نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
3

الجزء الثالث‏

[مقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على نبيّنا محمّد و عترته الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على نبيّنا محمّد و عترته الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين.

اعلم أنّه لما كان من الضروري بقاء الشرع و الأحكام في زمن الغيبة و عدم جواز إهمالها فلا بدّ من امتثالها، و من المعلوم أنّ امتثالها منوط بإحرازها بنحو من الأنحاء إما بالعلم التفصيلي و إما بغيره كأخبار الآحاد بناء على حجيّتها مع عدم ابتلائها بمثلها و بناء على عدم حجيّتها تصل النوبة إلى إحراز الأحكام بمطلق الظن بناء على الكشف، و إلّا فيتعيّن التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يلزم منه اختلال النظام و مع فقد الظن لا بدّ من إحراز الحكم الظاهرى الثابت للمشكوك من البراءة أو الاحتياط فالبحث عن هذه المباحث ضروري و يكون اصوليا لما قرّر في محلّه من كون المسألة الاصولية عبارة عمّا يقع كبرى لقياس استنباط الحكم الفرعي الكلّي.

و الحاصل: أنّه بعد الفراغ عن مباحث الألفاظ لا بدّ من التعرض للمباحث المشار إليها، نعم مبحث القطع خارج عن المباحث الاصولية لعدم وقوع العلم كبرى لقياس الاستنباط، إذ ليس فوق العلم شي‏ء.

و بعبارة أوضح: الكبرى سبب للعلم بالحكم لا نفسه فالعلم ليس موجبا للعلم‏

6

بل هو نفسه، فالتعرض لمباحث العلم في علم الاصول إنّما هو لمناسبتها مع الأمارات غير العلمية من حيث الكاشفية و لزوم الجري على طبقه كلزومه على طبق الأمارات غير العلمية.

و لما كان الترتيب الذي سلكه الشيخ (قدّس سرّه) في الفرائد من ذكر مقاصد ثلاثة للقطع و الظن و الشك و تمييز كلّ من المطالب المتعلقة بالاصول العملية عن الآخر أحسن من غيره فلا بدّ من اقتفاء أثره فنحن نذكر مباحث القطع و الظن و الشك أيضا في طيّ مقاصد ثلاثة:

7

المقصد الأوّل- في مباحث القطع‏

و قبل الخوض فيه لا بدّ من التعرض لما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) توطئة لمباحث القطع و الظن و الشك من قوله: (اعلم أن المكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي ...).

[توطئة لمباحث القطع و الظن و الشك: في أنّ المراد من المكلف في عبارة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو المجتهد]

و قد ظهر ممّا تقدم اختصاص (المكلّف) في عبارته (قدّس سرّه) بالمجتهد، و هو القادر على البحث عن المطالب المشار إليها من إثبات حجيّة خبر الواحد و حكم تعارضه و حكم الظن المطلق بناء على عدم حجيّة أخبار الآحاد إلى غير ذلك، فإنّ القادر على تنقيح تلك المباحث هو المجتهد فقط و لا يمكن أن يكون الموضوع أعم من المحمول.

و المراد بالالتفات هو التفصيلي الحاصل من النظر إلى الأدلة الملازم للتكليف الدالّ عليه لفظ المكلّف دون الإجمالي الارتكازي، إذ الغافل يقبح تكليفه فلا وجه لجعل المكلّف أعم من المجتهد. و من هنا يظهر أنّ عدول الكفاية (2) عمّا في الفرائد من (المكلّف) إلى قوله: (البالغ الذي وضع عليه القلم) إن كان لأجل التعميم و عدم الاختصاص بالمجتهد فلا وجه له لما عرفت من اختصاص القدرة على البحث عن تلك المباحث بالمجتهد و عدم حظ للعامي فيه؛ مضافا إلى أنّ قوله: (إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلق به أو بمقلديه) كالصريح في الاختصاص بالمجتهد و إلى أن أعمية قوله: (البالغ الذي وضع عليه القلم) من المكلّف الذي عبر به الشيخ (قدّس سرّه)

____________

(1) فرائد الاصول/ 2.

(2) كفاية الاصول/ 257.

8

ممنوعة، لأنّ الغافل المحض لا تكليف له فمن وضع عليه قلم التكليف هو المكلّف لا غيره، فهما عبارتان حاكيتان عن مفهوم واحد كالألفاظ المترادفة.

و بالجملة فالتعرض لكون المكلّف خصوص المجتهد أو أعم منه غير مهم لعدم ترتب ثمرة عملية عليه، و عمدة الوجه في اختصاص المكلّف بالمجتهد هو اختصاص مباحث الظن من حيث الحجيّة و عدمها بالمجتهد.

و كذا مباحث الشك من كون الحكم البراءة أو غيرها فإنّها مختصة بالمجتهد لعدم حظ للمقلد فيها، فإنّ ظنّ العامي بحجيّة خبر الواحد غير العلمي لا يجدي في صحة استنباط الحكم منه بعد كون عدم العلم بالحجيّة كالقطع بعدم الحجيّة فهذا الاختصاص أوجب الإلزام بكون المكلّف خصوص المجتهد.

و لكن يدفع هذا الإشكال بأنّه لا منافاة بين تعميم المكلّف لكلّ من المجتهد و غيره و بين اختصاص تلك المباحث بالمجتهد.

و حاصله: أنّه لا خصوصية لظن المجتهد و شكّه بل ظن غيره و شكّه أيضا محكوم بالحكم الثابت لظن المجتهد و شكه، كما إذا شك في الركعتين الأخيرتين أو ظن فيهما أو شك في شي‏ء بعد تجاوز محلّه، فإنّ البناء على الأكثر أو الظن أو عدم العبرة بالشك و البناء على إتيان المشكوك فيه لا يختص بالمجتهد فالمكلّف أعم من المجتهد، غاية الأمر أنّ المجتهد نائب عنه لأجل التقليد فإنّ العامي بسبب التقليد و الالتزام بالعمل بفتوى المجتهد تصير فتوى المجتهد حجة له، فكأنّه قيل: المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له أو لوكيله القطع به.

و الأولى أن يقال: إنّه لا إشكال في البين حتى يحتاج إلى الجواب، و ذلك لكون ظن المقلد و شكه كظن المجتهد و شكه في الحكم و عجزه عن استنباط الحكم الشرعي بالظن و عن تشخيص الوظيفة العملية في الشك لا يوجب اختصاص المكلّف بالمجتهد، حيث إنّ المجتهد يستنبط الحكم واقعيا كان أم ظاهريا لنفسه و لغيره بنحو القضية

9

الحقيقية، مثلا يقول الشاك في الحرمة الواقعية وظيفته كذا و من علم شيئا و شكّ في بقائه فليبن على بقائه إلى غير ذلك.

و أما الجواب المذكور فهو مبني على كون التقليد الالتزام بالعمل بقول الغير ليكون الالتزام مقدمة لحجيّة فتوى المجتهد، و لكن التحقيق كون التقليد تطبيق العمل على رأي الغير دون الالتزام و أخذ الرسالة على ما حقق في محلّه. و كيف كان فالبحث عن اختصاص المكلّف بالمجتهد و عدمه غير مهم.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) جعل الأقسام ثلاثة بخلاف المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) فإنّه جعل التقسيم ثنائيا لتعميمه متعلق القطع للحكم الواقعي و الظاهري الذي هو مفاد الأمارات. و حينئذ فإما أن يحصل له العلم بالحكم الواقعي إن كان باب العلم بالحكم الواقعي مفتوحا، أو الظاهري إن كان باب العلمي مفتوحا، و إن لم يحصل العلم لا بالواقعي لانسداد بابه و لا بالظاهري لانسداد باب العلمي فإن تمت مقدمات الانسداد على نحو الحكومة فيعمل بالظن و إلّا فتنتهي النوبة إلى الاصول العملية.

فصاحب الكفاية (قدّس سرّه) جعل مفاد الأمارات الحكم الظاهري.

و يرد عليه: أنّه خلاف مسلكه كما سيأتي في مبحث الظن من كون الأمارات حجة من باب الطريقية فإن أصابت تنجز الواقع و إن أخطأت أوجب العذر، و ليست مؤدياتها أحكاما ظاهرية، مضافا إلى ما في الالتزام بالحكم الظاهري من إشكال التناقض أو التضاد، ضرورة أنّ الحكم الواقعي لشرب التتن مثلا إن كان هو الحرمة و حكمه باعتبار كونه مشكوك الحكم الحلّية فيلزم اجتماع الحلّية و الحرمة المتضادين على موضوع واحد، حيث إنّ حرمة شرب التتن مطلقة غير مختصة بالعالم بها فهي‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 2.

(2) كفاية الاصول/ 257.

10

ثابتة له حتى في رتبة الجهل بها، و المفروض كون حكم شرب التتن في هذه الرتبة الحلّية ففي رتبة واحدة تجتمع الحلّية و الحرمة و ليس ذلك إلّا من اجتماع الضدّين المستحيل.

و أما عبارة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فلما كانت خالية عن قيد الظاهري فهي سليمة عن هذا الإشكال.

[في أنّ المراد من المكلف في عبارة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو المجتهد]

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) خصّص الحكم بالفعلي و عممه للواقعي و الظاهري أما وجه تخصيصه بالفعلي فواضح بناء على الالتزام بمراتب الحكم، ضرورة أن الحكم الذي يكون مناطا لاستحقاق المثوبة و العقوبة هو الفعلي دون الإنشائي الذي لا يترتب عليه شي‏ء من الآثار، فالشيخ (قدّس سرّه) إن كان ملتزما بالحكم الإنشائي كما يظهر منه في أوائل مباحث الظن في جواب إشكال ابن قبة (2) فلا بدّ من تقييده بالفعلي كما في الكفاية، و إن لم يكن ملتزما بالحكم الإنشائي كما ربما يظهر من بعض عباراته في البراءة و الاشتغال فلا حاجة إلى تقييده و لا يكون غرض الكفاية من التقييد بالفعلي الإشكال على الشيخ (قدّس سرّه).

و الإنصاف أنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) يكون ظاهر كلامه من الحكم الشرعي هنا هو الفعلي و إن كان قائلا بالإنشائي، لأنّ القطع بالحكم الذي هو أحد الأقسام الثلاثة المذكورة في كلامه (قدّس سرّه) إن كان متعلقا بالحكم الإنشائي لا يترتب عليه الأثر من وجوب المتابعة و الجري على طبقه فلا يرد على الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ تقييد الحكم بالفعلي ممّا لا بدّ منه لكفاية ظهور التقسيم في كون الحكم فعليا.

ثمّ إنّ المراد بالفعلي إن كان عبارة عن العلم بالحكم الإنشائي بأن يكون العلم بالإنشائي موضوعا للفعلي يترتب عليه إشكالات كثيرة:

____________

(1) كفاية الاصول/ 257.

(2) فرائد الاصول/ 30، السطر 11: «نعم هذه ليست أحكاما فعليّة بمجرّد وجودها الواقعي».

11

منها: عدم استحقاق المؤاخذة على مخالفته ما لم يصر معلوما.

و منها: عدم وجوب تحصيل العلم بالأحكام الشرعية لكون العلم بناء على ما ذكر من قبيل شرط الوجوب الذي لا يجب تحصيله فتسقط مباحث أصل البراءة، إذ الجاهل لا حكم له واقعا لاختصاص الحكم بالعالم به فلا حاجة إلى التشبث بالبراءة إلى غير ذلك من الإشكالات. و إن كان المراد بالفعلي وجوده المتوقف على وجود موضوعه كالمستطيع الذي جعل موضوعا لوجوب الحج فقبل وجود موضوعه يكون الحكم معدوما، فينحصر الحكم بالفعلي.

و كيف كان فقد جعل صاحب الكفاية التقسيم ثنائيا لئلّا تتداخل الأقسام فيما لها من الأحكام و لذا عمّم متعلق القطع ليشمل الحكم الواقعي و الظاهري. و عليه يصير التقسيم ثنائيا، ضرورة أن المكلّف إما أن يقطع بالحكم الواقعي كما إذا قام الخبر المتواتر عليه أو الظاهري كقيام الأمارات غير العلمية على الحكم فإنّها لا توجب العلم بالحكم الواقعي بل العلم بالحكم الظاهري إذ المفروض القطع الحجية الأمارات، و إن لم يثبت عنده حجيّة الأمارات لا بالدليل الخاص و لا بمقدمات الانسداد، فحينئذ إن تمت مقدمات الانسداد على نحو الحكومة أي حجيّة الامتثال الظنّي دون حجيّة الظن في إثبات الحكم الشرعي فهو، و إلّا فتصل النوبة إلى الاصول العملية، فالحكم إما معلوم و إما مشكوك فالتقسيم لا محالة يكون بعد تعميم الحكم للواقعي و الظاهري ثنائيا.

و لكن لا يخفى أنّ الالتزام بحكمين فعليين لموضوع واحد ليس إلّا من اجتماع النقيضين المستحيل لاجتماع الوحدات المعتبرة في ذلك و الالتزام بتبدل الحكم الواقعي بمؤديات الأمارات القائمة على خلافه تصويب باطل كما لا يخفى.

[في الإشارة إلى بعض وجوه الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي و الإشكال عليه‏]

و قد جمع بين الحكمين الواقعي و الظاهري بوجهين:

أحدهما: ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) في درسه الشريف و حاصله: أنّ الحكم‏

12

الواقعي إن كان فعليا من جميع الجهات يكون بينه و بين الحكم الظاهري منافاة و إلّا فلا.

