تعريب شرفنامه - ج1

- شرف خان البدليسي المزيد...
473 /
5

الجزء الأول‏

مقدمة الكرد و كردستان‏

أولا- أصل الشعب الكردي‏

(1)

اختلف الكتاب المسلمون القدماء في أصل الكرد. فمنهم من أرجعهم إلى أصل عربي، و هؤلاء يختلفون في هذا الأصل. جماعة ينسبونهم إلى ربيعة بن بكر بن وائل. و جماعة ينسبونهم إلى مضر بن نزار، فيقولون إنهم ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن. و جماعة ينسبونهم إلى ربيعة و مضر.

و هؤلاء جميعا يتفقون على أن الكرد انفردوا من قديم الزمان عن العرب، لوقائع و دماء كانت بينهم و بين غسان، أو لأنهم اعتصموا بالجبال طلبا للمياه و المراعي، و ان هذا الإنفراد أدى إلى ما في الكرد من الأنفة، كما أدى- لمجاورتهم الأمم الساكنة المدن و العمائر من الأعاجم و الفرس- إلى أن حالوا عن لسانهم و صارت لغتهم أعجمية.

و من هؤلاء الكتاب من ألحق الكرد بالشيطان أو الجن و ذلك عن طريق إماء سليمان بن داود، حين سلب ملكه و وقع على إمائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد فحملن منه، فلما رد اللّه على سليمان ملكه و وضع تلك الإماء الحوامل، قال سليمان: أكردوهن إلى الجبال و الأودية، فربتهم أمهاتهم و تناكحوا و تناسلوا و هذا بدء نسب الأكراد (1).

____________

(1)- مروج الذهب للمسعودى، ج 1، ص 307- 308 طبعة مصر. و شرفنامة، الترجمة العربية.

6

(2)

و يروي صاحب شرفنامه (ق 11 ه) أن بعض الكتاب ينسب الكرد إلى نسل الإيرانيين الذين تشتتوا في الجبال و الوهاد فرارا من القتل و الذبح و قطع رؤوسهم لأخذ أمخاخهم لعلاج الثعبانين اللذين كانا فوق كتفي الضحاك (بيوراسب) خامس ملوك الپشداديين‏ (1). يقولون إن الموكل بقتل الناس و أخذ أمخاخهم قد غلبته العاطفة الكريمة (2)، فعمد إلى الاكتفاء بقتل رجل واحد و ضم مخ شاة إلى مخه و إعتاق الرجل الثاني سرا مع التنبيه عليه بأن يغادر المدن فورا و بأن يستوطن الجبال و الوهاد الخالية من الناس، فأدى هذا إلى اجتماع جمع غفير من طوائف مختلفة، و لهجات متعددة، فتزاوجوا و تناسلوا حتى ملأت أولادهم و أحفادهم تلك البقاع على رحابتها فلقب مجموع هؤلاء الناس بالكرد، و قد انساحوا بعد ذلك في السهول و الهضاب.

و يذكر البدليسي رواية أخرى تقول إن الكرد سموا بهذا الاسم، و معناه البطل، لشجاعتهم و بأسهم‏ (3).

و يؤيد البدليسي هذا الرأي مستدلا بظهور أبطال إيرانيين بين هذه الجماعة، مثل رستم بن زال، الذي يذكره الفردوسي باسم رستم كرد؛ و بهرام جوبين الذي يرجع إليه نسب الكرتيين و الغوريين؛ و فرهاد عاشق شيرين التي أحبها كسرى برويز؛ و خير الدين باشا الذي كان وزيرا للسلطان العثماني أورخان (726- 761/ 1326- 1389) و الذي يعرف بمولانا تاج الدين الكردي‏ (4).

و يذهب البدليسي إلى نسبة جماعة من أمراء الكرد، أمراء الجزيرة، إلى‏

____________

(1)- شرفنامة، الترجمة العربية،

(2)- المصدر نفسه، ص 11، و يذكر مينورسكي في مقاله بدائرة المعارف الإسلامية أنه يقام في يوم 31 أغسطس من كل سنة مهرجان بمناسبة خلاص إيران من ظلم الضحاك و أن هذا المهرجان يعرف ب (جشن كرد) أي عيد الكرد.

(3)- شرفنامة،

(4)- المصدر نفسه.

7

خالد بن الوليد، و هذا في رأيه ثابت و محقق‏ (1)؛ و إن أول رجل ولى حكم الجزيرة من هؤلاء هو سليمان بن خالد. كما أنه ينسب حكام بدليس إلى كسرى نوشيروان.

(3)

و يرى مينورسكي‏ (2)-Minorsky أن الكرد قوم من الإيرانيين يسكنون فارس و القوقاز و تركيا و العراق.

و يستند وضع الكرد ضمن الشعوب الإيرانية إلى أسس لغوية و تاريخية، و هذا الوضع لا يتجافى مع الفارق الجنسي. و من المحتمل أن العنصر الكردي قد انتقل في امتداده من الشرق (غربي إيران) إلى الغرب (كردستان الأوسط).

و هذا لا يحول دون وجود شعب من، جنسية أخرى، كان يقيم في هذا الغرب، قبل أن ينتقل إليه الكرد، و كان هذا الشعب يحمل اسما مماثلا لاسم الكرد هو كاردو، و قد تم الاندماج بين أكراد إيران و هذا الشعب بعد اختلاطهما.

و قد عثر ثيرو دانجن-Thureau Dangin في نقشين آشوريين على إقليم اسمه كار- دا- كا (3). و كان هذا الإقليم مجاورا" لقوم سو". و سو هذه تقع جنوب بحيرة و ان كما يقول دريفر-Driver . و يقول البدليسي في شرفنامه إن هناك قلعة قديمة تسمى" سوى" في إقليم بدليس. و بعد هذا بألف سنة شن بيليسر الحرب على شعب اسمه كورتي في جبال" ازو" التي يجعلها دريفر" حزو" الحالية (صاصون)، و لكن قراءة كلمة كورتي ليست مؤكدة.

و لا يشير هيرودوت، في القرن الخامس ق. م إلى اسم كهذا انه يقول ان الإقليم الثالث عشر في الإمبراطورية الأكمينية قد ألحق بأرمينية و اسمه بوخته يوخ التي يربطها بعض المستشرقين باسم بوختان (بوهتان).

____________

(1)- المصدر نفسه‏

(2)- مادة كرد في دائرة المعارف الاسلامية.

(3)-Revue d ,Assyriologie v 99 ;lll vl ,76

8

و يذكر كزينيفون‏XenoPhon (401- 400 ق. م) اسم شعب كردوك الذي يسكن شرقي كنتريتس (بوختان).

و بعد هذا كثر ذكر هذا الاسم في المنطقة بين الشاطئ الأيسر لدجلة و جبل الجودي فقد سماها المؤرخون كوردئين. و سمي هذا الإقليم بالآرامية (حوض كاردو)؛ و أطلق اسم (كازار تاى كاردو) على مدينة جزيرة ابن عمر الحالية. و في القديم عرف الأرمن هذه المنطقة باسم (كوردوز) و عرفها العرب باسم (بقردى). و يذكر ياقوت نقلا عن ابن الأثير ان بلاد (بقردا) جزء من جزيرة ابن عمر.

و قد اندثر اسم (بقردا) الذي كان يطلق في العصر الإسلامي الأول على هذه المنطقة و أصبح مذكورا في الكتب العربية باسم جزيرة ابن عمر أو بوهتان ..

و بعد ان يستطرد مينورسكي في بحثه التاريخي القيم يقول إن الذي لا شك فيه هو أن كاردشو القديمة، موطن شعب الكاردو، كانت من المواطن الأصلية للشعب الكردي اليوم. و إذا ثبت هذا يجب ان نسلم بان كلمتي (كاردشو) و (كرد) مترادفتان. و هذا الرأي لا مراء فيه منذ بداية القرن العشرين.

ثم ان الكرد و الخلديين شعب واحد. و يقرر ريسك‏reiske ان الكلمات:

(خلدى) و (كوردى- كرد) و (كوردياى) تدل على مسمى واحد.

و بعد عرض دقيق للأبحاث اللغوية التي قام بها المختصون يقول:

و يترتب على هذا أن كلمة كردي و جمعها أكراد قد صارت اسما لشعب إيراني هجين أو لشعب مجاور لإيران و ذلك بعد الفتوحات العربية لهذه البلاد، و أن عناصر إيرانية خالصة قد وجدت بين الشعب الكردي كما وجد به في أنحاء أخرى جماعات أجنبية عن البيئة نزحت إليها و حكمتها.

(4)

و يرى سيدني سميث‏ (1)Sidney smith ، بعد مقدمة علمية في التاريخ‏

____________

(1)- تراجع الترجمة العربية لمقال كتبه خاصة لمؤلف كتاب خلاصة تاريخ الكرد و كردستان، محمد أمين زكي، ص 54 و ما بعدها، و الكتاب باللغة الكردية و قد نقلة للعربية محمد علي عوني. و كتاب:

Early History of Assyria

9

و اللغات، أن آراء العلماء قد تغيرت في العصر الحديث فيما يتعلق باللغة الكردية. فقد ذهب الثقاة منهم إلى القول بان اللغة الكردية ليست مشتقة من الفارسية أو محرفة عنها، بل هي لغة مستقلة تماما و لها تطوراتها الحقيقية القديمة. فهي أقدم من اللغة الفارسية القديمة

old Persian

التي كتبت بها نقوش دارا. و على هذا أصبح جائزا ان يرى علماء التاريخ ان اللغة الكردية كانت موجودة في القرن السادس ق. م و كانت لغة مستقلة و قائمة بذاتها، و ان الشعب الكردي، أحد الأقوام الهندية- الإيرانية، قدم إلى كردستان في الوقت الذي قدم فيه الميديون إلى ميديا و الإيرانيون إلى ايران. و من هذا يبدو ان قدوم الكرد إلى كردستان يرجع إلى ما بعد سنة 650 ق. م؛ و يستند سيدني سميث في هذا إلى القول بان النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل هذه السنة لا تذكر شيئا عن الكرد.

و يرى صاحب هذا الرأي الذي يعتمد على الدراسة اللغوية ان اللغة الكردية لغة مستقلة لا تمت للفارسية بصلة.

(5)

و يرى سفرستيان‏safrastian في دائرة المعارف البريطانية (1944) ان الكرد لم يخضعوا للدول المتعاقبة قبل الإسلام، و أنهم اكتسبوا الصفات الآرية كاملة أيام الأكمينيين، و حينذاك كانوا كالستارية من حيث مد الدولة بالجند، كما كانوا حماة بيوت النار الزردشتية.

(6)

و يذهب محمد أمين زكي‏ (1) بعيدا في نسب الكرد و أصلهم. فيقول:" إن كردستان الذي هو الموطن الأول للسلالة البشرية الثانية و موضع انتشارها إلى جهات أخرى حسب الحوادث التاريخية، كان يسكنه في فجر التاريخ شعوب‏

____________

(1)- خلاصة تاريخ الكرد و كردستان، الترجمة العربية لمحمد علي عوني، ص 63 و ما بعدها.

10

جبال زاغروس التي هي شعوب (لولو) و (جوتى) و (كاسى) و (خالدى- كالدى) و (سوبارو- هورى)، و كان الشعب العيلامي يقيم في منتهى الشرق الجنوبي منه. فهذه الشعوب كلها، ما عدا الشعب العيلامي، هي الأصل القديم جدا للشعب الكردي". ثم يتدرج الباحث إلى العصر الميدي في القرن التاسع ق. م، و الميديون من الشعوب الهندية الأوربية التي ارتحلت من شرقي بحر القوقاز (بلاد باختريانة) إلى الغرب الشمالي من الهضبة الإيرانية أي بلاد ميديا، فيرى الرأي القائل بان الشعب الميدي هو العشائر الكردية التي تسكن شرقي بلاد آشور، فهو شعب آري الجنسية و أما لغته فمن فصيلة اللغات الهندية الأوربية؛ ثم ان لغة الميديين هي لغة الشعب الكردي أو كانت أساسا لها على الأقل. و كما كان من نتيجة اختلاط البرتيين بالفرس ان اندثر البرتيون لاندماجهم التام في الفرس، فكذلك كان الحال بالنسبة للميديين على أثر اندماجهم مع الفرس.

و يعارض الباحث رأي سيدني سميث القائل بان النقوش الآشورية لا تشير إلى الكرد قبل سنة 650 ق. م، فيذكر ما قرره هول في كتابه" تاريخ الشرق الأدنى القديم" من أن ملك الآشوريين الثالث (آداد- نيرارى) قام بحملة تأديبية ضد العشائر الكردية الشمالية في سنة 812 ق. م، و هذا يبين أن الشعب الكردي أقدم بكثير من سنة 650 ق. م، ثم يقول:" و صفوة القول في هذا الموضوع انه سواء أكان الكرد سلالة شعوب زاغروس التي يعتقد المستشرقون أنها قوقازية الأصل ثم صارت آرية نتيجة الهجرات العديدة التي جرت في القرنين التاسع و الثامن قبل الميلاد أو كانوا سلالة الآريين الأقحاح (الهنود- الأوربيين) كما تقول كثرة المؤرخين، فالذي لا شك فيه هو ان النظرية الأولى القائلة بعراقة الأصل الكردي في القدم نظرية قوية جدا و لكنها لا تزال في حاجة إلى بعض الشواهد و الأدلة الأثرية توضحها توضيحا كاملا. و مع ذلك فاني أعتقد أن النظرية القائلة بان الكرد قدموا إلى كردستان في أواسط القرن السابع قبل الميلاد نظرية ضعيفة جدا".

