أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار - ج1

- محمد بن عبد الله الأزرقي المزيد...
393 /
5

[الجزء الاول‏]

[مقدمة الطبعة الثانية]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مكة المكرمة

«رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» «إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها» «لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ» قال المفسرون: ان البلد الوارد ذكره بهذه الايات هو مكة. و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من مات بمكة فكأنما مات في السماء الدنيا» و قال عليه الصلاة و السلام: «و اللّه انك لا حب البقاع الى اللّه، و لو لا اني اخرجت منك ما خرجت».

و اجمع العلماء على ان «مكة المكرمة» و «المدينة المنورة» افضل بقاع الارض و يليها بيت المقدس، و لمكة اسماء كثيرة منها مكة و بكة، وام القرى، و هي مدينة في جزيرة العرب ترتفع عن سطح البحر بنحو

6

330 مترا و يرجع تاريخ عمارتها الى عهد ابراهيم الخليل و ابنه اسماعيل (عليهما السلام) سنة 1892 قبل الميلاد، و فيها ولد نبي الاسلام محمد بن عبد اللّه عليه الصلاة و السلام و فيها بعث و منها شع نور الاسلام و خرجت دعوته حتى عمت ارجاء الارض.

و بها المسجد الحرام و هو اول مسجد وضع في الارض، و تعتبر الصلاة فيه بمائة الف صلاة، و يرجع مبدأ عمارته ابان سنة 17 من الهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و ظلت عمارته تتجدد و تتوسع عبر العصور.

و تقع «الكعبة» و هي قبلة المسلمين في مشارق الارض و مغاربها وسط المسجد الحرام تقريبا و يبلغ ارتفاعها خمسة عشر مترا و هي على شكل حجرة كبيرة مربعة البناء على وجه التقريب و اول من بناها الملائكة ثم آدم (عليه السلام) ثم شيث ثم ابراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي ثم قريش ثم عبد اللّه بن الزبير ثم الحجاج بن يوسف في عصر مروان بن الحكم سنة 73 هجرية و هو البناء الموجود الآن.

و في مكه من الآثار الدينية و الاسلامية عدد كبير نذكر منها على سبيل المثال:

(1) مقام ابراهيم‏

و هو «الحجر» الذي كان يقف عليه ابراهيم الخليل (عليه السلام) اثناء بناء الكعبة.

(2) بئر زمزم‏

و هي نبع من الماء نبع في عصر ابراهيم الخليل و ابنه اسماعيل.

و ماء زمزم ماء قلوي تكثر فيه الصودا و الكلور و الجير و حامض الكبريتيك و حامض الازوتيك و البوتاس مما يجعله اشبه شي‏ء بالمياء المعدنية.

7

و قد جاء عنه في الحديث الشريف «ماء زمزم لما شرب له» و «خير ماء على وجه الارض ماء زمزم»

(3) دار الأرقم بن الأرقم‏

و تقع في الصفا و هي الدار التي كان يصلي فيها المسلمون سرا في صدر بعثة النبي حتى اسلم عمر فخرجوا الى المسجد للصلاة جهرا.

(4) غار حراء

و هو الغار الذي كان يتعبد فيه النبي عليه الصلاة و السلام لياليه الطوال قبل البعثة و فيه نزل عليه جبريل يحمل الوحي و به نزلت سورة اقرأ.

و يقع على قمة جبل يسمى جبل النور في اعلى مكة

(5) غار ثور

و هو الغار الذي لجأ اليه (صلى اللّه عليه و سلم) و صاحبه ابو بكر الصديق يوم هاجرا من مكة و اختبا فيه حتى توقف طلب قريش لهما و اقتفاؤهم لاثرهما فغادراه الى المدينة المنورة و يقع في جبل باسفل مكة يسمى جبل ثور ايضا.

و كتاب «اخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار» لابي الوليد الازرقي يعد من اوثق المصادر التاريخية عن مكة و اقدمها و كان المرحوم الشيخ رشدي ملحس قد قام بتحقيق هذا الكتاب تحقيقا دقيقا و راجعه على عديد من النسخ المخطوطة و النسخة الوحيدة المطبوعة في المانيا و اضاف عليه ملاحق ذات صلة قوية و اهمية بالغة في تاريخ مكة و نظم له فهارس للاعلام و الاماكن و القبائل و غيرها، كل ذلك بصورة تشهد بخلوص النية، و صدق العزيمة. و ضخامة الجهد فجزاه اللّه خيرا و اثابه على جهده افضل الثواب.

و لما نفدت تلك الطبعة و احسسنا بحاجة الناس الى هذا الكتاب القيم‏

8

و التراث النفيس الذي يجب الا تخلو منه مكتبة وطدنا العزم على طبعه و اضفنا اليه ذيلا عن التوسعة الجديدة و العمارة الرائعة للمسجد الحرام في العهد السعودي الزاهر خلال الأعوام «1375- 1385» استكمالا لتاريخ هذا المسجد الى الوقت الحاضر.

و نسأل اللّه ان يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم و صلى اللّه و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه اجمعين.

مكة المكرمة 12 ربيع الاول سنة 1385 صالح محمد جمال‏

9

[مقدمة الطبعة الاولى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. (سورة آل عمران)

التدوين في الإسلام‏

الحجاز من اقدم البلدان التي ردد البشر اسمها في مختلف العصور، مقرونا بالتوقير و التعظيم، و تاريخها حافل بالحوادث بما يجب ان تكون موضع درس و تدقيق، و لما ظهر الاسلام في مكة المكرمة، و سطعت انواره من بطحائها، و صارت الكعبة المعظمة قبلة المسلمين، اتجهت الانظار اليها و ازدادت العناية بأمرها.

و لما بلغ المسلمون قمة المجد و السيادة في منتصف القرن الثاني، فشت العناية بأكثر العلوم الاسلامية، و تنبه رواة الحديث و المغازي الى وجوب التصنيف و التدوين فيهما، بحيث صار لكل منهما رجال قصروا عليهما ابحاثهم.

10

خطط مكة

و كان طبيعيا ان يعنى خلال ذلك بتاريخ الحجاز و مدته لما لهذا البحث من علاقة و ثيقة بتفسير القرآن الكريم، و شرح الاحاديث النبوية و سيرة الرسول عليه الصلاة و السلام، و كان طبيعيا ان تكون مكة المكرمة- مهبط الوحي، و مهوى افئدة المسلمين- في الطليعة فيهب رجال منهم لتدوين تاريخها و خططها. لأن تاريخ مكة المكرمة هو في الحقيقة يشغل قسما كبيرا من تاريخ الاسلام، و تاريخ الحضارة الاسلامية، فلا بدع اذا عني علماء التاريخ منذ هذا الوقت بتدوين المؤلفات القيمة التي تصف أماكنها، و تشرح تطوراتها.

قدم المؤلفات‏

و اقدم ما ذكرته المعاجم في هذا الشأن هي: مؤلفات محمد بن عمر الواقدي (130- 207) و علي بن محمد المدائني (135- 225) و ابي الوليد الازرقي (...- نحو 250) و الزبير ابن بكار (172- 256) و عمر بن شبه (172- 262) و محمد بن اسحاق الفاكهي (...- نحو 280)، و يمكن القول بأن هذه المؤلفات سلسلة آخذة بعضها برقاب بعض من حلقة واحدة، دونت في و زمن واحد. و قد فقد أكثر هذه الكتب القيمة (1) و لم يبق منها الا تراث نفيس هو (اخبار مكة المكرمة و ما جاء فيها من الآثار) تأليف ابي الوليد محمد الازرقي، و تبدو اهمية هذا الاثر الخالد بوجه خاص متى ذكرنا ان مكة المكرمة هي البلدة الوحيدة بين الأمصار الاسلامية التي لا تزال تحتفظ بمواقعها و آثارها.

____________

(1) توجد نسخة من كتاب الفاكهي في احدى خزائن اوربا، و قد طبع و ستنفيلد المستشرق الالماني الزيادات التي اضافها الفاكهي الى كتاب الازرقي ضمن المجموعة التاريخية نقلا عن هذه النسخة و اعلمنا من نثق بروايته بأنه توجد نسخة منه في نجد.

11

ترجمة المؤلف و روايات المؤرخين عنه‏

قال ابن النديم صاحب الفهرست:

«الازرقي و اسمه محمد بن عبد اللّه بن احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة ابن الازرق و اسمه عثمان بن عمرو بن الحارث بن ابي شمر بن عمرو بن عوف ابن الحارث بن ربيعة بن حارثة بن الحارث بن ثعلبة العنقا بن جفنة بن عمرو ابن عامر مزيقيا هذا من خط ابن الكوفي واحد الاخباريين و اصحاب السير و له من الكتب كتاب مكة و اخبارها و جبالها و أوديتها كتاب كبير.» و قال الفاسي في كتابه (العقد الثمين في تاريخ البلد الامين) (1) «محمد بن عبد اللّه بن احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة الغساني ابو الوليد الازرقي المكي مؤلف اخبار مكة حدث فيه عن جماعة منهم جده ابو الوليد احمد بن محمد الازرقي، و ابراهيم بن محمد الشافعي و محمد بن يحيى بن ابي عمر بن الازرق بن عمرو بن الحارث بن ابي شمر العدني، روى عنه اسحاق بن احمد الخزاعي و ابراهيم بن عبد اللّه الهاشمي و وقع لنا حديثه من طريقه عاليا. و ما علمت متى مات الا انه كان حيا في خلافة المنتصر محمد بن جعفر المتوكل العباسي و قد تقدم ذكرهما في ترجمته، لانه ذكر في الخطط أن القصر المسمى سقر و الستار في الجاهلية صار للمنتصر بالله‏ (2) و ترجمه بأمير المؤمنين و لم ار من ترجمه و اني لاعجب من ذلك؛ و وهم النووي (رحمه اللّه) في قوله في شرح المهذب بعد ان ذكر في حدود الحرم نقلا عن ابي الوليد الازرقي هذا انه اخذ عن الشافعي و صحبه و روى عنه، و انما كان ذلك و هما لامرين، احدهما: ان الذين صنفوا في طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا في اصحاب الشافعي الا احمد بن محمد بن الوليد جد ابي الوليد هذا. و الامر الثاني: لو ان ابا الوليد هذا روى عن الامام الشافعي‏

____________

(1) من مخطوطات المكتبة الماجدية بمكة و قد طبع مؤخرا.

(2) اخبار مكة. طبع اوربا. ص 492.

12

لاخرج عنه في تاريخه لما له من الجلالة و العظمة كما اخرج عن جده و ابن ابي عمر العدني، و ابراهيم ابن محمد الشافعي ابن عم الامام الشافعي، و السبب الذي اوقع النووي في هذا الوهم ان احمد الازرقي جد ابي الوليد هذا يكنى بابي الوليد فظنه النووي هو و اللّه اعلم و انما نبهت على ذلك لئلا يعثر بكلام النووي».

و قال الحاج خليفة في كتابه كشف الظنون:

«الامام ابو الوليد محمد بن عبد الكريم الازرقي المتوفى سنة 223.

و هو اول من صنف في تاريخ مكة، و مختصره زبدة الاعمال».

و جاء في كتاب دستور الاعلام‏ (1) بمعارف الاعلام لمؤلفه شمس الدين محمد بن عمر بن عزم المغربي التونسي:

«الازرقي الى جده الازرق صاحب تاريخ مكة محمد بن عبد اللّه بن احمد سنة 204 وجده احمد بن الوليد بن عقبة بن الازرق بن عمرو بن الحارث بن ابي شمر الغساني المكي روى عن سفيان بن عيينة و داود بن عبد الرحمن العطار و روى عنه حفيده سنة 212».

