قدّس سرّه)

ولد في: الثامنة و العشرين من جمادي الثانية 1328 هجرية قمرية دار المؤمنين مدينة شوشتر.

و والده الكريم: آية اللّه الحاج السيد محمد علي المروج الجزائري (طاب ثراه) كان من أصحاب الفضيلة و التقوى، حضر المقدمات في مدينة شوشتر ثم النجف حيث حضر عند آية اللّه الميرزا محمد الرشتي و آية اللّه العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (قدّس سرّه)، أقام في مدينة شوشتر حيث شكل حلقات درسه و ارتقى منبر الوعظ و الارشاد فصار مصباحا و منهاجا و ضياء منيرا و ملجأ للمؤمنين، و كان من بركاته و خيراته أن قدّم لساحة العلم و الحوزات العلمية ابنا بارا تفتخر به الحوزات العلمية و تستنير من وجوده طيلة سنين متمادية.

و في ذلك البيت المبارك ترعرع المؤلف الفقيد سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد جعفر المروج الجزائري (قدّس سرّه) حيث اشتغل منذ نعومة أظفاره بتعلّم القرآن و كسب العلم فقد بدأ بتحصيل المقدمات في مسقط رأسه دار المؤمنين شوشتر ثم هاجر الى النجف الأشرف في عام 1348 ه ق و أقام في مدرسة القوام و عند أخيه الأكبر سماحة آية اللّه السيد محمد حسين (قدّس سرّه) و قام بتكميل المقدمات و السطوح حيث أنهى كتاب شرح اللمعة عند المرحوم حجة الاسلام و المسلمين‏

12

الشيخ اسماعيل التنكابني، ثم درس كتاب فرائد الاصول عند استاذه الفقيد آية اللّه العظمى السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدّس سرّه) حيث نشأت علاقة وثيقة و محبة عميقة بين التلميذ و الاستاذ من ذلك الحين، ثم أنهى كتاب المكاسب عند المرحوم آية اللّه العظمى السيد علي النوري (قدّس سرّه) و بعد ذلك أنهى قسم مباحث الألفاظ من كتاب الكفاية عند المرحوم آية اللّه الشيخ محمد حسين الحائري (قدّس سرّه) و مباحث الحجة من كتاب الكفاية عند استاذه المرحوم آية اللّه العظمى السيد محمود الشاهرودي (قدّس سرّه).

و قد عاد الى ايران في عام 1351 حسب أمر والده حيث اهتم بأمر تزويج ولده الشاب الفاضل و قرّة عينه، فقد زوجه من كريمة حجة الاسلام و المسلمين الحاج السيد محمد رضا شيخ الاسلام و بعد ذلك رجع الى النجف الأشرف عازما على استمراره في التحصيل و أقام في النجف الأشرف حتى عام 1355 حتى مرض والد المؤلف فما كان من الولد البار إلّا أن يعود الى شوشتر و الاقامة عنده حتى توفي والده في ذلك العام.

فبقي المؤلف (قدّس سرّه) في شوشتر يسير على نهج والده في تشكيل حلقات الدرس و اقامة صلاة الجماعة و ارتقاء المنبر حتى عام 1361 حيث ساعده التوفيق للرجوع الى النجف متعطشا للعلم و ارتقاء المدارج العلمية و الحضور عند الأساتذة. فقد حضر عند العلماء الكبار آنذاك منهم شيخ الفقهاء آية اللّه العظمى الشيخ اقا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه) و خارج المكاسب لآية اللّه العظمى السيد ابو الحسن الاصفهاني (قدّس سرّه).

و كذا حضر بحث الفقه للمرجع الفقيد آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم، و استقر أخيرا في حلقات البحث الفقهي و الأصولي لاستاذه المرجع‏

13

الفقيد آية اللّه العظمى السيد محمود الشاهرودي (قدّس سرّه) طيلة عشرين سنة، فقد حضر دورتين اصوليتين مضافا الى مباحث الفقه و كان من أفضل حضار البحث حيث كان يرجع اليه بعض حضار البحث في تقريره و توضيحه؛ و كان موردا لعناية اساتذته خاصة آية اللّه العظمى السيد الشاهرودي (قدّس سرّه) بحيث كان يهتم في أمر مطالعة تقريرات بحثه الذي كان يقرره السيد المروج (قدّس سرّه) بل كان يأمر ابنه الأكبر سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد الشاهرودي (دام ظله) الذي كان بدوره مقررا لبحث والده لباقي التلامذة و موضحا بحوثه الغامضة فكان يقرأ و كان السيد الاستاذ يمعن النظر فيه بل قد يزيد أو ينقص فيه و لذا نرى بأن كتابه يمتلك مميزات تفرده عن المؤلفات الاخرى.

و كانت نتيجة هذا انّه نال اجازة الاجتهاد من كبار الاساتذة حينذاك منهم آية اللّه العظمى الشيخ اقا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه) و آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الاصفهاني (قدّس سرّه) و آية اللّه العظمى السيد محمود الشاهرودي (قدّس سرّه).

و قد بدأ بتدريس بحث الخارج في عام 1384 هجرية قمرية، طول مدة اقامته في النجف الأشرف حيث هاجر في عام 1391 هجرية قمرية الى ايران تاركا وراءه عمرا من الجهد و الاجتهاد.

و قد أقام بعد هجرته في مدينتي أهواز و قم و قام بالتدريس و تربية جيل جديد من المجتهدين و التاليف في شتى المجالات و عرضها على الحوزات العلمية بحيث أصبحت تأليفاته من الأهمية بحيث لا يستغني منها طلاب العلم في السطوح و حتى بحث الخارج.

و من جملة تأليفاته القيّمة:

1- رسالة في شرح حديث لا تعاد.

14

2- رسالة في حلق اللحية.

3- رسالة في علم الكلام.

4- أعمال الصبي.

5- رسالة في دراية الحديث.

6- رسالة في الوطن الشرعي.

7- رسالة في حكم الحاكم في الهلال.

8- المسائل المستحدثة.

9- منتهى الدراية في توضيح الكفاية 8 مجلدات. و لعله من أفضل شروح الكفاية تحقيقا و توضيحا و تفصيلا، حيث يتعرض لتوضح المعنى الكلي، ثم توضيح جميع عباراته و خاصة الغامضة منها و يضيف اليها بعض آراء المتأخرين كآراء السيد الشاهرودي؛ و بعبارات واضحة، لذلك يعتبر المصدر الأكبر لاساتذة الكفاية و طلابها.

10- هدى الطالب الى شرح المكاسب طبع منه أربع مجلدات و الجزء الخامس قيد الطبع. و هو أيضا كشرحه على الكفاية في مميزاته الفريدة.

11- شرح العروة الوثقى، مجلدان.

12- ضياء السالك في شرح مناسك الحج للميرزا النائيني (قدّس سرّه) مجلدين.

13- شرح على خمس العروة.

14- تعليقة على العروة الوثقى.

15- حاشية استدلال على توضيح المسائل.

16- القواعد الفقهية، تشتمل على قاعدة حرمة الاعانة على الاثم، قاعدة الجب، قاعدتي التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة.

15

17- حاشية على وسيلة النجاة.

18- تقرير قسم من بحث المرحوم آية اللّه العظمى الشيخ اقا ضياء الدين العراقي.

19- تقرير قسم من بحث آية اللّه العظمى السيد جمال الدين الگلپايگاني كان يحضر بحثه في أشهر رمضان المباركة.

20- تقريرات بحث الفقه لآية اللّه السيد محسن الحكيم، خمس مجلدات الطهارة، الربا، الاجارة، النكاح.

21- تقريرات درس الاصول لآية اللّه العظمى السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدّس سرّه) نتائج الأفكار 8 مجلدات.

22- تقريرات بحث الفقه لآية اللّه العظمى السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدّس سرّه) (ينابيع الفقه مجلدين).

و غيرها من الفروع و المسائل الفقهية المتشتتة.

و قد اهتم (قدّس سرّه) في آخر عمره بتكميل تأليفاته على رغم مرضه الذي كان يحول دون فعاليته حيث كان يعاني من أمراض مزمنة أودت بحياته.

و أخيرا توفي (قدّس سرّه) في 25 ذى القعدة 1419 عن عمر يناهز التسعين عاما. و ملأ قلوب العلماء و طلاب العلم و المؤمنين حزنا و أسفا على فقيدهم الغالي، و كان تشييعه حافلا، و اقيمت له مجالس الفاتحة و التأبين في مختلف البلدان.

و مما يخفّف الخطب أنّه خلّف ثروة علمية زاخرة، كتب لها الخلود، حيث تعتبر منهلا لرواد العلم و أبناء الحوزات العلمية فتغمّده اللّه برحمته الواسعة و أسكنه فسيح من جناته مجاورا لآبائه الطاهرين (عليهم السّلام).

مؤسسة آل المرتضى (عليهم السّلام)

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و عترته الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم اجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.

اعلم أنه قد جرى ديدن المصنّفين على تقديم مقدمة على مقاصد العلم الذي يدوّن له كتاب، و هذه المقدمة تحتوي على أمور يحتاج إليها في ذلك العلم، إن لم تذكر تلك الأمور في علوم متقدمة رتبة على ذلك العلم، كمباحث النحو و الصرف و المنطق و المعاني و البيان و الرجال التي ترجع إلى تشخيص الظهور و توثيق الراوي لإثبات كون خبر خبر ثقة، فإن تلك العلوم تثبت الظهور و كون الخبر خبر ثقة، و الظهور و خبر الثقة من صغريات الحجيّة التي هي من مباحث الأصول، فإنه لا يبحث عن تلك المباحث في علم الأصول لذكرها في علوم أخرى متقدمة رتبة على علم الأصول. و الحاصل: أن تلك الأمور إن لم تذكر في سائر العلوم‏ (1) مع مسيس الحاجة إليها فلا بد من ذكرها فيه.