و يستدل الأستاذ محمد أمين زكي على صحة رأيه بان اختلاف الأسماء الدالة على الشعب الكردي في الأزمنة القديمة لا يفيد تعدد الأقوام و الشعوب إنما هذا الاختلاف مما قضت به طبيعة التقدم و تطور الأحوال و الظروف، و هو يستند في هذا إلى قول سبايزر: إن أسماء الأعلام في شعب ما قابلة للتبديل‏

11

عند الشعوب الأخرى‏ (1). فالكاسيون سموا على مر العصور: كاساي، كاسي، كاششو، كوش. و هذه كلها أسماء لمسمى واحد هو الشعب الكاسي. و كذلك سمي شعب لوللو: لوللو بوم، لوللومي، نوللو. و هكذا الحال في الأسماء المتعددة بالنسبة للكرد.

فالأسماء المختلفة التي أطلقت على الكرد إن هي، عند بعض المستشرقين، إلا كلمات متشابهة تدل على سبيل الترادف اللفظي إما على مجموع الشعب الكردي مباشرة و إما على تلك العشائر العديدة و القبائل الكثيرة التي كانت و لا تزال تعيش تحت اسم الكرد بأسماء و عناوين مختلفة في الأزمان القديمة.

و كانت الأمم القديمة تعرف الكرد بهذه الأسماء:

كوتي، جوتي، جودي: عند السومريين.

كوتي، كوتي، كورتي، كارتي كاردو، كارداكا، كاردان، كاركتان، كارداك: عند الاشوريين و الآراميين.

كورتيوي، سيرتي، كورد راها: عند الايرانيين.

كاردوسوي، كاردخوي، كاردوك، كردوكي، كردوخي.

كاردويكاي: عند اليونان و الرومان.

كوردؤين، كورجيخ، كورتيخ، كرخي، كورخي: عند الارمن.

كردي، كاردوي، باقاردا، كارتاويه، جوردي، جودي: عند العرب.

و يختم السيد بحثه بان هذه الآراء كلها نظريات ذكرت على سبيل الاجتهاد، لأننا لم نظفر إلى الآن بأسانيد نعول عليها بشكل قاطع في حل مسألة الكرد و منشئهم.

***

____________

(1)-SPeiser :MesoPotamian Origins

12

ثانيا- كردستان في العصور الإسلامية حتى نهاية الحرب العظمى‏

(1)

بدأ تاريخ الأكراد يتضح منذ فتح العرب بلاد الدولتين الفارسية و الرومانية، و انتقل البحث فيه من دور الاجتهاد في دراسات مقارنة للغات و تاريخ الأمم القديمة إلى الحقائق التاريخية التي ذكرتها كتب التاريخ الإسلامي.

و يعتز الأكراد بصحابي منهم اسمه جابان الكردي و بولده ميمون الذي يكنى بأبي بصير (1)، و قد رويت عن جابان أحاديث كثيرة؛ و هذا يذكر باعتزاز الفرس بسلمان الفارسي.

و يذكر اسم الكرد في كثير من الحوادث التي مرت بالدولة الإسلامية الشرقية في القرون الأولى للهجرة. فهم انقادوا إلى مقدمهم جعفر بن فهرجس الذي عصى بأعمال الموصل أيام المعتصم (224/ 839)، و كانت ثورته عنيفة فقد هزم والي الموصل، و اضطر الخليفة إلى أن يبعث ايتاخ لتأديب جعفر، و بعد قتل هذا" أوقع ايتاخ بالأكراد فأكثر القتل فيهم و استباح أموالهم‏ (2)".

و عاون الأكراد مساور في ثورته ضد والي الموصل سنة 252/ 866؛ كما ساعدوا ثورة الزنج و الصفاريين و قد قلد يعقوب بن الليث، كور الأهواز، محمد بن عبيد اللّه بن هزار مرد الكردي‏ (3)، و لكن هذا كان يعمل على أن يكون الأمر لنفسه. و لم يكد أبو الهيجاء بن حمدان يلي الموصل حتى أتاه الصريخ من نينوى‏

____________

(1)- خلاصة تاريخ الكرد و الكردستان، ص 130 حيث ينسب هذه القضية إلى الألوسي في تفسيره" روح المعاني".

(2)- ابن الأثير حوادث سنة 224.

(3)- أبن الأثير حوادث سنة 262.

13

بان الأكراد الهذبانية و مقدمهم محمد بن بلال قد أغاروا على البلد، فسارتوا إليهم، و لحق الأكراد بالمعروبة على الخازر و كانوا قد تجمعوا في خمسة آلاف فلم يقو عليهم فعاد ليستعد. ثم انه رجع بقوة كبيرة و لكن محمد بن بلال مكر به، إذ أفهمه انه يريد أن يستسلم له، و أن يكون و أبناؤه رهائن لديه، و عاد ليحضر بنيه، و لكنه بدلا من أن يفعل ذلك نصح الأكراد بان يفروا إلى أذربيجان آمنين. فلما عرف أبو الهيجاء هذا هاجم فلولهم و قد أدرك محمد بن بلال الكردي أن لا قبل له بالمقاومة فلجأ إلى أبي الهيجاء فأمنه و أمن رجاله ورد عليهم أموالهم و أهليهم،" و تتابع الأكراد الحميدية و أهل جبل داسن إليه بالأمان فأمنت البلاد و استقامت" (1).

و يذكر ابن مسكويه أن حسين الحمداني هاجم أذربيجان سنة 337/ 943 و قد اتخذ له حليفا زعيم عشيرة الهذبانية و قد بلغ مدينة سلماس و أقام بها (2).

و يذكر اسم الأكراد كجزء من الجيش الغزنوي في كثير من حوادث تاريخ هذه الدولة كما جاء في تاريخ البيهقي‏ (3) و غيره من كتب التواريخ. فهم في الواقع جماعة عرفت بشدة البأس في الحرب. و يذكر البدليسي الأسر الكردية حتى 1005/ 1596 م.

(2)

أما عن البلاد التي عرفت باسم كردستان و القبائل التي عرفت بالكرد فان القسم الغربي من إقليم الجبال عرف باسم كردستان‏ (4)، و يروي المستوفي انه في نحو منتصف المائة السادسة للهجرة اقتطع السلطان سنجر السلجوقي (511- 551/ 1117- 1156) هذا القسم من إقليم الجبال، أي ما كان منه من أعمال‏

____________

(1)- ابن الأثير حوادث سنة 293.

(2)- تجارب الأمم،GMS ، 105، 4.

(3)- تاريخ البيهقي، الترجمة العربية، للخشاب و نشأت في صفحات متفرقة.

(4)- بلدان الخلافة الشرقية، لوسترانج‏,Le Strange الترجمة العربية لبشير فرنسيس و كوركيس عواد، ص 18.

14

كرمنشاه و سماه كردستان و ولى عليه ابن أخيه سليمان شاه؛ و قد ازدهر كردستان في أيام سليمان هذا ازدهارا عظيما و بلغ ارتفاعه مليوني دينار ذهبا (1).

و يذكر المسعودي في مروج الذهب (332/ 943) أسماء العشائر الكردية (2):

" شاهجان" و تسكن الدينور و همدان؛" ماجوردان" و تسكن كنجاور؛" هذباني"،" سرات" و تسكن أذربيجان؛" شادنجان"، لازبا (لرى؟)"،" مادنجان"،" مازدنكان"،" باريسان"، خالي (جلالي؟)"،" جبارقي"،" جاواني"،" مستكان" و تسكن في إقليم الجبال؛" دبابلا" و تسكن الشام؛ و نصارى الكرد مثل" اليعقوبية" اليعاقبة،" جرقان" يسكنون حوالي الموصل و جبل الجودي.

و يضيف المسعودي في كتابه التنبيه و الإشراف اسم قبيلة" بازنجان" (ص 88- 91). و يذكر الاصطخري (340/ 951) أسماء العشائر الكردية الآتية (ص 115):

" ناشاويرا"؛" بوذيكان"؛" كيكان" (و تسكن اليوم قرب مرعش)، ثم انه يذكر (ص 282) منازل الكرد التي سكنوها: فارس، كرمان، سجستان، خراسان، (قرية كردية في ناحية أسد آباد)، اصفهان (قسم من عشيرة بازنجان، و مدينة مزدهرة ذكرت بأنها كردية، اليعقوبي ص 275 و الاصطخرى ص 125)، الجبال، و خاصة ماه الكوفة، ماه البصرة، ماه سبذان (ماسبذان)، همدان، شهرزور و ملحقاتها داراباد و صمغان (زمكان)، أذربيجان، أرمينية (و في دوين- أوتوين- و هي دبيل في القديم- على نهر الرس سكن الكرد بيوتا من اللبن و الحجارة، و قال المقدسي إن الأكراد به إلا ان الغالب عليه النصارى)، أرّان (و قد سمي أحد أبواب برذعة باب الأكراد، و يقول ابن مسكويه إن حاكمها استعان بالكرد إبان الغزو الروسي سنة 332/ 1042)، بيلقان، باب الأبواب (دربند)، الجزيرة، الشام، الثغور.

____________

(1)- المصدر السابق ص 227، 228.

(2)- مقال مينورسكي في دائرة المعارف الإسلامية؛ و خلاصة تاريخ الكرد و كردستان ص 374، 375؛ و بلدان الخلافة الشرقية ص 216، 217.

15

و يشير الاصطخري بنوع خاص إلى خمسة رموم في فارس‏ (1). و كان لكل رم عاصمته و رئيسه الذي عهد إليه بالخراج و الأمن. و هذه الرموم هي:

1- جلويه (أورامجان)، و يحده أصفهان و خوزستان.

2- لوالجان، بين شيراز و الخليج الفارسي.

3- ديوان، في كورة سابور.

4- كاريان، في اتجاه كرمان.

5- شهريار، بجانب أصفهان، و يسمى أيضا بازنجان باسم القبيلة الرئيسة التي نقل بعض أفرادها إلى أصفهان.

ثم ان الاصطخري يذكر أسماء اثنتين و ثلاثين قبيلة (اثنين و ثلاثين حيا) من الأكراد بفارس و قد استخرجها من ديوان الصدقات و هي:

كرماني، راماني، مدثّر، محمد بن بشر، بقيلى (المقدسي: ثعلبي)، بندا مهري، محمد بن إسحق، سباهي، إسحاقي، أدركاني، شهراكي، تهماداني، زبادي، شهروي، بندادكي، خسروي، زنجي، سفري، شهيارى، مهركى، مباركي، اشتامهرى، شاهونى، فراتى، سلمونى، صيرى، آزاددختى، مطلبي، ممإلى، شاهكانى، كجتى، جليلى.

و كل هذه العشائر كانت تسكن الخيام و كان عددها خمسمائة ألف أسرة.

و فوق هذا يذكر الاصطخري عشيرة" اللورية" بين أكراد فارس.

و يروي ابن البلخي (500/ 1107) إن شخصا اسمه علك بقي من هؤلاء الأكراد و اعتنق الإسلام و لا تزال أسرته موجودة بفارس. و أما الأكراد الآخرون الذين يقيمون بفارس الآن فهم الذين نقلهم عضد الدولة إليها من حدود أصفهان.

____________

(1)- يطلق هذا الاسم على الأنحاء التي كان الكرد يسكنونها، و مفرده رم، و هو من الفارسية رم و معناه القطيع أو الجماعة. أنظر دائرة المعارف الإسلامية مقال مينورسكي، و مفاتيح العلوم للخوارزمي، الفصل السابع.

(2)- فارسنامه، ص 168.

16

و يشير ابن البلخي خاصة إلى أكراد شبانكاره الذين كانوا قوة عظيمة في آخر أيام البويهيين. و لم يشر البدليسي في شرفنامه إلى شبانكاره بين الأسر الكردية. و لكن إحدى قبائل شبانكاره يحمل اسم راماني و هو من أسماء القبائل التي ذكرها الاصطخري.

و هذا يبين أن أكراد فارس يختلفون عن أكراد كردستان (شول، لور) و أما زوزان (زوزان في الكردية مراعي الصيف) الذي يطلق على كردستان بوجه عام فلم يتضح تماما. يذكر ياقوت في المعجم‏ (1) انه كوره حسنة بين جبال أرمينية و بين أخلاط و أذربيجان و ديار بكر و الموصل و أهلها أرمن و فيها طوائف من الأكراد ثم انه ينقل عن ابن الأثير انها ناحية واسعة في شرقي دجلة من جزيرة ابن عمر، و أول حدوده من نحو يومين من الموصل إلى أول حدود خلاط، و ينتهي حدها إلى أذربيجان إلى أول عمل سلماس، و فيها قلاع كثيرة حصينة، و كلها للأكراد البشنوية و البختية. فمن قلاع البشنوية قلعة برقة و قلعة بشير؛ و للبختية قلعة جرذ قيل، و هي أجل قلعة لهم و هي كرسي ملكهم آتيل، و علوس، و باز الحمراء، و لأصحاب الموصل ألقى، أروخ، باخوخة، برخو، كنكور، نيروه، خوشب.

و يذكر القلقشندي، في صبح الأعشى‏ (2)، نقلا عن مسالك الأبصار (3)، أن الأكراد و إن دخل في نوعهم كل جنس فإنهم جنس من نوع عام. و هم من قارب العراق و ديار العرب دون توغل في بلاد العجم. و منهم طوائف بالشام و اليمن.

و منهم فرق متفرقة في الأقطار، و حول العراق و ديار العجم جمهرتهم ..

و يحدثنا عن بلاد الجبال فيقول إن المراد بالجبال على المصطلح هي الجبال الحاجزة" و لم أذكر من عشائرها إلا من كنت به خبيرا و لم أسم فيها منهم إلا بيت ملك أو إمارة. نبدأ بجبال همذان و شهرزور و أربل و ننتهي إلى دجلة الجزيرة من كوار إلى الموصل و نترك ما وراء دجلة إلى نهر الفرات لقلة الاحتفال به .. و لم يبق إلا أكراد الجزيرة و قرى ماردين".

