الرحلة الحجازية

- أوليا الشلبي المزيد...
302 /
5

[مقدمة المترجم‏]

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا صدق اللّه العظيم [سورة آل عمران آية 97]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإهداء إلى كل من تاقت نفسه آداء فريضة الحج ..

و لم يستطعها ... أقدم هذه الرحلة الحجازية المترجم‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقدّمة إن تاريخ البشرية؛ إنما هو تاريخ لمحاولة الإنسان التعرف على العالم المحيط به ..

و الغريب عنه .. لقد ناضل أولا ضد القوى الحيوانية التى تحول بينه و بين ذلك، ثم أخذ يناضل القوى المماثلة له .. فتكونت القبيلة، ثم الأمة، و اندفعت الأمم من آقاليمها إلى الآقاليم المجاورة تكتشفها آفاقا جديدة .. ثم بدأ ينطلق نحو الفضاء الخارجى عبر الكواكب، و يغوص في آعماق البحار، و المحيطات بحثا عن المعرفة ..

و رغبة فى الإمتلاك ..

بدأت كل هذه الرحلات ضيقة، ثم اتسعت آفاقها مع مرور الزمن، فالإنسان ولد راحلا، و إن أعجزته الرحلة .. تخيل رحلات غير محسوسة؛ تخطى الجبال، و عبر البحار .. و ركب بساط الريح .. سجل لنا التاريخ رحلات ألف ليلة و ليلة، وحي بن يقظان، و التوابع و الزوابع، و رحلة دانتي في الكوميديا الإلهية .. و رحلة الشاعر التركي العبقري الشيخ غالب إلي مدنية القلوب «حسن و عشق». كما نجد ذلك بين ثنايا الآساطير، و دوافع الحروب ..

سجل المصريون رحلاتهم على جدران المعابد، و خاض الفينيقيون عباب المحيط الآطلسي، و خلّف الإغريق مستعمراتهم فى البحرين؛ الأبيض و الأسود، و عنوا جميعا عناية واسعة بوصف البلدان، و الأقاليم التى رأووها، و قدموا الكثير من المعارف الجغرافية.

زار هيرودوت مصر، و قبرص، و فنيقيا، و آشور، و إيران و توغل فى الشمال، و تخطى البوسفور، و أودع مشاهداته فى هذه الزيارات أو الرحلات تاريخه الكبير ..

ثم أعقبه «بلوتارك» الذى عنى بتاريخ اليونان، و الرومان .. و منه استمد شكسبير الكثير من روائع مسرحياته ..

تصبح روما عاصمة العالم، و يتوغل بحارتها، و فرسانها فى ربوع إمبراطوريتها الشاسعة .. و تصل سفنهم إلي جزر الكاناريا في المحيط الأطلسي ..

ثم كان الفتح العربي للهند، و الصين، و جبال البرانس .. و من التركستان و جبال القوقاز إلى السودان ... و بلاد الحبش .... أصبح كل ذلك عالما موحدا مشتركا فى‏

10

العقيدة .. و اللغة، و امتزجت الثقافات، فخلقت نتاجا حضاريا مميزا ... وصف جغرافيوهم مدن هذا العالم، و بلدانه، و كذلك سكانه، و عاداتهم، و آعرافهم ..

عرفت حضارتنا و مكتباتنا العامة كتب المسالك و الممالك، و طرق الحج و القوافل .. و كثرت الرحلات بين المسلمين، و عندهم، و تنوعت بتنوع آسبابها، و حوافزها .. و نشأت عند الكثيرين منهم محبة المجازفة، و المغامرة فيما وراء المعروف .. و ليس من العبث أن نجد فى تراثنا رحلات السندباد .. و ابن ماجد ..

فتحت الحروب الصليبية آفاقا نحو الشرق، فأخذ الأوربيون فى تسجيل أسفارهم، و رحلاتهم ..

كانت الرحلة عنصرا مهما، و قويا فى حياة المجتمع الإسلامي، خلال عصور إزدهاره .. رحل الناس لزيارة مهبط الوحي .. و لقوا في ذلك الكثير من الصعاب ...

و تحمّلوها راضين مسرورين .... رحل الناس فى طلب العلم حيث مراكزه المضيئة ..

كان طلاب العلم يتحملون من المشاق فى سبيل الحصول عليه، ما يحملنا على إحترامهم، و إجلالهم .. و رحل القوم فى سبيل الإتجار، و طلبا للربح، و الثراء .. فقد كانت الأسواق الإسلامية، فى مشارق الأرض، و مغاربها مفتوحة الأبواب، مرتبطة ببعضها كل الإرتباط .. و تكمل بعضها بعضا .. و كان التجار يحملون مع بضائعهم؛ أحلامهم، و ثقافاتهم، و معتقداتهم ..

رحل الناس كسفراء بين الملوك، و الحكام .. كما رحلوا طلبا، و رغبة فى لذة السفر، و الرحلة فى حد ذاتها .. أو رحلوا طلبا للرزق إذ ضاقت بهم حدودهم ..

عرف المسلمون كل هذه النماذج من الرحلات .. و قد شجعهم على الإستزادة منها قلة الحدود المضروبة .. و العراقيل المفروضة ... فلما ذهبت الوحدة السياسية، و ضربت الحدود، و شدّت الأسلاك الشائكة بقيت وحدة العقيدة .. و وحدة اللغة ..

فربطتا الحجاج، و طلاب العلم، و رسل الحكام، و حملة البضائع، و زعماء الحرف، و الصنائع فاحتفظوا بالصلة ..

لقد دوّن الكثير من الرحّالة أسفارهم، و مشاهداتهم .. فذكروا الأرض التى‏

11

زاروها .. و الوديان التى نزلوها .. و الجبال التى قطعوها .. و الصعوبات التى و اجهوها .. قيّدوا ما رأوا من آثار .. و سجلوا ما وعته الذاكرة من العادات و الآعراف .. و سمات الثقافات و لطائف الأخبار ..

إن هذه اللفتات التى نعثر عليها فى كتب الرحلات هي التي تميز الرحّالة عن الجغرافي .. فالجغرافي؛ يسأل، و يستقصي، و يقيس و يحقق، و يحاول أن يحتوي كل جزء من المنطقة التى يعرض لدراستها، أما الرحالة فيلتقط ما يشاهده من جزئيات .. و يرسم لنا منها صورة .. تتطابق .. و تتشابك آحيانا .. و ربما تتنافر و تتباعد أحيانا أخرى .... ففيها ذاتية المشاهد .. و موضوعية الموجود ..

أدب الرحلات:

لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ (2) (1) فكان لقريش رحلتان؛ رحلة الشتاء، و رحلة الصيف .. و كانتا للتجارة .. ذلك لأن أهل مكة كانوا تجارا .. و كانت قوافلهم تنقل المتاجر من اليمن إلى الشام، و تحمل بضائع الشام إلى اليمن ..

الفتوح العربية الإسلامية، فتحت الأفاق، و آتسعت رقعة الإتجار، و تبادل السلع و المتاجر .. و كان التجار يتعرفون على اهل الديار و ثقافاتهم، و كانت هذه المعرفة تنتقل رواية، و آخبارا حتى قيض اللّه لها من يدونها، و تصبح جزءا من التراث الأدبي للرحلة.

رحل الناس فى طلب العلم من مكان إلي آخر، فهذا بغدادى يشد الرحال إلى دمشق و هذا دمشقى يقصد بخارى، و هذا تونسى إلى القاهرة و هذا قاهري يطلب العلم فى فاس ... و هذه الرحلة فى طلب العلم؛ كانت أحرى بأن تدوّن أخبارها، و تبقى آثارها من أخبار تنقل التجار، و آصحاب الآعمال .. و من هذه، و تلك وصلت إلينا أخبار، و أخبار هي من مفاخر التراث الإسلامي.

جاء الإسلام، ففرض الحج علي المؤمنين، و لو أنه جعل الإستطاعة شرطا، و الذين استطاعوا إلي الحج سبيلا، فى هذا التاريخ الطويل، كثر. و لم يكن جميعهم ممن‏

____________

(1) سورة قريش الآيتان 1، 2.

12

يدون آخبار أسفاره .. و لكن حركة التنقل هذه حفزت الكثيرين من أهل العلم إلي تدوين مشاهداتهم، فخرج من ذلك أيضا تراث في أدب الرحلات الإسلامي الشيئ الكثير ..

و إلى جانب التاجر، و طالب العلم، و الحاج، و السفير يقوم الرحّالة المحترف، أو الهاوى برحلته من أجل الرحلة ذاتها .. و يدونها من وجهة نظره هو ..

و لما كانت الرحلة التى نحن بصددها، تعتبر من رحلات الحج، فيجدر بنا أن نلقي بعض من بصيص الضوء على رحلات الحج التي سبقت رحلة آوليا چلبى.

و التى سوف نفرد لها الحديث فى حينه، و عند الحديث عن كتابه الشهير «سياحتنامه». حتى تعم الفائدة.

رحلات الحج‏ (1):

لم تنل كتب الرحلات التى ألفت في وصف طريق الحج و مشاعره المقدسة و آثاره، و وصف المدينتين الكريمتين [مكة] و (طيبة) ما تستحقه من الدراسة، مع إعتبارها من أوفى المراجع و أوثقها، و أشملها، عما يتعلق بالحجاز من النواحي التاريخية، و الإجتماعية، و الاقتصادية و الثقافية، و الجغرافية منذ تدوين تلك الرحلات إلى عصرنا الحاضر.

مكة المكرمة من الناحية الثقافية:

و لقد كانت مكة- و ما تزال- نقطة التقاء، مركز تجمّع، لجميع المسلمين من مختلف الأقطار الإسلامية، و لهذا كانت من أقوى مراكز نشر الثقافة بين تلك الأقطار، و كانت صلة وصل بين علماء الأقطار الإسلامية، في شرق البلاد و غربها، و شمالها و جنوبها فى مختلف العصور الماضية، و مع انصراف العلماء و غيرهم عن الجزيرة العربية بعد الهجرة بما يزيد على نصف قرن من الزمان؛ أي منذ انتقال مركز الخلافة منها، و بأنتقال الخلافة. و السلطان، و الدولة تنتقل الرغبات، و تتجه الابصار

____________

(1) آخذنا هذا العنوان، و هذا الجزء بتصرف عن كتاب؛ فى رحاب الحرمين (1) أشهر رحلات الحج- 1- ملخص رحلتى ابن عبد السلام الدّرعي المغربي المتوفى سنة 1239 ه- تأليف؛ حمد الجاسر، الطبعة الأولى شوال 1402 ه- أغسطس 1982 م منشورات دار الرفاعى للنشر، و الطباعة، و التوزيع. بالرياض. م. ع. السعودية.

13

و تتركز الآمال حيث يوجد الملك و السلطان، اللذان بهما تتيسر سبل الحياة و تحصل الطمأنينة و الهدوء فى كنفهما- مع ذلك الانصراف فإنّ مكة المكرمة لها مكانة دينية فى نفس كل مسلم تجعلها دائما- ما بقى المسلمون- مطمح انظارهم فهي- فضلا عن كونها تضم مشاعر الحج- و فيها بيت اللّه المعظم- محط انظارهم و هم بحكم دينهم الحنيف- لا يمكن أن ينصرفوا عنها، و لهذا فقد اصبحت منذ جاء الإسلام مركزا للثقافة الإسلامية العربية، يجتمع فيها من العلماء في كل عام ما لا يجتمع في أية مدينة أخرى من مدن الإسلام.

و كان العلماء في العصور الأولى يقصدونها من مختلف أقطار العالم الإسلامي ليؤدّوا ركنا من اركان دينهم أداؤه فرض، و ليضيفوا إلى ذلك أمورا من أهمها التزود بزاد العلم و المعرفة، فالعالم يفد إليها من أقصى المشرق أو المغرب فيلتقى بعالم آخر من بلاد بعيدة عن بلاده فيحصل من هذا الالتقاء تقارب و تفاهم، و استزادة علم، و امتداد لروافد المعرفة، و انتشار للأفكار بين مختلف الأقطار الاسلامية، و لقد كان علماء الاندلس يفدون إلى مكة المكرمة لا للحج وحده و لكن لينشروا علما و لستزيدوا منه، و ليكونوا صلة بين شرق البلاد و غربها بالعلم و الثقافة.

و لو أراد باحث أو دارس أن يحاول التأليف عن صلة الأندلسيين بمكة من الناحية الثقافية لوجد الأمر أوسع مما يتصور، و لنستعرض كتابين عن الأندلس احدهما، «نفح الطيب» للمقّري- القاف مفتوحة مشددة- و الثانى «فهرست ما رواه أبو بكر محمد بن خير الاشبيلي» استعراضا سريعا لمعرفة بعض العلماء الذين رحلوا من الأندلس إلى مكة فيما بين القرنين الثالث و السابع ممن كانوا رسل علم، و حملة ثقافة و معرفة، و فى القرن الرابع: نجد من بين أولئك العلماء: ففي الثالث نجد من بين أولئك العلماء:

1- يحيى بن يحيى الليثي (234 ه- 848 م) راوى الموطأ تلقى العلم بمكة عن سفيان بن عيينة و غيره.

2- ثابت بن حزم السرقسطي و ابنه قاسم سمعا بمكة سنة (288 ه- 900 م) من الهجري و غيره.

3- زكريا بن خطاب التطيلّي: رحل من الأندلس سنة (295 ه- 907 م) فسمع بمكة كتاب «النسب» لعالم الحجاز الزبير بن بكار المتوفي سنة (256 ه-

14

869 م) سمعه من الجرجاني عن علي بن عبد العزيز عن مؤلفه، كما سمع بمكة «موطأ مالك» من ابراهيم بن سعيد الحذاء، و كلمة (سمع) باصطلاح المحدثين تعني انه تلقى و اخذ سمع شيخه يحدث بذلك الكتاب.

4- يحيى بن عبد العزيز القرطبي (295 ه- 907 م) سمع بمكة من علي بن عبد العزيز.

5- قاسم بن أصبغ (247/ 324 ه- 861 م/ 935 م) تقريبا: هذا من أشهر العلماء، و قد أخذ العلم بمكة عن محمد بن اسماعيل الصائغ و علي بن عبد العزيز.

6- محمد بن عبد اللّه الخولاني (907 م 295 ه) سمع بمكة من علي بن عبد العزيز و غيره.

و فى القرن الرابع: نجد من بين أولئك العلماء: 1) محمد بن عبد اللّه بن يحيى (284/ 339 ه- 897/ 950 م) و هو من أجلة علماء الأندلس و كبار قضاتها و ممن أخذ العلم بمكة عن ابن المنذر و العقيلي و ابن الأعرابي.

2) محمد بن أحمد بن مفرج: سمع بمكة سنة 237 ه- 851 م من ابن الأعرابي و غيره و سمع بجدة و بالمدينة المنورة.

3) عمر بن عبد الملك بن سليمان الخولاني، ذكر ابن خير في «الفهرست» أنه روى سنن أبي داود بسنده اليه. و هذا رواها عن ابن الاعرابي بمكة سنة 339/ 340 950/ 951 م.