الامر الاول في موضوع علم الاصول‏

و من جملة الأمور التي لم تذكر في سائر العلوم موضوع علم الأصول، و قبل بيانه تعرّض المحقق الخراساني (رحمه اللّه) في الكفاية لتعريف موضوع سائر العلوم بنحو

____________

(1) أو ذكرت بصورة غير منقحة.

18

الضابط الكلّي، فقال: «موضوع كل علم و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة ... الخ» (1).

و قد وقع الخلاف في تعريف العرض الذاتي بين أهل الميزان؛

فقيل: بأنه عبارة عن العرض الذي يعرض الشي‏ء لأمر خارج مساو، كالضحك العارض للإنسان بواسطة أمر مساو له و هو التعجب، أو لامر داخلي و هو إما جزؤه المساوي كالكتابة العارضة للإنسان بواسطة الناطقيّة، أو جزؤه الأعم سواء كان الأعم جنسا قريبا كالمشي العارض للإنسان بواسطة الحيوانيّة أم بعيدا كالتحيّز العارض للإنسان بواسطة الجسميّة.

و قيل: إن العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض الشي‏ء بذاته أي بلا واسطة أصلا، لا ثبوتا و لا عروضا، كلوازم الماهيّة، نظير الزوجيّة للأربعة.

و قيل: إن العرض الذاتي هو ما يكون واسطته الثبوتيّة مطلق الأمر الداخلي الذاتي و إن كان جنسا بعيدا كالتحيّز العارض للإنسان مثلا بواسطة الجسميّة.

و قيل: إن العرض الذاتي ما تكون واسطته الثبوتيّة خصوص الجنس القريب، كالعارض الذي يعرض الإنسان بواسطة الحيوانيّة، أو الفصل الأخير كالعارض الذي يعرضه بواسطة الناطقيّة.

و لمّا كانت هذه التعريفات للعرض الذاتي غير منطبقة على العلوم الشرعيّة، ضرورة أن الأحكام الشرعيّة ليست عارضة للأفعال بسبب اقتضاء ذات الأفعال لتلك الأحكام، لعدم كون الأحكام من رشحات الأفعال حتى على مذهب العدليّة من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات، لأن الأحكام من أفعال الشارع، و كون الملاكات دواعي الجعل و التشريع و كذا الرفع و النصب و الجر

____________

(1) كفاية الأصول/ ص 7.

19

و الإعراب و البناء و الصحّة و الاعتلال للكلمة، و كذا الصحة و المرض للبدن، فإنها ليست عارضة للكلمة و البدن لاقتضاء ذاتهما لها كاقتضاء الأربعة للزوجيّة.

و بالجملة: فلما كانت الأعراض المبحوث عنها في العلوم الشرعيّة أعم من الذاتيّة و الغريبة، و المفروض أنهم عرّفوا الموضوع بما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة، سواء أ كان ذلك باقتضاء ذاته، أم لأمر خارج مساو له، أو أعم، أو مباين كالحرارة العارضة على الماء بسبب إشراق الشمس عليه، فإن هذا القسم على اصطلاح أهل الميزان يكون من العرض الغريب (و على تفسير المحقق الخراساني (قدّس سرّه) يكون من العرض الذاتي).

و الحاصل: لما كانت هذه التعريفات للعرض الذاتي غير منطبقة على العلوم الشرعيّة عدل‏ (1) المحقّق الخراساني‏ (2) تبعا للفصول عن تعريف القوم إلى تفسير العرض الذاتي بقوله: «أي بلا واسطة في العروض» أي بلا واسطة في الحمل، بأن يكون العرض محمولا بالحمل الشائع على المعروض لا على غيره، فإذا كان محمولا عليه بواسطة حمله على غيره لا يكون عرضا ذاتيا، كقوله: زيد أبوه فاضل، فإن الفاضل محمول حقيقة على الأب و محمول بالعناية على زيد، و كحركة السفينة المحمولة مجازا على راكبها، بناء على كون الحركة هي كون الشي‏ء في غير مكانه الأوّل.

____________

(1) ثم إنه عدل بعض عن اصطلاح أهل الميزان في العرض الذاتي، إلى تفسيره بأنه عبارة عن كل ما يكون قابلا و مستعدا لقبول العرض، فحرارة الماء تكون لاستعداد طبعه للتأثّر بالحرارة. هذا و لكن لا يخفى أنه على هذا لا يبقى عرض غريب، ضرورة أن كل موضوع لا بد أن يكون قابلا لورود المحمول عليه، فتكون الأعراض بأسرها ذاتيّة، و هو خلاف مراد أهل الميزان، فهذا الكلام و إن كان في نفسه متينا و لكنه تفسير بما لا يرضى صاحبه، كما أن تفسير المحقق الخراساني (قدّس سرّه) أيضا تفسير بما لا يرضى القوم و إن كان في نفسه صحيحا.

(2) كفاية الاصول/ ص 7.

20

و الحاصل: أن العرض الذاتي هو العرض الذي يحمل على الشي‏ء حقيقة و إن كان لأمر مباين كالحرارة العارضة للماء بواسطة إشراق الشمس عليه، سواء كان ظرف اتصافه و عروضه الذهن كالكلّيّة و الجزئيّة و غيرهما من المعقولات الثانية كما في علم المنطق، أم الاعتبار، أم الخارج، فالمراد بالعرض هو معناه اللغوي لا ما اصطلح عليه أهل الميزان.

نعم، يعتبر في العرض الذي يكون من حالات الموضوع أن يحمل عليه بحيث يعدّ من أوصافه و محمولاته حقيقة، لا بالعرض و المجاز كجريان الميزاب و النهر و غير ذلك مما يكون حمل العرض عليه بالعرض و المجاز.

هذا و لا يخفى أن عدول المحقق الخراساني (قدّس سرّه) عن تعريف الذاتي المفسّر في كلمات الميزانيين و إن كان متينا، لعدم كون الأحكام الشرعيّة عوارض لموضوعاتها، إلّا أن الأحكام ليست من سنخ العرض، ضرورة أن العرض لا يقوم إلّا بمعروضه، و لا يوجد إلّا بوجوده، و من البديهي أن الحكم يسقط بوجود متعلّقه، و مع عدم متعلّقه يبقى الحكم موجودا، فلو كان الحكم من العرض فلا معنى لوجوده مع عدم متعلّقه.

و على هذا فالأولى في تعريف الموضوع أن يقال: إن موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن أحواله و أوصافه، و من المعلوم أن الوجوب و الحرمة من أوصاف الأفعال، لاتصافها بالأحكام، لصحة أن يقال: «صلاة الظهر واجبة» و «شرب الخمر حرام» إلى غير ذلك.

اللّهم إلّا أن يقال: إن العرض تابع لمعروضه في أي موطن تحقق و لو في وعاء الاعتبار، و التبعيّة في الوجود العيني تختص بالأعراض الخارجيّة، كالألوان من السواد و البياض و غيرهما، و أمّا غيرها فيتبع معروضاتها، فإن كانت موجودة في موطن الاعتبار فالعوارض موجودة في وعاء الاعتبار، و إن كانت موجودة في‏

21

الذهن ففي الذهن. فحينئذ يستقيم التعبير بالعوارض و لا حاجة إلى تبديلها بالأحوال.

فإن قلت: إن تلك الأحوال تعرض موضوعات المسائل لا موضوع نفس العلم، فينبغي تحديد الموضوع بأنه عبارة عمّا يبحث فيه عن أحوال موضوعات مسائله، فإن حجيّة خبر الواحد و الشهرة و الإجماع المنقول من عوارض موضوعات مسائل الأصول لا من حالات موضوع العلم.

و كذا البحث عن حكم اسم «إن» و خبرها و اسم «كان» و أخواتها، و نصب التمييز و الحال و غير ذلك بحث عن أحوال موضوعات مسائل النحو لا حالات موضوع علم النحو.

قلت: قد تعرض الخراساني (قدّس سرّه) لجواب هذا الإشكال بقوله: «هو نفس موضوعات مسائله عينا أو ما يتّحد معها خارجا» (1). و حاصله: أن موضوعات المسائل لا تغاير موضوع العلم، بل هي نفس موضوع العلم، لأنها مصاديق ذلك الكلّي الذي هو موضوع العلم فتتّحد موضوعات المسائل مع موضوع العلم.

و طريق استكشاف اتحاد موضوعات المسائل مع موضوع العلم هو واحدة الغرض المترتب على تلك المسائل، فإن واحدة الغرض مع تشتّت المسائل و اختلافها تكشف عن وجود جامع في البين يكون هو المؤثر، لما قيل: من عدم صدور الواحد إلّا عن الواحد، فلا بد من أن يكون المؤثر الجامع بين شتات المسائل هو موضوع العلم.

و قد يرد على ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من استكشاف المؤثر الواحد الجامع بين موضوعات المسائل المسمّى بالموضوع عن واحدة الغرض الذي دوّن له‏

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 7.

22

العلم، كصيانة الفكر عن الخطأ أو صيانة اللسان عن الخطاء في المقال، و غيرهما من الأغراض البسيطة المترتبة على العلوم.

و ذلك لأنه مبنيّ على التأثير و التأثّر، و كون الموضوع علة تكوينيّة للغرض، و ليس الأمر كذلك، ضرورة عدم كون الكلمة (من حيث هي موضوع لعلم النحو) علة لصيانة اللسان عن الخطأ، بل إحراز القواعد و هي المسائل، كقولهم كل فاعل مرفوع و هكذا، سبب (أي مقتض) للغرض المزبور.