هل كان غسانيا؟

فمن أقوال المؤرخين هذه يتضح ان مؤلف اخبار مكة هو ابو الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الازرق الغساني يمت بنسبه الى اسرة ابي شمر الغساني.

و قد اتفق في ذلك الازرقي نفسه‏ (2) و الفاسي‏ (3)، و ابن النديم‏ (4)

____________

(1) من مخطوطات مكتبة الحرم المكي (قسم التاريخ رقم 225/ 46).

(2) انظر ص 1 (طبعة جديدة) و ص 3، 458 (طبعة أوربا).

(3) العقد الثمين ج 2.

(4) الفهرست.

13

معا و لكن صاحب الفهرست يختلف و اياهما في نسبه الاعلى. على ان الذي لا شك فيه ان ابا الوليد هو من اسرة عثمان بن عمرو الغساني الملقب بالازرق الذي عاصر صاحب الرسالة (صلى اللّه عليه و سلم) و قد جاء هذا من سورية الى مكة و صار حليفا للمغيرة بن ابي العاص بن امية (1) و يقول ناشر الطبعة الاوربية في مقدمته: «و لكن اذا كان ابو شمر المذكور هو نفس ابو شمر الذي ذكره ابن دريد فان اسرة الازرقي تمت بقرابه الى آل جفنة» و دخل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على الازرق بن عمرو عام الفتح و جاءه في حاجة فقضاها له و كتب له كتابا ان يتزوج الازرق في أي قبائل قريش شاء و ولده.

و ذلك الكتاب مكتوب في اديم أحمر فلم يزل ذلك الكتاب عندهم حتى دخل عليهم السيل في دارهم في سنة 80 فذهب بمتاعهم و ذهب ذلك الكتاب في السيل و قد كان للازرق ثلاثة اولاد و هم: عمرو، و نافع مؤسس فرق الازارقة، و عقبة. و عقبة هذا هو أول من استصبح لاهل الطواف في المسجد الحرام و كانت داره لاصقة بالمسجد الحرام‏ (2).

و قد ولد المؤلف في مكة المكرمة في القرن الثاني للهجرة و لم يعرف بالضبط تاريخ ولادته، و لا اشار اليه أحد من المؤرخين، لان الاقدمين اهملوا ذكره بتاتا. و ترجمته التي وصلت الينا هي من رواية المتأخرين.

اما وفاته، فهي غير مضبوطة على التحقيق ايضا، فقد ذكر الحاج خليفة صاحب كشف الظنون انها عام 223، و قال ابن عزم التونسي:

انها عام 212 (3) و الحقيقة ان كلاهما اخطأ السبيل. فان الازرقي توفي بعد هذا التاريخ بعشرات السنين. فقد ذكر الفاسي في كتابه العقد الثمين ان الازرقي كان في عهد المنتصر على قيد الحياة.

____________

(1) ذكر ابن سعد رواية بأن الازرق جد المؤلف كان روميا و أن ولده سلمة ادعى فيما بعد أنهم من غسان الى آخر ما ذكر فمن اراد الايضاح فليراجع الطبقات الكبير (ج 3 ص 176).

(2) ص 200 طج.

(3) نرجح أن هذا تاريخ وفاة جده.

14

اما ناشر الكتاب و ستنفيلد الالماني فهو يقول في مقدمته: «بينما نرى أخبارا نقلها عن جده تقع في عام 219 (انظر ص 201) (1) نرى للمؤلف نفسه مذكرات تعود الى تاريخ سنة 126 (انظر ص 162) (2) و كذلك يخبرنا في صفحة 333 عن أشياء شاهدها و رآها بعينه عام 219، و عن حوادث 220- 225 (انظر ص 300). و اما كلامه عن صالح ابن العباس الذي ولي مكة للمرة الثانية على عهد المعتصم من سنة (219- 232) و قوله عنه انه يملك اليوم قصر سقر (انظر ص 492) فالمفهوم من سياق كلامه أنه يروي ذلك بعد عزله، اذ هو يحدث عن سنة 227 (انظر ص 453) و عن سنة 229 (ص 329) فيما يتعلق بالمباني الحديثة و نقشها بمكة لا سيما في عهد الخليفة المتوكل من سنة 236 حتى سنة 243.

و في صفحات (206) (3)- 278، 398، 209 (4)، 211 (5)، 332، 179 (6) يروي إخبارا يرجع تاريخها الى سنة 239، ثم يحدثنا في (صفحة 183) (7) ان كسوة الكعبة من سنة 200- 244 بلغت 170 ثوبا و يقول أنه ختم اخباره في سنة 244».

«و أما اشارة الفاسي في مذكرته (ص 492) الى أنه كان على قيد الحياة في عهد الخليفة المنتصر فاني لا اشاطره الرأي في ذلك فان المنتصر حكم الثلاثة الاشهر الأخيرة من سنة 247. و الثلاثة الأشهر الاولى من سنة 348 و إني اعد هذه الفقرة من الزيادات التي وضعها الراوية لما ورد

____________

(1) ص 193 طج.

(2) ص 147 طج.

(3) ص 198 طج.

(4) ص 201 طج.

(5) ص 203 طج.

(6) ص 171 طج.

(7) ص 177 طج.

15

فيها من كلمة (اليوم) و مما يؤيد ذلك في (صفحة 226) (1) ورود ذكر.

لوقوع تغيير في عهد المتوكل أي قبل سنة 247 او فيها مما لم يمكن الازرقي نفسه يهمل الاشارة اليها لو كان قد شهدها. و من هذا استنتج انه ختم كتابه في عام 244 ثم مات عقيب ذلك» (2) اما نحن فاننا نوافق الفاسي في روايته و نخالف و ستنفيلد في استنتاجاته لانه اذا كان الأزرقي اهمل ذكر حوادث وقعت في سنة 247، فليس هذا بينة على موته، و اذا نحن اجلنا النظر في كتابه وجدنا ان الخزاعي يروي حوادث عن سنة 230 و نيف (انظر ص 202) (3) و كذلك أخبارا عن عام 241 (انظر ص 221) (4) في حين ان الازرقي نفسه يذكر اشياء وقعت في عام 241 (انظر ص 214 و 217) (5) و لم يشر الى الحوادث التي ذكرها الخزاعي عن تلك السنة.

و كلمة (اليوم) الواردة في (صفحة 492) عن انتقال قصر سقر الى المنتصر التي اعترض على ذكرها و ستنفيلد هي صريحة واضحة، لا تقبل التأويل. فلا يبعد و الحالة هذه ان يكون الازرقي حيا في عهد المنتصر كما روى الفاسي و أنه توفي عقيب ذلك.

أخبار مكة

«ان هذا الكتاب يشبه من بعض الوجوه كتاب ابن هشام في السيرة النبوية، و ذلك باشتراك اشخاص عديدين في تأليفه. بيد انه لا يشبهه من جهة كونه مختصرا من مجموعات كبيرة، بل بالعكس فقد كان صغير

____________

(1) ص 217 طج.

(2) مقدمة و ستنفيلد ص 8.

(3) ص 194 طج.

(4) ص 213 طج.

(5) ص 206 و 208 طج.

16

الحجم ثم زيد عليه علاوات كثيرة و ضم اليه مواد عديدة ادت الى اتساعه» (1).

و الحقيقة التي لا ريب فيها ان واضع كتاب اخبار مكة أو بعبارة صريحة جامعه و مرتبه و مؤلفه هو محمد بن عبد اللّه الازرقي رواية عن جده احمد بن محمد الأزرقي و غيره من الرجال المعروفين، و كانت روايته عن جده اكثر من روايته عن غيره مما يدعونا للقول بأن المؤلف الأصلي للكتاب هو جده احمد.

جد المؤلف‏

وجد المؤلف هو احمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمرو ابن الحارث بن أبي شمر الغساني ابو الوليد و ابو محمد الازرقي المكي. روى عنه جماعة منهم البخاري في صحيحه، و حفيده محمد بن عبد اللّه بن احمد الازرقي مؤلف تاريخ مكة و غيرهما قال: مات سنة اثنتي عشرة و مائتين.

و قال الحاكم: مات سنة اثنتين و عشرين و مائتين. و قال صاحب الكمال:

مات بعد سنة سبع عشرة و مائتين او فيها (2).

الرواة

و كذلك نرى بين تضاعيف الكتاب ان اشخاصا آخرين يروون عن المؤلف- اي محمد بن عبد اللّه،- و هما: اسحاق بن احمد بن اسحاق ابن نافع الخزاعي ابو محمد، و محمد بن نافع بن احمد بن اسحاق بن نافع الخزاعي، فالاول يروي عن محمد الازرقي و الثاني يحدث عن عم ابيه اسحاق.

و قد كان اسحاق مقري مكة حيث قال الفاسي عنه: «انه من كبار اهل القرآن و أحد فصحاء مكة، و قال الذهبي: كان ثقة حجة، رفيع الذكاء،

____________

(1) مقدمة و ستنفيلد ص 1.

(2) الفاسي: العقد الثمين (باختصار).

17

توفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة 308 بمكة (1).» و الاخبار التي شاهدها بنفسه رواها في الكتاب بدون اسناد الى الازرق وقعت ما بين عام 231- 284.

اما محمد بن نافع الخزاعي الراوية الاخير فله على كتاب الازرقي حاشيتان تتعلقان بزيادة دار الندوة (2) و زيادة باب ابراهيم‏ (3). هذه رواية الفاسي و الحقيقة ان لابي الحسن محمد الخزاعي تعاليق اخرى منها الباس معاليق الكعبة ذهبا في عام 310 (4).

و يقول الفاسي: نقلا عن المسبحي انه كان في سنة 340 حيا ثم يذكر ايضا ان احد الاندلسيين جاء عام 351 الى الحج و لقي ابا الحسن الخزاعي و قرأ عليه فضائل الكعبة من تواليفه‏ (5).

اختصار أخبار مكة

لقد كان كتاب (اخبار مكة المكرمة و ما فيها من الآثار) مجموعة صغيرة كما قلنا ثم اضيفت اليه مواد و زيادات جمة. بحيث اصبح تاريخا ضخما و من ثم اختصره اثنان. و نظمه ثالث في ارجوزة. و الى القارئ خلاصة تاريخية عن ترجمة هؤلاء:

الأسفرائني‏

أ) هو سعد الدين بن عمر بن محمد بن علي الاسفرائني المكي من علماء

____________

(1) العقد الثمين.

(2) اخبار مكة ص 344 (طبعة اوربية).

(3) اخبار مكة ص 327 (طبعة اوربية).

(4) اخبار مكة ص 205 (أوربية)، 197 طج.

(5) معجم البلدان لياقوت ج 2 ص 268.

ج 1- تاريخ مكة (2)

18

القرن الثامن للهجرة اختصر تاريخ الازرقي في كتاب سماه (زبدة الاعمال و خلاصة الافعال): قال في مقدمة كتابه: «اما بعد فهذه رسالة مشتملة على فضيلة مكة شرفها اللّه تعالى و كيفية بناء الكعبة و ... اختصرتها من تاريخ مكة شرفها اللّه تعالى و بناء الكعبة و عظم قدرها من جمع الحافظ ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن أبي الوليد احمد بن محمد بن الوليد الغساني‏ (1) الازرقي الشافعي المكي رحمة اللّه عليه بعد فراغي من سماعها على ...