توضيحه: أنّ للعدم أبوابا و جهات لأنّه تارة يكون لعدم الخطاب، كما إذا ترك العبد صلاة الجمعة مثلا لعدم الخطاب الشرعي. و اخرى: يكون لجهل المكلّف بالخطاب. و ثالثة: يكون لجهة اخرى فالحكم الشرعي إن كان مهمّا عند الشارع بحيث لا يرضى بمخالفته في حال من الحالات و يعبر عنه بالفعلي من جميع الجهات، فلا بدّ للشارع حفظا لحكمه من سدّ جميع أبواب عدم متعلق ذلك الحكم المهم فلو كان العبد جاهلا بالخطاب لزم أن يرفع الشارع جهله أو يوجب عليه الاحتياط في موارد الجهل بالخطاب كما يقوله المحدثون‏ (1) في الشبهات التحريمية الحكمية، و إن لم يكن الحكم بتلك المثابة من الأهمية، فلا يكون الحكم فعليا من جميع الجهات بل من بعضها لترخيصه المخالفة في ظرف الجهل به كما يقوله المجتهدون في الشبهات التحريمية، و التنافي إنّما يكون بين الحكم الفعلي من جميع الجهات و بين الحكم الظاهري لا مطلقا، و إن كان الحكم الواقعي فعليا من جهة لا من كلّ جهة كما لا يخفى.

ثانيهما: ما أفاده المحقق المدقق الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (قدّس سرّه) من أنّ تضاد الأحكام ليس في جميع المراحل و المراتب بل في مقام البعث و المحركية فقط، فلا مانع من تشريع حكمين لموضوع واحد، و المانع إنّما هو في مرحلة التحريك حيث إنّ كلّا من الحكمين يدعو العبد إلى خلاف ما يدعوه الآخر و لا يقدر على إجابة كليهما، و أما مع عدم وصول الأحكام إلى مرحلة المحركية المتوقفة على تنجزها فلا تنافي بينها، و هذان الوجهان مأخوذان من الكفاية في غير مقام الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

____________

(1) أي الأخباريون.

13

أما الوجه الأوّل: فهو مذكور في مبحث الاشتغال في مقام بيان الملازمة بين وجوب الموافقة القطعية و بين حرمة المخالفة القطعية و أنّ العلم لا قصور فيه بل القصور في ناحية المعلوم كما إذا كان فعليا من بعض الجهات.

و أما الوجه الثاني فهو مذكور في مبحث اجتماع الأمر و النهي.

و بالجملة هنا مطلبان على الكفاية:

الأوّل: في جعل مؤديات الأمارات أحكاما ظاهرية كالاصول الشرعية العملية، الثاني: في وجه عدوله عمّا في الفرائد من تثليث الأقسام إلى تثنيتها، و الكلام فعلا في المطلب الأوّل.

و حاصل ما ذكرنا عليه من الإشكال وجهان:

الأوّل: أنّ جعل مؤديات الأمارات أحكاما ظاهرية مخالف لتصريحه بالخلاف أعني الطريقية كطريقية العلم في مقامين، الأوّل: في بحث العلم الطريقي، و الثاني: في مبحث الظن، فلاحظ.

الثاني: لزوم التناقض أو التضاد بين الحكم الظاهري و الواقعي و قد عرفت تخلص العالمين المحقق العراقي و المدقق الأصفهاني (قدّس سرّهما) عن هذا الإشكال بالوجهين المتقدمين.

لكن الحقّ عدم اندفاع الإشكال بشي‏ء منهما.

أما الوجه الأوّل: الذي أفاده شيخنا العراقي (قدّس سرّه) من حمل الحكم الواقعي على الفعلي من بعض الجهات ففيه بناء على مجعولية الأحكام الشرعية و إنشائيتها كالعقود- مثل عقد النكاح الذي ينشأ فيه الزوجية دون أن يكون العقد كاشفا عمّا في ضمير الزوجين و إلّا يقتضي ذلك كاشفية الفعل أيضا و هو كما ترى- أنّ فعلية الحكم منوطة بوجود موضوعه لترتب الحكم على موضوعه ترتب المعلول على علته، فإن تمّ الموضوع بما له من الحدود و القيود وجد الحكم أيضا، و إن لم يتم و لو بفقدان قيد

14

من قيوده فلا يوجد الحكم، إذ لو وجد الحكم مع فقد بعض ما له دخل في موضوعه لزم الخلف و المناقضة، و كذا مع فرض وجود الموضوع بجميع ما له دخل فيه يوجد الحكم لا محالة، و مع وجوده لا معنى لفعليته أي وجوده من جهة و عدم وجوده من جهة اخرى، بل هو موجود بقول مطلق و المفروض عدم دخل للعلم و الجهل في موضوع الحكم الواقعي فالحكم موجود لا محالة بقول مطلق و الحكم الظاهري موجود أيضا، فيلزم اجتماع حكمين فعليين متضادين.

و بناء على عدم مجعولية الأحكام و كونها هي الإرادة و الحبّ و الشوق التي هي من الصفات النفسانية كما ذكره في الكفاية (1)- من كون الظاهر من الإرادة هي الإرادة النفسانية و هي المتحدة مع الطلب الحقيقي، كما أنّ الظاهر من لفظ الطلب هو الإنشائي منه فالطلب الحقيقي متحد مع الإرادة الحقيقية التي هي ظاهر لفظ الإرادة كما أنّ الإرادة الإنشائية و الطلب الإنشائي متحدان، و بهذا الوجه صولح بين من قال بتغاير الطلب و الإرادة و بين من قال باتحادهما فلاحظ مبحث الطلب و الإرادة من الكفاية. فيرد عليه أنّ الحبّ و إن كان له مراتب، فيمكن أن يكون بمرتبة لا يرضي المحبّ بترك ما أحبه في حال من الحالات، و يمكن ألا يكون بتلك المرتبة و يحتاج في إبراز الحبّ حتى في حال الجهل إلى خطاب آخر و ليس ذلك إلّا إيجاب الاحتياط الكاشف عن حبّ المولى بمثابة لا يرضى بترك ما أحبه حتى في ظرف الجهل. لكن هذا المبنى أي عدم مجعولية الأحكام ضعيف في الغاية و سخيف إلى النهاية.

و أما الوجه الذي أفاده الشيخ الأصفهاني (قدّس سرّه) المتقدم ذكره من كون تضاد الأحكام في مقام البعث و المحركية لا في مرحلة الإنشاء و التشريع، و قاس الأحكام الشرعية بالأعراض غير الخارجية كمحبوبية شي‏ء لشخص و مبغوضيته لآخر دون‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 64- 66.

15

الأعراض الخارجية كالسواد و البياض الذين لا يجتمعان في محلّ واحد و لو بإرادة شخصين، فكما لا تنافي بين هذه المحبوبية و المبغوضية فكذا لا تنافي بين حبّ الشارع لشي‏ء و بغضه له، و إنّما التنافي يكون بين الحكمين البعثيين لأنّ كلّا منهما يستدعي صرف القدرة في متعلقه و لا يقدر العبد على إجابة كلتا الدعوتين.

ففيه: أن مقايسة الأحكام بالأعراض غير الخارجية كاجتماع حبّ شي‏ء و بغضه لشخصين في غير محلّها، إذ الحبّ و البغض من الصفات الحقيقية ذات الإضافة و من المعلوم عدم إمكان كون شي‏ء واحد محبوبا لشخص واحد في ان واحد و مبغوضا له كذلك، و محلّ الكلام هو الحكم الشرعي فكيف يعقل أن يكون شرب التتن في ان واحد مبغوضا للشارع و غير مبغوض له كذلك، هذا بناء على عدم مجعولية الأحكام الشرعية، و أما بناء على مجعوليتها فقد عرفت أنّ محرك الحكم الواقعي منحصر بإيجاب الاحتياط الذي هو عين الخطاب الواقعي لا غيره، إذ المناط في تعدّد الحكم و وحدته هو تعدّد المصلحة و وحدتها لا تعدّد الخطاب و وحدته، فقد تكون مصلحة واحدة ممّا تحتاج إلى خطابات عديدة كقصد القربة المتوقف اعتبارها على خطاب آخر غير الخطاب المتعلق بالأجزاء و جعل إيجاب الاحتياط مولويا غير معقول.

فتلخص من جميع ما ذكرنا عدم الوجه في الالتزام بالحكم الظاهري لعدم إمكان الجمع بينه و بين الحكم الواقعي و لا يجدي في الجمع شي‏ء من الوجهين المزبورين لما عرفت.

[في كون الحق تثليث الأقسام أو تثنيتها]

و أما المطلب الثاني: و هو تثليث الأقسام أو تثنيتها- كما صنعه في الكفاية بعد البناء على صحة جعل الحكم الظاهري و إمكان الجمع بينه و بين الحكم الواقعي- فملخص الكلام فيه: أنّ نظر الكفاية في تثنية الأقسام إلى أنّه إن بنينا على حجيّة الأمارات غير العلمية فلا محالة يحصل القطع بالحكم، لأنّه إن كان الدليل الخبر

16

المتواتر و نحوه ممّا يوجب القطع بالحكم فيكون الحكم الواقعي معلوما، و إن كان الدليل الأمارة غير العلمية فيكون المعلوم حكما ظاهريا، إذ المفروض القطع بحجيّة الأمارات و إن لم تقم أمارة فيكون الأصل جاريا فيه، و مقتضى الاصول العملية الشرعية هو الحكم الظاهري فالحكم معلوم أيضا، و على كلّ حال فلا ظن و إن لم يحصل القطع بالحكم فليس إلّا الشك فيه و المرجع حينئذ في مقام الامتثال هو العقل، فإن تمت مقدمات الانسداد على نحو الحكومة فالمتبع هو الامتثال الظني و إلّا فمقتضى حكم العقل التبعيض في الاحتياط بعد عدم إمكان الاحتياط التام، فإنّ قضية ترتب مراتب الإطاعة الأربع بعد فرض عدم التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي هي التنزل إلى الامتثال الاحتياطي التام إن أمكن، و إلّا فبقدر الإمكان و لا ريب في تقدم المظنونات على المشكوكات و الموهومات إن ارتفع العسر بترك المشكوكات و الموهومات، لأنّ ترك المظنونات و الإتيان بالمشكوكات و الموهومات يوجب ترجيح المرجوح على الراجح.

[وجه عدول صاحب الكفاية (قدّس سرّه) عن تثليث الأقسام‏]

و بالجملة فوجه عدول الكفاية عمّا في الفرائد من تثليث الأقسام هو: أنّ الحكم الذي هو أعم من الواقعي و الظاهري إما معلوم و إما غير معلوم إذ الدليل عليه إما الخبر المتواتر و نحوه ممّا يفيد القطع، و إما الأمارة و إما الأصل، و على كلّ تقدير يكون الحكم معلوما إذ الأول يفيد القطع بالحكم الواقعي و الأخيران يفيدان القطع بالحكم الظاهري و إن لم تثبت حجيّة الأمارات فيكون الحكم مشكوكا و تصل النوبة إلى الامتثال الظني أو التبعيض في الاحتياط، ثمّ قال في الكفاية (1): «و إن أبيت إلّا عن ذلك أي تثليث الأقسام فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إما أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا، لئلا تتداخل الأقسام في ما يذكر لها

____________

(1) الكفاية الاصول/ 257.

17

من الأحكام ...» وجه التداخل واضح، إذ الظن غير المعتبر حكمه حكم الشك بخلاف هذا التقسيم فإنّه لا يلزم فيه التداخل.

و قد نوقش في هذا التقسيم الثلاثي الذي ذكره الكفاية بأنّه يبحث في علم الاصول عن حجيّة الظن مثلا و عدمها التي هي من العوارض لا عن وجود الحجة و هي الطريق المعتبر، و من المعلوم أنّ البحث عن وجود الحجة بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.

و لكن الانصاف اندفاع مثل هذه المناقشة لوضوح المقصود، فإنّ غرض الكفاية هو أنّه بعد البحث عن حجيّة الأمارة و أخذ النتيجة و هي الحجيّة إما أن يكون ما جعله حجة من الأمارة قائما على الحكم أو لا، و كيف كان فالأمر سهل بعد وضوح عدم ترتب ثمرة عملية على البحث عن ثلاثية التقسيم أو ثنائيته، إلّا أنّ غرض الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) لما كان عقد مقاصد ثلاثة متكفلة لبيان أحكام القطع و الظن و الشك فالأولى ما ذكره من تثليث الأقسام على النحو المذكور في الفرائد لا على النحو المذكور في الكفاية.

[الإشارة إلى مجاري الاصول‏]

ثمّ إنّه بعد عدم حصول القطع بالحكم الشرعي و لا الظن به و حصول الشك فيه، فإما أن يكون الشك مسبوقا بالحالة السابقة المعتبرة و إما ألا يكون كذلك، و الأول مجرى الاستصحاب، و على الثاني فإما ألا يكون الحكم معلوما أصلا و لو بجنسه و هو الإلزام الجامع بين النوعين و هما الوجوب و الحرمة، و إما أن يكون معلوما و لو بجنسه و الأول مجرى البراءة، و على الثاني فإن أمكن فيه الاحتياط فهو مجرى قاعدة الاحتياط و إلّا فهو مجرى قاعدة التخيير، و على هذا لا يلزم تداخل مجاري الاصول بعضها في بعض، بخلاف ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2)

____________

(1) فرائد الاصول/ 2.

(2) فرائد الاصول/ 2.