4) عبد الرحمن بن خلف الاقليشي، رحل إلى مكة سنة 349 ه- 960 م فأخذ العلم عن أبي بكر الآجري و أبي حفص الجمحي.

5) منذر بن سعيد البلوطي (.../ 355 ه- 965 م) تلقى العلم بمكة عن محمد بن المنذر النيسابورى، و عنه روى كتابه «الاشراف» فى اختلاف العلماء.

6) كما يروي ابن خير (صحيح البخاري) بسنده إلى محمد بن أحمد المروزي بمكة سنة 353 ه- 964 م و هذا يرويه بسنده إلى البخارى.

15

7) و يروي ابن خير «تاريخ البرقي فى رجال الموطأ» بسنده إلى علي بن أحمد بن شعيب بمكة سنة (388 ه- 998 م) بسنده إلى المؤلف.

و فى القرن الخامس: نجد من بين العلماء الاندلسيين: 1- عبد الوهاب بن محمد القرطبي المقرئ (403/ 461 1012/ 1068 م) سمع بمكة على أبي العباس الكازريني.

2- عمر بن محمد السجزي الذي روى ابن خير بسنده اليه صحيح مسلم و قد حدث به بمكة سنة 403 ه- 1012 م.

3- و يروى ابن خير الاشبيلي «سيرة النبي» صلى اللّه عليه و سلم، لابن طرخان التميمي بسند إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور و هذا يرويها عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروى قراءه عليه فى المسجد الحرام عند باب الندوة سنة 431 ه- 1039 م.

4- و يروى «سنن الترمذي» بسنده إلى محمد بن أحمد الاردشتاني بمكة سنة (455 ه- 1063 م) بسند إلى المؤلف.

5- و يروي كتاب «التلخيص فى القراءات الثمان» لعبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المكي بسند إلى أحمد بن شعبان المقرئ عن المؤلف بمكة سنة (473 ه- 1080 م).

6- محمد بن عبد الرحمن الاشبيلى (450 ه- 1058 م تقريبا) تلقى العلم بمكة عن رزين بن معاوية إمام المالكية.

7- عمر بن حسن الهوزنى (460 ه- 1067 م) سمع في طريقه إلى مكة كتاب «صحيح البخاري» و عنه أخذ كثير من علماء الأندلس روايته.

و فى القرن السادس نجد من بين اولئك العلماء: 1- محمد بن الحسين الميورقي: قرأ بمكة سنة (517 ه- 1123 م) على عبد اللّه بن محمد البيضاوي، و عبد الملك ابن ابي مسلم النهاوندي.

2- محمد يوسف المرسي: سمع بمكة سنة (521 ه- 1127 م) من رزين بن معاوية.

16

3- محمد بن عبد اللّه بن العربى (468/ 543 ه- 1075/ 1148 م) الإمام المالكي الجليل، ذو التصانيف الكثيرة في الحديث و غيره، سمع بمكة الحسين الطبري و ابن طلحة و ابن بندار و له رحلة إلى المشرق نقل عنه ابن رشيد الفهري و غيره. و منها قطعة نشرها استاذنا الدكتور إحسان عباس فى مجلة «الابحاث» قبل ثلاث سنوات، لا تختلف كثيرا عن القطعة التى ذكرها الكناني، الموجود في مكتبته في خزانة الرباط.

4- أحمد بن عيسى: سمع بمكة سنة (547 ه- 1152 م) «جامع الترمذي» من أبي الفتح الكرخي.

5- طارق بن موسى بن يعيش (.../ 549 ه- 1154 م) سمع بمكة من الحسين بن علي الطبري و عبد الباقي الزهري، و عنه أخذ كتاب «الاحياء» عن مؤلفه الغزالي.

6- خلف بن فرج بن خلف: لقي بمكة سنة (505 ه- 1111 م) رزين بن معاوية الاندلسي ثم المكي، فروى عنه كتاب «تجريد الصحاح» من تأليفه.

7- الحسين بن محمد بن الحسن الانصاري: (.../ 585 ه- 1189 م) روى بمكة «صحيح البخاري» عن علي بن حميد الطرابلسي.

8- مساعد بن أحمد بن مساعد الاصبحي (468/ 545 ه- 1075/ 1150 م) لقى بمكة أبا عبد اللّه الطبرى فسمع منه صحيح مسلم .. و لقى أبا محمد بن العرجاء و أبا بكر بن الوليد الطرطوشى و أصحاب الإمام أبي حامد الغزالي و ممن لقي امرأة تعرف بصباح، عند باب الصفا، و كان يقرأ عليها بعض التفاسير، فجاء بيت شعر شاهد فسألت: هل له صاحب؟ فسألوا الشيخ أبا محمد بن العرجاء فقال الشيخ: لا أذكر له صاحبا فأنشدت:

طلعت شمس من أحبك ليلا* * * و استضاءت فمالها من مغيب‏

إن شمس النهار تغرب بالليل‏* * * و شمس القلوب دون غروب‏

9- محمد بن جبير (540/ 599 ه- 1145/ 1202 م) صاحب الرحلة المعروفة و من رقيق شعره:

17

بدت لي أعلام بيت الهدي‏* * * بمكة و النور باد عليه‏

فأحرمت شوقا له بالهوى‏* * * و أهديت قلبى هديا اليه‏

و قد تحدث في رحلته عن مكة و عن علمائها.

10- ابراهيم بن منبه الغافقى سمع بمكة سنة (555 ه- 1160 م) صحيح البخاري من سلطان بن ابراهيم المقدسي عن كريمة المروزية، و نقل عن أبي ذر الهروي و هو من علماء مكة، أنه قال عند موته: عليكم بكريمة، فإنها تحمل كتاب البخارى من طريق أبي الهيثم- يقصد ترويه بإسناد عال-.

و فى القرن السابع من أشهر أولئك العلماء: 1- محمد بن عمر بن محمد المعروف بابن رشيد- بضم الراء (657/ 721 ه- 1258/ 1321 م) و هذا من أشهر علماء الاندلس و قد قام برحلة إلى بلاد المشرق و دوّن كثيرا مما شاهده بكتاب سماه «مل‏ء العيبة» فى خمسة أجزاء، بقي منها أربعة بخط المؤلف، و قد خص الحجاز بقسم تحدث فيه عن كثير من أحواله و ذكر من اجتمع به فيه من العلماء، و قد نشرنا ذلك القسم في المجلد الثالث من مجلة «العرب».

2- محمد بن ابراهيم بن غصن الاشبيلي (631/ 723 ه- 1233/ 1323 م) من كبار علماء الأندلس، و قدم مكة حلجا فتصدى للتعليم فأقرأ القرآن بها، و ممن قرأ عليه الشيخ خليل امام المالكية، و شهاب الدين الطبري إمام الحنفية.

هذه اشارات و لمحات موجزة عن صلة علماء من أقصى الأقطار الإسلامية و أبعدها عن مكة المكرمة، و سيقول قائل: و ماذا عن علماء العراق و الشام و مصر؟ فالجواب:

(شبّ عمرو عن الطوق!!) فصلات هذه الأقطار بأم القرى مما لا تتسع له صفحات صحيفة بل تضيق عنه مجلدات الكتب. و لا بد من الإشارة- و لو بإيجاز- إلى أن هذه الأقطار الثلاثة، و قد حفلت بالعلماء و بما يحتاج إليه أولئك مما ييسر لهم سبل الحياة الناعمة الهادئة، قد اتجهوا اتجاها آخر يحتاج تفصيله إلى تطويل.

و عن جنوب الجزيرة التي هي أقرب فى حياتها الاجتماعية الى حياة سكان‏

18

الحرمين، و القرب- دائما في نمط الحياة- من وسائل التقارب في الأفكار، فماذا كان أثر هذا التقارب في الأفكار؟!

و الجواب: لقد نبغ فى القرن الثالث و الرابع فى اليمن علامة جليل لم يفارق تلك البلاد. و مع ذلك فقد بلغت مؤلفاته الأندلس في حياته، و هو الحسن بن أحمد الهمداني‏ (1) ...

ففي مؤلفاته إشارات ألقت الضوء على مالمكة المكرمة من أثر فى الحياة الثقافية، فقد روى الهمداني «السيرة النبوية» التي ألفها محمد بن اسحاق عن عالم مكّي هو الخضر بن محمد بن داود، و المعروف عند المشارقة رواية السيرة بطريق عبد الملك بن هشام عن البكائى عن المؤلف و عند المغاربة عن ابن بكير، و لكن طريقة المكيين و روايتهم السيرة عن الخضر لم يذكرها سوى الهمداني فيما علمت، مع أن لهم رواية أخرى أو روايات أخرى نجد إشارات عنها في كتابي الأزرقي و الفاكهي عن مكة.

و هنا جانب عظيم الأهمية فى تاريخ نشر الثقافة الاسلامية و حفظها، لم أر أحدا من الباحثين تعرض له و هو أن جزءا مهما من تراثنا لم نعرفه و لم يصل إلينا إلا بطريق علماء المغرب فقد قاموا بنقله إلى بلادهم بعد تلقيه أثناء قدومهم إلى مكة، و تولوا حفظه بالرواية و النقل، و استفادوا منه، ثم عاد إلينا بطريق ما خلفوه لنا فى تراث ثقافى ضخم، و حسبي الإشارة إلى ثلاثة أعلام من علماء الجزيرة عرفهم علماء الأندلس، و نقلوا مؤلفاتهم. و لم يعرفهم علماء المشرق إلا بطريق أولئك و هم محمد بن اسحاق الفاكهي، مؤرخ مكة، و أبو على هارون بن زكريا الهجرى‏ (3)، و الحسن بن أحمد الهمداني. مؤرخ اليمن و عالمه.

و لقد برّز علماء المغرب على غيرهم فى تدوين الرحلات، و لعل هذا يرجع إلى بعد ذلك القطر عن حواضر العلم و مراكز الثقافة في الحجاز و الشام و العراق في العصور الأولى ثم مصر و (اسطنبول) في العهود المتأخرة، ففي هذه الحواضر و المراكز نشأت‏

____________

(1) انظر ترجمته في مقدمة كتاب «صفة جزيرة العرب» (دار اليمامة).

(2) أنظر (العرب) ص 843 س 8.

(3) أنظر (أبو علي الهجري) ص 10- 69- 96.

أنظر ص 21 مقدمة «صفة جزيرة العرب» نشر (دار اليمامة).

19

الثقافة العربية الاسلامية أول ما نشأت، ثم ما زالت تنمو حتى تكاملت فروعها، و رسخت أصولها. و بلاد المغرب- بمختلف أقطاره و منه الأندلس-.

و إن كان في عصوره الزاهرة يمد تلك الثقافة بروافد قوية إلا أن علماءه كانوا- و ما يزالون- يرون في تلك الحواضر. و خاصة مكة و المدينة، مهوى لأفئدتهم و مطمحا لرغباتهم، و ملتقى روحيا تتطلع نفوسهم لبلوغه لا لأداء فريضة أوجبها الدين الحنيف فحسب، و لكن للتزود من العلم، و للالتقاء و الاجتماع بالعلماء فى أحفل مجمع، و أشمل ملتقى.

و للحديث عن عناية علماء المغرب بتدوين رحلاتهم إلى الحج مجال أوسع من هذا، و حسبى أن أعرض الان إحدى الرحلات، عرضا دعت المناسبة إليه.

و يلاحظ الباحث فى تاريخ الثقافة أن أدب الرحلات ازدهر فى العصور المتأخرة التي اعترى الجمود مختلف الجوانب الثقافية، منذ القرن الحادي عشر الهجري حتى نهاية القرن الثالث عشر.

و ما اخالني جانفت الحقيقة حين قلت فى حديثي في (ملتقى مؤرخ الأندلس ابن حيان) الذي أقيم فى الرباط في آخر شهر المحرم من هذا العام (1403 ه- 1981 م) ليست رحلتا ابن بطوطة و ابن جبير- على جلالة قدرهما- يمدّان الباحث بفكرة كاملة عما تحويه غيرهما من رحلات علماء المغرب، مما يتطلع إليه الدارسون لمختلف أحوال غرب الجزيرة، من معلومات وافية.

و ليس من المبالغة القول بأن في رحلات ابن رشيد الفهري و التجيبى و العبدرى و العياشي و الدّرعيّين أحمد بن ناصر، و محمّد بن عبد السلام، و من بعدهم إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجرى- في تلك الرحلات ما يعتبر من أوفى المصادر و أشملها و أوثقها في دراسة كثير من أحوال المدينتين الكريمتين مكة و المدينة، من ثقافية و اجتماعية و اقتصادية. و هذا ما لم أر أحدا من الباحثين إتجه له باعتبار تلك الرحلات تكوّن وحدة متكاملة في موضوعها.

أشهر رحلات الحج:

و لا يتسع المجال لأكثر من ذكر أهم رحلات الحج، التي في ميسور كل باحث‏

20

الاطلاع عليها- مما يعدّ مكملا لهذا البحث- و كثير من تلك الرحلات نشرت خلاصة ما يتعلق بالحج في مجلة «العرب».

1- رحلة ابن جبير:

محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي (528/ 607 ه- 1113 م).

كتب بعض مشاهداته في إحدي رحلاته إلى الشرق فيما بين سنتي (578/ 581 ه- 1182/ 1185 م) فتولى أحد تلاميذه- فيما يقال- الرحلة المعروفة باسمه و قد طبعت مرارا و نالت جانبا من الدراسة من بعض الباحثين.

و منهم الأستاذ الشيخ عبد القدوس الأنصاري، حيث ألف عنها «مع ابن جبير في رحلته».

2- رحلة اپن رشيد:

هو محمد بن عمر بن رشيد- بضم الراء- الفهري السبتي الأندلسي (657/ 721 ه- 1258- 1321 م).

زار مصر و الشام و الحجاز، بحيث وصل المدينة المنورة بطريق الحج الشامي في 23 ذي القعدة سنة (684 ه- 1285 م) و عاد منها بعد أن حج- عاد في 28 ذي الحجة سنة (684 ه- 1285 م) و عاد منها بعد أن حج- عاد في 28 ذي الحجة سنة (684 ه- 1285 م). بطريق الساحل مارا بالعقبة في 25 محرم سنة (685 ه (1)- 1286 م).

و مع عناية العلماء المتقدمين برحلة ابن رشيد، التي دعاها «مل‏ء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين الكريمتين إلى مكة و طيبة»- إلا أنها لم تصل إلينا كاملة، و هي من أحفل الرحلات، و أشملها، و الأجزاء الباقية منها على ما يظهر- مسودة المؤلف بخطه.

و يقوم الصديق الأستاذ الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة مفتى البلاد التونسية بتحقيق تلك الرحلة، و قد أخبرني في 14 شهر ربيع الأول سنة (1402 ه- 1981 م) أنه تم طبع جزأين منها.

____________

(1) وقع تطبيع فى مجلة «العرب» س (3)- ص (785).