الشريف ابي اليمن محمد بن احمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن ابي بكر العمري القرشي الشافعي المكي الحوازي و ذلك بالحرم الشريف تجاه الميزاب في ثالث عشر صفر ختم بالخير و الظفر سنة 762 تذكرة لنفسي و ترغيبا للطالبين ...

و سميتها زبدة الاعمال و خلاصة الافعال و جعلتها على بابين في ذكر فضيلة الكعبة و فيه اربعة و خمسون فصلا و باب في ذكر فضيلة المدينة و فيه خمسة و عشرون فصلا ...» فمن هذه المقدمة يستبان أن هذا الكتاب ينقسم الى قسمين: الاول في البحث عن مكة و هو الذي اختصره من خطط الازرقي، و الثاني في البحث عن المدينة، و هو من زيادة المختصر. لأن الازرقي اختص كتابه بمكة المكرمة فقط: و من مطالعة النسخة الخطية التي بين ايدينا نعلم ان الاسفرائني اهمل البحث التاريخي من مختصره جدا، و اكتفى بالبحث في فضائل الحج و العمرة و ما لها علاقة بذلك.

و قد كان المظنون انه لا يوجد من هذا المختصر سوى نسخة في باريس و اخرى في المتحف البريطاني بلندن، بيد اننا حين البحث في مكتبة الحرم المكي وقفنا على نسخة من هذا الكتاب (تاريخ رقم 64- 234) تقع (في 196) ورقة او (392) صفحة بخط واضح انتهى الناسخ من كتابتها في 17 ربيع الاول سنة 1009. و قد كانت هذه النسخة في ملك‏

____________

(1) في الاصل الغياثي و هو خطأ.

19

شخص يسمى «عبد الرحيم بن محمد القاضي» ثم انتقلت الى شخص آخر اسمه «عبد اللّه الحنفي العباسي».

الكرماني‏

ب) يحيى بن محمد الكرماني المصري من علماء القرن التاسع؛ اختصر تاريخ الازرقي عام 821 و سماه كما في الصفحة الاولى من النسخة الخطية:

(مختصر تاريخ مكة المشرفة شرفها اللّه تعالى للامام ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد بن الوليد الازرقي (رحمه اللّه تعالى) اختصار الفقير الكرماني) قال في مقدمته: (و بعد فهذا مختصر لخصته من كتاب الامام العلامة ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن الوليد الازرقي و حذفت الاسانيد و بعض الزوائد، و اضفت اليه بعض فوائد) و قال في آخر الكتاب: «هذا آخر ما انتخبه الفقير يحيى بن محمد الكرماني من تاريخ مكة للازرقي (رحمه اللّه تعالى) في شعبان سنة احدى و عشرين رثمانماية بمصر المحروسة ..» و يوجد من هذا الكتاب نسخة في برلين.

الأرمانتي‏

ح) اما ناظم كتاب (اخبار مكة المكرمة) الارمانتي، فقد ذكره صاحب (الدرر الكامنة) لابن حجر. و (الطالع السعيد في تاريخ الادب و رجاله العاملين) للادفوي. و هو: عبد الملك بن احمد بن عبد الملك الانصاري الارمانتي المنعوت تقي الدين ولد بأرمنت سنة 632، و توفي بمدينة قوص سنة 722.

و كان من الفقهاء الشافعية. و له ارجوزة في الحلي، و نظم تاريخ مكة لللازرقي أرجوزة: سماها «نظم تاريخ مكة للازرقي في ارجوزة».

قال الادفوي: كان شاعرا، اديبا، خفيف الروح، كبير المروءة؛ كثير الفتوة، محسنا للناس.

20

أما أرجوزته لتاريخ مكة فهي مفقودة.

الخطط

اذا كان التاريخ جغرافية الماضي، و الجغرافية تاريخ الحاضر، فإن الخطط هي همزة الوصل بينهما، و فرع منهما، لأن الخطط مزيج من التاريخ و الجغرافية تبخث في تاريخ البلدان، و تطورها خلال العصور المختلفة، و قد كان و لا يزال التأليف في هذا العلم فاشيا بين الامم و الشعوب منذ اقدم العصور.

و قد سار المسلمون على غرار من تقدمهم في هذا النوع من التدوين فكان لهم القدح المعلى في تأليف كثير من خطط البلدان الإسلامية التي ما برحت من اوثق المصادر التي يرجع اليها في التاريخ و الجغرافية فكان لها و لا ريب الفضل الاكبر في حفظ تاريخها و تتبع معالمها و آثارها.

خطط الأزرقي‏

و كتاب (أخبار مكة المكرمة و ما جاء فيها من الآثار) هو كتاب خطط اكثر منه كتاب تاريخ، فقد تتبع الأزرقي انشاء الكعبة المعظمة، و معاهد مكة المكرمة و ما فيها من آثار و اماكن، و ألم بمجمل تاريخها و جغرافيتها منذ نشأتها و أتى على صورة موضحة مما سلف لها من مجد طارف و تليد بحيث تجمعت في الكتاب ميزات خاصة قلما تجدها في كتاب غيره، و صار ما وضع بعد ذلك من الكتب التي تبحث في خطط مكة عالة على خطط الازرقي.

و قد درسنا كتاب (اخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار) درسا وافيا و استقصينا بحوثه استقصاء تاما فألفيناه كتابا مهما، غزير المادة، كثير الفائدة رغم خلوه من الابحاث السياسية و الاجتماعية.

21

طريقته في التأليف‏

و قد اختط الازرقي لنفسه خطة سهلة سلسة في تدوين كتابه هذا و قسمه الى بحوث و فصول مبوبة مستوفاة عن طريق الرواية المعنعنة التي رآها الغربيون انها أقوم طريق فاتبعوها في مؤلفاتهم مع تبديل طفيف. و توخى الافاضة في ما يهم طلاب التاريخ و الجغرافية و الأدب. و اننا نعتقد ان الازرقي من جهابذة المؤلفين الذين يعتز بهم العرب و المسلمون في تقييد كثير من الشوارد و الاوابد، و في تدوين طائفة كبيرة من المعلومات التي يندر ان يجدها المتتبع في كتاب آخر لذلك فان كتابه يعد في طليعة المصادر القيمة التي لا يستغني عنها طالب العلم.

الطبعة الأوربية

لقد كان كتاب الازرقي مفقودا، الى ان اتيح لفردينان و ستنفيلد (1) المستشرق الألماني الوقوف على ثلاث نسخ منه في بعض مكاتب اوربا، فانكب على دراسة هذه النسخ و مقابلتها و تصحيحها، ثم باشر طبع الكتاب في ليبسك بالمانيا و انتهى من ذلك في عام 1858 ميلادية (1275 هجرية)، فجاءت الطبعة في 518 صفحة منها 14 صفحة للتصحيحات، و علاوة على ذلك فان الناشر صدر هذه الطبعة بمقدمة تاريخية عن المؤلف بلغ عدد صفحاتها 25، بحث فيها بحثا مستفيضا عن الازرقي و خططه و وصف النسخ الخطية التي اطلع عليها و غير ذلك من المعلومات القيمة، استفدنا منها اثناء البحث عن ترجمة الازرقي كثيرا. و قد اصبحت النسخ المطبوعة من خطط

____________

(1) فردينان و ستنفيلد من المستشرقين الألمان المعروفين، مات عام 1899 م، و كان من أساتذة جامعة غوطة، و هو من أكثر المستشرقين عملا في نشر الكتب العربية، فقد زاد عدد منشوراته و مؤلفاته على مئتي كتاب منها مجموعة تواريخ مكة، استغرق طبعها ثلاث سنوات؛ و مجموعة تواريخ مكة هذه تقع في أربعة مجلدات: الأول كتاب الأزرقي، و الثاني خلاصات من تواريخ الفاسي و ابن فهد و ابن ظهيرة مع الفهارس للمجموعة، و الثالث تاريخ الأعلام للقطبسي، و الرابع خلاصة تاريخية عن هذه الكتب باللغة الألمانية مع خارطة لمكة المكرمة.

22

الازرقي نادرة جدا حيث مضى على طبعها 75 سنة.

طبعتنا الجديدة

و قد تصفحنا الطبعة الاوربية مرارا، حين دراستنا لخطط الازرقي فألفيناها مشحونة بالتحريف، مملوءة بالتصحيف، و نحن مع احترامنا للناشر الفاضل لعنايته بطبع العشرات من الكتب العربية، فلا يسعنا الا اظهار الاسف لاقتصاره في الطبع على بعض النسخ الخطية منها دون ان يحمل نفسه مشاق مراجعة المصادر الاخرى لتصحيح هذا التشويه، و ذاك التحريف.

و قد كان هذا التحريف و التشويه في مقدمة العوامل التي حملتنا على طبع خطط الازرقي طبعة مصححة، اعتمادا على ثلاث نسخ خطية و قد جعلنا حين الطبع نسخة الطبعة الاوربية أما، بحيث كنا نجعلها الاساس في التصحيح، و تبويب الابحاث و الفصول الى غير ذلك من المسائل.

وصف النسخ التي اعتمدنا عليها

أ) الطبعة الأوربية: و هذه الطبعة، كان و ستنفيلد اخرجها للناس عام 1275 اي منذ 77 سنة و هي في 518 صفحة من القطع الوسط و بحرف دقيق يضاف اليها مقدمة للناشر باللغة الالمانية تقع في 25 صفحة.

و من الفصول المهمة التي وضعها الناشر هو المجلد الرابع من المجموعة التاريخية لمكة المكرمة، فقد ذكر فيه المستشرق خلاصة تاريخية عما ورد في المجموعة التاريخية، مع اضافة خارطة لمكة المكرمة وضعها وفق التعريفات التي ذكرها الازرقي في كتابه، مع فهارس أبجدية لأسماء الاعلام و القبائل و الاماكن.

النسخ الخطبة:

اما النسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في تصحيح طبعتنا هذه فهي ثلاثة:

23

نسخة المدينة الأولى:

ب) النسخة الخطية الاولى، و هي من مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة (قسم التاريخ رقم 53)، ناقصة الأخير نقصا كبيرا بحيث يحتوي الموجود أكثر من النصف، و عدد صفحاتها الخطية (278) و كل صفحة تحتوي على 23 سطرا، و طولها 24 سانتيما و عرضها 17 سانتيما.

و قد جاء في غلافها ما يأتي:

(كتاب تاريخ مكة حرسها اللّه تعالى. كامل و للّه الحمد)؟ و اخبارها و ما جاء في ذلك تأليف ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد بن الوليد بن عقبة بن الازرق بن عمرو بن الحارث بن ابي شمر الغساني الازرقي (رحمه اللّه تعالى) آمين».

و جاء في آخر النسخة (ما كان عليه حوض زمزم في عهد ابن عباس (رضوان اللّه عليه) و مجلسه) و لم يذكر تاريخ الكتابة و لا اسم الناسخ و انما الارضة اكلت بعض هذه الصفحة.

و هذا القسم الموجود من النسخة المذكورة فيه بياض في بعض الاماكن منها و كانت قريبة من النسخة (د) الآتي وصفها، و هي صنوتها.

