تاريخ أفريقية والمغرب‏

- إبراهيم بن قاسم ابن رقيق المزيد...
162 /
5

[مقدمة المحقق و الدراسة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و به نستعين

و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين و بعد كان قيام دولة الأغالبة فى أفريقية عام 184 ه- 800 م مرتبطا ارتباطا وثيقا بما كان يسود بلادها من اضطراب وفوضى و صراع مذهبى و ثورات الجند العرب و البربر فى الفترة الممتدة من خلافة هشام بن عبد الملك (105 ه- 125/ 724 م- 743 م) إلى نهاية الدولة الأموية 132 ه/ 750 م‏ (1).

و فى الحقيقة كانت الخلافة العباسية مشغولة بمشاكلها فى المشرق لتثبت كيانها و وجودها. فكان عليها محاربة الزندقة و القضاء على حركات العلويين و وقف أخطار البيزنطيين، و لهذا لم يتسع وقت الخليفة أبى العباس السفاح للاهتمام كثيرا بما يقع و يحدث فى بلاد المغرب، لأن تفكيره كان منصبا نحو المشرق، و مع ذلك لم تغفل عيناه عن الجناح الغربى لدولة الإسلام و الذى كان يشتمل على «مصر و برقة و إفريقية»، فاكتفى بالاستجابة إلى ما طلبه عبد الرحمن بن حبيب فقد كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبى عبيدة ابن عقبة بن نافع زعيما سياسيا واسع النشاط، يعتمد على ما حققه جده عقبة بن نافع من شهرة و سمعة و إنجازات حربية، و لكنه فى نفس الوقت انحرف عن نمط سياسة جده، فكان رجلا طامعا فى الحكم فلم يقم بتنظيم أمور دولته كما فعل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (138 ه- 172 ه) و لكن كل همه البقاء فى إمارته دون سند شرعى‏ (2).

____________

(1) محمود إسماعيل عبد الرازق: الأغالبة ص 9.

(2) ابن عذارى، البيان المغرب فى أخبار المغرب ج 1 ص 63 و ابن خلدون فى كتاب «العبر من ديوان المبتدأ و الخبر ج 4- ص 189- 190». و نفس المعنى. عبد الواحد المراكشى فى «المعجب فى تلخيص المغرب ص 16».

6

و كان عبد الرحمن بن حبيب من أكبر قواد العرب البلديين بإفريقية و لذا كان أشدهم تطلعا إلى ولاية إفريقية، فقد كان يرى نفسه أهلا لها رغم معارضة الكثيرين من أمثاله من قادة العرب البلديين فى إفريقية. و لم يسبق فى تاريخ المسلمين حتى ذلك الحين أن وافقت دولة الخلافة على أن يستقل أحد الولاة بولايته عن الدولة سواء أكان استقلالا تامّا أم غير تام.

و لكن الأحوال فى دولة الإسلام كانت تمر- أثناء فترة الانتقال من الأمويين إلى العباسيين و التى بدأت من منتصف حكم مروان بن محمد الجعدى و طوال خلافة أبى العباس السفاح و جزء من ولاية أبى جعفر المنصور- بحالة من الفوضى و عدم الاستقرار، و لم تستقر الأمور إلا بعد عشر سنوات من ولاية المنصور، و أصبح الخليفة المنصور سيد الدولة الإسلامية بلا منازع‏ (1).

فلما أعلن عبد الرحمن بن حبيب نفسه أميرا على القيروان بعث بطاعته إلى أبى جعفر المنصور، و لم يكن لدى الخليفة العباسى حينئذ متسع من الوقت للنظر فى أمر إفريقية بعناية، فأقره ريثما تسمح ظروفه‏ (2) بالتفرغ للجناح الغربى من دولته الكبيرة ثم طالبه المنصور بالمال، و كان ذلك طبيعيّا من المنصور لأنه كان خليفة المسلمين و المفروض على جميع ولاة الدولة أن يرسلوا للحكومة المركزية بالمال المتبقى من خراج ولاياتهم ليستعين به الخليفة على مطالب الخلافة، و قد فوجى‏ء عبد الرحمن بن حبيب بهذا الطلب لأنه إلى ذلك الحين لم يكن صاحب السلطان على إفريقية لكى يستطيع استخراج المال الكافى منها لينفق على إدارتها و مرافقها من ناحية، ثم لكى يرسل ما يتيسر له إلى الخلافة، و كان يستطيع أن‏

____________

(1) د/ حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس ص 67.

(2) و كان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى المنصور «أن إفريقية اليوم إسلامية كلها و قد انقطع السبى منها و المال، فلا تطلب منى مالا» فرد عليه المنصور «إنى ظننت أن هذا الخائن يدعو إلى الحق و يقوم به، حتى تبين لى خلاف ما بايعته عليه من إقامة العدل و إنى الآن قد خلعته كما خلعت نعلى هذا، و قذفه من رجله». انظر النويرى: نهاية الراب فى فنون الأرب ج 24 ص 66، و ابن الأثير: الكامل فى التاريخ ج 4 ص 28.

و ابن عذارى البيان المغرب فى أخبار المغرب ج 1 ص 67.

7

يشرح أمره للخليفة المنصور و لكن بدلا من ذلك قام عبد الرحمن بن حبيب بنزع شعار السواد، و هو شعار بنى العباس، و قطع ذكر اسم المنصور فى الخطبة و هذا أول الأخطاء الكبرى التى وقع فيها عبد الرحمن بن حبيب لأنه ظن أنه يستطيع التغلب على كل منافسيه فى ولاية إفريقية، و فى نفس الوقت كان يعتقد أن الخليفة لا يملك قوة كافية لاستعادة السلطان على إفريقية، إذ لم يكن من المناسب له و هو فى مرحلة تثبيت أمره أن ينفصل عن الدولة العباسية و يحمى نفسه من جيوشها، خاصة و قد كان له الكثير من المنافسين من أمثاله فى ولاية إفريقية، ثم إن الدولة العباسية كانت شديدة الاهتمام بولاية إفريقية التى كانت تشمل طرابلس و أفريقية و الزاب تأمينا لولاية مصر و التى كانت تعتبر من أهم ولايات الدولة الإسلامية سياسيا و عسكريّا و ماليّا (1).

و بعد أن أعلن عبد الرحمن بن حبيب انفصاله عن الدولة العباسية، شرع فى تثبيت سلطانه معتمدا على ما كان تحت إمارته من الجند العربى و من استطاع إدخاله فى خدمته من أهل إفريقية، و ساعده على ذلك أن أخاه إلياس بن حبيب كان قائدا عسكريا قادرا و هو الذى ثبت أقدام دولة أخيه، و بدلا من أن يتعاون عبد الرحمن بن حبيب مع أخيه و يطهر له موفيا لما اتفق معه عليه من أن يكون إلياس وليا لعهده، نجده يتخوف منه و يفكر فى عزله عن ولاية الجند، و لكنّ إلياس نجح فى جمع طائفة كبيرة من الفرسان و المقاتلين من الجند البلدية فى إفريقية بجانبه‏ (2).

و زاد فى ضعف مركز عبد الرحمن بن حبيب أنه لم يفكر فى توحيد العناصر العربية الموجودة فى البلاد أو الاستعانة بالعنصر البربرى فى إدارة شئون الإمارة لكى يستطيع التثبت فى ولايته، إذ ما ظهر له منافس أو ثار عليه ثائر أو خرج عليه خارج، و تعجل‏

____________

(1) ابن الرقيق القيروانى: تاويخ إفريقية و المغرب ص 134، و النويرى: نهاية الأرب ج 24 ص 67.

و ابن الأثير: الكامل فى التاريخ ج 4 ص 281. و ابن عذارى البيان المغرب ج 1 ص 67. و محمد ضياء الدين: الخراج 149.

(2) ابن الأبار الحلة السيراء: ج 1 ص 82.

8

عبد الرحمن بن حبيب الأمر فعزل أخاه عن القيادة و أزمع المبايعة لابنه حبيب بولاية العهد مما جعل إلياس يحرض أهل إفريقية و يتآمر مع أخيه عبد الوارث لقتله.

و إزاء كل هذه الأخطاء لعبد الرحمن سواء من ناحية الدولة العباسية أو من ناحية إفريقية تحرج مركزه و وقع القتال بينه و بين أخيه إلياس، و كان معه معظم رؤساء الجند، فكانت النتيجة أن قتل عبد الرحمن بن حبيب فى سنة 137 ه، وفر ابنه حبيب إلى تونس‏ (1).

و هكذا أسدل الستار على عبد الرحمن بن حبيب الفهرى بعد أن قضى فى الإمارة عشر سنوات و سبعة أشهر قضاها كلها فى حروب مع البربر.