18

في المتن في ضبط المجاري و كذا ما ذكره في الهامش و الأولى ما ذكره في مبحث البراءة (1).

و لكن ما ذكرناه في ضبط مجارى الاصول أحسن ممّا ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في أوائل الفرائد من المتن و الحاشية و في البراءة و موافق لما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) فلاحظ و تأمل في عبارات الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في ضبط المجاري فإنّها مضطربة جدا خصوصا عبارة المتن لعدم سلامة مجرى أصالتي البراءة و الاحتياط لانتقاض كلّ منهما بالآخر، فلاحظ حواشي الفرائد في المقام تعرف ما في عبارة الشيخ (قدّس سرّه) من الخلط بين المجاري كما أنّ في عباراته (قدّس سرّه) بالنسبة إلى كون العلم بجنس التكليف كالعلم بنوعه و عدمه تهافتا، حيث إنّه في بعض المقامات يصرح بعدم كون العلم بجنس التكليف منجزا كالعلم بنوعه، و في البعض الآخر يصرّح بكونه مثله و يرد على الميرزا النائيني (قدّس سرّه) إشكال لأنّه التزم في ضبط مجاري الاصول بكون مجرى البراءة هو عدم العلم بنوع التكليف و لا جنسه و جعل العلم بجنس التكليف خارجا عن مجرى البراءة كخروج العلم بنوع التكليف عن مجراها.

و ملخص الإشكال: أنّ جنس التكليف و هو الإلزام ليس من الأحكام الشرعية حتى يكون العلم به علما بالتكليف و مانعا عن جريان البراءة إذ التكليف هو الوجوب أو الحرمة و أما الجامع بينهما و هو الإلزام فليس بتكليف حتى يكون العلم به منجزا (2).

____________

(1) فرائد الاصول/ 192.

(2) أقول: هذا الإشكال علمي فقط لأنّ سيدنا الاستاذ مد ظله ملتزم أيضا بعدم جريان البراءة فيما إذا علم إجمالا بإلزام مردد بين الوجوب و الحرمة مع تعدّد المتعلق، كما إذا علم إجمالا إما بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال و إما بحرمة شرب التتن، و القول بأنّ وجه وجوب الاحتياط في مثله و عدم جريان البراءة فيه إنّما هو لأجل كون المعلوم إجمالا نوع الحكم فرار عن المطلب، لأنّ جميع موارد العلم بجنس التكليف كذلك، إذا المعلوم إجمالا واقعا هو النوع دون الجنس غايته أن العلم تعلق بجنسه فقط مع الجهل بفصله كما لا يخفى.

19

الكلام في القطع: [الإشارة إلى جهات القطع‏]

اعلم أنّ في القطع جهات:

الجهة الاولى: [ذاتية الكشف و الطريقية في العلم‏]

أنّ الكشف و الطريقية في العلم ذاتي أو عرضي. لا ينبغي الإشكال في كونه ذاتيا له، فإنّ حقيقة العلم هي الانكشاف فلا يتصور وجود العلم بدون الانكشاف، إذ لو كان الانكشاف خارجا عن ماهية العلم و طارئا عليها لأمكن انفكاكه عن العلم و عدم إمكان انفكاكه عنه بديهي، فإنّ عدم الانكشاف عين عدم العلم، و بالجملة فبعد كون حقيقة العلم هي الانكشاف ينعدم العلم حقيقة بعدم الانكشاف كما هو أوضح من أن يخفى، و لم تقع هذه الجهة موردا للبحث.

الجهة الثانية: [كون آثار العلم من لوازم القطع، لا الواقع بما هو هو]

أنّ الآثار المترتبة على العلم من الحجيّة و الجري العملي على طبقه- سواء كان المعلوم من الموضوعات الخارجية أم الأحكام الشرعية- من لوازم القطع و آثاره لا من آثار الواقع بما هو هو، و لا بما هو معلوم بحيث كان موضوع الأثر الواقع و العلم به بل الموضوع بتمامه و كماله هو العلم فقط، ضرورة أنّ القاطع بوجود الأسد يفرّ و إن لم يكن في الواقع أسد بل كان غنما، و كذا لا يرتب آثار العلم من الفرار و غيره على أسد اعتقد بكونه غنما، فهذا كاشف قطعي عن كون موضوع الأثر هو العلم فقط و أنّ تمام الموضوع لهذه الآثار هو نفس القطع، و هذا البحث أي كون الآثار المترتبة على القطع آثارا له أو للمقطوع به أو كليهما أجنبي عن البحث عن كون الأحكام متعلقة بالوجودات الذهنية أو غيرها، و ذلك لأنّ البحث هناك في متعلق الخطابات و في المقام في حجيّة القطع بتلك الخطابات من دون نظر إلى متعلقاتها.

20

و كيف كان فالحجيّة و هي المعذرية و المنجزيّة من الأحكام العقلية الثابتة للقطع الطريقي فإنّ موضوع الحجيّة عقلا هو العلم، لكونه كاشفا عن الواقع، و قد عرفت أنّ القطع هو الكشف فلا تكون الكاشفية قابلة للجعل لا بسيطا و لا تاليفا و لا أصالة و لا تبعا، و كذا الحجيّة لكونها من لوازم الماهية و لذا لا تكون حجيّة القطع كحجيّة الأمارات- سواء كانت الحجيّة قابلة للجعل كما عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أم كونها منتزعة عن الحكم التكليفي و غير قابلة للجعل كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، أم غيرهما من المباني المقرّرة في باب حجيّة الأمارات- لعدم كون حجيّتها من لوازم ذاتها، و لذا أمكن إثبات الحجيّة لها و نفيها عنها بخلاف حجيّة القطع، فإنّها من لوازم ذاته فلا يمكن جعل الحجيّة له و لا نفيها عنه لاستلزام نفيها عنه التناقض واقعا و اعتقادا أو اعتقادا فقط إن لم يكن العلم علما بل كان جهلا مركبا، فإذا علم بكون المائع خمرا فقد علم بحرمته فإذا نهى الشارع عن متابعة قطعه هذا فلازمه جواز شرب ذلك المائع و يكون جوازه و عدم جوازه تناقضا ظاهرا.

[الفرق بين القطع و العلم‏]

و لا بأس بالتعرض لجملة معترضة في المقام و هي: أنهم عبروا عن العلم بالحكم الشرعي في مقام بيان أقسام الملتفت إلى الحكم الشرعي بالقطع دون العلم، و لو كان القطع عين العلم لكان اللازم صحة التعبير بالعلم أيضا كما هو مقتضى ترادف اللفظين، لكنه ليس كذلك، إذ لو كان العلم و القطع من الألفاظ المترادفة لصح إطلاق القاطع على اللّه سبحانه و تعالى كإطلاق العالم عليه، و من المسلم عدم جواز إطلاق القاطع عليه تعالى فيكون بين العلم و القطع فرق، و حاصله: أنّ العلم عبارة عن حصول الصورة في الذهن و القطع هو الاعتقاد الجزمي بمطابقة تلك الصورة الذهنية للصورة الخارجية، و الجزم بهذه المطابقة موجود في القطع و الجهل المركب و العلم‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 2.

21

لا يطلق إلّا على خصوص الجزم المطابق للواقع، و المناسب لتقسيم حالات الملتفت إلى الحكم هو تقسيمها إلى القطع المراد به الجزم بالحكم المحرك نحو الامتثال و الظن به الذي هو خلاف الجزم مع الرجحان أو خلاف الجزم الذي لا رجحان فيه و هو الشك.

[توجيه النهي عن متابعة القطع‏]

و كيف كان فلا إشكال في أنّ القطع تمام الموضوع في نظر العقل للتنجيز و التعذير، فلا تكون الحجيّة ممكنة الثبوت للقطع حتى يصح التصرف التشريعي فيها بجعلها له أو نفيها عنه، فإذا ورد ما ظاهره النهي عن العمل بالقطع كالنهي عن العمل بالعلم الحاصل من القياس كما في رواية أبان‏ (1) الواردة في دية أصابع المرأة، و كنفي اعتبار علم الوسواسي في الطهارة و النجاسة، فلا محيص عن صرف هذا الظاهر إلى النهي عن منشأ القطع حتى يزول العلم فإنّ منشأ القطع في كون دية أربع أصابع من المرأة أربعين هو اعتقاد مساواة المرأة للرجل في الدية، و بعد أن نبهه الإمام (عليه السّلام) على عدم مساواتهما في الدية زال علمه، أو صرف النهي إلى رفع الأثر عن المعلوم كما إذا كان وسواسيا في النيّة، فيقال له: إنّ النيّة ليست شرطا في صحة العبادة فعلمه بعدم تحقق النيّة لا أثر له إذ المفروض عدم اعتبار النيّة في العبادة فيكون علمه بعدم تحقق النيّة خاليا عن الأثر كعلمه بأنّ طول الجبل الكذائي أو سعة مكان المصلّى الواقع بين النجف الأشرف و كربلاء المعلّى ألف ذراع مثلا، و بالجملة فلا بدّ من التصرف فيما ظاهره الردع عن متابعة العلم و حجيّته لكونه خلاف حكم العقل الضروري.

هذا كلّه في القطع الطريقي، و أما القطع الموضوعي كالعلم بالنجاسة الذي جعل موضوعا للحكم بالمانعية، و كالعلم بوجوب الصلاة الذي جعل موضوعا للحكم بوجوب التصدق، و كعلم المجتهد بالأحكام الشرعية الموضوع لجواز تقليده فلا بأس‏

____________

(1) وسائل الشيعة 29/ 352، الحديث 35762.

22

بالردع عنه و التصرف فيه بما يقتضيه الدليل، فإنّ العلم بالحكم الشرعي من أيّ سبب حصل يكون حجة بالنسبة إلى العالم به و إن حصل من الرمل و الجفر، و أما بالنسبة إلى جواز التقليد فيكون العلم موضوعيا و قد دلّ الدليل‏ (1) على عدم جواز تقليد العالم بالأحكام إلّا إذا حصل العلم بها من الأدلة المقرّرة لا من كلّ سبب، فلا بأس بالردع عن اعتبار العلم بالحكم الشرعي بالنسبة إلى العامى الذي يريد التقليد إذا حصل من غير أدلة الفقه المعهودة كما هو واضح.

الجهة الثالثة: [في إطلاق الحجة على القطع‏]

أنّه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ إطلاق الحجة على القطع ليس من الحجة في باب البرهان و لا من الحجة في باب الأدلة الشرعية، أما الأول: فلأنّ الحجة باصطلاح أهل الميزان: هو الوسط الذي يكون علة لثبوت الأكبر للأصغر و هو المسمى بالبرهان اللمى، أو معلولا له و هو المسمى بالبرهان الإنّي و من المعلوم عدم كون العلم علة لوجود المعلوم و لا معلولا له بحيث يكون المعلوم علة لوجود العلم كما هو واضح. فإذا قطع بكون مائع خمرا فلا يكون القطع علة لخمريته إن لم يكن خمرا واقعا، أو قطع بعدم خمرية مائع و كان خمرا واقعا فإنّ القطع بعدم خمريته لا يخرجه عن الخمرية. و بالجملة فعدم كون القطع حجة باصطلاح أهل الميزان واضح.

و الحجة باصطلاح الاصوليين هي ما يكون واسطة لإثبات أحكام متعلقاتها شرعا كما إذا حكم الشارع بحجيّة خبر الواحد مثلا و قام ذلك على وجوب شي‏ء أو قام على موضوع خارجي، فإنّه يحكم بثبوت الحكم المعلوم أو حكم الموضوع المعلوم بسبب الخبر، و لذا يتألف قياس من الأمارات غير العلمية المعتبرة شرعا، فيقال: هذا مظنون الخمرية و كلّ مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه فهذا يجب‏

____________

(1) المراد به انصراف الأدلّة الدالّة على لزوم رجوع العامي إلى العالم، فإنّها منصرفة إلى من حصل له العلم بالأسباب المتعارفة.

23

الاجتناب عنه، و هذا بخلاف القطع فإنّه لا يمكن تأليف قياس منه، ضرورة أنّ معلوم الخمرية خمر و قد أحرز حكمه من الخارج، فبمجرد العلم بخمرية مائع يعلم بحرمته من دون توسيط كبرى و هى كلّ معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، ضرورة أنّ الحرمة ثبتت لنفس الخمر الواقعي دون معلوم الخمرية، فجعل موضوع الحرمة معلوم الخمرية يوجب الخروج عن موضوع البحث و هو القطع الطريقي.

و لا شبهة حينئذ في صحة تأليف قياس حقيقي منه و كون القطع حينئذ حجة باصطلاح أهل الميزان، إذ المفروض دخل القطع في الحكم دخلا موضوعيا و قد ثبت في محلّه أنّ الموضوع بالنسبة إلى الحكم كالعلة للمعلول، و لذا لا يتخلف الحكم عن موضوعه و إلّا يلزم الخلف و المناقضة كما تقدم في الواجب المشروط.

[في عدم صحة تأليف القياس المنطقي في الأمارات‏]

و بالجملة ففي القطع الطريقي لا يصح تأليف القياس لا حقيقة و لا صورة و في الظن يمكن صورة لا حقيقة، بل لا يصح صورة أيضا إذ المفروض كون حجيّة الأمارات من باب الطريقية لا الموضوعية و أنّها كالعلم واسطة في الإثبات و بناء على كون مؤديات الأمارات أحكاما ظاهرية يوجب الخروج عن موضوع البحث و هو الطريقية و الاندراج في الموضوعية، إذ الأمارة حينئذ تكون موضوعا للحكم الظاهري و هو خلاف ما فرضناه من الطريقية، و على تقدير الالتزام بالحكم الظاهري يصح تأليف قياس حقيقي من الأمارات بل الاصول، لكون كلّ من الأمارة و الأصل علة لثبوت الحكم الظاهري كعلية التغير لحدوث العالم.