و لكن هذه النسخة تمتاز عن اخواتها بأن مقدمتها تحتوي على اسماء رواة تدل على شي‏ء من تاريخ كتابتها، و الى القارئ ما ورد فيها:

ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل ان يخلق اللّه تعالى السماوات و الارض و ما جاء في ذلك:

نبأ الشيخ الامام السند الاوحد امام مقام ابراهيم (صلوات اللّه عليه) ابو عبد اللّه محمد بن الشيخ الامام السيد الاوحد الامام بالمقام الشريف ابي بكر ابن الحسن الطوسي، قال: حدثنا الشيخ الاجل ابو القاسم عبد الرحمن ابن ديلم الشيبي فاتح بيت اللّه الحرام، و الشيخ الاجل ابو موسى عيسى‏

24

ابن محمد البستي، قالا نبأ الشيخ العدل ابو علي الحسن بن خلف بن هبة الشامي، قال: حدثني ابي ابو القاسم خلف بن هبة اللّه بن قاسم الشامي في المسجد الحرام سنة سبع و خمسين و أربعمائة قال: نبأ ابو محمد الحسن بن احمد بن نافع الخزاعي، و ابو بكر احمد بن عبد المؤمن قالا: نبأ ابو محمد اسحاق بن احمد بن اسحاق الخزاعي و هو عم ابي الحسن الخزاعي قال:

نبأ ابو الوليد ... الخ‏

ج) و النسخة الخطية الثانية

هي من مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة ايضا (تاريخ رقم 96)، و هذه النسخة كاملة غير ان فيها بياض اكثر من الاولى و تتفق و الاولى نصا في كثير من الاحايين و يكاد تاريخ روايتها ان يقارب زمن رواية النسخة الأولى، و لكنها تختلف و اياها بأن فيها تحريف، اشرنا اليه في اماكنه.

و هذه النسخة تقع في 407 صفحات، و في عدد اسطر صفحاتها اختلاف.

و قد ذكر على غلافها ما يلي:

احمد حمالي سنة 1141.

كتاب اخبار مكة حرسها اللّه تعالى تأليف ابي الوليد الازرقي رحمة اللّه عليه و اول سيدنا الفقيه الامام العالم العامل الصدر الكبير الر .... و حد المحترم.

جمال العلما سيد الفضلا مفتي المسلمين بقية السلف جمال الدين ابي القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن حفص الصقراوي ابقاه اللّه تعالى و نفع به، تأليف ابي الوليد الازرقي في اخبار مكة و الكعبة للطواشي الاجل الكبير المحترم الرئيس الاخص الاوح .... تقي الدين جوم المسعودي ادام اللّه سعادته و توفيقه و أجاز له ان يرويه عنه مناولة بروايته عن الفقيه الامام الحافظ ابي الطاهر احمد بن محمد السلفي الاصبهاني رضي اللّه عنه عن ابي الحسن علي بن المشرف الانماطي قال: اخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن‏

25

عيسى القيسي قراءة عليه في شهور سنة سبع و خمسين و اربع مائة عن ابي جهضم الصمداني عن أبي اسحاق احمد الخزاعي عن ابي الوليد محمد بن عبد اللّه الازرقي المصنف، و رواه ايضا سيدنا الفقيه الامام العالم جمال الدين ابقاه اللّه عن الشريف أبي محمد عبد اللّه بن يحيى بن اسماعيل العثماني الديباجي عن ابي مشرف المذكور و ذلك بتاريخ السادس عشر من ذي القعدة سنة احدى و ثلثين و ستماية بثغر الاسكندرية المحروس».

و تنتهي النسخة بما يلي:

«آخر كتاب مكة حرسها اللّه تعالى نسخه جمعه الفقير الى ربه نصر بن عبد المنعم بن ابي الوقار السرخي عفى اللّه عنه و غفر له ولوا ..» اه.

اما الصفحة الاولى من هذه النسخة فهي تبدأ:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل ان يخلق اللّه السماوات و الارض و ما جاء في ذلك حدّثنا ابو محمد اسحاق بن احمد بن اسحاق بن نافع الخزاعي قال:

حدثنا ابو الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد بن محمد بن الوليد بن احمد الازرقي الخ.»

النسخة الثالثة:

د) و وقعنا على نسخة خطية ثالثة في مكتبة الاستاذ الشيخ عبد الستار الدهلوي من علماء مكة المكرمة، يقول صاحبها انه نسخها بقلمه عن النسخة الخطية الموجودة في دار الكتب بمصر القاهرة.

و هذه النسخة كاملة و هي في جزئين و تمتاز عن النسخ الاخرى انه مضاف اليها فهرسا للمواضيع العمومية.

26

و الجزء الاول يحتوي على 285 صفحة من القطع الكبير؛ في كل صفحة 23 سطرا، و ينتهي بفصل (ذرع المقام).

و الجزء الثاني يحتوي على 233 صفحة من القطع الكبير، في كل صفحة منه 23 سطرا ايضا: و قد كتبت عناوين هذه النسخة بالحبر الاحمر.

و هذه النسخة قريبة الشبه من المطبوعة في ليبسك، حتى يكاد الانسان ان يقول بأنها منسوخة عنها، و في بعض الاماكن منها بياض قليل.

و قد جاء في غلاف الجزئين:

«كتاب اخبار مكة المشرفة و ما جاء فيها من الآثار تأليف العلامة المؤرخ ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد الازرقي المكي رواية ابي محمد اسحاق بن احمد بن اسحاق بن نافع الخزاعي المكي.

الوقف للّه عز و جل بالمكتبة الفيضية المباركشاهوية البكرية المكية حرسها رب البرية عن كل آفة و بلية آمين».

و جاء في الصفحة الأخيرة من الجزء الاول:

«الى هنا انتهى النصف الاول من تاريخ مكة للامام المؤرخ ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد الأزرقي من رواية أبي محمد اسحاق بن احمد بن اسحاق ابن نافع الخزاعي.

و يتلوه النصف الثاني أوله باب ما جاء في اخراج جبريل زمزم لام اسماعيل (عليهما السلام)».

و جاء في الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني:

«الى هنا تم كتاب تاريخ مكة للازرقي برواية ابي محمد الخزاعي المكي و الحمد للّه كما هو أهله و صلواته على نبيه محمد سيد الاولين و الآخرين و آله و صحبه و سلامه و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

27

و كان الفراغ من النسخ بحمد اللّه و عونه و حسن توفيقه على يد كاتبه لنفسه و لمن شاء اللّه من بعده ابي الفيض عبد الستار بمكة المشرفة و الحمد للّه وحده.

و نقلت من نسخة نقلت خلف المقام في المسجد الحرام تجاه الكعبة المعظمة في شعبان سنة تسع و ثمانين و سبعماية من الهجرة».

و قد أغفل الاستاذ تاريخ النسخ فلم يرد ذكر لذلك في هذه النسخة.

و قد اضاف الاستاذ الناسخ في آخر الجزء الثاني ترجمة للازرقي الجد و الحفيد و الخزاعي الراوية نقلا عن العقد الثمين و غيره، و أشار الى مختصري الأزرقي و انتهى بحثه في ذكر بعض تواريخ مكة التي وضعت بعد الازرقي.

رموز النسخ:

و قد رمزنا لهذه النسخ في هوامش الكتاب بالاشارات التالية:

ا- الطبعة الاوربية ب- نسخة المدينة الاولى ج- نسخة مكة د- نسخة المدينة الثانية طج- طبعتنا الجديدة هذه‏

طريقتنا في التصحيح:

و كنا نرجع الى النسخ الخطية الثلاثة، لتصحيح المتن في الطبعة الاوربية، و قد كانت هذه الاصول كثيرة التحريف و التشويه، لذلك كنا نرجع في المسائل التي لا نطمئن الى صحتها، الى مصادر أخرى من دينية و تاريخية و بوجه خاص خطط مكة المكرمة، فجاءت طبعتنا الجديدة كما يراها

28

القارئ خلوة من التحريف الا ما ندر.

و قد أردنا ان نضيف الى كل بحث من بحوث الازرقي تعليقات تتضمن ما وقع بعد المؤلف على التفصيل و التقصي. و لكننا أحجمنا فيما بعد فاكتفينا بالتعليقات المختصرة، اللهم الا في الابحاث التي لا غنى عن ذكرها، فعلقنا عليها تعليقات مطولة. و من الابحاث المهمة التي اضفناها الى هذه الطبعة بحث (في بناية الكعبة الاخيرة) و آخر في (تاريخ كسوتها) ثم بحث تحليلي عن (دي الخلصة) يراه القارئ في الصفحة 256 من هذه الطبعة، و هذا البحث كان مجهولا فأجلينا غامضه، و بينا حقيقته. و يقيننا ان هذا الفصل يسر رجال العلم و التحقيق.

اما الأعلام من الاماكن فقد علقنا على بعضها و اشرنا الى جهاتها و تحديداتها، و اغفلنا ذلك في القسم الآخر نظرا لورود ذكرها في القسم الجغرافي من خطط الازرقي- و هو يقع في الجزء الثاني من طبعتنا هذه- و سنحلي هذا القسم بالشروح الوافية ان شاء اللّه تعالى.

خاتمة البحث‏

و قد قسمنا الكتاب الى جزئين تسهيلا للمراجعة، و عنينا باخراج الطبعة نظيفة، و وضعنا لها فهارس ليسهل على القارئ مراجعة الابحاث التي يريدها بدون عناء و لا مشقة.

و لا نحب الاطالة في بيان محاسن هذه الطبعة، فهي تدل على نفسها بنفسها، و جل ما نبتغيه ان يكون طبع خطط الازرقي مقدمة لطبع خطط البلاد العربية السعودية و تواريخها التي حفظتها لنا المكاتب العامة و الخاصة و هي كثيرة و للّه الحمد لا سيما في هذا العهد الزاهر الذي يمكن ان نسميه عهد (النهضة العلمية) الحقة، نظرا لما نراه من عناية:

29

مضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود المعظم بنشر العلم و الثقافة بمختلف الوسائل و شتى الاساليب، خلد اللّه ملكه و أطال عمر جلالته ذخرا للمسلمين و العرب و ركنا للعلم و الادب آمين.

مكة المكرمة في غرة شوال سنة 1352.

رشدي ملحس‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

ذكر ما كانت الكعبة الشريفة عليه فوق الماء قبل أن يخلق اللّه السماوات و الارض و ما جاء في ذلك‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلى اللّه على سيد الامة محمد نبي الرحمة و آله و صحبه اخبرني والدي الفقيه الامام المحدث صدر الدين بقية المشايخ ابو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميانشي رحمة اللّه عليه قال حدّثنا القاضي الامام أبو المظفر محمد بن علي بن الحسين الشيباني الطبري عن جده الشيخ الامام الحسين عن الشيخ ابي الحسن علي بن خلف الشامي عن أبي القاسم خلف بن هبة اللّه الشامي عن أبي محمد الحسن بن احمد بن ابراهيم بن فراس عن ابي الحسن محمد بن نافع الخزاعي عن ابي محمد اسحاق بن احمد بن اسحاق بن نافع الخزاعي عن ابي الوليد محمد بن عبد اللّه بن احمد بن محمد ابن الوليد بن عقبة بن الازرق بن عمرو بن الحارث بن ابي شمر الغساني الازرقي قال حدّثنا جدي احمد بن محمد بن الوليد الازرقي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب قال قال كعب الاحبار: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل ان يخلق‏ (1) اللّه عز و جل السماوات و الارض بأربعين سنة و منها دحيت الارض، قال حدّثنا ابو الوليد قال حدثني مهدي بن‏

____________

(1) كذا في نسخة ا و ج. و في نسخة ب «خلق».

