الدارس في تاريخ المدارس‏ - ج2

- عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي المزيد...
343 /
3

[الجزء الثاني‏]

فصل المدارس المالكية

140- الزاوية المالكية

قال عز الدين (رحمه اللّه تعالى): الزاوية بالجامع واقفها السلطان الملك الناصر صلاح الدين (رحمه اللّه تعالى)، ملاصق المقصورة الحنفية من غربي الجامع بدمشق انتهى. و قد مرت ترجمة السلطان هذا في المدرسة الصلاحية الشافعية باختصار. ثم قال عز الدين (رحمه اللّه تعالى) (بعد أن أخلى بياضا): ثم درس بها الشيخ جمال الدين أبو عمرو عثمان، ثم بعده الشيخ زين الدين الزواوي، ثم بعده جمال الدين أبو يعقوب يوسف الزواوي، و هو مستمر بها إلى الآن انتهى. قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه سنة ست و أربعين و ستمائة: الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري العلامة أبو عمرو ابن الحاجب، كان أبوه حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي، و اشتغل هو بالعلم فقرأ القراآت و حرر النحو تحريرا بليغا، و تفقه و ساد أهل عصره، و كان رأسا في علوم كثيرة، منها الأصول و الفروع و العربية و النحو و التصريف و العروض و التفسير و غير ذلك، و كان قد استوطن دمشق في سنة سبع عشرة و ستمائة و درس بها للمالكية بالجمامع حتى كان خروجه صحبة الشيخ عز الدين بن عبد السلام (رحمه اللّه تعالى) في سنة ثمان و ثلاثين، فسار إلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو عثمان (رحمه اللّه تعالى) في هذه السنة بالاسكندرية، و دفن بالمقبرة التي بين المنارة و البلد. قال الشيخ أبو شامة (رحمه اللّه تعالى): و كان من أذكى الأئمة قريحة، و كان ثقة حجة متواضعا عفيفا كثير الحياء منصفا محبا للعلم و أهله ناشرا له، محتملا للأذى صبورا على البلوى، قدم دمشق مرارا

4

آخرها سنة سبع عشرة، فأقام بها مدرسا للمالكية و شيخا للمستفدين عليه، و قد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، و ذكر أنه جاء في أداء شهادة حين كان ابن خلكان نائبا في الحكم بمصر فسأله عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط كما إذا قال إن أكلت إن شربت فأنت طالق لم كان لا يقع الطلاق حين يشرب أولا؟

و أذكر أنه أجاب عن ذلك في تؤدة و سكون. قلت: له مختصر في الفقه من أحسن المختصرات، انتظم فيه جواهر ابن شاس‏ (1)، و له مختصر في أصول الفقه استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الآمدي، و قد منّ اللّه سبحانه و تعالى علي بحفظه و جمعت كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية و للّه الحمد و المنة، و له شرح المفصل و الأمالي و المقدمة المشهورة في النحو، اختصر فيها مفصل الزمخشري و شرحها، و قد شرحها غيره أيضا، و له التصريف و شرحه، و له في العروض قصيدة على وزن الشاطبية انتهى. و قال في سنة اربع و اربعين و ستمائة: و الضياء عبد الرحمن بن عبد اللّه العمادي المالكي الذي ولي وظائف الشيخ أبي عمرو ابن الحاجب حين خرج من دمشق سنة ثمان و ثلاثين و جلس في حلقته و درس مكانه بزاوية المالكية انتهى. و قال في سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة: القاضي جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن عبد السلام بن عمر الزواوي قاضي المالكية و مدرسهم بعد القاضي زين الدين الزواوي الذي عزل نفسه، و كان ينوب عنه فاستقل في الحكم بعده، توفي (رحمه اللّه تعالى) في الخامس من ذي القعدة و هو في طريق الحجاز، و كان عالما فاضلا قليل التكلف و التكليف، و قد شغر المنصب بعده ثلاث سنين، و درس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشريشي، و بعده أبو إسحاق اللوري، و بعده مجد الدين أبو بكر التونسي، ثم لما وصل القاضي جمال الدين سليمان‏ (2) حاكما درس بالمدارس و اللّه سبحانه و تعالى أعلم. و أما محراب المالكية بالجامع المذكور فقد أم به جماعات.

قال الأسدي في تاريخه (رحمه اللّه تعالى) في سنة ست عشرة و ستمائة: علي بن‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 69.

(2) شذرات الذهب 6: 107.

5

علوش بن عبد اللّه المغربي برهان الدين امام المالكية بدمشق، قال أبو شامة (رحمه اللّه تعالى): كان عالما بالأصول و الفروع و العربية، روي شيئا من مراثي المغاربة، و روى عنه الشهاب القوصي و غيره، توفي (رحمه اللّه تعالى) في شعبان و دفن بسفح قاسيون انتهى. و قال (رحمه اللّه تعالى) في سنة خمس و عشرين و ستمائة: علي الشيخ الفقيه الصالح ابو الحسن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية توفي (رحمه اللّه تعالى) في شهر رجب، و قال ابو شامة (رحمه اللّه تعالى): و دفن بالمقبرة التي وقفها الرئيس خليل زويزان‏ (1) قبليّ مقابر الصوفية و كان أول من دفن بها، و أم بمحراب المالكية انتهى. و قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): في سنة اثنتين و سبعمائة و في ذي الحجة باشر الشيخ ابو الوليد بن الحاج الاشبيلي المالكي امامة محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصنهاجي انتهى. و قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في العبر سنة ثمان عشرة و سبعمائة: و مات بدمشق الامام الكبير أبو الوليد محمد بن أبي القاسم احمد بن القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التجيبي القرطبي إمام محراب المالكية و ولي امامته، في شهر رجب و له ثمانون سنة، كان من العلماء العاملين، و من بيت قضاء و جلالة، حدثنا عن الفخر ابن البخاري انتهى. و قال السيد الحسيني (رحمه اللّه تعالى) في سنة ثلاث و اربعين و سبعمائة: و مات (رحمه اللّه تعالى) بظاهر دمشق الامام الزاهد المفتي عبد اللّه بن أبي الوليد المالكي امام محراب المالكية بالجامع الأموي حدث عن ابن البخاري انتهى. و قال (رحمه اللّه تعالى): في سنة خمس و أربعين و سبعمائة مات الإمام المفتي الكبير الزاهد ابو عمرو أحمد بن أبي الوليد محمد بن أبي جعفر أحمد بن قاضي الجماعة ابي الوليد محمد الاشبيلي ثم الدمشقي المالكي، ولد بغرناطة سنة اثنتين و سبعين، ثم قدم دمشق فسمع ابن البخاري و ابن مؤمن و الفاروثي و غيرهم، حدث عنه الذهبي، و ام بمحراب المالكية بالجمامع توفي (رحمه اللّه تعالى) في ثاني شهر رمضان، و كان يخطب انتهى. و قال تقي الدين الأسدي (رحمه اللّه تعالى) في الذيل: في سنة سبع و عشرين و ثمانمائة في شهر ربيع الأول الشيخ شمس الدين‏

____________

(1) ابن كثير 13: 140.

6

محمد بن شهاب الدين احمد المعروف بابن أخي الشاذلي، كان القاضي برهان الدين الشاذلي متزوجا بأخته و كان هذا قوي النفس به، و كان بيده مباشرات في الأسرى و غيرها، ثم انه كبر و ضعف و ابتلى بامراض مزمنة و افتقر، و قوة النفس و التصميم لم تزل، و حج مرات، و جاور، و ولي امامة المالكية بالجامع الأموي، و لم يكن يعرف شيئا من العلم، و إنما كان مباشرا، توفي بالصالحية ليلة الجمعة مستهل الشهر و قد جاوز التسعين أو السبعين فيما يظهر، و ولي الامامة بعده شهاب الدين الأموي المالكي (رحمه اللّه تعالى) انتهى.

141- المدرسة الشرابيشية

بدرب الشعارين لصيق حمام صالح، شمالي الطيوريين، داخل باب الجابية، قال القاضي عز الدين (رحمه اللّه تعالى): المدرسة المعروفة بنور الدولة علي الشرابيشي بدرب الشعارين انتهى. و رأيت بخط الحافظ البرزالي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة و في يوم الخميس الرابع و العشرين من صفر توفي شهاب الدين أحمد بن نور الدولة علي بن أبي المجد بن محاسن الشرابيشي التاجر السفار و دفن يوم الجمعة بالمكان الذي وقفه والده خارج الباب الصغير، قبالة جامع جراح، و كان له همة، و نهضة، و تودد إلى الناس انتهى. ثم قال عز الدين (رحمه اللّه تعالى) أول من ذكر بها الدرس تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالزواوي و هو مستمر بها إلى الآن انتهى، و قد مرت ترجمته في المدرسة قبلها، ثم درس بها الإمام صدر الدين البارزي شيخ الدنكزية بعد الذهبي و قد مرت ترجمته فيها في دور القرآن و الحديث.

142- المدرسة الصمصامية

بمحلة حجر الذهب شرقي دار القرآن الوجيهية و قبلي المسرورية الشافعية و شام الخاتونية العصمية الحنفية و قال ابن كثير في سنة سبع عشرة و سبعمائة: و في ذي القعدة يوم الأحد درس بالصمصامية التي تجددت للمالكية، و قد وقف عليها

7

الصاحب شمس الدين غبريال‏ (1) الأسمري درسا، و درس بها فقها و عين تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد النصير المالكي و حضر عنده القضاة و الأعيان، و ممن حضر عنده الشيخ تقي الدين ابن تيمية (رحمه اللّه تعالى)، و كان يعرفه من الاسكندرية انتهى. قال البرزالي، و من خطه نقلت في تاريخه في سنة اربع و ثلاثين و سبعمائة: و في يوم الأربعاء ثاني عشر شوال وصل البريد من الديار المصرية إلى دمشق و أخبر بوفاة الصاحب شمس الدين غبريال‏ (2) (رحمه اللّه تعالى)، و كتب إليّ الشيخ ابو بكر الرحيبي أن وفاته في ليلة السبت ثامن شوال و دفن في تربة قراسنقر خارج باب النصر، و كان قد أخذ منه الفا ألف درهم، و ذكره شمس الدين بن الجزري (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه و قال: كان حسن التدبير، و رفع ضرب المقارع من الكتاب، و كان اسلامه في احدى و سبعمائة. أسلم هو و أمين الملك معا انتهى.

و قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في مختصر تاريخ الإسلام سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة: و في شعبان نكب الصالح شمس الدين غبريال المصري و صودر الى ان مات، و اخذ منه و من اولاده نحو الف الف درهم، و سلم من التشهير، فإنه آذى الناس في الزغل في الدينار البحشوري انتهى. ثم ذكر وفاته فيه في سنة اربع و ثلاثين و سبعمائة. و قال في ذيل العبر في سنة اثنتين و ثلاثين المذكورة: و نكب الصاحب شمس الدين غبريال بدمشق و صودر و زالت سعادته انتهى. ثم قال فيه في سنة اربع و ثلاثين و سبعمائة: و مات الصاحب شمس الدين غبريال المسلماني بمصر في عشر الثمانين، يقال إنه ادى الفي الف درهم و أهين و صودر اهله من بعده، و كان صدرا محتشما نبيها محبا للستر على الناس، قليل الشر و الأذى لو لا ما وقع في ايامه من زغل الذهب، و تأذي الناس من ذلك، و امتدت ايامه بدمشق في سعادة و تنعم، و كان يحب أصحاب ابن تيمية (رحمه اللّه تعالى) كثيرا و يذب عنهم انتهى.

____________

(1) ابن كثير 14: 174.

(2) ابن كثير 14: 174.

8

143- المدرسة الصلاحية

قال القاضي عز الدين (رحمه اللّه تعالى): مدرسة انشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ايوب، فاتح بيت المقدس (رحمه اللّه تعالى)، و هي بالقرب من البيمارستان النوري انتهى. و قد مرت ترجمة الملك الناصر هذا في المدرسة الصلاحية الشافعية. و وجدت بخط الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة الأسدي (رحمه اللّه تعالى) في تسمية مدارس المالكية، تسمية هذه المدرسة بالنورية، و تسمية المدرسة الزاوية المارة بالحلقة، ثم قال القاضي عز الدين: ذكر من علم من مدرسيها و ترك بياضا، ثم الشيخ جمال الدين المعروف بحمار المالكية، ثم من بعده جمال الدين عثمان بن الحاجب، ثم من بعده الشيخ زين الدين عبد السلام الزواوي، ثم أعطاها لزوج ابنته جمال الدين أبي يعقوب يوسف الزواوي، و هو مستمر بها إلى الآن انتهى. قلت: لعل الشيخ جمال الدين المذكور هو الامام يوسف الفندلاوي‏ (1). قال شيخنا (رحمه اللّه تعالى) في الكواكب الدرية في السيرة النورية (2) في سنة ثلاث و اربعين و خمسمائة: و فيها نزل الفرنج على دمشق إلى ان قال و كان صاحب دمشق آبق بن محمد بن بوري بن طغتكين و مدبر الأمور انر و الحكم له و ليس لآبق الملقب بمجير الدين منه شي‏ء، فلما كان سادس عشر ربيع الأول لم يشعر أهل دمشق إلا و ملك الألمان قد خيم على المزة و زحف على البلد بخيله و رجله، و كان معه نحو ستين الف راجل و عشرة آلاف فارس، إلى ان قال:

و خرج اليهم معين الدين و مجير الدين في مائة الف راجل سوى الفرسان في يوم السبت سادس شهر ربيع الاول و قاتلوا قتالا شديدا، و استشهد من المسلمين في هذا اليوم نحو مائتين، منهم الامام يوسف الفندلاوي شيخ المالكية، عند النيرب، قريب الربوة، و كذلك الزاهد عبد الرحمن الجلجولي، قتلا في مكان واحد، إلى أن قال: و ذكر الحافظ ابو القاسم ابن عساكر (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه ان الفقيه الفندلاوي رؤي في المنام فقيل له: أين أنت؟ قال: في جنات عدن على سرر متقابلين، و قبره الآن يزار بمقابر باب الصغير من ناحية حائط

____________

(1) شذرات الذهب 4: 136.

(2) ابن كثير 13: 322.

9

المصلى، و عليه بلاطة كبيرة منقورة فيها شرح حاله، قاله ابن الأثير (رحمه اللّه تعالى) انتهى. و أما جمال الدين بن الحاجب فقد مرت ترجمته في المدرسة الزاوية قريبا، و اما الشيخ زين الدين عبد السلام الزواوي (رحمه اللّه تعالى) فقال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه في سنة أربع و ستين و ستمائة: و فيها استجد بدمشق اربعة قضاة كما فعل بالعام الماضي بديار مصر، و فيها وردت الولايات لقضاء القضاة من المذاهب الأربعة، فصار كل مذهب فيه قاضي القضاة، فكان في منصب الشافعية شمس الدين احمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي (رحمه اللّه)، و صار على قضاء الحنفية شمس الدين عبد اللّه‏ (1) بن محمد بن عطاء، و للحنابلة شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر بن أحمد بن قدامة (رحمهم اللّه تعالى)، و للمالكية عبد السلام بن الزواوي، و قد امتنع من الولاية، فالزم بها حتى قبل، ثم عزل نفسه، ثم الزم بها فقبل بشرط ان لا يباشر اوقافا و لا يأخذ جامكية على الحكم، فأجيب إلى ذلك، و كذلك قاضي الحنابلة لم يأخذ على احكامه أجرا، و قال نحن في كفاية، فأعفي من ذلك أيضا (رحمهم اللّه تعالى) اجمعين، و قد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق الى مثله قد فعل في العام الماضي بالديار المصرية أيضا و استقرت الأحوال على هذا المنوال و للّه الحمد و المنة انتهى.

و قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) أيضا في سنة احدى و ثمانين و ستمائة: القاضي الامام العلامة شيخ القراء زين الدين أبو محمد عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي المالكي قاضي القضاة المالكية بدمشق، و هو أول من باشر القضاء بها و عزل نفسه عنه تورعا و زهادة، و استمر بلا ولاية ثماني سنين ثم كانت وفاته (رحمه اللّه تعالى) ليلة الثلاثاء من شهر رجب منها عن ثلاث و ثمانين سنة، و قد سمع الحديث و اشتغل على السخاوي و ابن الحاجب (رحمهم اللّه تعالى) انتهى. و اما زوج ابنة قاضي القضاة المالكية جمال الدين يوسف الزواوي بعده فقد مرت ترجمته في المدرسة الزواوية.

و قال الذهبي في العبر في سنة سبع عشرة و سبعمائة: و مات بدمشق قاضي‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 340.

10

المالكية المعمر جمال الدين محمد بن سليمان ابن سوير الزواوي عن بضع و ثمانين سنة و بقي قاضيا ثلاثين سنة و اصابه فالج سنوات ثم عجز، فجاء على منصبه قبل موته بعشرين يوما العلامة فخر الدين احمد بن سلامة الاسكندراني‏ (1)، و ثنا الزواوي عن الشرف المرسي و ابن عبد السلام انتهى.

و قال تلميذه ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه في سنة اربع و سبعمائة: و في يوم الخميس الثاني و العشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين بن الزواوي بقتل شمس الدين محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي‏ (2)، و اراقة دمه و ان تاب و ان اسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور، و كان ممن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي فهرب الباجربقي‏ (3) إلى بلاد الشرق، فمكث بها مدة سنين، ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور كما سيأتي انتهى.

و قال في سنة ست و سبعمائة: و في سابع عشر شهر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد بن الباجربقي و احضر عنده محضرا بعداوة بينه و بين الشهود الست الذين شهدوا عليه عند المالكي حين حكم باراقة دمه، و ممن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام‏ (4)، و زين الدين ابن الشريف عدنان و قطب الدين ابن شيخ السلامية (5) انتهى. و قال في سنة خمس عشرة و سبعمائة و في ثامن شوال قتل احمد الزويني شهد عليه بالعظائم من ترك الواجبات و استحلال المحرمات و تنقصه و استهانته بالكتاب و السنة، فحكم المالكي باراقة دمه و ان اسلم، فاعتقل ثم قتل انتهى. و قال في سنة سبع عشرة: و في يوم السبت ثالث عشرين شهر ربيع الآخر قدم قاضي المالكية إلى الشام من مصر و هو الامام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن أحمد بن سلامة

____________

(1) شذرات الذهب 6: 47.

(2) شذرات الذهب 6: 47.

(3) شذرات الذهب 6: 64.

(4) ابن كثير 14: 58.

(5) شذرات الذهب 6: 103.

11

الاسكندري المالكي، على قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي لضعفه و اشتداد مرضه، فالتقاه القضاة و الاعيان، و قرى‏ء تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله، و هو مؤرخ بثاني عشر الشهر، و قدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي و درس بالجامع في مستهل جمادى الأولى، و حضر عنده الأعيان و شكرت فضائله و علومه و صرامته و نزاهته و ديانته، و بعد ذلك بتسعة أيام توفي الزواوي المعزول (رحمه اللّه تعالى)، و قد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة انتهى.

و هذه ترجمته (رحمه اللّه تعالى): قاضي القضاة جمال الدين ابو عبد اللّه محمد ابن الشيخ سليمان بن يوسف الزواوي قاضي القضاة المالكية بدمشق من سنة سبع و ثمانين و ستمائة قدم مصر من المغرب، و اشتغل بها و أخذ عن مشايخها منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم قدم دمشق قاضيا في سنة تسع و ثمانين و ستمائة، و كان مولده في سنة تسع و عشرين و ستمائة، و اقام شعار مذهب مالك رضي اللّه تعالى عنه، و عمر الصمصامية في ايامه، و جدد عمارة النورية، و حدث بصحيح مسلم و موطإ مالك رضي اللّه تعالى عنه رواية يحيى بن يحيى عن مالك، و كتاب الشفاء للقاضي عياض (رحمه اللّه تعالى)، و عزل قبل وفاته بعشرين يوما عن القضاء، و هذا من خيره بحيث لم يمت قاضيا (رحمه اللّه تعالى) توفي بالمدرسة الصمصامية يوم الخميس التاسع في جمادى الأولى او الآخرة، و صلي عليه بعد الجمعة، و دفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج، و حضر جنازته خلق كثير و اثنوا عليه خيرا و قد جاوز الثمانين (رحمه اللّه تعالى) و لم يبلغ إلى سبع عشرة من عمره على مقتضى مذهبه أيضا انتهى. بعد ان قال في سنة سبع و ثمانين و ستمائة:

و في عاشر جمادى الأولى قدم من الديار المصرية قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، و الصاحب تقي الدين توبة التكريتي، و قاضي القضاة جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي المالكي على قضاء المالكية بعد شغور دمشق عن حاكم مالكي ثلاث سنين و نصفا، فأقام شعار المنصب و نشر المذهب و كان له سؤدد و رياسة انتهى.

و قال الذهبي في سنة ثمان عشرة و سبعمائة: و مات في ذي القعدة بدمشق قاضي القضاة المالكية العلامة الأصولي البارع فخر الدين احمد بن سلامة بن احمد بن‏

12

محمد الاسكندري عن سبع و خمسين سنة، و كان حميد السيرة بصيرا بالعلم محتشما انتهى. و قال تلميذه ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في السنة المذكورة: قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين ابي العباس أحمد بن سلامة الاسكندري المالكي، ولد سنة احدى و سبعين و ستمائة، و برع في علوم كثيرة، و ولي نيابة الحكم في الاسكندرية فحمدت سيرته و ديانته و صرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشر احسن مباشرة سنة و نصفا إلى أن توفي بالصمصامية بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة، و دفن الى جانب الفندلاوي بباب الصغير، و حضر جنازته خلق كثير، و شكره الناس و اثنوا عليه (رحمه اللّه تعالى) انتهى.

و قال السيد (رحمه اللّه تعالى) في السنة المذكورة: و مات بدمشق قاضي المالكية العلامة الأصولي فخر الدين احمد بن سلامة بن احمد الاسكندري عن سبع و خمسين سنة، كان حميد السيرة بصيرا بالعلم محتشما انتهى. و قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى): في سنة تسع عشرة و سبعمائة قدم على قضاء المالكية شرف الدين محمد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني‏ (1) النويري و نائبه شمس الدين القفصي انتهى. و قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في السنة المذكورة:

و في بكرة يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد اللّه محمد بن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر ابن الشيخ زكي الدين ظافر الهمذاني المالكي على قضاء المالكية بالشام، عوضا عن ابن سلامة توفي (رحمه اللّه تعالى) فكان بينهما ستة اشتهر، و لكن تقليد هذا مؤرخ تاسع شهر ربيع الاول و لبس الخلعة، و قرى‏ء تقليده بالجامع انتهى. و قال السيد (رحمه اللّه تعالى) في ذيل العبر في السنة المذكورة: و قدم على قضاء المالكية شرف الدين محمد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني النويري و نائبه شمس الدين القفصي انتهى. و قال فيه في سنة ثمان و أربعين و سبعمائة:

و مات قاضي القضاة و شيخ الشيوخ شرف الدين أبو عبد اللّه محمد ابن قاضي‏

____________

(1) ابن كثير 14: 233.

13

القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني النويري المالكي في ثاني المحرم عن بضع و ثمانين سنة، و ولي بعده قضاء المالكية نائبه الامام جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسلاتي‏ (1) و مشيخة الشيوخ شيخنا علاء الدين علي بن محمود القونوي الحنفي الصوفي انتهى.

و قال فيه في سنة تسع و خمسين و سبعمائة: و في يوم الاربعاء ثاني شهر رمضان قدم شيخنا قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين العراقي من القاهرة على قضاء المالكية بدمشق عوضا عن القاضي جمال الدين المسلاتي انتهى، و قال في سنة ستين و سبعمائة: و في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول صرف قاضي القضاة شرف الدين العراقي عن قضاء المالكية بدمشق و أعيد قاضي القضاة جمال الدين ابن المسلاتي انتهى. و قال الأسدي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه في سنة سبع و ثمانمائة و في أول المحرم وصل توقيع بدر الدين حسن المالكي، فترك القاضي شرف الدين عيسى الحكم انتهى. و قال في شهر ربيع الأول منها: و وقع الاتفاق بين القاضيين المالكيين على أن القاضي عيسى و يكون حسن نائبه، فعزل حسن نفسه من الولاية التي وافته و استخلف الحنبلي القاضي عيسى، و اذن له في استنابة حسن فاستنابه و التزم بعد عزله، و حكم الحنبلي بلزوم ذلك، و هذا من جملة الغرائب التي جددت بهذه الأزمنة، فلما بلغ النائب ذلك أنكره و قال لا يكون أحدهما نائب الآخر، و عقد المجلس بسبب ذلك، و سئل النائب عن الأولى منهما فوقع الاتفاق على ترجيح القاضي عيسى فاستمر به، و منع الآخر من الحكم انتهى. ثم قال في سنة تسع و ثمانمائة و في شهر ربيع الاول عزل القاضي عيسى المالكي بالقاضي حسن الزرعي انتهى. ثم قال: و في ثامن عشر جمادى الآخرة منها أعيد القاضي شرف الدين المالكي الى قضاء المالكية انتهى. ثم قال: في أول سنة ست عشرة و ثمانمائة في جمادى الآخرة و في يوم السبت سابع عشريه ولي ناصر الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين المالكي من نوروز قضاء المالكية بدمشق عوضا عن شرف الدين عيسى، و كان قبل ذلك قاضي طرابلس، فجاء منها خوفا من‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 219.

14

نائبها بعد ما شوش عليه، و كان سي‏ء السيرة يتهتك في الرشوة، و قد ولي قديما قضاء حماة و حلب المحروسة، و جلس للحكم بالمدرسة الظاهرية الجوانية انتهى، ثم قال: أول سنة سبع عشرة و ثمانمائة، و قاضي القضاة ناصر الدين ابن القاضي سري الدين المالكي، ولي في جمادى الآخرة من نوروز عوضا عن القاضي شرف الدين العامري، إلا أنه قدم السلطان فأعيد القاضي شرف الدين في جمادى الأولى منها انتهى. ثم قال: في جمادى هذه و في يوم الجمعة ثانيه صلى السلطان بالجامع الأموي على العادة، و بلغني انه أذن للقاضي شرف الدين المالكي في الحكم، و لم يلبس لأجل الكلفة انتهى. ثم قال: في سنة احدى و عشرين و قاضي القضاة شرف الدين العامري المالكي، وصل الخبر الى دمشق بعزله بالقاضي شهاب الدين الاموي في جمادى الاولى منها، ثم قال فيه منها: و في يوم الجمعة تاسع عشرة بلغني ان كتاب القاضي المالكي الاموي وصل الى القاضي محيي الدين المالكي أن يباشر عنه الى ان يقدم فباشر انتهى. ثم قال في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة منها: و يومئذ وصل القاضي شهاب الدين المالكي الأموي و لبس من عند النائب من الغد و قري‏ء توقيعه بالجامع بحضرة القضاة و هو مؤرخ بسابع شهر ربيع الاول انتهى. ثم قال في أول سنة اثنتين و عشرين و ثمانمائة: و قاضي القضاة شهاب الدين الاموي ولي في جمادى الأولى من السنة الماضية، ثم عزل بالقاضي شرف الدين العامري في شهر رمضان انتهى. ثم قال في شهر رمضان منها: و في يوم الجمعة ثالث عشريه بعد الصلاة لبس القاضي شرف الدين العامري المالكي خلعة القضاة عوضا عن القاضي شهاب الدين الاموي ببيت الحاجب، ثم جاء الى الجامع و معه كاتب السر و القاضي الحنبلي و الحاجب ابن الخطاب، و كان القاضي الشافعي في الجامع. و اجتمع بعض الفقهاء عند محراب المالكية و ادعى عنده دعوة، و قرأ القرآن ثم قاموا و لم يقرأ له توقيع، ثم ذهبوا معه إلى بيته انتهى. ثم قال في أول سنة أربع و عشرين و ثمانمائة: و قاضي القضاة شرف الدين العامري المالكي عزل في جمادى الاولى منها بالقاضي شهاب الدين الأموي انتهى، ثم قال في جمادى الاولى هذه: و في يوم الخميس سادس عشرة خلع على القاضي شهاب الدين الاموي المالكي بعوده إلى القضاء عوضا عن القاضي شرف‏

15

الدين العامري المالكي انتهى، ثم قال في أول سنة ست و ثلاثين و ثمانمائة و في شهر ربيع الاول: قاضي القضاة شهاب الدين الاموي كان توفي في صفر، استقر عوضه في هذا الشهر القاضي محيي الدين اليحيائي انتهى. ثم قال في أول سنة اثنتين و اربعين و ثمانمائة: و قاضي القضاة المالكي محيي الدين اليحيائي توفي في ذي القعدة منها و استقر عوضه القاضي علاء الدين الناسخ انتهى. ثم قال في أول سنة ثلاث و اربعين و ثمانمائة و قاضي القضاة علاء الدين الناسخ في ذي القعدة ولي من السنة الخالية، ثم في صفر استناب برهان الدين ابن بنت الأموي و سافر إلى حلب المحروسة فعزل في شهر ربيع الآخر من السنة بسالم الزواوي انتهى. ثم قال في جمادى الأولى منها و في يوم الجمعة سابع عشرة وصل توقيع القاضي سالم المغربي بقضاء المالكية، و هذا الرجل كان قد ورد من سنين، و التف على محيي الدين، و كان قد أسره الفرنج و خلص و جلس في سوق برا و اتجر و هو خامل جدا لا يحسن كلام الناس، غير انه يعرف الفروع على مذهب مالك رضي اللّه تعالى عنه، و هو رجل جيد انتهى. ثم قال في أول سنة خمس و اربعين و ثمانمائة، و قاضي القضاة زين الدين سالم الزواوي المالكي عزل في صفر منها بالقاضي شهاب الدين التلمساني، و وصل دمشق في أول شهر ربيع الأول منها ثم عزل في شوال و اعيد الذي كان قبله، ثم في مستهل ذي الحجة منها دخل القاضي أمين الدين سالم المالكي من القدس الشريف عائدا الى وظيفته قضاء المالكية، و بعد يومين سافر خصمه إلى مصر، و كان قد أرسل من جهته يطلب له الحضور فأجيب إلى ذلك قيل ليتولى قضاء الاسكندرية عوضا عن قاضيها المتوفى انتهى. ثم قال في سنة ست و أربعين و ثمانمائة في المحرم منها تاسع عشرة: بلغني ان الشهاب التلمساني المالكي ارسل حافيا إلى الاسكندرية، و سر الناس ببعده لما فيه من الحماقة و قلة المعرفة انتهى. ثم قال في سنة سبع و اربعين و ثمانمائة: و قاضي القضاة سالم التونسي المالكي جاء الخبر انه عزل في جمادى الأولى منها بشخص من مصر، ثم انتقض هذا و استمر سالم، ثم عزل بسبب ما نسب اليه من الحكم باستمرار صغار اولاد سامري اسلم جدهم على الكفر، و ولي شخص يقال له ابو القاسم التويري اصله من غزة، قيل انه يعرف غريمه و انه استمر بدمشق مدة، ثم ولي‏