و لكن الحقّ كما سيجي‏ء و تقدمت الإشارة إليه استحالة الحكم الظاهري و كون الحكم في كلّ واقعة واحدا لا متعدّدا، و أنّ الأمارات حجة من باب الطريقيّة المحضة فلا فرق حينئذ بين العلم و بين الأمارات في عدم صحة تأليف القياس في كليهما

24

لا حقيقة و لا صورة فما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)(1) في الفرائد من صحة تأليف قياس من الظن كقوله: (هذا مظنون الخمرية ...) في حيّز المنع.

و قد تكلّف شيخنا الاستاذ العراقي (قدّس سرّه) لصحة تأليف القياس من الظن بما حاصله: أنّ الأحكام الشرعية ليست جعلية إنشائية بل هي نفس الإرادة و لبّها و الألفاظ كواشف عن تلك الإرادات فإن أبرزت تلك الإرادات يحكم العقل بلزوم مراعاتها و إلّا فلا، و المبرز تارة يكون علما وجدانيا و اخرى ما يحكم الشارع بكونه مبرزا كخبر الواحد فإذا قام خبر الواحد على إرادة من إرادات الشارع يكون قيام الخبر سببا لصيرورة الإرادة مبرزة، فيجب حينئذ إطاعتها و لا يجوز مخالفتها، فالخبر مثلا علة لثبوت الإرادة في وعاء المحركية فيكون واسطة في الثبوت فيصح تأليف قياس منه، و المبرزية بالكسر و الفتح متلازمتان و لذا يكون البحث عن خبر الواحد و أيّ الخبرين في باب التعارض بحثا عن السنة، لكون المثبتيّة بالكسر و المثبتيّة بالفتح متلازمتين كما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) و إن اعترض عليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(3).

و على كلّ حال ففيما أفاده المحقق العراقي إشكالات:

أما أولا: فبعدم صحة المبنى أعني كون الأحكام نفس الإرادات و عدم إنشائيتها، و من البعيد التزامه (قدّس سرّه) بهذا المبنى و لعله ذكر هذا من باب إبداء الاحتمال.

و أما ثانيا: فبعدم توقف صحة تأليف القياس من الأمارات غير العلمية المثبتة للأحكام على ذلك أي كون الأحكام نفس الإرادات، لأنّ الحكم المحرك سواء كان إنشائيا- كما هو الحقّ على ما حقق في محلّه- أم نفس الإرادة منوط بصيرورته‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 2.

(2) فرائد الاصول/ 67.

(3) كفاية الاصول/ 8.

25

مبرزا فإنّ الحكم غير المبرز ليس موضوعا لحكم العقل باستحقاق العقوبة على مخالفته، فالإبراز موضوع لهذا الحكم العقلي و الظن المعتبر المبرز للحكم يصح تأليف قياس منه حقيقة لما عرفت من كون الإبراز موضوعا لحكم العقل بالإطاعة.

و بالجملة فصحة تأليف القياس من الظن المعتبر لا تتوقف على المبنى المزبور في الأحكام.

و أما ثالثا: فبأنّ دخل الأمارة غير العلمية في ثبوت الحكم خارج عن مفروض البحث من طريقية الأمارات و عدم موضوعيتها، إذ الكلام في القطع الطريقي المحض و الأمارات التي لا تكون إلّا واسطة في الإثبات دون الثبوت.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه بناء على طريقية الأمارات لا فرق بين العلم الطريقي و بين الأمارات في عدم صحة تأليف القياس، و بناء على الموضوعية يصح تأليف القياس من كلّ من العلم و الأمارة و يكون القياس حقيقيا برهانيا كما هو واضح، فالتفكيك بين القطع و بين الأمارة بعدم صحة تأليف القياس في الأول و صحته في الثاني كما في الفرائد لا يخلو من تأمل لما عرفت من عدم الفرق بينهما بناء على الطريقية.

و الحاصل أنّه لا يمكن تأليف القياس الحقيقي لا في العلم و لا في الأمارات كما لا يمكن تأليف القياس الصوري في العلم أيضا، لأنّ القياس سبب للعلم بالنتيجة فإذا علم بالنتيجة من غير ناحية القياس فلا وجه لتأليف القياس، مثلا إذا علم بحدوث العالم فلا وجه لتأليف قياس ينتج حدوث العالم، و أما في الظن فيمكن تأليف قياس صوري منه، لأنّ حرمة مظنون الخمرية مثلا متوقفة على حجيّة الظن فيقال: هذا مظنون الخمرية و كلّ مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه لما دلّ على حجيّة الظن، و أما كونه صوريا فلأنّ الظن ليس واسطة في الثبوت حتى يكون القياس المؤلف منه حقيقيا بل واسطة في الإثبات فيكون القياس صوريا مغالطيا.

26

و ما أفاده شيخنا المحقق العراقي (قدّس سرّه) من كون الأحكام نفس الإرادات، و هي لا تكون موضوعا لحكم العقل إلّا بعد إبرازها، فالإبراز سواء كان وجدانيا أم تعبديا دخيل في الإرادة المبرزة و بعد دخل الأمارة في الحكم يصح تأليف القياس منها.

فقد عرفت الإشكال فيه، و أنّه إن اريد بالإرادة المبرزة الإرادة المحرزة بحيث يكون الإحراز و الإبراز موضوعا و دخيلا في الحكم ففيه: أنّه مضافا إلى خروجه عن محلّ البحث- إذ الكلام في القطع الطريقي و حجيّة الأمارات على الطريقية- أنّه خلاف مسلكه في باب القطع من عدم إمكان دخل القطع في متعلقه حتى بنتيجة التقييد التي التزم بها الميرزا النائيني (قدّس سرّه)، و إن اريد بالإرادة كون الحكم نفس الإرادة غاية الأمر أنّ الإبراز يكون موضوعا لحكم العقل بلزوم الإطاعة و حرمة المخالفة فالإبراز بالنسبة إلى الإرادة طريق محض و ليس فيه شائبة الموضوعية أصلا و يكون الإبراز واسطة إثباتية لا ثبوتية، فلا مجال لتأليف قياس أصلا، و الحاصل أنّه لا سبيل إلى تأليف القياس في العلم الطريقي و الأمارات أصلا.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ تعريف المسألة الاصولية بأنّها ما تقع كبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي بخلاف العلوم الستة (1)، فإنّها متكفلة لبيان الصغرى مبني على المسامحة و ليس قياسا حقيقيا، بداهة أن علّة الحكم هي الملاك لا الأمارة القائمة على الحكم. هذا تمام الكلام في القطع الطريقي المحض.

و أما القطع الموضوعي فلا بأس بتأليف قياس منه لكون الموضوع بالنسبة إلى التكليف كالعلة للمعلول من حيث عدم التخلف، و إلّا فليس الموضوع علة حقيقية للحكم إذ لازم عليته له هو كون الحكم رشحا للموضوع و ليس كذلك، لأنّ الحكم من الأفعال الاختيارية للشارع، فإنّه لحكمته يعطي كلّ شي‏ء حقه، فإذا كان في شي‏ء

____________

(1) أي اللغة و النحو و الصرف و المعاني و البيان و الرجال.

27

مصلحة الوجوب يشرّع له الوجوب مثل الموجودات التكوينية، فإنّه إذا كان في شي‏ء من التكوينيات اقتضاء الوجود يفيض عليه لباس الوجود و الموجودات التشريعية و التكوينية في هذه الجهات على نسق واحد.

و الحاصل أنّه يمكن تأليف قياس شبيه بالقياس الحقيقي.

[أقسام القطع الموضوعي‏]

و على كلّ حال فللقطع الموضوعي أقسام أربعة، لأنّه تارة يكون تمام الموضوع و اخرى جزءه و على التقديرين، تارة يؤخذ القطع بما هو صفة نفسانية، و اخرى بما أنّه كاشف و طريق، و تصير أقسام القطع بضمّ القطع الطريقي إليها خمسة.

لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) قد استشكل في إمكان أخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية. و محصل إشكاله في ذلك هو: أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع أصلا لعدم دخله في الموضوع، إذ المفروض كون القطع تمام الموضوع فهو الملحوظ بالاستقلال، و أخذه طريقا يستدعي كون الملحوظ بالاستقلال، هو الواقع و كون لحاظ القطع آلية، فيلزم من أخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية اجتماع اللحاظين الآلي و الاستقلالي في القطع. و قد دفع هذا الإشكال بعض الأجلة بما حاصله: أن الإشكال متجه إن كان اللاحظ نفس القاطع، إذ يستحيل أن يلاحظ قطعه استقلاليا و مرآتيا، و أما إن كان غيره فلا يلزم هذا المحذور فإنّ الشارع يلاحظ علم المكلّف موضوعا لحكمه بما أنّه كاشف و حاك لا بما أنّه صفة خاصة كما لا يخفى.

الجهة الرابعة: [عدم إمكان دخل العلم بالحكم في متعلقه‏]

لا إشكال في جواز أخذ العلم موضوعا لحكم آخر غير متعلقه كالعلم بوجوب الصلاة موضوعا لوجوب التصدق، كما لا إشكال في جواز أخذ العلم بموضوع خارجي موضوعا لحكم كالعلم بالخمرية موضوعا للحرمة و العلم بالنجاسة و ما لا يؤكل موضوعا للمانعية، كعدم الإشكال في عدم جواز أخذ العلم بحكم موضوعا لنفس متعلقه كالعلم بوجوب الصلاة موضوعا لنفس هذا الوجوب، و وجه‏

28

الاستحالة أنّ الموضوع مقدم رتبة على الحكم تقدم العلة على المعلول فالحكم في حال عدم موضوعه معدوم فلا حكم قبل العلم، و من المعلوم تأخر رتبة العرض- الذي يكون العلم منه- عن المعروض، فالمعلوم مقدم رتبة على العلم، فالحكم قبل العلم به موجود لتقدمه رتبته على العلم به و معدوم لكون العلم موضوعا له، و كلّ حكم قبل موضوعه معدوم و ليس هذا إلّا التناقض، و بالجملة فالعلم بالحكم لما كان من الانقسامات الثانوية المتأخرة عن الخطاب لا يمكن أن يكون دخيلا في الموضوع و لا في المتعلق، و المراد بالانقسامات الثانوية هي ما لا يمكن تصوره إلّا بعد الخطاب لترتبها على الخطاب كالعلم بالحكم و قصد القربة و نحوهما، و باستحالة التقييد يستحيل الإطلاق بناء على ما تقدم في المطلق و المقيد من كون تقابل الإطلاق و التقييد العدم و الملكة، و لذا لا يتمسك بالخطاب مع الشك في التعبدية و التوصلية، فالخطابات بالنسبة إلى الانقسامات الثانوية مهملة لا مطلقة و لا مقيدة، هذا بالنسبة إلى الإطلاق و التقييد اللحاظيين.

و أما لبّ غرض المولى فلا يكون مهملا لأنّ الموضوع لحكم أما خصوص العالم و أما أعم منه، فنتيجة الإطلاق أو التقييد لا محالة موجودة في لب الغرض، و الخطاب الأولي قاصر عن إفادة هذه النتيجة و المتكفل لبيان هذه النتيجة خطاب آخر يسمى بالخطاب المتمم كالخطاب المتمم في قصد القربة و المقدمات المفوتة و غير ذلك، فالمتحصل أن الإطلاق و التقييد اللحاظيين بالنسبة إلى العلم و نحوه من الانقسامات المتأخرة ممّا لا يمكن و أما نتيجتهما فلا إشكال في وجودهما.

هذا ملخص كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في كيفية أخذ العلم موضوعا لمتعلقه‏ (1).

و قد يورد عليه بعدم الحاجة إلى الخطاب المتمم بل يكفي العلم بنتيجة التقييد

____________

(1) و سيأتى الإشكال عليه بقوله: «نعم يرد على هذا المبني ...»، ص 29.

29

و الإطلاق بقرينة و عدم توقفه على خطاب آخر.

و لكنه مندفع بأنّ المراد من الخطاب ما يكون كاشفا و حاكيا عن النتيجة المزبورة و التعبير بالخطاب المتمم يكون من غير الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

و قد اعترض شيخنا المحقق العراقي (قدّس سرّه) على ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من نتيجة الإطلاق و التقييد بما حاصله: عدم الحاجة في اختصاص الأحكام بالعالم بها أو عدم اختصاصها به إلى نتيجة الإطلاق و التقييد، بل يمكن إثبات التعميم أو الاختصاص بوجه آخر، و هو: أنّه لا شبهة في كون الخطاب موجودا في رتبة العلم و الجهل به كوجود العلّة في رتبة المعلول، و إذا فرض اختصاصه بالعالم يمكن ألا يكون ذلك الاختصاص بنتيجة التقييد بل بجعل العلم معرفا للحصة التي هي توأم مع العلم من دون أن يكون العلم قيدا للخطاب نظير الخيط المحاذي لرءوس جماعة، فإذا جعل قطعة من ذلك الخيط محاذية لرأس زيد يصح أن يقول: إنّ القطعة المحاذية لرأس زيد تكون كذا، فإنّ هذه المحاذاة ليست قيدا لتلك الحصة بل معرفة و مشيرة إليها، فالعلم في المقام يكون نظير مسامتة تلك القطعة لرأس زيد، هذا إذا كان الحكم مختصا بالعالم به و مع سعته و عدم اختصاصه بالعالم به يكون الخطاب الثابت في رتبة العلم و الجهل حكما و يكون العلم و الجهل معرفين لما هو واقع في رتبتهما.