32

ابي المهدي قال حدثنا أبو أيوب البصري عن هشام عن حميد قال سمعت مجاهدا يقول خلق اللّه عز و جل هذا البيت قبل ان يخلق شيئا من الارضين؛ قال حدّثنا ابو الوليد قال حدثنا جدي عن سعيد بن سلام عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس انه قال لما كان العرش على الماء قبل ان يخلق اللّه السماوات و الارض بعث اللّه تعالى ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة (1) في موضع هذا (2) البيت كانها قبة فدحا اللّه الارضين من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها اللّه تعالى بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت مكة أم القرى‏ (3)، قال و حدّثني يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر (4) بن ابراهيم الجبيري عن عثمان بن عبد الرحمن عن هشام عن مجاهد قال: لقد خلق اللّه عز و جل موضع هذا البيت قبل ان يخلق شيئا من الارض بألفي سنة و ان قواعده لفي الارض السابعة (5) السفلى.

ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل خلق آدم و مبتدأ الطواف كيف كان‏ (6)

حدّثنا ابو الوليد قال حدثني علي بن هارون بن مسلم العجلي عن ابيه قال حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال حدثني محمد بن علي بن‏

____________

(1) كذا في جميع الأصول و الأعلام. و رواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة «خشعة» بالعين المهملة عوضا عن الفاء و قال الحشفة واحدة الخشف و هي حجارة تنبت في الأرض نباتا، أما الحشعة فهي أكمة لاطية بالأرض. و قيل هو ما غلب عليه السهولة و ليس بحجر و لا طين.

(2) الزيادة في ب، ج.

(3) بياض في ب.

(4) كذا في ا، ج. و في ب «عمرة».

(5) محروسة في ب.

(6) بياض في ب من أول هذا الفصل إلى نهاية فصل ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام.

33

الحسين‏ (1) قال كنت مع ابي علي بن الحسين بمكة فبينما هو يطوف بالبيت و أنا وراءه اذ جاءه رجل شرجع من الرجال يقول طويل‏ (2) فوضع يده على ظهر ابي فالتفت ابي اليه فقال الرجل: السلام عليك يا ابن بنت رسول اللّه اني أريد أن أسألك فسكت‏ (3) ابي و انا و الرجل خلفه حتى فرغ من أسبوعه فدخل الحجر فقام تحت الميزاب فقمت انا و الرجل خلفه فصلى ركعتي أسبوعه ثم استوى قاعدا فالتفت الي فقمت فجلست الى جنبه فقال يا محمد فأين هذا السائل؟ فأومأت الى الرجل فجاء فجلس بين يدي أبي فقال له ابي عما تسأل؟ قال أسألك عن بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان و أنى كان و حيث كان و كيف كان؟ فقال له أبي نعم من أين أنت؟ قال من أهل الشام قال أين مسكنك؟ قال: في بيت المقدس قال: فهل قرأت الكتابين؟

- يعني التوراة و الانجيل- قال الرجل نعم قال أبي يا اخا أهل الشام احفظ و لا تروين عني الا حقا (4) أما بدو هذا الطواف بهذا البيت فان اللّه تبارك و تعالى قال للملائكة اني جاعل في الارض. خليفة فقالت الملائكة أي رب أ خليفة من غيرنا (5) ممن يفسد فيها و يسفك الدماء و يتحاسدون، و يتباغضون و يتباغون؟ اي رب‏ (6) اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها، و لا نسفك الدماء، و لا نتباغض، و لا نتحاسد، و لا نتباغى، و نحن نسبح بحمدك، و نقدس لك، و نطيعك، و لا نعصيك فقال‏ (7) اللّه تعالى اني أعلم‏

____________

(1) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام نقلا عن الأزرقي «حدثنا الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه».

(2) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «إذ جاءه رجل طويل».

(3) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «فرد (عليه السلام) و سكت».

(4) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «احفظ عني و لا ترو عني إلا حقا».

(5) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «اي رب أ تخلق غيرنا».

(6) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «أي رب» محذوفة.

(7) كذا رواية الاعلام و في جميع الأصول «قال».

34

ما لأتعلمون قال فظنت الملائكة إن ما قالوا ردا (1) على ربهم عز و جل و انه قد غضب من قولهم فلا ذوا بالعرش. و رفعوا رؤوسهم، و أشاروا بالاصابع‏ (2) يتضرعون، و يبكون اشفاقا لغضبه‏ (3) و طافوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر اللّه‏ (4) اليهم فنزلت الرحمة عليهم فوضع‏ (5) اللّه تعالى تحت العرش بيتا (6) على اربع أساطين من زبرجد و غشاهن بياقوتة حمراء (7) و سمي ذلك البيت الضراح‏ (8) ثم قال اللّه تعالى للملائكة طوفوا بهذا البيت و دعوا العرش قال‏ (9) فطافت الملائكة بالبيت‏ (10) و تركوا العرش و صار أهون عليهم من العرش‏ (11) و هو البيت المعمور الذي ذكره اللّه عز و جل يدخله في كل يوم و ليلة سبعون الف ملك لا يعودون فيه أبدا (12) ثم ان اللّه سبحانه و تعالى بعث ملائكة فقال لهم‏ (13) ابنوا لي بيتا في الارض بمثاله و قدره فأمر اللّه سبحانه من في الارض من خلقه ان يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، فقال الرجل صدقت يا بن بنت رسول اللّه (ص) هكذا كان.

____________

(1) كذا في الاعلام. و في جميع الأصول «رد».

(2) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «و أشاروا بالأصابع» محذوفة.

(3) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «من غضبه».

(4) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «اللّه تعالى».

(5) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «و وضع».

(6) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «بيتا و هو البيت المعمور».

(7) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «يغشاهن ياقوتة».

(8) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «رسمي ذلك البيت الضراح» ساقطة و قال ياقوت: الضراح بيت في السماء حيال الكعبة و هو البيت المعمور، و قيل هي الكعبة رفعها اللّه وقت الطوفان الى السماء الدنيا فسميت بذلك لضرحها عن الأرض أي بعدها (معجم البلدان).

(9) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «فقال».

(10) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «بهذا البيت».

(11) كذا في الاعلام و الروض الأنف. و في جميع الأصول «من العرش» ساقطة.

(12) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «و هو البيت ... أبدا» ساقطة.

(13) كذا في الاعلام و الجامع اللطيف. و في جميع الأصول «لهم» ساقطة.

35

ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام شرفها اللّه‏

حدّثنا أبو الوليد قال حدثني مهدي بن أبي المهدي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا عمر بن بكار عن وهب بن منبه عن ابن عباس ان جبريل (عليه السلام) وقف على رسول اللّه (ص) و عليه عصابة حمراء قد علاها الغبار فقال له رسول اللّه (ص): ما هذا الغبار أرى على عصابتك أيها الروح الامين؟ قال: اني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها، و اخبرني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان ابن ساج قال اخبرني عثمان بن يسار قال: بلغني و اللّه أعلم ان اللّه تعالى اذا اراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض أموره في الارض استأذنه ذلك الملك في الطواف بالبيت فهبط الملك مهلا؛ و اخبرني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه نحو هذا الا انه قال: و يصلي في البيت ركعتين، و أخبرني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال اخبرني عباد بن كثير عن ليث بن معاذ قال: قال رسول اللّه (ص):

هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا سبعة منها في السماء الى العرش و سبعة منها الى تخوم الارض السفلى و اعلاها الذي يلي العرش، البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض الى تخوم الارض السفلى و لكل بيت من اهل السماء و من أهل الارض من يعمره كما يعمر هذا البيت. حدّثني ابو الوليد قال و حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان عن وهب بن منبه أن ابن عباس أخبره ان جبريل وقف على رسول اللّه (ص) و عليه عصابة خضراء قد علاها الغبار فقال رسول اللّه (ص): ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك أيها الروح الأمين؟

قال: اني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن فهذا الغبار الذي ترى‏

36

مما تثير بأجنحتها (1).

ذكر هبوط آدم الى الأرض و بنائه الكعبة، و حجه، و طوافه بالبيت‏

حدّثنا ابو الوليد حدثنا جدي قال حدثنا سعيد بن سالم عن طلحة بن عمرو (2) الحضرمي عن عطاء بن ابي رباح عن ابن عباس قال: لما أهبط اللّه آدم الى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء و رجلاه في الأرض و هو مثل الفلك من رعدته قال: فطأطأ اللّه عز و جل منه الى ستين ذراعا، فقال: يا رب ما لي لا أسمع اصوات الملائكة (3) و لا احسهم‏ (4)؟ قال:

خطيئتك يا آدم و لكن اذهب فابن لي بيتا فطف به و اذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي قال: فأقبل آدم (عليه السلام) يتخطا فطويت‏ (5) له الارض و قبضت له المفاوز فصارت كل مفازة يمر بها خطوة و قبض له ما كان من مخاض ماء أو بحر فجعل له خطوة (6) و لم تقع قدمه في شي‏ء من الأرض الا صار عمرانا و بركة حتى انتهى الى مكة فبنى البيت الحرام و ان جبريل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فابرز (7) عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة من‏ (8) الصخر ما لا (9) يطيق حمل‏ (10)

____________

(1) الى هنا ينتهي البياض في «ب».

(2) كذا في ا، ج و الاعلام. و في ب «عمرة».

(3) كذا في ا، ج و الاعلام. و في ب «ملائكتك».

(4) كذا في ا، ب و في ج «و لا حسهم» و في الاعلام ساقطة.

(5) كذا في ا، ج و الاعلام. و في ب «و طويت».

(6) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام الكلمات الأخيرة ساقطة.

(7) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «فكشف».

(8) كذا في الاعلام. و في جميع الأصول «من» ساقطة.

(9) كذا في الاعلام. و في جميع الأصول «لا» ساقطة.

(10) كذا في الجامع اللطيف. و في جميع الأصول و الاعلام ساقطة.

37

الصخره منها ثلاثون رجلا و انه بناه من خمسة اجبل من لبنان، و طور زيتا، و طور سينا و الجودي، و حراء حتى استوى على وجه الارض، قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت و صلى فيه و طاف به آدم (عليه السلام) حتى بعث اللّه الطوفان قال: و كان غضبا و رجسا قال: فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم (عليه السلام) قال: و لم يقرب الطوفان ارض السند و الهند قال: فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث اللّه تعالى ابراهيم و اسماعيل فرفعا قواعده‏ (1) و اعلامه و بنته قريش بعد ذلك و هو بحذاء البيت المعمور لو سقط، ما سقط الا عليه. حدّثنا ابو الوليد حدثنا مهدي بن ابي المهدي قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني عن عبد الصمد ابن معقل عن وهب بن منبه ان اللّه تعالى لما تاب على آدم (عليه السلام) أمر أن يسير إلى مكة فطوى له الارض و قبض له المفاوز فصار كل مفازة يمر بها (2) خطوة و قبض له ما كان فيها من مخاض ماء (3) أو بحر فجعله له خطوة فلم يضع قدمه في شي‏ء من الارض الاصار عمرانا و بركة (4) حتى انتهى الى مكة، و كان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه و حزنه لما كان فيه من عظم المصيبة حتى ان كانت الملائكة لتحزن لحزنه و لتبكي لبكائه فعزاه اللّه تعالى بخيمة من خيام الجنة و وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل ان تكون الكعبة، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، و نزل معها الركن و هو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة و كان كرسيا لآدم (عليه السلام) يجلس عليه، فلما صار آدم عليه بمكة و حرس له تلك الخيمة (5) بالملائكة كانوا يحرسونها و يذودون عنها

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب «قواعد البيت».

(2) كذا في ا، ج. و في ب «يمرها».

(3) كذا في ا، ج. و في ب «من ماء».