____________

(1)- معجم البلدان، ج 4 ص 415. طبعة مصر.

(2)- الجزء الرابع ص 373- 379.

(3)- لفضل اللّه العمري، مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 8 م.

17

ثم يتحدث القلقشندي (814/ 1411) عن طوائف اللور و الشول و شبانكاره.

أما عن طائفة اللور فهم كثيرون و منهم فرق مفرقة في البلاد، و فيهم ملك و إمارة، و في مصر و الشام منهم طوائف كثيرة و معظمها في البلاد الشامية. ثم يصفهم بالإقدام و الصدق في القول و المنعة. و هما اللوران الكبير و الصغير.

و أما عن الشول فحكمهم حكم شبانكاره، و ما يبعد بعضهم عن بعض في موازنة العقول، إلا أنه لا يخلوا بينهم من دماء تطل و مواثيق فيما بينهم تحل، و فيهم كرم و سماح، يقصدهم الفقراء و تنزل في قراهم و قراهم.

و أما شبانكاره فهم أحسن من اللور طريقا و آمن فريقا، و منهم رعاية زمام و تمسك من الشريعة المطهرة بزمام.

و يحدد صاحب مسالك الأبصار إقليم الجبال بأن ابتداءه جبال همدان و شهرزور و انتهاءه صياصي الكفرة من بلاد التكفور. و هي مملكة سيس و ما هو مضاف إليها مما بأيدي بيت لاون. ثم يذكر منها عشرين مكانا في كل واحد طائفة من الأكراد:

1- ماه دشت من جبال همدان و شهرزور. و هو مقام الأكراد الكورانية.

و لهم أمير يخصهم.

2- درتنگ و يقيم به طائفة أخرى من الكورانية. لهم أمير خاص.

و الطائفتان جميعا لا تزيد عدتهم على خمسة آلاف رجل.

3- داتسرك و نهاوند إلى قرب شهرزور، و هو مقام طائفة الكلالية، يعرفون بجماعة سيف، عدتهم ألف مقاتل، لهم أمير خاص يحكم على من جاورهم من الأكراد.

4- بجبال همدان و بجوار طائفة الكلالية يسكن الكرد الزنكلية (1).

5- نواحي شهرزور، و يسكنها طائفتان من الكرد. اللوسة و البابيرية. و قد نزحوا عنها بعد واقعة بغداد و وفدوا إلى مصر و الشام، و سكن في مكانهم الخولة (أو الخولسة) و هم ليسوا من صميم الأكراد.

____________

(1)- يقول محمد علي عوني إنها محرفة من زنگنه و هي عشيرة كردية معروفة اليوم.

18

6- مكان بين شهرزور و أشنه من أذربيجان و يسكنه طائفة السيولية (الشول؟).

7- آليشتر (1)، و تقيم بها طائفة القرتاوية (الكرثاوية)، و بيدهم من بلاد إربل أماكن أخرى.

8- بلاد الكركار. و تقيم بها طائفة الحسنانية (خشناو)، و هم على ثلاثة أبطن، أحدها طائفة عيسى شهاب الدين، و طائفة التلية و طائفة الجاكية.

9- دربند قرابلى، و هو مقام طائفة القرياوية، و لهم خفارة الدربند، و صاحبه يكاتب عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية.

10- بلاد الكرحين و دقوق الناقة (2). يذكر مينورسكي أن طائفة تيركارين تقيم به، بين كركوك و طاووق (دقوق).

11- بين الجبلين من أعمال إربل، يقيم أكراد كانوا موالين لمصر و يدارون التتر.

12- مازنجان، بيروه، نجمة و البلاد السهرانية، و يقيم بها المازنجانية و هم ينتسبون إلى الحميدية.

13- بلاد السهرية، و هي من بلاد شقلاوة و خفتيان أبى علي (خفتيان الصغير) و ما بين ذلك من الدشت و الدربند، و تسكنه طائفة السهرية.

14- ملازكرد و الرستاق، و تسكنه طائفة الزرزاية (3)، و يقال إنهم ممن تكرد من العجم.

15- چولمرك و تسكنه الچولمركية. و يقال إنهم عرب تكردوا. و ملكهم معتمد عند الأكراد و يأخذ الخفارة و يعرف بصاحب چولمرك.

16- بلاد مركوار و يسكنها أكراد متحالفون مع الچولمركية.

____________

(1)- بلدان الخلافة الشرقية، ص 228، 229.

(2)- بلدان الخلافة الشرقية، ص 83، 120

(3)- جاء في المسالك أن زرزاي كلمة أعجمية معناها ابن الذئب، خلاصة تاريخ الكرد، ص 385، حاشية المترجم.

19

17- بلاد كوار، و هي مجاورة لجولمرك من ناحية الغرب، و ينسب إليها الكرد المقيمون بها.

18- بلاد الدينار، و يسكنها الأكراد الدينارية.

19- بلاد العمادية و قلعة هرور، و يسكنها الكرد الهكارية.

20- القمرانية و كهف داود، و يسكنها التنبكية (بستيكى) (1)

ثم أن صاحب المسالك يذكر بعد هذا طوائف: البختية، السندية، الراسنية، الدنبلية، و يسميهم الأجانب زازا (ظاظا) و يسمون أنفسهم دنبلي (دوملي).

و يذكر صاحب التثقيف، نقلا عن الوثائق المصرية في زمنه، أسماء مناطق و عشائر كردية عددها خمس و عشرون‏ (2).

و يذكر مينورسكي في مقاله عن العشائر الكردية شرقي إيران، أنه كان يسكن ولاية قره باغ بالقوقاز أربع و عشرون عشيرة كردية، و كانت تسكن خراسان عشيرتا گل و زنگنة، و سكنت كرجستان عشيرة جيكان.

و ذكر ابن خلدون في تاريخه عشيرتي لاوين و بادين الكرديتين في الجزائر.

(3)

و يذكر البدليسي (1005/ 1596) إن الطوائف و الجماعات الكردية من حيث اللسان و اللغة و الآداب و الأوضاع الاجتماعية تنقسم إلى أربعة أقسام كبيرة (3).

1- الكرمانج.

2- اللر.

3- الكلهر.

4- الكوران (الجوران).

____________

(1)-minorsky في دائرة المعارف الاسلامية.

(2)- ذكرها صاحب خلاصة تاريخ الكرد و كردستان، ص 380.

(3)- شرفنامه، الترجمة العربية لمحمد علي عوني، ص 12.

20

و هو يجعل حد بلاد الكرد (كردستان) من ساحل الخليج الفارسي على خط مستقيم إلى آخر ولايتي ملطية و مرعش، فيكوّن الجانب الشمالي لهذا الخط ولايات: فارس و العراق العجمي و أذربيجان و أرمينية الصغرى، و أرمينية الكبرى، و يقع في جنوبه العراق العربي و ولايتا الموصل و ديار بكر.

و الذين اشتهروا بشدة البأس من حكام كردستان و ملوكه يسمون باسم عشائرهم مثل الحكاري و السهراني و الباباني و الأردلاني. أما الحكام الذين يمتلكون القلاع و المدن فمشهورون بتلك القلاع و المدن فيقال حاكم حصنكيفا، و حاكم بدليس و حكام الجزيرة و حزو و أكيل و هكذا.

(4)

و يقسم البدليسي في شرفنامه ولاة الأكراد إلى أربعة أقسام:

1- الذين كانوا مستقلين و يدخلهم المؤرخون في عداد السلاطين و الملوك.

2- الذين حكموا من غير أن يكونوا مستقلين و لكن ضربت باسمهم السكة و أعلنت الخطبة بأسمائهم.

3- حكام كردستان.

4- حكام بدليس.

القسم الأول دول المروانية

و منه دول المروانية، و الحسنوية، و اللور الكبير (الفضلوئية)، و اللور الصغير ثم آل أيوب و هم سلاطين مصر و الشام.

و يذكر البدليسي أن شادى بن مروان جد صلاح الدين الأيوبي من أكراد رونده‏دوبن. و يروي في إسهاب كيف كانت الحرب بين صلاح الدين و الصليبيين.

القسم الثاني حكام أردلان‏

يتحدث شرف خان عن حكام أردلان، و يرجع نسبهم إلى أحمد بن مروان،

21

المروانية، فإن بابا أردلان قد استولى على شهرزور بعد أن أقام طويلا في طائفة الكوران، و يقال إنه سمى نفسه باسم أحد الساسانيين، و يقول حمد اللّه مستوفي، في تاريخ كزيده، إن حكام شهرزور كانوا دائما من الأكراد، فقد كانوا يستولون عليها بالقوة، و كان يستقل بها من استطاع أن يكون أقوى المتنافسين عليها.

و قد كانوا أمراء أردلان موزعين بين العثمانيين و الصفويين الذين يطلق عليهم شرف خان كلمة قزلباش‏ (1) في كتابه كله. و كان سرخاب، أحد أحفاد بابا أردلان. صديقا لطهماسب الصفوي (930- 984/ 1524- 1576) و قد توسط لديه ليرضى عن أخيه الذي كان قد لجأ إلى سليمان القانوني (926- 974/ 1519- (20)- 1566) لكي يعينه على خلع أخيه. و ظلت أردلان مسرحا للمنازعات بين الفرس و الترك، القزلباشية و العثمانيين، حتى أذعن و اليها هلوخان للسلطان مراد خان العثماني مع اتباع سياسة المسالمة و المداراة مع الصفويين، و ظل يحكم على هذا النحو من الحيطة حتى سنة 1005/ 1596 أي السنة التي فرغ فيها البدليسي من كتابه.

و يتحدث شرف خان عن حكام حكاري و يقول إنه رأى مرسوما بالخط الأويغوري عند الحكاريين من السلاطين الجنكيزية بتمليك الإيالة لهم مدى العمر. و مع ذلك فقد كانت هذه الإمارة حائرة بين الفرس و الترك.

ثم يتحدث بعد ذلك عن سائر فروع حكام هذا القسم.

القسم الثالث حكام كردستان‏

و فيه يتحدث عن حكام كردستان، حكام جمشكزك و هم حكام، مجنكرد، برتك، سقمان؛ و حكام مرداسي و هم حكام أكيل، بالو، جرموك؛ و حكام صاصون؛ و حكام خيزان، و مكس، و أسبايرد، و كليس و غيرهم.

____________

(1)- القزلباشية هم أبناء الأسرى الذين سلمهم تيمور لنگ للشيخ حيدر. و سموا بذلك بسبب غطاء الرأس الأحمر الذي لبسوه ليميزهم عن غيرهم. و كانوا فرسا و تركا. و في ذلك الوقت كان القزلباش أقوى فرق الجيش الصفوي الفارسي. و الترك يطلقون هذه الكلمة على الفرس عامة و تطلق كلمة القزلباشية كذلك على فرقة الباطنية الشيعية في تركيا.

22

و حين يصل إلى أمراء السويدي يذكر البرامكة الذين يرجع إليهم نسب أمراء السويدي، و يرجع البرامكة نسبهم إلى ملوك الفرس. و يذكر البدليسي ما جاء في سياستنامه المنسوب لنظام الملك عن قصة البرامكة، و كيف أن أحدهم، أيام عبد الملك بن مروان أو سليمان بن عبد الملك، جاء إلى دمشق بثروة طائلة فلما دخل على الخليفة انتفض هذا في مقعده و أمر بطرد البرمكي. و لما سئل الخليفة عن سبب ذلك التغير المفاجئ على الزائر قال إن في ذراعي خرزتين تتأثران إذا ما ظهر شي‏ء من السم في مجلس. فلما سألوا الضيف عن هذا قال إني أحمل السم تحت فص خاتمي حتى إذا ما أزمني أمر تخلصت من حياتي بمصه. و من أجل هذا سمي بالبرمكي لأنه قال لهم بالفارسية برمكم و هو من مصدر برمكيدن بمعنى المص‏ (1).

القسم الرابع حكام بدليس- أبداد صاحب شرفنامه‏

و قد عنى المؤلف بهذا القسم عناية خاصة، و قد تحدث عن بدليس نفسها طويلا. و هو حريص في كتابه على أن يبين أن المدارس عنوان نهضة الأمة، فهو يختم حديثه عن الدولة الأيوبية بما أنشأت من المدارس في القاهرة، و هو حين يتحدث عن بدليس يذكر أن جده بنى مدرسة و زاوية يعرفان باسم الشرفية.

و أنه هو نفسه بنى خمس مدارس: الخطيبية، و حاجي بكية، و شكرية، و إدريسية، و إخلاصية، أنشأها كلها سنة 999/ 1590- 091 و هو يصف هذه المدارس بأنها غاصة بالطلاب و العلماء و المدرسين. و يذكر أسماء بعض الأساتذة، ففي المدرسة الشرفية يدرس مولانا خضر الخيزاني الفقه الشافعي و التفسير و الحديث. و في المدرسة الإخلاصية الشيخ شمس الدين محمد الشرانشي و هو مشهور بين علماء كردستان. و في مدرسة الحاجي بكية يدرس مولانا محمد الزرقي الصوفي الذي اشتهر بإتقان الفقه و بالتقى و الزهد. و في الإدريسية مولانا عبد اللّه الشهير بملاي سياه (الشيخ الأسود) و هو يدرس حسب الشروط

____________

(1)- حكايات فارسية، ص 30. يحي الخشاب، القاهرة 1945، و سياستنامه ص 219، نشر إقبال.

23

التي جاءت بالبراءة التي حصل عليها من الدولة العلية بالآستانة (1).