هذا ملخص ما نسب إلى الشيخ العراقي (قدّس سرّه)، و بهذا المبنى صحح دخل قصد القربة في متعلق الخطاب و المقدمات المفوتة و المقدمة الموصلة.

و فيه: ما لا يخفى لأنّ ما أفاده من مشيرية العلم خارج عن مفروض البحث، إذ محلّ الكلام هو العلم الموضوعي الذي له دخل موضوعي في الحكم و الموضوعية و المعرفية متناقضان، فلا محيص عن الالتزام بنتيجة التقييد أو الإطلاق كما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

نعم يرد على هذا المبنى أي نتيجة التقييد: أنّه كيف يعلم المكلّف بالحكم مع‏

30

فرض كون العلم عرضا متأخرا رتبة عن محلّه، فمناط استحالة الدور باق على حاله حتى على القول بنتيجة التقييد، إذ المفروض أنّ العلم بالحكم منوط بوجود الحكم قبل العلم به، و الحكم متأخر عن العلم أيضا لكون العلم موضوعا و قيدا له فيلزم أن يكون الحكم قبل العلم به موجودا و معدوما و ليس هذا إلّا التناقض، فلا محيص حينئذ عن الالتزام بمقالة المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) من كون العلم بالإنشاء دخيلا في فعليته فالعلم موضوع لفعلية الحكم، و متعلقه المتقدم على العلم رتبة هو إنشاء الحكم لا فعليته. و بالجملة فالالتزام بنتيجة التقييد لا يدفع غائلة الاستحالة.

فتحصل من البحث مطالب: الأول: عدم تمامية ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في رفع غائلة الاستحالة من نتيجة التقييد أو الإطلاق بعد البناء على استحالة لحاظهما بناء على كون تقابل الإطلاق و التقييد العدم و الملكة، إذ يكفي حينئذ في امتناع الإطلاق امتناع التقييد. و حاصل وجه عدم تمامية ما أفاده من نتيجة التقييد هو أن الخطاب الثاني الذي مرجعه إلى الإخبار عن دخل العلم بالحكم دخلا موضوعيا كدخل البلوغ و العقل في الحكم لا يدفع غائلة الاستحالة قطعا، بداهة أنّ معنى الدخل الموضوعي هو عدم وجود الحكم بدونه و كونه من مبادي وجوده كما في البلوغ و العقل من الشرائط العامة و الاستطاعة و مالكية النصاب من الأجناس الزكوية و نحوهما من الشرائط الخاصة، و قد عرفت مرارا أنّ الموضوع بماله من القيود متقدم رتبة على الحكم كتقدم العلة على المعلول، و عليه فالعلم بالحكم يستحيل أن يكون موضوعا له إذ يلزم من موضوعيته له اجتماع النقيضين، لأنّ مقتضى موضوعيته تأخر الحكم عنه و كونه معدوما قبل العلم به و قضية كون العلم عرضا هو تأخره عن محلّه و وجود معروضه قبل العلم، فالحكم قبل العلم به موجود حتى يمكن‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 267.

31

تعلق العلم به و معدوم لكون العلم موضوعا له و دخيلا فيه كدخل البلوغ و العقل في الحكم، و ليس هذا إلّا اجتماع النقيضين. و بالجملة فالالتزام بنتيجة الإطلاق و التقييد لا أثر له في دفع الاستحالة كما لا يخفى.

الثاني: أنّ ما نسب إلى شيخنا العلّامة العراقي (قدّس سرّه) في دفع محذور الاستحالة- من جعل العلم بالحكم معرفا بأنّ للحكم حصصا من الوجود، إذ الحكم بعد جعله يكون موجودا مع عدم تعلق العلم و الجهل به و في حال تعلق العلم به يكون له وجود أيضا، و الوجود الذي يكون مرادا للشارع هو وجوده في حال العلم به لكن لا بمثابة يكون لهذه الحالية دخل في الحكم بل المراد هو الحصة التي تكون توأما مع العلم فيكون الحكم مختصا بالعالم به لكن لا بنحو التقييد أو نتيجته- يشكل الالتزام به في دفع الإشكال لما فيه.

أوّلا: من كونه خارجا عن مفروض البحث إذ الكلام في العلم الموضوعي الذي له دخل موضوعي في الحكم الذي تعلق به العلم و جعل العلم معرّفا للحكم و غير دخيل في وجوده خارج عن موضوع البحث.

و ثانيا: من أنّ الحكم موجود بسيط و ما لم يمتثل لا يسقط و لا يتصور تحصيصه مع عدم تعدّد الموضوع، فالالتزام بتعدّد حصص وجود الحكم لا يتصور مع وحدة الموضوع، نعم ما أفاده (قدّس سرّه) متين في المقدمة الموصلة و قصد القربة، و أما في المقام فلا يتم أصلا فهذا الوجه كسابقه في الضعف.

الثالث: أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من الالتزام بتعدّد المراتب للحكم و كون العلم بالإنشاء موضوعا لمرتبته الفعلية لا يدفع الإشكال أيضا، لأنّه خروج عن مفروض البحث، ضرورة أنّ دخل العلم بمرتبة في مرتبة اخرى يكون كدخل العلم بحكم في حكم آخر، كالعلم بوجوب الصلاة في وجوب التصدق و مفروض البحث هو دخل العلم بحكم في نفس ذلك الحكم كدخل العلم بالحكم‏

32

الإنشائي في نفس الحكم الإنشائي لا في الحكم الفعلي، هذا كلّه مضافا إلى عدم صحة الالتزام بالمراتب الأربع للحكم بل يكون ذا مرتبة فعلية و هي وجوده المتوقف على وجود موضوعه و مرتبة التنجز و هي العلم به أو قيام الحجة عليه، و ليس للحكم مرتبة غير هاتين المرتبتين.

[توجيه ما ظاهره دخل العلم بالحكم في متعلقه‏]

و على ما ذكرنا من عدم تمامية الوجوه الثلاثة المتقدمة لدفع إشكال الاستحالة العقلية فلا بدّ من تأويل ما ظاهره تقيد الحكم بالعلم به كروايات الواردة في القصر و الإتمام‏ (1)، و الجهر و الإخفات‏ (2).

[في الوجوه التي وجّه بها في القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات‏]

و الوجوه التي وجّه بها ما دلّ على صحة صلاة من أجهر فيها في موضع الإخفات أو العكس، و كذا المسافر إذا أتم صلاته في موضع القصر جاهلا كثيرة:

منها: أنّ وجوب القصر على المسافر تخييري لا تعييني، فالمسافر الجاهل بوجوب القصر يجب عليه أحد الأمرين من القصر أو الإتمام فإذا صلّى المسافر الجاهل بوجوب القصر تماما أو قصرا تصح صلاته لموافقتها للأمر و إذا علم بوجوب القصر على المسافر ينقلب وجوبه التخييري إلى التعييني فيكون العلم بالعدلية موضوعا للتعيينية فيخرج عن موضوع البحث و هو أخذ العلم بالحكم دخيلا في نفس ذلك الحكم، و كذا في الجهر و الإخفات فإنّ كلّا منهما واجب على الجاهل وجوبا تخييريا و إذا علم بخصوص الجهر يصير وجوبه تعيينيا كما لا يخفى.

و منها: ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من كون وجوب الجهر في موضعه نفسيا، فلو تركه و أخفت في موضع الجهر صحت صلاته لأنّه لم يترك شيئا من أجزاء الصلاة و شرائطها، و يعاقب على ترك الجهر لأنّه ترك واجبا نفسيا و إذا علم بوجوب الجهر يصير وجوبه شرطيا، و لذا لو أتى بالقراءة إخفاتا و ترك الجهر عمدا تبطل صلاته‏

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ 505، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر.

(2) وسائل الشيعة 6/ 87، الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

33

لأنّه ترك شرطا من شرائط الصلاة متعمدا، هذا في الجهر و الإخفات.

و أما في القصر و الإتمام فيقال: إنّ الواجب في حقّ الجاهل بوجوب القصر على المسافر هو ما فرضه اللّه تعالى لا بشرط، و بعد العلم بوجوب القصر تكليفا يصير وجوب الركعات العشر التي فرضها اللّه تعالى بشرط لا، و بعبارة أوضح: وجوب ما فرضه اللّه تعالى غير مشروط بشي‏ء في حقّ الجاهل بوجوب القصر فإذا أتى المسافر الجاهل بوجوب القصر تماما تكون صلاته صحيحة، إذ لا يكون ما فرضه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مانعا عن الصحة بل فرض اللّه تعالى يكون لا بشرط عن فرض النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فزيادة فرضه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على فرض اللّه تعالى ليست قادحة، و أما إذا علم بوجوب القصر يصير هذا العلم المتعلق بالحكم التكليفي موضوعا لحكم وضعي و هو المانعية، فيكون فرض النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حينئذ مانعا، فإذا أتى العالم بالقصر برباعية تماما تبطل صلاته لإتيانه بالزيادة عمدا، فمرجع هذا الوجه إلى عدم كون العلم دخيلا في متعلقه إذ العلم بالنفسية يصير موضوعا للوجوب الغيري فيخرج عن محلّ الكلام و هو كون العلم بالحكم دخيلا في نفس ذلك الحكم كما لا يخفى.

و منها: ما أفاده الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) في مصباحه‏ (1) في مبحث الجهر و الإخفات و حاصله: أنّ كلّا من الجهر و الإخفات فيه مصلحة، غاية الأمر أنّ مصلحة الجهر مثلا أرجح من مصلحة الإخفات و المقدار الزائد من مصلحة الجهر يكون ملزما، لكنه بإتيان القراءة إخفاتا تفوت تلك الزيادة فيعاقب لتفويته لتلك الزيادة و تصح صلاته لاشتمالها على المصلحة فيسقط الأمر، نظير ما إذا وجب عتق رقبة كفارة لإفطار شهر رمضان بحيث كانت المصلحة في عتق طبيعة

____________

(1) مصباح الفقيه/ 316- 317، كتاب الصلاة: «بيانه أنّ من الجائز أن يكون لطبيعة الصلاة من حيث هي مصلحة ملزمة مقتضية لإيجابها، و كونها في ضمن الفرد المشتمل على خصوصيّة الجهر و الإخفات فيه مصلحة ملزمة أيضا، فاجتماع كلتا المصلحتين في هذا الفرد أوجب تأكّد طلبه و اختصاصه بالوجوب».

34

الرقبة، و لكن كان في عتق المؤمنة مصلحة ملزمة زائدة على ما في طبيعة الرقبة من المصلحة و كانت المصلحة الزائدة في المؤمنة ممّا تفوت بعتق الكافرة و لا يمكن تداركها.

و الحاصل أنّ القصر و الإتمام، و الجهر و الإخفات خارجان عن موضوع البحث و هو كون العلم بالحكم دخيلا في نفس ذلك الحكم، لما عرفت من التوجيهات المزبورة التي مرجعها إلى خروج الموردين عن مفروض البحث، و لا يكونان داخلين في موضوع البحث إلّا بأن يكون العلم بوجوب القصر على المسافر دخيلا في هذا الوجوب و شرطا له على حد شرطية شرائط القصر من اعتبار المسافة و كون السفر سائغا و عدم كونه عملا و شغلا له، إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في وجوب القصر، و أما إذا لم يكن كذلك بأن كان العلم بشي‏ء دخيلا في حكم آخر فلا يلزم إشكال الدور أصلا.

و لعل أوجه الوجوه المذكورة في دفع الإشكال هو القول بوجوب القصر تخييرا على المسافر الجاهل بأن يقال: إنّ المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه يكون مخيرا بين القصر و الإتمام و لذا لو أتى بالقصر أو التمام في حال الجهل فقد أتى بوظيفته، و هذا يناسب الوجوب التخييري، و إذا علم بوجوب القصر على المسافر يصير وجوب القصر تعيينيا، فالعلم بالوجوب التخييري يكون دخيلا في الوجوب التعييني فلم يؤخذ العلم بالحكم دخيلا في نفس ذلك الحكم، و يكون تعيّن وجوب القصر بسبب العلم نظير تعيّن وجوب صلاة الجمعة في عصر الحضور مع بسط يد الإمام عليه الصلاة و السلام و عقده لها فإنّ صلاة الجمعة حينئذ تصير واجبة تعيينا بعد أن كان وجوبها في عصر الغيبة تخييريا.

لكن الظاهر عدم اندفاع الإشكال بهذا الوجه و أنّ محذور الدور باق على حاله، ضرورة أنّ العلم بالوجوب التخييري ليس موضوعا لوجوب القصر تعيينا

35

قطعا، لأنّه إذا علم بظاهر الآية الشريفة (1) و هو نفي الجناح و البأس بقصر الصلاة فليس هذا العلم موضوعا لوجوب القصر تعيينا، بل موضوع وجوب القصر تعيينا هو العلم بتفسير الآية أعنى كون وجوب القصر تعيينيا و أنّ المراد بقوله تعالى «لا جناح» هنا نظير «لا جناح» الوارد في الحج‏ (2) من كونه تعيينا، و عليه فيكون العلم بالتعيينية موضوعا للتعيينية و هو دور، فلعل أوجه الوجوه ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لكنه في الجهر و الإخفات دون القصر و الإتمام.