ثم استعان ابنه حبيب بجماعات البربر لاستعادة ملك أبيه فى إفريقية، و نجح فى قتل عمه إلياس و لكن لم يدم حكمه حتى استولى عمه عبد الوارث على القيروان، ففر حبيب إلى قبيلة بربرية كبيرة مستعرية تعرف باسم ورفجومة (2) و هى قبيلة طارق بن زياد، و كان يرأس هذه القبيلة عاصم بن جميل‏ (3)، و كان من الخوارج الصفرية و هو ابن أخت طارق بن زياد الذى تمكن من القضاء على حكم و نفوذ بنى حبيب فى إفريقية، و اقتحم مع رجال قبيلته القيروان و أقام فيها حكما خارجيا صفريا و اضطهدوا أهل السنة حتى قيل إنهم دخلوا بخيلهم المسجد الجامع بالقيروان، و لما بلغ ذلك أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى إمام الخوارج الإباضية فى جبل نفوسة غضب لما أصاب المسجد، فسار بجموعه‏

____________

(1) الرقيق القيروانى، تاريخ إفريقية و المغرب ص 134. و النويرى نهاية الأرب ج 24 ص 68.

و الرقيق القيروانى المصدر السابق ص 139.

(2) ابن عذارى، البيان المغرب ج 1 ص 80. و السيد عبد العزيز سالم تاريخ المغرب فى العصر الإسلامى 251. ود. حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس ص 69، و ابن حزم، جمهرة أنساب العرب 497.

(3) كان عاصم بن جميل زعيما كاهنا «إدعى النبوة و الكهانة» فبدل الدين و زاد الصلاة و أسقط ذكر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأذان، و قيل هو من بطون نفزاوة.

انظر: ابن خلدون: العبر من ديوان المبتدأ و الخبر ج 4 ص 409، و ابن الأثير: الكامل فى التاريخ ج 4 ص 280، و الرقيق القيروانى: تاريخ إفريقية و المغرب ص 141.

9

و دخل القيروان و قتل عاصم بن جميل، و بذلك انتهى حكم بنى عبد الرحمن بن حبيب فى إفريقية.

كل هذه الحوادث أفزعت أبا جعفر المنصور، فأمر و اليه على مصر آنذاك محمد بن الأشعث الخزاعى بالمسير إلى إفريقية و إخراج الإباضية الذين استولوا على إفريقية من الخوارج الصفرية و إعادتها إلى دولة أهل السنة و الجماعة، و كان جيش و اليه يضم حوالى 000، 40 مقاتل، و قد استطاع أن يعيد بن إفريقية مرة ثانية إلى مذهب السنة مذهب الدولة العباسية.

غير أن محمد بن الأشعث عين نائبا له فى إفريقية يسمى أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلى و لكنه لم يتمكن من التغلب على ما كان يحدث فيها حتى طرده زعيم الخوارج الإباضية أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن مالك المعافرى، و زاد خطر الخوارج الإباضية مما جعل المنصور يطلب من و اليه بمصر مرة أخرى سرعة التوجه إلى إفريقية و دارت معركة فى منطقة تاورغا (الواقعة إلى الشرق من طرابلس) قتل فيها أبو الخطاب زعيم الإباضية، فتولى زعامة الإباضية بعده يعقوب بن حاتم المعروف بأبى حاتم الملزوى‏ (1).

و قام محمد بن الأشعث الخزاعى و الى القيروان الجديد بعدة أعمال تميل إلى القسوة نذكر منها: أنه أنشأ معسكرا جديدا، و اتبع الشدة مع سكان القيروان حتى أنه أمر بقتل‏ (2) كل رجل يسمى بأسماء أموية مثل سفيان و مروان، و لا نعرف سببا لهذه الظاهرة، و لعله أراد أن يتخلص من كل شخصية يخشى منها على السلطة العباسية و إفريقية التى هى مسرح الحوادث، و أمام هذا لابد أن نقف بعض الوقت عند هذه الولاية، لنرى كيف كانت فى ذلك الوقت.

____________

(1) انظر فى ذلك: النويرى، المصدر السابق ج 24 ص 70- 74، و ابن أبى دينار المؤنس فى أخبار إفريقيا و تونس ص 46، و ابن عذارى، المصدر السابق ج 1 ص 83، و الأنصارى المنهل العذب فى تاريخ طرابلس الغرب ص 66، ود/ محمود إسماعيل عبد الرازق الخوارج فى بلاد المغرب ص 76.

(2) د. حسين مؤنس فتح العرب للمغرب ص 82.

10

لمحة سريعة عن إمارة إفريقية:

بعد أن انتصر المسلمون على الروم فى موقعة سبيطلة 27 ه- 648 م بدأت ولاية إفريقية فى الظهور عندما أنشأ عقبة بن نافع الفهرى مدينة القيروان‏ (1). و مسجده و مسجدها الجامع فيما بين سنتى (50 ه- 55 ه/ 670 م- 675 م).

قامت ولاية إفريقية الإسلامية ولاية مستقلة بنفسها، و لها و اليها و إدارتها المستقلة عن إدارة مصر.

و عند ما تولى تلك الولاية حسان بن النعمان الغسانى (71 ه- 85 ه/ 690 م- 704 م) وضع أساس النظام الإدارى لتلك الولاية الجديدة و كانت حدودها الجغرافية و السياسية مطابقة لولاية إفريقية البيزنطية، فإن إفريقية البيزنطية كانت تشمل ولاية طرابلس مضافا إليها إفريقية نفسها، و تقابل على وجه التقريب جمهورية تونس الحالية ثم جزءا مما عرف فيما بعد بأقليم الزاب عند الجغرافيين المسلمين.

و كانت إفريقية البيزنطية بهذه الحدود ولاية كبيرة تضم مساحة واسعة من الشمال الإفريقى، و إذا كنا نستطيع أن نحدّ حدودها الغربية بشكل دقيق نقول: إنها كانت تشمل إقليم قسطيلية و ما يليه شمالا حتى ساحل البحر، و يمتد غربا فيشمل النصف الشرقى من جبال أوراس و تقف عند حدود ما يعرف اليوم ببلاد القبائل فى الجزء الشرقى من‏

____________

(1) قال ياقوت الحموى: القيروان معرب و هو بالفارسية كاروان، و هذه مدينة عظيمة بإفريقية غيرت دهرا، و ليس بالغرب مدينة أجل منها إلى أن قدمت العرب بإفريقية. و قال اليعقوبى: مدينة القيروان التى اختطها عقبة بن نافع الفهرى سنة ستين من خلافة معاوية. و قال الإدريسى: أم الأمصار و قاعدة الأقطار، و كانت أعظم مدن الغرب قطرا و أكثرها بشرا و أيسرها أموالا و أوسعها أحوالا و أتقنها بناء. و قال البكرى كانت موضع القيروان واديا كثير الأشجار غيضة مأوى للوحوش و الحيتان بينما قال المؤرخ:NEVILLEBAROUR كانت القيروان أول عاصمة جديدة أنشئت فى بلاد المغرب.

انظر فى ذلك: معجم البلدان ج 7، 193، البلدان 136، نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق 284،ASurvey of North The West Africa .

11

جمهورية الجزائر الحالية- فتدخل فيها قلعة أو قلاقل لمبيزة و باغاية و تصل إلى البحر فتشمل ولاية بيجيا الحالية و تصل إلى مجرى نهر شلف، و نظن أن هذه كانت حدود ولاية إفريقية فى التنظيم الذى وضعه حسان بن النعمان‏ (1).

و عندما تولى أمور إفريقية موسى بن نصير اللخمى أكمل هو و أولاده فتح المغرب الأوسط و المغرب الأقصى، و أنشأ موسى ثلاث ولايات جديدة الأولى ولاية المغرب الأقصى و تشمل النصف الشمالى للمملكة المغربية الحالية، و الثانية ولاية سلجماسة و كانت تطلق على النصف الجنوبى من المملكة المغربية الحالية، أما الولاية الثالثة فهى تلك المساحة التى امتدت من الحدود الغربية لولاية إفريقية إلى حدود ولاية المغرب الأقصى و هى تشمل جزءا كبيرا من أراضى جمهورية تونس الحالية (2).

و فى أواخر الدولة الأموية و نتيجة لأحداث الفتنة المغربية الكبرى التى بدأت فى المغرب من سنة 122 ه فى ولاية عبيد اللّه بن الحبحاب و استمرت حتى نهاية العصر الأموى.

و رغم الجهود الكبيرة التى بذلها هشام بن عبد الملك لإيقاف هذه الفتنة و القضاء على ثورات الجماعات الخارجية ما بين صفرية و إباضية التى كانت قد أخرجت المغربين الأوسط و الأقصى عن السلطان الفعلى للخلافة الأموية، فلم يبق لها سلطان ملموس إلّا على نهر شلف الذى ينبع من جبال أوراس و يتجه إلى الشمال حتى جنوب مدينة الجزائر الحالية، فيتجه غربا و يقترب من البحر و يواصل سيره حتى يصب فى البحر المتوسط إلى الشرق من مدينة وهران الحالية. و يفهم من كلام الجغرافى اليعقوبى‏ (3) أن سلطان دولة الخلافة لم يجاوز المجرى الأعلى لهذا النهر و على الأخص من العصر العباسى، و واضح أن العباسيين عندما ورثوا الخلافة من الأمويين وجدوا أن دولتهم تمتد و تغطى مساحة شاسعة جدا لم‏

____________

(1) انظر فى ذلك اليعقوبى، البلدان ص 345، و النويرى نهاية الأرب فى فنون الأدب ج 24- ص 36

(2) انظر ابن الأبار الحلة السيراء ج 2- 332- 333، و الرقيق القيروانى تاريخ إفريقية و المغرب 68- 69.