و يتحدث البدليسي عن خسرو باشا، الوزير التركي، و ما كان له من فضل على بدليس و حكامها من أجداد شرف خان. و هو يذكر ما كان عليه الأكراد، و جلهم سنية على مذهب الشافعي، من الضيق بمذهب الصفويين. و الظاهر أن الخلافات المذهبية كان لها أثر كبير في الصلات بين الكرد و الفرس في ذلك الوقت. فشرف الدين يكيل الثناء للوزير التركي لأنه أنقذ أمراء بدليس من ورطة القزلباش الذين خالطوهم زهاء أربع و أربعين سنة، كانوا يسمعون خلالها ما يؤذيهم و يؤلمهم من الأقوال البذيئة. و هكذا ساعدهم الوزير على العودة إلى بلادهم حيث حدائق الإسلام الغناء.

و كان لخسرو باشا الفضل في أن يعطف السلطان مراد خان الثالث (982- 1003/ 1574- 1594) على شرف خان و أن يطلب إليه العودة إلى ديار الإسلام تاركا منصب حكومة نخجوان مع الوعد بمنحه حكم إيالته الموروثة.

و يصف البدليسي ولاية خلاط و مدينتها و يذكر أنها كانت مسرحا للحرب بين الفرس و الترك. فالسلطان الصفوي طهماسب أغار عليها سنة 955/ 1548 و انتزعها من أيدي حامية السلطان سليمان. ثم أن السلطان الصفوي أمر بدك حصونها و تخريب قلعتها. فلما استردها الترك رأى السلطان سليمان أن ينشئ قلعة جديدة و حصونا على شاطئ بحيرة و ان و لم يصلح ما أفسده القزلباشية بل تركه أطلالا تروي ما أصابها (2).

و يرجع البدليسي نسب حكام بدليس إلى الأكاسرة، و الشائع أنهم من نسل كسرى أنوشيروان. و هذا القسم من الكتاب أدق من سائر الأقسام لأن كاتبه عاش فترة حياته فيه و ارتبط تاريخ أسرته بتاريخ هذه الجهة.

و يذكر المؤلف تاريخ حياته في هذا القسم، فهو قد تربى، كسائر أبناء النبلاء و الحكام، في بلاط السلطان طهماسب، و ظل في رعاية هذا السلطان‏

____________

(1)- شرفنامه.

(2)- شرفنامه، و يذهب ناصر خسرو إلى انها سميت اخلاط لأن الناس بها يتكلمون ثلاث لغات:

العربية، و الفارسية، و الأرمنية، أنظر سفرنامه، يحيى الخشاب، ص 6- 7.

24

يتنقل في الوظائف و يلقى من العطف ما جعله يخلف أباه. و بعد وفاة طهماسب عهد إليه الأكراد بأن ينوب عنهم في بلاط السلطان إسماعيل، و لكن الوشاة دسوا له عنده، و صوروه بأنه متآمر مع أمراء من القزلباشية ليخلعوه عن العرش. و كان إسماعيل يستمع إلى النميمة فتغير سلوكه مع شرف خان و أصبح يخشاه، و لذلك فقد أخرجه من البلد بحجة أنه يسند إليه حكومة نخجوان.

و بعد أن أمضى سنة و أربعة شهور جاءته البشرى بأن السلطان العثماني مراد الثالث قد أسند إليه ولاية بدليس و ذلك بفضل وزيره خسرو باشا و زينل بك حاكم حكاري و حسن بك المحمودي، و هكذا غادر نخجوان، قاصدا بدليس، في اليوم الثالث من الشوال سنة 986/ 1577. و في سنة 991/ 1582، عاون جيش السلطان في تفليس و كرجستان فكوفى‏ء بضم ناحية موش إلى ولايته. و في 1005/ 1596 تنازل عن الإمارة لولده.

(5)

و أغلب الأكراد سنية شافعية، يميلون إلى التدين و يتمسكون بالشريعة الإسلامية، و لرجال الدين عندهم مكانة عالية فهم يتبعون نصحهم و إرشادهم.

و بعض العشائر، في أنحاء الموصل و الشام، مثل الطاسنية و الخالدية و البسيانية و بعض البختية و المحمودية و الدنبلية، يعتنق مذهب اليزيدية و يقولون بأنهم أتباع و مريدو الشيخ عدي بن المسافر و هم يعتقدون أن هذا الشيخ المدفون في جبال لالش، من أعمال الموصل، قد أسقط عنهم الفروض، و أنه يقوم بها نيابة عنهم.

و يقول البدليسي:" و للأكراد ولع شديد بتحصيل العلوم العقلية و تكميل الفنون النقلية، و لا سيما الحديث و الفقه و النحو و الصرف و علم الكلام و المنطق و البلاغة، و هم يتدارسون بشغف عظيم كتب العلوم الإسلامية و لهم مؤلفات شيقة في بعض هذه العلوم، و إن كان ليس لهم شهرة".

و يعلل البدليسي ابتعاد الأكراد عن تولي المناصب الإدارية في بلاطي الخليفة العثماني و الشاه الإيراني بأن الكرد لا يميلون بطبعهم إلى الأدب و الاجتماع، إذا قصد بهما الكسب، كالشعر و الإنشاء و حسن الخط و سائر ما ينتفع به و يلقى تقديرا في المجتمعات الرسمية و المجالس الأدبية التي يعقدها الحكام.

25

و البدليسي نفسه يعد مثلا للحاكم المستنير الذي يرى إنشاء المدارس و نشر العلم الأساس الصحيح للحكم الصالح، و قد بينا من قبل الجهد الذي بذله في إنشاء عدد من المدارس في بدليس.

أما أخلاق الكرد فإن البدليسي يذكر رأي أحد كتاب الترك فيهم، فيقول إن مولانا سعد الدين أستاذ السلطان مراد خان يقول في تاريخه يصف الأكراد: إن كل واحد منهم رافع رايات الاستبداد و الانفراد مفضل الحياة الحرة المستقلة في قلل الجبال و أعماق الوهاد، لا تجمعهم سوى رابطة الشهادة الإسلامية (1).

و يرى البدليسي أن الأكراد ليس لهم واحد يدينون له، و لذلك مالوا إلى الفرقة و سفك الدماء و عدم رعاية الأمن و النظام و هم يثورون لأتفه الأسباب.

و يرجع محمد أمين زكي عدم توحيد كلمة الكرد بإخلاص و قوة ضد الفرس و الترك إلى عوامل الشقاق و أسباب التخاذل و النفور التي كان و لا يزال الشعب الكردي عليها (2). و قد استفاد الأجانب من هذا الشقاق فكانوا يستغلون الكرد التابعين لهم ليهدموا الدويلات الكردية المستقلة (3). و الكرد متصفون بالشجاعة و هم" أشد من الأسود إذا غضبوا و أخف من البروق إذا و ثبوا" (4). و يطلق على الأكراد" قريش العجم" تعظيما لهم‏ (5).

____________

(1)- شرفنامه.

(2)- خلاصة تاريخ الكرد و كردستان، ص 149.

(3)- المصدر السابق ص 173.

(4)- صبح الأعشى، ج 4 ص 379.

(5)- شفاء الغليل ص 3، و قارن كتاب تنسر، يحي الخشاب، ص 52.

26

ثالثا- الكرد في الزمن الحاضر

(1)

أدت الثقة المتبادلة بين شرف خان البدليسي و السلطان مراد الثالث إلى استقرار الأمور بين الكرد و الترك فترة من الزمان، و لكن لم يلبث الكرد أن حاولوا التخلص من الخضوع إلى تركيا و عملوا على تحقيق استقلالهم، و بدت ميولهم واضحة نحو الفرس و نحو جيرانهم النصارى. و ثار الكرد على نظم الدولة العثمانية سنة 1832، و كان زعيم الثورة بدر خان بيك البهتاني، رئيس طائفتي روندوز و حكاري. و ظلت الحملات التركية تترى على الثوار الكرد لإخماد ثورتهم من سنة 1832، أيام السلطان محمود الثاني، إلى 1874، أيام السلطان عبد العزيز خان، و نزعت ولايات كثيرة من أيدي حكامها الأكراد و سلمت إلى ولاة عثمانيين.

و لكي يقضي السلطان عبد الحميد قضاء تاما على ما بين الكرد و جيرانهم النصارى من مودة شكل باسمه، من الأكراد، سنة 1890، كتيبة من الفرسان، صارت فيما بعد سوط عذاب يسلطه على كل خارج على النظام المقرر. و قد أدى تشكيل هذه الكتيبة ثم استخدامها في قمع الحركات التحريرية إلى تعويق الحركة الكردية التحررية كما أنها أوجدت نفورا شديدا من الأرمن نحو الكرد.

و بعزل عبد الحميد حلت الكتيبة الكردية سنة 1909، و بدأ الأكراد المثقفون يرشدون إخوانهم إلى التحرر. و انتهز النواب الكرد الاتجاهات الجديدة في تركيا نحو الحرية و الإخاء و المساواة بين الناس و نحو القومية التركية فرفعوا أصواتهم عالية في المجلسين النيابيين مطالبين بحقوق الأكراد (1).

و علاوة على هذا فقد بدأت المجلات و الجمعيات الكردية تظهر نشاطها في الآستانة و بغداد و الموصل بل و في القاهرة أيضا. و لكن الطريق لم يكن ممهدا أمام هذه المؤسسات فاصطدمت بمقاومة شديدة من الأتراك.

____________

(1)-Ency .Brit .Kurdistan

27

و من الجمعيات الكردية التي ظهرت في الآستانة في القرن العشرين:

- جمعية العزم القوي.

- جمعية تعالي و ترقي الكرد.

- جمعية نشر المعارف الكردية. و قد افتتحت مدرسة لتعليم اللغة الكردية ليتلقى فيها أبناء الأكراد التعليم الابتدائي. و لكن هذه الجمعية لقيت عنتا شديدا من حكومة الاتحاد و الترقي العثمانية التي كانت تعمل على تتريك الطوائف غير التركية، فأغلقت المدرسة و حلت الجمعية.

- و في سنة 1910 تكونت جمعية هيوى (هيقي) الكردية التي استمرت تمارس نشاطها حتى حرب 1914، ثم استأنفت عملها بعد الهدنة و لكنها توقفت في تركيا بعد قيام حكومة أتاتورك.

- جمعية استقلال الكرد، و تفرع منها جمعية التشكيلات الاجتماعية لكردستان.

- جمعية الشعب الكردي.

هذه الجمعيات كلها، و هي تدل على تطلع الأكراد إلى حياة خاصة كريمة، حلت بعد استقرار الكماليين في دست الحكم.

و لكن ما لقيه الأكراد من قمع في تركيا لم يحل دون استمرار نشاطهم خارج هذه البلاد في سبيل محاولة تجميع الأكراد نحو فكرة إحياء حضارتهم القديمة و لغتهم ثم للمطالبة باحترام تقاليدهم كأمة لها تاريخ قديم و مقومات خاصة بها.

و إذا فقد تكونت خارج تركيا جمعية تشمل الأكراد في جميع البلاد هي جمعية خويبون- الاستقلال- و انضم لها الأكراد عامة.

و في بغداد تكونت جمعية الارتقاء الكردية- أويانه‏ى سر كوتن-.

و أما المجلات فأهم ما ظهر منها:

" كردستان"، صدرت في تركيا ثم انتقلت إلى القاهرة قبيل الحرب العظمى و كانت تصدر باللغتين الكردية و التركية و كانت نصف شهرية.

" كردستان"، و قد أصدرها المبشرون النصارى في أورمية.

28

" روژكرد" (كرد اليوم)، أصدرتها جمعية هيوى سنة 1912. و العددان الأولان منها يحملان صورة البطلين صلاح الدين الأيوبي و كريم خان زند الذي يعده الأكراد من أقوى أمرائهم، و قد اعتلى عرش إيران و دام حكم أسرته من 1750 إلى 1794.

ثم ظهرت هذه المجلة في ثوب جديد و اسم جديد هو" شمس الكرد".

" ژيان" (الحياة) و صدرت بعد نهاية الحرب العظمى في مصر و استنبول و كردستان.

و في مدينة السليمانية صحيفة" پيشكوتين" (التقدم).

" بانگى كوردستان" الأسبوعية و كانت لسان حال حكومة الشيخ محمود.

و مجلات:" بانگى حق" (صوت الحق)،" اميدي استقلال" (أمل الاستقلال)،" ژيانة نو" و كانت أسبوعية و قد صدرت حتى سنة 1931 (1).

(2)

و كردستان، في المعنى الواسع و من حيث جنسية السكان. موزع بين ثلاث دول: إيران و العراق و تركيا.

و في فارس يقيم الأكراد بوجه خاص في كرمنشاه و كردستان (بالمعنى الأخص الذي يطلق على إقليم في إيران) و في القسم الجنوبي من أذربيجان و في الإقليم الجبلي من ناحية أورمية و خوي و المنحدرات الجنوبية لأرارات. و هناك جماعات كردية في خراسان و فارس و بروجرد (لورستان).

و في تركيا يقيم الكرد على الخط الممتد بين تركيا و إيران، كما أنهم يجاورون النصارى حول بحيرة و ان. و أعلى نهري دجلة و الفرات يقطن الكرد شمال خط يربط فيشخابور (قرب جزيرة عمر) بسميساط شمالي برجك، كما أنهم يقطنون غربي الفرات. و هم كثرة في بدليس و ارزنجان و ديار بكر و أرضروم و في المنحدرات الغربية لأرارات.

____________

(1)- خلاصة تاريخ الكرد و كردستان، ص 370 و ما بعدها.

29

و في العراق، يبلغ عدد الأكراد، حسب تعداد 1939 نصف مليون و هم يسكنون مدينة السليمانية كلها كما يكونون غالبية السكان في أربل و كركوك‏ (1).