16

قضاء القدس و حصل له شر كثير حتى جاء به الأمير أركماس الجلباني و شاله على رجليه و أراد ضربه فشفع فيه، ثم توجه إلى مصر فأقام بها، و في جمادى الآخرة منها في خامس عشرة قيل انه و صل كتاب اعادة القاضي سالم المالكي إلى وظيفة القضاء، و سر الناس بذلك كراهية بالذي كان قد تولى انتهى. ثم قال في سنة خمسين و ثمانمائة: و قاضي القضاة أمين الدين سالم التونسي المالكي أعيد في شوال سنة خمس و أربعين و استمر إلى ان عزل في آخر شعبان منها، و استقر عوضه القاضي ابن عامر المصري المالكي، و في آخر يوم من الشهر طلب القاضي المالكي إلى النائب، فلما حضر أعلمه أنه عزل، و كان سبب ذلك انه اثبت للنائب شيئا بالخطوط في تركة للسلطان فيها استحقاق، فغضب السلطان من ذلك و ارسل بعزله انتهى. ثم قال في اول سنة احدى و خمسين و ثمانمائة: و قاضي القضاة ابن عامر المصري المالكي، ولي في ذي القعدة من السنة الخالية، و قدم إلى دمشق في ذي الحجة انتهى. ثم ولي بعده شهاب الدين التلمساني المغربي، و دخل إلى دمشق في ذي القعدة سنة اثنتين و خمسين و ثمانمائة إلى ان عزل بسبب الوقوع بينه و بين الحاجب الثاني، و هو ان شهاب الدين طلب غريما عند الحاجب المذكور فامتنع من إرساله إليه فطلب الحاجب المذكور، فلما حضر اليه المذكور أهانه و اخرق فيه، فتعصب الامراء و كتبوا إلى مصر، فورد مرسوم بأن القضاة لا يطلبون أحدا من عند حكام السياسة و لا يحكمون في من سبقت دعواه اليهم، و كذلك حكام السياسة لا يأخذون احدا من مجالس الشرع الشريف و لا يحكمون فيه، و نودي بذلك بدمشق في شوال منها. ثم حضر من مصر القاضي ابن عامر المالكي عوضه، و على يده مرسوم السلطان بأن حكام السياسة لا يأخذون من مجلس حكمه غريما و إن كان لأحد عنده محاكمة شرعية و خصمه عند السياسة يطلبه من عندهم و يعمل بينهما ما يقتضيه مذهبه الشريف، ثم اعيد شيخنا سالم إلى قضاء المالكية بدمشق و حكم باراقة دم ابن ابي الفتح في ثالث عشر شهر رمضان سنة اربع و خمسين، فلما قضى المصريون مرادهم بالحكم المذكور عزلوه في صفر سنة خمس و خمسين ثم استقر عوضه فيها شهاب الدين أحمد بن سعيد بن‏

17

عثمان بن محمد بن ابراهيم بن التلمساني، و وصل من مصر إلى دمشق في شهر ربيع الاول سنة ثمان و خمسين، ثم وصل تشريف له باستمراره في وظيفته، ثم في خامس عشر شوال سنة تسع و خمسين وصل من مصر تشريف قاضي القضاة سراج الدين الحمصي باستمراره في قضاء الشافعية بدمشق، و انفصال القاضي المالكي شهاب الدين التلمساني من قضاء المالكية بها، و استقرار القاضي زين الدين عبد الرحمن ابن محمد بن عثمان بن منيع السويدي‏ (1) المغربي المالكي، ثم في يوم الاثنين سابع ذى الحجة من سنة تسع المذكورة أعيد شهاب الدين التلمساني بعد أن بذل نحو خمسمائة دينار على ما قيل، و عزل زين الدين عبد الرحمن المذكور، ثم في يوم الثلاثاء ثاني شعبان سنة ستين وصل القاضي زين الدين عبد الرحمن المذكور من طرابلس و قد اعيد إلى قضاء المالكية بدمشق عوضا عن شهاب الدين المذكور و ألبس تشريفة بذلك في يوم الخميس تاسع عشر شعبان المذكور، و في يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة احدى و ستين و ثمانمائة اعيد القاضي شهاب الدين التلمساني الى قضاء المالكية بدمشق عوضا عن زين الدين السويدي و ألبس تشريفة بذلك، و في أوائل سنة اثنتين و ستين توفي القاضي عبد الرحمن السويدي المذكور، و في تاسع صفر سنة ثلاث و سبعين توفي شيخنا في رواية الحديث قاضي القضاة زين الدين و يقال امين الدين و علم الدين سالم بن ابراهيم بن عيسى الصنهاجي المغربي الدمشقي المالكي بالمدرسة الشرابيشية، مولده سنة سبع و سبعين و سبعمائة قرأت عليه من أول البخاري الى مناقب عمار رضي اللّه تعالى عنه و هو النصف منه و اجاز لي بذلك و بكل ما يجوز أو يصح له روايته و خطه عندي بذلك و دفن (رحمه اللّه تعالى) شرقي المقبرة الحميرية.

و في يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الأول سنة أربع و سبعين توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن سعيد بن عثمان بن محمد بن سعيد بن إبراهيم (رحمه اللّه تعالى). قال الأسدي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: أخذ القضاء بدمشق عن علم الدين سالم في صفر سنة خمس و أربعين انتهى، و دفن شمالي الذهبية شرقي‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 301.

18

الطريق بمقبرة باب الفراديس و قد قارب الثمانين ظنا مني (رحمه اللّه تعالى)، و كان قد عزل شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن بن عبد الوارث البكري المصري المالكي في سنة سبع أو ثمان و ستين، روى عنه موطأ الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه و صحيح مسلم و غيرهما، و سار في القضاء بحرمة وافرة و مراتب حافلة، حتى أن شيخنا قاضي القضاة جمال الدين الباعوني كان يتأيد به و يستعين، و استمر كذلك إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى) في يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع و سبعين المذكورة، ثم ولي بعده قاضي القضاة كمال الدين محمد بن أحمد العباسي الحموي ثم الدمشقي، و استمر إلى أن عزله وكيل السلطان البرهان النابلسي في جمادى الأولى سنة ثمانين. ثم ولي قضاء القضاة شهاب الدين أحمد بن المريني المغربي في يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى منها، و في يوم الجمعة عيد الأضحى بعد صلاتها بالأموي صلي على قاضي قضاة المالكية بدمشق شهاب الدين أحمد بن المريني، بكسر الميم و الراء المهملة المخففة بعدها ياء آخر الحروف ثم نون ثم ياء النسبة، من سنة ست و تسعين، أتى إلى دمشق بعد الستين و ثمانمائة فقيرا، له بعض اشتغال في العلم فاستعان به قاضي القضاة جمال الدين الباعوني في البيمارستان النوري فظهرت أمانته و ديانته، فكان السبب في ترقيته، فاشتغل في غضون ذلك بدمشق، و رافقته في الاشتغال على الشيخ علي حجي العجمي المقيم يومئذ بالمدرسة الشامية الجوانية مدة يسيرة، و هو إذ ذاك نائب الحكم لقاضي القضاة شهاب الدين التلمساني، ثم لقاضي القضاة محيي الدين بن عبد الوارث، و في سنة خمس و تسعين المذكورة صودر بولده، ثم في آخر سنة ست و تسعين المذكورة سافر إلى قسم الصرفند، و وقف المالكية، فتمرض ببلد القرعون، و توفي بعد الظهر يوم عرفة، و حمل منها إلى دمشق، و دخل به ليلة العيد من باب المدينة إلى منزله، و كانت جنازته مشهودة، و مشى فيها النائب إلى مقبرة باب الصغير، و دفن غربي جامع جراح بقربه، و هو في عشر الثمانين ظنا مني، و في شهر ربيع الأول سنة سبع و تسعين و ثمانمائة ورد كتاب من مصر إلى دمشق بأن وظيفة قضاء المالكية بدمشق‏

19

قد خرجت باسم الشمس الطولقي‏ (1)، التاجر في حانوت يومئذ بدمشق، و أن توقيعه أخذه الساعي له قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين بن الفرفور، الذي هو الآن بمصر، و هو السبب في ذلك، و في يوم الأحد سابع عشر جمادى الأولى دخل القاضي الشافعي المذكور إلى دمشق و في يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة منها تاسع عشرين آذار ألبس الطولقي التشريف بقضاء المالكية، و قرى‏ء توقيعه بالجامع على العادة، و تاريخه مستهل شهر ربيع الأول منها، و في يوم الاثنين سلخ ذي الحجة سنة تسع و تسعين قبض على قاضي المالكية الشمس الطولقي بمرسوم شريف من مصر على يد مملوك، و وضع بالقلعة محتفظا عليه، ثم سافروا به صبيحة يوم الاثنين سابع ذي الحجة منها، فمر علينا بمحلة مسجد الذبيان، راكبا فرسا، لابسا جبلة حمراء، و قدامه جماعة، و خلفه جماعة مماليك و بجانب فرسه ماشيا عن يمينه و عن شماله، و قد اصفر وجهه و تغير، ثم وليها قاضي القضاة شمس الدين محمد بن يوسف الأندلسي في أواخر سنة تسعمائة، و في يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى و تسعمائة و هو الثلاثون من أيار لبس بدمشق التشريف بقضاء المالكية، سعى له الشهاب بن المحوجب‏ (2) عند كاتب السر بمصر، و بلغني أنه استعان على ذلك بمكاتبة النائب له في ذلك، و اعتضد بعبد النبي‏ (3) في أموره، و سكن في شمالي المدرسة القيمرية شرقي الجامع الأموي، و سافر إلى الصرفند، ثم قدم ثامن عشر المحرم سنة اثنتين و تسعمائة، و في بكرة يوم الاثنين ثامن صفر منها و هو خامس عشر تشرين ثاني دخل من مصر إلى دمشق قاضي المالكية الشمس الطولقي الذي كان عزل عنها و استمر مدة بمصر، و تولاها عنه شمس الدين المذكور لشغورها مدة، و قرأ توقيعه بالجامع الأموي بهاء الدين الحجيني نائب الحنفي، و تاريخه خامس عشري المحرم، ثم فوض للشهاب أحمد ابن أخي شعيب، و في سلخ شهر رمضان منها

____________

(1) شذرات الذهب 8: 161.

(2) شذرات الذهب 8: 56.

(3) شذرات الذهب 8: 126.

20

أعيد قاضي المالكية شمس الدين محمد بن يوسف الأندلسي، و لبس التشريف، و عزل الطولقي ما كان، و في هذه الأيام أوقع بابن أخي شعيب تنكيلا بالغا، و في يوم الثلاثاء عشرين شهر رجب سنة ثلاث و تسعمائة شاع بدمشق عزل قاضي القضاة المالكية شمس الدين محمد بن يوسف و إعادة شمس الدين الطولقي و كان الطولقي حينئذ بحلب المحروسة، ذهب مع نائب الشام كرتباي و لم يمتنع الشمس ابن يوسف من الحكم اعتمادا على ان النائب كرتباي صديقه، فإن الأمور الشامية حينئذ مرجعها إليه كما أخبر هو أنه يولي من يختار و يعزل من يختار. و في يوم الثلاثاء حادي عشرين شعبان منها ورد مرسوم النائب كرتباي من حلب المحروسة بأن ابن يوسف مستمر على عادته يحكم و أنه لا يلتفت إلى غير ذلك، و في يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان منها وصل من حلب المحروسة إلى دمشق بغتة قاضي المالكية بها و صح عزل الأندلسي في ثاني شهر رجب حسب مرسوم السلطان الناصري و أنكر على الأندلسي استمراره في الحكم في الأيام الماضية بإشارة النائب كرتباي. و في يوم الخميس اول أو ثاني ذي الحجة سنة أربع و تسعمائة شاع بدمشق عزل الشمس الطولقي من قضاء المالكية، و أن ابن يوسف أعيد إليها و هو الآن بمصر قد سافر إليها من شهور، و لم يمتنع الطولقي من الحكم ليراجع له النائب جلبان، فلما عزل صرح قاضي الشافعية ابن الفرفور بعزله، و عزم الطولقي على السفر إلى الديار المصرية صحبة النائب المعزول عن دمشق. و في يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة خمس و تسعمائة سافر صحبة النائب المذكور إلى مصر، ثم أتى القاضي الجديد ابن يوسف و ذهب لملاقاة النائب قصروه الآتي من حلب المحروسة، و في يوم الاثنين حادي عشر صفر منها ألبس ابن يوسف خلعته التي جاءت معه من مصر و في ثالث شهر ربيع الأول سنة ست و تسعمائة شاع بدمشق ان السلطان الجديد جان بولاد (1) أعاد الطولقي إلى القضاء بدمشق و هو من العجب فإن نائبها قصروه المذكور لا يعد المولى سلطانا و قد أخذ منه غالب البلاد الشامية، فالسلطان مزلل حينئذ، ثم في يوم الخميس رابع‏

____________

(1) شذرات الذهب 8: 28.

21

جمادى الأولى سنة ست و تسعمائة دخل الدوادار الكبير بمصر طومان باي دمشق، و دخل صحبته من مصر قاضي المالكية شمس الدين الطولقي و قد خلع عليه بخلعة حافلة، ثم لما تسلطن طومان باي بدمشق و جلس على الكرسي دخل القضاة عليه يوم السبت ثاني جمادى الأولى المذكور دخل معهم الشمس بن يوسف الأندلسي المعزول عن قضاء المالكية و سلموا عليه، فلما فرغوا و قاموا أمر الطولقي الذي أتى معه من مصر بالتزام بيته و إعادة الأندلسي المذكور مكانه، ثم خرج لوداع السلطان المذكور الراجع إلى مصر، و في يوم الأربعاء سادس شعبان منها ورد الخبر من مصر إلى دمشق بعزل الشمس بن يوسف عن قضاء المالكية و إعادة الشمس الطولقي بتاريخ خامس عشرين شهر رجب منها، و في أثناء شعبان منها سافر الشمس الأندلسي المعزول إلى مصر ليسعى في عزل غريمه الطولقي، و في يوم الأحد ثالث عشري رمضان سنة ست و تسعمائة المذكورة شاع بدمشق ان ابن يوسف الذي كان قد عزل من قضاء المالكية في خامس عشرين شهر رجب منها بالطولقي، قد أعيد إليها و عزل الطولقي منها و ذلك في تاسع عشر شهر رمضان المذكور، و انه لم يعط للسلطان طومان باي شيئا غير الفاتحة قرأها بعجلة و سرعة على قاعدة قراءة المغاربة، و أن السلطان قال لكاتب السر ابن آجا: و مختصر الفاتحة أيضا؟ و أنه أرسل ليستناب في الحكم عن الشهاب الطرابلسي، و أنه تصالح مع عبد النبي الذي كان سافر للشكوى عليه، و في بكرة يوم الخميس ثاني ذي الحجة منها دخل من مصر إلى دمشق قاضي المالكية بها الشمس بن يوسف الأندلسي المذكور و معه خلعة لقاضي الشافعية ابن الفرفور، و تلقاه نائب الغيبة جان بولاد و الحاجب الكبير الفاجر إلى تربة تنم الحسيني بميدان الحصى قبل طلوع الشمس بساعة و قد مر أنه تولاها يوم تاسع عشر شهر رمضان منها، و في يوم الأربعاء مستهل شعبان سنة سبع و تسعمائة سافر قاضي المالكية ابن يوسف إلى مصر، و في أيام تشريفها أتى الشمس الطولقي المعزول الذي كان بمصر إلى دمشق و أخبر أنه اصطلح مع خصمه الشمس الأندلسي، و أنه ولاه نائبا له، فلم يمكن من الحكم لكونه ولاه في غير ولايته فولاه القاضي‏

22

الشافعي عنه و استمر هو بمصر، و في اثناء شوال سنة تسع و تسعمائة وردت الأخبار من مصر بعزل الطولقي المذكور و منعه من الحكم، و ان محمد بن يوسف فقد و لم بعلم اين هو، و اشتهر بدمشق أنه غرق، و بعضهم يقول خنق، و الطولقي إنما كان قد اذن له الشافعي في الحكم بدمشق، ثم سافر الطولقي إلى مصر، و في يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة عشر و تسعمائة دخل من مصر إلى دمشق الطولقي و قد أعيد إليها، و في ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة و تسعمائة تولى خير الدين أبو الخير محمد بن عبد القادر بن جبريل الغزي‏ (1) و هو بغزة، و عزل الشمس الطولقي، و في يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى و هو عشرون تشرين الأول دخل من غزة إلى دمشق قاضي المالكية الجديد خير الدين و معه خلعة إلى دار العدل، ثم ألبسه النائب أركماس الخلعة ثم ركب و دخل الجامع، و قرى‏ء توقيعه و تاريخه ثامن عشر شهر ربيع الأول كما تقدم.