هذا مضافا إلى أنه لا يمكن فرض الجامع بين موضوعات مسائل بعض العلوم كعلم الأصول، فإن البحث في حجيّة الأمارات يكون من جهة الكشف عن الحكم الواقعي، و في الأصول العمليّة عن سترته، إذ موضوعها هو الشك في الواقع، و هذان الأمران أي الكشف و الاستتار متضادان لا جامع بينهما (1).

و بالجملة فليس لاستكشاف جامع مواحد بين موضوعات المسائل يسمى بالموضوع من واحدة الغرض سبيل.

إذن، فلا نساعد على القول بواحدة موضوع علم الأصول- لما عرفت من عدم التأثير و التأثر، فلا سبيل إلى استكشاف الجامع بين موضوعات المسائل المسمى بالموضوع-.

فنقول: إن موضوع العلم هو موضوعات المسائل على شتاتها و كثرتها و لا وجه لدعوى واحدته فقولهم: (موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة) فيه استخدام بأن يرجع ضمير (عوارضه) إلى موضوع مسائل العلم، فلكل علم موضوعات كثيرة هي نفس موضوعات المسائل، فموضوع كل علم هو نفس‏

____________

(1) و تصوير (جامع اعتباري) غير مفيد و إلّا ف (الشي‏ء) جامع لكل علم، و يكون البحث في كل علم عن عوارض الشي‏ء و هذا واضح الفساد.

23

موضوعات المسائل بما هي متكثرة متباينة مفهوما و وجودا، كخبر الواحد و الاستصحاب و انسداد باب العلم، فإن حجيّة الظن عقلا غير تبعيض الاحتياط و لا جامع بينهما أصلا، و لا يتم ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من اتحاد موضوع العلم مع موضوعات المسائل عينا و تغايرهما مفهوما لما عرفت من عدم جامع بينها، فما أشرنا إليه سابقا من الاستخدام بإرجاع الضمير في قوله: «عن عوارضه» إلى موضوعات المسائل هو المتعين.

فعلى هذا موضوع كل علم هو موضوعات المسائل، فواحدة العلم حينئذ تكون بواحدة الفائدة المترتبة عليه، كصيانة اللسان عن الخطأ في المقال‏ (1)، أو الاستنباط (2)، أو صيانة الفكر عن الخطأ (3)، أو صيانة البدن كما في علم الطب، أو صيانة الروح كما في علم الأخلاق.

ثم إن هنا إشكالا و هو ان المسائل من عوارض موضوعاتها لا من عوارض موضوع العلم، فلا بد في حلّه من أحد أمرين، إمّا التزام الاستخدام في قوله «من عوارضه الذاتيّة». بأن يقال: إن ضمير (عوارضه) يرجع إلى موضوعات مسائل العلم.

و إما بتكلف إدراج «الحيثيّة» في الموضوع حتى تكون العوارض طرّا لموضوع العلم، بأن يقال: إن موضوع علم النحو مثلا هو الكلمة من حيث الإعراب و البناء، و موضوع علم الصرف هو: الكلمة من حيث الصحة و الاعتلال، و الحيثيّة مكثرة للموضوع، فلا يتداخل العلوم بتداخل الموضوعات في المسائل أصلا،

____________

(1) كما في علم النحو.

(2) كما في علم الأصول.

(3) كما في علم المنطق.

24

و يكون تمايزها بتمايز موضوعاتها.

هذا و يرد على الحل الثاني: أن الحيثيّة إما جهة تقييديّة و إما جهة تعليليّة.

فعلى الأوّل يكون البحث عن وجود الموضوع لا عن عوارض الموضوع و يندرج في المبادي.

ضرورة أن الموضوع إن كان هو الكلمة المقيدة بكونها معربة يلزم من البحث عن إعرابها البحث عن وجود الكلمة المعربة، فكأنه قيل: الكلمة المعربة موجودة فيكون البحث عن وجود موضوع العلم لا عن عوارضه و تكون المسائل قضايا بشرط المحمول.

و على الثاني يلزم واحدة الموضوع في العلوم المتعددة، ضرورة أن الموضوع هو ذات الكلمة، و العلة في البحث عنه هو الإعراب و البناء، فيكون حيث الإعراب و البناء من الأغراض، و من المعلوم أن ذات الكلمة موضوع لجميع العلوم العربيّة، فيتحد الموضوع في جميعها، فلا محالة يكون تمايزها بتمايز الأغراض.

فالحيثيّة على تقدير كونها تعليليّة لا تحل المشكل و لا توجب كون موضوعات المسائل متحدة مع موضوع العلم.

مضافا إلى أنه لا يستقيم المعنى كما حكي عن الفصول، لأن المبحوث عنه هو عوارض الكلمة من الإعراب و البناء، فإن كان الإعراب و البناء علة للبحث عن الإعراب و البناء لزم اتحاد العلة و المعلول. فكانه قيل: يبحث عن الإعراب لأجل الإعراب و البناء.

و لا يخفى أن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) عبر عن الحيثيّة بالقابليّة. و حاصله: أن الموضوع هو الكلمة القابلة للإعراب و البناء في مقابل فعلية الإعراب و البناء بناء على الجهة التقييديّة كما تقدم.

25

التمايز بين العلوم‏

ثم إنه بعد أن لم يثبت كون تمايز العلوم كلّيّة بتمايز الموضوعات لاشتراك جملة من العلوم في الموضوع، كالعلوم العربيّة، لعدم تمامية الحيثيّة التي ذكرها الفصول و القابليّة التي ذكرها النائيني (رحمه اللّه)- كما تقدم- فنقول: إن العلوم إن كانت موضوعاتها متباينة كعلمي النحو و الطب فيكون تمايزها من وجهين: الموضوع و الغرض، و إن كانت موضوعاتها متحدة كالعلوم العربيّة فيكون تمايزها بالغايات و الفوائد المقصودة منها، مثلا صيانة اللسان عن الخطأ في المقال تغاير الفصاحة و البلاغة و هكذا، و هذا أمر وجداني، إذ الموضوع بعد أن كان واحدا في علوم فالوجدان قاض بكون جهة المغايرة الموجبة لتعدد العلم هي الفوائد و الغايات المطلوبة من العلم، كما أن الموضوع إن كان متعددا يكون تغاير العلوم من ناحية الموضوع و الغاية.

فذلكة البحث‏

قد تحصل مما ذكرنا امور:

[الأمر] الأوّل:

إن تمايز العلوم تارة من جهة الموضوع و الفائدة كما في العلوم المتباينة موضوعا، و أخرى من جهة الفائدة فقط، كما في العلوم المتحدة موضوعا.

[الأمر] الثاني:

إن موضوع العلم هو نفس موضوعات المسائل عينا و مفهوما، و ليس للعلم موضوعا سوى موضوعات المسائل، و لا ضير في تعدد الموضوع في علم واحد، لعدم قيام برهان على استحالته بعد ما عرفت من عدم التأثير و التأثر.

26

[الأمر] الثالث:

إنه لا يلزم من كون موضوع العلم نفس موضوعات المسائل عينا و مفهوما أن يكون كل مسألة علما على حدة، بمثابة يصير العلم الذي يشتمل على الف مسألة ألف علم، و ذلك لما عرفت من واحدة الفائدة المطلوبة من تلك المسائل.

فإن قلت: إن الغرض من قولهم (كل فاعل مرفوع) غير الغرض من قولهم:

(إن الجملة الكذائيّة لا محل لها من الإعراب) و هكذا، فلا بد أن يكون كل مسألة من مسائل النحو علما واحدا و يدوّن لكل منها كتاب.

قلت أولا: إن جميع تلك المسائل تشترك في الفائدة و هو الاقتدار على تصحيح الكلام من حيث الإعراب و البناء.

و ثانيا: لا مشاحة في تسمية كل مسألة علما على حدة، إلّا أن حسن التدوين مفقود في غير المسائل المتكثرة.

27

موضوع علم الاصول‏

[تعريف موضوع علم الأصول‏]

قد عرّف موضوع علم الأصول بأمور:

1- الأدلة الأربعة بما هي أدلة كما هو المشهور.

2- الأدلة الأربعة بما هي هي كما عن الفصول، تخلصا عمّا يرد على التعريف الأوّل من كون البحث عن حجيّة الخبر و الظواهر و نحوهما بحثا عن وجود الموضوع لا عن عوارضه، فتخرج تلك المباحث عن مسائل الأصول و تندرج في المبادي.

3- الجامع بين موضوعات مسائل علم الأصول كما قاله المحقق الخراساني (قدّس سرّه)(1).

و فيه: أنه قد عرفت عدم انقداح واحدة موضوع العلم خصوصا في علم الأصول، إذ لا يمكن تصوير الجامع بين كثير من موضوعات مسائله لتضادها، كالأمارات و الأصول و دليل الانسداد و غيرها، فإن مباينة موضوعات هذه المسائل مما لا يخفى.

4- فالأولى أن يقال: إن علم الأصول عبارة عن «كل ما له دخل- بنحو الجزء الأخير للعلة التامة- في استنباط الحكم الشرعي» فخرج بالقيد الأخير العلوم العربيّة و الرجال، لأنها و إن كانت دخيلة إلّا أنها ليست هي الجزء الأخير من‏

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 8، موضوع علم الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة.

28

العلة التامة بل هي تنقح صغريات مسائل الأصول، لدخل العلوم العربيّة في إثبات الظهور الذي يبحث في علم الأصول عن حجيته، و الرجال ينقح خبر الثقة الذي هو موضوع الحجيّة في علم الأصول.