(3) و انظر كذلك: د. حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس ص 63، و اليعقوبى المصدر السابق 347.

12

تستطع قواهم أن تسيطر عليها سيطرة كاملة خاصة و أن انتقال مركز الدولة من دمشق إلى بغداد زاد من مسئوليتها الآسيوية، و فرض عليها مطالب جديدة لم تكن تشغل بال الأمويين بالصورة التى كانت عليها أيام العباسيين.

و نتيجة لذلك نجد أن العباسيين ركزوا جهدهم كله فى المحافظة على ذلك الجزء الذى كان لدولتهم بصورة فعلية من إفريقية.

أما ما وقع غربى نهر شلف أى بيد المغربين الأوسط و الأقصى فليس لدينا ما يدل على أن العباسيين كان لهم قيد من سلطان أو حتى حاولوا أن يبسطوا عليه سلطانهم، و هذا هو الذى جعل عبد الرحمن بن رستم‏ (1) بعد هزيمة الخوارج الإباضية و مقتل أبى الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن مالك المعافرى سنة 144 ه يفر إلى غرب نهر شلف و يحاول إنشاء دولة خارجية إباضية فى بلاد كانت خارج سلطان العباسيين و بذلك يأمن على دولته من جيوشهم.

و لم تتمكن الحكومة المركزية العباسية من أن تسيطر على ولاية إفريقية بسبب عدم الاستقرار فيها نتيجة للصراع الداخلى الذى شغل الخلافة العباسية، و لم يترك لها من الفراغ ما يمكنها من محاولة بسط سلطانها على بقية بلاد المغرب.

و لما عزل محمد بن الأشعث الخزاعى، أسند أبو جعفر المنصور ولاية إفريقية لزعيم من زعماء العرب و هو الأغلب بن سالم بن عقال التميمى‏ (2) و كان من كبار جند مصر، فسار

____________

(1) هو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام الفارسى، و كان بهرام جده من موالى عثمان بن عفان، و قد ذكر بعض الكتاب أن نسبه يرجع إلى ملوك الفرس القدماء، تربى عبد الرحمن بن رستم فى القيروان و أخذ العلم عن فقهائها و مال إلى تعاليم الخوارج حيث تأثر بسلامة بن سعيد الذى كان يدعوا إلى مذهب الخوارج الإباضية. انظر فى ترجمته: الدرجينى: طبقات مشايخ إفريقية ج 1- 19، و ابن خلدون العبر من ديوان المبتدأ و الخبر ج 6- 121، و البكرى: المغرب فى ذكر بلاد إفريقية و المغرب 67.

(2) ذكر البلاذرى أن أصله يرجع إلى مرو الروذ بمعنى أنه كان من الجند العربى الخراسانى أى من أصحاب أبى مسلم الخراسانى، وفد مع القوات العباسية إلى مصر و أصبح من جندها، عرف الأغلب بالشجاعة و البلاء و حسن الرأى، و لقب بلقب الشهيد.

انظر ترجمته فى السلاوى: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ج 1- 57، و البلاذرى: أنساب-

13

الأغلب بن سالم و ابنه إبراهيم إلى إفريقية غير أن زعيم الخوارج أبو حاتم تمكن من قتله وفر ابنه إبراهيم إلى منطقة الزاب، و بدأ يمهد الأمر لنفسه.

و كانت الدولة العباسية تنظر إلى إفريقية على أنها بلد بعيد عن مركز الخلافة يعيش فيها جماعات متعددة متحاربة متعادية بعضهم سنة، و بعضهم من الخوارج بشتى مذاهبهم، و بعضهم عرب، و بعضهم بربر، فانتهى رأى المنصور إلى تقليد ولاية إفريقية لرجل من ذوى الكفاية و هو من بنى المهلب بن أبى صفرة القائد المعروف الذى حقق المنجزات و الانتصارات العسكرية فى العصر الأموى، هذا الوالى هو عمر بن حفص بن قبيصة بن المهلب و يكنى أبا جعفر و المعروف بهزار مرد يعنى ألف رجل أى يعادل ألف رجل فى ميدان الحرب و هذا مبالغ فيه‏ (1).

و لما كان عمر بن حفص هذا لا يستطيع أن يثق بالقواد الخراسانيين المقيمين فى إفريقية، و لا بالقبائل العربية المستوطنة هناك، فقد جلب معه جيشا جديدا، و برغم تغلغل الجيش العباسى فى إفريقية فإن الخوارج ظلوا يحتفظون بسمعة طيبة و شعبية كبيرة من العرب و البربر أيضا مما جعل الجيش العباسى يرابط فى القلاع و الحصون دون الاندماج بسكان إفريقية.

و فى عهده انفجرت ثورات الخوارج الإباضية بقيادة أبى حاتم يعقوب بن تميم الكندى و تمكنوا من الاستيلاء على القيروان، أما فى طبنة كما يقول ابن عذارى فقد اتحد الخوارج الصفرية و الإباضية على قتال الجيش العباسى تحت لواء أبى قرة الصفرى المغيلى الذى أعلن نفسه إماما و حاصروا القائد العباسى عمر بن حفص الذى استطاع أن يكسر حصارهم و يفر بحياته عائدا إلى القيروان، ثم تفككت وحدة الخوارج الإباضية و الصفرية و لم يتمكنوا من الاستيلاء عليها، و استمرت القيروان للوالى العباسى‏ (2).

____________

- الأشراف 350، ود. السيد عبد العزيز سالم: المرجع السابق 261.

(1) انظر د. حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس 55، و ابن حزم جمهرة أنساب العرب 370، و النويرى المصدر السابق ج 24- 79.

(2) انظر: النويرى المصدر السابق ج 24، 81، و الرقيق القيروانى المصدر السابق 143، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1- 88، و ابن خلدون و العبر من ديوان المبتدأ و الخبر ج 4- 193.

14

كتب عمر بن حفص إلى المنصور يطلب منه إرسال النجدات الجديدة و لكنه قتل قبل أن تصله النجدات و التعزيزات سنة 154 ه/ 771 م، و احتل أبو حاتم الإباضى القيروان سنة 155 ه/ 772 م، و هكذا تمكن الخوارج من السيطرة على إفريقية و أصبح تعداد أنصارهم ما يقرب من 000، 40 مقاتل.

استخدم المنصور الحماس الدينى ضد الخوارج باسم الجهاد، فأسند ولاية إفريقية ليزيد بن حاتم بن قبيضة المهلبى لما كان للمهالبة من أدوار بارزة فى محاربة الخوارج و القضاء عليهم فى العصر الأموى.

و كان يزيد بن حاتم كثير الشبه بجده المهلب بن أبى صفرة فى حروبه و كرمه و يكنى أبا خالد، فاشتهر يزيد بن حاتم بالكفاءة و المهارة السياسية و حسن القيادة، و كان قد تقلد لأبى جعفر المنصور عدة ولايات منها أرمينية و السند و مصر و أذربيجان‏ (1).

و كانت أكبر الولايات التى تولاها يزيد بن حاتم هى مصر التى حكمها من 144 ه إلى 152 ه، فأعد المنصور جيشا من 50 ألف مقاتل بالإضافة إلى مقاتلين من الشام و الجزيرة و أرسلهم إليه، و أمره بالمسير إلى إفريقية و أنفق المنصور بسخاء على إعداد الجيش حيث بلغ ما أنفقه عليه 63 مليون درهم، و للتأكيد على أهمية الحملة رافق المنصور الجيش حتى وصل إلى مدينة القدس فى فلسطين، و بعد عدة معارك طاحنة استطاع الوالى يزيد بن حاتم أن يقضى على معظم ثورات الخوارج بإفريقية و يقتل أبا حاتم الإباضى سنة 155 ه/ 772 م بالقرب من مدينة طرابلس على حين فر بقية أصحابه إلى مناطق جبال نفوسة التى كانت تسكنها جماعات من الخوارج.

مكث يزيد بن حاتم واليا على إفريقية حوالى خمسة عشر عامّا، تعد من أحسن فترات الولاة على إفريقية و أكثرها خيرا سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو المعمارية:

____________

(1) انظر فى ذلك: ابن أبى دينار المؤنس فى أخبار أفريقية و تونس 46، و النويرى نهاية الأرب ج 24- 82، و محمود إسماعيل عبد الرازق الأغلبية 11 و ابن الخطيب أعمال الأعلام ج 3 ص 82، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 93، و الرقيق القيروانى المصدر السابق 151.