____________

(1) شذرات الذهب 8: 160.

23

فصل مدارس الحنابلة

144- المدرسة الجوزية

قال عز الدين (رحمه اللّه تعالى): هي بسوق القمح بالقرب من الجامع، أنشأها محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (رحمه اللّه تعالى) و رحمنا به بعد الثلاثين في أيام الملك الصالح عماد الدين انتهى. و قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه فيمن مات سنة ست و خمسين و ستمائة: و محيي الدين بن الجوزي الصاحب العلامة سفير الخلافة أبو المحاسن يوسف ابن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد التيمي البكري الحنبلي البغدادي، و هو استاذ دار المستعصم بالله، ولد سنة ثمانين و خمسمائة و سمع من أبيه و ذاكر ابن كامل‏ (1) و ابن يونس و طائفة، و قرأ القراآت بواسطة علي ابن الباقلاني، و كان كثير المحفوظ، قوي المشاركة في العلوم، وافر الحرمة، ضربت عنقه هو و أولاده تاج الدين و المحتسب جمال الدين و شرف الدين في صفر. انتهى.

و قال تلميذه ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): ثم محيي الدين يوسف، و كان أنجب أولاده و أصغرهم، ولد سنة ثمانين، و وعظ بعد أبيه، و اشتغل و حرر و أتقن و ساد أقرانه ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، و لا سيما إلى بني أيوب بالشام، و قد حصل منهم من الأموال و الكرامات ما ابتغى، من ذلك بناء المدرسة الجوزية التي بالنشابين بدمشق ثم صار استاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين و ستمائة، و استمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة

____________

(1) شذرات الذهب 5: 6.

24

عام هولاكو بن تولي بن جنكيز خان. انتهى. و قال في سنة خمس عشرة و ستمائة:

و فهيا ولي حسبة الصاحب محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، و هو مع ذلك يذكر ميعاد الوعظ على قاعدة ابيه، و شكرت مباشرته للحسبة انتهى. و قال في سنة ثلاث و عشرين، و فيها قدم محيي الدين من بغداد في الرسلية إلى الملك المعظم بدمشق، و معه الخلع و التشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر اللّه، إلى أن قال: و ركب القاضي محيي الدين ابن الجوزي إلى الملك الكامل بالديار المصرية، و كان ذلك أول قدومه إلى الشام و مصر، و حصل له جوائز كثيرة من الملوك منها كان بناء المدرسة الجوزية بالنشابين من دمشق انتهى. و مثله قال الأسدي (رحمه اللّه تعالى) في السنة المذكورة و في أولاد الملك الأشرف و الملك المعظم و الملك الكامل. ثم قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): ثم في سنة ست و خمسين و ستمائة، و ممن قتل مع الخليفة واقف الجوزية بدمشق استاذ دار الخلافة الصاحب محيي الدين يوسف ابن الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن حماد بن أحمد بن يعقوب بن جعفر بن عبد اللّه بن القاسم بن النصر بن محمد بن أبي بكر الصديق، المعروف بابن الجوزي القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي (رحمه اللّه تعالى). ولد في ذي القعدة سنة ثمانين و خمسمائة، و نشأ شابا حسنا، و حين توفي والده رحمهما اللّه تعالى وعظ في موضعه فأجاد و أحسن و أفاد، ثم تقدم و ولي حسبة بغداد مع الوعظ الرائق و الأشعار الحسنة الرائعة و ولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة و كانت له مدارس أخر، و لما ولي مؤيد الدين بن العلقمي الوزارة و شغر عنه الاستادارية وليها عنه محيي الدين هذا، و انتصب ابنه عبد الرحمن للحسبة و الوعظ فأجاد فيها و سار سيرة حسنة، ثم كانت الحسبة تنتقل في بنيه الثلاثة جمال الدين عبد الرحمن، و شرف الدين عبد اللّه، و تاج الدين عبد الكريم، و قد قتلوا معه في هذه السنة، و لمحيي الدين هذا مصنف في مذهب الإمام احمد رضي اللّه تعالى عنه، و ذكر له ابن الساعي أشعارا حسنة يهنئ بها الخليفة في المواسم و الأعياد تدل على فضيلة تامة و فصاحة بالغة. و قد وقف المدرسة الجوزية بدمشق‏

25

و هي من أحسن المدارس و أوجهها تقبل اللّه منه و أثابه الرحمة و الجنة و إيانا و جميع المسلمين أجمعين آمين انتهى. ثم قال عز الدين البغدادي: ثم من بعده الشيخ عز الدين بن التقي سليمان، ثم من بعده الشيخ شمس الدين خطيب الجامع و هو مستمر بها إلى الآن انتهى. و قال الذهبي في العبر فيمن مات سنة تسع و خمسين و ستمائة، و الشرف حسن ابن الحافظ أبي موسى عبد اللّه ابن الحافظ عبد الغني أبو محمد المقدسي الحنبلي، ولد سنة خمس و ستمائة، و سمع من الكندي و من بعده، و برع في المذهب و درس بالجوزية مدة توفي (رحمه اللّه تعالى) في المحرم انتهى، زاد أبو شامة و كان خيرا توفي في ثامن المحرم بدمشق و دفن بسفح قاسيون، و قال الصفدي (رحمه اللّه تعالى)، الحسن بن عبد اللّه بن الحافظ عبد الغني ابن عبد الواحد الإمام شرف الدين أبو محمد بن الجمال أبي موسى المقدسي الحنبلي (رحمه اللّه تعالى)، ولد سنة خمس و ستمائة، و توفي سنة تسع و خمسين و ستمائة، و سمع من الكندي، و ابن الحرستاني، و ابن ملاعب، و موسى بن عبد القادر و ابن راجح، و الشيخ الموفق و تفقه عليه و على غيره (رحمهم اللّه تعالى)، و أتقن المذهب و أفتى و درس، و رحل في طلب الحديث، و درس بالجوزية، و كتب عنه الدمياطي و الأبيوردي‏ (1) و روى عنه ابن الخباز، و ابن الزراد، و القاضي تقي الدين سليمان، و ولي القضاء ولده شهاب الدين و ناب عنه أخوه شرف الدين انتهى، و فيه نظر فإن الذي تولى القضاء إنما هو شرف الدين عبد اللّه ابنه و استناب ابن أخيه التقي عبد اللّه كما سيأتي. و قال شيخنا ابن مفلح الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي أقضى القضاة بدر الدين ابن قاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين، سمع من جده و من عيسى المطعم، و يحيى بن سعد و غيرهم، و حدث و درس بدار الحديث الأشرفية بسفح الجبل، و قيل كان يحفظ شيئا من شرح المقنع للشيخ شمس الدين أبي محمد بن أبي عمر (رحمه اللّه تعالى) مقدار جهده، و يلقيه في التدريس، و يتكلم الحاضرون فيه، قال ابن رافع (رحمه اللّه تعالى): و درس بالجوزية، و كان له نصف تدريسها، و ناب في الحكم عن‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 325.

26

ابن قاضي الجبل بعد عزله لصلاح الدين بن المنجا، و قد أعيد بعد وفاته (رحمه اللّه تعالى)، و مات ليلة الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة سبعين و سبعمائة و دفن بسفح قاسيون انتهى.

و قد مرت له ترجمة في دار الحديث الاشرفية الصالحية من كلام الصفدي (رحمه اللّه تعالى). و قد اشتهرت قضاة الحنابلة بهذه المدرسة، و أول من ولي قضاءهم بدمشق الامام ابو محمد شيخ الجبل شمس الدين ابن أبي عمر (رحمهم اللّه تعالى)، و قد مرت ترجمته باختصار في دار الحديث المذكورة، و له ترجمة طويلة في الطبقات لابن مفلح (رحمه اللّه تعالى). قال بعضهم: و كان رحمة للمسلمين، و لولاه لراحت املاك الناس لمّا تعرض اليها السلطان فقام فيها قيام المؤمنين، و عاداه جماعة الحكام، و تحدثوا فيه بما لا يليق، و نصره اللّه سبحانه و تعالى عليهم بحسن نيته. و أخذ عنه الشيخ النواوي رحمهما اللّه تعالى، و كان يقول هو اجل شيوخي، و تولى قضاء الحنابلة مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة و لم يتناول عليه معلوما، ثم عزل نفسه في آخر عمره، و بقي قضاء الحنابلة شاغرا مدة حتى وليه ولده نجم الدين أحمد، مولده سنة احدى و خمسين و ستمائة، و سمع حضورا من خطيب مردا، و سمع من ابراهيم بن خليل، و ابن عبد الدائم كان شابا مليحا مهيبا تام الشكل، ليس له من اللحية الا شعرات يسيرة، و كان له مع القضاء خطابة بالجبل، و امامة بحلقة الحنابلة، و كان حسن السيرة في احكامه، مليح الدرس له قدرة على الحفظ، و له مشاركة جيدة في العلوم، تولى القضاء في ايام والده لما عزل نفسه كما تقدم، توفي (رحمه اللّه تعالى) في ثالث جمادى الاولى سنة تسع و ثمانين و ستمائة، و دفن عند والده في مقبرة جده (رحمهم اللّه تعالى)، عاش ثماني و ثلاثين سنة، و قول ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) عاش أربعين سنة سهو و وهم فتأمله.

ثم تولى بعد نجم الدين المذكور ابن عمه شرف الدين الحسن بن عبد اللّه بن قدامة (رحمهم اللّه تعالى)، و هو المقدسي الاصل، ثم الصالحاني، قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل ابن الخطيب شرف الدين بن أبي بكر ابن شيخ الاسلام أبي عمر (رحمه اللّه تعالى)، سمع من جماعة منهم ابن مسلمة، تفقه و برع في‏

27

المذهب، و شارك في الفضائل، و ولي القضاء بعد نجم الدين أحمد يعني ابن عمه.

قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في سنة تسع و ثمانين و ستمائة: و فيها باشر الشرف حسن قضاء الحنابلة عوضا عن ابن عمه نجم الدين ابن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل موته انتهى. و استمر الى حين وفاته، و قال البرزالي (رحمه اللّه تعالى): كان قاضيا بالشام، و مدرسا بدار الحديث الاشرفية و مدرسة جده، و كان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه و نحو و لغة، مات (رحمه اللّه تعالى) ليلة الخميس ثاني عشر شوال سنة خمس و تسعين و ستمائة و له تسع و خمسون سنة كما قال في العبر، و دفن بمقبرة جده، و حضر جنازته النائب و القضاة و الأعيان، و عمل له صبيحة بكرة الجمعة بالجامع المظفري، و حضر خلق كثير، و هو والد الشيخ شرف الدين أحمد ابن قاضي الجبل، الذي تولى القضاء في شهر رمضان سنة سبع و ستين و سبعمائة، بعد موت جمال الدين المرداوي‏ (1) و استمر فيه إلى أن مات كما سيأتي و قد مرت ترجمته في دار الحديث الاشرفية الصالحية من كلام الصفدي و غيره رحمهما اللّه تعالى. ثم تولى بعد شرف الدين المذكور الشيخ تقي الدين سليمان بن حمزة بن احمد بن عمر بن الشيخ ابي عمر محمد بن احمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الشيخ الامام العلامة قاضي القضاة تقي الدين ابو الفضل (رحمهم اللّه تعالى). قال الصفدي (رحمه اللّه تعالى) في الوافي: ولد في نصف شهر رجب. قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): في سنة ثمان و عشرين و ستمائة، سمع الصحيح حضورا في الثانية (2) من ابن الزبيدي، و سمع صحيح مسلم و ما لا يوصف كثرة من الحافظ ضياء الدين ربما عنده عنه ستمائة جزء، و سمع حضورا من جده الجمال، و ابن المقير و ابي عبد اللّه الاربلي، و سمع من ابن اللتي، و جعفر الهمداني، و ابن الجميزي و كريمة الميطورية و عدة غيرهم. و اجاز له محمد بن عمار (3)، و ابن باقا (4)، و المسلم المازني‏ (5)، و محمود بن‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 217.

(2) شذرات الذهب 5: 144.

(3) شذرات الذهب 5: 155.

(4) شذرات الذهب 5: 135.

(5) شذرات الذهب 5: 147.

28

منده، و محمد بن عبد الواحد المديني‏ (1)، و محمد بن زهير شعوانه‏ (2)، و أبو حفص السهروردي‏ (3)، و المعافا ابن ابي السنان، و المقري ابن عيسى‏ (4) و خلق كثير (رحمهم اللّه تعالى). قال البرزالي: هم بالسماع نحو مائة شيخ، و بالاجازة اكثر من سبعمائة شيخ. قال الصفدي (رحمه اللّه تعالى) و خرج له ابن المهندس‏ (5) مائة حديث، و خرج له شمس الدين جزءا في مصافحات و موافقات، و خرج له ابن الفخر معجما ضخما، و تفرد في عصره، و رحل إليه، و روى الكثير لا سيما بقراءة الشيخ علم الدين البرزالي، زاد بعضهم: و حدث بثلاثيات البخاري و بجميع صحيح مسلم، و سمع منه جماعة منهم ابن الخباز. و توفي قبله، قال الصفدي (رحمه اللّه تعالى): و تفقه بالشيخ شمس الدين بن ابي عمر و صحبه مدة و برع في المذهب، و تخرج به الاصحاب، و له معرفة بتآليف الشيخ موفق الدين و أقرأ المقنع و غيره، و درس بعدة مدارس، و كان جيد الادراك و الايراد لدرسه يحفظه من ثلاث مرات، و ولي القضاء عشرين سنة، و من تلاميذه ولده قاضي القضاء عز الدين و قاضي القضاة ابن مسلم، و الامام عز الدين محمد بن العز، و الامام شرف الدين أحمد القاضي‏ (6) و طائفة (رحمهم اللّه تعالى) أجمعين، و سمع منه المزي و ابن تيمية و ابن المحب، و الواني و العلائي صلاح الدين‏ (7)، و ابن رافع، و ابن خليل و عدد كثير (رحمهم اللّه تعالى) و عزل سنة تسع عن القضاء بالقاضي شهاب الدين ابن الحافظ (8) عزله الجاشنكير (9)، ثم ولي القضاء لما جاء الملك الناصر من الكرك و اجتمع به فولاه، و قرأ طرفا من العربية و تعلم الفرائض و الحساب، و حفظ الاحكام لعبد الغني و المقنع، و كان اذا أراد أن يحكم قال: صلوا على طه الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإذا صلوا حكم (رحمه اللّه تعالى) انتهى، قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه في سنة خمس و تسعين و ستمائة: و في يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة ولي‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 155.

(2) شذرات الذهب 5: 155.

(3) شذرات الذهب 5: 153.

(4) شذرات الذهب 5: 132.

(5) شذرات الذهب 6: 105.

(6) شذرات الذهب 6: 157.

(7) شذرات الذهب 6: 190.