و قد علم من هذا التعريف امور أربعة:

الأوّل: تعريف علم الأصول.

الثاني: موضوعه‏

و هو: نفس موضوعات مسائله، أعني: كل ما له دخل في الاستنباط.

الثالث: فائدته‏

و هي الاستنباط.

الرابع: مرتبته‏

، فإن علم الأصول متأخر رتبة عن العلوم المذكورة.

ثم إنه لا يمكن أن يجعل موضوع الأصول عبارة عن عنوان ما له الدخل في الاستنباط، حتى يكون جامعا بين موضوعات المسائل، لعدم كون ذلك الجامع أصيلا لما عرفت من مباينة الموضوعات بمثابة لا يتصور بينهما جامع أصيل، و الجامع الانتزاعي لا أثر له، لعدم ترتب الأثر إلّا على الموجود الخارجي، إلّا أن يكون الغرض اعتباريا أيضا فحينئذ لا مانع من كون المؤثر فيه أيضا اعتباريا.

و كيف كان فيرد على جعل الموضوع عبارة (عن ما له الدخل) أن المراد بالدخل إن كان هو الدخل المطلق في الاستنباط فيلزم عدم الإطراد، لدخول العلوم العربيّة و الرجال فيه، و إن كان دخل الجزء الأخير من العلة التامة- كما أفاده الميرزا النائيني (رحمه اللّه)- فيلزم عدم الانعكاس، لخروج مباحث الألفاظ المتكفلة لإثبات الظهورات- التي هي صغريات المحمولات المبحوث عنها في الأصول أعني بتلك المحمولات: الحجيّة- عن علم الأصول كما لا يخفى.

29

ثم إن قول المحقق الخراساني (قدّس سرّه) (من عوارضه لا من عوارضها) (1) واضح ضرورة أن الحجيّة المسمّاة بالثبوت التعبدي، أي تنزيل الخبر المشكوك الصدور بمنزلة معلومه من عوارض الخبر الحاكي عن السنّة لا من عوارض السنّة. و من المعلوم أن الخبر غير السنّة، فالبحث عن الثبوت التعبدي و إن كان بحثا عن العوارض لكن المعروض و هو الخبر أجنبي عن موضوع علم الأصول.

هذا و عن الميرزا النائيني (رحمه اللّه) الإشكال عليه: بأن المثبتيّة بالكسر و المثبتيّة بالفتح من الأمور المتضايفة و لا يمكن تعقل أحدهما بدون الآخر، فثبوت الخبر الحاكي يلازم ثبوت المحكي و هو السنّة، فالبحث عن ثبوت الخبر و هو المسمّى بالحجيّة بحث عن المحكي و هو السنّة.

ثم إنه لا يخفى الثبوت التعبدي إن كان المراد به وجوب العمل بمؤدى خبر العادل، كما هو ظاهر آيتي النبأ و النفر، و مختار شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه) في حجيّة الأمارات، فكون الثبوت التعبدي بحثا عن عوارض الخبر لا السنّة، مما لا إشكال فيه، بل لا معنى للثبوت التعبدي، لكون مرجع البحث عن حجيّة الخبر حينئذ إلى وجوب العمل بمؤدى خبر الثقة على وجه الموضوعيّة، سواء كان مؤداه هو السنّة أم لا، فلا ربط لثبوت السنّة تعبدا بالخبر حتى يتوجه كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه)، فإشكال صاحب الكفاية (قدّس سرّه) متجه، إذ لا ربط لحجيّة الخبر بمعنى وجوب العمل به بالسنّة.

و إن كان المراد بالثبوت التعبدي هو تنزيل مؤدى الخبر منزلة السنّة الواقعيّة فكذلك أيضا، لرجوع البحث عن حجيّة الخبر حينئذ إلى وجوب ترتيب آثار السنة

____________

(1) كفاية الأصول/ ص 9.

30

الواقعيّة على الخبر، فكأنه قيل: الخبر كالسنة في الآثار.

و إن كان المراد بالثبوت التعبدي أن خبر الثقة محرز للمؤدى و موجب للعلم بالواقع، كما هو طريقة العقلاء في العمل بالخبر، فإنهم يعملون به من باب الطريقيّة و المحرزيّة، و أدلة حجيّة خبر الواحد تكون إمضاء لهذه الطريقة، فيكون البحث في أن الخبر هل يوجب العلم بثبوت السنة أم لا، فيكون البحث عن وجود الموضوع أعني وجود السنة و عدمه، فيكون الثبوت واقعيا لا تعبديا حتى يكون من العوارض.

و الحاصل: أنه على جميع المباني لا يكون الثبوت التعبدي مجديا في كون حجيّة الخبر من مسائل الأصول، و لأجل هذه المحاذير عدل صاحب الكفاية (رحمه اللّه) عن جعل الموضوع الأدلة الأربعة بما هي هي أو بما هي أدلة إلى أن الموضوع هو كل ما له دخل في استنباط الأحكام الشرعيّة الواقعيّة أو الظاهريّة، و المراد بالدخل هو الجزء الأخير للعلة التامة أو أقرب المعدات إليه، فيدخل في علم الأصول حينئذ مباحث الألفاظ ككون الأمر و النهي حقيقة في الحرمة و غير ذلك المثبتة للظهورات و مباحث الملازمات العقليّة الغير مستقلة، (كاجتماع الأمر و النهي و وجوب مقدمة الواجب)، و المباحث العقليّة المستقلة (كالبراءة و التخيير و الاحتياط العقليّة) فلا ينتقض التعريف بأنه يلزم دخول مسائل النحو و الصرف مثلا في علم الأصول.

ثم إن المحقق الخراساني (قدّس سرّه) قد أشار بقوله: (و أما إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها (1)) إلى القول المحكي عن الفصول‏ (2)، و غرض المحقق الخراساني (قدّس سرّه) الإشكال على جعل موضوع علم الأصول ذوات الأدلة الأربعة أو بما هي أدلة، سواء كان المراد بالسنة معناها المصطلح من قول المعصوم (عليه السّلام) أو فعله،

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 9.

(2) الفصول/ ص 12.

31

أو تقريره، أم معناها الآخر الذي هو أعم من حكايتها.

أما على الأوّل: فقد عرفت الإشكال و هو خروج مبحث حجيّة خبر الواحد و تعارض الخبرين عن مسائل علم الأصول.

و أما على الثاني: فالبحث عن حجيّة الخبر و تعارض الخبرين و إن كان من عوارض السنة بهذا المعنى الأعم من السنة بمعناها المعروف، فيكون مسألة حجيّة الخبر و أحد الخبرين في التعارض حينئذ من علم الأصول لكنه يلزم خروج مباحث الألفاظ عن علم الأصول، ضرورة انها دخيلة في إثبات صغريات المسألة الأصوليّة التي هي كبرى قياس الاستنباط و ليست من المسألة الأصوليّة في شي‏ء.

بل يلزم خروج مباحث الألفاظ على كل حال و إن قلنا بكون موضوع علم الأصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله، ضرورة أن مباحث الألفاظ لا تتكفل إلّا لإثبات الظهورات التي هي موضوع الحجيّة التي هي نتيجة المسألة الأصوليّة.

اللّهم إلّا أن يقال: إن المسألة الأصوليّة لا تنحصر في وقوعها كبرى قياس الاستنباط بل أعم من كونها كبرى له أو صغرى، كمسألة اجتماع الأمر و النهي، فإنه بناء على واحدة المتعلّق تكون صغرى لمسألة النهي في العبادة التي يكون نتيجة البحث فيها فساد العبادة مثلا.

ثم أشار المحقق الخراساني (قدّس سرّه) بقوله: (و يؤيد ذلك ... الخ) (1) إلى عدم كون خصوص الأدلة الأربعة موضوعا لعلم الأصول، و وجه التأييد عدم تقييد القواعد المذكورة في تعريفه بكون موضوعها خصوص الأدلة كما هو واضح.

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 9.

32

ثم إنه قال صاحب الكفاية (رحمه اللّه) «الأولى تعريفه بأنه صناعة ... الخ» (1)، و وجه الأولويّة هو أنه ليست لعلم الأصول قواعد مضبوطة حتى يعرّف بأنه علم بتلك القواعد كما في سائر العلوم، بل علم الأصول حقيقة صناعة يقتدر بها على تأسيس قواعد تقع في طريق استنباط الحكم الواقعي و الظاهري، ضرورة أن نتيجة البحث عن حجيّة خبر الواحد إن كانت هي حجيته فتكون قاعدة يستنبط منها الحكم الشرعي، و إن كانت عدم حجيته فلا يستنبط منها الحكم الشرعي، إذ يكون حينئذ باب العلم و العلمي منسدا و تكون نتيجة مقدمات الانسداد- على التقرير الصحيح من التقريرات الثلاثة المذكورة في دليل الانسداد- التبعيض في الاحتياط، إذ العلم الإجمالي بالأحكام يقتضي الإطاعة الاحتياطيّة، و لا ربط له حينئذ باستنباط الأحكام و ينهدم اساس علم الأصول من أصله، لكون البحث حينئذ عن الإطاعة الاحتياطيّة التي يقتضيها حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي.

و بالجملة، فلما كانت مسائل علم الأصول متباينة الموضوع و المحمول، إذ لا ربط لمسألة حجيّة الخبر بالإطاعة الظنيّة التي يحكم بها العقل في الانسداد و منجزيّة العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة و عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل في قاعدة التجاوز و غير ذلك من المباحث الأصوليّة الغير المرتبط بعضها بالآخر موضوعا و محمولا.