21

3- رحلة العبدري:

هو محمد بن محمد بن علي العبدري الحيحى نسبة إلى حاجة- على غير قياس- قبيلة من البربر، في المغرب الأقصى و هو من أهل القرن السابع.

حج سنة (689 ه- 1290 م) مارا بمصر، سالكا طريق الحج الساحلي، فوصف ذلك الطريق منزلة منزلة، و قد استفاد من رحلة ابن جبير، و أتى بأشياء لم يذكرها ابن جبير في رحلته.

و قد طبعت رحلته في مدينة الرباط، بتحقيق الشيخ محمد الفاسي سنة (1388 ه- 1968 م).

4- رحلة التجيبي:

القاسم بن يوسف بن علي السبتي التجيبي (670/ 730 ه- 1271/ 1329 م).

و قد حج سنة (696 ه- 1296 م) بطريق البحر من عيذاب، إلى مرسى أبحر- من موانى جدة، فوصل في 8 رمضان من تلك السنة بعد أن أمضى في البحر 24 يوما.

و لا تعرف نسخة كاملة من رحلته، و الموجود قطعة يبدأ الحديث فيها عن مدينة القاهرة، و ينتهى بالكلام على المبيت بمنى.

و قد حقق هذا الجزء الأستاذ الصديق عبد الحفيظ منصور، فجاء في مجلد بلغت صفحاته 557 مطبوعا في تونس.

5- رحلة ابن بطوطة:

و هو محمد بن عبد اللّه بن محمد اللواتى الطنجي (703/ 779 ه- 1303/ 1377 م) و بطوطة بتشديد الطاء الأولى المضمومة-.

و رحلته شاملة فقد زار الأقطار الاسلامية و بلاد الشرق في عهده، و استغرق في رحلته سبعا و عشرين سنة- من سنة 725 ه- 1324 م).

22

و نقلها عنه محمد بن جزي الكلبي في مدينة فاس سنة 756 ه- 1355 م) و سماها: «تحفة النظار، في غرائب الأمصار، و عجائب الأسفار».

و فى تلك الرحلة بعض أوهام منها ما ذكر عن شيخ الاسلام ابن تيمية، فقد تحدث عنه حديث من حضر مجلسه، مع أنه أدخل السجن قبل وصول ابن بطوطة إلى دمشق بأيام، و لم يخرج من السجن.

و تعتبر رحلة ابن بطوطة أشهر الرحلات لشمولها.

و قد وجدت عناية كبيرة من الباحثين، و ترجمت إلى عدد من اللغات، و طبعت مرات.

6- رحلة البلوي:

هو خالد بن عيسى بن أحمد البلوي الأندلسى من أهل القرن الثامن.

حج سنة (738 ه- 1337 م) مارا بمصر ثم بالشام، فقد ركب مع الركب الكركي بطريق الحج الشامي فوصل المدينة في 19 ذى القعدة سنة (837 ه- 1433 م) و حج، ثم عاد من المدينة في 24 المحرم سنة (738 ه- 1337 م) مارا بالعقبة فالقاهرة حيث وصلها في 14 صفر سنة (738 ه- 1337 م).

و اسم رحلته «تاج المفرق، في تحلية أهل المشرق» و قد وصفها صاحب «نفح الطيب» بأنها رحلة كبيرة، كثيرة الفوائد.

و قد طالعت نسخا مخطوطة منها، و لخصت ما يتعلق بالحج فيها، و لا حظت اضطرابا في ترتيب منازل الحج، أشرت إلى ذلك في مجلة «العرب»- س 11 ص 731-.

و قد علمت منذ عهد قريب بأن تلك الرحلة قد طبعت.

7- رحلة الصفدي؛

خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة (764 ه- 1362 م) و اسمها «حقيقة المجاز إلى الحجاز» كانت منها نسخة مخطوطة في زاوية درعة في المغرب، بخط المؤلف-

23

على ما ذكر ابن عبد السلام في رحلته- و نقل عنها، كما نقل عنها صاحب «درر الفوائد المنظمة».

و بلغني بأن في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة نسخة منها.

8- رحلة القلصادي؛

أبو الحسن على القلصادى الأندلسي المتوفي سنة (891 ه- 1486 م).

بلغ جده بطريق البحر في شعبان سنة (851 ه- 1447 م) و عاد بحرا- بعد أداء الحج- من رابغ إلى العقبة فمصر- في المحرم سنة 852 ه- 1448 م).

و قد حقق رحلته صديقنا الأستاذ محمد أبو الأجفان، الأستاذ بجامعة الزيتونة فى تونس و نشرت سنة 1399 (1978 م) في 256 صفحة- في تونس-.

9- درر الفوائد المنظمة؛

هذا كتاب شامل كاسمه في أخبار الحج، و طريق مكة المعظمة- للشيخ محمد بن عبد القادر الجزيري المصري الحنبلي المتوفي سنة 944 ه- 1537 م).

و قد تضمن وصفا لرحلاته من القاهرة إلى الحج- بطريق الساحل، فهو من هذه الناحية يدخل في نطاق رحلات الحج-.

و قد طبع الكتاب عن نسخة ناقصة، مع وجود مخطوطتين كاملتين إحداهما في (دار الكتب) في القاهرة، و الأخرى في مكتبة القرويين في فاس- انظر مجلة «العرب» س 12 ص 331.

10- رحلة البكري؛

البكريون العلماء كثيرون، و لبعضهم رحلات، و مما ينسب إلى أحدهم رحلة ذات أسلوب أدبي ممتع، تضمنت وصف منازل الحج من البركة- المنزل الأول من القاهرة- إلى مكة المكرمة- بطريق سيناء، فساحل البحر إلى ينبع فبدر، فرابغ-.

يصف الكاتب المنزل نثرا و شعرا- بدون تكلف-.

و قد وصف العياشي تلك الرحلة بقوله: قد ظفرت بمصر رسالة للشيخ محمد

24

البكري- و أظنه محمد بن الشيخ زين العابدين، ذكر فيها الحج و دياره و ذهابا و إيابا، و حقق قدر ما في كل مرحلة من الساعات و الدرج و الدقايق، و صعوبتها و سهولتها، بنثر بليغ و عبارات رائقة.

و ذكر في كل منزلة شعرا يتعلق بأحوالها.

و البكري الذى ظنه العياشي صاحب تلك الرحلة هو زين الدين محمد بن زين العابدين محمد بن محمد البكري الصديقي المصري، له مؤلفان فى تاريخ الدولة التركية ذكرهما الخير الزركلي في «الأعلام» و أرخ سنة وفاته (1028 ه- 1618 م).

و لم أطلع على رحلته مفردة، و لكنني وجدت وصف المراحل تامة في رحلات العياشي و ابن ناصر و ابن عبد السلام و ابي مدين، فنشرتها في «العرب».

11- رحلة البكري؛

من أهل القرن الحادي عشر، لخصها الدكتور أحمد سامح الخالدي، و نشر الملخص فى مجلة «الرسالة» التي كانت تصدر في القاهرة، و اسم الرحلة «الحقيقة و المجاز» و مخطوطتها في دار الكتب المصرية.

12- رحلة القيسي؛

محمد بن أحمد القيسي- من أهل القرن الحادى عشر و يعرف بابن مليح-.

13- رحلة العياشية؛

أبو سالم عبد اللّه بن محمد العياشي- نسبة إلى قبيلة آية عيّاش- الفاسي (1037/ 1090 ه- 1627/ 1679 م) و اسمها: «ماء الموائد» من أوفى رحلات الحج، بل هي أوفى رحلة اطلعت عليها، و قد ورد فيها: (و قصدى إن شاء اللّه- من كتابة هذه الرحلة أن تكون ديوان علم، لا كتاب سمر و فكاهة، و إن وجد الأمران فذلك ادعى لنشاط الناظر فيها، سيّما إن كل صاحب تلوين، و أما صاحب التمكين فلكل شي‏ء عنده موقع و نفع، لا يوجد عند غيره) انتهى.

25

و الواقع أنها كما ذكر، فهي ديوان علم لما حوته من المباحث العلمية المتنوعة، و من الكلام على منازل الحج و مشاعره المقدسة، و من وصف شامل للحجاز في القرن الحادي عشر الهجري في مختلف حالاته الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية و الإدارية.

ثم هي كتاب سمر و محاضرة لما تخللها من مباحث أدبية و قصص و أخبار و مقطوعات شعرية.

و تعتبر رحلة العياشي مصدرا لكثير ممن جاء بعده من الرحالين المغاربة كابن ناصر و ابن عبد السلام و الزبادي و غيرهم و لهذا وصفه ابن ناصر في رحلته بأنه (إمام المرتحلين في زماننا) و لخص كثيرا مما جاء في رحلته. حينا يصرح بالنقل منها و أحيانا يفوته ذلك.

و قد حج سنة (1059، 1064، 1072 ه- 1649، 1653، 1661 م).

و جاور في الحرمين و في القدس و في الخليل.

و له مؤلفات منها رحلته التى سماها «ماء الموائد».

و قد طبعت طبعة حجرية بالخط المغربي في مدينة فاس، (1316 ه- 1898 م) في جزئين صفحاتهما 566+ 422- 878+ 24 فهارس و تقاريظ و إصلاح تطبيع.

ثم أعيد نشرها- بطريقة التصوير سنة (1397 ه- 1977 م) و وضع الأستاذ محمد حجي أستاذ التاريخ في كلية الآداب في مدينة الرباط لها فهارس مفصلة عن أسماء الأعلام و المواضع و الكتب، طبعت ملحقة بالجزء الثاني من تلك الرحلة في خمسين صفحة.

14- رحلة القيسي؛

محمد بن أحمد القيسي، من أهل القرن الحادى عشر- و يعرف بابن مليح-.

و اسم رحلته «أنس الساري السارب، من أقطار المغارب، إلى منتهى الآمال و المآرب سيد الأعاجم و الأعارب».

و قد طبعت في الرباط سنة (1388 ه- 1968 م) بتحقيق الشيخ محمد الفاسي.

26

15- رحلة الهشتوكي:

و هو أحمد بن محمد بن داود بن يعزى الجرولي نسبا الهشتوكي شهرة المتوفي سنة (1096- 1684 م).

يوجد فى الخزانة العامة رحلة مخطوطة يري الصديق محمد بن إبراهيم الكتاني انها للهشتوكى المذكور و لكنني رأيت في أحد المواضع منها ذكر تاريخ سنة (1099 ه- 1687 م) و أن مؤلفها معاصر للسلطان اسماعيل سلطان المغرب الذي تولى الحكم من سنة (1082 ه- 1671 م) إلى (1139 ه- 1726) لأنه يدعو له بالنصر و أنه اجتمع بالشيخ عبد اللّه بن سالم البصرى المتوفى سنة (1134- 1721 م).

و على كل حال فالمؤلف من أهل القرن الحادي عشرة الهجري، و يصف الشيخ العياشي بأنه شيخه و أسلوب الرحلة يدل على عدم تمكن صاحبها من العلم و إن كانت لا تخلو من الفوائد.

و زيادة فى الفائدة؛ فعلى الرغم من أن هذه الرحلات التالية قد تمت بعد رحلة آوليا چلبي للحجاز (1081 ه- 1670 م) إلا أننا أوردناها تسهيلا على الباحثين، و حتى تعم فوائدها فى إلقاء الضوء على الحجاز حتى العصر الحديث. و من أهم هذه الرحلات التى تمت بعد رحلة آوليا چلبي ما يلى:

[الرحلات التى تمت بعد رحلة آوليا چلبي‏]

1- الرحلة الناصرية:

مؤلفها الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي (1057- 1129 ه- 1647- 1716 م).

تعتبر هذه الرحلة من أوفى الرحلات إلى الحج و امتعها. و قد اعتمد فيها مؤلفها على رحلة شيخه أبي سالم العياشي الذى وصفه بأنه شيخ الرحّالين، و قد رحل ابن ناصر هذا أربع رحلات إلي الحج إحداها سنة (1121 ه- 1709 م).

و الرحلة مطبوعة طبعة حجرية بحروف مغربية في مدينة فاس سنة (1320 ه- 1902 م) و تقع في حزئين صفحاتها 442.

27

2- رحلة النابلسي:

هو الشيخ عبد الغني بن اسماعيل النابلسي الدمشقي (1050/ 1143 ه- 1640/ 1730 م).

ذو المؤلفات الكثيرة في مختلف علوم عصره، و الذي يعنينا منها ما يتعلق بالرحلات و له ثلاث مؤلفات فيها، أهمها و اغزرها فائدة: «الحقيقة و المجاز، فى رحلة الشام و مصر و الحجاز» في ثلاثة أجزاء ثالثها عن الحجاز- في وصف طريق الحج من مصر برا إلى المدينة ثم مكة، ثم عاد من المدينة إلى دمشق برا.

و قد ألف رحلته هذه على طريقة كتابة المذكرات يوما فيوما، منذ أن بدأ فى الرحلة فى بلاد الشام- من مدينة دمشق حتى عاد إليها، و قد سجل مشاهداته عن الحجاز من اليوم الثالث و الثمانين بعد المئة إلي يوم عودته إلي دمشق في اليوم الثامن و الثمانين و الثلاث مئة- أى فى خلال مئتين و خمسة أيام- ابتداء من خروجه من مصر في سابع رجب سنة (1104 ه- 1692 م) إلى يوم عودته إلى دمشق خامس صفر سنة (1105 ه- 1693 م)- على ما جاء فى تلك الرحلة.

و تعتبر رحلته- أو رحلاته- هذه من أمتع الرحلات، و أحفلها بالمعلومات- مع ما فيها من آراء لا تتفق مع روح عصرنا-.

و لم تطبع هذه الرحلة بعد.

3- رحلة المنالي الزّبّادي:

هو عبد المجيد بن علي الحسني الإدريسي الفاسي المتوفى سنة (1163 ه- 1749 م)، و اسم رحلته «بلوغ المرام بالرحلة إلى البيت الحرام»، و كان حج سنة (1148 ه- 1735 م) و ضمن رحلته هذه قصيدة سماها «اتحاف المسكين الناسك لبيان المراحل و المناسك» و له شعره من نمط شعر العلماء منه قصيدة مطلعها»:

سلام على نجد و من حل في نجد* * * سلام محب زائد الشوق و الوجد

يتشوق فيها إلى مغاني الحجاز.

و رحلته هذه لا تزال مخطوطة و منها نسخة في الخزانة العامة في مدينة الرباط،

28

و قد عول كثيرا على رحلة العياشي و تعتبر رحلته متممة لرحلتي العياشي ابن ناصر، و كذا رحلة الدرعي.

4- رحلة السويدي:

أبو بكر عبد اللّه بن حسين السويدي البغدادى (1104/ 1174 ه- 1692/ 1760 م).

و اسمها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» و من نسخها المخطوطة نسخة فى مكتبة حكمة شيخ الإسلام فى المدينة.