(8) شذرات الذهب 6: 21.

(9) شذرات الذهب 6: 18.

29

قضاء الحنابلة الشيخ تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي عوضا عن شرف الدين (رحمه اللّه تعالى) انتهى، و قال في سنة سبع و تسعين و ستمائة: و في شهر ربيع الأول درس بالجوزية عز الدين ولده، و حضر عنده إمام الدين القاضي الشافعي و أخوه جلال الدين و جماعة من الفضلاء (رحمهم اللّه تعالى)، و بعد التدريس جلس و حكم. عن أبيه بإذنه له. و قال في سنة تسع و تسعين و ستمائة: و في مستهل جمادى الآخرة وصل بريدي بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف الدين حسن ابن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد اللّه ابن الحافظ عبد الغني المقدسي عوضا عن التقي سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك يعني لجاشنكير و إنه إنما نزل عنه مضطرا إلى ذلك ليس بمختار، و قد صدق فيما قال انتهى. و القاضي شهاب الدين المشار اليه هو أحمد بن حسن بن عبد اللّه بن عبد الواحد المقدسي ثم الصالحي الفقيه قاضي القضاة شهاب الدين ابن الشيخ شرف الدين، سمع من ابن عبد الدائم و برع، و تفقّه في المذهب، و أفتى، و درّس بالصالحية، و بحلقة الحنابلة بالجامع الأموي، و تولى القضاء نحو ثلاثة أشهر من سنة تسع و تسعين في دولة اليشبكي، ثم عزل لما عاد الملك الناصر إلى الملك، و أعيد القاضي سليمان. قال البرزالي: كان رجلا جيدا من أعيان الحنابلة و فضلائهم، مات في تاسع عشرين شهر ربيع الأول سنة عشر و سبعمائة، و دفن بمقبرة الشيخ أبي عمر (رحمه اللّه تعالى): و كان عود الملك الناصر لدمشق في يوم السبت الثاني و العشرين من شعبان سنة تسع و تسعين المذكورة. قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): و في هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة و عوده إلى تقي الدين سليمان، و جاء إلى السلطان الى القصر فسلم عليه، و مضى إلى الجوزية فحكم بها ثلاثة أشهر انتهى. و استمر بالقضاء إلى أواخر سنة خمس عشرة فتوفي فجأة بعد مرجعه من البلد و حكمه بالجوزية، فلما وصل إلى منزله بالدير تغيرت حاله و مات عقب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي عشرين ذي القعدة. قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى): و له ثمان و ثمانون سنة، و كان مسند الشام في وقته، و دفن من الغد بتربة جده (رحمهم اللّه تعالى)، و حضره خلق كثير و جم غفير، ثم تولى بعد تقي الدين المذكور القاضي ابن مسلم‏

30

بتشديد اللام و هو شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الزيني الصالحي الفقيه قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد اللّه محمد، مولده كما قال ابن كثير سنة ستين و ستمائة، و مات أبوه و كان من الصالحين سنة ثمان و ستين، فنشأ يتيما فقيرا لا مال له، ثم اشتغل و حضر على ابن عبد الدائم، و عني بالحديث، و تفقّه و برع و أفتى، و تصدى للاشتغال و الافادة، فطار ذكره و اشتهر اسمه مع الديانة و الورع و الزهد، فلما مات التقى سليمان ذكر للقضاء و النظر في أوقافهم، فتوقف في القبول، ثم استخار اللّه تعالى و قبل بعد ان شرط أن لا يلبس خلعة حرير، و لا يركب في المواكب، و لا يقتني مركوبا، فأجيب إلى ذلك، ثم لبس الخلعة و توجه الى الجامع الأموي ماشيا و معه الأعيان، فقري‏ء تقليده في سادس عشر صفر سنة ست عشرة و سبعمائة، و تاريخ تقليده في سادس ذي الحجة بحضور القضاة و الحاجب و الأعيان، و مشوا معه و عليه الخلعة إلى دار السعادة، فسلم على النائب، ثم خلع الخلعة و توجه الى الصالحية، ثم نزل من الغد الى الجوزية، فحكم بها على عادة من تقدمه، و استناب بعد أيام الشيخ شرف الدين ابن الحافظ، و كان من قضاة العدل، مصمما في الحق، و قد حدث و سمع منه جماعة، و خرج له المحدثون تخاريج عدة، و حج ثلاث مرات ثم لما حج الرابعة في سنة ست و عشرين مرض في الطريق بعد رحيلهم من العلا، فورد المدينة الشريفة على مشرفها أفضل الصلاة و أزكى السلام يوم الاثنين ثالث و عشرين ذي القعدة و زار الضريح النبوي على الحال به الف الف سلام و صلى في مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان بالأشواق إلى ذلك، و كان قد تمنى موته هناك لما مات رفيقه في بعض الحجات و هو شرف الدين بن نجيح، و دفن بالبقيع شرقي ابن عقيل رضي اللّه تعالى عنه و غبطه بذلك، فلما كان عشية ذلك اليوم ليلة الثلاثاء رابع عشرين الشهر المذكور توفي (رحمه اللّه) و صلي عليه في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالروضة و دفن بالبقيع الى جانب قبر رفيقه شرف الدين بن نجيح المذكور فرحمة اللّه تعالى عليهما، و قد ذكر له الصفدي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه الوافي ترجمة مهمة، ثم تولى بعد ابن مسلّم المذكور القاضي عز الدين محمد ابن قاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي القضاة سليمان المتقدم ذكره، سمع الحديث،

31

و ناب عن والده في شهر ربيع الاول سنة سبع و تسعين، و درس بالجوزية كما تقدم في ترجمة والده بعد أن كان والده يدرس بها فتركه له في حياته، و كتب على الفتوى و درس بعد والده بدار الحديث الاشرفية بالسفح، ثم ولي القضاء بعد ابن مسلّم المتقدم قبله، و قري‏ء تقليده في يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الاول سنة سبع عشرة بمقصورة الخطابة، بحضرة القضاة و الأعيان، و حكم و كان قبل ذلك قري‏ء اي تقليده بالصالحية. قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): و كان ذا فضل و عقل و حسن خلق و تودد (رحمه اللّه تعالى).

قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى): و روى عن الشيخ و عن ابي بكر الهروي رحمهما اللّه تعالى، و بالاجازة عن ابن عبد الدائم (رحمه اللّه تعالى)، و كان متوسطا في العلم و الحكم متواضعا، مات (رحمه اللّه تعالى)، في تاسع صفر سنة احدى و ثلاثين و سبعمائة بالجوزية هذه، و له ست و ثلاثون سنة، و كان عاقلا، ثم تولى بعده القاضي شرف الدين عبد اللّه بن شرف الدين حسن ابن الحافظ أبي موسى عبد اللّه بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الفقيه المحدث قاضي القضاة شرف الدين ابو محمد ولد سنة ست و اربعين، و سمع من مكي بن علان و محمد بن عبد الهادي و ابراهيم بن خليل و غيرهم و اجاز له جماعة و طلب بنفسه و قرأ على ابن عبد الدايم و تفقه و ناب في الحكم عن أخيه ثم عزل عن ابن مسلم ثم ولي القضاء في آخر عمره بعد عز الدين بن التقي فوق سنة، و درس بالصالحية، و ولي مشيخة دار الحديث بالصدرية و العالية، ثم بدار الحديث الأشرفية بالسفح، و كان فقيها عالما صالحا خيرا منفردا بنفسه ذا فضيلة جيدة، حدث و سمع منه الذهبي و غيره.

قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في احدى و ثلاثين: و في يوم الخميس آخر شهر ربيع الاول لبس القاضي شرف الدين عبد اللّه بن شرف الدين حسن ابن الحافظ أبي موسى ابن الحافظ عبد الغني المقدسي خلعة قضاء الحنابلة عوضا عن عز الدين بن التقي سليمان لما توفي (رحمه اللّه تعالى)، و ركب من دار السعادة الى الجامع الاموي، فقري‏ء تقليده تحت قبة النسر بحضرة القضاة و الأعيان، ثم ذهب الى المدرسة الجوزية فحكم بها، ثم ذهب الى الصالحية و هو لابس الخلعة، و استتاب يومئذ ابن‏

32

اخيه التقي عبد اللّه بن شهاب الدين احمد انتهى. توفي (رحمه اللّه تعالى) فجأة و هو يتوضأ لصلاة المغرب آخر نهار الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة بمنزله بالدير بعد ان حكم يومئذ بالجوزية، قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في المختصر: عن ست و ثمانين سنة و هو الصواب لما قاله في أنه عاش ثماني و ثمانين سنة، و دفن بمقبرة أبي عمر (رحمه اللّه تعالى)، و حضره خلق كثير، ثم تولى بعده القاضي علاء الدين علي ابن الشيخ زين الدين منجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا، هو الشيخ الامام العلامة قاضي القضاة علاء الدين علي أبو الحسن التنوخي الدمشقي ولد سنة سبعة و سبعين و ستمائة، و سمع أباه و ابن البخاري و أحمد بن شيبان‏ (1) و طائفة استوعبهم ابن سعد في معجم خرجه له، و تفقه بأبيه و غيره. و افتى و درس، و ولي قضاء الحنابلة بعد وفاة شرف الدين بن التقي المذكور قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة: و في يوم الأربعاء حادي عشر شهر رجب خلع على قاضي القضاة علاء الدين علي بن الشيخ زين الدين المنجا بقضاء الحنابلة عوضا عن شرف الدين ابن الحافظ، و قرأ تقليده بالجامع و حضره القضاة و الاعيان، و في اليوم الثاني استناب برهان الدين الزرعي و حدث بالكثير انتهى. قال الشيخ زين الدين بن رجب‏ (2) (رحمه اللّه تعالى) انه قرأ عليه الاحاديث التي رواها مسلم في صحيحه عن الامام أحمد (رحمهم اللّه تعالى) بسماعه للصحيح من أبي عبد اللّه محمد بن عبد السلام بن ابي عصرون باجازة من المؤيد الطوسي (رحمهم اللّه تعالى)، توفي (رحمه اللّه) في شعبان سنة خمسين و سبعمائة بدمشق، و دفن بسفح قاسيون. قال الحسيني (رحمه اللّه تعالى) في ذيل العبر: ولي القضاء بعد ابن الحافظ فشكرت سيرته، و كان رجلا وافر العقل حسن الخلق كثير التودد (رحمه اللّه تعالى)، توفي في ثامن شعبان، و ولي بعد القاضي جمال الدين المرداوي انتهى. و القاضي جمال الدين المذكور هو يوسف بن محمد ابن التقي عبد اللّه بن محمد بن محمود و هو جد بيت ابن مفلح الشيخ الامام العالم‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 41.

(2) شذرات الذهب 6: 339.

33

العلامة الصالح الخاشع قاضي القضاة جمال الدين المرداوي (رحمه اللّه تعالى)، سمع صحيح البخاري من أبي بكر بن عبد الدايم و ابن الشحنة و وزيرة، و بعضه عن فاطمة بنت عبد الرحمن الفرا و قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة، و شرح عليه كتاب المقنع و لازم قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم إلى حين وفاته، و أخذ النحو عن نجم الدين بن القحفازي و باشر وظيفة قضاء الحنابلة بالشام سبع عشرة سنة بعد موت القاضي علاء الدين علي بن المنجا في شهر رمضان سنة خمسين بعد تمنع زائد و شروط شرطها عليهم، و استمر الى ان عزل في شهر رمضان سنة سبع و ستين بالقاضي شرف الدين أحمد ابن قاضي الجبل، و ذلك لخيرة عند اللّه تعالى.

قيل أنه كان يدعو اللّه تعالى أن لا يتوفاه و هو قاض فاستجاب اللّه تعالى دعاءه.

و قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في (المعجم المختص) في حقه: الامام المفتي الصالح أبو الفضل شاب خير، إمام في المذهب: نسخ الميزان بخطه، و له اعتناء بالمتن و الاسناد. و قال الشيخ شهاب الدين بن حجي السعدي (رحمه اللّه تعالى): كان عفيفا، نزها، ورعا، صالحا، ناسكا، خاشعا ذا سمعت حسن و وقار، و لم يغير ملبسه و لا هيأته، و يركب الحمارة، و يفصل الحكومات بسكون، و لا يحابي أحدا، و لا يحضر مع النائب إلا يوم دار العدل، و أما في العيد و المحمل فلا يركب، و كان مع ذلك عالما بالمذهب لم يكن فيهم مثله مع فهم حسن و كلام جيد في النظر و البحث، و مشاركة في الأصول و العربية، و جمع كتابا فيه أحاديث الأحكام حسنا، و كان قبل القضاء يتصدر بالجامع المظفري للاشتغال و الفتوى، لم يتفق لي السماع منه، و لكن أجاز لي انتهى. و قال قاضي القضاة برهان الدين بن مفلح (رحمه اللّه تعالى) في طبقاته: و قد أجاز لجملة قال الشيخ شرف الدين و أخوته و جماعة آخرين، و كتابه هذا أسماه (الانتصار) و بوبه على أبواب المقنع و هو محفوظنا. قال ابن حبيب في تاريخه: عالم، علمه ظاهر، و برهان ورعه ظاهر، و إمام تتبع طرائقه، و تغتنم ساعاته و دقائقه، كان لين الجانب، متلطفا بالطالب، رضي الأخلاق، شديد الخوف و الاشقاق، عفيف اللسان، كثير التواضع و الاحسان، لا يسلك في ملبسه مسلك أبناء الزمان، و لا يركب حتى إلى دار

34

الأمارة غير الأتان. تولى الحكم بدمشق عدة أعوام، ثم صرف و استمر الى أن لحق بالسالفين من العلماء و الأعلام، و ناب له صهره القاضي الامام العالم العلامة شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن مفلح المقدسي (رحمه اللّه تعالى)، فشكرت سيرته و أحكامه، افتى و درس، و ناظر و صنف و أفاد. و كان ذا حظ من زهد و تعفف، و له صيانة و ورع ثخين، و دين متين، حدث عن عيسى المطعم و غيره، توفي (رحمه اللّه تعالى) بالصالحية في شهر رجب سنة ثلاث و ستين و سبعمائة عن إحدى و خمسين سنة انتهى. و ناب عن جمال الدين المرداوي ابن أخيه: الشيخ شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن التقي‏ (1) من حين توجه الى الحج سنة ستين، و استمر يحكم عنه سبع سنين إلى أن عزل مستخلفه، توفي جمال الدين المذكور يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع و ستين و سبعمائة بالصالحية و صلي عليه بعد الظهر بالجامع المظفري، و دفن بتربة شيخ الاسلام موفق الدين في الروضة بسفح قاسيون، و حضره جمع كثير (رحمه اللّه تعالى)، ثم تولى بعده شرف الدين ابن قاضي الجبل هو أحمد ابن قاضي القضاة شرف الدين حسن الذي تقدم أوائل القضاة بدمشق، ولد في الساعة الاولى من يوم الاثنين تاسع شعبان سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، و كان من أهل البراعة و الفهم، متفننا عالما بالحديث و علله، و النحو و اللغة و الأصلين و المنطق، و كان في الفروع له القدم العالي، قرأ على الشيخ تقي الدين عدة مصنفات في علوم شتى، و قرأ عليه المحصل للرازي، و أفتى في شبيبته و أذن له بالافتاء هو و غيره، و سمع في صغره من اسماعيل الفراء (2) و محمد ابن الواسطي، ثم طلب بنفسه بعد العشر و سبعمائة فسمع من القاضي تقي الدين سليمان و أجازه والده و المنجا التنوخي و ابن القواس و ابن عساكر، و خرج له المحدث شمس الدين مشيخة عن ثمانية عشر شيخا حدث بها، و درس بعدة مدارس، ثم طلب في آخر عمره الى مصر للتدريس بمدرسة السلطان حسن، و ولي مشيخة سعيد السعداء، و أقبل عليه أهل مصر و عنه أخذوا، ثم عاد إلى الشام و أقام بها مدة يدرس و يشتغل و يفتي و رأس على أقرانه‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 304.