فلا محيص إلّا عن تعريف علم الأصول: بأنه علم بقواعد أو نتائج تقع في طريق الاستنباط (2)، سواء كانت تلك النتائج كبرى للقياس المنتج للحكم الكلّي‏

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 9.

(2) و لكن بشرط عدم ذكر تلك الامور في علم آخر (أي العلوم العربية و المعقول) أو ذكرت و لكن بصورة غير منقحة.

33

الفرعي كحجيّة الخبر، فإنها تقع كبرى قياس الاستنباط إذ يصحّ أن يقال: صلاة الجمعة مما قام على وجوبها خبر الثقة و كلّ ما كان كذلك فهو واجب، فينتج أن صلاة الجمعة واجبة، أم صغرى للحجيّة كقولنا: الأمر ظاهر في الوجوب، و كل ظاهر حجة فالأمر حجة في الوجوب.

فالحاصل: أنه لا فرق في كون المسألة الأصوليّة بنفسها واقعة كبرى لقياس الاستنباط أو بواسطة.

و على هذا، فالقواعد الفقهيّة المبحوث عنها في علم الأصول كقاعدتي التجاوز و الفراغ، و قاعدة نفي الضرر و الأصول العمليّة الشرعيّة داخلة في علم الأصول، مثلا يستفاد من البحث في قاعدة الضرر نفي جعل الحكم المؤدي إلى الضرر فيجعل هذا كبرى، و يقال: إن لزوم البيع الغبني مثلا ضرر و كل ضرر مرفوع فلزوم البيع الغبني مرفوع، فيحكم بثبوت الخيار في البيع الغبني، ثم يفتي المجتهد بأن البيع الغبني فيه الخيار، و بعد ذلك يرتب المقلد بمقتضى ارتكازه قياسا و هو أن هذا بيع غبني، و كل بيع غبني يوجب الخيار فهذا يوجب الخيار.

34

الأمر الثاني في الوضع‏

اعلم أن من جملة الأمور التي يبحث عنها في المقدمة مباحث الوضع إذ لم تذكر في علم آخر، لأن كتب اللغة لا تتكفل لحقيقة الوضع و معناه بل لبيان موارد الاستعمالات.

و كيف كان فالبحث عن الوضع يكون بعد البناء على عدم كون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية صرفا، إذ لا يبقى حينئذ مجال لهذا البحث كما هو واضح.

و على كل حال الأقوال في دلالة الألفاظ على معانيها ثلاثة.

الأول: كونها ذاتية صرفة.

الثاني: كونها جعليّة صرفة.

الثالث: كونها بالذات و الجعل كليهما.

و قد احتج للأوّل بما حاصله: أنه لو لم تكن ذاتية يلزم الترجيح بلا مرجح الذي مرجعه إلى الترجح بلا مرجح، بمعنى وجود المعلول بلا علّة.

توضيحه: أنه لو لم تكن الدلالة ذاتية يلزم وجود اختصاص اللفظ بالمعنى بلا علّة، و هو محال، فلا محيص عن الالتزام بكون دلالة الألفاظ ذاتية محضة لئلا يلزم المحال.

و فيه: أن الترجيح ليس منحصرا في المرجّح الذاتي فلا مانع من كون المرجح خارجيا، نعم، إن كان الواضع هو اللّه سبحانه و تعالى يبقى مجال لكون الدلالة ذاتية، لعدم مرجح خارجي هناك، لحضور المعاني و الألفاظ كلها هناك دفعة واحدة.

35

و الحاصل: أن برهان الترجيح بلا مرجح لا يصلح لإثبات كون المرجح ذاتيا محضا إلّا إذا كان الواضع هو الخالق جل و علا، فلا مانع من كون الدلالة بالجعل، و لو لسبق حضور معنى في الذهن على سائر المعاني فيكفي هذا الانسباق في ترجيح دلالة لفظ على معنى.

و استدل للثاني بما حاصله: أن الألفاظ الدالة على معنى واحد متباينة باختلاف اللغات، فإن العنب يدل في لغة العرب على ثمرة خاصة و في اللغة الفارسيّة تسمى تلك الثمرة «أنگور»، و في لغة أخرى لفظ آخر و هكذا، و مع اختلاف الألفاظ و مباينتها يستحيل كون الدلالة ذاتية صرفة لاستحالة سنخيّة معنى واحد لأمور متباينة، و على هذا لا يمكن أن تكون دلالة الألفاظ ذاتية بل لا بد أن تكون جعليّة.

و استدل للثالث: بأن الدلالة ليست ذاتية صرفة كما توهم- بحيث كان اللفظ بذاته علة تامة للدلالة و كانت الدلالة رشحا له- لوضوح عدم تبادر المعاني من الألفاظ من حيث هي، و لو كانت الدلالة ذاتية لزم انسباقها منها لكل أحد بمجرد استماع اللفظ، و من البديهي عدم ذلك و احتياج تبادر المعنى من اللفظ إلى العلم بكون ذلك اللفظ موضوعا للمعنى، كما أن الدلالة ليست بالجعل الصرف للزوم الترجيح بلا مرجح، فلا جرم تكون الدلالة بجعل جاعل مع المناسبة الذاتيّة لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح، و هذا القول مما اختاره ظاهرا المحقق النائيني (قدّس سرّه).

و فيه: ما عرفت من كفاية المرجح الخارجي في الترجيح و عدم انحصار المرجح في الذاتي، فالمتحصل بطلان القولين الأوّل و الثالث اي الذاتيّة المحضة و المتوسط بين الذاتيّة و الجعل، فالمتعين هو الأوسط لكونه خير الأمور.

إذ عرفت أن الحقّ في دلالة الألفاظ على معانيها هو الجعل أعني الوضع‏

36

فاعلم أنه قد عرّف الوضع بتعاريف عديدة.

منها: أنه إنشاء علقة بين اللفظ و المعنى.

و منها: أنه التعهد.

و منها: غير ذلك مما هو مذكور في المطولات.

و قد أشكل على الأولين بأن الوضع- الذي هو عبارة في المقام عن وضع اللفظ على المعنى كوضع حجر على حجر- أنه لا يوجد بالإنشاء و التعهد أولا، و بأنه يلزم الترجيح بلا مرجح ثانيا. و فيهما ما لا يخفى.

أما الأول: فلأن المراد بالموجود هو الاعتباري لا التكويني، فإن الوضع كالملكيّة و الزوجيّة من الأمور الاعتباريّة القابلة للجعل.

و أما الثاني: فلما عرفت من كفاية المرجح الخارجي و لو خطور المعنى في الذهن قبل خطور المعنى الآخر، إذ الوضع يكون تدريجيا سواء كان الواضع هو الخالق جل و علا أم المخلوق.

في تعريف الوضع‏

قال سيدنا الاستاذ: إن من جملة تعريفات الوضع هو (تعيين اللفظ للدلالة على معنى) بنفسه و يخرج بقيد (نفسه) المجازات، ضرورة أن الدلالة عليها تكون بمعونة القرينة.

و لكن قد يشكل فيه بخروج المشترك عنه لاحتياجه إلى القرينة.

و لكن يدفع بأن الدلالة على جميع المعاني في المشترك حاصلة، و القرينة إنما تكون لأجل تعيين المراد لا الدلالة.

37

نعم، بناء على كون الاستعمال جعل اللفظ قالبا للمعنى و إيجادا له لا يندفع إشكال المشترك. فما ذكرنا من الادلة المشترك على جميع معانيه و خطورها منه بمجرد إلقاء اللفظ مبني على كون الاستعمال كالمرآة لا كالقالب و الإناء الذي ملأ من الماء في عدم قابليته حينئذ لأن يمتلئ من اللبن مثلا.

و لكن يرد عليه بخروج الوضع التعيّني عن هذا التعريف، و الحروف تكون دلالتها على معانيها بمعونة مدخولاتها، فإن كلمة (من) لا تدل على شي‏ء قبل ذكر (البصرة) مثلا.

هذا و لكن يمكن دفعه بأن المعنى على قسمين استقلالي كالأسماء، و إلى كالحروف، و ذكر المتعلّق في الحروف يكون لتحقق المعنى الآلي، و أما الدلالة على ذلك المعنى الآلي فيكون بنفس الحرف بلا معونة شي‏ء أصلا.

فالأولى تعريف الوضع بمعناه الاسم المصدري و هو الارتباط الحاصل بين اللفظ و المعنى تارة بالتعيين و الاخرى بالتعيّن الناشئ من كثرة الاستعمال، و لا بد أن يكون ذلك الارتباط الخاص لمرجح و لو خارجي أو خيالي، لئلا يلزم حصول الإرادة نحو شي‏ء بلا موجب، لاستحالة الترجّح بلا مرجح.

و ما قيل: من عدم استحالته و التمثيل له بطريقي الهارب و رغيفي الجائع فهو مغالطة واضحة، ضرورة أن الهارب من الأسد و الجائع الاكل لأحد الرغيفين المتساويين خارج عن محل الكلام، إذ الكلام في إرادة الفاعل المختار لا من خرج عن الاختيار لجوع أو خوف، فهذان المثالان و نظائرهما خارجة عن محل البحث و أجنبية عن الترجيح بلا مرجح، و المثال المطابق له: هو ما إذا بني سقف مثلا على جدار و كان ثقل ذلك السقف من جميع الجوانب على ذلك الجدار بنسبة واحدة، فإذا مال الجدار إلى جانب مع انحفاظ تلك النسبة يلزم الترجيح بلا مرجح، و وجود

38

ذلك الميل بلا علة، و من المعلوم عدم وقوع هذا.