5- رحلة ابن عبد السلام:

هو محمد بن عبد السلام بن عبد اللّه الناصري الدرعي المتوفي سنة (1239 ه- 1823 م) من بيت علم مشهور. و قد حج مرتين إحداهما سنة (1196 ه- 1781 م) و الثانية (1211 ه- 1796 م).

و عن الحجة الأولى ألف رحلته الكبرى و هي من أوسع الرحلات و أولها و قد رجع فيها إلي كثير من الرحلات المؤلفة قبل عهده كرحلة العياشي و رحلة العبدرى و رحلة الصفدي و رحلة التجيبي و رحلة البكري و الرحلة الناصرية.

أما عن حجته الثانية فقد ألف عنها الرحلة الصغرى.

و لكن الرحلة الكبرى الأولى أوفي و أغزر فائدة من كثير من الرحلات و لا تزال مخطوطة و منها نسخة فى الخزانة العامة فى الرباط مكتوبة فى عهد المؤلف و قد تكون مسودة تأليفه.

و سيأتى تفصيل ما أجمل عن هذه الرحلة.

6- رحلة التامراوي:

هو محمد بن محمد المزواري التامراوي من المغرب الأقصى حج سنة (1242 ه- 1826 م).

و قد أورد رحلته كاملة صاحب كتاب «المعسول»- ج 8 ص 197. و هي موجزة جدا و لكنها لا تخلو من فائدة مع وقوع تحريف في أسماء المواضع.

29

7- رحلة إدريس العلوي:

هو إدريس بن عبد الهادي العلوي الحسني الفاسي المتوفى فى المدينة سنة (1331- 1912 م).

وصف رحلته إلى الحج سنة (1288 ه- 1871 م).

و قد أبحر من السويس إلى ينبع.

و هي رحلة مختصرة جدا و مخطوطتها في خزانة الرباط.

8- رحلة ابن كيران:

هو محمد بن الطيب بن كيران الفاسي المتوفي سنة (1314 ه- 1896 م) و اسم رحلته: «الرحلة الفاسية الممزوجة بالمناسك المالكية» وصف فيها رحلته إلى الحج سنة (1293- 1876 م) و قدم بطريق البحر فى الباخرة.

و هذه الرحلة مطبوعة فى مدينة فاس و لكننى اطلعت على مخطوطة فى خزانة الرباط. و هى لا تخلو من فوائد و خاصة فى وصف الطريق بين مكة و المدينة.

9- الرحلة الحميدية:

مؤلفها اسماعيل الحميدي المالكي. و قد يكون مصريا، و هو من أهل القرن الثالث عشر حج سنة (1297 ه- 1879 م) عن طريق السويس إلى جده.

و مخطوطة هذه الرحلة التي أطلعت عليها موجودة في خزانة الرباط، و هي ممزوجة بالمناسك، و مع اختصارها ففيها فوائد.

10- رحلة التونسي:

هو محمد بن عثمان السنوسي التونسي (1266- 1318 ه- 1849 م- 1900 م) و قد حج سنة (1299 ه- 1881 م).

و التونسى من مشاهير علماء تونس، و قد بدئ فى نشر رحلته فى تونس فصدر منها جزء فى التراجم.

30

و رحلته وافية المباحث و هو يعني بتواريخ العلماء و تراجمهم، مع تسجيل واف لمشاهداته فى مكة و فى المدينة، و وصف لمنازل الحج إلى الشام، حيث عاد مع الحاج الشامى.

و من رحلات أهل القرن الرابع عشر- العشرين الميلادي و هي كثيرة:

1- دليل الحج، للوارد إلى مكة و المدينة من كل فج، تأليف محمد صادق.

كتاب يشمل ثلاث رحلات للمؤلف:

(1) من الوجه إلى المدينة المنورة و منها إلى ينبع في سنة (1277 ه- 1860 م).

(2) للحج سنة (1287 ه- 1870 م) أمينا للصرة و هذه الرحلة وصفها في كتاب سماه «مشعل المحمل».

(3) للحج سنة (1302 ه- 1884 م) وصفها بكتاب سماه «كوكب الحج» جمع هذه الرحلات الثلاث في هذا الكتاب الذي طبع سنة 1313 (1896 م) في 152 صفحة و فيه صور.

2- مشعل المحمل، تأليف محمد صادق يصف فى هذه الرحلة سير الحاج من مصر برا في الذهاب و الإياب- في سنة (1297 ه- 1897 م)- مطبوع سنة (1298 ه- 1880 م) في 60 صفحة (و قد ضمنه كتابه «دليل الحج» المتقدم ذكره).

3- التحفة اليمنية في الأخبار الحجازية: لمحمد اليمني بن علي بن عرعار محار العنابي الجزائري. مطبوعة فى القاهرة سنة (1311 ه- 1893 م) في 39 ص.

4- الرحلة الوهبية إلى الأقطار الحجازية- تأليف أحمد علي الشاذلي- صاحب جريدة الإسلام: وصف موجز لرحلة المؤلف لأداء الحج سنة (1321 ه- 1903 م) في 86 ص صغيرة و هي على إيجازها تحوى وصفا مجملا عما يسود الحجاز في ذلك العهد من الفوضى و اختلال الأمن.

5- مرشد الحجاج إلى الأماكن المقدسة، تأليف محمد حسن غالي، مطبوع في الرحمانية في القاهرة سنة (1923 م) في 200 ص.

6- مرآة الحرمين، تأليف اللواء ابراهيم رفعت باشا (1273/ 1353 ه- 1856/ 1934 م) أمير الحج المصري في سنة (1320، 1321، 1325 ه-

31

1902، 1903، 1907 م)- كتاب من أمتع كتب الرحلات و أوسعها يقع في مجلدين صفحاتها 528+ 407- 935 يزدان بالصور و الخرائط المتقنة، بطباعة أنيقة حقا- مطبعة دار الكتب المصرية- سنة (1344 ه- 1925 م) (1).

7- الرحلة الحجازية، تأليف محمد لبيب البتنوني، وصف فيها حج الخديوى عباس حلمي سنة (1327 ه- 1909 م) و هي من أوفي الرحلات تفضيلا عن أحوال الحجاز العامة في ذلك العهد- على ما فيها من أخطاء- و قد طبعت طباعة جيدة مصورة في سنة (1329 ه- 1911 م) في 334 ص عدا الصور و الخرائط.

8- سياحتي إلى الحجاز، منسوبة إلى غريب بن عجيب الهاشمي مطبوعة في القاهرة سنة 1915 م في 457 ص مصورة.

9- تذكار الحجاز، رحلة موجزة لعبد العزيز صبرى من مصر فى آخر عهد الشريف الحسين، و هي على إيجازها ذات فوائد، مطبوعة سنة (1342 ه- 1923 م) المطبعة السلفية و تقع في 228 ص و فيها صور.

10- في قلب نجد و الحجاز، لمحمد شفيق مصطفى، صحفي مصرى قام برحلة من القاهرة- بطريق فلسطين- إلى قريات الملح فالجوف فالقصيم فالرياض فمكة، في سنة (1346 ه- 1927 م) و نشر وصف ما شاهده في جريدة السياسة، ثم قامت دار المنار بطبع تلك المقالات في كتيب بلغت صفحاته 67، و فيه معلومات طريفة على إيحازها.

11- مرشد الحاج، تأليف عبد الوهاب مظهر سنة (1347 ه- 1928 م) مطبوع في 103 ص.

12- الارتسامات اللطاف، في خواطر الحاج إلي أقدس مطاف، للأمير شكيب أرسلان (1286/ 1366 ه- 1869/ 1946 م) يصف رحلته للحج سنة (1348 ه- 1929 م) في 304 ص و يتطرق إلى وصف مكة و الطائف و عمران الجزيرة و مختلف جوانب الحياة بتفصيل، بحيث تعتبر هذه الرحلة من أمتع الرحلات و أوفارها.

____________

(1) و هى تختلف عن مرآة الحرمين لأيوب صبرى باشا، فهذا الكتاب فى تاريخ الحرمين و المدينين و وصف لجزيرة العرب (المترجم).

32

13- رحلة الحجاز لابراهيم عبد القادر المازني (1308/ 1368 ه- 1890/ 1948 م) في سنة (1349 ه- 1930 م) في وصف الاحتفال بجلوس الملك عبد العزيز- رحمة اللّه- مطبوعة سنة (1930 م) في 166 صفحة مصورة.

14- مشاهداتي في بلاد الحجاز، تأليف عبد الوهاب خضير، كتيب يقع في 43 صفحة يصف أول احتفال بجلوس الملك عبد العزيز- (رحمه اللّه)- في سنة (1349 ه- 1930 م) و هو مقدم بقلم أحمد زكي باشا و مصور و مطبوع.

15- في المملكة الروحية للعالم الإسلامي (رحلة إلي الحجاز سنة 1349 ه- 1931 م) تأليف مصطفى محمد، في 230 ص مصورة، مطبوعة بمطبعة المدينة المنورة)!.

و هكذا نرى أن نفوس كثير من المسلمين كانت تهفو إلى ديار الحجاز طوال التاريخ .. و مما لا شك فيه أن كل رحلة تحمل بين صفحاتها الكثير من المعلومات عن الحالة السياسية، و الإدارية، و الثقافية، و الإجتماعية لمنطقة الحجاز.

و حتى نستطيع أن نستفيد من الرحلة التى نحن بصددها؛ فلابد من القاء بعض الضوء على:-

أ- الحجاز فى العصر العثمانى، أو لنقل العثمانيون و الحجاز.

ب- الرحّالة آوليا چلبي الذي قام بالرحلة.

***

33

أ- العثمانيون و الحجاز

مكانة الحجاز لدى سلاطين آل عثمان:

كان للحجاز مكانة خاصة لدي السلاطين العثمانيين، و كانوا ينتهزون الفرصة للتعبير عن محبتهم، و إحترامهم لأمراء مكه، و ذلك لإنتسابهم إلي آل البيت. و قد حافظ العثمانيون منذ بدايات ظهورهم على مسرح التاريخ بعلاقات طيبة مع أمراء الحجاز، و يكفى للتدليل علي ذلك ما قام به السلطان محمد الفاتح، من مراسلات مع أمير مكة، عن طريق العالم الجليل الحاج محمد الزيتوني؛ حيث أرسل الفاتح يبشرهم بفتح القسطنطينية، مرفقا الهدايا القيمة مع رسائل البشارة، و ما كان من أمير مكة إلا أن أمر بقراءة الرسالة المرسلة أمام الكعبة المشرفة، و أردف ذلك بالدعاء للسلطان الفاتح، ورد على هداياه بهدايا آخرى مع نجم الدين السيوطى.

لقد قام الفاتح في رسائله بإخبار شريف مكة بالفتح المبين، و أنه حوّل كبرى كنائس القسطنطينية إلي جوامع، و أن هداياه ما هي إلا تعبير عن حسن المودة، و طلب الدعاء. و لم يغفل السلطان الفاتح صاحب السيادة على الحجاز آنذاك؛ و هو السلطان المملوكي، فخصه برسالة، و هدايا قيمة هو الأخر، و تبادلا رسائل التهنئة، و المودة (1). و كانوا يحتضنون الأشراف و السادات‏ (2) الذين توطنوا الديار العثمانية، و سمحوا لهم بإقامة التشكيلات الخاصة بهم، و التى كان يباشرها نقيب الأشراف‏ (3) أولا بشكل مستقل، ثم ألحقوه بالتشكيلات العلمية. و كان هذا المنصب يتوارثه الأبناء عن الأباء.

____________

(1) إنظر هذه الرسائل المتبادلة بين الفاتح، و السلطان المملوكى، و أمير مكة المكرمة فى كتابنا «استانبول؛ عبق التاريخ ..

و روعة الحضارة، القاهرة ج 1، 1419 ه- 1999 م ص 35- 48)، و كذلك؛ منشآت السلاطين لفريدون بك ج 1، القسطنطينية 1264 ه. ص 232- 266 ..

(2) الأشراف و السادات: مصطلح إدارى كان يطلق على أبناء و أحفاد سيدنا الحسن حفيد النبى صلى اللّه عليه و سلم، أما هؤلاء الذين ينتسبون إلى حضرة الحسين فكان يطلق عليهم السادات. و كان لهم نقيب يطلق عليهم نقيب الأشراف ينظم حياتهم، و يحفظ سجلاتهم. و كانت لهم مخصصات من الدولة و لنقيب الأشراف نواب فى كل الولايات يحلون محله فى حل أمور الأشراف. و كان منهم أمراء مكة المكرمة فى بعض المراحل التاريخية و كان العثمانيون يطلقون على أمير مكه «مكة شريفى» أى شريف مكه. و كان الشريف بركات يتبع إداره مصر عند الفتح العثمانى. و ما أن علم بدخول- سليم الأول مصر (923 ه- 1517 م) حتى أرسل اليه إبنه و معه مفاتيح مكه و المدينة و بعض من الأمانات المقدسة. و بهذا انتقلت إلى الاداره العثمانية. (المترجم).

(3) نقيب الأشراف و السادات: لقب و منصب عرفته الحضارة الإسلامية، و يطلق على المتولي لأمور المنتسبين إلي آل بيت-

34

و إذا كان السلاطين العثمانيون قد بسطوا رعايتهم على السادات، و الأشراف و أمّنوا لهم الحياة الكريمة في مختلف الولايات، و المقاطعات العثمانية، و منحوهم‏

____________

- رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من السادات، و الأشراف، و التثبت من نسبهم، و يقوم على سجلاتهم، و توزيع حصصهم من الغنائم، و قد كان بمثابة الوصى علي كل المنتسبين إلى آل البيت، و يثبت مواليدهم، و يسقط وفاياهم.

ورثه العثمانين عن المماليك، و أصبح من المناصب الرفيعة فى الدولة العثمانية، و مكانه فى التشريفات بعد السلطان مباشرة.

ثم الأخذ بهذا النظام منذ عهد بايزيد (1360- 1403 م- 762- 806 ه) و منذ عهذ بايزيد الثانى (1447- 1512 م- 851- 918 ه) صار يعيّن وكيلا للنقيب، في الولايات و المقاطعات الأخرى، و يطلق عليه «وكيل نقيب الأشراف».

و قد كان نقيب الأشراف هو الذي يقلد السلطان سيف السلطنة، و يقوم بمراسم تتويجه في الإحتفال الذي كان يقام في مسجد أبي أيوب الآنصاري، و إعلان السلطان الجديد، و كان هو الذي يقوم بالدعاء للسلطان في المناسبات الدينية، و غيرها.

و أول من عين في هذا المنصب هو العالم البغدادي الشهير، سيد على نطاع بن محمد، و كان تلميذا للأمير البخاري و تولي إلي جانب النظارة على الأشراف، الإشراف علي الزاوية الإسحاقية .. و اشترط توارثها فى أبنائه من بعده.