(4) كذا في ا، ج. و في ب «و تركه».

(5) كذا في ا، ج. و في ب «الجهة».

38

ساكن الارض، و ساكنها يومئذ الجن و الشياطين فلا ينبغي لهم ان ينظروا الى شي‏ء من الجنة لانه من نظر الى شي‏ء من الجنة وجبت له، و الارض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس، و لم تسفك فيها الدماء، و لم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها اللّه مسكن الملائكة و جعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون اللّه الليل و النهار لا يفترون، و كان وقوفهم على اعلام الحرم صفا واحدا مستديرين بالحرم الشريف كله، الحل من خلفهم و الحرم كله من امامهم فلا يجوزهم جن و لا شيطان و من أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم، و وضعت اعلامه حيث كان مقام الملائكة و حرم اللّه عز و جل على حواء (1) دخول الحرم و النظر الى خيمة آدم (عليه السلام) من أجل‏ (2) خطيئتها التي أخطأت في الجنة فلم تنظر الى شي‏ء من ذلك حتى قبضت، و إن آدم (عليه السلام) كان اذا أراد لقاءها ليلم‏ (3) بها للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها فلم تزل خيمة آدم (عليه السلام) مكانها حتى قبض اللّه آدم و رفعها اللّه تعالى و بنى بنو آدم بها من بعده‏ (4) مكانها (5) بيتا بالطين و الحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه هم و (6) من بعدهم حتى كان زمن نوح (عليه السلام) فنسفه الغرق و خفى‏ (7) مكانه فلما بعث اللّه تعالى ابراهيم خليله (عليه السلام) طلب الاساس فلما وصل اليه ظلل اللّه تعالى له مكان البيت بغمامة فكانت حفاف البيت الاول ثم لم‏ (8) تزل راكدة على حفافة تظل ابراهيم و تهديه مكان القواعد حتى رفع اللّه القواعد قامة ثم انكشفت الغمامة فذلك‏ (9) قول اللّه عز و جل:

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب «حوا».

(2) كذا في ا، ب. و في ج «لأجل».

(3) كذا في ا، ج. و في ب «لقاها ليلم لم».

(4) كذا في الاعلام. و في جميع الأصول «بعدها».

(5) كذا في ا، ج، و الاعلام. و في ب «مكانا».

(6) كذا في الأعلام. و في ب «يعمرونه و من بعدهم». و في ا، ج «هم و» ساقطة.

(7) كذا في جميع الأصول. و في الأعلام «و غير».

(8) كذا في ا، ج. و في ب «و لم».

(9) كذا في ا، ب. و في ج «و ذلك».

39

(وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) أي الغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد فلم يزل بحمد اللّه منذ رفعه‏ (1) اللّه معمورا. قال وهب ابن منبه: و قرأت في كتاب من الكتب الأولى‏ (2) ذكر فيه أمر الكعبة (3) فوجد فيه أن ليس من ملك من الملائكة (4) بعثه تعالى الى الارض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف سبعا بالبيت و يركع في جوفه ركعتين ثم يصعد. و حدّثني محمد ابن يحيى عن ابراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن عبد اللّه بن لبيد قال: بلغني أن ابن عباس قال: لما أهبط اللّه سبحانه آدم (عليه السلام) الى الارض اهبطه الى موضع البيت الحرام و هو مثل الفلك من رعدته ثم أنزل عليه الحجر الأسود- يعني الركن- و هو يتلألأ من شدة بياضه فأخذه آدم (عليه السلام) فضمه اليه أنسا به ثم نزلت عليه العصا فقيل له: تخط يا آدم فتخطا فاذا هو بأرض الهند و (5) السند فمكث بذلك ما شاء اللّه ثم استوحش الى الركن فقيل له:

احجج قال: فحج‏ (6) فلقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام* و حدّثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: اخبرني محمد بن اسحاق قال: بلغني ان آدم (عليه السلام) لما اهبط الى الأرض حزن على ما فاته مما كان يرى و يسمع في الجنة من عبادة اللّه فبوأ اللّه له البيت الحرام و أمره بالسير اليه فسار اليه لا ينزل منزلا إلا فجر اللّه له‏ (7) ماء معينا حتى انتهى الى مكة فأقام بها يعبد اللّه.

عند ذلك البيت و يطوف به فلم تزل داره حتى قبضه اللّه بها* حدّثني‏

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب «رفعها».

(2) كذا في ا، ج. و في ب «الأول».

(3) كذا في ا، ج. و في ب «من أمر».

(4) كذا في ا، ج. و في ب «الملائكة» ساقطة.

(5) كذا في ا، ج. و في ب «او».

(6) كذا في ا، ج. و في ب «حج فحج».

(7) كذا في ا، ج. و في ب «به».

40

جدي قال: حدثني سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: بلغني ان عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه قال لكعب: يا كعب أخبرني عن البيت الحرام قال كعب: انزله‏ (1) اللّه تعالى من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم (عليه السلام) فقال له: يا آدم ان هذا بيتي أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، و يصلى حوله كما يصلى حول عرشي، و نزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ثم وضع البيت عليه فكان آدم (عليه السلام) يطوف حوله كما يطاف حول العرش، و يصلي عنده كما يصلى عند العرش فلما أغرق‏ (2) اللّه قوم نوح رفعه اللّه الى السماء و بقيت قواعده. حدّثني جدي قال:

و حدثني ابراهيم بن محمد بن ابي يحيى عن ابان بن‏ (3) ابي عياش قال: بلغنا عن اصحاب النبي (ص) ان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سأل كعبا ثم نسق‏ (4) مثل الحديث الأول* و حدّثني جدي قال: و حدثني ابراهيم بن محمد بن ابي يحيى عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس (رضوان اللّه عليه) قال: كان آدم (عليه السلام) أول من أسس البيت و صلى فيه حتى بعث اللّه الطوفان* حدّثنا مهدي ابن ابي المهدي قال: حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن ابان ان البيت أهبط ياقوتة لآدم (عليه السلام) أو درة واحدة (5)* و حدّثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه قال: كان البيت الذي بوأه اللّه تعالى لآدم (عليه السلام) يومئذ ياقوتة من يواقيت الجنة (6) حمراء تلتهب، لها بابان احدهما شرقي، و الآخر غربي و كان فيه قناديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة و هو منظوم بنجوم‏

____________

(1) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «انزل».

(2) كذا في ا و ج و الاعلام. و في ب «غرق».

(3) كذا في ا، ج. و في ب «بن» ساقطة.

(4) كذا في ا و ج. و في ب «ساق».

(5) كذا في ا و ج. و في ب «واحدة» زائدة.

(6) كذا في ا و ج. و في ب «و كان من ياقوتة حمراء» زيادة.

41

من ياقوت ابيض، و الركن يومئذ نجم من نجومه و هو يومئذ ياقوتة بيضاء* حدّثنا جدي قال: حدثني ابراهيم بن محمد بن ابي يحيى قال: حدثنا المغيرة ابن زياد عن عطاء بن أبي رباح قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة أمر العمال ان يبلغوا في الارض فبلغوا صخرا أمثال الابل الخلف قال فقالوا: انا قد بلغنا صخرا معمولا امثال الابل الخلف قال قال قال: زيدوا فاحفروا، فلما زادوا بلغوا هواء من نار يلقاهم‏ (1) فقال: ما لكم؟ قالوا: لسنا نستطيع ان نزيد، رأينا أمرا عظيما فلا (2) نستطيع. فقال لهم: ابنوا عليه، قال فسمعت عطاء يقول: يرون ان ذلك الصخر مما بنى آدم (عليه السلام)* و حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن الزهري عن عبيد اللّه بن عتبة عن ابن عباس (عليه السلام) خر آدم ساجدا يبكي فهتف به هاتف فقال: ما يبكيك يا آدم؟ قال: ابكاني انه حيل بيني و بين تسبيح ملائكتك و تقديس قدسك، قيل له: يا آدم، قم الى البيت الحرام، فخرج الى مكة فكان حيث يضع قدميه يفجر (3) عيونا، و عمرانا، و مداين‏ (4) و ما بين قدميه الخراب و المعاطش فبلغني أن آدم (عليه السلام) تذكر الجنة فبكا، فلو عدل بكاء الخلق ببكاء آدم حين أخرج من الجنة ما عدله و لو عدل بكاء الخلق و بكاء آدم (عليه السلام) ببكاء داود حين أصاب الخطيئة ما عدله* حدّثني جدي قال:

اخبرنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أن آدم (عليه السلام) اشتد بكاؤه و حزنه لما كان من عظم المصيبة حتى ان كانت الملائكة لتحزن لحزنه، و لتبكي لبكائه قال: فعزاه اللّه بخيمة من خيام الجنة وضعها له‏ (5) بمكة في موضع الكعبة قبل ان تكون الكعبة و تلك الخيمة ياقوتة حمراء

____________

(1) كذا في ا و ج. و في ب «تلقاهم».

(2) كذا في أ، ج. و في ب «و لا».

(3) كذا في ا، ج. و في ب «تفجر».

(4) كذا في أ، ج. و في ب «مداينا».

(5) كذا في جميع الاصول. و في ب «و وضعها».

42

من ياقوت‏ (1) الجنة و فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، فلما صار آدم (عليه السلام) الى مكة و حرس‏ (2) له تلك الخيمة بالملائكة فكانوا يحرسونه و يذودون عنها سكان الأرض. و سكانها يومئذ الجن، و الشياطين، و لا ينبغي لهم ان ينظروا الى شي‏ء من الجنة، لانه من نظر الى شي‏ء منها وجبت له، و الارض يومئذ نقية طاهرة طيبة لم تنجس‏ (3) و لم تسفك فيها الدماء، و لم يعمل فيها بالخطايا (4) فلذلك جعلها اللّه يومئذ مستقر الملائكة (5) و جعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل و النهار لا يفترون، قال: فلم تزل تلك الخيمة مكانها حتى قبض اللّه آدم (عليه السلام) ثم رفعها اليه* حدّثني مهدي بن ابي المهدي عن عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن قتادة في قوله عز و جل‏ (وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) قال وضع اللّه تعالى البيت مع آدم (عليه السلام) فأهبط اللّه تعالى آدم الى الارض، و كان مهبطه بأرض الهند، و كان رأسه في السماء و رجلاه في الارض، و كانت‏ (6) الملائكة تهابه فقبض الى ستين ذراعا فحزن آدم (عليه السلام) اذ فقد أصوات الملائكة و تسبيحهم. فشكا ذلك الى اللّه تعالى فقال اللّه تعالى يا آدم اني أهبطت معك بيتا يطاف حوله‏ (7) كما يطاف حول عرشي فانطلق اليه فخرج آدم (عليه السلام) و مد له في خطو (8) فكان خطوتان أو بين خطوتين مفازة فلم يزل على ذلك، فأتى آدم (عليه السلام) البيت فطاف به، و من بعده من الانبياء، حدّثني محمد بن يحيى عن عبد العزيز (9) بن عمران عن عمر بن‏

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب «يواقيت».

(2) كذا في ا، ب. و في ج «خرس».

(3) كذا في ا، ب. و في ج «تتجنس».

(4) كذا في ا، ج. و في ب «الخطايا».

(5) كذا في ا، ج. و في ب «مستقرا للملائكة».

(6) كذا في ا، ج. و في ب «فكانت».

(7) كذا في الاعلام. و في ا، ج «به».

(8) كذا في ا، ج. و في ا «خطوة».

(9) كذا في ا، ج. و في ب «بن ابي».