و مثاله في الوضع هو أن ينسبق معنيان دفعة إلى ذهن الواضع، و كذا لفظان، فإن تخصيص أحد اللفظين بأحد المعنيين ترجيح بلا مرجح.

و عن الفصول تعريف الوضع: بأنه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بلا اعتماد على معنى، فصاحب الفصول عدل عن كلمة (بنفسه) في التعريف السابق لما عرفت من ورود بعض الإشكالات عليه، كخروج المشترك و الحروف عن الوضع و قوله: (بلا اعتماد على المعنى) يخرج به المجاز، إذ دلالة اللفظ على معناه المجازي يكون لأجل الاعتماد على المعنى الموضوع له، ضرورة اعتبار العلاقة بينه و بين المعنى المجازي، فالمجاز يتفرع على الحقيقة و هذا بخلاف دلالة اللفظ على معناه الموضوع له، فإنه لا يكون للاعتماد على معنى آخر.

و لا ينتقض هذا التعريف بالحروف، لما عرفت من أن دلالتها لا تكون للاعتماد على وضع آخر بل تكون متوقفة على تمامية معنى المدخول و تحققه و إن كان حصوله بدلالة لفظ المدخول عليه مجازا، فمراد الفصول من الاعتماد على معنى هو الاعتماد على وضع لذلك المعنى.

و لما كان في هذه التعريفات مسامحة واضحة، لاشتمالها على فائدة الوضع و هو الدلالة: لأن اللّام في قولهم: للدلالة على معنى للغاية، فهذه التعريفات مشتملة على فائدة الوضع، و من المعلوم أن مفهوم الشي‏ء غير فائدته، فأخذ الفائدة في المفهوم غير صحيح، عدل صاحب الكفاية (قدّس سرّه) إلى قوله: (الوضع نحو اختصاص) (1) فإن لوحظ الارتباط و الاختصاص باعتبار صدوره يكون الوضع ملحوظا بمعناه المصدري، و إن لوحظ باعتبار نفسه و وجوده يكون الوضع ملحوظا

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 9.

39

بمعناه الاسم المصدري، و الاختلاف بين المعنيين اعتباري.

فتلخص من جميع ما ذكرناه حقيقة الوضع، و كونه قابلا للوجود بالتعهد و الإنشاء و الاستعمال، كما إذا قال لولده الذي لم يعين له اسما: يا أحمد مثلا افعل كذا على ما يتضح إن شاء اللّه تعالى في المباحث الآتية.

لكنه قد أورد على قابلية الوضع للإنشاء بما حاصله أن الألفاظ تباين المعنى، و لا يمكن إيجاد المعنى باللفظ، لأن شأن الألفاظ حكاية المعاني و الحالات النفسانيّة نظير المرآة، فإنها تحكي عن الصور و تكشف عنها و لا توجدها، فلا يمكن أن يوجد المعنى باللفظ، فإذا قال: اسقني ماء، يكون هذا إخبارا عن حالته العارضة و هي العطش التي لا تزول إلّا بالماء، و لمّا كان شأن اللفظ الحكاية فقط قالوا: ان الإنشائيّة تحتاج إلى القصد.

و بالجملة، مرجع هذا الإشكال إلى عدم إيجاد المعنى باللفظ، و هذا الإشكال لا يختص بالوضع، بل جميع الإنشائيات من العقود و الإيقاعات كذلك.

هذا ملخص الإشكال، و إن شئت الوقوف على الإشكال تفصيلا فراجع كتاب درر الأصول.

و لكن فيه ما لا يخفى، ضرورة أن المدعى هو إنشاء الوضع بآلة اللفظ، لا بأن يكون اللفظ علّة لوجود المعنى و مؤثرا فيه، و الإشكال مبني على كون اللفظ موجدا للمعنى كإيجاد العلّة للمعلول و هذا مما لا نقول به، ضرورة أن الموجد للمعنى هو المنشئ، غايته أن آلة الإيجاد هو اللفظ كالضرب بالعصا فإن الضارب هو الشخص دون العصا.

فلا ينبغي الإشكال في صحة إنشاء الوضع كإنشاء غيره من الانشائيات، كما لا يخفى.

40

إذا عرفت حقيقة الوضع يقع الكلام في الواضع، و أنه هو اللّه تعالى شأنه أو المخلوق أو كلاهما، ذهب إلى كل منها فريق. و ربما يستدل للأول: بعدم تناهي المعاني، و عدم إحاطة أحد بهما إلّا اللّه تعالى، فليس للمخلوق إحاطة بها حتى يضع لها ألفاظا.

و بقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ... (1) الخ، بتقريب أن تعليم الشي‏ء فرع وجود ذلك الشي‏ء، فالوضع لجميع اللغات كان ثابتا حين تعليمه سبحانه و تعالى آدم (عليه السّلام)، و لم يكن في ذلك الوقت مخلوق غيره حتى يستند وضع الألفاظ و اللغات إليه، فلا جرم يكون الواضع هو اللّه تعالى.

و كلاهما مدفوع: أما الأول: فلكون المعاني الكلّيّة متناهية، و على تقدير تسليم عدم تناهيها، فلمّا كان الابتلاء بها تدريجا يمكن أن يضع المخلوق لمعنى يبتلى به لفظا و هكذا.

و أما الثاني: فلأن المراد بالأسماء هو المسميات لبعض القرائن الموجودة في الآية المباركة، كقوله تعالى‏ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، إذ على تقدير كون الأسماء بظاهرها مرادا يلزم أن يقول عرضها لا عرضهم كما هو واضح.

فالحقّ: أن الواضع هو المخلوق لقوّة مدركة أودعها خالق الأشياء في نفوس العباد، يضعون بها الألفاظ للمعاني كما هو المحسوس في الأطفال، فإنهم يضعون بعض الألفاظ للمعاني، كما يصنعون بعض الصنائع كالتليفون و الراديو و غيرهما، فإن جميع ذلك يكون لقوة أودعها اللّه تبارك و تعالى في عباده.

____________

(1) سورة البقرة/ آية 31.

41

في أقسام الوضع‏

ثم إن أقسام الوضع بحسب التصوّر أربعة، لأن الواضع الذي لا بد أن يتصور في مقام الوضع كلا من اللفظ و المعنى، إما أن يتصور معنى كلّيا و يجعل لفظا بإزاء نفس ذلك المعنى المتصور، أو بازاء مصاديقه، لكفاية تصور المصاديق إجمالا في ضمن المعنى الكلّي الجامع لها.

و إما أن يتصور معنى جزئيا و يجعل لفظا بازائه، أو بإزاء الكلّي الجامع لذلك المعنى الجزئي و غيره من الجزئيات المشاركة له في ذلك الكلّي لأن ذلك الكلّي متصور في ضمن فرده.

فالأقسام أربعة، و الأولان يسميان بالوضع العام و الموضوع له العام و الوضع العام و الموضوع له الخاص، و الأخيران بالوضع الخاص و الموضوع له الخاص و الوضع الخاص و الموضوع له العام.

لا إشكال في إمكان ما عدا الأخير، و وقع الكلام في إمكان الأخير و امتناعه.

و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه إمكانه هو: أن الخاص لاشتماله على الكلّي فحين تصور الخاص يتصوّر الكلّي أيضا لاندراج الكلّي فيه، و هذا المقدار من التصور يكفي في وضع اللفظ بإزاء الكلّي بعد أن كان المتصور التفصيلي هو الخاص، فتصور الخاص تصور إجمالي للعام، فيكفي هذا المقدار من التصور و اللحاظ في وضع اللفظ له، و إن كان المتصور التفصيلي أولا هو الخاص.

و لكن فيه: أن الخاص بما هو خاص مباين للعام و للخاص الآخر، و لا

42

يكون المباين وجها و عنوانا للمباين، نعم يكون تصور الخاص علة لتصور العام من باب عليّة التضاد فإن الذهن ينتقل من أحد الضدين إلى الآخر، و لكن ذلك أجنبي عن التصور بالوجه و العنوان الذي مرجعه إلى كونه محمولا على ذي الوجه و العنوان، كما في الوضع العام و الموضوع له الخاص، فإن العام وجه للخاص و محمول عليه دون العكس.

و كيف كان فلا يهمنا البحث عن الامكان و عدمه بعد فرض عدم وقوعه، و إنما المهم هو التعرض لما وقع من الأقسام الثلاثة الممكنة الباقية فنقول و به نستعين:

أما الوضع العام و الموضوع له العام فلا ينبغي الإشكال في وقوعه، كأسماء الأجناس، و أما الوضع الخاص و الموضوع له الخاص فكذلك أيضا، كالأعلام الشخصيّة، و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقيل: أنه كالحروف و الهيئات و المبهمات.

43

المعنى الحرفي‏

و في المعنى الحرفي أقوال و مذاهب:

منها: أن المعنى الحرفي كالاسمي و لا تفاوت بينهما

أصلا إلّا في لحاظ الآليّة و الاستقلاليّة (1).

و منها: أنها إيجادية

، بمعنى تحققها في موطن الاستعمال، فلا يكون لها مفهوم بل يكون لها معنى.

و منها: أنه لا مفهوم و لا معنى للحروف أصلا

، بل الحروف علائم لمعرفة معنى الغير كالإعراب، فإن الرفع مثلا علامة الفاعلية و لا معنى لنفس الرفع أصلا (2).

و منها: أن الحرف إن لم يكن نسبيا كأدوات النداء يكون إيجاديا

، و إن كان نسبيا مثل من و إلى و غيرهما من الحروف الرابطة بين المعاني الاسميّة، ففي كونه إيجاديا و إخطاريا وجهان‏ (3).

و هذا التفصيل منسوب إلى المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه).