و يمكن أن يقال: إنّه في كلّ مورد اخذ فيه العلم كالقصر و الإتمام و الجهر و الإخفات يكون العلم متعلقا بنفس الخطاب، و طريقا محضا إليه، إلّا أنّ هذا العلم يكون موضوعا للحالة البعثية، و ليس متعلق الحكم الإنشائي حتى يقال: إنّ الإنشائي ليس بحكم فالعلم به ليس علما بالحكم بل المتعلق هو الخطاب الفعلي المنوط بوجود موضوعه، غاية الأمر أنّ الحالة البعثية مترتبة على العلم بالخطاب فالمعلوم خطاب فعلي و ما يترتب على العلم هي الحالة البعثية التي هي مرتبة اخرى من الفعلية، و إطلاق الأخبار المستفيضة بل المتواترة (3) الدالة على أنّ لكلّ واقعة حكمها الشامل للعالمين و الجاهلين يكون بالنسبة إلى هذه المرتبة الثانية من الفعلية، يعني أنّ هذه المرتبة ليست مقيدة بالعلم و ليس المراد بإطلاق تلك الأخبار إطلاقها بالنسبة إلى المرتبة الاولى من الفعلية لاستحالة الإطلاق بعين استحالة التقييد، و قد عرفت وجه استحالة التقييد و هو الدور، فكما يمتنع تقييد مرتبة من الحكم بالعلم بها فكذلك يمتنع الإطلاق بناء على ما تقدم في مبحث المطلق و المقيد من كون التقابل بين الإطلاق و التقييد العدم و الملكة.

____________

(1) النساء: 101 فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.

(2) البقرة: 158 فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.

(3) منها ما روي في الأمالي للشيخ/ 9.

36

هذا تمام الكلام في القطع الموضوعي و قد عرفت استحالة دخله في متعلقه حتى بنتيجة التقييد لعدم إمكان تعلق العلم بغرض المولى أصلا، ضرورة أنّ إمكان تعلق العلم فرع تقدم المعلوم عليه و المفروض أنّ المعلوم متأخر عن العلم، لكون العلم موضوعا له و تقدم الموضوع على الحكم من البديهيات، فالمصلحة التي يكون العلم موضوعا لها كموضوعية البلوغ و العقل لها كيف يعقل تعلق العلم بها مع توقف وجودها على العلم به، فالدور باق على حاله و لا يرتفع أصلا.

و بالجملة فللقطع الموضوعي أقسام أربعة لأنّه إما تمام الموضوع و إما جزؤه و على التقديرين إما أن يؤخذ صفة أو طريقا و بعد انضمام القطع الطريقي إليها تصير أقسام القطع خمسة.

الجهة الخامسة: [قيام الأمارات و الاصول مقام القطع:]

[قيام الأمارات مقام القطع الطريقي‏]

أنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) ذكر في الفرائد أنّ الأمارات و بعض الاصول العملية تقوم مقام القطع الطريقي، و مراده من بعض الاصول (الاصول التنزيلية) كالاستصحاب و قاعدتي التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة، و محلّ البحث في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي هو: أنّ دليل اعتبار الأمارة هل يفي بقيامها مقام القطع الطريقي أم لا؟ و أما إذا فرضنا دليلا خاصا قام على كون الأمارة كالقطع فلا كلام في قيامها مقامه، فمورد البحث هو كفاية نفس دليل حجيّة الأمارات في قيامها مقام القطع و عدمه. و تفصيل الكلام في المقام هو: أنّ القطع على قسمين طريقي محض و موضوعي، و الكلام فعلا في قيام الأمارات و الاصول مقام القطع الطريقي المحض.

[الاشارة إلى جهات القطع‏]

و لا بأس قبل الخوض في المقصود بالتنبيه على أمر؛ و هو أنّ للعلم جهات أربع: سواء كان من مقولة الفعل- كما إذا عرّف بالصورة الحاصلة بناء على كون‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 3- 4.

37

الصور مخلوقة للنفس و من أفعالها- أم من مقولة الانفعال لتأثر النفس بالصورة الحاصلة فيها، أم من مقولة الإضافة على التفصيل المقرّر في محلّه و هذه الجهات هي:

الأولى: كون العلم صفة نفسانية و نورا في نفسه.

الثانية: كونه كاشفا عن الصورة الخارجية حيث إنّ الصورة الذهنية لانطباقها على الصورة الخارجية تحكي عن تلك الصورة الخارجية. مثلا إذا حصل في النفس صورة الأسد فتكون تلك الصورة كاشفة عنها لمطابقتها لما في الخارج من الأسد.

الثالثة: الجري العملي على طبق العلم، فإذا كان المعلوم ممّا فيه النفع يتوجه إليه و إذا كان ممّا فيه الضرر يفرّ منه.

الرابعة: موضوعية العلم لحكم العقل بالتنجيز، و معنى التنجيز أنّ المعلوم يكون بحيث لو خولف يوجب ذلك استحقاق العقوبة على تقدير المصادفة و التجري على تقدير المخالفة.

إذا عرفت ما للقطع من الجهات الأربع الثابتة له في ان واحد مع تعدّد مراتبها، فاعلم إن كان المراد بقيام الأمارات و بعض الاصول مقام القطع الطريقي قيامها في الجهة الرابعة أعني التنجيز، فلا اختصاص لبعض الاصول في ذلك بل كلّ حجة بعد إحراز حجيّتها تكون موضوعا لحكم العقل بالتنجيز في عرض موضوعية العلم له لا أن الأمارات و بعض الاصول تقوم مقام القطع في التنجيز، فإنّ المنجزيّة ثابتة لكلّ حجة أمارة كانت أم أصلا عقليا كالاحتياط العقلي، فإنّ جميع الحجج وجدانية كانت كالعلم أم التعبدية كالأمارات و إيجاب الاحتياط الشرعي الثابت في الموارد الثلاثة من الدماء و الأموال و الأعراض، أم عقلية كأصالة الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي تكون في عرض العلم من حيث الموضوعية لحكم العقل بالتنجيز، و لا معنى لقيام الأمارات و غيرها مقام القطع حتى تكون في طول القطع ليترتب عليه الحكومة الظاهرية التي سيأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى، و هذا من غير فرق في كون حجيّة

38

الأمارات من باب التعبد أو من بناء العقلاء أو من جهة منجزية الاحتمال، بأن يقال:

إنّ خبر الواحد مثلا المطابق للواقع صار حجة شرعا، إذ البناء على حجيّة الأخبار و غيرها من الأمارات من باب الطريقية لا الموضوعية، و من المعلوم أنّ الخبر الذي يكون طريقا إلى الواقع هو خصوص المصادف منه للواقع، و الخبر المخالف له لا يكون طريقا للواقع فليس موضوعا لدليل الاعتبار فلا يكون حجة، و حيث إنّه يعلم إجمالا بمطابقة بعض الأخبار مثلا للواقع فيكون ذلك مشمولا لدليل الاعتبار، و حيث إنّ المصادف للواقع لا يحرز لنا فيجب الأخذ بكلّ خبر نحتمل مصادفته للواقع، إذ احتمال الواقع على تقدير المصادفة صار منجزا فلو خالف ما يؤدي إليه الخبر و كان مصادفا للواقع يستحق العقوبة، و إيجاب الاحتياط الشرعي أيضا من هذا القبيل.

ضرورة أن موضوع دليل وجوب الاحتياط هو الاحتياط المصادف للواقع دون الاحتياط الذي لا يصادف الواقع، بداهة أنّ المال المردد بين كونه ملكا له و بين كونه لغيره يحرم التصرف فيه إن كان ملك الغير، و أما إن كان ملكا له فلا إشكال في جواز التصرف فيه و عدم وجوب الاحتياط عنه إلّا إذا قلنا بكون ماله بالعنوان الثانوي و هو المشتبه ممّا يحرم فيه التصرف، فحينئذ يخرج إيجاب الاحتياط عن كونه حكما طريقيا بل يكون نفسيا كما يقول الشيخ الانصاري (قدّس سرّه)(1) بكون إيجاب الاحتياط حكما نفسيا ظاهريا، و عليه يكون استحقاق العقوبة على نفس إيجاب الاحتياط لا على التكليف الواقعي المجهول، و هو و إن لم يخل عن إشكال أيضا لاستلزامه استحقاق العقوبة على الحكم الظاهري لكنه لا يخلو من وجه.

و بالجملة فحجيّة الأمارات- سواء كانت لأجل الحكم التكليفي كما نسب إلى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و جعل الحجيّة منتزعة عنه، أم للتعبد إن قلنا بكون حجيّة

____________

(1) فرائد الاصول/ 208.

39

الأمارات من باب التعبد الشرعي، أم منجزية الاحتمال كما عرفت تقريبها أم غير ذلك من المشارب التي تكون في حجيّة الأمارات- أوضح من أن تخفى.

و لا ينبغي الإشكال في منجزيتها و كذا منجزية كلّ حجة، فمراد الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من قيام الأمارات و بعض الاصول مقام القطع ليس هذا المعنى أي المنجزيّة بل مراده (قدّس سرّه) هو قيامها مقام القطع في جهة الكشف و الإراءة التي هي الجهة الثالثة كما عرفت، و الفرق بين قيامها مقام القطع في التنجيز و بين قيامها مقام القطع في الكاشفية هو: أنّ في صورة قيامها مقامه في الكاشفية تكون الأمارات حاكمة أو واردة على الاصول، و أما في صورة قيامها مقامه في التنجيز فلا يبقى مجال لحكومة بعض الاصول على بعضها، و لا لحكومة الأمارات على الاصول لكون الجميع حينئذ في رتبة واحدة لما عرفت من كون الجميع في نظر العقل بالنسبة إلى ترتب آثار الحجيّة في عرض واحد.

إذا عرفت مراد الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من كون المراد قيام الأمارات مقام القطع الطريقي بما هي كاشفة لا بما هي منجزة، لما مرّ عليك من أنّ قيامها من حيث المنجزيّة مقام القطع يبطل حديث ورود الأمارات أو حكومتها على الاصول، و كذا حكومة بعض الاصول على بعضها لكون الأمارات و الاصول طرا في عرض واحد و هو المنجزيّة، و يكون تقدم بعض الاصول على بعضها الآخر بالأخصّية كتقدم قاعدة التجاوز على الاستصحاب، و حديث الورود أو الحكومة منوط بقيام الأمارة من حيث كونها كاشفة مقام القطع لا من حيث المنجزيّة، فاعلم أنّ قيام الأمارات من حيث الكاشفية مقام القطع لا يستقيم إلّا على مبنى واحد من مباني حجيّة الأمارات و هو كونها ببناء العقلاء، فإنّ إمضاء الشارع لما عليه العقلاء يوجب ازدياد الوثوق‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 3- 4.

40

و الكشف تكوينا في الأمارة، فإذا استقر بناء العقلاء على حجيّة خبر الثقة مثلا و أمضى الشارع ذلك أيضا يوجب هذا الإمضاء ازدياد الكشف الناقص الذي يكون في خبر الثقة، فإنّ تراكم الظنون ربما يوجب القطع بالواقع كما في حصول القطع بوثاقة زرارة مثلا، فإنّ من كثرة ما قيل فيه من التوثيقات حصل العلم بوثاقته.

[قيام الأمارات و الاصول مقام القطع الطريقي‏]

و بالجملة فعلى هذا المبنى لا إشكال في قيام الأمارة الموجبة للوثوق المعبر عنه بالقطع العادي النظامي مقام القطع الوجداني في الكشف و الإحراز، فالأمارة على هذا المبنى يكون احتمال الخلاف موجودا فيها لكنه ملغى في نظر العقلاء و الشرع، و لا يوجب توقف العقلاء عن ترتيب الآثار عليها بخلاف القطع الوجداني فإنّ احتمال الخلاف معدوم فيه حقيقة لا حكما، فتعدّد الأمارة و العلم الوجداني و تصح دعوى قيام الاولى مقامه.

و هذا بخلاف سائر المباني في حجيّة الأمارات فإنّها لا تقوم مقام القطع أصلا، أما بناء على كون المجعول فيها نفس الحجيّة كما استظهره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من عبارة الكفاية (1) و اعترض عليها، فلأنّه- بعد الغض عن عدم إمكان جعل الحجيّة التي هي من الأحكام العقلية- لا يترتب عليه ما هو محلّ الكلام من قيامها من حيث الكاشفية مقام القطع، و ذلك لأنّ قيامها على هذا المبنى يكون من حيث المنجزيّة لا من حيث الكاشفية و مورد البحث هو هذا دون الأوّل كما لا يخفى.

و أما بناء على ما نسب إلى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) من كون المجعول في الأمارات الحكم التكليفي و هو وجوب العمل بخبر الثقة فواضح، إذ العمل بالأمارات حينئذ يكون لأجل هذا الحكم التعبدي دون الطريقية و الكاشفية التي هي محلّ البحث.

____________

(1) كفاية الاصول/ 277.

(2) فرائد الاصول/ 25.