43

أبي‏ (1) معروف عن عبد اللّه بن ابي زياد أنه قال: لما أهبط اللّه تعالى آدم (عليه السلام) من الجنة قال: يا آدم ابن لي بيتا بحذاء بيتي الذي في السماء تتعبد فيه أنت و ولدك كما تتعبد ملائكتي حول عرشي. فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة فقذفت فيه‏ (2) الملائكة الصخر حتى اشرف على وجه الأرض و هبط آدم (عليه السلام) بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة اركان بيض فوضعها على الاساس فلم تزل الياقوتة (3) كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها اللّه سبحانه و تعالى‏ (4).

ما جاء في حج آدم (عليه السلام) و دعائه لذريته‏ (5)

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: حدثت ان آدم (عليه السلام) خرج حتى قدم مكة فبنى البيت، فلما فرغ من بنائه قال: أي رب ان لكل اجير أجرا و ان لي أجرا، قال:

نعم! فاسألني قال: أي رب تردني من حيث اخرجتني، قال: نعم! ذلك لك قال: اي‏ (6) رب و من خرج الى هذا البيت من ذريتي يقر على نفسه بمثل الذي قررت به من ذنوبي ان تغفر له قال نعم! ذلك لك، حدّثنا ابو الوليد قال حدثنا محمد بن يحيى عن ابراهيم بن محمد بن ابي يحيى عن ابي المليح انه قال: كان ابو هريرة يقول: حج آدم (عليه السلام) فقضى المناسك فلما

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب «ابي» ساقطة.

(2) الزيادة في الاعلام. و في جميع الاصول «فيه» ساقطة.

(3) كذا في جميع الاصول و الاعلام. و في ج «الملائكة».

(4) كذا في ا، ج. و في ا «تعالى» ساقطة.

(5) الزيادة في ا، ج. و في ب «لذريته» ساقطة.

(6) كذا في ا، ج. و في ب (يا).

44

حج قال: يا رب ان لكل عامل أجرا (1) قال اللّه تعالى: أما أنت يا آدم فقد غفرت لك و أما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه غفرت له، فحج آدم (عليه السلام) فاستقبلته الملائكة بالردم فقالت: بر حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا:

كنا نقول: سبحان اللّه، و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر، قال: فكان آدم (عليه السلام) اذا طاف بالبيت يقول هؤلاء (2) الكلمات و كان طواف آدم (عليه السلام) سبعة أسابيع بالليل و خمسة اسابيع بالنهار، قال نافع: كان ابن عمر (رحمه اللّه) يفعل ذلك، حدّثني محمد بن يحيى قال حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن عبد اللّه بن أبي سليمان مولى بني مخزوم انه قال: طاف آدم (عليه السلام) سبعا بالبيت‏ (3) حين نزل، ثم صلى تجاه‏ (4) باب الكعبة ركعتين، ثم اتى الملتزم فقال: اللهم انك تعلم سريرتي و علانيتي فاقبل معذرتي و تعلم ما في نفسي و ما عندي فاغفر لي ذنوبي و تعلم حاجتي فاعطني سؤلي، اللهم اني اسألك ايمانا يباشر قلبي و يقينا صادقا حتى اعلم انه لن‏ (5) يصيبني الا ما كتبت لي‏ (6) و الرضا بما قضيت علي، قال: فأوحى اللّه تعالى اليه يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، و لن يدعوني بها احد من ولدك إلا كشفت غمومه و همومه و كففت عليه ضيعته‏ (7)، و نزعت الفقر من قلبه، و جعلت الغناء بين عينيه، و تجرت له من وراء تجارة كل تاجر، و أتته الدنيا و هي راغمة و ان كان لا يريدها. قال: فمذ طاف آدم (عليه السلام) كانت سنة الطواف.

____________

(1) كذا في ا، ج. و في ب جزاء.

(2) كذا في جميع الاصول. و في الاعلام «هذه».

(3) كذا في ا، ج و الاعلام. و في ب «بالبيت سبعا».

(4) كذا في ا، ب و الاعلام. و في ج «و جاء».

(5) كذا في ا، ج. و الاعلام و الجامع اللطيف. و في ب «لا».

(6) كذا في ا، ج. و الاعلام و الجامع اللطيف. و في ب «لي» ساقطة.

(7) كذا في جميع الاصول و الجامع اللطيف. و في الاعلام «كففت عليه ضيعته» ساقطة

45

سنة الطواف‏ (1)

حدّثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال حدثني موسى بن عبيد عن محمد بن المنكدر قال: كان اول شي‏ء عمله آدم (عليه السلام) حين أهبط من السماء طاف بالبيت فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك‏ (2) يا آدم طفنا بهذا (3) البيت قبلك بألفي سنة* حدّثني جدي عن سفيان بن عيينة عن الحرام بن ابي لبيد المدني قال: حج آدم (عليه السلام) فلقيته الملائكة فقالوا:

يا آدم بر حجك قد حججنا قبلك بألفي عام، حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني سعيد ان آدم (عليه السلام) حج على رجليه سبعين حجة ماشيا، و ان الملائكة لقيته بالمازمين فقالوا بر حجك يا آدم إنا قد (4) حججنا قبلك بألفي عام، حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن ابي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: حج آدم (عليه السلام) و طاف‏ (5) بالبيت سبعا فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا: بر حجك يا آدم أما انا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام قال: فما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر قال آدم (عليه السلام): فزيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا بالله قال: فزادت الملائكة فيها ذلك قال: ثم حج ابراهيم (عليه السلام) بعد بنيانه البيت فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه فقال لهم ابراهيم: ما ذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله الا اللّه و اللّه اكبر، فأعلمناه‏

____________

(1) العنوان في ج.

(2) كذا في ا و ج. و في ب «حجك».

(3) كذا في ا و ج. و في ب «هذا».

(4) كذا في ب. و في ا و ج «فقد».

(5) كذا في ا و ج. و في ب «فطاف».

46

ذلك فقال آدم (عليه السلام): زيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا بالله. فقال ابراهيم: زيدوا فيها العلي العظيم قال: ففعلت الملائكة ذلك.

ذكر وحشة آدم في الأرض حين نزلها و فضل البيت الحرام و الحرم‏

حدّثنا ابو الوليد قال حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه انه قال: ان آدم (عليه السلام) لما هبط الى الأرض استوحش فيها لما رأى من سعتها، و لم ير فيها أحدا غيره فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها و يقدس لك‏ (1) غيري؟ قال: اني‏ (2) سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي، و يقدس لي، و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري و يسبحني فيها خلقي، و سأبوئك فيها بيتا أختاره لنفسي، و اختصه بكرامتي.

و أوثره على بيوت الأرض كلها باسمي، فأسميه بيتي، و انطقه بعظمتي.

و اجوزه بحرماتي، و اجعله احق بيوت الأرض كلها و أولاها بذكري.

و أضعه في البقعة التي اخترت لنفسي. فاني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات و الارض، و قبل ذلك قد كان بغيتي فهو صفوتي من البيوت و لست أسكنه و ليس ينبغي لي ان أسكن البيوت و لا ينبغي لها ان تسعني، و لكن على كرسي الكبرياء و الجبروت و هو الذي استقل بعزتي، و عليه وضعت عظمتي و جلالي، و هنالك استقر قراري، ثم هو بعد ضعيف عني لو لا قوتي ثم أنا بعد ذلك مل‏ء كل شي‏ء، و فوق كل شي‏ء، و مع كل شي‏ء، و محيط بكل شي‏ء، و امام كل شي‏ء، و خلف كل شي‏ء، ليس ينبغي لشي‏ء أن يعلم علمي، و لا يقدر قدرتي، و لا يبلغ كنه شأني، اجعل ذلك البيت‏

____________

(1) كذا في ا و ج. و في ب «يقدسك».

(2) كذا في ا و ج. و في ب (اني) ساقطة.

47

لك و لمن بعدك حرما و أمنا، أحرّم بحرماته ما فوقه، و ما تحته، و ما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرماتي، و من أحله فقد أباح حرماتي، و من أمن أهله فقد استوجب بذلك أماني، و من أخافهم فقد اخفرني في ذمتي، و من عظم شأنه عظم في عيني، و من تهاون به صغر في عيني و لكل ملك حيازة ما حواليه، و بطن مكة خيرتي و حيازتي و جيران بيتي و عمارها و زوارهما وفدي و أضيافي في كنفي و أفنيتي ضامنون علي في ذمتي و جواري فاجعله أول بيت وضع للناس، و أعمره بأهل السماء و أهل الارض يأتونه أفواجا شعثا (1) غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق يعجون بالتكبير عجيجا و يرجون بالتلبية رجيجا (2) و ينتحبون بالبكاء نحيبا فمن اعتمره لا يريد غيري‏ (3) فقد زارني و وفد إلي و نزل بي و من نزل بي فحقيق علي أن أتحفه بكرامتي و حق الكريم ان يكرم وفده و اضيافه و ان يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم تعمره من بعدك الأمم و القرون و الانبياء أمة بعد أمة و قرن بعد قرن و نبي بعد نبي حتى ينتهي ذلك الى نبي من ولدك و هو خاتم النبيين فاجعله من عماره، و سكانه، و حماته، و ولاته، و سقاته يكون أميني عليه ما كان حيا فاذا انقلب الي وجدني قد ذخرت له من أجره و فضيلته ما يتمكن به للقربة مني و الوسيلة الي و أفضل المنازل في دار المقام و اجعل اسم ذلك البيت و ذكره و شرفه و مجده و ثناءه و مكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي و هو أبوه يقال له ابراهيم ارفع له قواعده، و اقضي على يديه عمارته، و انيط له سقايته، و أريه حله و حرمه و مواقفه و اعلمه مشاعره و مناسكه، و اجعله امة واحدة، قانتا لي، قائما بأمري داعيا الى سبيلي اجتبيه و اهديه الى صراط مستقيم، ابتليه فيصبر، و أعافيه فيشكر،

____________

(1) كذا في ب و ج. و في ا «شعبا».

(2) كذا في ا و ج. و في ب. «حجيجا».

(3) كذا في ا و ج. و في ب «غير لي».

48

و ينذر لي فيفي، و يعدني فينجز، و أستجيب‏ (1) له في ولده و ذريته من بعده و أشفعه فيهم فاجعلهم أهل ذلك البيت، و ولاته، و حماته، و خدامه، و سدانه و خزانه، و حجابه حتى يبتدعوا و يغيروا. فاذا فعلوا ذلك فانا اللّه أقدر القادرين على ان استبدل من أشاء بمن أشاء، اجعل ابراهيم امام أهل ذلك البيت، و اهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الانس و الجن يطئون فيها آثاره، و يتبعون‏ (2) فيها سنته، و يقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره، و استكمل نسكه، و من لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه، و أخطأ بغيته‏ (3) فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموفين بنذورهم المستكملين مناسكهم المبتهلين الى ربهم الذي يعلم ما يبدون و ما يكتمون و ليس هذا الخلق، و لا هذا الامر الذي قصصت عليك شأنه يا آدم بزايد في ملكي، و لا عظمتي، و لا سلطاني، و لا شي‏ء مما عندي الا كما زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة ابحر (4) تمدها من بعدها سبعة ابحر (5) لا تحصى بل القطرة أزيد في البحر من هذا الامر في شي‏ء مما عندي و لو لم اخلقه لم ينقص شيئا من ملكي و لا عظمتي و لا مما عندي من الغناء و السعة الا كما نقصت الارض ذرة وقعت من جميع ترابها، و جبالها و حصاها، و رمالها، و اشجارها بل الذرة أنقص في الارض من هذا الامر لو لم أخلقه لشي‏ء مما عندي و بعد هذا من هذا مثلا للعزيز الحكيم، حدّثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدّثنا اسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه بنحوه.