15

فأعاد بناء المسجد الأعظم بالقيروان، و أعطى للفقهاء المالكية مكانة و أهمية كبيرة و اعتمد عليهم فى محاربة الخوارج، فكان يستشيرهم و يأخذ برأيهم، مما جعل إفريقية قاعدة للمذهب السنى أو قاعدة للسنة على مذهب الإمام مالك بن أنس فى بلاد المغرب، و هذه صبغة ذات مغزى بعيد فى تطور تاريخ المغرب الإسلامى و سنتحدث عن ذلك بالتفصيل فيما بعد (1).

و لما توفى يزيد بن حاتم تقلد ولاية إفريقية بعده ابنه داود الذى أخذ له يزيد البيعة بولاية العهد فى أثناء مرضه، فاستمر فى الحكم تسعة شهور و نصف يحارب أمراء قبائل البربر الخوارج، فثار عليه زعيم البربر نصير بن صالح الإباضى فبعث داود إليه أخاه المهلب بن يزيد فهزموه و قتلوه هو و من معه من أصحابه، فوجه إليهم داود قائده سليمان بن يزيد فى جيش يقدر ب 10000 مقاتل، فهرب البربر من أمامه، فتتبعهم و قتل منهم أكثر من عشرة آلاف قتيل، و ظل داود مقيما فى إفريقية حتى قدم عمه روح بن حاتم ليتقلد إمارة إفريقية من قبل هارون الرشيد، أما داود فأسند إليه هارون ولاية مصر ثم ولاية السند و ظل بها حتى مات فيها.

كان روح قد تقلد عدة مناصب إدارية قبل مجيئه إفريقية منها ولاية البصرة و الكوفة و طبرستان و فلسطين و السند، و كان روح أكبر سنا من أخيه يزيد، و لكنّ حكمه لإفريقية لم يدم، إذ عزله الرشيد و أسند ولايتها لنصر بن حبيب المهلبى.

و على أى حال فقد كان آخر أمراء المهالبة لإفريقية الفضل بن روح بن حاتم الذى تولى سنة 177 ه/ 793 م و لم يمكث فى حكمه إلا سنة و نصف تقريبا، و ثار عليه جند إفريقية و المغرب لاستبداده بالسلطة، فقام عبد الله بن عبدويه الجارود قائد جند تونس، فتمكن من الإستيلاء على السلطة و قتله سنة 178 ه- 794 م‏ (2).

____________

(1) انظر فى ذلك: د. حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس 57، و النويرى المصدر السابق ج 24 ص 86- 88، و ابن الأبار الحلة السيراء ج 1 ص 73.

(2) انظر فى ذلك: ابن عذارى البيان المغرب ج 1 ص 99- 106، و السيد عبد العزيز سالم المرجع السابق ص 273، و الطبرى تاريخ الرسل و الملوك ج 8 ص 272، و النويرى نهاية الأرب ج 24 ص 89.

16

و هكذا التهت رئاسة المهالبة فى إفريقية التى استمرت حوالى ربع قرن من الزمان أى من أواخر أيام أبى جعفر المنصور إلى عهد هارون الرشيد، ذلك لأن تجربة إسناد حكم إفريقية إلى فرد بعينه مع بقائه على التبعية لدولة الخلافة كانت تجربة ناجحة، فقد أفادت إفريقية فائدة محققة من فترة المهالبة فاستقرت خلالها الأحوال، و عمرت المدن و بنيت المساجد و اطمأن الزراع و التجار و زاد الدخل خصوصا فى أيام أكبر أولئك المهالبة و هو يزيد بن حاتم الذى حكم خمسة عشر سنة.

و بعد نهاية حكم المهالبة عادت إفريقية إلى التبعية المباشرة لدولة الخلافة و توالى عليها ولاة بغداد، و لكن الفوضى سادتها إذ اشتد تنافس زعماء العرب فى البلاد فى الوصول إلى السلطان فى القيروان أو الانفراد بالسلطة السياسية فى نواحيهم.

و لمّا كانت الخلافة العباسية شديدة الاهتمام بشئون ولاية إفريقية التى تشمل طرابلس و إفريقية و الزاب، و التى ذكر اليعقوبى الذى زار إفريقية فى عصر الأغالبة أن منتهى سلطة العباسيين غربا كانت حتى مدينة إربة الواقعة على المجرى الأعلى لنهر شلف- ولّى هارون الرشيد على إفريقية عاملا عربيا من طراز فريد فى معدنه هو هرثمة بن أعين و كان من أكبر رجال الحزب العربى فى بلاط الرشيد، و كان شيخا مجربا فى فن الحروب و حكم الولايات‏ (1).

حكم هرثمة بن أعين إفريقية قرابة من العامين من (180 ه- 181 ه/ 796 م- 797 م) و خلال هذه الفترة القصيرة ساد إفريقية هدوء و استقرار، فعمل هرثمة على تجديد ما تخرب من المدن و الموانى‏ء و المنشأت ليعيد ثقة الناس فى الدولة العباسية، فجدد ميناء تونس، و أصلح مسجد القيروان و نظم الأسواق فيها، و اهتم ببناء قصور العبادة.

____________

(1) راجع فى ذلك: د. حسين مؤنس معالم تاريخ الغرب و الأندلس ص 79، و ابن عذارى: المصدر السابق 110، و النويرى المصدر السابق ج 24 ص 95- 96.

17

و بعد هاتين السنتين- كما يذكر ابن خلدون- رأى هرثمة بن أعين أنه قد قام بمهمته فى إفريقية فى إرساء قواعد الأمن و الاطمئنان فى البلاد، و لكن الحقيقة أنه تعب و ضاقت نفسه و فضل العودة إلى بغداد، فعاد إليها سنة 181 ه- 797 م و أصبح من خواص هارون و أهل ثقته، فأسند إليه منصب قائد الحرس‏ (1).

و فى سنة 181 ه ولّى أمير المؤمنين الرسيد على إفريقية بعد هرثمة محمد بن مقاتل العكى‏ (2)، و كان رضيع الرشيد، و كان أبوه من كبار أهل دولته، و لم يكن محمود السيرة فيما تولى للرشيد من ولايات، و لذلك فإنه عندما دخل إفريقية لم يسر فى حكمها بطريقة تعجب الناس، فاضطربت الأمور فى إفريقية، و على الأخص فيما فعله مع الفقيه البهلول بن راشد بضربه بالسياط حتى مات مما أثار عليه غضب الفقهاء و العلماء و أهل إفريقية لما كان يتمتع به هذا الفقيه من مكانة و منزلة فى نفوس أهلها، كما اختلف عليه جنده لإنقاص رواتبهم مما جعلهم ينضمون إلى ثورة تزعمها ابن تميم التميمى‏ (3).

____________

(1) انظر فى ذلك:

ابن الخطيب المصدر السابق ج 3 ص 11، و أحمد بن الضياف اتحاف أهل الزمان ج 1 ص 98، و ابن خلدون المصدر السابق ج 4 ص 419، و ابن أبى دينار المصدر السابق ص 48. و الطبرى المصدر السابق ج 8 ص 323، و النويرى المصدر السابق ج 24، و الرقيق القيروانى المصدر السابق ص 203.

(2) و كان جعفر بن يحيى البرمكى شديد العناية بمحمد بن مقاتل العكى، فقدم إلى القيروان سنة 181 ه، و كان أبوه من كبار القائمين بالدعوة العباسية، و حضر مع قحطبة بن شبيب حروب المارونية، ثم قتله عبد الله بن على لما خلع و إدعى الأمر.

انظر ابن الأبار: الحلة السيراء ج 1 ص 88- 89.

(3) هو تمام بن تميم التميمى جد أبى العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام صاحب كتاب طبقات إفريقية و هو ابن عم إبراهيم بن الأغلب صاحب إمارة الأغالبة، خرج تمام بتونس على محمد بن مقاتل العكى والي إفريقية و استطاع دخول القيروان فى رمضان سنة 183 ه، فنهض إبراهيم بن الأغلب الذى كان فى ذلك الوقت حاكم الزاب لنصرة محمد بن مقاتل العكى، فكتب تمام إلى إبراهيم بن الأغلب كتابا يستدعيه و يستعطفه، و قد وصف لنا ابن الأبار كيفية استقبال تمام كتاب إبراهيم و مدى الخوف و الرعب الذى نزل به نقلا عن فلاح الكلاعى أنه قال ( «كنت عند تمام يوم قرأ كتاب إبراهيم، فذهب لونه ثم ارتعد حتى سقط الكتاب من يده») و كان تمام مشهورا بالصرامة و الشجاعة

18

و سادت البلاد الفوضى و وقعت الحروب بين زعماء الجند، و فى هذه الظروف برز إبراهيم بن الأغلب على مسرح الأحداث السياسية فى إفريقية.