و يقول مينورسكي في دائرة المعارف الإسلامية (2): إن أكراد إيران يبلغ عددهم قرابة 000/ 500. و هو يرجع إلى التعداد الذي عملته روسيا لأكراد تركيا في سنة 1925 فيذكر أن عدد أكراد تركيا 000/ 500/ 1. و يقول إن المصادر التركية تحدد عدد خيام الأكراد (الرحل؟) ب 000/ 96 خيمة.

و أما أكراد العراق (ولاية الموصل) فعددهم حسب تعداد 1923- 1924 يبلغ 007/ 494، و هم يشغلون لواء السليمانية (000/ 189) و هم أغلبية كبيرة في إربل (650/ 170) و هم أغلبية كذلك في كركوك.

ثم إن في روسيا، القوقاز، جاليات كردية في إروان و قرص و كان عددهم سنة 1910 حوالي 000/ 125 منهم 000/ 25 من اليزيدية.

و في سوريا قدر القنصل الروسي عدد أكراد ولاية حلب بنحو 000/ 125.

كما أن مجلة العالم الإسلامي‏ (3) تقدر عدد الأكراد في أنحاء أخرى من سوريا بنحو 000/ 20. و في كل من دمشق و حلب حي للأكراد.

و بعض الكتاب المحدثين، يجعلون عدد الكرد:

في تركيا: 000/ 000/ 4 أي بنسبة 25 في المائة من سكانها.

في إيران: 000/ 500/ 3 أي بنسبة 23 في المائة من سكانها.

في العراق: 000/ 000/ 1 أي بنسبة 28 في المائة من سكانها.

و عدا هذا يوجد 000/ 250 كردي في سوريا، و 000/ 160 في روسيا (4).

____________

(1)-Ency .brit :kurdistan

(2)-Ency of islam :kurdistan

(3)-Revue Du Monde Musulman ، العدد 53، ص 317

(4)-Les Kurdes et le Droit ,Rambout ، ص 19، باريس 1947

30

(3)

الموصل بين الإنجليز و الأتراك‏ (1)

كان لواء الموصل موضع نزاع طويل بين الإنجليز و الأتراك أثناء الحرب العظمى و بعدها. ففي هذا اللواء يسكن الأكراد، و هم الأكثرية بين السكان، و فيه كذلك النفط الذي كانت انجلترا تتطلع إليه في حرص شديد.

هدنة مودروس‏moudros

في 30 سبتمبر 1918 تم الاتفاق بين الأتراك و الإنجليز على هذه الهدنة، و كانت القوات البريطانية على مسافة اثني عشر ميلا من الموصل، و قبيل هذا التاريخ (25 سبتمبر) كانت هذه القوات قد احتلت كركوك.

و قد نصت اتفاقية الهدنة في المادتين 7، 16 على:

المادة 7: للحلفاء الحق في احتلال أية نقطة استراتيجية إذا ما تبين لهم أي أمر يهدد أمنهم.

المادة 16: تسليم جميع الحاميات التركية في الحجاز و عسير و اليمن و سوريا و ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) لأقرب قائد من الحلفاء.

و تطبيقا لهاتين المادتين أصدرت القيادة الإنجليزية، في 2 نوفمبر 1918، أمرا للسير و ليم مارشال باحتلال الموصل. و لكن القائد التركي، إحسان باشا، اختلف مع القائد الإنجليزي على تحديد كلمة ميزوبوتاميا و ذهب إلى أنها لا تشمل ولاية الموصل. فلما أرسل إلى الآستانة يستمد الرأي أمر بأن يخلي المدينة و يسلمها للقوات البريطانية و يترك الموظفين الإداريين يباشرون أعمالهم باسم الحكومة العثمانية.

و في 8 نوفمبر احتلت القوات الإنجليزية مدينة الموصل و رفعت العلم البريطاني على الأبنية الرسمية و أنزلت العلم التركي.

____________

(1)- مشكلة الموصل، دراسة في الدبلوماسية العراقية- الإنجليزية- التركية و في الرأي العام. فاضل حسين، ص 2 و ما بعدها.

31

ثم احتلت بريطانيا الولاية كلها و سلم القائد الإنجليزي لواء السليمانية للشيخ محمود، الزعيم الكردي، الذي أصبح يمثل السلطة العسكرية البريطانية.

و كان المقدر في الخطة البريطانية إقامة دولة عربية تمتد من حدود ولاية الموصل إلى الخليج الفارسي، العراق الحالي، تكون تحت السيطرة الإنجليزية باسم يخالف الاستعمار في مبناه دون حقيقة معناه و هو الانتداب. و كذلك كان المقرر تنصيب أحد أولاد الشريف حسين، والي مكة السابق، ملكا على هذا الإقليم الذي يقتطع من ولايات الدولة العثمانية المقهورة. و من جزء من الأراضي العثمانية نفسها و هو ولاية الموصل.

و سرعان ما بعثت وزارة الهند في لندن إلى الحاكم العسكري الإنجليزي تطلب إليه سؤال الأهالي في هذه المنطقة عن رأيهم في الدولة العربية الجديدة المزمع خلقها، و هل ينصب عليها أمير عربي و من يكون هذا الأمير (1).

و أرسل الضابط المختص بإجراء الاستفتاء في ولاية الموصل تقريره في هذا الشأن و لم يفته أن يشير إلى الطوائف التي تسكن هذه الولاية. جاء في هذا التقرير:

1- إن الأهالي عموما يرحبون بحماية الإنجليز حتى يصبحوا أهلا للمطالبة برفع هذه الحماية.

2- إن المسيحيين، الكلدانيين و الكاثوليك، يؤيدون الإشراف البريطاني المباشر.

3- أن الأكراد اليزيديين في سنجار طلبوا رسميا ألا يولي في منطقتهم حاكم مسلم.

4- إن الأكراد، و هم نصف عدد سكان الولاية، لا يريدون الحكم العربي‏ (2).

____________

(1)- مشكلة الموصل، الذي رجع إلى‏Bell ,Civil Administration ، ص 127.

(2)-Wilson ,Clash of Loyalttles ، ص 112 س.

32

(4)

في هذه الفترة انسحبت روسيا، بعد الثورة البلشفية، من شئون الشرق الأوسط و خلا الميدان لكل من انجلترا، يمثلها لويد جورج، و فرنسا، يمثلها كليمنصو، كي تحقق ما تحلم به من إقامة إمبراطورية لها في الشرق العربي.

و بعد أن كانت بريطانيا قد تنازلت عن ولاية الموصل في اتفاقية سيكس- بيكو(SyKes -PiCot Agreement) لفرنسا (1916)، كي تكون إمبراطورية هذه حاجزا بين الإمبراطوريتين الإنجليزية و الروسية، عادت، بعد انسحاب روسيا، فعملت على أن تكون الموصل ضمن امبراطوريتها هي. و قد نجح لويد جورج في إقناع كليمنصو بأن يتنازل عن الموصل لإنجلترا. و قد أسف الرئيس الفرنسي فيما بعد على تنازله حين عرف قيمة الموصل لمن يحتلها. و حين بدأت مفاوضات البترول بين إنجلترا و فرنسا رفض كليمنصو أن يوقع اتفاقية سان ريمو(San -Remo Agreement) ، و استقال من الحكومة في 20 يناير 1920. و لكن هذه الاتفاقية وقعت بعد ذلك مع امتياز خاص لفرنسا في بترول الموصل، و ذلك في 25 ابريل 1920. و في اليوم التالي تقرر انتداب فرنسا على سوريا و لبنان، و انتداب انجلترا على العراق و فلسطين (الفقرة 4 من المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم).

معاهدة سيقرSevres

أعد الحلفاء هذه المعاهدة في 10 أغسطس 1920، و فيها صفيت الإمبراطورية العثمانية، و بها تأكدت شروط اتفاقية سان ريمو، كما ثبت نظام الانتداب. و اقتضى تنفيذ هذه المعاهدة تعيين الحدود التركية- العراقية أو بعبارة أخرى البت فيما إذا كانت كلمة ميزوبوتاميا تشمل ولاية الموصل أولا تشملها. و بالنسبة للأكراد تضمنت المادتان 62، 64 من المعاهدة النص على اعتبار الكرد أمة ليست تركية و ليست عربية و أن من حقها أن تنشد الاستقلال في أراضيها. نصت المادتان على:

المادة 62:" تشكل في استنبول لجنة من ثلاثة أعضاء إنجليزي و فرنسي و إيطالي تعينهم حكومتهم في مدة ستة أشهر تبدأ من تاريخ سريان هذه المعاهدة، و تكون مهمتها إعداد الحكم الذاتي للأقاليم التي يسكنها الكرد،

33

و الواقعة شرقي الفرات، قبلي الحدود الجنوبية لأرمينية، و شمال الحدود التركية- السورية- العراقية".

المادة 64:" إذا اتجه الشعب الكردي في الولايات المشار إليها في المادة 62، في فترة سنة من تاريخ سريان هذه المعاهدة إلى مجلس عصبة الأمم مبينا أن أغلبية سكان هذه الولايات ترغب في الاستقلال عن تركيا، و إذا رأى مجلس عصبة الأمم حينئذ أن هؤلاء السكان أهل لهذا الاستقلال، و إذا أوصى بمنحهم إياه، فإن تركيا تتعهد، منذ الآن، بتنفيذ هذه التوصية و بالتنازل عن جميع حقوقها في تلك الأقاليم.

و ستكون تفاصيل هذا التنازل موضع اتفاق خاص بين القوات المتحالفة الرئيسية و تركيا.

فإذا تم هذا التنازل، و في حينه، فلن يقوم أي اعتراض من القوات المتحالفة الرئيسية بالنسبة لضم هذه الدولة الكردية المستقلة- بالاختيار- الكرد القاطنين في الجزء من كردستان الداخل حاليا في ولاية الموصل".

و إذا فقد نجحت إنكلترا، التي فازت بنصيب الأسد بين الحلفاء، في تحقيق ثلاثة أمور:

1- إشعار الأقليات في تركيا و في غيرها من البلاد العربية- التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية- بأن هناك حماية تؤيدهم إذا ما طالبوا بالانفصال عن البلاد التي هم جزء منها. و من اليسير أن يحملهم المستعمر على هذا الطلب.

2- تهديد العراق، إذا ما ارتفع فيه صوت ينبه للخطر الإنكليزي، بأن تفصل عنه ولاية الموصل التي هي أغنى الولايات التي تكّون منها.

3- وضع تركيا المقهورة أمام الأمر الواقع ببتر ولاية الموصل منها.

(5)

الميثاق الوطني‏

قبيل هذه الفترة كان الحلفاء قد عينوا مصطفى كمال باشا، مفتشا عاما للقوات المرابطة في أرضروم و سيواس، لحفظ النظام، و في الوقت نفسه عينته الحكومة العثمانية واليا على أرضروم. و لكن هذا الضابط الذي كان، في ساعة

34

العسرة التي تمر بها تركيا المقهورة، أداة في يد العدو المنتصر، كان يضيق صدرا بهذه المأساة التي انتهت بها الحرب العظمى و التي أدت إلى تسليم الإمبراطورية العثمانية لقمة سائغة للفرنسيين و الإنكليز في الشرق، ثم لهما مع الطليان في الغرب؛ ثم انه رأى تركيا نفسها تمزق تمزيقا، فأزمير يديرها اليونان، و جزر تركيا تعطى لليونان و إيطاليا؛ و استنبول مزدحمة بلجان من الحلفاء تشرف و تنظم الاحتلال و أخرى تهيئ وسائل التعويض والدين العام، و إعادة الامتيازات ... هذا كله أثار مصطفى كمال فشق عصى الطاعة على حكومة استنبول لخضوعها للحلفاء، ثم أخذ يعارض سياسة هؤلاء في تمزيق تركيا و قهرها.

و في 11 يوليو 1919 عزل مصطفى كمال من منصبه فالتف الوطنيون حوله. و في 27 يوليو اجتمع أول مؤتمر منظم للحزب الوطني الجديد في أرضروم، ثم اجتمع المؤتمر مرة أخرى في سيواس في 13 سبتمبر 1919 و وافق على" الميثاق الوطني" الذي تضمن أقصى ما تستطيع تركيا أن تتحمله من التضحيات لتحقيق سلام عادل و دائم، و ذلك في المادة الأولى منه التي تقول:

" إذا اقتضت الضرورة يقرر مصير أجزاء الإمبراطورية العثمانية التي تسكنها أكثرية عربية و التي كانت حين عقد هدنة 30 أكتوبر 1918 تحت احتلال القوات المعادية وفقا لتصويت سكانها الحر.

إما تلك الأجزاء (سواء كانت داخل خط الهدنة المذكورة أو خارجها) التي تسكنها أكثرية عثمانية مسلمة متحدة في الدين و الجنس و الهدف و مشربة بعواطف الاحترام المتبادل و بالتضحية و تحترم احتراما كليا الحقوق القومية و الاجتماعية و الظروف المحيطة بها فتؤلف جزءا من الوطن لا ينفصل عنه لأي سبب منطقي أو قانوني" (1).

و قد لاحظ مؤلف" مشكلة الموصل" بحق أن الفقرة الثانية من هذه المادة تشير إلى ناحيتين:

1- أراضي كيليكيا التي استعادها الأتراك بالاتفاقية التركية- الفرنسية في 20 أكتوبر 1921.

____________

(1)- النص في" مشكلة الموصل"، فاضل حسين، ص 25.

35

2- ولاية الموصل التي كانت انكلترا تبذل حيلها لتقتطعها من تركيا.

و بينما كان الحلفاء يمزقون تركيا إذا بهم يأمرون بتغيير الوزارة و حل البرلمان و إجراء انتخابات جديدة، فلما اجتمع المجلس الجديد وافق على" الميثاق الوطني" في 28 يناير 1920، فأعقب ذلك احتلال بريطانيا للأستانة و حل البرلمان العثماني.