و الحق هو القول بالإيجاديّة، و توضيحه منوط بتقديم مقدمتين:

إحداهما: أن التصور فرع وجود الشي‏ء و إدراكه باحدى الحواس الظاهرة،

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 25، شرح الكافية/ ج 1، ص 10.

(2) شرح الكافية/ ج 1، ص 10.

(3) هداية المسترشدين/ ص 23 الفائدة الثانية.

44

سواء كان ذلك المحسوس جوهرا أم عرضا، فإنه إذا فرض كون شخص أعمى من حين ولادته، فهل يمكن أن يتصور في ذهنه صورة البياض أو صورة زيد مثلا قبل توصيفه له؟ فوجود الشي‏ء ذهنا أي تصوره بصورته منوط بإدراكه باحدى الحواس الظاهرة، ف (زيد) مثلا المشتمل على صورة و مادة إذا راه (عمرو) مثلا ببصره، فيجي‏ء في ذهنه صورته مجردة عن المادة، لاستحالة مجي‏ء مادّته في الذهن.

الثانية: أن المفهوم عبارة عن المدرك العقلاني، و هو من أبسط البسائط، لأن صورة الشي‏ء بدون المادة تجي‏ء في الحس المشترك الذي هو الفاصل بين الحواس الظاهرة و الباطنة، ثم يصعد إلى القوة العاقلة مجردا عن المادة و الصورة، و ليس هناك إلّا ذات الشي‏ء العاري عن المادة و الصورة و الحيثيات، و لذا قيل: إن المفهوم أبسط البسائط، فالمفاهيم متباينات لعدم جامع جنسي و لا غيره بينها حتى يكون تمييزها بالفصول المنوّعة أو المصنفة أو المشخصة، إذ المفهوم الذي هو المعلوم حقيقة هو نفس الذات المعرّى عن الجنس و الفصل و المادة و الصورة.

إذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول:

إن المدّعى هو كون الحروف إيجادية لا إخطارية، و بعبارة أوضح، الحروف لا مفهوم لها، و إنما لها المعنى فقط، لما عرفت من أن المفهوم مترتب على التصور، و هو على الوجود، و الحروف لا وجود لمعناها إلّا في موطن استعمالها، فإنه إذا قال: بصرة، كوفة، سير، زيد، دار، و هكذا من الألفاظ المفردة الاسميّة، فلا ربط بين مفاهيم تلك الألفاظ و إنما يوجد ربط بينهما بمن و إلى و في مثلا، فمعناها يوجد باستعمالها، و مع عدم وجودها لا يتصور، و مع عدم التصور لا يتعقّل و المفروض أن المفهوم هو المدرك العقلاني، فلا مفهوم للحروف أصلا في قبال من يدعي المفهوم لها، و أنه لا فرق بين الحروف و الأسماء إلّا في لحاظ الالية و الاستقلاليّة، و لو كان الفارق لحاظ الالية في الحروف‏

45

و الاستقلاليّة في الأسماء، فلا بد من الالتزام بصحة حمل أحدهما على الآخر، و صحة قولنا: من ابتداء، و إلى انتهاء، و هكذا.

و لا بدّ من بيان أن هذا المميّز هل هو منوّع أم مصنّف أم مشخّص، و على جميع التقادير لا بد من فرض جامع يصحّ بلحاظه الحمل، و من البديهي عدم صحة الحمل لا حقيقة و لا مجازا لعدم المناسبة و العلاقة المصحّحة، فيكشف عدم صحة الحمل عن عدم السنخيّة بين المعاني الاسميّة و بين المعاني الحرفيّة، و إذا دار الأمر بين كون المعنى الحرفي إيجاديا و بين كون الحرف علامة صرفة كالإعراب نظير الرفع و النصب كما عرفت، فلا شبهة في كونها إيجادية لوجود معنى بنفس استعمالها كما عرفت، لتحقق الربط بين المفاهيم الاسميّة باستعمال الحرف بعد أن كان ذلك الربط معدوما قبل استعمال الحرف.

فملخّص البرهان: على كون المعنى الحرفي إيجاديا

هو عدم صحة استعمال الاسم مكان الحرف، و بالعكس لا حقيقة و لا مجازا، و هذا كاشف قطعي عن مباينة المعنى الحرفي للاسمي، و عدم سنخية بينهما أصلا، فالحروف لها معنى لكنها ليس لها مفهوم، و ليس كل معنى بمفهوم لما عرفت من توقف التعقّل على التصور، و هو على إدراك المتصور بإحدى الحواس الظاهرة.

و المفروض أن وجود معناها يكون في موطن الاستعمال لا قبله، فلا وجود لها قبل الاستعمال حتى يتصور ثم يتعقّل.

توضيح إيجادية المعاني الحرفية:

أنه إذا قلنا: زيد قائم مثلا، فيخطر في ذهننا مفهوم زيد و مفهوم القيام، و بعد تصور هذين المعنيين الإفراديين يوجد بينهما ربط و واحدة، كربط العرض بالمحل، و بعد وجود هذا الربط يظهر معنى متحصل لهذا الكلام و هو قيام زيد، و لو لم يكن هذا الربط لم يصحّ الاخبار بقيام زيد، و هذا

46

الربط يكون مغفولا عنه حين الاستعمال كالغافلة عن جهة واحدة العرض مع المعروض، إذ الملتفت إليه نفس وجود العرض. و أما قيامه بمحلّه و فنائه فيه فمغفول عنه، فالمعنى الحرفي من هذه الجهة كالعرض.

و الحاصل: أن جهة واحدة العرض مع معروضه كما أنها مغفول عنها، كذلك المعنى الحرفي، فإنه مغفول عنه، و يوجد قهرا بنفس الاستعمال و لا يلتفت إليه الذهن أصلا، و لو التفت إليه انقلب عن الحرفية إلى الاسميّة، و لذا لا يصحّ أن يقال:

(زيد قائم ربط)، أو (سرت الابتداء، البصرة، الانتهاء، الكوفة).

فمعنى (است) بالفارسيّة الربط بين المفاهيم كما في زيد قائم، و كذا من و إلى غير مفهوم الربط لكونه متصورا و معنى اسميا و عدم صحة استعمال الربط و الابتداء و الانتهاء مكان (است و من و إلى).

فيظهر من عدم صحة الاستعمال أن المنشأ بالحروف هو مصاديق الربط لا مفاهيمه نظير إيجاد الإشارة باليد و الرأس، فالحروف تكون فانية في معانيها الفانية في مفاهيم الأسماء، لما عرفت من كون المعنى الحرفي كالعرض من حيث قيامه بالغير، و لذا قيل: إن للحرف فناءين، أحدهما: فناء اللفظ في المعنى كفناء ألفاظ الأسماء في معانيها، و الآخر: فناء المعنى الحرفي في معنى آخر اسمي، فإن كلمة (في) في قولنا: (زيد في الدار) توجد الظرفية القائمة بالدار كقيام العرض بمعروضه.

فصار المتحصل مما ذكرنا أمورا:

الأول: أن الحروف لا مفهوم لها و إنما لها معنى فقط بخلاف الأسماء فإن لها معنى و مفهوما.

الثاني: مباينة المعنى الحرفي للاسمي و عدم جامع بينهما حتى يكون‏

47

تمييزهما بفصل منوّع أو مصنّف أو مشخّص، فهما سنخان متباينان لا يرتبط أحدهما بالآخر.

الثالث: أن المعنى الحرفي مغفول عنه و قوامه بالغافلة و ينقلب بمجرد التصور و الالتفات إلى الاسميّة.

الرابع: أن للحرف فناءين و للاسم فناء واحدا.

الخامس: أن المعنى الحرفي قائم بالغير كقيام العرض بالمحل. و لذا قيل:

إن الحرف ما دلّ على معنى في غيره كالظرفيّة القائمة بالدار مثلا، في مثال:

(زيد في الدار).

السادس: أن المعنى الحرفي إيجادي بمعنى أنه يوجد مصداق الربط لا مفهومه في موطن الاستعمال، فهو من الإنشائيات، و ما ذكرناه في تقريب إيجادية معاني الحروف لا إخطاريتها هو ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بتقريبات مختلفة بيّناها توضيحا لما أفاده.

ثم احتج على إخطارية المعنى الحرفي بالرواية المروية عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) (من أن الاسم هو ما أنبأ عن المسمى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما أوجد المسمى في غيره) (1) فإن العدول عن الإنباء إلى الإيجاد يدلّ على كون المعنى الحرفي إيجاديا لا إخطاريا بالتوضيح الذي عرفته.

فالمتحصل مما ذكرنا: أن المعنى الحرفي ينشأ باللفظ، كالأمور الاعتباريّة التي تنشأ بالألفاظ، كالملكيّة و الزوجيّة و نحوهما المنشأة بالعقود و الإيقاعات، إلّا أن بين المعنى الحرفي و بين المعنى الاسمي فرقا واضحا، لأن المنشئ بالعقد

____________

(1) بحار الأنوار/ ج 40، ص 162.

48

و الإيقاع كالملكيّة و غيرها مفهوم اسمى يتصور بخلاف معنى الحرف، فإنه غير مفهوم فلا يتصور، فالمعنى الاسمي إخطاري و الحرفي إيجادي بمعنى أنه يوجد في موطن الاستعمال، بحيث يكون ظرف تحققه أي تقرره الماهويّ و تحصّله أي وجوده الخارجي وعاء الاستعمال، فالمعنى الحرفي موجود غير متصور لكونه مغفولا عنه و فانيا في المعنى الاسمي أشدّ من فناء الألفاظ في معانيها.