عقب هزيمة أنقره علي يد تيمور لنك، و تشتت الدولة العثمانية، ثم حبس سيد على نطاع فترة، ثم أطلق سراحه، فذهب إلي الحجاز، ثم عاد إلي بورصة في زمن السلطان مراد الثاني (1421- 1451- 824- 855 ه)، و استمر في وظيفتيه السابقتين. و عقب وفاته تولى إبنه سيد زين العابدين نقابة الأشراف.

بعد وفاة سيد زين العابدين، ظلت هذه الوظيفة شاغرة لمدة ما، إلى أن وصل (إلي العاصمة سنة 900 ه- 1494 م) المولا عبد اللّه القريملي، و الذى كان استاذا للسلطان بايزيد، بعد سياحة طويلة في بلاد العرب، و العجم؛ فرشح أحد طلابه، و هو سيد محمود، كأول نقيب للأشراف، و بعده ظل هذا المنصب شاغرا، فطالب به الكثير من الأدعياء. و كان سيد محمود هذا هو أول من لقّب بلقب «نقيب أشراف مصر، و سوريا، و البلاد العربية» أيضا.

و من هذا المنطلق، و لما بدأت الدولة هي التى تعين نقيب الأشراف، كان وفقا للمراسم و التشريفات؛ يفد النقيب الجديد إلى الباب العالي لتقديم واجب الشكر، و بعد مدة من الانتظار، يصطحبه التشريفاتي إلى مقام الصدر الأعظم، الذى يستقبله واقفا، و يقوم النقيب بدوره بتقبيل أطراف ثوب الصدر الأعظم، و يتم الإنعام عليه بفراء السمور، للوفاء بمهام وظيفته ...

كان الشعب يطلق على السادات، و الأشراف لقب «أمير» و على عمامتهم «الخضراء، عمامة الأمير، .. و كان نقيب الأشراف، و السادات، و الاشراف يلبسون هذه العمامة الخضراء الخاصة بهم.

كما كان نقيب الأشراف، هو الذي يفض فى المنازعات، و يقضى فيما بينهم، و كانت لهم سجونهم الخاصة بهم، يتولاها باشجاويش نقيب الأشراف، و قبل المحاكمة لابد، أن يخلع إشارة السادات، و الأشراف و هي العمامة الخضراء، و لا يعدم أي منهم أو يجلد إلا بأمر من النقيب.

و يأتي بعد نقيب الأشراف ال «علمدار» أي حامل العلم، و صاحبه، و هو أيضا من الأشراف الذين منحوا هذا اللقب.

و هو المكلف بحمل «الصنجق الشريف» و مرافقة الجيش به عند الخروج إلي الحرب. و لا بد أن يشارك كل السادات، و الأشراف فى موكب خروج و عودة «الصنجق الشريف» من و إلي القصر، بعد العودة من الحرب. و كانوا يكبّرون، و يهللون و يصلون على النبى، و هم يسيرون خلف العلم النبوي الشريف و حوله.

كان السلطان يستقبل نقيب الأشراف في مراسم المعايدة واقفا، وسط تصفيق جاويشية الديوان. «انظر؛ الدارة، العدد الرابع، السنة الثامنة، رجب سنة 1403 ه- ابريل 1983 م» أوMekke -i Mukerreme EmirLeri ,Ord .Prof . (. 12- 9،s - 1972.I .Hakki Uzuncarsili ,Ank (المترجم).

35

البراءات المؤيدة لذلك. حتى أن السلطان مراد الثاني (1421- 1451 م) كان يسلم بيديه سنويا ألف فيلورى ذهبا لآل بيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في كل مدينة، أو قصبة.

و قد ظلت هذه عادة متبعة لدي بعض السلاطين، يراعونها، و لا يتخلفون عن الوفاء بها.

و لم يغب سكان مكة و المدينة عن بال السلاطين العثمانيين، فكان السلطان يلديريم بايزيد (1389- 1402 م- 792- 805 ه) و إبنه السلطان محمد چلبي من أوائل من أرسلوا الصرة (1) إلي أهل الحجاز. و بعد ذلك قام السلطان مراد الثاني- طوال مدة حكمه- بإرسال صرة نقدية تبلغ ثلاثة آلاف و خمسمائة فيلورى.

ذهبا إلي كل من مكة المكرمة، و المدينة المنورة، و القدس الشريف، و خليل الرحمن. و كانت الصرة التي أرسلت في سنة (855 ه- 1451 م) مقدارها 801 كيسة ذهبية (2). كما أن نفس السلطان قد أوقف حاصلات قرى منطقة «باليق حصارى» أي قلعة باليق من آعمال آنقره علي مكة المكرمة (3)، و كذلك أوقف في وصيته المؤرخة بآواخر رجب سنة 850 ه- سبتمبر سنة 1446 م مبلغا و قدره 3500 ثلاثة آلاف و خمسمائة فيلورى ذهبا (4)؛ لكل من مكة، و المدينة، و لكي يوزع هذا المبلغ على فقراء المدينتين .. (5).

و لا تحتوى السجلات المهتمة بالأمر، على السنوات التى أعقبت فتح استانبول؛ ففي نفس سنة الفتح، وعدا هدايا الفتح، أرسل السلطان محمد الفاتح الصرة إلى‏

____________

(1) الصرة: «سنفصل عنها القول فى المتن بعد قليل». و سيكون عنها هامش عند الترجمة (المترجم).

(2) الكيسة: مصطلح مالى، يدل على الحافظة التى كانت توضع فيها النقود الذهبيه، أو الفضيه. و كانت تتغير قيمتها من عصر إلى عصر آخر كان يطلق على العملة التى توضع فى الكيسه إسم الأقچة. و حتى عصر الفاتح كان الفيلورى الذهبى يساوى أربعين آقچة. أول الأمر كان الكيس يساوى 30 ألف أقچة أو 10 آلاف دينار ذهب ثم بدأت القيمه تتغير وفقا للوضع السياسى و الاقتصادى للبلاد. (المترجم).

(3) عاشق باشا زاده تاريخى؛ ص 196.

(4) الفيلورى؛Filori * * ** * *Flori * * ** * *-Florin عملة أوروبية سادت لفترات كبيرة فى الدولة العثمانية و كانت قيمتها ذهبية، و ضربت أول الأمر فى فلورنسا فى القرن الحادي عشر الميلادى، و لقيت رواجا كبيرا فى كل دول أوروبا. كانت عبارة عن درهم واحد قيمته أربعون آقچة- «بيضة» و وزنها قيراط. و قد عرفت طريقها إلى الدولة العثمانية منذ عهد محمد الفاتح (1451- 1481 م- 855- 886 ه). و كان قيمة الدرهم منها 47 قرشا و 30 پاره، و قد عرفته البلاد العربية، و خاصة فى موسم الحج. انظر؛ عثمانلى تاريخى- د./ الصفصافى أحمد؛ تأصيل مسميات السكة العثمانية المستعملة فى الجزيرة العربية إبان العهد العثمانى، ..) المترجم.

(5) مكة مكرمة أميرلرى. مرجع سبق ذكره، ص 13 هامش 6.

36

سكان الحرمين الشريفين. و تنتقل المصادر مباشرة بعد ذلك إلي ابنه بايزيد الثاني الذي خصص نصف الصرة إلي المدينة المنورة و النصف الآخر إلى مكة المكرمة، و كانت فى مجموعها تبلغ أربع عشرة ألف دوقة ذهبية (1). و كان لا بد و أن تصل هذه الصرة إلى مكة المكرمة فى العيد الأضحى. (2).

و ضاعف السلطان سليم الأول الصرة التى كان يبعث بها والده، و عقب دخوله إلى مصر، و استقرار الأمور بها أرسل إلى كل من آشراف مكة خمسمائة دوقة ذهبية، و إلى كل شيخ من مشايخها ست سكات ذهبية. و إلى كل واحد من اعيان المدينة ثلاث دوقات ذهبية، و تم إحصاء الفقراء الذين خرجوا إلى خارج مكة، و منح لكل منهم دوقة. بحيث وصل مجموع المبالغ التى تم توزيعها. مائتي ألف دوقة ذهبية.

هذا عدا الظهيرة التى أرسلت مع الصرة. و كان أول أمين للصرة يعيّن من قبل سليم الأول سنة (923 ه- 1517 م) هو الأمير مصلح الدين، و قد أشرف بنفسه، و معه قاضيان مصريان على توزيع الصرة على مستحقيها فى كل من المدينتين المقدستين‏ (3).

و اعتاد العثمانيون ارسال هذه الصرة سنويا إلى اهالى الحرمين الشريفين، و قد أطلق عليها الأهالي «الصدقات الرومية» (4).

____________

(1) الدوقة:Dika Duka عملة كانت تستخدم فى البندقية و فرنسا، و تسك من الذهب، و الفضة و كانت هى الأكثر رواجا بين التجار الذين يجوبون الديار العثمانية بالرغم من وجود و تداول العملات التى كان يسكها السلاطين العثمانيين. و كان السلطان اورخان هو أول من سك عملة معدنية عثمانية، و كتب على أحد وجهيها (لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه) و على الوجه الآخر (اورخان خلد اللّه ملكه). و حرص بعده كل سلطان أن يضرب لنفسه عملة خاصة به .. (المترجم).

(2) كانت الصرة التى يرسلها بايزيد الثانى كل سنة لتوزع على آهالي الحرمين الشريفين قد نالت استحسان شاعر البطحاء العربي الشيخ شهاب الدين ابن أحمد بن علي المتوفى (922 ه- 1516 م) فقرض قصيدة فى مدح السلطان اسماها (الدر المنظوم فى مناقب السلطان بايزيد ملك الروم) و قدمها إلى السلطان عندما قدم الشاعر إلى استانبول، ماستحسنها السلطان، و أنعم على الشاعر بألف دينار، و كان يرسل إليه سنويا مائة دينار انظر قرآت مكة، مجلد 2 ص 670- 671). المترجم.

(3) و قد جاء فى تاج التواريخ ج 2، ص 371، و فى هامر ج 4 ص 236، أن السلطان سليم الأول قد خصص لمكة خمسة آلاف أردب، و إلى المدينة ألفين من الظهيرة، و كانت هذه الكمية تزاد وفقا لزيادة نفوس هاتين المدينتين الشريفتين، حتى وصلت الكمية الى 12 ألف أردب إلى مكة، و ثمانية آلاف أردب إلى المدينة و ذلك فى منتصف القرن العشرين، و أنها كانت ترسل من أوقاف مصر. انظر امراء مكة المكرمة ص 14.

(4) أ. د. إسماعيل حقى اوظون چارشيلى، مكة مكرمة اميرلرى؛ أنقره 1972 م ص 14.

37

و لما دخلت مصر، و سوريا تحت النفوذ العثماني، أخذ العثمانيون على عاتقهم المحافظة علي الأوقاف المملوكية التي كانت وقفا علي الحجاز، و حافظوا على إرسال الصرة المصرية بكل عاداتها، و مراسمها، و طبّقوها كما هي .. و أضافوا عليها بعض التحسينات؛ فقد زاد السلطان سليمان القانونى» (1495- 1566 م- 900- 974 ه) مقدار الصرة التي كانت تبعث من مصر. كما جعل «صدقات الجوالي» أي معظم الجزية التى كانت تؤخذ من غير المسلمين مخصصة لآهالى الحرمين‏ (1).

و كانت الصرة التي ترسل من مصر لآهالي الحرمين الشريفين، و الصدقات و الغلال، و الظهيرة، و الدشيشة، تؤمن من الأوقاف الخيرة الموقوفة على الحرمين الشريفين فى مصر. و كانت القرى المصرية الموقوفة على الحرمين الشريفين تسمى فى مصر «قرى الدشيشة» (2).

كما كانت الصرة تخرج فى استانبول كل عام وسط احتفال مهيب، يتقبل فيها أمين الصرة الأوامر من السلطان، و يتقبل الهدايا، و العطايا المرسلة من الأمراء، و الأميرات، و الوزراء، و رجالات الدولة، و الأثرياء، و يتحرك موكب القافلة، وسط حراسة مشددة من القوات المخصصة و المرافقة للموكب بمجرد أن يسلم السلطان مقود جمل المحمل إلى أمير القافلة ... و قد فصل الرحالة آوليا چلبي فى رحلته القول عن هذه المراسم.

***

____________

(1) آوليا چلبي سياحتنامه س ج 1، ص 161.

(2) وصلت الكميات المرسلة من مصر من هذه الظهيرة سنة 974 ه- 1566 م، 977 ه- 1569 م ستة آلاف أردب من القمح، و حسب سجلات دفاتر الديوان المصرى بلغت 19161 أردبا أى ما يقرب من واحد و نصف مليون كجم.

و كانت هذه الكميات تنقل بالسفن. و كان الأهالى يطلقون على الشوربة التى تسوى في المدينتين الشريفتين من البولغر مسمى «الدشيشة». انظر، امراء مكة المكرمة ص 15) المترجم.

38

دخول الحجاز تحت الإدارة العثمانية:

لقد ظلت إمارة مكة المكرمة فى أيدى آبناء بنى هاشم، و الذين يطلق عليهم بنى فليطه، و هم من آبناء، و أولاد الحسن بن على بن أبى طالب (رضى اللّه عنهم) حتى نهايات القرن السادس الهجرى 597/ 599 ه- أى الثاني عشر الميلادى 1200/ 1202 م إلي أن تمكن أمير ينبع أبو عزيز قتاده بن ادريس- و هو بدوره من أولاد الإمام الحسن- من السيطرة عليها، و لقد بقيت الحجاز تحت سيطرة أولاد، و أحفاد قتاده إلى أن تمكن الملك عبد العزيز آل سعود من استخلاصها من أيديهم سنة (1343 ه- 1924 م).

لم يكن أمير مكة، و أشرافها، يتمتعون بالإستقلال الكامل، بل كانوا دائما تحت نفوذ، و سيطرة الدول التى تتشكل في مصر، و كانوا يقرأوون الخطبة باسماء حكام هذه الدول.

و خلال إمارة قتاده بن ادريس، كان الأيوبيون هم أصحاب الكلمة فى مصر، و سوريا، و اليمن، و لقد اعترفوا بإدارة الأشراف لمكة و المدينة .. و لما جاء المماليك، و من بعدهم العثمانيون اعترفوا بإمارة نفس العائلة على الحجاز، و كانوا يبعثون إليهم بالفرمانات التى تعترف لهم بالإمارة، و تصدّق لهم عليها ... إن وجود الحرمين الشريفين، و ما يمثلانه بالنسبة للعالم الإسلامي أجمع، تحت سيطرة هذه الدول، كان يحمل إلي جانب الأهمية السياسية، أهمية دينية قصوى .. فقد كان ذلك يمثل نفوذا، و إعتبارا معنويا لا يستهان به لهذه الدول، بين شعوب العالم الإسلامي ..

و لقد حرص هؤلاء الحكام- و خاصة بعد سليم الأول سنة (1517 م- 923 ه) على أن يلقبوا بالخليفة، لكى يجمعوا بين السلطتين؛ الدينية- و الدنيوية.