و حفز هذا العدوان مصطفى كمال إلى عقد" المجلس الوطني الكبير" في أنقرة و كان تنفيذ قرارات الميثاق الوطني أول واجبات هذا المجلس في أول جلسة له في 23 أبريل 1920.

(6)

و على هذا النحو عارضت تركيا برئاسة مصطفى كمال معاهدة سيفرSevres ، بينما كانت حكومة وحيد الدين، آخر السلاطين، المستضعفة ميالة إلى قبول ما يمليه الإنكليز أو الفرنسيون.

و بدأ مصطفى كمال يجادل عن وحدة تركيا، فاتفق مع روسيا و عقد معها معاهدة صلح منفردة في 16 مارس 1921.

و اتفق مع إيطاليا على إخلاء اضاليا لقاء الوعد ببعض امتيازات.

و اتفق مع فرنسا على إخلاء كيليكيا في 20 أكتوبر 1921.

و في 10 أغسطس 1921 نجح في أن يعلن الحلفاء أن الحرب التركية- اليونانية حرب خاصة بالدولتين وحدهما.

و في أوائل سنة 1922 غادرت أنقرة بعثة تركية للتفاوض مع الإنكليز في الصلح. و اجتمع وزراء خارجية إنكلترا و فرنسا و إيطاليا في باريس لبحث النزاع التركي- اليوناني و لدراسة التعديلات التي طلب الوطنيون الأتراك إدخالها على معاهدة سيفر. و في 9 سبتمبر 1922 طرد مصطفى كمال الجيش اليوناني من أزمير. و فشل لويد جورج في إثارة حلفائه و دول البلقان ضد تركيا، و أعلن يوانكاريه أن فرنسا غير مستعدة لاستخدام القوة ضد تركيا.

و أدى هذا إلى هدنة مودانيا في 11 أكتوبر 1922، و في مؤتمر عقد في مودانيا أعلن مصطفى كمال مطالب الوطنيين:

36

1- اعتبار" الميثاق الوطني" حد أدنى لحقوق تركيا.

2- المطالبة باسترجاع الأراضي المفقودة.

3- استفتاء أهالي تراقيا الغربية.

4- إلغاء الامتيازات.

5- الاعتراف لتركيا بالسيادة الكاملة في أراضيها.

و ينتج من هذا أن الزعيم التركي عازم على المحافظة على حقوق تركيا كاملة في سيادتها.

و في 16 نوفمبر 1922 عزل السلطان محمد وحيد الدين و سادت تركيا حكومة جديدة برئاسة مصطفى كمال، و اعترف الحلفاء بالأمر الواقع، و كان هذا في مصلحتهم.

لقد كان القضاء على الخلافة الإسلامية انتصارا لهم قبل أن يكون انتصارا للوضع السياسي الكمالي الجديد.

(7) مؤتمر لوزان‏

و في هذا المؤتمر دارت مناقشات طويلة بين عصمت باشا (عصمت اينونو) و لورد كرزون بشأن الموصل. و كان عصمت حريصا على اعتبار أكراد الموصل من الترك المسلمين بدليل أنهم انتخبوا عنهم نوابا في المجلس الوطني الكبير. و لكن كرزون طعن في سلامة الانتخابات و قال إن تركيا عينتهم تعيينا و ان منهم من كان عاجزا عن المشاركة في المناقشات لجهله اللغة التركية.

و مهما يكن فان معاهدة لوزان عقدت في 24 يوليو 1923 و بها تم الصلح النهائي بين الحلفاء و تركيا مع بقاء مشكلة الخط الفاصل بين العراق و تركيا، و هل تدخل فيه ولاية الموصل، و ذلك ليتم بشأنه اتفاق بين تركيا و إنجلترا، و إلا رفع الأمر لمجلس عصبة الأمم، و إلى أن يتم ذلك يتعهد الترك و البريطانيون بعدم إحداث أي تغيير في الوضع الراهن بحركات عسكرية أو غيرها.

37

و لكن المهم في معاهدة لوزان‏ (1) أن موضوع الأكراد أصبح أقل اتساعا مما كان عليه في معاهدة سيفر. فلم يصبح الحديث عنه في المعاهدة الجديدة- التي حلت محل معاهدة سيفر- حديث الاستقلال، إنما كان مجرد الرغبة الخيرة للدول المتحالفة نحو الأقليات عامة في تركيا، و على تلك الرغبة الخيرة نصت المادتان 38 و 39 من القسم الثالث من المعاهدة، و هذا نصهما:

المادة 38:" تتعهد الحكومة التركية بمنح جميع سكان تركيا الحماية الكاملة و المطلقة لأرواحهم و حريتهم، من غير تمييز بالميلاد أو الجنسية أو اللغة أو العنصر أو الدين"

المادة 39:" لن يشرع أي قيد ضد حرية أحد ممن لهم الرعوية التركية في التعبير باللغة التي يريدها، سواء كانت في المعاملات الخاصة و التجارة و الشعائر الدينية و الصحافة و المطبوعات بكافة أنواعها أو كانت في الاجتماعات السياسية".

(8) مؤتمر القسطنطينية

عقد هذا المؤتمر في 19 مايو 1924، لبحث مسألة الموصل. و تحدث رئيس الوفد التركي، فتحي بك رئيس المجلس الوطني الكبير، طويلا عن الجمهورية التركية و أن جميع المواطنين فيها يتمتعون بنفس الحقوق من غير تمييز عنصري أو ديني؛ و قال إن الترك و الكرد أبناء وطن واحد و إنه من المستحيل اقتطاعهم من وطنهم من أجل بضعة آلاف آشوري؛ ثم إن الأكراد في ولاية الموصل قد انتخبوا عنهم نوابا في المجلس الوطني الكبير. و هي الحجة التي تذرع بها عصمت باشا من قبل و هو يتجادل مع كرزون. و لكن رئيس الوفد البريطاني في هذه المرة، پرسي كوكس، كان قد جمع معلومات يرد بها بالنسبة للنواب. و لذلك فقد سأل المندوب التركي نايب عن أسمائهم فسماهم: نايب زاده نوري أفندي، سليمان‏

____________

(1)-Rambout ، ص 25.

38

فهمي أفندي، محمد نوري أفندي، نفطجي زاده ناظم بك، فتاح بك‏ (1).

و قد أجاب المندوب الإنجليزي ببيان عن تاريخ كل واحد من هؤلاء النواب الأكراد. نوري أفندي نايب زاده من فرع مغمور من عائلة نايب و قد خدع أباه و ادعى أنه ذاهب إلى تركيا للتجارة فلما أصبح تاجرا تبرأ منه أبوه.

سليمان أفندي كان ملتزم ضرائب في الموصل و لما فشل في أن يفي بالتزاماته للحكومة العراقية هرب إلى تركيا ليتفادى نتائج فشله.

نوري أفندي كان موظفا في الحكومة العراقية و فصل لسوء سلوكه و وضع تحت المراقبة فآثر الهجرة. و هؤلاء الثلاثة يمكن إهمالهم و لا يستحقون البحث.

أما ناظم بك فكان نائب كركوك في مجلس النواب العثماني، و قد التحق بخدمة الحكومة العراقية بعد الهدنة فعمل في" لجنة الوجهاء" التي ألفت في سنة 1920 لوضع مشروع قانون الانتخابات في العراق، و في سنة 1921 طلب وظيفة في الحكومة فعرضت عليه مديرية الحلة فرفضها لأنه يريد مديرية كركوك فلما لم ينل ما يريد أخذ يتآمر على الحكومة العراقية، و لما عرف في 1923 أنه سيعتقل سار إلى السليمانية و منها هرب إلى تركيا. و عائلته التي يرأسها صالح بك نفطجي زاده عضو المجلس التأسيسي العراقي عائلة كبيرة.

أما فتاح بك فهو أخو زوجة الشيخ محمود و عند ما ضغطت القوات البريطانية على السليمانية فر إلى القسطنطينية ليعمل لحساب الشيخ محمود الذي يريد أن يمسك العصا من الوسط و يرضي المعسكرين.

ثم قال مندوب بريطانيا إن قبول هؤلاء الأكراد نوابا في المجلس الوطني الكبير يؤدي إلى مخالفة معاهدة لوزان التي اشترطت ألا يقوم أحد الطرفين بعمل من شأنه أن يغير الحالة الراهنة في خط الحدود، في حين أن قبولهم أعضاء في المجلس التأسيسي العراقي لا يعد مخالفا لمعاهدة لوزان لأنه لا يحدث تغييرا في الوضع الراهن لأن الموصل تحت الإدارة الفعلية لحكومة العراق.

____________

(1)- مشكلة الموصل ص 43 حيث رجع إلى:Turkish Red Book ، ص 188.

39

و لم ينجح مؤتمر القسطنطينية. و عاد الطرفان إلى مجلس عصبة الأمم التي شكلت لجنة للتحقيق في الموضوع. و انتقل الموضوع إلى بحث في أصل الكرد هل هم ترك أو إيرانيون أو عرب‏ (1). و في 16 يوليو 1925 قدمت اللجنة تقريرها.

و كانت نتيجة التحقيق:" إذا أخذت مصالح الأهلين بعين الاعتبار فاللجنة تعتقد أنه من المفيد إلى حد ما أن تقسم ولاية الموصل .. و الأدلة المهمة و لا سيما الاقتصادية و الجغرافية و عواطف أكثرية السكان تميل لتأييد ضم جميع الأراضي الواقعة جنوبي خط بروكسل إلى العراق و ذلك بشرطين:

1- أن تبقى هذه الأراضي تحت الانتداب الفعال لمدة خمس و عشرين سنة.

2- أن تراعي رغبات الأكراد بتعيين موظفين أكراد في المحاكم و المدارس و بأن تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية فيهما.

فإذا لم يتم الشرط الأول فستظهر صعوبات سياسية خطيرة و في هذه الحالة توصي اللجنة بإعطاء الموصل إلى تركيا التي تتمتع بأحوال داخلية و بوضع سياسي أكثر استقرارا من العراق.

و إذا لم يتحقق الشرط الثاني فإن أكثرية الكرد يفضلون الحكم التركي على الحكم العربي.

و مهما يكن فإنه يجب أن يحتفظ العراق بمنطقة ديالى لضرورتها في حل مشكلة الري".

(9)

ثورة الشيخ سعيد في تركيا

في هذه الفترة- غير الميمونة بالنسبة لتركيا- قامت ثورة كردية بها يعزوها بعض الكتاب‏ (2) إلى أن مصطفى كمال لم يعبأ بقرارات مؤتمر لوزان و بدأ منذ سنة 1924 بتحريم استخدام اللغة الكردية و بنقل زعماء الأكراد من بلادهم‏

____________

(1)- ذكر هذا بالتفصيل في ص 96 و ما بعدها في" مشكلة الموصل".

(2)-Rambout ، ص 26.

40

التي نشأوا فيها إلى جهات أخرى. فشكل الأكراد جهازا عسكريا لمقاومة الحكومة التركية و تزعم هذا الجهاز الكولونيل خالد بك زعيم قبيلة جبران و التف حوله المثقفون و الضباط الأكراد. و قد حدد للثورة يوم 26 مارس 1925، و لكن شاء القدر أن تقوم الثورة قبل موعدها إذ حدثت معركة بين فصيلة تركية و جماعة من رجال الشيخ سعيد، شيخ الطريقة النقشبندية، في بيران. و لم تنجح الثورة و استطاع الجيش التركي أن يقضي عليها، و قبض على الشيخ سعيد و أعوانه.

و في يوم 27 مايو حوكم الشيخ سعيد و صحبه أمام محكمة الاستقلال التي قضت بإعدام الشيخ و الدكتور فؤاد و ستة و أربعين من المعاونين و قد أعدموا في أغسطس سنة 1925. و أعلن رئيس المحكمة أن الثوار كانوا مدفوعين بحوافز قومية بحتة.

ثم إن الحكومة التركية أصدرت أمرا بنقل زعماء الكرد من البلاد التي نشأوا فيها في بهتان و صاصون و بايزيد إلى جهات غير صحية على شاطئ الأناضول. و لا تزال المناوشات في سبيل الاستقلال قائمة في تركيا (1).

و يذكر مينورسكي أسباب هذه الثورة (2):

1- رد فعل ضد فصل الدين عن الدولة في الجمهورية التركية.

2- انبعاث القومية الكردية و الميل إلى الاستقلال.

3- مؤامرات أحد أمراء آل عثمان و كان يقيم في حلب.

4- دسائس الإنجليز.

و يؤيد رأي مينورسكي في أن للإنجليز يدا في هذه الثورة ما ذكرته الصحف التركية من أن الموظفين الأتراك وجدوا في ديار بكر رسائل مرسلة من شركات إنكليزية مختلفة إلى" وزارة الحربية في كردستان".

بعد هذه الثورة بدأ الإنكليز يبعثون بالشكوى تلو الشكوى لمجلس عصبة

____________

(1)-Ncy .Brit

(2)-The Mosul Question ، ص 18.

41

الأمم يتهمون الأتراك باضطهاد المسيحيين و بنقض معاهدتي سيفر و لوزان.

و كان الأتراك يردون هذه الادعاءات و يشكون بدورهم خبث الإنكليز و تحايلهم لتدعيم مطالبهم الاستعمارية كما شكوا من أن الإنكليز يشجعون الشيخ محمود، و هو رئيس كردي‏فر من تركيا عند قمع ثورة الشيخ سعيد فاحتضنه الإنكليز في العراق و استخدموه لتحريض أكراد الموصل ضد تركيا.

و جعلوه وكيلا لهم في السليمانية.