____________

- قال أبو العرب عن جده ( «تمام بن تميم هذا هو جدنا، و هو ابن القادم من المشرق، و توفى سنة سبع و ثمانين و مائة ببغداد») و ذكر فى كتاب المغرب، فى أخبار المغرب: أن إبراهيم بن الأغلب لما صار الأمر إليه بعث به و بجماعة معه من وجوه الجند الذين كان شأنهم الوثوب على الأمراء إلى الرشيد، فأما تمام فإنه حبس إلى أن مات فى حبسه. و هناك رواية حكيت أن الرشيد وعد أخاه سلمة بن تميم بإطلاق صراح تمام، فلما بلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب كتب إلى عمته و هى ببغداد فى سمه، فاشتهى تمام حوتا فسمته له فمات من أكله بعد أن ذهب بصره فعلم الرشيد بذلك فترحم عليه و يوجع له، و أحسن إلى سلمة أخيه و صرفه إلى إفريقية.

19

الحياة الاجتماعية فى إفريقية حتّى قيام دولة الأغالبة

أما عن الحياة الاجتماعية فى إفريقية قبل قيام دولة الأغالبة فيجدر بنا أن نأتى بنبذة عن تاريخ انتشار الإسلام فى إفريقية لكى نتبين كيف تم هذا العمل العظيم من أيام المهالبة و حتى قيام العصر الأغلبى فنجد إفريقية بلدا إسلاميا عربيا يعيش فيها العرب و البربر المستعربون كما كان يعيش فيها قلة من الروم.

1- الروم: و هم البيزنطيون الذين وجدوا فى البلاد إذاك و كانوا حكام البلاد، و مع الفتح العربى اختفى معظمهم و لم يبق منهم إلا جماعات قليلة كانت تقيم على السواحل و مدنها و خاصة قرطاجنة و كذلك فى بعض بلاد الجريد، و أغلبهم اعتنقوا الإسلام و ذابوا فى سكان البلاد إلا من هاجر منهم إلى صقلية و غيرها من بلاد الجنوب الأوربى.

2- البربر: و هم سكان البلاد الأصليون و يقسمون إلى طائفتين: طائفة البربر الحضر المعروفين بالبرانس الذين يسكنون النواحى الخصبة و السفوح المزروعة، و هؤلاء يعملون بالزراعة و الصناعة، نتيجة لاتصالهم بحضارة القرطاجيين و اللاتينيين و البحر المتوسط، و طائفة البربر البدو المعروفين بالبتر الذين يقيمون فى الصحارى و الواحات و هؤلاء يعيشون على الرعى و يميلون إلى الإغارة على ما يجاورهم من نواحى العمران‏ (1)

3- الأفارقة أو الأفارق: فهم أخلاط من الناس كانوا يسكنون النواحى الساحلية حيث يعملون بالزراعة و الصناعة، و قد ذكر ابن عبد الحكم فى تاريخه عنهم قوله:

«و أقام الأفارق و كانوا خدما للروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم».

____________

(1) راجع فى ذلك: د. السيد عبد العزيز سالم المرجع السابق ص 333، و د. حسين مؤنس فتح العرب للمغرب ص 284، و د. حسين مؤنس أيضا فى تاريخ معالم المغرب و الأندلس ص 23.

20

أما العنصر العربى فقد دخل مع مطلع الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب، فالعنصر العربى دخل بلاد المغرب فى صورة جيوش فاتحة، و قد استقر رجال هذه الجيوش فى نواحى المغرب كله بعد إتمام الفتح، و لحقت بهم جماعات أخرى من الجند و المهاجرين العرب مع استمرار حركة الفتح، و كانت نتيجة ذلك قيام مجتمعات عربية صغيرة معظمهم فى المدن و المعسكرات، و من هذه المراكز بدأوا ينتشرون فى نواحى البلاد، و لحقت بهم جماعات من المهاجرين غير العسكريين أو غير الرسميين، و هؤلاء جميعا تكون منهم ما يعرف بالعرب البلديين‏ (1) أى عرب إفريقية فهم الذين استقروا فيها و اعتبروها وطنا لهم دون أن يتخلوا عن عروبتهم، فكانوا يتمسكون بأصولهم القبلية و يتحدون ضد الجند العربى الذى كانت ترسلهم الحكومة المركزية لإقرار الأمن فى البلاد، و قد عرف هؤلاء الجند العربى بالشاميين لا لأنهم جميعا من أهل الشام، بل لأنهم كانوا يأتون من الشام و هى قاعدة الحكم فى العصر الأموى.

و من الواضح أن الجند العربي كان يتحول الكثير من رجالهم إلى عرب بلديين نتيجة للاستقرار فى البلاد و مخالطة أهلها، و بهذه الطريقة كانت أعداد البلديين تتزايد بصورة مستمرة حتى نهاية العصر الأموى مما جعل غالبية هؤلاء البلديين- مع أنهم العنصر الهام للسلطان- يتحولون بمرور الزمن و تعاقب الأجيال إلى عرب إفريقيين، و من بينهم ظهر كبار الفقهاء و العلماء أمثال بهلول بن راشد و عبد الرحمن بن حبيب الفهرى و أسد بن الفرات و حبيب بن سعيد و أخيه سحنون و غيرهم، و مع تخطيط عقبة بن نافع الفهرى لمدينة القيروان 50 ه- 55 ه بدأت فى إفريقية حركة التعرب بانتشار الإسلام و اللغة العربية و علوم الفقه و الحديث، حيث دخل نفر من البربر الإسلام، و قد ذكر ابن خلدون أسماء القبائل البربرية التى اشتركت فى بناء القيروان و اعتنقت الدين الإسلامى و هى لواته و نفوسه و نفراوة (2).

____________

(1) ابن عبد الحكم فتوح مصر و المغرب 18.

(2) ابن خلدون العرب من ديوان المبتدأ و الخبر ج 6 ص 4.

21

و قد دخل فى عهد حسان‏ (1) بن النعمان- واضع أسس النظم الإدارية فى بلاد المغرب- عدد كبير من البربر فى الإسلام على الرغم من أن هذه الفترة كانت فترة حروب الفتح و المعارك الطاحنة بين البربر و العرب الفاتحين، قتل فيها من القواد عقبة بن نافع و ابن أبى المهاجر و زهير بن قيس إلا أن بعض القبائل البربرية دخلت الإسلام مثل قبيلة أوربة.

و بإيعاز من عبد العزيز بن مروان تولّى بعد حسان موسى بن نصير (2)، و كان يريد فتح المغربين الأوسط و الأقصى، و لكن إتبع فى ذلك أساليب عنيفة، فنفر كثير من البربر، فقد وجه موسى همه إلى غزو القبائل البربرية و الحصول على المغانم و إرسال عدد كبير من السبى إلى دمشق إرضاء للخليفة الأموى، و كان لذلك أثر سى‏ء فى نفوس البربر.

ثم تولى عمر بن عبد العزيز خلافة الدولة الأموية و كانت سياسته تهدف إلى نشر الإسلام و إدخال الناس فيه من أهل البلاد المفتوحة بالرفق و الحسنى و الدعوة إلى الإسلام، فكانت أول خطوة اتخذها نحو ولاية إفريقية أن أسندها إلى إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر بدلا من محمد بن يزيد القرشى الذى تقلدها من قبل سليمان بن عبد الملك، و المعروف عن محمد بن يزيد أن أسرته لم تكن محمودة نتيجة لما ارتكبه من أخطاء فى حق أهل إفريقية مما أدى إلى ثورة البربر عليه و قتله‏ (3).

____________

(1) و هو أول أمير شامى يدخل إفريقية أيام الأمويين، و كان يلقب بالشيخ الأمين، و قيل إن الخليفة أطلق فى يده خراج مصر أثناء فتح بلاد المغرب، و قيل عنه: لو امتدت ولاية حسان لجنى المغرب على يديه كثيرا من الخير.

راجع فى ذلك ابن أبى دينار: أخبار إفريقية و تونس 17، و المالكى: رياض النفوس ج 1 ص 11، ود. حسين مؤنس: فتح الرب للمغرب ص 239.

(2) لما أراد والى مصر عبد العزيز بن مروان الانتقام من حسان بن النعمان لمكانته الحربية عند الخليفة عبد الملك بن مروان، فأمر أخاه بعزله و إسناد مهمة الفتح لأحد خواصه و ثقته و هو موسى بن نصير، فقد قيل عنه إنه نهب خراج ولاية البصرة، أما عن أبيه نصير فكان يعمل فى خدمة و حراسة معاوية ابن أبى سفيان.

انظر: محمد زينهم محمد عزب، الإدارة المركزية للدولة الأموية- رسالة ماجستير ص 67.

(3) ابن الأثير الكامل فى التاريخ ج 5 ص 55، و ابن الأبار المصدر السابق ج 2 ص 335، و السيوطى تاريخ الخلفاء ص 247، و النويرى المصدر السابق ج 22 ص 83.

22

اتفقت المصادر و المراجع على أن إسماعيل بن عبيد الله «دعا من بقى من البربر إلى دين الإسلام‏ (1)» و أنه «كان خير أمير و خير وال، و ما زال على دعاء البربر إلى الإسلام حتى أسلم منهم عدد عظيم فى دولة عمر بن عبد العزيز، و هو الذى علم أهل إفريقية الحلال و الحرام‏ (2)، و أنه «لم يزل حريصا على دعاء البربر للإسلام حتى تم إسلامهم على يده‏ (3)».