و مما ذكرنا يظهر أن المراد بكلّيّة المعنى الحرفي و جزئيته، كما قيل: من كون الوضع في الحرف عاما و الموضوع له خاصا غير الكلّيّة و الجزئيّة المعرّفتين في علم الميزان، بإمكان صدق المفهوم على كثيرين و امتناعه. و ذلك لما عرفت من أن الحرف لا مفهوم له حتى يكون مقسما للكلّيّة و الجزئيّة، إذ على الإيجاديّة كما هي مورد البحث ليس للحرف إلّا المعنى و لا مفهوم له أصلا. فالمراد بالكلّيّة و الجزئيّة في الحروف هو وجود الكلّي الطبيعي و وجود أفراده، بمعنى أن المعنى الحرفي هو الكلّي الطبيعي الموجود بنفسه في الخارج بوجود أفراده، بناء على كونه مع الأفراد كالآباء مع الأولاد، لا الأب مع الأولاد، غاية الأمر أن الكلّي لا يوجد في الخارج إلّا بعد التشخّص و لوازم الفرد.

و على هذا المبنى في الكلّي الطبيعي يكون الوضع و الموضوع له في الحروف عاما، أي كلّيا بمعنى كون الموضوع له هو نفس الطبيعة لا الكلّي المنطقي كما عرفت.

و على القول بكون الكلّي الطبيعي كالأب مع الأولاد فيكون الوضع في الحروف عاما، لكونه نفس الطبيعي، و الموضوع له خاصا لكونه نفس الحصص المتشخصة بلوازم الوجود.

و على القول بكون الطبيعي منتزعا عن الأفراد. و الموجود في الخارج هو نفس الأفراد التي هي منشأ انتزاع الكلّيّة عنها، يكون الوضع كالموضوع له خاصا أي جزئيا و فردا.

49

فقد ظهر مما ذكرنا أمران:

أحدهما: أن الكليّة و الجزئيّة في الحروف مغايرتان للكلّيّة و الجزئيّة في علم الميزان.

ثانيهما: [كون وضع الحروف عاما و الموضوع له كذلك‏]

أنه بناء على كون الكلّي الطبيعي بنفسه موجودا بوجود الأفراد، يكون وضع الحروف عاما أي كليّا و الموضوع له كذلك، و يستحيل أن يكون المستعمل فيه خاصا.

و بناء على كون الطبيعي موجودا في ضمن الأفراد يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا.

و بناء على كون الطبيعي منتزعا عن الأفراد، يكون وضع الحروف خاصا كالموضوع له، إذ الموجود هو الأفراد فقط. و المفروض أن معاني الحروف إيجادية و لا وجود إلّا للأفراد.

و من الغريب ما عن المحققين القائلين بوجود الكلّي الطبيعي في الخارج، من كون الموضوع له في الحروف خاصا (1)، مع أنك عرفت لزوم الالتزام على هذا المبنى بكون الموضوع له فيها كالوضع عاما.

و من الغريب أيضا ما ذكروه من كون الجزئي في المعنى الحرفي هو الجزئي باصطلاح أهل الميزان، مع بناءهم على كون المعنى الحرفي إيجاديا مغفولا عنه لا إخطاريا، فلاحظ كلماتهم في المقام، و تأمل فيها لعلك تظفر بالمرام‏ (2).

فتلخص مما ذكرنا: أن عمومية الوضع و الموضوع له و خصوصيتهما، و كذا

____________

(1) تعليقة الشريف الرضي على المطول/ ص 374. الفصول/ ص 16.

(2) بدائع الأفكار/ ص 43.

50

اختلافهما في الحروف مع البناء على إيجادية المعنى الحرفي مبنيّة على المباني في وجود الكلّي الطبيعي كما عرفت تفصيله.

تتمة: و الغرض من بيانها توضيح المراد من الحديث المذكور.

فنقول: إن الكلمات من كل لغة إما اسم و إما فعل و إما حرف، بداهة أن الكلمة إما تدل على المفهوم المتصور مع قطع النظر عن خروجه من القوة إلى الفعل، و إما تدلّ على الخروج المزبور، و إما تدل على ارتباط أحد المفهومين المستقلين بالآخر. و الأول: هو الاسم، و الثاني: هو الفعل، و الثالث: هو الحرف، و الحصر في هذه الثلاثة حقيقي لدورانه بين النفي و الإثبات.

إذا عرفت هذا تعرف معنى الرواية، فإن الاسم ينبئ عن المسمى الذي يتصور، و له التقرر في وعاء الماهيات، فالفعل ينبئ عن حركة المسمى و المراد بالحركة خروج المسمى عن القوة إلى الوجود، و الفعل ينبئ عن خروج معناه إلى الوجود، فالاسم يدلّ على نفس الماهيّة و الفعل يدل على وجودها، و الحروف توجد الارتباط بين المفاهيم التي ليست مرتبطة، فالحرف يوجد مسمّاه و هو مصداق الربط.

فإن قلت: إن تقسيم الكلمات عربيّة كانت أم فارسيّة، أم غيرهما من اللغات إلى الثلاثة إن كان بالنظر إلى البسائط فتكون الكلمات على قسمين الاسم و الحرف، ضرورة أن الفعل مركب من مادة تدل على المعنى الاسمي و هيئة تدل على النسبة التي هي معنى حرفي، فالفعل مركب من الاسم و الحرف، و ليس قسيما لهما فيخرج الفعل عن الأقسام.

و إن كان التقسيم بالنظر إلى الأعم من البسائط و المركّبات فتكون الأقسام أكثر من ثلاثة، لكون بعض الأسماء متضمنا للمعنى الحرفي كأسماء الاشارة فهي مركبة من الاسم و الحرف، كالفعل المركّب من المعنى الاسمي و الحرفي، فتكون‏

51

البسائط ثلاثة، و المركّبات قسمين فالأقسام أكثر من ثلاثة.

قلت: ان الفعل ليس من المركّبات الخارجيّة بل من التحليليّة و يكون من قبيل الهيولى و الصورة فإن مادة (ض. ر. ب) لا يتحصل لها معنى إلّا إذا طرأت عليها هيئة من الهيئات الاسميّة و الفعليّة، لتوقّف وجود المادة على احدى تلك الهيئات و الصور.

و بالجملة فالمادة لا معنى لها بدون الهيئة، فالمادة المجردة عن الصورة كالحروف المقطعة الهجائيّة في عدم دلالتها على معنى، فليس هناك مادة تدل على المعنى الاسمي حتى تصير بعروض الصورة عليها مركبة، بل كلمة (ضرب) مثلا وضعت للدلالة على وجود خاص للضرب الذي هو معنى اسمي. و كذا أسماء الإشارة، فإن كلمة (هذا) مثلا وضعت للإشارة إلى المذكر الحاضر المفرد و ليس لها مادة عرض عليها الهيئة حتى لوحظ فيها كل من معنييها.

فالمتحصل: أن التقسيم ثلاثي لعدم التركيب الخارجي، فإن الكلمة إن دلّت على نفس المسمى فهو الاسم و إن دلّت على وجوده و كيفية نسبة الوجود إليه من أنحاء النسب التحققيّة و التلبّسيّة و غيرهما، فهو الفعل، و إن دلّت على ارتباط أحد المفهومين بالآخر فهو الحرف.

هذا تمام الكلام في إيجادية المعنى الحرفي التي هي خيرة الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و غيره ممن سبقه و لحقه.

و أما بناء على الإخطارية، فالقائلون بها بين من يقول: بعمومية كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه كالمحقق الخراساني (قدّس سرّه) كما سيأتي بيانه‏ (1).

و بين من يقول: بخصوصية المستعمل فيه و عمومية الوضع و الموضوع‏

____________

(1) كفاية الاصول/ ص 25.

52

له‏ (1)، و بين من يقول: بخصوصية الموضوع له كالمستعمل فيه و عمومية الوضع‏ (2).

و بالجملة، فالأقوال بناء على إخطارية المعاني الحرفية ثلاثة: عمومية كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه، و خصوصية المستعمل فيه مع عمومية الوضع و الموضوع له، و خصوصية الموضوع له و عمومية الوضع.

و قد استدلّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) على إثبات عمومية كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه و إبطال القولين الآخرين و أن ما وقع من أقسام الوضع هو اثنان: عمومية الوضع و الموضوع له، و خصوصيتها كالأعلام الشخصية و إن كان الممكن من تلك الأقسام هو الثلاثة من عمومية كليهما و خصوصيتهما و عمومية الوضع و خصوصية الموضوع له، و ملخص ما أفاده من البرهان: هو أن الموجب لتوهم خصوصية المعنى أحد أمرين.

الأوّل: لوازم الوجود التي لا توجد الطبيعة في الخارج إلّا- لأن الشي‏ء ما لم يتشخّص لم يوجد- دخيلة في الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف و ما شابهها، فلا ريب في عدم اطّراده، إذ كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه متخصصا بتلك الخصوصيات المشخصة للمعنى، كما إذا وقع الحرف في حيّز الأمر أو النهي، كما إذا قال: سر من البصرة، أو لا تسر منها. فإن معنى كلمة (من) في المثالين لا يكون جزئيا حقيقيا بل كلّيا لكون الابتداء من البصرة ذا أفراد و مصاديق كثيرة، فالصدق على كثيرين الذي هو شأن الكلّي موجود هنا، فمن كلّية المعنى كثيرا ما في الحروف يعلم أن الموضوع له و المستعمل فيه لا يكون خاصا و إلّا لم يكن وجه للتخلف.

____________

(1) الفصول/ ص 16، في الوضع.

(2) الفصول/ ص 16، في الوضع.