و انتهى أمر الموصل بموافقة مجلس عصبة الأمم على خط بروكسل في 16 ديسمبر 1925، و بذلك أصبحت هذه الولاية جزءا من العراق. و لكن مع قيدين:

1- أن يستمر الانتداب الإنكليزي في العراق 25 سنة.

2- أن تقدم الحكومة البريطانية لمجلس العصبة التدابير الإدارية لتأمين الضمانات للأكراد. و استقر الرأي في العراق على الموافقة على الشرطين جميعا.

فلقد هددت بريطانيا بإعادة ولاية الموصل إلى تركيا حين تحدث بعض الأحرار العراقيين عن طول فترة الانتداب. و في 5 يونيو 1926، أعلنت المعاهدة العراقية- البريطانية- التركية و فيها اعترفت تركيا بجعل الموصل جزءا من العراق مع تعديل طفيف في خط بروكسل و اشترط أن تدفع الحكومة العراقية 10 في المائة للحكومة التركية من كل عائداتها لمدة 25 سنة من كل من:

1- شركة النفط التركية عملا بالمادة 10 من امتيازها المؤرخ في 14 مارس 1925.

2- الشركات أو الأشخاص الذين قد يستغلون النفط عملا بأحكام المادة 6 من الامتياز المذكور.

3- الشركات الفرعية التي قد تؤلف عملا بأحكام المادة الثالثة و الثلاثين من الامتياز نفسه.

(10

ضمانات الأكراد و بريطانيا

قدمت بريطانيا مذكرة إلى سكرتارية عصبة الأمم في 2 مارس 1926 خاصة بالضمانات التي منحتها للأكراد في الموصل، جاء فيها:

" إن نسبة عالية من الأكراد مستخدمون في وزارات العراق، في المالية

42

و الداخلية و العدلية، في المناطق الكردية و غير الكردية، و نسبة عالية مماثلة من الأكراد مستخدمون في المصالح المختلفة. و للأكراد نصيب كامل في الحكومة المركزية، فلهم عضوان من عشرين في مجلس الأعيان، و لهم أربعة عشر نائبا من ثمانية و ثمانين في مجلس النواب، و منهم وزيران. و في الجيش و الشرطة نسبة عالية من الكرد و في المناطق الكردية خمس و عشرون مدرسة، خمس منها مسيحية، و تستخدم اللغة الكردية في ست عشرة مدرسة، و أكثرية المدرسين أكراد كما يوجد عدد كبير من المعلمين الكرد في المدارس غير الكردية".

ثم إن الموظفين الإنكليز قد عملوا على أن تصبح اللغة الكردية صالحة للمكاتبات الرسمية:" فاللغة الكردية لم تكن تستخدم قبل الحرب و أن تطور هذه اللغة لتكون وسيلة للمراسلة يعود كله إلى جهود الموظفين البريطانيين. و لم ينتشر استعمال اللغة الكردية المستخدمة حتى الآن في لواء الموصل و لكنها آخذة في الانتشار في لوائي أربيل و السليمانية".

و لم يقتصر الأمر على أن تتولى السلطة الإنكليزية أمر تطور اللغة الكردية و تشجيع الكرد على أن يكونوا أقلية لها لغتها و وظائفها و مدارسها في داخل الدولة الجديدة- العراق- العربية، و لكن الحكام العرب أنفسهم قد شجعوا الأكراد على أن يكونوا دويلة داخل الدولة. فقد خطب رئيس وزراء العراق في مجلس النواب في 21 يناير 1926 قائلا:" يجب على الحكومة العراقية أن تمنح الأكراد حقوقهم، و أن يكون موظفوهم من بينهم، و أن تكون الكردية لغتهم الرسمية".

و قد أرسل رئيس الوزراء نص خطابه في منشور إلى جميع الوزارات لتطبيق هذه السياسة.

و في مأدبة أقيمت للاحتفال بتوقيع المعاهدة الجديدة ألقى الملك فيصل خطابا قال فيه:" إن من بين واجبات العراقي الصادق تشجيع أخيه الكردي العراقي على التمسك بجنسيته و الالتحاق به في الانضواء تحت العلم العراقي".

و في المأدبة نفسها ألقى وكيل المندوب السامي البريطاني كلمة قال فيها:

" يجب أن يكون غرض الحكومة العراقية تشجيع الأكراد على الفخر

43

بكرديتهم لا تثبيطهم" (1)، و أكد أن هذه هي السياسة التي اتبعتها الحكومة العراقية.

و إذا فإنكلترا، و ورائها حكام العراق، يوافقون على أن تكون للأكراد جنسيتهم و لغتهم، و ذلك داخل العراق.

و إزاء هذا الوضع الجديد للأكراد هاجر نايف بك من تركيا إلى العراق، و هو رئيس عشيرة كردية صحبه منها خمسون ألف شخص.

فالعراق عند أكراد تركيا المتحررين قد منحت الأكراد من حرية الجنسية و اللغة ما حبب إليهم الهجرة من تركيا.

و هكذا نرى أن الحماس لإنشاء دولة كردية مستقلة قد خمد ليحل مكانه حماس لتشجيع الروح الانفصالية عن الدولة التي يسكنها الأكراد و ذلك بالاعتراف بالجنسية الكردية و باللغة الكردية في دولة جنسيتها عربية و لغتها الرسمية العربية. و ليس يخاف أن موقف الإنكليز من الأكراد لم يكن من أجل القضية الكردية، و أن حماسهم لاستقلال الأكراد و نفي صلتهم بالترك لم يكن لصالح الكرد، و إنما كان كل هذا من أجل فصل ولاية الموصل عن تركيا وضمها إلى العراق مع أن غالبية سكانها ليسوا عربا. و بذلك يضمن الإنكليز بقاء هذه الولاية بأيديهم لأنها مورد غني بالبترول. فالبترول هو أساس السياسة الإنكليزية كلها نحو الترك ثم نحو الكرد و غيرهم من الأقليات ثم نحو الولايات التي تكوّن منها العراق.

لعبت شركات البترول دورا خطيرا في قضية الموصل، فقد كان وكيل المندوب السامي في العراق، في الفترة من 1918 إلى 1920، السير أرنولد و لسن، حاضرا في مقر قيادة الحلفاء حين عدل خط الحدود بين تركيا و العراق إلى ما وراء الموصل ثم لمسافة 100 ميل وراء ذلك. فلما استقرت الأوضاع في 1926 و أصبح نفط الموصل في يد الإنكليز عين السير أرنولد و لسن مديرا عاما لشركة

____________

(1)- ص 178- 179 من" مشكلة الموصل".

44

النفط الفارسية- البريطانية في مناطق البترول الإيرانية و العراقية (1)، ثمنا للمعونة التي أداها.

(11)

و حين قبلت العراق عضوا في عصبة الأمم سنة 1932 صرح مندوبها باحترام حقوق الأكراد. و لكن عدم العناية بالمناطق الكردية في ولاية الموصل أدى إلى ثورة الشيخ أحمد البرزاني (البرزنجي) سنة 1933، و قد انتهت هذه الثورة بالطرق الودية بفضل مسعى الكابتن قيولت‏Violet ، و ذلك سنة 1934. و نتيجة لهذا حددت إقامة زعماء الثورة في كركوك و السليمانية، فظلوا هناك حتى 1943 (2).

و في سنة 1943 كان ملا مصطفى، أخو الشيخ أحمد البرزاني، يقيم في السليمانية حيث حددت إقامته؛ و قد تمكن من الهرب من معتقله و الالتجاء إلى عشيرة البرزان، و ساعده في هذا الشيخ لطيف البرزنجي بن الشيخ محمود الحفيد.

في ذلك الوقت كانت أذربيجان الإيرانية محتلة بالجيش الروسي، و قد شجع الروس الأكراد و سمحوا لرؤساء العشائر الكردية بالاحتفاظ بسلطانهم على عشائرهم" و طبيعي أن تكون أنباء المعاملة الحسنة التي يعامل بها الروس أكراد إيران قد بلغت أسماع الأكراد المقيمين في المناطق الأخرى" (3). و من أجل هذا هرب الشيخ لطيف إلى أذربيجان حيث أحسن الروس استقباله، و كانوا يعدون العدة فيها إنشاء دولتين مستقلتين أو متحدتين: دولة أذربيجان الديمقراطية و دولة الأكراد. و في أذربيجان أصدر الشيخ لطيف مجلة شهرية في أربعين صفحة باسم نيشتمان (الوطن).

____________

(1)- مشكلة الموصل، ص 261.

(2)-Rambout ، ص 71 و ما بعدها.

(3)- حديث مجيد مصطفى، الوزير العراقي الكردي لمندوب الأسوشيتدبرس المنشور في جريدة المصري في 8 أبريل 1946.

45

أما ملا مصطفى فقد لحقت به قوات البوليس العراقي فلم تقدر عليه، فلما لجأت الحكومة العراقية إلى استخدام الجيش ضد قواته المسلحة لم تقدر عليه أيضا؛ و رأى رئيس الوزراء نوري السعيد، و هو كردي فيما يقال، أن يخمد ثورة ملا مصطفى بما يضمن للأكراد حقوقهم و للعراق وحدته، فعين زعيما كرديا، مجيد مصطفى، وزيرا للدولة في وزارته و ناط به مفاوضة ملا مصطفى لتسوية النزاع بينه و بين الحكومة العراقية. و قبل نوري السعيد الشروط التي انتهى إليها رسوله مجيد، و أهمها إبقاء القوات الكردية كما هي من غير أن تجرد من سلاحها ثم تلبية الحقوق التي يطالب بها الأكراد، خاصة حقوقهم الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية. و لكن البرلمان العراقي رفض هذه التسوية و اضطر نوري السعيد إلى الاستقالة. و شكل الباججي الوزارة فواجه ثورة شديدة من ملا مصطفى لأنه رفض ما التزم به سلفه. و في سنة 1945 جردت الحكومة العراقية حملة عسكرية ضد الأكراد و أخمدت بالقوة ثورتهم. و هرب ملا مصطفى إلى إيران في 7 أغسطس من هذه السنة، و هناك انضم إليه جمع كبير من عشيرته و كانوا مسلحين. أما حكومة العراق فقد حكمت عليه غيابيا بالإعدام و طالبت الحكومة الإيرانية بتسليمه فاعتذرت بأنه مقيم في منطقة الاحتلال الروسية، فلما طالبت روسيا بتسليمه أجابت بأنها لا تستطيع ذلك لأنه مقيم في الأراضي الإيرانية.

و الواقع أن كردستان كان دائما مشكلة بالنسبة لحكام إيران، و منذ عهد ناصر الدين شاه و رجال الحكومة يلقون بغضا شديدا من الأكراد، و كان لتدخل الموظفين الرسميين أثر في ازدياد حالة قلق الأكراد بدلا من إدخال السكينة على قلوبهم‏ (1).

و قد كان من نتائج الاحتلال الروسي لجزء من الأراضي الإيرانية، إبان الحرب الأخيرة، و بعد عزل رضا شاه، أن شجع الروس قيام حكومة مستقلة في أذربيجان برئاسة جعفر بيشوري الذي حارب قوات حكومة طهران و استعان في هذا بالأكراد و وعدهم بحكومة مستقلة في نطاق دولة أذربيجان الجديدة. فلما

____________

(1)-Landlord and Peasant in Persia :Lambton .، أكسفورد 1953، ص 291.

46

تحقق لجعفر ما كان يصبو إليه سنة 1946، طالب الأكراد بتحقيق وعده لهم، و قامت جمهورية كردية اتخذت مهاباد عاصمة لها و كان على رأسها القاضي محمد، (مهاباد- سابلاخ- صاوچبولاق).

فلما جلت القوات الروسية عن الأراضي الإيرانية (1) أعيدت أذربيجان إلى حكومة طهران و قضى على حكومتي جعفر بيشوري و القاضي محمد. أما قوات ملا مصطفى البرزاني فقد خيرتهم الحكومة الإيرانية بين أمرين: البقاء في إيران بشرط تسليم أسلحتهم أو العودة إلى العراق و ذلك مع استثناء ملا مصطفى و مائة كردي معه اعتبروا لاجئين سياسيين. و قد أنذرتهم حكومة إيران بأنهم سيطردون جميعا إذا رفضوا هذين الاقتراحين.

و في أبريل 1947 عاد ملا مصطفى إلى العراق حيث سلم نفسه‏ (2).

و زعماء الأكراد في الشام و العراق و غيرهما يؤكدون حق الكرد في أن تقوم لهم دولة. و قد صرح قدري بك زعيم أكراد الشام تأييده للجمهورية الكردية برئاسة القاضي محمد في مهاباد (3). كما صرح أخيرا، سنة 1955، بحق الأكراد في أن تكون لهم دولة مستقلة رفيق حلمي‏ (4)، و هو من المثقفين الكرد في العراق.

*** و لا شك في أن الاستعمار الإنكليزي قد استغل الروح الكردي لتحقيق مآربه في تركيا ليقطع منها ولاية الموصل و يضمها إلى العراق على أن يحتله فترة خمس و عشرين سنة أو يزيد، كما أن الاستعمار الروسي قد استغل هذا الروح في إيران ليصل إلى مطامعه في بترول أذربيجان. فلم يكن استقلال الكرد و قيام كردستان،

____________

(1)- تاريخ بيدارى إيران، حبيب اللّه مختاري، طهران 1947، ص 858 و ما بعدها حيث ذكر المؤلف موقف إيران من روسيا في هيئة الأمم و في مجلس الأمن.

(2)- رويتر في 14 أبريل 1947، نقلا من جريدة المصري في 16 أبريل.

(3)- حديث له مع مراسل جريدة المصري، نشر في 24 حزيران 1946.

(4)- حديث له مع صاحب كتاب مشكلة الموصل، ص 230.