طلب عمر بن عبد العزيز (4) من واليه الجديد أن يبذل كل جهده فى سبيل نشر الإسلام بين البربر، و قد وصف الدباغ‏ (5) هذا الوالى بأنه «كان فقيها، صالحا، فاضلا، زاهدا» و كان عمر بن عبد العزيز قد أرسل إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر و معه عشرة من التابعين، و هؤلاء التابعون هم: أبو عبد الرحمن بن يزيد المعافرى‏ (6) الإفريقى، و أبو مسعود سعيد بن مسعود التجيبى‏ (7) و إسماعيل بن عبيد الأنصارى‏ (8)، و أبو الجهم‏

____________

(1) ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 34.

(2) السلاوى الاستقصاء ج 1 ص 46.

(3) د. حسين مؤنس المرجع السابق ص 296.

(4) ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز ص 57.

(5) الدباغ معالم الإيمان ج 1 ص 154.

(6) شهد فتح الأندلس مع موسى بن نصير ثم سكن القيروان و اختط بها دارا و مسجدا فى ناحية تونس.

مات سنة 100 ه بالقيروان.

انظر ترجمته فى: ابن الحجر: تهذيب التهذيب ج 6 ص 81، ابن حيان، مشاهير علماء الأمصار ص 121، المالكى: رياض النفوس ج 1 ص 64، البخارى، التاريخ الكبير ج 3 ص 1، الدباغ: معالم الإيمان ج 1 ص 180- 181.

(7) سكن القيروان و كان رجلا صالحا، عالما مشهورا بالدين و الفضل، قليل الهبة للملوك، توفى بالقيروان.

له ترجمة فى: أبو العرب: طبقات علماء إفريقية 21، الدباغ: المصدر السابق ج 1 ص 184، ابن أبى حاتم: الجرح و التعديل م 2 ج 1 ص 94.

(8) من أهل الفضل و العبادة و النسك، كثير الصدقة و المعرفة مع الفقه و العلم، سكن القيروان و بنى بها مسجدا كبيرا فى الزيتونة.

راجع ترجمته فى رياض النفوس للمالكى ج 1 ص 69، و عند ابن الحجر: تهذيب التهذيب ج 1 ص 318، و أبو العرب: المصدر السابق 25.

23

عبد الرحمن بن رافع التنوخى‏ (1) و أبو سعيد جعثل بن هاعان بن عمير الرعينى‏ (2)، و إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر المخزومى‏ (3)، و حيان بن أبى جبلة القرشى‏ (4)، و عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة الكنانى‏ (5)، و موهب بن حبى المعافرى‏ (6) و طلق بن جابان الفارسى‏ (7).

بدأ هؤلاء التابعون فى تعليم البربر و أولادهم أصول و قواعد و تعاليم الدين الجديد، و يبدو أن أهل إفريقية أقبلوا على الإسلام بنفس راضية لما وجدوا فيه من سماحة و مساواة و عدالة، و تركوا ما يخالف عقيدة الإسلام‏ (8)، و قال ابن عذارى «و كانت الخمر بإفريقية

____________

(1) هو من أول قضاة القيروان، ثقة، و من فضلاء التابعين مات سنة 113 ه انظر الخزرجى:

خلاصة تهذيب الكمال 92، الذهبى: ميزان الاعتدال ج 2 ص 103، المالكى: المصدر السابق ج 1 ص 72، ابن الحجر: المصدر السابق ج 6 ص 186، البخارى: المصدر السابق ج 3 ص 1، ابن حيان: المصدر السابق ص 121.

(2) كان فقيها صالحا، ولاه هشام بن عبد الملك قضاء جند إفريقية و هو أحد القراء التابعين، توفى سنة 115 ه.

انظر المالكى، المصدر السابق ج 1 ص 72، ابن الحجر: المصدر السابق ج 2 ص 79.

(3) كان فقيها صالحا، فاضلا زاهدا، تقلد منصب القضاء فى إفريقية، أسلم على يديه عدد كبير من عامة البربر، توفى سنة 122 ه.

له تراجم فى، ابن الأبار: الحلة السيراء ج 2 ص 335، البخارى: المصدر السابق ج 1 ص 336، ابن حيان: المصدر السابق 179، أبو العرب المصدر السابق 20.

(4) كان من أهل الفضل و الدين، سكن القيروان و انتفع أهلها بعلمه توفى سنة 125 ه.

انظر: المقرى: نفح الطيب ج 2 ص 53، ابن حجر: المصدر السابق ج 2 ص 171، المالكى المصدر السابق ج 1 ص 73، ابن أبى حاتم: المصدر السابق م 1 ج 2 ص 248.

(5) كان من فضلاء التابعين و أهل الورع، تقلد قضاء القيروان لسليمان بن عبد الملك.

له ترجمة فى: الخشى: طبقات علماء إفريقية 234، المالكى: المصدر السابق ج 1 ص 81.

أبو العرب: المصدر السابق 22، ابن أبى حاتم المصدر السابق م 2 ج 2 ص 175.

(6) كان من فضلاء التابعين، سكن القيروان، و نشر فيها علمه الغزير.

له ترجمة فى: البخارى: المصدر السابق ج 4 ص 2، الدباغ: المصدر السابق ج 1 ص 213.

(7) كان فقيها عالما صالحا و هو من أهل مصر، سكن القيروان و مات بها.

انظر المالكى: المصدر السابق ج 1 ص 76، أبو العرب: المصدر السابق 20، الدباغ: المصدر السابق ج 1 ص 75.

(8) د/ حسين مؤنس فتح العرب للمغرب 296.

24

حلال حتى وصل هؤلاء التابعون فبينوا تحريمها رضى الله عنهم» (1).

و نلاحظ أن معظم هؤلاء التابعين كانوا يقيمون فى القيروان و لذلك كثر بناء المساجد التى كانوا يعلمون فيها الناس قواعد الإسلام، و كان البربر يفدون على هذه المساجد فيستمعون إلى الدروس التى كانت تلّقى فيها، و على أيدى هؤلاء التابعين بنيت عدة مساجد نذكر منها مسجد الرباطى الذى بناه أبو عبد الرحمن الحبلى عبد الله بن يزيد المعافرى الإفريقى، و جامع الزيتونة الذى بناه إسماعيل بن عبيد الله الذى اشتهر بلقب تاجر الله.

و بفضل هؤلاء التابعين وضعت أول بزور العلم و الفقه الإسلامى حيث تتلمذ على أيديهم الطبقة الأولى من علماء إفريقية أمثال أبى كريب المعافرى و عبد الله بن عبد الحكم البلوى و أبى خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافرى و أبى محمد خالد بن عمران التجيبى و سعيد بن لبيد المعافرى و أبى زكريا يحيى بن سلام و غيرهم.

و كان هؤلاء المتعلمون من أهل إفريقية يقضون بعض الوقت للدراسة فى القيروان ثم يعودون إلى قبائلهم و نواحيهم فيتقلدون وظائف القضاء و الدين و يعلمون الناس أصول و مبادى‏ء الإسلام، فقد ذكر فى سيرة أسد بن الفرات بن سنان أن أباه قدم إلى إفريقية و أمه حامل به، فولد أسد بتونس سنة 145 ه و قرأ على علىّ بن زياد (2).

و الشى‏ء الملفت للنظر فى تلك الفترة أن العرب لما نزلوا إفريقية كانوا شديدى الاهتمام و الحرص على أن يتخذوا لأبنائهم الكتاتيب الصغيرة الملحقة بالمساجد ليدرسوا فيها القرآن و الحديث و الدين و اللغة العربية، و يعجبنى قول الأستاذ الكبير حسن حسنى عبد الوهاب فى تعليقه على هذه الظاهرة: «إنهم عند ما أناخوا بمعسكرهم و خطوا قيروانهم، أنشأوا

____________

(1) ابن عذارى البيان المغرب 2/ 34.

(2) المالكى رياض النفوس ج 1 ص 65- 66، و ص 107- 108، و الدباغ المصدر السابق ج 1 ص 138- 148. د/ حسين مؤنس المرجع السابق ص 296، و ابن الأبار الحلة السيراء ج 2 ص 380.

25

الدور و المساجد، ثم التفتوا إلى تعليم صبيانهم، فاتخذوا لهم محلا- كتّابا- بسيط البناء يجتمعون فيه لقراءة كتاب الله العزيز (1)».

و مع قيام الخلافة العباسية لم يجد العنصر العربى سواء أكانوا قيسية أم يمنية فى إفريقية سندا من الدولة العباسية حيث وفدت عناصر جديدة من الخراسانيين فى الحملات التى كان يبعثها العباسيون من وقت لآخر لبلاد إفريقية.

صحيح أنه حدثت فى بداية الأمر اضطرابات و صدامات مباشرة بين الجند العربى و الخراسانى مما هدد بقاء السلطة العباسية فى إفريقية و كانت السبب مقتل محمد بن الأشعث الخزاعى، و لكن بمرور الوقت اندمج العنصر العربى الخراسانى بأهل البلاد الأصليين (البربر) عن طريق المصاهرة، فقد برز من العنصر الخراسانى عدد من الفقهاء و العلماء كان لهم دورا هامّا فى حدوث نهضة فقهية و علمية فى إفريقية من أمثال محمد بن عبدوس.