41

و أما بناء على تتميم الكشف فإن كان المراد به ما ذكرناه من أنّ إمضاء الشارع يوجب تكوينا ازدياد كشفه الناقص فلا بأس به، و إن كان تمامية كشفه الناقص بالتعبد بمعنى صيرورة الكاشف الناقص كاشفا تاما ببركة التعبد فلا يكاد يصح ذلك أصلا، فإنّ التعبد قاصر عن إفاضة الوجود التكويني، فمرجع تتميم الكشف تعبدا إلى ترتيب آثار العلم الوجداني على الأمارة و تنزيل الأمارة في الآثار الشرعية منزلة العلم نظير التنزيل في الاستصحاب، و على هذا فليست جهة الكشف و الطريقية ملحوظة في الجعل و التشريع، و المفروض قيام الأمارة في الطريقيّة و الإحراز مقام القطع لا في جهات أخر.

و إن كان المراد بتتميم الكشف تتميمه تكوينا ففيه: مضافا إلى كونه صرف الفرض و التقدير، أنّ الأمارة تخرج حينئذ عن الأمارية و تدخل في العلم و تصير من أفراد العلم و لا معنى لقيام العلم مقام العلم، و أما بناء على مبنى منجزية الاحتمال التي قد عرفتها و ستعرفها تفصيلا و ما هو منشأ للمصير إليه إن شاء اللّه تعالى في حجيّة الظن، فلأنّ منجزية الاحتمال غير الحجيّة من حيث الكاشفية التي هي محلّ البحث.

[كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في متمم الكشف‏]

و ملخص ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض بنفس دليل اعتبارها في جهة الكشف و الطريقية هو: أنّ الأمارات التي يكون لها كشف ناقص ذاتا قد أتمّ الشارع كشفها فصارت بعناية التعبد فردا من العلم فكأنّها علم وجداني، و بعد تمامية كشفها تقوم مقام الكاشف التام الحقيقي في الكشف و الطريقيّة، كما أنّ الاصول التنزيلية كالاستصحاب تقوم مقام القطع في الجهة الثالثة و هي الجري العملي، و سائر الاصول تقوم مقام القطع في الجهة الرابعة من جهات العلم و هي المنجزيّة، و لذا يستقيم حينئذ حديث ورود الأمارات على الاصول لكونها علما رافعا لموضوع الاصول و هو الشك و حكومة بعض الاصول على بعضها لكون الاصول التنزيلية قائمة مقام القطع في الجهة الثالثة أعني الجري العملي، و كون‏

42

الاصول غير التنزيلية قائمة مقام القطع في الجهة الرابعة أعني التنجيز، و تقدم الجهة الثالثة على الرابعة من الواضحات.

هذا محصل ما نسب إلى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في التقريرات المطبوعة لكن يرد على ما في التقرير بأنّ مراد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تتميم الكشف ليس تكميل الكشف الناقص تكوينا بسبب التعبد، فإنّ ذلك ممّا لا يمكن أن ينسب إليه (قدّس سرّه) لوضوح فساده، فإنّ التكوين لا يتأتى بالتصرف التشريعي الذي هو من الامور الاعتبارية، فإنّ وعاء الاعتبار غير التكوين، فإذا قال ألف مرة «صلّ» لا يصير مصلّيا تكوينيا بل تشريعيا فقط و لا يكون مصلّيا تكوينيا إلّا بالإيجاد التكويني، و كذا إذا قال: كن عالما أو قال:

للعالم كن جاهلا لا يصير العالم بقوله كن جاهلا تشريعا جاهلا تكوينيا، و كذا لا يصير الجاهل بقوله كن عالما تشريعا عالما تكوينا، فلا بدّ حينئذ من إرادة التنزيل و جعل الأمارة منزلة العلم و المؤدى منزلة الواقع في الآثار الشرعية، فالمراد بالعلم التعبدي هو الأمارة المنزلة منزلة العلم الحقيقي في الأثر الشرعي كما في الاستصحاب، و لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لا يلتزم بهذا التنزيل الذي يكون تنزيلا عرضيا كالطواف بالبيت صلاة لا التنزيل الطولي الذي لازمه الحكومة الظاهرية، و لذا شدّد النكير على الكفاية حيث التزم بالتنزيل.

فمراد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ما أشرنا إليه من أنّ إمضاء الشارع للأمارات يوجب تكوينا ازدياد كشفها و تقوم حينئذ مقام القطع الطريقي من حيث الكاشفية و لا معنى للعلم التعبدي إلّا تنزيل الأمارة منزلة القطع في الآثار الشرعية كما في تنزيل الشك المسبوق بالعلم منزلة العلم الفعلي في الاستصحاب. و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لا يلتزم بالتنزيل أصلا.

فالمتحصل أنّ الأمارات بناء على حجيّتها من باب الإمضاء الموجب لازدياد كشفها الناقص تقوم مقام القطع الطريقي في الكاشفية، و وجه نسبتها إلى الشرع‏

43

و تسميتها بالأمارات الشرعية هو صيرورتها ممضاة في الشرع و طرقا للأحكام الشرعية كطريقيّتها للأحكام العرفية، حيث إنّ الشارع ألغى بعض الطرق العقلائية المسلوكة عندهم كالقياس، و أمضى بعضها الآخر كخبر الثقة أو العادل. و أدلة حجيّة خبر الثقة كلّها إرشاد إلى ما في طريقة العقلاء و ليست في مقام تأسيس حكم من حجيّته أو غيرها، و هذا معنى الإمضاء فليس في البين حكم مولوي و لا تنزيل الأمارة منزلة العلم في الآثار و لا تنزيل المؤدى منزلة الواقع، كما ربما يظهر من الكفاية و إن عدل عنه بعد ذلك.

و من هنا يظهر أنّ حكومة الأمارات على الواقعيات ظاهرية لا واقعية.

توضيحه: أنّ الحكومة عند الميرزا النائيني (قدّس سرّه) عبارة عن خروج شي‏ء عن عنوان بالتعبد المثبت للمؤدى أي المحرز له في مقابل الورود الذي هو عبارة عن الخروج المستند إلى نفس التعبد من دون إحراز للمؤدى كما في إيجاب الاحتياط الشرعي، فإنّه بمجرد جعله يخرج المورد عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع عدم كون إيجاب الاحتياط محرزا للواقع، ضرورة أنّ موضوعه الشك و لا يعقل كاشفية الشك لشي‏ء كما هو واضح، فقاعدة إيجاب الاحتياط الشرعي واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لارتفاع موضوع القاعدة وجدانا بنفس تشريع إيجاب الاحتياط، بخلاف ارتفاع الاستصحاب بالأمارة فإنّ ارتفاعه بها إنّما هو لأجل كشف الأمارة عن الواقع لا بمجرد حجيّتها.

إذا عرفت معنى الحكومة إجمالا فنقول: إنّ الحكومة تارة توسع دائرة المحكوم و اخرى تضيقها، و قد تكون واقعية و قد تكون ظاهرية. أما الواقعية: فهي عبارة عن توسعة في الموضوع بإيجاد فرد للواقع حقيقة كما في قوله (عليه السّلام): الطواف بالبيت صلاة (1) فإنّ المشروط بالطهارة قد وسّع بهذا التنزيل حقيقة و صار له فردان أحدهما

____________

(1) مستدرك الوسائل 9/ 410، الحديث 11203.

44

الصلاة و الآخر الطواف كما لا يخفى.

و أما الحكومة الظاهرية فهي عبارة عن التوسعة في وصول الواقع، فإنّ الواقع كما يصل إلى العبد بسبب العلم كذلك يصل إليه بسبب الأمارة، فالأمارة توصل الواقع إلى العبد و لا تتصرف في الواقع أصلا بل الواقع واحد لا تعدّد فيه، غاية الأمر أن موصله تارة يكون علما وجدانيا ليس فيه احتمال الخلاف حقيقة: و اخرى يكون علما عاديا فيه احتمال الخلاف، لكنه موهون جدا بحيث لا يوجب توقف العبد عن الحركة و الجري على طبق الأمارة، فحكومة الأمارة حينئذ على الواقع ظاهرية لكونها موصلة للواقع إلى العبد في مرحلة الظاهر، و لا تكون الأمارة مثبتة لشي‏ء في قبال الواقع لتكون الحكومة واقعية، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالتنزيل فإنّ تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع عبارة عن التوسعة في الموضوع واقعا، و أنّ كلّا من الواقع و المؤدى موضوع للحكم كما في تنزيل الطواف منزلة الصلاة فإنّ المستفاد من هذا التنزيل هو كون الطواف مشروطا بالطهارة واقعا كاشتراط الصلاة بها كذلك كما لا يخفى.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ الأمارات بناء على حجيّتها من باب تتميم الكشف بمعناه الصحيح الذي أوضحه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في باب الاستصحاب‏ (1) تقوم مقام القطع الطريقي، و المراد بمعناه الصحيح ما أشرنا إليه من كون الأمارات حجة إمضائية لا تأسيسيّة، بمعنى أنّ الشارع وافق نظر العرف في طريقية الأمارات و لم يخترع في الشرعيات طرقا خاصة بل أمضى ما عند العرف من الطرق العقلائية، و هذا الإمضاء أحدث تكوينا زيادة كشفها فقامت مقام القطع في الكشف و الإحراز، كما أنّ الاصول التنزيلية كالاستصحاب و أصالة الصحة و قاعدة التجاوز تقوم مقام القطع الطريقي في‏

____________

(1) على ما ذكره الاستاذ مد ظله.

45

الجهة الثالثة أعني الجري العملي، و غير الاصول التنزيلية من الاصول كقاعدة الاحتياط تقوم مقام القطع في الجهة الرابعة أعني المنجزيّة.

و بالجملة فلا إشكال في قيام الأمارات و الاصول التنزيلية مقام القطع الطريقي إنّما الإشكال في ما هو المجعول الشرعي في الأمارات و الاصول و سيأتي ما هو الحقّ في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

هذا تمام الكلام في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض.

[قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي‏]

و أما قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الذي عرفت انقسامه إلى أقسام كثيرة لأنّه إما أن يؤخذ موضوعا بما أنّه صفة خاصة قائمة بالعالم أو قائمة بالمعلوم، و إما أن يؤخذ موضوعا بما أنّه طريق و كاشف، و على التقديرين تارة يكون تمام الموضوع و اخرى يكون جزء الموضوع، فهل تقوم الأمارات مقام القطع الموضوعي بما له من الأقسام أم يفصّل بين القطع المأخوذ موضوعا على وجه الطريقية دون ما اخذ موضوعا على وجه الصفتيّة المنسوب إلى المشهور هذا التفصيل، و قد اختاره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أيضا، و محلّ الكلام هو قيام الأمارات بنفس دليل اعتبارها مقام القطع الموضوعي كما عرفت في القطع الطريقي، و ما ذكرناه في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض آت هنا، إذ المفروض كون القطع ملحوظا على وجه الكشف و الطريقية كما في اعتبار العلم في الاوليين من الرباعيات و في الثنائيات، فإنّ العلم فيها و إن اخذ موضوعا لكنه اخذ على وجه الكاشفية، إذ الغرض إحراز وجود أجزاء الاوليين فالملحوظ هو جهة الإحراز دون كونه صفة قائمة بالنفس، فلو فرض محالا انفكاك صفتيته عن محرزيته و ارتفعت صفتيته تحقق الغرض و هو الكشف عن وجود الأجزاء، فالوجه الذي ذكر في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي جار هنا فلا ينبغي الإشكال في قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكشف و الحكاية بنفس دليل اعتبار الأمارة.

46

فإن قلت: إنّ دليل اعتبار الأمارة لا يفي بذلك، ضرورة أنّه يوجب قيام الأمارة مقام القطع فقط، و المفروض أنّ الموضوع مركب من أمرين: أحدهما العلم و الآخر المعلوم، مثلا إذا قال: إن علمت بوجوب الصلاة فتصدق. فموضوع وجوب التصدق أمران: أحدهما العلم و الآخر ما تعلق به العلم أعني الوجوب، و ما لم يحرز هذان الجزءان لا يوجد الحكم فإذا قامت الأمارة مقام العلم فقد تحقق جزء واحد من الجزءين و هو العلم بالتنزيل و العناية، و أما المعلوم فلم يثبت لا وجدانا و لا تعبدا، فالحكم بوجوب التصدق مترتب على كلا الجزءين فلا بدّ من إحرازهما إما وجدانا و إما تعبدا، و دليل اعتبار الأمارة واف بتنزيل الأمارة منزلة العلم فقط، و هو لا يكفي في ترتب الحكم فلا بدّ من التماس دليل آخر يدلّ على تنزيل المؤدى منزلة المعلوم ليترتب الحكم.

قلت: إنّ الموضوع المركب من العلم و متعلقه ليس مركبا خارجيا حتى يحتاج كلّ جزء منه إلى تنزيل يخصّه، بل يكون مركبا تحليليا غير محتاج إلى تعدّد التنزيل، حيث إنّ المحرزية بالكسر و المحرزية بالفتح متضايفتان و لا يعقل انفكاك إحداهما عن الاخرى، إذ لا يعقل وجود المحرز بالكسر بدون المحرز بالفتح، فإذا صارت الأمارة محرزة بالكسر فلا محالة يلازمها وجود المحرز بالفتح، فتنزيل الأمارة منزلة القطع كاف في ترتب الحكم المترتب على العلم و متعلقه فدليل حجيّة الأمارة كاف في تنزيل المؤدى أيضا.

نعم يرد إشكال آخر و هو أنّ ظاهر الدليل الذي اخذ العلم موضوعا هو العلم الوجداني لا مطلق الإحراز و لو كان تعبديا، و بعد ظهور دليل موضوعية العلم في خصوص العلم الوجداني لا سبيل إلى جعل الأمارة مقامه.