(2) شذرات الذهب 6: 89.

35

الى ان ولي القضاء بعد قاضي القضاة جمال الدين المذكور قبله في شهر رمضان سنة سبع و ستين و سبعمائة، فباشره مباشرة لم يحمد فيها، و كان عنده مداراة و حب للمنصب، و وقع بينه و بين الحنابلة من المرادرة و غيرهم. قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى): لم تحمد مباشرته و لا فرح به صديقه بل شمت به عدوّه و باشر القضاء دون اربع سنين إلى أن مات و هو قاض، ذكره الذهبي في المعجم المختص و الحسيني في ذيله كيف كان ذلك و لعل الحسيني ذكره في معجم له أو مشيخته كما سبق و قال فيه مفتي الفرق سيف المناظرين، و بالغ ابن رافع و ابن حبيب في مدحه، و كان فيه مزح و انكات في البحث، و من انشاده و هو بالقاهرة المحروسة (رحمه اللّه تعالى):

الصالحية جنة* * * و الصالحون بها أقاموا

فعلى الديار و أهلها* * * مني التحية و السلام‏

و قال أيضا (رحمه اللّه تعالى):

نبيّي أحمد و كذا امامي‏* * * و شيخي أحمد كالبحر طامي‏

و اسمي أحمد و بذاك ارجو* * * شفاعة احمد الرسل الكرام‏

و كان يحفظ كما قيل عنه نحو عشرين الف بيت شعر، و له (رحمه اللّه تعالى) اختيارات في المذهب. منها: اختار أن النزول عن الوظيفة تولية و هي مسألة تنازع فيها هو و القاضي برهان الدين الزرعي، و أفتى كل منهما بما اختاره، و له مصنفات منها ما وجد في الفائق، و منها كتاب في أصول الفقه و شرح المنتقى و لم يكمله، توفي (رحمه اللّه تعالى) بمنزله بالصالحية يوم الثلاثاء رابع عشر رجب سنة احدى و سبعين و سبعمائة، و صلي عليه بعد الظهر بالجامع المظفري و دفن بمقبرة جده الشيخ ابي عمر (رحمه اللّه تعالى) و شهده جمع كثير، ثم تولى بعده القاضي الإمام العالم العلامة علاء الدين أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة صلاح الدين محمد بن محمد بن المنجا ابن عثمان بن اسعد بن المنجا التنوخي المعري الدمشقي، مولده سنة خمسين و سبعمائة بعد وفاه عمه قاضي القضاة علاء الدين‏

36

بسبعة ايام، قرأ القرآن و اشتغل و درس بالمسمارية و غيرها، و استنابه قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل باشارة قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي الشافعي (رحمه اللّه تعالى)، قال الشيخ شهاب الدين بن حجي السعدي نشأ في صيانة و ديانة، سمع شيئا من الحديث، و مات (رحمه اللّه تعالى) معزولا و كان رئيسا نبيلا لم يبق في الحنابلة أنبل منه، و كان حسن الشكل كثير التواضع و الحياء لا يمر بأحد الا و يسلم عليه، و كان كثير الاحسان و الاكرام، قليل المداخلة لأمور الدنيا، توفي يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة ثمانمائة بمنزله بالصالحية مطعونا و انقطع ستة أيام، و صلي عليه بعد الظهر بالجامع الأفرم، تقدم بالصلاة عليه الشيخ علي بن أيوب، و دفن في داره، و شيعه جماعة كثيرون، و قد كمل خمسين سنة الا شهرين و يومين قاله ابن مفلح شيخنا، و لم يذكر هنا انه تولى مستقلا، بل ذكره في ترجمة اخيه تقي الدين احمد ثم تولى بعده القاضي شمس الدين النابلسي، هو محمد ابن أحمد بن محمود الشيخ الامام العلامة قاضي القضاة شمس الدين النابلسي، تفقه على الشيخ شمس الدين بن عبد القادر، و قرأ عليه العربية و احكمها، ثم قدم دمشق بعد السبعين، و قاضي الحنابلة اذا ذاك علاء الدين علي العسقلاني و استمر في طلب العلم، و حضر حلقة قاضي القضاة بهاء الدين السبكي، ثم جلس في الجوزية يشهد، و اشتهر امره و علا صيته، و كان له معرفة تامة و كتابة حسنة و قصد في الاشتغال، و لم يزل يترقى حتى سعى على قاضي القضاة علاء الدين بن المنجا لأمر وقع بينهما فولي في شهر ربيع الآخرة سنة ست و تسعين و سبعمائة، و وقع له العزل و الولاية مرات و كانت له حلقة لاقراء العربية يحضره الفضلاء، درس بدار الحديث الأشرفية بالسفح و الحنبلية، و له حرمة و أبهة زائدة، لكن باع من الأوقاف كثيرا (رحمه اللّه تعالى)، توفي (رحمه اللّه تعالى) في ليلة السبت ثاني عشر المحرم سنة خمس و ثمانمائة بمنزله بالصالحية، و دفن (رحمه اللّه تعالى) بها. قال شيخنا قاضي القضاة برهان الدين ابن مفلح في المحمدين من طبقاته (رحمه اللّه تعالى):

زاد الأسدي، عزل و ولي خمس مرات و حكم بفسقه في جمادى الأولى سنة أربع.

37

قال الحافظ شهاب الدين بن حجي: و لم يكن بالمرضي في شهاداته و لا قضائه و باع كثيرا من الاوقاف بدمشق، قيل أنه ما بيع في الاسلام من الاوقاف ما بيع في أيامه، و قل ما وقع منها شي‏ء صحيح في الباطن، و افتتح على الناس بابا لا يسد أبدا، و لما جاء تمرلنك دخل معهم في أمور منكرة، و نسب إليه أشياء قبيحة من السعي في أذى الناس و أخذ أموالهم، توفي في المحرم منها و دفن بسفح قاسيون، ثم تولى عنه القضاء شيخ الحنابلة هو إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الأرمني الأصل المقدسي ثم الدمشقي الامام العلامة الفقيه رئيس الحنابلة برهان الدين و تقي الدين أبو إسحاق، مولده سنة تسع و أربعين و سبعمائة، و حفظ كتبا عديدة و أخذ عن جماعة، منهم والده و جده قاضي القضاة جمال الدين المرداوي، و قرأ على القاضي بهاء الدين السبكي (رحمهم اللّه تعالى) و درس بدار الحديث الأشرفية و بالصالحية و غيرهما، و صنف كتاب (فضل الصلاة على النبي) (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كتاب (الملائكة)، و (شرح المقنع)، و (مختصر ابن الحاجب)، و عدم غالبها في فتنة تمرلنك، و له كتاب (طبقات اصحاب الامام أحمد) رضي اللّه تعالى عنه احترق غالبها، و ناب في الحكم مدة للقاضي علاء الدين علي ابن المنجا و غيره و رافقه في النيابة لعلاء الدين علي المذكور شيخ الحنابلة علاء الدين علي بن اللحام‏ (1)، و انتهت إليه في آخر عمره مشيخة الحنابلة، و كان له ميعاد بمحراب الحنابلة بالجامع الأموي بكرة يوم السبت، ثم ولي القضاء مستقلا في شهر رجب سنة إحدى و ثمانمائة، و تأخر بدمشق لما جاء تمر لنك و خرج إليه و معه جماعة، و جرى له و لأهل دمشق منه أمور و تفاقم الأمر، و حصل له تشويش في بدنه من بعضهم، و تألم إلى ان توفي يوم الثلاثاء سابع عشرين شعبان سنة ثلاث و ثمانمائة، و دفن تحت رجلي والده بالروضة، ثم ولي القضاء بعده الشيخ الامام قاضي القضاة تقي الدين أبو العباس أحمد بن القاضي صلاح الدين محمد بن محمد بن المنجا ابن محمد بن عثمان بن أسعد بن محمد بن المنجا التنوخي (رحمه اللّه تعالى)، حصل و دأب، و كان له مهابة و معرفة، و ذهن مستقيم، و ناب في الحكم لأخيه‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 31.

38

قاضي القضاة علاء الدين علي، ثم استقل بالوظيفة بعد الفتنة مدة أشهر. قال شيخنا ابن مفلح (رحمه اللّه تعالى): و ذكر لي جدي شرف الدين إنه ابتدأ عليه قراءة الفروع لوالده، فلما انتهى في القراءة إلى الجنائز حضر اجله و مات معزولا في ذي الحجة سنة اربع و ثمانمائة انتهى. ثم ولي القضاء القاضي عز الدين الخطيب، هو محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد الخطيب الشيخ الامام العلامة قاضي القضاة عز الدين خطيب الجامع المظفري و ابن خطيبه، تفقه في المذهب، و كان خطيبا بليغا، له مؤلفات حسنة و قلم جيد، و له (النظم المفيد الأحمد في مفردات الامام أحمد)، ناب في القضاء عن قاضي القضاة علاء الدين علي بن المنجا ثم استقل بالوظيفة بعد موت القاضي شمس الدين النابلسي، و استناب شمس الدين بن عبادة (1) ثم سعى عليه و صارت الوظيفة بينهما دولا، و كان في بعض الولايات يمكث فيها أربعين يوما، ثم توفي (رحمه اللّه تعالى) في سنة عشرين و ثمانمائة كذا قاله شيخنا ابن مفلح و لم يفصل، قال شيخنا تقي الدين بن قاضي شهبة (رحمه اللّه تعالى) في سنة سبع و ثمانمائة: في آخر المحرم وصل القاضي شمس الدين بن عبادة متوليا قضاء الحنابلة و مشيخة دار الحديث الأشرفية بالسفح، و تدريس المدارس، و وصل مع توقيع الشيخ شهاب الدين بن حجي بالخطابة، ثم اصطلح القاضيان الحنبليان على أن تكون الوظائف بينهما نصفين خلا الجوزية ينفرد بها القاضي عز الدين، و يستقل القاضي شمس الدين بالقضاء، و دفع الى القاضي عز الدين خمسة آلاف، و أشهد على نفسه القاضي عز الدين أن لا يسعى في القضاء و لا يتولاه، و كلما ولي فهو معزول و حكم بصحة هذا التعليق القاضي الحنفي، و التزم أنه متى وليه كان للقاضي عنده عشرة آلاف درهم، و حكم بصحة الإلزام المالكي أيضا انتهى، و القاضي شمس الدين المذكور هو محمد بن محمد بن عبادة الشيخ الإمام قاضي قضاة الحنابلة بالشام، كان فردا في معرفة الوقائع و الحوادث ناب في الحكم لعز الدين المذكور قبله. ثم سعى عليه بعد أن كان من أعيان الموقعين رفيقا لشمس الدين النابلسي و غيره، ثم استقل بالقضاء بعد وفاة بني المنجا، و كانت وظيفة القضاء دولا بينه و بين‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 148.

39

القاضي عز الدين الخطيب كما تقدم الى أن لحق بالله تعالى في شهور سنة كذا.

بيض له قاضي القضاة برهان الدين ابن مفلح في الطبقات، و يقول كاتبه توفي شمس الدين المذكور في خامس شهر رجب سنة عشرين و ثمانمائة، و دفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين، ثم أخذ القضاء عنه القاضي صدر الدين ابن مفلح و هو أبو بكر بن ابراهيم بن محمد بن مفلح الامام العالم الواعظ صدر الدين، ولي نيابة الحكم عن قاضي القضاة شمس الدين بن عبادة مدة ثم اشتغل بالوظيفة مدة يسيرة، ثم عزل منها و أعيد القاضي شمس الدين بن عبادة، و استمر معزولا إلى أن لحق بالله تعالى، و كان يعمل الميعاد بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة بمحراب الحنابلة، و يجتمع فيه الناس و يستفيدون منه، و يعمل في غيره، هكذا ذكره برهان الدين بن مفلح و لم يزد (رحمه اللّه تعالى)، قال الشيخ تقي الدين الأسدي في تاريخه (رحمه اللّه تعالى)، في شوال سنة سبع عشرة و ثمانمائة و في يوم الأحد سابع عشرة وصل من مصر دوادار النائب ناصر الدين بن العطار الى أن قال: و جاء مع الامير ناصر الدين المذكور ولاية بقضاء الحنابلة لصدر الدين ابن الشيخ تقي الدين بن مفلح عوضا عن القاضي شمس الدين بن عبادة، و هو شاب صغير السن قليل البضاعة، لا يعرف شيئا من العلوم إلا أنه يعظ العوام و النساء على الكراسي، و لبس من الغد الخلعة، و جاءمعه القضاة الى الجامع، فجلس بمحراب الحنابلة و قري‏ء توقيعه و هو مؤرخ بخامس عشرين شهر رمضان انتهى، و ذلك عقيب وصول السلطان الملك المؤيد شيخ إلى مصر، فإنه خرج من دمشق عقب رجوعه من حلب يوم السبت رابع شعبان منها و في يوم الثلاثاء عشرينه نودي بالزينة بدمشق لمجي‏ء الخبر بوصول السلطان الى مصر سالما، ثم عزل صدر الدين المذكور في مستهل شهر ربيع الاول، و أعيد القاضي شمس الدين بن عبادة في مستهل ربيع الاول سنة ثماني عشرة و ثمانمائة، ثم وصل توقيعه إلى دمشق في شهر ربيع الآخر منها بوظيفة القضاء و المدارس: دار الحديث بالصالحية، و الصاحبية، و الحنبلية، و الأنظار عوضا عن صدر الدين بن مفلح، و خلع عليه عند النائب بالمرح، و قري‏ء توقيعه بالجامع المظفري بالصالحية، و هو مؤرخ‏

40

بمستهل شهر ربيع الأول المذكور، و ذلك بعد شر كبير وقع بينهما في ولاية صدر الدين، كان كتب عليه محضر بمال كثير لما أراد عبادة السعي عليه، ثم اصطلحا، ثم إنه طلب المحضر فقال صدر الدين أرسلته الى مصر، ثم عمل ابن عبادة وليمة و طلب الجماعة الى بيته، فأخرج العبيد و المهاترة عليهم بالسكاكين و انقلب الناس على ابن عبادة و استمر إلى أن توفي، و قد ذكر له الأسدي ترجمة، و أنه أخذ عن الشيخ زين الدين بن رجب، ثم عن علاء الدين علي بن اللحام، ثم اشتغل بفن الشهادة، ثم أنه ولي القضاء، و أنه باشره مباشرة سيئة، و أنه دخل في مناقلات كثيرة قبيحة، ثم بالغ في ذلك مبالغة عظيمة، و تأثل مالا و عقارا، و أنه سمع من شيخه ابن حجي يقول عنه و عن شرف الدين الرمثاوي كلاما لا أوثر ذكره، و إنه توفي في ليلة الخميس خامس شهر رجب سنة عشرين، و أنه صلي عليه بالجامع المظفري، و دفن بالروضة عن سبع و خمسين سنة، و أنه روي له منامات قبيحة، و إنه خلف ثلاثة بنين الواحد نائبه و آخرهم أشغله شافعيا، ثم ذكر ترجمة جده ثم والده فراجعه عفا اللّه عنه و عنا و عنهم، ثم أعيد القاضي عز الدين الخطيب بعده وفاة خصمة شمس الدين بن عبادة، قال الأسدي في شهر ربيع الأول سنة احدى و عشرين: و ولي القضاء القاضي شهاب الدين ابن القاضي شمس الدين بن عبادة (1) و ليس فيه صفة تقتضي ذلك فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم مع أنه لم يبق بالحنابلة من يصلح لذلك إلا الشيخ شرف الدين بن مفلح لو لا كلام في سيرته. ثم قال: في صفر سنة ثلاث و عشرين و في يوم السبت سلخه و صل القاضي عز الدين الحنبلي و معه كتب المصريين باكرامه، و إنه طلب القضاء و رسم له بنفقة من الخزينة. ثم قال: في شهر ربيع الأول منها و في يوم الاثنين ثانيه لبس القاضي عز الدين الحنبلي و قرى‏ء توقيعه بالجامع الأموي بحضور القضاة، و هو مؤرخ بالعشر الأخير من المحرم انتهى. و القاضي شهاب الدين المذكور قال قاضي القضاة برهان الدين بن مفلح في الطبقات: قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن عبادة كان من خيار المسلمين‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 148.