و لكن من كان يقلق بال الدولة العباسية فى إفريقية هم الخوارج بشتى مذاهبهم؛ لأن الخوارج كانوا من العوامل الرئيسية فى إسقاط الحكم الأموى، مما دعا الخليفة المنصور أن يطلق يد ولاة مصر من أجل القيام بالحملات المتوالية للقضاء على الخوارج فى المغرب، و مثال ذلك حملة محمد بن الأشعث التى تكلفت أموالا باهظة، و نجح هذا الوالى فى قتل زعيم الخوارج الإباضية، و هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن مالك المعافرى، و لكن سرعان ما استولى أبو حاتم الإباضى على القيروان، و انتصر على واليها العباسى محمد بن الأشعث و قتله.

و استمرت مشكلة الخوارج تثير مخاوف و ذعر بنى العباس، فكان المنصور يرسل الحملة وراء الحملة، و أخيرا أسند هذه المهمة للمهالبة الذين برعوا منذ العصر الأموى بقدراتهم فى التصدى للخوارج‏ (2).

____________

(1) حسن حسنى عبد الوهاب ورقات القسم الأول و كذلك أداب المعلمين ص 9.

(2) ابن الأبار المصدر السابق ج 1 ص 356- 357، و المالكى المصدر السابق ج 1 ص 360، و النويرى المصدر السابق ج 24 ص 72.

26

و قد أنجز المهالبة هذه المهمة حيث ترك الخوارج منطقة إفريقية و اتجهوا إلى مناطق أخرى فى بلاد المغرب فأسس بنو مدرار دولتهم فى سلجماسة (و أصلهم من البربر) 140 ه- 757 م و بنو رستم الإباضية فى المغرب الأوسط (و يقال إن أصلهم فارسى).

ففى فترة المهالبة هذه ظهر تعاطف البربر مع العباسيين فى تصديهم للخوارج و هذا يرجع لدور الفقهاء، و المعلمين و التابعين الذين يمثلون المذهب السنى شعار دولة بنى العباس إلى جانب الكتاتيب الصغيرة العلمية، و المساجد التى يلقى فيها الدروس عن مساوى‏ء الخوارج و مذاهبهم المدمرة للإسلام أى ما نطلق عليه اليوم بالتوعية الدينية.

و تعتبر فترة المهالبة هذه من فترات الرخاء و الاستقرار و الهدوء التى عاشتها إفريقية خاصة فترة يزيد بن حاتم المهلبى، إذ برع يزيد بن حاتم فى قيادة ولاية إفريقية قيادة حسنة حيث قام بعدة إنجازات، و أعمال شهد له بها المؤرخون و الرواة، من أهمها- كما ذكرنا- قضاؤه على ثورات الخوارج فلم نسمع فى عهده عن قيام ثورة، أو تمرد خارجى من جانب الخوارج، كما اهتم بالبناء و العمارة فبنى المسجد الأعظم بالقيروان، كما اهتم أيضا بالفقهاء و العلماء و الشعراء، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر عبد الرحمن بن زياد بن أنعم و البهلول بن راشد و ابن فروخ‏ (1).

1- قيام دولة الأغالبة: (184- 296 ه- 800 م).

و وسط كل هذه الظروف التى ذكرناها فى الفصل السابق ظهر «إبراهيم بن الأغلب» على مسرح الحياة السياسية فى بلاد إفريقية فقد قيل كان ظهوره نتيجة خدمته فى جيوش بنى المهلب‏ (2)، و قد ذكر «ابن الأثير» أن إبراهيم بن الأغلب كان بولاية الزاب سنة

____________

(1) د/ محمود إسماعيل عبد الرازق المرجع السابق ص 112، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 67، و حسن حسنى عبد الوهاب ورقات القسم الأول ص 68 و النويرى المصدر السابق ج 24 ص 86- 87.

(2) ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 112.

27

180 ه، و أنه لاطف «هرثمة بن أعين» و قدم له الهدايا فولاه ناحية الزاب، و كانت بلاد الزاب منزل الكثير من التميميين قوم و رهط بنى الأغلب، فكانت سندا قويا لإبراهيم بن الأغلب فيما بعد (1).

و عندما خلع الرشيد هرثمة بن أعين من ولاية إفريقية بدأ إبراهيم بن الأغلب يتطلع إليها بشغف، و هناك ظروف و أسباب مهدت له الطريق للوصول إلى هذه الولاية، فمنها أن الوالى «محمد بن مقاتل العكى» أساء معاملة جنده، و قطع عنهم رواتبهم كما ذكرنا، فثاروا عليه و ناصبوه العداء إلى جانب انقلاب أهل القيروان عليه نتيجة علاقته مع البيزنطيين فى صقلية، فقد قيل إنه لاطفهم عن طريق إرسال النحاس و السلاح و الجلود و الهدايا الثمينة إليهم.

و ليس لدينا ما يثبت ذلك و لكن على أى حال شاع هذا الأمر بين الناس، و قد حذره الفقيه بهلول بن راشد من إرسال هذه المواد التى تعتبر موارد عسكرية إلى أعداء الدين، و هذا يدل على أن الفقهاء لم يقتصر عملهم على الناحية الدينية فحسب، بل كانت لهم مواقفهم القومية (2).

و فوق ذلك كله كانت براعة إبراهيم بن الأغلب فى القضاء على ثورة تمام بن تميم الذى بث الذعر و الخوف و الرعب لأهل إفريقية كلها حيث استعان إبراهيم بأهل إفريقية، و هذه ميزة من ميزات الأغالبة عن أسرة آل طولون، و قد اختلف الرواة و المؤرخون حول الدوافع و الأسباب التى جعلت الخليفة هارون الرشيد يوافق على إسناد ولاية إفريقية لإبراهيم بن الأغلب، فقد ذكر لنا «ابن الأبار» أن حصول إبراهيم على هذه الولاية كانت نتيجة نجاحه فى الكيد للأدارسة (3).

____________

(1) ابن الأثير الكامل فى التاريخ ج 6 ص 154.

(2) الرقيق القيروانى المصدر السابق 205، و محمود إسماعيل عبد الرازق الأغالبة 22.

(3) انظر: النويرى نهاية الأرب ج 24 ص 99. و ابن الأبار الحلة السيراء ج 1 ص 99. و الأدارسة نسبة إلى إدريس بن عبد اللّه بن الحسن الذى فر إلى المغرب الأقصى بعد انهزام إخوته فى موقعة الفخ بمكة سنة 169 ه و تمكن من الإفلات من الموت مع مولاه راشد إلى مصر، و منها إلى الطرف الغربى من العالم الإسلامى حيث استقر ببلدة «ليلى» قاعدة جبل زرهون فى سنة 72 ه، و بايعه، بربر أوربة بالإمامة و نجح فى تأسيس دولة شيعية فى هذا الصقع من بلاد المغرب، ثم انضمت إليه قبائل أخرى‏

28

بينما ذكر النويرى «أن الرشيد قلده إياها نتيجة لما فعله مع «محمد بن مقاتل العكى» فى مساعدته فى القضاء على ثورة تمام التميمى و هناك رأى آخر يقول: «إن تنازل «إبراهيم بن الأغلب» عن الإعانة السنوية التى كانت تجلب له من مصر و تقدر بمائة ألف دينار، و تعهده بدفع أربعين ألف دينار سنويا للخلافة العباسية جعلت هارون يستجب، و يرحب بتقلده ولاية إفريقية (1)».

و قيل إن صاحب البريد «يحيى بن زياد (2)» له الفضل فى تقلد إبراهيم إفريقية، حيث كان يطلع الخليفة هارون بأمور و أحوال هذه الولاية و بإخلاص و كفاءة إبراهيم السياسية و الحربية.

كما يذكر الدكتور حسين مؤنس‏ (3) بأن سياسة الرشيد كانت تهدف إلى تأمين ولاية أفريقية، لأنها كانت كل ما بقى لدولة بنى العباس فى الجناح الغربى لدولة الإسلام، و قد سبق أن ذكرنا أن حدود دولة بنى العباس وقفت عند نهر شلف الفاصل بين ولاية إفريقية و المغرب الأوسط، و لهذا فعندما أيد هرثمة بن أعين فكرة تولية إبراهيم بن الأغلب أمور إفريقية، و منحه استقلالا محليا طبقا للشروط السابق ذكرها وافق الرشيد على ذلك، و أصبحت ولاية إفريقية فى بيت إبراهيم بن الأغلب‏ (4).