و ما أن أشيع أن السلطان سليم الأول قد انتصر فى مرج دابق سنة (922 ه- 1516 م)، و استولى على الشام، و فلسطين، و أنه قد انتصر على المماليك أيضا فى الريدانية سنة (923 ه- 1517 م)، و ضم مصر إلى الدولة العثمانية، حتى سارع أمير مكة آنذاك الشريف بركات بن محمد الحسني، بإرسال نجله الشريف أبو نمي الذي كان لا يزال صبيا، لم يتجاوز الثانية عشر بعد، برفقة سفير يحمل الهدايا و مفاتيح مكة ليعرضها على السلطان العثماني فى مصر، مقرونة بالتعظيم و خالص الدعاء.

39

كان مجيئ الشريف أبو نمي بن بركات إلى مصر فى اليوم الثالث عشر من شهر جمادي الآخر سنة (923 ه- اغسطس 1517 م)، فأمر السلطان بحسن استقبال الشريف، و استضافة في المكان المخصص له‏ (1) و في السادس عشر من الشهر المذكور حضر أبو نمي إلي مقر إقامة السلطان لتقديم مفاتيح الكعبة و الهدايا التى أحضرها معه، و أخذ مجلسه هو و من معه، و استمع إلى ما يدور فى الديوان، و ما أن أنتهت أعمال الديوان، حتى استقبل السلطان الشريف وسط حفاوة بالغة، ثم ودّعه فى موكب لكي يذهب الشريف إلى مقر إقامته، و استقبله السلطان مرة آخرى في الثاني و العشرين من نفس الشهر و ألبسه الخلعة فقبل الشريف يده، و ودعه.

و يذكر ابن اياس أنه [فى يوم الخميس، الرابع من شهر رجب خرج إلى السفر ابن السّيد الشريف بركات أمير مكة، فتوجه إلى وطاقه بالريدانية فكان له موكب حافل، و أخلع عليه قفطان تماسيح مذهبا، و قدّامه الرماة بالنفط، و خرج في صحبته غالب الحجازيين الذين كانوا بالقاهرة، و قد نادى لهم السلطان بأن الحجازيين الذين بالقاهرة تخرج فى صحبته، و أشيع ان السلطان سليم شاه كتب مراسيم للسيد الشريف بركات أمير مكة بأن يكون عوضا عن الباش- (الباشا) الذى كان بها ..

و جعله هو المتصرف فى أمر مكة قاطبة، و اضاف له نظر الحسبة بمكة ايضا، و أنصفه غاية الإنصاف، فتزايدت عظمة الشريف بركات إلي الغاية، و أكرم ولده غاية الإكرام ..] (2).

و هكذا، يتضح أن أبا نمي قد أحسن استقباله، و وداعه، و أنه عند عودته إلى‏

____________

(1) يذكر حيدر چلبي فى روزنامته أن «وصل الشريف أبو نمي ابن الشريف بركات أمير مكة المكرمة فى الثالث عشر من جمادي الآخر سنة (923 ه- آغسطس 1517 م). و أمر الآغوات باستقباله و فى السادس عشر من الشهر المذكور حضر الشريف أبو نمي المذكور إلى الديوان، و قد شرف بطلعته النورانية، و كان الصدر الأعظم يونس باشا قد أعد مجلسا فى المابين و جلس على مقعده مع قضاة العسكر، و وصل السفير عرّار الذى هو ابن عمه، فجلس على الكرسي المواجهه، و بعده عقد الديوان على الترتيب- و تشرف الشريف بمقابلة الخداوند كار، فإنسحب علية القوم، و من تبقى من آغوات البلوكات ذهبوا إلى دوائرهم، و مدت الولائم اليومية بدون أي تقصير بحيث كان يقدم يوميا من الخراف ثلاثين، و فى اليوم الثاني و العشرين، خلع عليه السلطان، و قام الشريف نمي المذكور و قبل يد الخداوند كار؛ انظر «منشآت زيدون ج 1 ص 439، طبع تقويم خان، سنة 1264، بينما ابن إياس يظهر تاريخ المقابلة سابقا على التاريخ الذى ذكره حيدر چلبي بيوم واحد). (المترجم).

(2) محمد بن أحمد إياس الحنفى، بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى ج 5، القاهرة 138 ه- 1961 م ص 193.

40

مكة، قد تسلم فرمانا، ببقاء والده فى إمارة مكة، بل و اتساع نفوذه، و إضافة نظر الحسبة إليه أيضا.

لم يكتف السلطان العثمانى بذلك؛ بل أرسل مائتي ألف دينارا ذهبيا، لكي توزع على أهالي الحرمين الشريفين، و كما سبقت الإشارة- أرسل بالسفن عن طريق البحر كمية كبيرة من الظهيرة، و كلّف الأمير مصلح الدين، و معه اثنين من قضاة مصر بتوزيعها!. (1) و حدّد المخصصات التى ترسل من مصر إلي أمير مكة. (2) و ربط معاشه بخزينة مصر.

و هكذا، دخلت منطقة الحجاز تحت إشراف، و إدارة الدولة العثمانية، و تم بعث القضاة إلي الحرمين، و تم قراءة الخطبة بإسمهم، و خاصة بعد أن حصلوا على لقب، و منصب الخلافة (3) و كان يذكر إسم أمير مكة بعد إسم الخليفة، و السلطان العثماني. و تم تأمين الأمن، و الهدوء فى الحرمين الشريفين عن طريق القوات التى كانت ترسل سنويا من المعسكرات السبع الخاصة بالإنكشارية فى مصر.

***

____________

(1) ورد فى خلاصة الكلام فى بيان امراء البلد الحرام، ص 51 ما يلى: «أول ورود حب الصدقة لأهل مكة سنة (923)، ثم وصلت إلى بندر جده مراكب من السويس فيها سبعة آلاف أردب قمح، و هو أول حب ورد لأهل مكة، فكتب جميع أهل مكة إلا السوقة، و التجار، و وزع عليهم ذلك الحب، و كان المتولى نظر ذلك الأمير مصلح .... و عمر الأمير مصلح مقام السادة الحنفية و لما فرغ ثم توجه إلى المدينة المنورة لإجراء الصدقات ثم إلى مصر ثم إلي الروم».

انظر، أمراء مكة المكرمة، ص 74 هامش (1). المترجم).

(2) آوليا چلبي سياحتنامه س، ج 1 ص 177.

(3) عند دخول سليم الأول الى مصر 923 ه- 1517 م كان الخليفة المتوكل على اللّه هو صاحب الحل و العقد، و الأمر و النهي فى الديار المصرية .. و لكن بعد أن استقرت الأمور له، نقل الخليفة و من فى معيته إلى استانبول مع الآلاف من الفنيين، و الحرفيين المصريين و خلال المراسم التى تمت فى جامع الآياصوفيا تم التنازل عن لقب الخلافة، وجبتها من قبل آخر الخلفاء العباسيين المتوكل على اللّه الثالث؛ و هكذا أصبح سليم العثماني خليفة للمسلمين، و جمع بذلك بين السلطة السياسية و الدينية فى البلاد. انظر؛ ابن اياس ج 5 حوادث سنة 923 ه. و كذلك؛Osmanli Padisahian Ansiklopedis ,C .I .S .412 ) (المترجم).

41

تعيينات أمراء مكة و مخصصاتهم:

كان بمجرد وفاة أمير مكة، أو عزله يصبح مقام الإمارة شاغرا، و بناءا عليه يتم إختيار الشريف الجديد من بين الأشراف و بتأييد من قاضي مكة؛ و ولاة كل من مصر، و الشام، و جده‏ (1) و تقاريرهم، يصدر السلطان العثمانى فرمان التعيين.

و إذا ما ثارت العصبية، و اختلف الأشراف حول الأمير المنتخب، كانت الحكومة تفاضل بين واحد من المرشحين الذين تم تزكيتهما من قبل قاضي مكة، و الولاة المشار إليهم. و كانت الصراعات حول هذا المنصب تخلق العديد من القلاقل فى الحجاز، و صفحات التاريخ تسجل العديد من المصادمات بين الأشراف، و بعضهم البعض، من ناحية، أو بينهم و بين الدولة العثمانية من ناحية آخرى.

عقب الإستقرار على الأمير المعيّن، كانت ترسل إليه «برائة التعيين» أو «منشور التعيين» أو الفرمان المتضمن لقرار التعيين، و تحديد مهام الشريف- الأمير الجديد، و اختصاصاته، و مخصصاته المالية. و خلال القرنين السادس عشر، و السابع عشر كان الفرمان مختصرا، و لكن بداية من القرن الثامن عشر كان الفرمان أو المنشور يكتب بشكل مفصل، و منمق. فوق ورق آبادى مذهب و يحمل طغراء السلطان. و يوضع في كيس من الحرير الأخضر، ثم يلف و يوضع داخل صندوق إسطوانى من الذهب، أو الفضة أو أي معدن آخر، ثم يختم بالشمع و لا يفتح إلا في الحرم و فى حضور ذوى الإختصاص؛ من الأشراف، و القضاة و شيخ الحرم، و أمير قافلة الحج المصرى، و الشامي، و قادة الجند، و والي الحجاز.

يخرج المنادون إلي الشوارع، و الطرقات، و المدن الأخرى تنادي بالشريف الجديد، و تطلق المدفعية تسع عشرة طلقة فى مكة المكرمة. و بعد قراءة المرسوم في الحرم وسط الحشد الكبير، تتم بيعة الشريف المختار من طرف بقية الأشراف، و القضاة، و العلماء، و سائر ذوى الإختصاص، بينما يكون الشريف المختار، واقف أمام المنبر النبوى، أو على الدرجة الثالثة من المنبر. (2)

____________

(1) كانت مكة و ضواحيها فى العصور الأولى خاضعة لنفوذ ولاة مصر، ثم أصح ولاة جده هم آصحاب النفوذ و الحكم، و لما كان ولاة الشام هم أمراء الحج العثمانى فى نفس الوقت، كان لكل هؤلاء رأي، و وجهة نظر فى اختيار، و تعيين الشريف- «المترجم».

(2) امراء مكة المكرمة، مرجع سبق ذكره، ص 22.

42

كانت تغير النوبة أمام أبواب قصر الأمير كل يوم عند صلاة العصر، و يذكر إسمه فى الخطبة بعد السلطان، و درجته الإدارية تعلو درجة عن الوزراء (1).

كانت مخصصات الشريف، و التى تحدد سنويا من طرف السلطان، و والي مصر ترسل إليه كجائزة للركاب الهمايوني، (2) و كذا العطية الهمايونية (3) و قد استمرت منذ أن أقرها سليم الأول على هذا المنوال، ثم أضيف إلي ذلك نصف واردات جمرك بندر جده. (4) كما كانت هناك مخصصات آخرى تأتي إليه من والي مصر مباشرة، و عند عزل الشريف؛ كانت تخصص له أيضا تعيينات من واردات مصر تحت اسم بدل الإعاشة. و عند العزل، أو النفى لأى سبب، كانت الدولة تلتزم بتوفير المسكن، و معاش مرضى له و لمن فى معيته. (5)

***

____________

(1) خلاصة الأثر فى تراجم آعيان القرن الحادى عشر، محمد أمين بن فضل اللّه حموى، ج 1 ص 448.

(2) كانت تصل إلى خمسين ألف قرش.

(3) كانت تصل إلي خمسة آلاف قرش ترسل سنويا.

(4) خلاصة الكلام، ص 53.

(5) امراء مكه ص 24.

43

مهام أمراء مكة و صلاحياتهم فى العصر العثمانى:

بعد أن دخلت منطقة الحجاز تحت النفوذ العثماني؛ قبل الحكام العثمانيون بنفس الأصول، و القواعد التى كان يحكم على منوالها الأشراف في العصر المملوكي، و أبقوا على نفس صلاحياتهم، و نفوذهم داخل المناطق التابعة لهم، و أكتفوا فقط بإرسال قوة محافظة، لحفظ الأمن و الهدوء ترسل من مصر سنويا، و تتواجد في كل من مكة المكرمة، و المدينة المنورة بالتناوب ...

و إذا كان الأشراف قد بذلوا أقصى طاقاتهم، لوضع هذه القوات المرابطة في مكة، و المدينة تحت سيطرتهم لما لمسوه فيها من تهديد، أو تحديد لنفوذهم، إلا أن القادة العسكريون المرابطون هنالك لم يقبلوا بذلك. و كان كل منهما يحاول التأثير، أو التقليل من نفوذ الأخر، بل كان يصل الأمر أحيانا، أن يسعى كل منهما لعزل الأخر (1).

و قد كان الأمراء يحتفظون لأنفسهم بقوات خاصة بهم من البدو، و الآعراب المرتبطين بهم. فقد كان الأشراف يحاولون أن يبدون كحكام مستقلين بالحجاز، و لكن بدون عملة خاصة بهم، و كان خوفهم من بعضهم البعض، يفوق خوفهم من قوات الدولة العثمانية. (2)

لم يضع العثمانيون قانونا خاصا بإدارة الحجاز، بل كانوا يكتفون بما يتضمنه فرمان التعيين من تحديد للإختصاصات، و منح للصلاحيات و ما كان يتضمنه المنشور، أو الفرمان كان عبارة عن مجموعة من التوصيات، و النصائح، و التكليفات المحددة؛ لما يجب عمله تجاه الحجاج، و ضرورة توزيع الصرة، و الظهيرة بشكل يتسم بالعدل، و المساواة. و التشديد على الحيلولة دون البدو و الأعراب، و نهب أموال الحجيج، و قوافل التجار. و لم تشغل السلطة المركزية بالها إلا بتأمين طرق قوافل الحج. و التى كانت تعتبره من أولويات مسئولياتها. و قد أشرفت الدولة اشرافا فعليا

____________

(1) لقد أرسل أمير مكة أبو نمي سفيرا من طرفه هو قطب الدين المكي لكي يشكو من پيرى قائد قوات المدينة، إلا أن السلطان سليمان القانوني الذي خشي من إزدياد نفوذ الأمير، فرد السفير دون أن يعزل قائد حامية المدينة، أنظر؛ كتاب الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام. (المترجم).

(2) انظر، امراء مكة، سبق ذكره ص 25.

44

على الحج، و اعتبرت هذا العمل واجبا يقع علي عاتقها، باعتباره الركن الخامس من أركان الإسلام، و أن عليها تيسير الحج أمام الراغبين فيه، فأنشأت الآبار، و آقامت الحصون، و شجعت على إقامة الخانات، و أقامت المخافر، و كانت تشرف إشرافا مباشرا على قوافل الحج، التى تخرج من كافة أنحاء الدولة فى مواعيد محددة؛ و تضع لها قوة تحرسها، يقودها أحد كبار العسكريين الذى كان يسمى سردار الحج‏ (1) و كان على رأس كل قافلة أميرّ للحج يتولى قيادة الجيش و كثيرا ما كان امير الحج يتولى قيادة الجيش و بخاصة قافلة الحج الشامي. (2) و تركت للآشراف- فى كثير من الآحيان. الأمر لكي يحلوا مشاكلهم فيما بينهم .. و إذا زادت الأمور عن الحد المسموح به كانت تكلف والي مصر، أو والي الشام للتدخل، و حسم الأمر.