41

كثير التلاوة لكتاب اللّه تعالى، ولي بعد والده مدة، ثم ترك الوظيفة اختيارا منه، و حصل له الراحة الوافرة، و استمر بعد عزله يتردد إلى ميدان الحصى إلى الشيخ أبي الصفا (1).

و قال ابن الزملكاني في تاريخه (رحمه اللّه تعالى): في سنة أربع و ستين و في يوم الاربعاء خامس عشرين شوال منها توفي القاضي شهاب أحمد بن شمس الدين محمد بن عبادة، و كان قد ولي قضاء الحنابلة بعد أبيه شمس الدين ثم انفصل عنه، و استمر بطالا، و لم يكن له رغبة في القضاء، و في الحكم، و مات من غير ولد، و ورثه ابن أخيه القاضي شهاب الدين احمد و يقال ابن اخيه نجم الدين عبد الكريم‏ (2) سامحه اللّه تعالى انتهى. و القاضي عز الدين الحنبلي المذكور قال ابن مفلح في طبقاته: عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز بن عبد المحمود الشيخ الإمام العالم المفسر قاضي القضاة عز الدين، البغدادي الأصل ثم الدمشقي منشأ، أخذ الفقه عن الشيخ علاء الدين علي بن اللحام و عرض عليه الخرقي، و اعتنى بالوعظ، و كان يستحضر كثيرا من تفسير البغوي، و أعتنى بعلم الحديث، و له مشاركة في الفقه و الأصول و اشتغل و درس، و كتب على الفتوى يسيرا، و له مصنفات منها أنه اختصر المغني، و شرح الشاطبية و صنف في المعاني و البيان، و جمع كتابا سماه (القمر المنير في أحاديث البشير النذير)، ولي بعد الفتنة قضاء بيت المقدس و طالت مدته، و جرى له فصول، ثم ولي قضاء دمشق مدة مديدة ثم صرف عنه، فولي تدريس المؤيدية، ثم ولي قضاء دمشق في دفعات يكون مجموعها ثماني سنين، و كان منفورا لم تحمد سيرته في القضاء، و نرجو من كرم اللّه تعالى ان يتجاوز عنا و عنه بمنه و كرمه توفي ليلة الأحد مستهل ذي القعدة سنة ست و أربعين، و صلي عليه من الغد بالجامع الأموي، و حضر جنازته القضاة و بعض أركان الدولة و دفن عند والده بمقابر باب كيسان إلى جانب الطريق انتهى. ثم ولي عنه القاضي شهاب الدين بن الحبال هو احمد بن علي بن عبد اللّه بن علي بن حاتم الشيخ الإمام المحدث الرحلة شهاب الدين أبو العباس احمد بن‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 346.

(2) شذرات الذهب 7: 350.

42

الجبال، ولي قضاء دمشق مدة بعد قضاء طرابلس، و سمع الحديث من جماعة.

قال الأسدي في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة: و في يوم الخميس حادي عشرة لبس القاضي شهاب الدين بن الحبال قضاء الحنابلة، و ذلك بعد ان اشترط شروطا منها: أن لا يركب مع القضاة إلى دار السعادة، و ينكر المنكر من كل أحد كائنا من كان، فأجيب إليها على ما قيل، و ذلك بمساعدة علم الدين بن الكويز كاتب السر، و جاء إلى الجامع و ليس معه من القضاة أحد، ثم ذهب إلى الصالحية، ثم بلغني بعد ذلك أنه كتب له توقيع و قري‏ء بالجامع بالصالحية، و استناب اثنين أحدهما قاضي بعلبك الحنبلي و شخصا آخر يقال له جمال الدين يعقوب، كان شاهدا ببعلبك فجاء معه فولاه نيابته، و انفصل القاضي عز الدين البغدادي، ثم بلغني انه سعى له أن يرتب له على الجوالي بمصر كل يوم نصف دينار، و هذا قدر كثير بالنسبة إلى الفلوس بمصر انتهى. و كان إذ ذاء السلطان الملك المظفر أحمد بن المرحوم الملك المؤيد قد وصل من مصر إلى قلعة دمشق و معه أمه سعادات بنت صرغتمش دخلت معه من باب السروهي حامل و معها الأمير الكبير ططر.

قال شيخنا برهان الدين بن مفلح: و كان القاضي شهاب الدين مهابا معظما عند الخاص و العام، شديد القيام على الأتراك و غيرهم و للناس فيه اعتقاد، و حكى الشاب التائب‏ (1) للشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة (رحمه اللّه تعالى) أن أهل طرابلس يعتقدون فيه الكمال، بحيث أنه لو جاز ان يبعث اللّه نبيا في هذا الزمان لكان هو. و كان قد كبر و ضعف و زال بصره في آخر عمره، و كان مواظبا على الجمعة و الجماعة و النوافل دائما انتهى. و قال الأسدي: في شعبان سنة اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة و في رابع عشره جاء الخبر إلى دمشق بعزل القاضي شهاب الدين ابن الحبال و ولاية القاضي نظام الدين بن مفلح و هو بالقاهرة بحكم ان ابن الحبال عمي، و أراني القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السرفتاوى المصريين في‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 198.

43

القاضي إذا عمي أنه ينعزل عنها خط القاضي الشافعي و علم الدين ابن البلقيني و القاضي الحنفي و القاضي الحنبلي انتهى. ثم قال ابن مفلح في طبقات الحنابلة:

و عزل قبل وفاته بنحو سنة و توجه إلى طرابلس و بها مات في شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة، و صلي عليه بدمشق صلاة الغيبة انتهى. و القاضي نظام الدين المذكور هو عمر بن ابراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج ابن عبد اللّه الراميني المقدسي ثم الصالحاني الشيخ الامام الواعظ الأستاذ قاضي القضاة نظام الدين ابن قاضي القضاة برهان الدين المتقدم ذكره، مولده تقريبا سنة ثمانين و سبعمائة، قال برهان الدين في طبقاته فيما أظن، فإن له حضورا على الشيخ الصامت‏ (1) سنة أربع و ثمانين، سمع من والده و من عمه الشيخ شرف الدين و جماعة، و حضر عند الشيخ البلقيني و ابن معلى و غيرهما رحمهما اللّه تعالى من الأئمة، و كان رجلا دينا، يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده، و قرأ البخاري على الشيخ شمس الدين ابن المحب و أجازه و باشر نيابة الحكم مدة، ثم ولي الوظيفة بعد عزل الشيخ شهاب الدين بن الحبال المتقدم ذكره بعد سنة إحدى و ثلاثين، قال الأسدي: في شهر رمضان سنة اثنتين و ثلاثين و في يوم الثلاثاء ثاني عشره دخل إلى دمشق القاضي نظام الدين ابن الشيخ تقي الدين بن مفلح متوليا قضاء الحنابلة عوضا عن القاضي شهاب الدين ابن الحبال، و لاقاه القضاة إلى عند تربة العجمي‏ (2) و لاقاه أيضا الحاجب و كاتب السر و ناظر الجيش و جماعة من الناس و عليه الخلعة، و جاء إلى دار السعادة فسلم على النائب، ثم ذهب إلى الجامع و معه من ذكر سابقا فقري‏ء توقيعه عند محراب الحنفية قرأه شمس الدين الحجاوي، و فيه وظائف القضاء و تاريخه في عاشر شعبان، و فارقه القضاة و غيرهم من الجامع و ذهب إلى الصالحية و معه جماعة قليلون فقري‏ء توقيعه و تقليده بجامع الحنابلة انتهى. ثم قال: في صفر سنة ثلاث و ثلاثين و في يوم الأربعاء عاشره استناب القاضي الحنبلي تاج الدين بن منجا، فإن أحد نائبيه سافر إلى مصر و الآخر عزله، فلم يجد أحدا يوليه فاحتاج إلى‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 309.

(2) ابن كثير 14: 239.

44

ولاية المذكور، مع أنه أصلح النائبين المذكورين باعتبار السن و الحصانة، ثم عاد الخطيب عز الدين من مصر في شهر رجب و باشر. ثم قال: في سنة خمس و ثلاثين عزل نظام الدين في ذي القعدة بالقاضي عز الدين البغدادي الحنبلي، و استمر إلى أن عزل في جمادى الأولى سنة سبع و ثلاثين بالقاضي نظام الدين بن مفلح، ثم قال: في جمادى الأولى سنة سبع و ثلاثين، و في يوم الجمعة تاسع عشره جاءت كتب إلى القاضي الشافعي في جواب مكاتبة على القاضي الحنبلي بأنه عزل يوم السبت سادس الشهر بالقاضي نظام الدين بن مفلح فترك الحكم يومئذ، ثم اجتمع يوم الأحد بالنائب و الحاجب و قال: هذا الذي قاله الشافعي من عزلي ما هو صحيح و هو عدوي، و عاد إلى الحكم، و لم يحضر كتاب من ابن مفلح، فاستمر يحكم إلى أن جاء جماعة من مصر و أخبروا بولاية ابن مفلح فترك الحكم، ثم لما طال خبر ابن مفلح قال: لم يصح الخبر و ربما قيل انتسخ ذلك، فعاد إلى الحكم فلم يأت أحد إليه، و عجب الناس من ولاية مثل هذا على المسلمين، فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: في شهر رجب منها و في مستهله دخل القاضي نظام الدين بن مفلح متوليا قضاء الحنابلة، و كان قد تأخر مجيئه و تخيل خصمه أن الأمر انتقض و خيله بعض الناس حتى أنه في الجمعة الماضية عمل ميعاد الجامع و قال: ان تلك الأخبار التي اتيحت لم تصح و أما أنا أذهب إلى المدرسة أحكم، فمن كانت له قضية فليأتني، فعجب الناس من ذلك، و كان المذكور قد أساء المباشرة و بالغ في الأخذ و تراذل، و لم يتحاش شيئا من ذلك، مع أنه قال لي: من قاسني بابن مفلح فقد ظلمني، أنا أقاس بسري السقطي و الجنيد (1) و حاصل الأمر انه لا عقل له و لا دين، و قري‏ء تقليده أي تقليد القاضي بالجامع، قرأه الشيخ شمس الدين بن سعيد الحنبلي و تاريخه خامس جمادى الأولى. ثم قال في المحرم سنة ثمان و ثلاثين، و في يوم الجمعة ثامن عشري الشهر وصل توقيع القاضي عز الدين البغدادي‏ (2) بعوده إلى قضاء الحنابلة، و لبس بعد الصلاة الخلعة و قرى‏ء توقيعه بالجامع، و ساء ذلك غالب الناس لسوء سيرة

____________

(1) ابن كثير 8: 62.

(2) شذرات الذهب 7: 259.

45

المذكور و قلة عقله و كان القاضي الشافعي بهاء الدين بن حجي قد ساعده و كتب فيه إلى مصر فجاءت ولايته، ثم قال في سنة اثنتين و أربعين: و قاضي القضاة عز الدين بن البغدادي الحنبلي و هو على حاله لم ينصلح، ثم أراح اللّه سبحانه و تعالى المسلمين منه في أوائل المحرم بالقاضي نظام الدين ابن مفلح، ثم قال: في جمادى الآخرة سنة أربع و أربعين و في يوم الأربعاء ثالث عشره وصل عز الدين البغدادي من مصر، و قد أخذ من نظام الدين دار الحديث نظرها و تدريسها حصة القاضي، و الجوزية و نظرها و تدريسها و أنظار تتعلق بالقاضي الحنبلي، و ذكر أن السلطان عرض عليه القضاء فامتنع، ثم قال: في شهر ربيع الآخر سنة خمس و أربعين و في يوم السبت تاسعه أو ثامنه: و من الغد وصل كتاب القاضي عز الدين الحنبلي بأنه قد أعيد إلى القضاء و أنه يستناب عنه، فاستناب القاضي برهان الدين بن مفلح‏ (1) و هو شاب له همة عالية في الطلب و حفظه قوي و هو أفضل أهل مذهبه ثم قال: في الشهر المذكور و في يوم الاثنين رابع عشريه دخل القاضي عز الدين الحنبلي و قري‏ء تقليده بالجامع، ثم قال في جمادى الآخرة منها و في يوم الاثنين تاسع عشريه بلغني أن القاضي نظام الدين بن مفلح جاءته الوظائف، و بقي مع خصمه القضاء مجردا فتجرد لقطع المصانعة مع أنه كان متلبسا بذلك قبل هذا، ثم قال: في جمادى الآخرة سنة ست و أربعين و في يوم الاثنين في الرابع منه أعيد القاضي نظام الدين بن مفلح، فتمرض خصمه عز الدين البغدادي إلى أن توفي ليلة الأحد مستهل ذي القعدة منها، و كانت بضاعته في الفقه مزجاة، و سيرته عجيبة، يحكى عنه غرائب و عجائب، و عنده دناءة و رذالة، و عمر مدرسة، اشترى بيت ابن الشهيد و بناه و جعله دار قرآن، و كان يأخذ على القضاء على وجه شنيع و يصرفه في عمارة المدرسة، و ترك سبعة أولاد صغار، و لم يخلف شيئا، ثم استمر القاضي نظام الدين بن مفلح في القضاء إلى أن عزله السلطان جقمق في شهر رجب سنة إحدى و خمسين و ولي ابن عمه برهان الدين بن مفلح انتهى. و استمر نظام الدين المذكور معزولا و عمر إلى أن الحق الأحفاد

____________

(1) شذرات الذهب 7: 338.

46

بالأجداد، و أسمع مسموعاته على الحافظ أبي بكر بن المحب كمشيخة المطعم و المنتقى من مسند الحارث بن أبي أسامة و الأربعين الحموية و غير ذلك مما ظهر منها مرات، و بنى مدرسة شرقي الصالحية جوار حمام العلائي، و رتب فيها مشيخة للحديث و توفي سنة سبعين و ثمانمائة و صلي عليه بالجامع المظفري، و دفن بالروضة قريبا من والده، و ابن عمه برهان الدين المذكور و هو القاضي العلامة شيخنا ابو إسحاق ابراهيم ابن الشيخ الإمام اكمل الدين محمد ابن الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة ابي عبد اللّه محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني المقدسي الصالحي، مولده يوم الاثنين خامس عشرين جمادى الأولى سنة ست عشرة و ثمانمائة، و نشأ على الصيانة و علو الهمة، ذكره الشيخ تقي الدين الأسدي في تاريخه (رحمه اللّه تعالى) في سنة خمس و أربعين و عمره حينئذ نحو تسع و عشرين فقال: كما مرّ ذكره في ولاية عز الدين البغدادي و استناب القاضي برهان الدين بن مفلح، و هو شاب له همة عالية في الطلب و حفظ قوي، و هو أفضل أهل مذهبه انتهى. قرأ على جماعة منهم تقي الدين الأسدي الشهير بابن قاضي شهبة المذكور في مختصر ابن الحاجب بجامع التوبة و بالفارسية و منهم قاضي الحنابلة عز الدين البغدادي، و منهم الشيخ يوسف الرومي و روى عن جماعة منهم الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الطحان و منهم شمس الدين بن المحب‏ (1) قال:

و سمعت عليه، و درس بمدرسة أبي عمر بالصالحية و دار الحديث الأشرفية منزله و الحنبلية و المسمارية و الجوزية و الجامع المظفري و قرأ عليه في آخر عمره تقي الدين الجراعي سنن ابن ماجة، سمعت عليه شيئا منها و أجازني، و صنف شرح المقنع و سماه المبدع في أربع مجلدات و انتهت إليه رياسة الحنابلة و استمر في وظيفة القضاء و متعلقاتها إلى أن أعيد ابن عمه نظام الدين بن مفلح سنة اثنتين و خمسين، و توجه برهان الدين إلى مصر و كان والده أكمل الدين‏ (2) قد سبقه إليها، فأعيد إلى القضاء و رجع إلى دمشق، و دخل في يوم الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و خمسين، ثم أعيد نظام الدين في شعبان منها، ثم أعيد برهان الدين‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 186.