47

و هو الهدف الذي يسعى إليه الأكراد، قائما في ثورتي ملا مصطفى و القاضي محمد على الأسس الأصيلة التي تقوم عليها الدول. و يوم تتوفر للأكراد هذه الأسس فأن آمالهم، التي تحدثنا في إيجاز عنها، سوف تتحقق.

*** و كنت أرجو أن يكون الأستاذ محمد علي عوني، الذي نقل شرفنامه إلى اللغة العربية، مساهمة منه في الثقافة الإسلامية عامة و في الثقافة الكردية بوجه خاص، على قيد الحياة حين يخرج الكتاب إلى الناس حتى يرى ثمرة جهده المضني الموفق. (رحمه الله) و جعل الجنة مثواه.

و إني شاكر أجمل الشكر للسيد عمر وجدي، شيخ رواق الأكراد بالأزهر لما لقي من عناء و بذل من جهد في الإشراف على طبع هذا الكتاب و إعداد فهارسه. أبريل 1958.

يحيى الخشاب‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

ترجمة كتاب شرفنامه المؤلّف عن اللغة الفارسية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و به نستعين‏

بعد الديباجة المشتملة على الحمدلة و الصلولة بعبارات مسجوعة طنانة، وصف المؤلف (رحمه الله)، سلطان عصره محمد خان الثالث من سلاطين آل عثمان بنعوت و أوصاف رنانة معتادة باللغة الفارسية، ثم قال بألفاظ و عبارات عربية ما يأتى بنصه:

تعظم الخواقين بتقبيل عتبته العلية، و تعزز السلاطين بتلثيم سدته السنية، حامي حمى أهل السنة و الجماعة، ماحي آثار البدع و الضلالة، السلطان الأعظم المطاع و الخاقان الأعدل الأكمل الواجب الإتباع، رافع رايات الخلافة بالعدل و الإحسان، راقم آيات الرحمة و الرأفة على صحائف الأمكنة و الأزمان، المؤيد بالرئاستين و الموفق بالسعادتين، سلطان البرين و البحرين، خادم الحرمين الشريفين، ثالث العمرين، و ثاني الاسكندر ذي القرنين، باسط الأمن و الأمان، المنظور بأنظار ألطاف الملك المنان: أبو المظفر السلطان محمد خان خلد اللّه تعالى ملكه و سلطانه، و أفاض على العالمين بره و إحسانه.

أما بعد فلا يخفى على ذوي الألباب و أصحاب البصيرة، أنه قد أجمع بلغاء الكتاب و فصحاء العلماء، و فضلاء المؤرخين و الأدباء على أن علم التاريخ و السير، من أجّل الفنون الأدبية و أرفعها قدرا و مرتبة، و أخطرها شأنا و مكانا لما فيه من العبر، و لما يتضمنه من نصوص الآيات البينات، و فصوص الأخبار و الروايات، و لا سيما إذا قام بأغراضه الشريفة و غاياته الحميدة، فروى تلك الأخبار بعبارات بليغة قوية، و أسلوب واضح جزل. و لذلك قال محمد بن خواندشاه بن محمود الشهير بمير خواند صاحب تاريخ روضة الصفاء في مقدمة كتابه القيم: إن في معرفة علم التاريخ عشر فوائد:

1- فيه معرفة للناس.

50

2- الابتهاج و التمتع بلذة الاطلاع.

3- إنه سهل التناول و قريب المأخذ لا يحتاج إلى الكثير من الكلفة و المشقة و هو مبني على قوة الحافظة.

4- تبيين الصدق من الكذب، و معرفة الحق من الباطل بالإطلاع على الأقوال المختلفة التي يرويها.

5- اطلاع المرء على تجارب كثيرة؛ و قد قال الحكماء: إن التجارب من فضائل بني آدم. و هم يدخلون التجربة في العقول العشرة، و المرء يحصل كثيرا من التجارب بقراءة التاريخ.

6- استغناء المؤرخ عن مشورة الحكماء في الوقائع التي لا خلاف فيها.

7- يزيد الاطلاع على التاريخ من عزمات أولى العزم في القضايا العظمى، وفيا يشكل من الحوادث.

8- إنه يثلج صدور أرباب الفضل و ذوي القدرة فيه هدوءا و سكينة، و يحملهم على رباطة الجأش عند وقوع الحوادث الجسام، و النوازل المدلهمة.

9- ينال المرء بإدامته النظر في التواريخ قوة لسلوك درجات الثبات، و الرضا في الكوارث و الملمات.

10- زد على ذلك أن السلاطين و الملوك، إذا أداموا النظر في كتب التاريخ أطلعوا به على قدرة اللّه الملك المتعال في نزعه الملك ممن يشاء، و إعطائه لمن يشاء، فلا تغرنهم الدنيا بإقبالها عليهم، و لا يحزنهم إدبارها عنهم. لذا أكثر القرآن الحكيم من ذكر نظام الملك العلام في صدد قوله:" لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ".

هذا و لما كان كاتب هذه الأوراق المفتقر إلى اللّه الملك الهادي (شرف بن شمس الدين) أوصله اللّه تعالى إلى سعادة الدنيا و الدين، مغرما و كلفا من ريعان شبابه، و عنفوان حياته بعد إتمام دراسته العلوم الدينية، و تكميل المعارف اليقينية و التجمل بما يلزم لإجادة الأشغال الديوانية، و كسب الكمال النفسي، اشتغلت من حين إلى حين بمطالعة أخبار السلف من الملوك و السلاطين، و شغوفا بدراسة أحوال من غبر من الأقوام و الشعوب و الأمم، حتى بلغت حد التفوق في هذا العلم الشريف، و الفن اللطيف فأقدم لذلك على ضبطه على قدر ما أستطيع.

51

هذا و قد مر بخاطري الفاتر أن أضع في هذا الفن كتابا مستقلا، لم يسبقني إليه أحد بل و لم يدر بخلد أحد ممن أرّخوا حياة السلاطين المتقدمين و المتأخرين. و لكن حالت عوائق الزمان، و حوادث الليل و النهار دون تحقيق تلك الأمنية، فبقي هذا المعنى في حجاب الاستتار، و لم تخرج هذه الصورة من نقاب الانتظار، و هبت ريح المخالفين من كل طرف، و ثارت الفتن من كل فج، فبلغت عنان السماء و ظل الناس في الضيق حيارى تائهين، فالتجأوا جميعا إلى الدركاه ضارعين متوسلين، و جرى على ألسنتهم مضمون قوله تعالى:" رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ" و إذا بنسيم العناية الربانية و أضواء الأشعة السبحانية، تهب فجأة على الصدور المكلومة و القلوب المجروحة، فتضيئها و ارتفعت المظالم بميامين عدل هذا السلطان العالي الشأن، و إحسانه، فهدأ بال الضعفاء و المساكين في مساكنهم، و أوطانهم و استقامت لهم الحياة، و استمتع الرعية و التابعون، في مهاد الأمن و الأمان بكامل الرفاهية و فراغ البال، فبدأت أنا الفقير بتحقيق ما جال في خاطر حكامها، و ولاتها في مختلف العصور و الأدوار، و عند ذلك اعتزمت بمشيئة اللّه أن أجمع سفرا منفردا خاصا بهذا الموضوع، أضمنه ما أجده في التواريخ العامة من عربية و عجمية من الأخبار و الروايات، و ما قد سمعته و شاهدته من الوقائع و الحوادث الهامة و أن أسميه باسم:

" شرفنامه" و ذلك حتى لا يبقى صيت الأسر الكردية ذات الأثر الفعال في حياة كردستان العامة في حجاب الستر و الكتمان.

و رجائي الحار من مكارم أعاظم العلماء، و من نصفة أهل الفضل و الأدب في العالم أن ينظروا إلى هذا السفر نظرة إمعان و تقدير، و أن يبادروا إلى إصلاح الأغلاط و تصحيح السهو، و إكمال النقص فلا يحملوها على الجهل المطلق، و قلة التبصر، بل يحملوها على السهو و النسيان اللذين جبل عليهما الإنسان من قديم الزمان، و ان يتمثلوا بقول الشاعر

بيوش أكر بخطائى رسى و طعنه مزن‏* * * كه نفس هيج خإلى أز خطا نبود

در آفتاب نظر كن كه با بصارت خويش‏* * * ممراوه همه بر خط اسنوا نبود

(1):

معناه:" استر الخطأ إذا أدركته، و لا تطعن في صاحبه لأن النفس البشرية لا تخلو من الخطأ، و انظر إلى الشمس مع ضيائها الذاتي لا تجري دائما جريانا مستقيما على خط الاستواء".

____________

(1)-

بيوش أكر بخطائى رسى و طعنه مزن‏* * * كه نفس هيج خإلى أز خطا نبود

در آفتاب نظر كن كه با بصارت خويش‏* * * ممراوه همه بر خط اسنوا نبود

52

و يتألف الكتاب من مقدمة، و أربع صحف‏ (1)، و خاتمة (2).

المقدمة: في بيان أنساب طوائف و شعوب الأمة الكردية، و أصلها، و منشئها، و ما هي أوضاعها و تطوراتها في مختلف العصور؟

1- الصحيفة الأولى [في ذكر ولاة و حكام كردستان‏]

في ذكر ولاة و حكام كردستان الذين رفعوا راية الاستقلال و السلطنة عالية، فأدخلهم المؤرخون في عداد السلاطين و الملوك، و هي تشتمل على خمسة فصول:

الفصل الأول: في ذكر ولاة ديار بكر، و الجزيرة، و هم (المروانية).

الفصل الثاني: في ذكر ولاة الدينور، و شهرزور الذين اشتهروا بأسرة (حسنوية).

الفصل الثالث: في ذكر ولاة الأسرة الفضلوية الذين اشتهروا ب (لور بزرك- اللور الكبير).

الفصل الرابع: في ذكر ولاة (لور كوچك- اللور الصغير).

الفصل الخامس: في ذكر ولاة سلاطين مصر، و الشام المشهورين بآل أيوب (الأيوبية).

2- الصحيفة الثانية [في ذكر عظماء الحكام بكردستان‏]

في ذكر عظماء الحكام بكردستان الذين و إن كانوا لم يصلوا مرتبة الاستقلال و إعلان السلطنة، إلا أنهم انفردوا أحيانا بضرب السكة، و إعلان الخطب على المنابر بأسمائهم، و هي في خمسة فصول أيضا:

الفصل الأول: في ذكر حكام (أردلان).

الفصل الثاني: في ذكر حكام (حكاري) المشهورين ب (شنبو).

الفصل الثالث: في ذكر حكام (العمادية) المشهورين ب (بهادينان).

____________

(1)- قصد المؤلف بكلمة الصحف: الأبواب و الأقسام الكبيرة.

(2)- و هذا الجزء يؤلف المجلد الثاني من الكتاب في الطبعة الروسية. (المترجم)

53

الفصل الرابع: في ذكر حكام (الجزيرة) المشهورين ب (بختو- البختية) و يحتوي هذا الفصل على ثلاث شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر حكام (الجزيرة).

الشعبة الثانية: في ذكر حكام (كوركيل- جردقيل).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (فناك).

الفصل الخامس: في ذكر حكام (حصنكيفا) المعروفين ب (ملكان- الملوك).

3- الصحيفة الثالثة [في ذكر حكام كردستان و أمرائه الآخرين‏]

في ذكر حكام كردستان و أمرائه الآخرين و هي تشتمل على ثلاث فرق (أقسام):

الفرقة الأولى: تشتمل على تسعة فصول:

الفصل الأول: في ذكر حكام (جمشكزك) و هو في ثلاث شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر أمراء (مجنكرد).

الشعبة الثانية: في ذكر حكام (پرتك).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (سقمان).

الفصل الثاني: في ذكر حكام (مرداسي) و يحتوي على ثلاث شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر حكام (أكيل).

الشعبة الثانية: في ذكر حكام (پالو).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (چرموك).

الفصل الثالث: في ذكر أمراء صاصون (قابلجوز) الذين اشتهروا أخيرا باسم حكام (حزو).

الفصل الرابع: في ذكر حكام (خيزان) و هو في ثلاث شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر حكام (خيزان).

الشعبة الثانية: في ذكر أمراء (مكس).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (اسبايرد).

54

الفصل الخامس: في ذكر حكام (كلس).

الفصل السادس: في ذكر أمراء (شيروان) و هو يشتمل على ثلاث شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر أمراء (كفرى).

الشعبة الثانية: في ذكر أمراء (إيرون- إيروه).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (كرنى- كرتى- كورتى).

الفصل السابع: في ذكر أمراء (زرقى- زركى) و هو يشتمل على أربع شعب:

الشعبة الأولى: في ذكر أمراء (درزينى).

الشعبة الثانية: في ذكر أمراء (كردكان- كاردكان).

الشعبة الثالثة: في ذكر أمراء (عتاق- الهتاخ).

الشعبة الرابعة: في ذكر أمراء (ترجيل).

الفصل الثامن: في ذكر أمراء (سويدى).

الفصل التاسع: في ذكر أمراء (سليمانى- سليقانى) و هذا يتألف من شعبتين:

الشعبة الأولى: في ذكر أمراء (قلب و بطمان).

الشعبة الثانية: في ذكر أمراء (ميافارقين).

الفرقة الثانية: و هي تشتمل على اثني عشر فصلا:

الفصل الأول: في ذكر حكام (سهران- سوران).

الفصل الثاني: في ذكر حكام (بابان).

الفصل الثالث: في ذكر حكام (مكرى).

الفصل الرابع: في ذكر حكام (برادوست) و يشتمل هذا على شعبتين:

الشعبة الأولى: في ذكر أمراء (و وشنى- اشنو- اشنه).

الشعبة الثانية: في ذكر أمراء (صوماي).

الفصل الخامس: في ذكر أمراء (محمودى).

الفصل السادس: في ذكر أمراء (دنبلى).