و لكن .. لم تر الدولة بدا من الرقابة، و المتابعة .. فاستحدثت إمارة سنجق جده، ثم جعلته مرتبطا بالحبشة للسيطرة على مداخل البحر الأحمر، ثم ربطت بين ولاية جده، و الحبش، و مشيخة الحرم، للحيلولة دون إنفراد آمراء مكة بالتجار و الآهالي ..

و لكن هذا بدوره لم يمنع النزاع، و الشقاق الذي كان يطل برأسه من حين لآخر بين قواد جده، و أمراء مكة (3).

و لما كانت منطقة الحجاز بعيدة عن مركز الدولة؛ فقد ربطت أموره منذ آواخر القرن السادس عشر بوالى مصر الذى كانت تخبره بكل ما كانت تصدره بشأن الحجاز، أو تبعث به إلي الأشراف في مكة. (4) و كانت في نفس الوقت توصي والي جدة، أو فيما بعد والي الحجاز (5) بضرورة حسن التعايش مع‏

____________

(1) سردار- سرعسكر؛ مصطلح عسكرى يعنى رئيس الجيش، قائد الجيش، و كان يطلق على قائد الجيش العثمانى بعد تخلى السلطان عن قيادته. و تلقب قائد الجيش بهذا اللقب بعد إلغاء الإنكشارية، و إذا ما عيّنه الصدر الأعظم كان يسمى «سردار أكرم»، و كثيرا ما كان الصدر الأعظم يجمع بين اللقبين إذا ما قاد الجيش بنفسه، و كان يطلق عليه آنذاك؛ «وزيرى آعظم و سردار أكرم». انظر؛ محمد ذكى باقآلين، عثمانلى تاريخ ديملرى و تريملرى، سوزلكى، استانبول، 1971 م. (المترجم)

(2) الدولة العثمانية و الولايات العربية، د. الصفصافى احمد المرسى، الدارة، العدد الرابع، السنة الثامنة رجب 1403 ه- 1983 م.

(3) آوليا چلبي سياحتنامه س، مجلد 5 ص 186.

(4) يحتوى الفرمان المرسل إلى أمير مكة سنة 986 ه- 578 م بضرورة اخبار بكوية مصر بما يدور فى مكة و المدينة آسوة بما يحدث من إخبار استانبول بنفس الأحداث. «مهمة دفترى 34، ص 367.

(5) ان بندر جده من أهم الموانئ بالنسبة للحجاز عامة، و مكة خاصة، تفد إليه السفن التجارية، و هو الميناء الذى-

45

الأشراف، و لم تدخر وسعا في إقناع الأشراف كذلك بحسن مداراة الولاة و القادة العثمانيين في جده.

و بصرف النظر عن كل هذه النزاعات السياسية، و تطاحن النفوذ بين الأشراف و الولاة؛ فقد كانت هناك قوة مكونة من حوالي 500 إلي 600 فرد تعمل جنبا إلي جنب مع سادة الديوان، و القلم المخصوص، أو مدراء التحريرات .. و قبيل نهايات القرن التاسع عشر كان هناك أفندي الديوان «ديوان أفنديسى» و كتبه عربي و كتبة تركي، و محاسب، و أمناء مخازن، و إمام، و طبيب، و مديرا لأمور الإمارة، و حجّاب خواص، و حامل علم- صنجقدار، و أميرا للأسطبل الأميري، و متعهدا للجمالة، و مهمندارا، و مهتمرباشى- رئيسا للفرقة الموسيقية، و فرقة عزف عسكرية، و متعهد شماسى، و كلهم يكونون فى معية، و خدمة الأمير، و يعملون في دوائر الإمارة ... كما كان فى معيته ضابطين عسكريين؛ أحدهما برتبة بكباشى، و الآخر بوزباش، و جاوشين من النظامية (1).

و يحتوى كتاب منشآت فريدون ضمن الرسائل المتبادلة بين الأشراف و السلاطين، و الصدر الأعظم، و الوزراء، و الولاة العديد من الألقاب التى كانت تتغير من عصر إلي عصر .. مع مراعاة التقفية مع اسم الأمير .. و تحرص كل المراسلات على الإشارة إلي إنتسابهم إلي آل البيت النبوي الكريم‏ (2) و تصفهم ببعض الصفات مثل من لا يخلف الوعد شريف .. أو ذو القوة و الأيد شريف ... أو المحفوف بصنوف عواطف الملك الآعلى ...» إلى جانب الآلقاب الأخرى.

____________

- يستقبل الظهيرة التي تأتي من مصر، و حجاج البحر- كما كانت جده مطمعا للدول الأجنبية التى تحاول الولوج إلي البحر الأحمر، فلم تر الدولة مفرا من انشاء قيادة سنجق فى جده، و ربطته بإمارة أمراء مصر في بادئ الأمر، ثم جعلته إمارة عسكرية مستقلة، ثم ربطت بين جده، و الحبشة، و كانت تعين على هذه الولاية واليا بدرجة وزير، و فى آواخر القرن السابع عشر ربطتها ب «ساليانه» سنوية. ثم خصصت جزءا من حاصلات جمرك جدة كمرتب لهذا الوالي.

و كانت الدولة تعين ولاة جده بعد عزلهم آغوات لمكة، أو در السعادة، أو شيخا للحرم في المدينة و ذلك لوقوفهم، و معرفتهم بآحوال منطقة الحجاز، و كانت تضع تحت إمرة شيخ الحرم النبوي قوة كاملة السلاح. و كانت الدولة تتكفل بعلوفاتهم. «انظر.، واصف ج 1، ص 306) و بعد سنة 1288 ه- 1871 م بعد انفصال الوالى خورشيد باشا، ألغيت ولاية جده، و حوّلت إلى متصرفية، ثم أعيدت مرة أخرى 1289 ه- 1872 م و فى سنة 1299 ه- 1882 م أطلق عليها ولاية الحجاز بدلا من ولاية جده و الحبشه و اليمن. انظر؛ مكة أميرلرى س 27، حاشية 2). المترجم.

(1) مكة مكرمة أميرلرى، ص 30.

(2) فريدون بك منشآتى ج 1 ص 448، ج 1 ص 4، 5. و ج 2 ص 6.

46

أمين الصرة، و موكبها:

اعتادت الدولة العثمانية أن تبعث في شهر رجب من كل سنة و قبيل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، الثالث عشر الهجرى فى شهر شعبان، من استانبول إلى الحرمين الشريفين مبلغا من المال، و كمية من الهدايا تحت مسمىّ الصرة، و أطلقت على الموظف المكلف بتوزيعها لقب «أمين الصرة ..

و كانت الصرة ترسل من مصر إلي المدينتين المقدستين حتى سنة (1126 ه- 1714 م). و منذ ذلك التاريخ، صدرت الآوامر بأن ترسل من خزينة الحرمين فى الآندرون‏ (1). و كانت هذه الصرة المرسلة إلي مكة، و المدينة توزع وفق نظام خاص، و تسجل في الدفاتر علي أنها المعلوم أو المعلومية المرسلة باسم الهمايون ..

يتم إلباس أمين الصرة «الخلعة» فى مقام، و حضور الصدر الأعظم، ثم يبعث به من الباب العالي برفقة (الملخص» إلى السراي، فيخلع عليه بخلعة آخرى فى حضور آغادر السعادة و بعدها مباشرة تتم إجراءات إرسال الصرة على النحو التالي:

- خلال السنوات المعتاد إرسال الصرة فيها عن طريق البر، و كانت تعد المذكرات و الدعوات من طرف آغا دار السعادة إلي الدفتردار، و رئيس الكتاب، و النيشانجى- حامل الأختام- من أجل إعداد آلاي الصرة المعتاد خروجها سنويا من استانبول فى الثاني عشر من شهر رجب، ثم يقوم معتمد الآغا، و معتمد الصدارة بالكتابة إلي من يهمهم الأمر بهذا الصدد، و من يجب تواجدهم في هذا الموكب ..

- ترسل مذكرة إلي قبطان البحرية لتوفير المعدّيات اللازمة فى مرفئ سيركه‏جى لنقل الصرة، و موكبها إلي اسكدار فى اليوم المحدد ...

- يحضر المدعووين إلي السراي في يوم الموكب، و يجلسون فى قاعة كاتب آغا

____________

(1) ... «الحكم إلى الوزير يوسف باشا، و إلي الشام، و الرقة .. و أمير حاج الشام هو أن: إن الصرة المعتاد إسالها، إلي آهالي الحرمين المحترمين، تعبيرا عن العواطف الحلية الخسراوية، كان المعتاد في السنوات السابقة إرسالها من جانب مصر و اعتبارا من هذه السنة الميمونة لن ترسل من جانب مصر، بل ستسلم إلي أمين الصرة صاحب قدوة الآمائل، و الآعيان محمد زيد مجده بالفعل نقدا علي الوجه المعهود من خزينة الحرمين الشريفين الكائنة فى آعتابنا السعيدة ..

سنة 1126 آواخر رجب) انظر مهمه دفترى- دفتر المهمة 122 ص 126). المترجم.

47

دار السعادة التي أعدّت في الديوان، و فيما بين بوابتي باب الهمايون و البوابة الوسطى، .. و عقب وصول آغا دار السعادة، تسلم إليه الرسالة التى قد أعدّت باللغة العربية، و الموجهة إلي أمير مكة المكرمة، ثم يتم إلباس الخلع، و توزيعها علي المدعووين من طرف الآغا.

- خلال هذه المدة يقوم كاتب الآغا، و مفتش الحرمين بختم دفاتر الصرة الهمايونية التى أعّدت، ثم يوقعها الدفتردار بتوقيعه المزيّل، ثم يقوم النيشانجي بوضع الطغراء السلطاني على الدفاتر .. و ما أن تنتهي هذه الأعمال حتى يعود الدفتردار، و رئيس الكتاب و النيشانجى، و يسلمونها إلي آغا دار السعادة الذي يتوجه بها إلى الآندرون. «الداخل».

- تمد الموائد إلي المشايخ، و العلماء، و الأئمة المدعووين جنبا إلي جنب مع طاقم الصرة .. و عقب الطعام تحضر هيئة الموكب إلي ميدان «قبة التى» حيث السرادق و الصوان المقام، و ينتظرون جميعا خروج السلطان.

- وسط تصفيق جاوشية ديوان السلطان، بطل السلطان من باب الآغوات البيض المسمى «باب السعادة» و هو على صهوة جواده الأبيض، ثم يترجل، و يجلسه النيشانجي حيث مكانه المعد لذلك .. و خلال هذه اللحظات؛ و على الرغم من أن مربيه قد وقف ممسكا برسالة الهمايون، و آغوات الحرم قد اصطفوا و على أكتافهم أكياس الصرة .. إلا أن الضباط حملة البلط، من ذوي الذوائب، يخرجون من باب حرم السلطان، و يصطحبونه حتى مقامه المقام داخل الصوان ..

و يقومون أمام السلطان بعدّ أكياس النقود، و تسجيلها فى الدفاتر التى توضع فى الأظرف، و تختم بالشمع، و توضع داخل العلب الإسطوانية المعدنية. ثم يعود آغوات الحرم.

- فى تلك الأثناء .. يستقبل آغا السعادة، مربى السلطان الذي يكون قد اقترب بالفرمان السلطاني .. فيسلم الفرمان إلي السلحدار الذي يكون قد أخذ مكانه بجوار السلطان.، فيقدمه بدوره إلي السلطان. و بعد أن يتم توقيعه، يختم بخاتم السلطان ثم يسلم إلى آغا دار السعادة، هو و دفاتر الصرة، و أكياسها.

- و بينما آغا دار السعادة، و آغوات الحرم يتجهون بها نحو الخيمة الرئيسية،

48

يستقبلهم أمين الصرة .. و يكون فى هذه اللحظات قد إرتدى، هو و رئيس السقاة خلعتيهما. فتسلم إليه الرسالة السلطانية، و يتم استعراض أكياس نقود الصرة أمام الخيمة. و خلال هذه اللحظة أيضا، يتم إلباس اثنين من المبشرين الخلع الخاصة بهم.

- ثم يدعى آغا دار السعادة ليرتدى الخلعة الفرائية فى حضرة السلطان، و يكون في نفس هذه اللحظات معتمد الإسطبل السلطاني يتجول أمام الحضور بالجمل الذي سيحمل المحمل الشريف .. و خلال ذلك يكون المنشدون يرددون المدائح، و النعوت النبوية، و يبتهلون بالدعاء إلى اللّه سبحانه و تعالى.

- يكون السلطان خلال هذه اللحظات قد ألبس آغا دار السعادة القفطان أو الفراء السمورى .. فيتوجه الآغا نحو أمير الاسطبل، و يتسلم منه مقود الجمل الذى يحمل المحمل .. و يقوم بالطواف أمام الحضور مرتين بالجمل، ثم يقوم بتسليم المقود الفضي إلى أمين الصرة، و مقاود مطرزة بالذهب إلي الآغا السقاء ... ثم يتجه ناحية القبلة، و يسير بضع خطوات تجاه السلطان، ليقدم فرائض الشكر للسلطان، و يقبل الأرض بين يديه ...

- عقب ذلك، يتوجه آغا دار السعادة، و معه موظفو الأوقاف، و يسيرون أمام الجمل الذي يحمل المحمل حتى يكونوا فى مقدمة الموكب .. و يخرجون من البوابة الوسطى، و يتابعون السير مع الموكب، حتى المستشفى القريب من باب الهمايون و بعد الدعاء بسلامة الوصول، يعود آغوات؛ دار السعادة، و باب السعادة، و معتمد السراى، و رئيس الخزينة الهمايونية إلي الداخل .. ثم يخرجون من باب الهمايون إيذانا بالإنصراف.

- أما جمل المحمل، و القافلة التى تحمل أكياس النقود، و الصرة، فتكون محاطة بضباط بلطجية- «حاملو بلط» السراي، .. و ما أن يخرج موكب الصرة من السراى حتى يتجه نحو مرفئ سركجي مارا من تحت قصر أو شرفة الإحتفال، و هناك في المرفئ، و بعد الإبتهالات، و الدعوات الصالحات، تنقل المعديات المحمل، و كتيبة الموكب إلي أسكدار. (1)

____________

(1) انظر؛ تشريفا تچيلق دفترى، رقم 676 مكرر، و سراي تشكيلاتي ص 181، و تشريفات قديمه، ص 18.

49

يمكث أمين الصرة مدة فى أسكدار، لإستكمال نواقصه، ثم يستأذن بالتحرك، و بعد السماح، و الإذن من السلطان، تتحرك القافلة. و من أسكدار حتى الشام، تلقى القافلة إحتراما، و مساعدة، و عونا، و حفاظا على سلامتها و أمنها من سائر الوزراء، و الأمراء، و القواد، و قادة الصناجق، و القضاة و المعتمدين، و قادة الإنكشارية، و رجالات الولايات التى تمر بها؛ و ذلك عقب تلقيهم الأوامر، و الرسائل و الأحكام التى تبعث إليهم بهذا الصدد. و تأمرهم بتأمين سلامة الصرة، و أمينها، و قافلة الحجاج حتى تصل إلي الشام.