(2) شذرات الذهب 7: 292.

47

كذا قال ابن الزملكاني (رحمه اللّه تعالى)، و فيه نظر، إنما عزله ابن عمه القاضي علاء الدين علي بن صدر الدين أبي بكر بن مفلح‏ (1) قاضي حلب المحروسة كان في جمادى الأولى سنة سبع و خمسين، و دخل دمشق سلخ الشهر المذكور عوضا عن شيخنا برهان الدين المذكور، و لبس تشريفة بذلك إلى أن عزل في ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان و خمسين و أعيد شيخنا برهان الدين. و في ثامن عشر ذي الحجة منها ألبس تشريفا باستمراره على وظيفة القضاء المذكورة، ثم أعيد القاضي علاء الدين علي بن صدر الدين أبي بكر بن مفلح سنة ستين، و في ثامن عشر جمادى الآخرة منها وصل علاء الدين علي المذكور من مصر إلى دمشق و قري‏ء توقيعه بالجامع، ثم أعيد شيخنا برهان الدين في رابع عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين و ستين و قري‏ء توقيعه بالجامع، و في يوم الاثنين سادس عشرين المحرم سنة ثلاث و ستين ورد الخبر من مصر إلى دمشق بعزل شيخنا برهان الدين من القضاء، و عزل شيخنا قطب الدين الخيضري من كتابة السر، و استقر القاضي علاء الدين علي المذكور في الوظيفتين المذكورتين عن المذكورين فامتنعا عن المباشرة، و في يوم الخميس ثامن عشرين شهر ربيع الآخر منها وصل القاضي علاء الدين علي المذكور من مصر إلى دمشق بالوظيفتين المذكورتين عن الشيخين المذكورين، و قري‏ء توقيعه بالجامع على العادة، ثم أعيد شيخنا برهان الدين و استمر إلى أن توفي ليلة الأربعاء رابع شعبان سنة أربع و ثمانين و ثمانمائة بمنزله بدار الحديث الأشرفية بالسفح، و حضر جنازته النائب فمن دونه، و القضاة فمن دونهم و حملت جنازته على الأصابع، و صلى عليه ولده نجم الدين عمر اماما و دفن بالروضة عند أبيه و أجداده (رحمهم اللّه تعالى)، ثم تولى بعده القضاء ولده نجم الدين عمر (2) المذكور في سنة أربع و ثمانين المذكورة، و في يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول سنة أربع و تسعمائة لبس قاضي القضاة نجم الدين المذكور خلعة العود بعد عزل الساعي عليه بمصر بهاء الدين بن عز الدين بن قدامة (3) المقيم بمصر، فلبس الخلعة المذكورة في دار العدل و كان النائب كرتباي الأحمر في‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 335.

(2) شذرات الذهب 8: 92.

(3) شذرات الذهب 8: 48.

48

مرض الموت و مات يوم تاسعه ثم شاع عزل نجم الدين المذكور في آخر السنة المذكورة، و في أول المحرم سنة خمس و تسعمائة وصلت خلعة نجم الدين المذكور، و ابن قدامة المذكور أعيد إلى قضاء الحنابلة بمصر أيضا فجعل كالمستجد المستعار، و في يوم الخميس رابع عشر صفر لبس نجم الدين المذكور خلعة القضاء التي أتت له من مصر، و في شهر رجب سنة تسع و تسعمائة شاع بدمشق عزل نجم الدين المذكور، ثم تبين أنه عزل في مستهل شهر رجب بابن قدامة بهاء الدين الذي هو بمصر، ثم وصل بهاء الدين المذكور إلى دمشق أول سنة عشر إلى تربة تنم بعد توعك حصل له، و في بكرة يوم الاثنين ركب النائب و تلقاه و دخل معه الاصطبل و قرأت مطالعاته ثم لبس خلعته و ركب إلى الجامع و قرى‏ء توقيعه و تاريخه مستهل جمادى الأولى من الماضية و فيه غالب وظائف الحنابلة و عزل من فيها و قد حصل له و هن و خور من حين دخل الاصطبل فلم يستطع الخروج من الجامع، فدخل بيت الخطابة و هو ضعيف.

و في سادس شهر ربيع الأول من سنة عشر سافر النجمي المذكور إلى مصر و في يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول توفي بهاء الدين ابن قدامة و في يوم السبت ثالث عشر شهر رجب منها وصل النجمي من مصر و دخل و فوض لولده شرف الدين يوم عاشوراء سنة احدى عشرة.

فوائد: الأولى- رأيت بخط تقي الدين ابن قاضي شهبة في تاريخه في سنة عشرين و ثمانمائة في جمادى الأولى منها: و فيه انتهت عمارة المدرسة الجوزية و كانت قد احترقت قبل ذلك بمدة يسيرة في أيام نيابة تنبك و عمرت في أيام القاضي شمس الدين النابلسي‏ (1) انتهى.

الثانية- بها إعادة و قراءة حديث و إمامة، أم بها أبو القاسم محمد بن خالد بن ابراهيم الحراني الفقيه بدر الدين أخو الشيخ تقي الدين بن تيمية لأمه، سمع بدمشق من ابن عبد الدائم و ابن الصيرفي و ابن أبي عمر، و تفقه و لازم شيوخ‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 52.

49

المذهب، و أفتى و أم بالمدرسة الجوزية قال البرزالي: كان فقيها مباركا كثير الخير قليل الشر حسن الخلق، منقطعا عن الناس و كان يتجر و يتكسب، و خلف لأولاده تركة، و روى عن ابن عرفة (1) مرارا، توفي (رحمه اللّه تعالى) يوم الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة سنة سبع عشرة و سبعمائة، و دفن في يومه عند والديه بمقابر الصوفية و حضره جمع كثير انتهى.

الثالثة- الذي علم من وقفها نصف دير عصرون و قرية عند القصير و فدانان بقرية بالا و أرض بقرية يلدا.

الرابعة- آخر من روى عن واقفها بالاجازة زينب بنت الكمال، قال ابن مفلح في طبقاته: يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عبد اللّه الفقيه الأصولي الواعظ الشهيد محيي الدين أبو المحاسن ابن الشيخ جمال الدين، سمع من أبيه و ابن كليب و ابن المعطوش‏ (2) و جماعة آخرين، قرأ القرآن بالروايات العشر على ابن الباقلاني‏ (3) بواسط و لبس الخرقة من الشيخ ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة، و اشتغل بالفقه و الخلاف و الأصول و برع في ذلك، و كان امهر من أبيه فيه، علا أمره و عظم شأنه، و ولي الولايات الجليلة، قال الحافظ الذهبي (رحمه اللّه تعالى): كان إماما كبيرا و صدرا معظما عارفا بالمذهب، كثير المحفوظ ذا سمت حسن و وقار، درس و أفتى و صنف. و أما رياسته و عقله فتنقل عنه بالتواتر حتى أن الملك الكامل مع عظم سلطانه قال: كل امرئ يعوزه زيادة عقل الّا محيي الدين بن الجوزي فإنه يعوزه نقص عقل، و له تصانيف منها (معادن الأبريز في تفسير الكتاب العزيز) و منها (المذهب الاحمد في مذهب أحمد)، و سمع منه جماعة منهم عبد الصمد ابن أبي الجيش‏ (4) و ابن الكسار.

و آخر من حدث عنه بالاجازة زينب بنت الكمال، و لما دخل هولاكو ملك التتار الى بغداد قتل الخليفة المستعصم بالله و غالب أولاده و قتل معه اعيان الدولة

____________

(1) شذرات الذهب 6: 39.

(2) شذرات الذهب 4: 343.

(3) شذرات الذهب 4: 314.

(4) شذرات الذهب 5: 353.

50

و الأمراء و شيخ الشيوخ و قتل استاذ الدار محيي الدين و أولاده الثلاثة و ذلك في سنة ست و خمسين و ستمائة بظاهر سور كلف دار رحمة اللّه تعالى عليه و عليهم أجمعين و أموات المسلمين.

145- المدرسة الجاموسية

هي غربي العقيبة بدمشق، لم أعرف واقفها، أخبر الصدر ابن القاضي علاء الدين علي بن مفلح (رحمهم اللّه تعالى) أن والده أخذ من ابن ناظر الصاحبة ورقة فيها أن والده ناظر الصاحبة قرر صدر الدين‏ (1) يعني جده (رحمه اللّه تعالى)، و حكى النظام في وظيفة العمالة و القيامة الوقف على السادة الحنابلة، قال شيخنا الجمال بن المبرد (رحمه اللّه): و قد تواترت الأخبار بذلك و الوقف على المدرسة المذكورة و ثلث الحانوت بالعقيبة الكبرى، و البستان المعروف بالطبرزية، و جنينة الرصاص و محاكرة الجنينة بمصاطب الطرق، و محاكرة البستان بقرية جسرين، و محاكرة تمرين الأمير و ابن الرملي جوار المدرسة، و المحاكرة جوارها باسم ابن نور الدين و البستان فوق حمام الورد بيد أولاد نظام الدين انتهى.

146- المدرسة الحنبلية الشريفية

بالشين المعجمة عند القباقبية العتيقة قال الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في العبر في سنة ست و ثلاثين و خمسمائة: و شرف الاسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج الحنبلي عبد الواحد بن محمد الأنصاري الشيرازي، ثم الدمشقي الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة بالشام بعد والده و رئيسهم، و هو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق توفي (رحمه اللّه تعالى) في صفر، و كان ذا حرمة و حشمة و قبول و جلالة ببلده، و قال (رحمه اللّه تعالى) في مختصر تاريخ الاسلام في سنة ست و ثلاثين المذكورة: و شيخ الحنابلة بدمشق واقف الحنبلية شرف الاسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج (رحمهم اللّه تعالى) انتهى. و لا تغتر بقول ابن شداد حيث قال‏

____________

(1) شذرات الذهب 7: 170.

51

مدرسة سيف الاسلام أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب بالقرب من مدرسة الرواحية داخل باب الفراديس انتهى. و اما والد شرف الاسلام فقال الذهبي في العبر في سنة ست و ثمانين و أربعمائة: و الشيخ أبو الفرج الشيرازي عبد الواحد ابن محمد بن علي الواعظ الفقيه القدوة، سمع بدمشق من أبي الحسن علي السمسار (1) و أبي عثمان الصابوني‏ (2) و تفقه ببغداد زمانا على أبي يعلى‏ (3) و نشر بالشام مذهب الامام أحمد رضي اللّه تعالى عنه، و تخرج به الأصحاب، و كان إماما عارفا بالمذهب و الفقه و الأصول، صاحب حال و عبادة و تأله، و كان تتش صاحب الشام يعظمه لأنه كاشفه مرة، توفي (رحمه اللّه تعالى) في ذي الحجة، و في ذريته مدرسون و علماء انتهى. و قال ابن مفلح في طبقاته: عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي ثم الدمشقي الفقيه الواعظ المفسر شرف الاسلام ابن شيخ الاسلام، توفي والده (رحمه اللّه تعالى) و هو صغير فاشتغل بنفسه و تفقه و برع و ناظر و أفتى و اشتغل عليه جماعة كثيرون، و كان فقيها بارعا و واعظا فصيحا و صدرا معظما ذا حرمة و حشمة و سؤدد و رياسة و وجاهة و جلالة و هيئة، قال يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي: سمعته بدمشق ينشد على الكرسي في جامعها و قد طالب وقته.

سيدي علل الفؤاد العليلا* * * و احيني قبل أن تراني قتيلا

ان تكن عازما على قبض روحي‏* * * فترفق بها قليلا قليلا

و له تصانيف كثيرة منها المنتخب في الفقه مجلدان، و المفردات و البرهان في أصول الدين، حدث عن أبيه ببغداد و دمشق، و سمع منه أبو بكر ابن كامل، و بنى مدرسة بدمشق يقال لها الحنبلية، و جرى له أمور في بنائها، توفي (رحمه اللّه تعالى) في ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست و ثلاثين و خمسمائة و دفن عند والده بمقابر الشهداء بباب الصغير انتهى.

و أما والده فقال فيه أيضا: عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي‏

____________

(1) شذرات الذهب 3: 252.

(2) شذرات الذهب 3: 282.

(3) شذرات الذهب 3: 306.

52

المقدسي الدمشقي الفقيه الزاهد أبو الفرج الأنصاري السعدي شيخ الشام في وقته، و اختلف النسابون في نسبته و الأشهر انه من ولد سعد بن عبادة، تفقه على القاضي أبي يعلى، ثم قدم الشام فسكن بيت المقدس، و نشر مذهب الامام أحمد رضي اللّه تعالى عنه أيضا، و تخرج به جماعة من الأصحاب و سمع بها من أبي الحسن علي بن السمسار و أبي عثمان الصابوني، و اشتهر اسمه و حصل له القبول التام، و كان إماما عارفا بالمذهب و الأصول، شديدا في السنة زاهدا عابدا متألها، ذا أحوال و كرامات و كان تتش صاحب الشام يعظمه، و يقال إنه اجتمع مع الخضر مرتين، و كان يتكلم في عدة أوقات على الخاطر كما كان يتكلم ابن القرمي الزاهد و كان الشيخ أبو الفرج يدعو على بعض السلاطين المخالفين و يقول كم أرميه و لا تقع الرمية به فلما كان في الليلة التي هلك فيها قال لبعض أصحابه قد رميت فلانا و قد هلك فحسب فرأى هلاكه في تلك الليلة التي أشار اليها، و له عدة تصانيف في الأصول و الفقه، توفي (رحمه اللّه تعالى) يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة سنة ست و ثمانين و أربعمائة بدمشق، و دفن بمقبرة باب الصغير و قبره مشهور يزار انتهى. و هو الذي دفن الى جانبه الشيخ زين الدين بن رجب‏ (1) رحمهما اللّه تعالى ثم قال ابن مفلح: فيها عبد الملك بن عبد الوهاب بن عبد الواحد الأنصاري الشيرازي الدمشقي القاضي بهاء الدين‏ (2) بن شرف الاسلام، تفقه و درس و أفتى و ناظر. و ذكر أبو المعالي حمزة بن القلانسي: (3) و كان إماما فاضلا مناظرا مفتيا على مذهب أبي حنيفة و أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه، و كان يعرف اللسان الفارسي مع العربي، و هو حسن الحديث في الهزل و الجد، توفي يوم الاثنين سابع عشر شهر رجب سنة خمس و أربعين و خمسمائة، و كان له يوم مشهود و دفن جوار والده في مقابر الشهداء بالباب الصغير انتهى. و قال فيها: علي بن ابراهيم بن نجا ابن غنائم‏ (4) الأنصاري الدمشقي الفقيه أبو الحسن علي سبط الشيخ أبي‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 338.

(2) شذرات الذهب 4: 143.

(3) شذرات الذهب 4: 174.

(4) شذرات الذهب 4: 340.