____________

(1) كذا في ب. و في جميع الاصول «و» ساقطة.

(2) كذا في ا و ج. و في ب «بها آثاره يتتبعون».

(3) كذا في ا و ج. و في ب «نصيبه».

(4) كذا في ب و ج. و في أ «سبغة البحر».

(5) كذا في ب و ج. و في أ «سبغة البحر».

49

ما جاء في البيت المعمور

حدّثنا أبو الوليد قال حدثني جدي قال حدثني سعيد بن سالم عن عثمان ابن ساج عن وهب بن منبه قال اخبرني أبو سعيد عن مقاتل يرفع الحديث الى النبي (ص) في حديث حدث به قال: سمي البيت المعمور لانه‏ (1) يصلي فيه كل يوم سبعون الف ملك ثم ينزلون اذا أمسوا فيطوفون بالكعبة ثم يسلمون على النبي (ص) ثم ينصرفون فلا تنالهم النوبة حتى تقوم الساعة* حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه انه وجد في التوراة بيتا في السماء بحيال الكعبة فوق قبتها اسمه الضراح‏ (2) و هو البيت المعمور يرده كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون اليه ابدا.

حدّثني جدي عن سعيد بن سالم قال اخبرني ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول اللّه (ص):

البيت الذي في السماء يقال له الضراح و هو مثل بناء هذا البيت الحرام و لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا.

و حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: اخبرني محمد ابن السايب الكلبي قال: بلغني و اللّه اعلم ان بيتا في السماء يقال له الضراح بحيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون الف ملك من الملائكة ما دخلوه قط قبلها* حدّثني جدي قال حدّثني سفيان بن عيينة عن ابن ابي حسين عن ابي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا رضي اللّه عنه ما البيت المعمور؟ قال:

هو الضراح و هو حذاء هذا البيت و هو في السماء السادسة يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون فيه ابدا،

____________

(1) كذا في ا و ج. و في ب «انه».

(2) كذا في ا و ج. و في ب «رحاض».

ج 1- تاريخ مكة (4)

50

حدّثني ابو محمد (1) قال حدثنا أبو عبيد اللّه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي‏ (2) قال حدثنا سفيان بن عيينة بنحوه الا أنه قال: في السماء السابعة و قال:

لا يعودون اليه ابدا (3) الى يوم القيمة.

حدّثنا ابو الوليد قال حدثنا مهدي بن ابي المهدي قال حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني قال حدثنا معمر عن وهب بن عبد اللّه عن ابي الطفيل قال: شهدت عليا رضي اللّه عنه و هو يخطب و هو يقول: سلوني فو اللّه لا تسألوني عن شي‏ء يكون الى يوم القيامة الا حدثتكم به، و سلوني عن كتاب اللّه فو اللّه ما منه آية إلا و أنا أعلم أنها (4) بليل نزلت أم بنهار أم بسهل نزلت أم بجبل‏ (5) فقام ابن الكواء و انا بينه و بين علي رضي اللّه عنه و هو خلفي قال: أفرأيت البيت المعمور ما هو؟ قال: ذاك‏ (6) الضراح فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون فيه الى يوم القيامة.

ما جاء في رفع البيت المعمور زمن الغرق و ما جاء فيه‏

حدّثنا أبو الوليد قال: حدّثني جدي قال حدثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد قال: بلغني انه لما خلق اللّه عز و جل السماوات و الارض كان اول شي‏ء وضعه فيها البيت الحرام و هو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان احدهما شرقي و الآخر غربي فجعله مستقبل البيت المعمور فلما كان زمن‏

____________

(1) في هامش ب «محمد الخزاعي» زائدة.

(2) في هامش ب «عبد الرحمن بن سعيد بن حسان المخزومي».

(3) كذا في ب. و في جميع الاصول «ابدا» ساقطة.

(4) كذا في ب. و في جميع الاصول «ام».

(5) كذا في ا و ج. و في ب «بحبل».

(6) كذا في ا و ج. و في ب «ذلك».

51

الغرق رفع في ديباجتين فهو (1) فيهما الى يوم القيمة و استودع اللّه عز و جل الركن ابا قبيس قال و قال ابن عباس: كان ذهبا فرفع زمان الغرق و هو في السماء و قال ابن جريج قال جويبر: كان بمكة البيت المعمور فرفع زمان الغرق فهو في السماء* حدّثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان ابن ساج قال: اخبرني ابو سعيد عن مقاتل يرفع الحديث الى النبي (ص) في حديث حدث به ان آدم (عليه السلام) قال: اي رب اني اعرف شقوتي اني لا ارى شيئا من نورك يعبد فأنزل اللّه عز و جل عليه البيت المعمور على عرض هذا (2) البيت في موضعه من ياقوتة حمراء و لكن طوله كما بين السماء و الارض و امره ان يطوف به فاذهب اللّه عنه الغم الذي كان يجده قبل ذلك ثم رفع على عهد نوح (عليه السلام).

ذكر بناء ولد آدم البيت الحرام بعد موت آدم (عليه السلام)

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثنا جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه انه قال: لما رفعت الخيمة التي عزى اللّه بها آدم من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت و مات آدم (عليه السلام) فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين و الحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه هم و من بعدهم حتى كان زمن نوح (عليه السلام) فنسفه الغرق و غير مكانه حتى بوى‏ء لابراهيم (عليه السلام).

____________

(1) كذا في ا و ج. و في ب «و هو».

(2) كذا في ب. و في جميع الاصول «هذا» ساقطة.

52

ما جاء في طواف سفينة نوح (عليه السلام) زمن الغرق بالبيت الحرام‏

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثنا مهدي بن ابي المهدي قال: حدثنا بشر ابن السرى البصري عن داود بن ابي الفرات الكندي عن علباء بن احمر اليشكري عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم اهلوهم و انهم كانوا اقاموا (1) في السفينة مائة و خمسين يوما و ان اللّه تعالى وجه السفينة الى مكة فدارت بالبيت اربعين يوما ثم وجهها اللّه تعالى الى الجودى قال‏ (2) فاستقرت عليه فبعث نوح (عليه السلام) الغراب ليأتيه بخبر الارض فذهب فوقع على الجيف و أبطأ عنه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون و لطخت رجليها بالطين فعرف نوح ان الماء قد نضب فهبط الى اسفل الجودي فابتنى قرية و سماها ثمانين فاصبحوا ذات يوم و قد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة احداها العربية (3) قال: فكان لا يفقه بعضهم عن بعض و كان نوح (عليه السلام) يعبر (4) عنهم.

أمر الكعبة بين نوح و إبراهيم (عليهما السلام)

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد انه قال‏ (5) كان موضع الكعبة قد خفي و درس في زمن الغرق‏ (6)

____________

(1) كذا في ب. و في جميع الاصول «اقاموه» ساقطة.

(2) كذا في ب. و في جميع الاصول «قال» ساقطة.

(3) كذا في ا، ج. و في ب «العربي».

(4) كذا في ب، ج. و في أ «يغير».

(5) كذا في ا، ج. و في ب «قال» ساقطة.

(6) كذا في ب. و في ا، ج «من الغرق». و في الاعلام «زمن الطوفان».

53

فيما بين نوح و ابراهيم (عليهما السلام) قال: و كان موضعه اكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول غير ان الناس يعلمون ان موضع البيت فيما هنالك و لا يثبت موضعه‏ (1) و كان يأتيه المظلوم و المتعوذ (2) من اقطار الارض و يدعو عنده المكروب فقل من دعا هنالك‏ (3) الا استجيب له. و كان الناس يحجون الى موضع‏ (4) البيت حتى بوأ اللّه مكانه لابراهيم (عليه السلام) لما اراد من عمارة بيته و اظهار دينه و شرايعه‏ (5) فلم يزل منذ اهبط اللّه آدم (عليه السلام) الى الارض معظما محرما بيته تتناسخه الامم‏ (6) و الملل امة بعد امة و ملة بعد ملة قال: و قد كانت الملائكة تحجه قبل آدم (عليه السلام)*

ما ذكر من تخير إبراهيم (عليه السلام) موضع البيت الحرام من الأرض‏

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: بلغني و اللّه اعلم ان ابراهيم خليل اللّه تعالى عرج به الى السماء فنظر الى الارض مشارقها و مغاربها فاختار موضع الكعبة فقالت له الملائكة:

يا خليل اللّه اخترت حرم اللّه تعالى في الارض قال: فبناه من حجارة سبعة اجبل قال: و يقولون خمسة و كانت الملائكة تأتي بالحجارة الى ابراهيم من تلك الجبال*

____________

(1) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «من غير تعيين محله».

(2) كذا في جميع الأصول و في ب «المبعود».

(3) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «و ما دعى عنده احد».

(4) كذا في جميع الأصول. و في ب «الى مكة الى موضع».

(5) كذا في جميع الأصول. و في ب «شعائره».

(6) كذا في جميع الأصول. و في الاعلام «محترما بيته عند الامم- الخ».

54

باب ما جاء في إسكان إبراهيم إبنه إسماعيل و أمه هاجر في بدء أمره عند البيت الحرام كيف كان‏

حدّثنا ابو الوليد قال: حدثني جدي قال حدثني سعيد بن سالم عن عثمان ابن ساج قال اخبرني محمد بن اسحاق قال حدثنا ابن ابي نجيح عن مجاهد ان اللّه تعالى لما بوأ لابراهيم مكان البيت خرج اليه من الشام و خرج معه ابنه‏ (1) اسماعيل و أمه هاجر، و اسماعيل طفل يرضع و حملوا فيما يحدثني على البراق، قال عثمان بن ساج: و حدثنا عن الحسن البصري انه كان يقول في صفة البراق عن النبي (ص) قال: انه اتاني جبريل بدابة بين الحمار و البغل، لها جناحان في فخذيها تحفزانها تضع حافرها في منتهى طرفها، قال عثمان: قال محمد بن اسحاق: و معه جبريل (عليه السلام) يدله على موضع البيت و معالم الحرم قال: فخرج و خرج معه لا يمر ابراهيم بقرية من القرايا الا قال: يا جبريل أ بهذا امرت؟ فيقول له جبريل (عليه السلام):

امضه حتى قدم مكة و هي اذ ذاك عضاه من سلم و سمر و بها ناس يقال لهم العماليق خارجا من مكة فيما حولها، و البيت يومئذ ربوة حمراء مدرة.

فقال ابراهيم لجبريل: أهاهنا امرت ان اضعهما؟ قال: نعم! قال:

فعمد بهما الى موضع الحجر فأنزلهما فيه و امر هاجر ام اسماعيل ان‏ (2) تتخذ فيه عريشا ثم قال: ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع الآية ثم انصرف الى الشام و تركهما عند البيت الحرام، و حدّثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلب ابن ابي و داعة السهمي عن سعيد بن جبير قال حدثنا عبد اللّه بن عباس انه حين كان بين ام اسماعيل بن ابراهيم و بين سارة امرأة ابراهيم ما كان اقبل ابراهيم‏

____________

(1) كذا في جميع الاصول. و في ب «بابنه».

(2) كذا في جميع الاصول. و في ب «ان» ساقطة.