و الحاصل أنّه بناء على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه)- من كون المجعول في الأمارات المحرزية و الوسطية، و تتميم الكشف بالمعنى الصحيح و هو إمضاء الشارع لها و بناؤه في‏

47

أحكامه كبناء العقلاء في إبراز ضمائرهم و مقاصدهم، فكما أنّ بناءهم في إظهار مقاصدهم على الطرق المتعارفة المتّبعة عندهم فكذلك بناء الشرع في إيصال أحكامه إلى العباد على تلك الطرق و عدم اختراع طريقة خاصة في ذلك- لا إشكال في قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي سواء كان تمام الموضوع أم جزءه، أما إذا كان تمام الموضوع فواضح، إذ المفروض كونه مأخوذا على وجه الكاشفية كالقطع الطريقي المحض، و لا ريب في قيام الأمارة من حيث الكاشفية مقام القطع الطريقي كما عرفت، و أما إذا كان جزء الموضوع فلأنّ الموضوع هو الواقع المحرز و الأمارة تحرز الواقع، فالواقع يصير محرزا بالأمارة كإحرازه بالعلم و المفروض ترتب الحكم على الواقع المحرز بالأمارة.

و الحاصل أنّ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي على مبنى حجيّة الأمارات ببناء العقلاء و عدم كون المجعول فيها غير الإمضاء ممّا لا إشكال فيه. نعم بناء على كون المستفاد من أدلة اعتبار الأمارة تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع يشكل قيام الأمارات مقام القطع الطريقي الموضوعي، لأنّ دليل الاعتبار لا يفي إلّا بتنزيل واحد و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع و المفروض أنّ الموضوع مركب من الواقع و القطع به و إحراز أحدهما بالتعبد لا يكفي في ترتب الحكم بل لا بدّ من إحراز الجزءين بالوجدان أو التعبد أو كليهما، و المفروض عدم وفاء دليل الحجيّة إلّا بتنزيل المؤدى فقط فلا بدّ حينئذ من دليل آخر على تنزيل الأمارة منزلة القطع.

و صاحب الكفاية (قدّس سرّه) قد ادّعى في حاشيته على الفرائد دلالة دليل الاعتبار على تنزيلين: أحدهما بالدلالة المطابقية و الآخر بالدلالة الالتزامية العرفية، أما تنزيل المؤدى فبالدلالة المطابقية، و أما تنزيل الأمارة منزلة القطع فبالدلالة الالتزامية حيث إن تنزيل المؤدى منزلة الواقع لما كان شرعيا فلا بدّ في صحته من ترتب الأثر الشرعي عليه، و المفروض أنّ موضوع الأثر الشرعي مركب من الواقع و القطع به‏

48

و تحقق الواقع بسبب تنزيل المؤدى منزلته لا يكفي في ترتب الأثر بل لا بدّ من إحراز جزئه الآخر، فصحة تنزيل المؤدى منوطة بتحقق الجزء الآخر و هو العلم حقيقة أو تعبدا بأن ينزل الأمارة منزلة القطع فبدلالة الاقتضاء لا بدّ من الالتزام بتنزيل الأمارة المعبر عنها بالقطع بالواقع التعبدي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و إلّا يلزم لغوية تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى، و حينئذ فلا يلزم اجتماع اللحاظ الاستقلالي و الآلي في إنشاء واحد بل دليل الاعتبار متكفل لإنشاءين أحدهما: مطابقي، و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و الآخر: التزامي عرفي و هو تنزيل الأمارة منزلة العلم، و اجتماع اللحاظين مترتب على وحدة الدلالة و أما مع تعدّدها فلا يلزم ذلك أصلا، هذا محصل ما أفاده صاحب الكفاية في حاشية الفرائد.

[كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في تكفل دليل اعتبار الأمارة لتنزيلين‏]

لكن اعترض عليه في الكفاية (1) بأنّ هذا الوجه أي الالتزام بتكفل دليل الاعتبار لتنزيلين ممّا لا يمكن ارتضاؤه و الاعتماد عليه لاستلزامه الدور، ضرورة أنّ صحة تنزيل المؤدى و هو المدلول المطابقي لدليل اعتبار الأمارة موقوفة على تنزيل الجزء الآخر أعني نفس الأمارة الذي هو المدلول الالتزامي للدليل، لما عرفت من لغوية التنزيل الأول بدون تنزيل الأمارة منزلة القطع، و المفروض أنّ هذا التنزيل منوط بتنزيل المؤدى فتنزيل المؤدى موقوف على تنزيل الأمارة و تنزيل الأمارة منوط بتنزيل المؤدى و هذا دور صريح، و لهذا الإشكال أعني الدور عدل في الكفاية و مال إلى عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي مطلقا، و أنّ الأمارة لا تقوم إلّا مقام القطع الطريقي المحض.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ الأمارات لا تقوم مقام القطع الموضوعي مطلقا سواء اخذ القطع على وجه الصفتية أم الكاشفية و الطريقية، إذ موضوعية العلم تستدعى لحاظ

____________

(1) كفاية الاصول/ 266.

49

العلم استقلاليا و طريقيته تستدعي لحاظه مرآتيا، و الالية و الاستقلالية متضادتان لا يمكن اجتماعهما في إنشاء واحد فدليل اعتبار الأمارة لا يتكفل اللحاظين.

ثمّ أورد صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) على نفسه بما حاصله: أنّ قيام الأمارة حينئذ مقام القطع الطريقي المحض يشكل أيضا لإجمال الدليل، و عدم معلومية كون الملحوظ فيه بالاستقلال هو الواقع أو العلم، فلا محالة يصير الدليل مجملا و معه لا سبيل إلى دعوى قيام الأمارة مقام القطع مطلقا حتى الطريقي المحض، مع أنّكم تلتزمون بقيامها مقام الطريقي المحض.

و أجاب (قدّس سرّه) عنه بما ملخصه: أنّ لحاظ العلم كاشفا و طريقا هو ظاهر الدليل و لحاظه موضوعا أمر زائد يحتاج إلى قرينة و دليل، فيحمل الدليل على هذا المعنى و يقال بقيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض بنفس دليل اعتبارها. هذا ملخص ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض و عدم قيامها مقام القطع الموضوعي بأقسامه.

[مبنى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الطريقي‏]

و أما الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) فهو قائل بقيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض و الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية و لم يذكر وجهه و لكنه يشكل على مبناه من كون المجعول في الأمارات الحكم التكليفي و هو وجوب العمل بها.

وجه الإشكال: أنّه على هذا المبنى لا إحراز في الأمارات حتى تقوم مقام القطع في الكاشفية، إذ البحث في قيامها مقام القطع في جهة الكشف و الإراءة لا في جهة المنجزيّة فقط، و بناء على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ليس المجعول في الأمارات غير الوجوب التعبدي، و عليه فقيام الأمارات مقام القطع مطلقا حتى في الطريقي المحض في غاية الإشكال.

____________

(1) كفاية الاصول/ 264.

(2) فرائد الاصول/ 3- 4.

50

و لكن على مبنى حجيّة الأمارات ببناء العقلاء و كون أدلة حجيّتها إرشادا إلى ما في الطريقة لا بأس بقيام الأمارات مقام القطع الطريقي و إن كان موضوعا، و لا بأس بالإشارة إلى بعض الموارد التي اخذ فيها العلم موضوعا على وجه الطريقية.

منها: مقام الشهادة، فإنّ العلم اخذ فيها موضوعا على وجه الكاشفية كما يظهر من أخبارها، فقيل بقيام اليد مقام العلم بالمشهود به فيجوز الشهادة استنادا إلى اليد لخبر غياث‏ (1) المذيّل بقوله (عليه السّلام): و لو لا ذلك (أي اعتبار اليد) لما قام للمسلمين سوق.

و فيه: مضافا إلى ضعف سنده عدم ارتباطه بالمقام لأنّ ظاهره جواز ترتيب الآثار من البيع و نحوه و يلائمه التعليل بكونه (لو لا ذلك لما قام ...) إذ يلزم من عدم ترتيب الآثار اختلال النظام بخلاف الشهادة في المرافعات، فإنّ إناطة جوازها بالعلم الوجداني بالمشهود به لا يوجب اختلال النظام أصلا فيجوز ابتياع ما في يد المسلم، و لكن لا تجوز الشهادة بملكيته له بمجرد اليد في مقام المرافعة، و مثل صاحب الكفاية (2) ممن يذهب إلى عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي يعتمد في مقام الشهادة على خبر غياث بدعوى انجبار ضعفه بالشهادة.

و منها: الركعتان الاوليان و كلّ فريضة ثنائية فإنّ العلم فيها اخذ موضوعا على وجه الطريقية، مضافا إلى ما يحكم به العقل في مقام الامتثال من لزوم تحصيل العلم بالفراغ عمّا اشتغلت به الذمة يقينا، فإنّ العقل لا يحكم بأزيد من لزوم إحراز الفراغ و هو لا ينافي إتيان بعض أجزاء المأمور به رجاء مع العلم بتبيّن الحال بعده، كما إذا شك في السجدة هل إنّها سجدة الركعة الأولى أو الثانية، و يعلم أنّه بعد رفع‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 292، الحديث 33780 (باختلاف يسير).

(2) كفاية الاصول/ 264.

51

الرأس يحصل له العلم بالحال لأجل علامة من سبحة أو غيرها، فبناء على حكم العقل لا مانع من الإتيان بالسجدة رجاء، و قد يقال: بناء على دخل العلم شرعا لا بدّ من إحراز أنّ السجدة من الاولى أو الثانية، لأنّ مقتضى دليل اعتبار العلم في الاوليين من الرباعيات و كلّ فريضة ثنائية هو اعتبار العلم حين الإتيان بالأجزاء، فلا بدّ من إتيان السجدة بقصد كونها من الركعة الاولى أو الثانية نظير الجزم بالنيّة التي قيل باعتبارها في العبادات.

و كيف كان فالدليل على اعتبار الظن مقام العلم في هذا المقام هو ما دلّ على وجوب الإعادة مع اعتدال الوهم فإنّ مورده هو الشكوك المبطلة، ضرورة أنّ اعتدال الوهم في الأخيرتين لا يوجب البطلان بل يوجب البناء على الأكثر و ليس الدليل على قيام الظن مقام القطع في الاوليين و الثنائية ما دلّ على اعتبار الظن بل خصوص النص المشار إليه.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ الأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي على مذهب المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) لاحتياجه إلى تنزيلين و لا دليل عليهما، و ما ذكره في حاشية الفرائد من تصحيح التنزيلين قد ردّه في الكفاية، فصار محصل مرامه (قدّس سرّه) عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي، ثمّ أورد على نفسه بعدم الوجه في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي أيضا لإجمال دليل الاعتبار، و قد أجاب عنه: بأنّ ظاهر الدليل كون التنزيل بلحاظ كاشفية القطع و طريقيته و لحاظ موضوعيته محتاج إلى مئونة زائدة و يؤخذ بظاهر الدليل و يقال: إنّ الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي.

[عدم قيام الأمارات مقام القطع الطريقي على مذهب صاحب الكفاية (قدّس سرّه)‏]

و لكن لم يظهر وجه قيام الأمارة مقام القطع الطريقي على مذهب الكفاية، لأنّ المجعول في الأمارات إما الحجيّة و المنجزيّة و إما الكاشفية و المحرزية و إما وجوب العمل بالأمارة.

52

و لا يخفى ما في الجميع:

أما الأوّل: فلما فيه مضافا إلى عدم معقولية جعل المنجزيّة لكونها من الأحكام العقلية: أنّه لا يكون موجبا لكاشفية الأمارة حتى يكون قيامها مقام القطع من حيث الكاشفية التي هي محلّ البحث في المقام.

و أما الثاني: فلعدم إمكان إعطاء صفة المحرزية تشريعا للعلم، إذ لا يصير ما ليس بكاشف كاشفا بالتعبد بل لا بدّ من التصرف التكويني فيه كتصرف الإمام (عليه السّلام) في صورة الأسد تكوينا فصار أسدا حقيقة و افترس عدو اللّه عليه لعائن اللّه تبارك و تعالى‏ (1).

و أما الثالث: فلكونه موجبا للتصويب، إذ الإجزاء مع مخالفة الأمارة للواقع مساوق للتصويب كما عن الشهيد (قدّس سرّه)(2)، نعم إن كان غرض صاحب الكفاية (قدّس سرّه) قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزيّة فلا بأس به، و إلّا فوجوب العمل بالأمارة تعبدا لا يوجب كشفا في الأمارة حتى تقوم مقام القطع الطريقي من حيث الطريقية.

[قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه)‏]

و أما على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من حجيّة الأمارات ببناء العقلاء و كونها من الحجة المنجعلة لإفادتها العلم العادي النظامي و عدم اعتنائهم باحتمال الخلاف فلا ينبغي الإشكال في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي المحض و الموضوعي، لأنّ المفروض كون الأمارة سببا للعلم فهي علم.

لا يقال: إنّ ظاهر الدليل الذي دلّ على موضوعية العلم هو العلم الوجداني الذي ليس فيه احتمال الخلاف و ليس أعم منه و من العلم الذي فيه احتمال الخلاف و إن كان موهونا جدّا.

فإنّه يقال: أما أولا فبدعوى إرادة المحرز من العلم المأخوذ موضوعا في‏

____________

(1) بحار الانوار 48/ 41، الحديث 17.

(2) تمهيد القواعد/ 322 و 323.