و عقب تحديد اليوم الذي سيتحرك فيه أمين الصرة، و القافلة من استانبول تكتب الأوامر إلي متصرف صنجق إزميت الذي يستقبل هو و الأهالي الصرة عند بداية حدود المتصرفية .. و يظل هو و الخيالة، و الإنكشارية، و حاملو البنادق في كل الآقضية فى حراستها حتى تم تسليمها إلي آقشهير، و ما أن تصل القافلة إلى هناك حتى تتم عملية التسليم، و التسلم، و هم مكلفون بأخذ السندات اللازمة.

و ما أن يتسلم قائد صنجق آقشهير القافلة، حتى يتولى هو و رجاله حراستها و تأمينها حتى يسلمها إلي والي قونية، و يتسلم مستنداته، و يعود، و على نفس المنوال تتحرك القافلة في حراسة والي قونية، أو ملتزمها، أو متسلمها حتى آضنه، و طوال الطريق، ينضم إلي القافلة كل الحجاج الذين يتوجهون إلي الحجاز، لإيفاء فريضة الحج. و هكذا، تتحرك الصرة، و القافلة من آضنة إلي حماه، و تسلم القافلة التى تسير على هذا المنوال إلي والي الشام في دمشق.

و قبل أن يتحرك أمين الصرة، و قافلة الحج من الشام بيوم واحد، يشترك مؤذنو الجامع الأموي، و كل الجنود و الأهالي مع القافلة، و يتوجهون جميعا وسط التكبيرات، و التهليلات المدوية إلى حيث «لواء السعادة» المحفوظ بجوار مقام الصحابي أبى الدرداء، فينضم حملة اللواء إلي القافلة، و يتوجهون جميعا وسط التهليل، و التحميد، و التكبير، و التلبية إلى أن يصلوا إلي قصر الحكم. و فى اليوم التالي يتحرك والي الشام، و أمير الحاج علي رأس قافلة الحج الشامي متجهين جميعا إلي مكة المكرمة.

50

و كان أمير مكة يقوم باستقبال القافلة فى مدائن صالح، أو المدينة المنورة، أو في أي منزل من منازل الحج، و يتجهون سويا إلي مكة. (1)

إعتبارا من الشام؛ كانت قافلة الحج سواء فى الذهاب أو الإياب تسير وفق نظام، و نسق معين مع قواتها، و مدافعها و لا يمكن أن يسمح بأي خلل من القائمين أو المنضمين إلى القافلة أو من مستقبليها.

يقدم أمين الصرة الفرمان الذي أحضره- باللغة العربية- وسط مراسم و احتفالات إلي أمير مكة المكرمة، فيقبل الأمير الفرمان، و يضعه على رأسه ثم تقرأ رسالة السلطان علنا فى منى .. ثم تقدم الدفاتر التى تحتوي على مقدار الصرة، و كيفية توزيعها إلي الشريف .. و بناءا على ما هو مذكور فى هذه الدفاتر توزع «المعلومية» على الأهالي تحت نظارة، و إشراف أمير مكة و شيخ الحرم، و أمين الصرة، و قاضي مكة. و تعاد أنصبة الذين توفاهم اللّه، أو الغائبين إلي أمين الصرة، حيث تعاد إلي استانبول. أما مستحقات أهل المدينة من الصرة؛ فتوزع على آهالي المدينة المنورة تحت إشراف وكيل، أو معتمد الشريف في المدينة، و قاضيها، و شيخ الحرم النبوي. و كاتب الصرة، و تعلن الحكومة المركزية بالكيفية التى تم بها التوزيع.

يعود أمين الصرة أيضا مع قافلة الحج؛ وفد حمل ردا على رسالة السلطان من أمير مكة، و هدايا قيمة إلي السلطان، و الصدر الأعظم، و الوزراء، و سائر رجالات الدولة. و ما أن يصل إلى مشارف أسكدار حتى يعلن عن مقدمه إلى الصدر الأعظم، الذي يستصدر له الإذن بالدخول من السلطان فيدخل إلي أسكدار.

يقوم الصدر الأعظم بتقديم رسائل الشريف فورا، إلي السلطان، و تترجم فورا فى قلم الديوان الهمايوني إلى اللغة التركية، و يعرض الأصل العربي، مع الترجمة، و تقرير كامل إلى السلطان ...

كان أمراء مكة يرسلون هداياهم إلي السلطان، و الصدر الأعظم مع واحد من‏

____________

(1) فى آواخر العصر العثمانى تقرر أن يستقبل أمير المحامل مكة الشريفة فى المدينة المنورة، و كانت تصرف له مبالغ تصل إلي ثلاثين ألف قرش كمصاريف للطريق و أجرة الجمال، انظر؛ مرآت مكه، ج 2 ص 295.

51

أخلص رجالهم، فيصل إلي الباب العالي مع هداياه .. و يتم استقباله في صالون الإستقبال .. ثم يمثل إلى جوار رئيس الكتاب، و يسلم معروضاته، و هداياه و عقب زيارته إلي كتخدا الصدر الأعظم، و الصدر الأعظم، يرسل مع «الملخص» إلى السراي .. و عند استقبال الصدر الأعظم لمعتمد الشريف، و رجاله؛ كان يقدم لهم الشربات، و القهوة، و البخور، و يخلع عليه خلعا من الفراء، و على أربعة أو خمسة من رجاله بالخلع القيمة. و من الأصول المرعية أن يقوم آغا دار السعادة بالباس معتمد أمير مكة المكرمة، و من هم فى معيته الخلع المختلفة. (1)

***

____________

(1) التشريفات القديمة ص 27- 28.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

ب- أوليا چلبي، و رحلته إلي الحجاز أوليا چلبي: آوليا تشلبي- شلبي‏

من هو هذا الأوليا .. أين ظهر .. و ترعرع ..؟ ما كنيته و شهرته ..؟ ما هى الظروف، و الدوافع التي وقفت خلف رحلته هذه ..؟ ما قيمة هذه الرحلة تاريخيا ... و جغرافيا ...؟ و ما مكانتها بين الرحلات الإسلامية ...؟ تساؤلات كثيرة تتابع إلي الذهن بمجرد سماع إسم هذا الرحّالة التركي المسلم.

فتجمع الأراء علي أن ميلاد آوليا چلبي هو العاشر من محرم سنة 1020 ه- الموافق 25 من مارس سنة 1611 م‏ (1) في اونقپاني بمدينة استانبول‏ (2) و أطلق عليه والده إسم «أوليا چلبي» (3)، تيمنا بإسم صديق حميم له، صار فيما بعد أستاذا لآوليا.

____________

(1) انظر:

M. Cavid Baysun, Evliya Celebi Mad. Islam Ansik.-, Cafer Erkilic, Evliya celebi,

- 1،M .W .Ozun ,Evliya celebi Seyahatname -. 1954.

Hayati, Sanati, Eserleri, Varlik Yayinevi, Ist Birincicilt.

و غير هؤلاء نهاد سامى بكارلى، و بهجت نجاتى كيل، و وصفي ماهر قوجه تورك و اختلف مع هؤلاء؛

1- مؤلف كتاب‏Book Of Travels Of Evliya Celebi ,Turkey - إذ جعل التاريخ 25 فبراير بدلا من مارس، 2- استان فوردجى شو إذ جعل السنة 1614 م بدلا من 1611 م. (المترجم)

2-Unkapani ؛ حي من آحياء مدينة استانبول القديمة، ذات الطابع الإسلامي. و كانت سوقا رائجا للدقيق، و الحبوب، و ما زالت كذلك و إن كان الحي قد تغير إسمه إلى ياوزسنان، «المترجم».

(2) لميلاد آوليا چلبى قصة يذكرها فى المجلد الأول من سياحته، مفادها [أنه في ليله ميلاده كان الشيخ صنع اللّه أفندي فى المنزل لحظة ميلاده، فأذن بصوت عال فى أذنه .. و أمر الوالد بذبح الآضاحي «العقيقة» فذبح الشيخ اسماعيل أفندى المولوي أضحية .. و كان فى المنزل أيضا سبعون من العارفين باللّه و أن الكسوه دار محمد أفندى هو الذى ربط قماطه ... و أخرج شيخ مولوية قاسم باشا كسرة خبز من فمه المبارك، و وضعها فى فمه داعيا له. كما أخذ شيخ مولوية يكى قاپى- ينى قاپى الشيخ دوغاني دهده الطفل الصغير و قذف به فى الهواء .. متمنيا أن يكون هو طائر المولوية في الدنيا ..) سياحتنامه ج 1 ط 1 ص 361.

نخلص من هذه القصة بتصور الجو الصوفي، و العرفاني، و الديني الذي ولد فيه الصبي .. و أن ذلك سيكون له أبلغ الأثر فى حياته. «المترجم»

(3) آوليا چلبي؛ كلمة آوليا؛ هي تخفيف من الكلمة العربية أولياء و هى جمع كلمة ولي .. أما كلمة چلبي فهى مكونة من كلمة چلب التركية القديمة و تعنى «اللّه» و «ي» هى ياء النسبة العربية. فيكون المعنى العام هو الولي المنتسب إلي اللّه .. أو ولي اللّه .. و هذا هو الأرجح لمعنى الإسم الذى إختاره والد الطفل، فقد أراد له أن يكون صوفيا، يسلك طريق الصوفية المؤدى إلى اللّه.

كما أن من معاني هذه الصفة؛ السيد، الأفندي، المهذب، الرقيق الحال. حلو المعشر المتعلم، الأصيل، كما كان لقبا يلقب به أولياء العهد فى العصر العثماني، و كذا يطلق على رئيس طائفة من المولوية، أو على من ينحدر-

54

أما أبوه فهو درويش محمد ظلى‏ (1) و جده دميرجى، اوغلى قره أحمد و يوصل نسبه إلي الصوفي الشهير أحمد يسوي‏ (2) أما أمه فهى الأخرى ذات نسب، و حسب تصل في قرابتها إلي الصدر الأعظم ملك أحمد باشا (3). أما الجد الرابع لآوليا هو «مير عالم» ياوز أرسنان، و كان من كبار حراس محمد الفاتح، و له جامع بإسمه، فى الحي الذي ما زال يحمل إسمه فى مدينة استانبول حتى الآن.

حي «ياووزسنان». و كان للعائلة بيوت كثيرة فى هذا الحي، و قد ولد آوليا فى آحدها. و قد إحترق و أعيد البناء فى حياة اوليا چلبي .. و قد تغيّر هذا الحي‏

____________

- من سلالة مولانا جلال الدين الرومى، أو الولي حاجى بكطاش. و لقبا إداريا يمنحه السلطان لولي العهد الذى يتولى ولاية صنجق أو ولاية من ولايات الدولة. و كلها تنطبق على آوليا چلبى، فهى أمنيات يتمناها الأب لولده. «المترجم»

(1) هناك أراء كثيرة بهذا الصدد؛ فهناك من يجعله محمد ظلى بن درويش. و من يجعله؛ درويش محمد ظلي .. و من يجعله؛ درويش محمد آغا ظلى، «المترجم».

(2) أحمد يسوى؛ صوفى كبير، صاحب مذهب صوفي يحمل إسمه، و قد ظهر فى التركستان فى محيط صوفي، تتملذ على يد العالم المشهور آرسلان بابا، ثم رحل إلى بخارى ليتلقى العلم على يدي الشيخ يوسف الهمزاني، بعد أن أتم دراسته، شكل طريقته الصوفية الخاصة به، و نالت رواجا كبيرا فى بلاد ما وراء النهر، توفى عن عمر ناهز الستين سنة (562 ه- 1166 م). و قد جمع آراءه الصوفية فى كتابه (ديوان حكمت)- ديوان الحكمة. «انظر د/ عمرو عبد الباقى، الرحالة التركى آوليا چلى، مجلة كلية اللغات و الترجمة، العدد التاسع (، 1409 ه- 1989 م)، و تورك آدبياتنده ايلك متصوفلر، محمد فؤاد كوبريلى، استانبول سنة 1918. (المترجم).

(3) ملك أحمد باشا: من الأشخاص البارزين فى الدولة العثمانية. تقلب فى مناصب كثيره حتى صار صدرا أعظم فى زمان السلطان محمد خان الرابع فقد شغل وظيفة سلحدار 1048 ه ثم عين واليا على ديابكر، فأرضروم و بوصاية من (قيا) ابنة السلطان مراد الرابع شغل ولاية حلب لمدة تتراوح ما بين خمسة و ستة أعوام، ثم عين واليا على بغداد سنه (1160 ه) و فى العام نفسه ولى الصدارة العظمى ثم عزل بعد أن شغل هذا المنصب لمدة ثلاثة عشر شهرا و عين بعد ذلك واليا على ملسترة و كانت وفاته سنة (1073 ه) (انظر قاموس الأعلام لشمس الدين سامى ج 1 ص 792- 793) و انظر مقال موزتمان المنشور بدائرة المعارف الاسلامية التى سبقت الإشارة اليها. و يقول أوليا (و لما كان احمد باشا يمت بصلة القرابة لوالدتى فان الإنعام كان يصيبنى فى سهولة و يسر) سياحتنامه ج 1 ص 245. و قد تناول أوليا قصة عزل ملك أحمد باشا (انظر سياحتنامه ج 1 ص 278) و يعد المستشرق موزتمان من الباحثين القلائل الذين أبرزوا ملك أحمد باشا على أنه خال لأوليا چلبي فقد اكتفت مصادر أخرى كثيرة بالقول بأن أوليا يعد من أقارب ملك أحمد باشا الصدر الأعظم و أوليا چلبي نفسه هو أحد هذه المصادر (أنظر سياحتنامه ج 1 ص 245) و أحمد وفيق باشا (انظر مقدمة المجلد الأول من سياحتنامه و قاموس الاعلام لشمس الدين سامى مادة أوليا چلبي و انظر كراتشكوفسكى: الأدب الجغرافى العربى- المجلد الثانى ترجمة صلاح الدين هاشم ص 648 و يقول الدكتور: جاويد بايصون «والدى يمكن قوله فيما يتعلق بما بين آوليا و ملك أحمد باشا من صلة قرابه هو أن أم، آوليا چلبي ربما كانت اختا للصدر الأعظم ملك أحمد باشا و ربما كانت من أقاربه أى أنه ليس هناك من الوثائق ما يعين الباحث على القطع بأنها كانت شقيقة هذا الصدر الأعظم (انظر ج بايصون- المصدر السابق- ص 401)+ د. عمرو عبد الباقى، الرحالة التركى آوليا چلبي مجلة كلية اللغات و الترجمة 1409 ه- 1989 م العدد التاسع عشر+ د. الصفصافى أحمد المرسى نفس المجلة العدد العاشر) (المترجم).