____________

منها زواغة و سدرنة و غياثة و مكناسة و غمارة. تطلع إدريس بن عبد الله إلى توحيد المغرب، و كان من الطبيعى أن يخشى الخلفاء العباسيون من مطامع الأدارسة فى المغرب و مصر، فاستجاب الرشيد لطلب إبراهيم بن الأغلب حتى تكون دولة الأغالبة فى المغرب الأدنى حاجزا بين البلاد الخاضعة للدولة العباسية و بلاد الأدارسة فى المغرب الأقصى الذين كانوا يتطلعون إلى فصل المغرب عن بقية العالم الإسلامى، بل كانوا يهدفون إلى توحيد المغرب و المشرق العربيين تحت قيادتهم.

و قد أورد الأستاذ الدكتور «أحمد مختار العبادى» نصا لرسالة وجهها إدريس بن عبد الله إلى المصريين يمكن أن نستنتج منها مدى اتصال الأدارسة بأهل مصر.

ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج 3 ص 17، ابن عذارى: البيان المغرب ج 1 ص 298- 299.

(1) النويرى نهاية الأرب ج 24 ص 100- 101، و ابن خلدون العبر من ديوان المبتدأ و الخبر ج 4 ص 196.

(2) السلاوى الاستقصا ج 1 ص 147.

(3) د/ حسين مؤنس فتح العرب للمغرب.

(4) كانت أم هارون الرشيد هى الخيزران البربرية من المغرب، فنشأ محبا للعرب.

انظر: محمد على دبوز: تاريخ المغرب الكبير ج 3 ص 131.

29

صفوة القول إن كل الأحداث التى مرت بها المغرب ج علت الخلافة العباسية تفكر فى إسناد هذه الولاية لرجل يتميز بصفات القدرة على الحكم و الولاء للدولة و الإخلاص للبيت العباسى، و الذى شجع العباسيين على إسناد هذه الولاية لإبراهيم بن الأغلب تلك التجربة السابقة مع المهالبة، و هم بيت من الحكام طالت ولايتهم واحدا بعد واحد على إفريقية فى طاعة الدولة العباسية، لأن بنى العباس كانوا يرون إفريقية عبئا كبيرا عليهم، و يريدون أن يطمئن بالهم عن ناحيتها خاصة أنها كانت تكلفهم الكثير من المال، فإذا عرض عليهم أحد رجالهم القادرين أن يحمل عنهم عب‏ء إفريقية مع بقائه على طاعتهم و حفظ الأمن فى الولاية دون أن يكلفهم مالا. فكان من الطبيعى أن يرحبوا بمثل هذا العرض فما بالنا بإبراهيم بن الأغلب الذى عرض فى هذه الصفقة أن يتنازل عن مبلغ مائة ألف دينار كانت مصر ترسلها معونة لوالى إفريقية، و هذا المبلغ سيئول إلى خزانة الدولة العباسية فى هذه الحال، لكل هذا وافقت الدولة العباسية على جعل ولاية إفريقية فى بيت إبراهيم بن الأغلب مع البقاء على الطاعة و الولاء.

و استطاع إبراهيم بن الأغلب أن يحقق التزاماته نحو الخلافة فكوّن قوة عسكرية كبيرة من البربر المستعربة الذين عملوا كجند فى الجيش الأغلبى كما استكثر إبراهيم بن الأغلب من الصقالبة و «هم جند من أصل أوربى كانوا يشترون صغارا من تجار الرقيق الذين يجلبونهم من أوربا، و كانوا يربّون تربية عربية إسلامية ليكونوا بعد ذلك جندا و خدما للدولة فى القصور و الوظائف»، و كما أضاف إليهم بعد ذلك قوة من السود (1).

كذلك كوّن إبراهيم بن الأغلب قوة بحرية هائلة مكنت الأغالبة بعد ذلك من غزو صقلية و مالطة و السواحل الإيطالية، و لم يطمئن على حكمه إلا بعد أن تم له إنشاء كل هذه القوات خلال السنوات الأولى من حكمه لإفريقية، كما أقام إبراهيم الخطبة لبنى العباس على المنابر، و رفع شعار بنى العباس، و دفع الخراج المقرر عليه و هو أربعون ألف دينار،

____________

(1) د/ السيد عبد العزيز تاريخ المغرب فى العصر الإسلامى 334، و النويرى المصدر السابق ج 24 ص 102.

30

و نقش اسم الخليفة على السكة، و شيد مدينة جديدة أطلق عليها العباسية (القصر القديم) تمجيدا لهم و هى تقع على بعد ثلاثة أميال جنوبى القيروان، و فى عهد إبراهيم بن الأغلب ثار بتونس رجل من كبار رجالات العرب يسمى حمد يس و نزع السواد شعار بنى العباس، فأرسل إبراهيم قائده عمران بن مجالد فى جيش كبير للقضاء على حركته، فالتقى عمران معه فى معركة قرب تونس انهزم فيها حمد يس و أنصاره، و قتل منهم نحو عشرة آلاف مقاتل، و تمكن عمران من دخول تونس، و برغم أن عهد ابن الأغلب لم يخل من الثورات و الفتن و لكنها كانت لا تقاس بالثورات التى كانت تضطرم فى إفريقية فى العهود السابقة، على أى حال تمكن إبراهيم بن الأغلب بفضل ما لديه من كفاءة و شجاعة و ذكاء و قوة مؤيديه من الجماعات اليمنية و القيسية من أن يقيم دولة جديدة تمثل الدولة العباسية فى بلاد إفريقية (1).

و كان لتربية إبراهيم بن الأغلب الدينية أثر كبير فى ثقافته الظاهرة، فقد كان حافظا للقران الكريم، فقيها عالما مؤيدا لمذهب أهل السنة، كثير الزيارات لشيخه الذى تتلمذ على يديه و هو الليث بن سعد الفهمى الذى وهب لإبراهيم جارية تدعى جلاجل، و هى أم ولده زيادة الله، كما كان شاعرا خطيبا ذا رأى و حزم و بأس و علم بالحروب و المكايد، و هذا هو ما قرب بينه و بين الفقهاء من أهل الدين، و هذا بدوره أكسبه تأييد الناس فاتخذ من الفقهاء مستشارين له كانوا خير عون له فى ضبط أمور الدولة، و دفعها إلى طريق العلم و الحضارة و الرقى.

و وسط هذا الجو الذى كان يحمل الهدوء و الاستقرار برز عدد كبير من العلماء و الفقهاء الذين لعبوا دورا هامّا فى النهضة الفكرية للمذهب المالكى السنى، كما تصدوا للخوارج‏

____________

(1) د/ أحمد مختار العبادى سياسة الفاطميين نحو المغرب و الأندلس 196- مجلة كلية الآداب- جامعة الإسكندرية، العدد 1، 2، 1957 و القلقشندى صبح الأعشى ج 5 ص 120، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 117، و ابن خلدون المصدر السابق ج 4 ص 419، و السيد عبد العزيز سالم المرجع السابق 289، و سعد زغلول عبد الحميد تاريخ المغرب العربى ج 2 ص 28.

31

الذين كانوا يشكلون خطرا على كيان أهل السنة، و خطرا على السلطان لبنى العباس فى إفريقية قبل قيام دولة الأغالبة و بعدها (1).

2- الحضارة و العمران:

ذكرنا- من قبل- أن فترة الأغالبة فى إفريقية تعتبر من أمجد فترات تاريخها كما يروى المؤرخون، فقد دامت هذه الفترة أكثر من قرن من الزمان ساد فى أثنائها الاستقرار السياسى النسبى لبلاد إفريقية، و كان للمذهب السنى و شيوخه نصيب كبير فى إقامة و تثبيت دعائم هذا الاستقرار، فقد تمكن الفقهاء بمعاونة أمراء الأغالبة من إخراج الخوارج من بلاد إفريقية، فلم يعودوا يعيشون إلا فى جبل نفوسة جنوب ولاية طرابلس من أملاك الأغالبة، أما طرابلس نفسها فقد كانت سنية يسودها الفقه المالكى، و عند ما أقام الخوارج الإباضية دولة لهم أقاموها خارج بلاد الأغالبة فى إقليم تاهرت، و هو الجزء الغربى من المغرب الأوسط (2).

إن قيام دولة الأغالبة جعل لإفريقية و أهلها شخصية مميزة و فريدة تختلف كل الاختلاف عن بقية بلدان المغرب، فكانت المدن و القرى الإفريقية محطات و مراكز العلم و الشيوخ و التجار، فنهضت حركة العمران و الإنشاء إلى جانب الزراعة و الرعى، و كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر، و احتلت تونس بخطواتها السريعة هذه محل مدينة قرطاجنة فهى تشتمل على معالم الحياة من مبانى و أسواق و دار صناعة للسفن التى أنشأها حسان بن النعمان، و من جاء بعده من الولاة و الحكام الأغالبة، مما جعل العرب من سكان إفريقية يصابون بالغرور و الكبرياء و التمرد على الحكام فى القيروان‏ (3).

____________

(1) ابن أبيك الدرة المضية فى أخبار الدولة الفاطمية ج 6 ص 23- 25، و الباجى المسعودى الخلاصة النقية بأمراء إفريقية 22- 23، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 116.

(2) انظر: د/ حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس 95، و الأنصارى المنهل العذب فى تاريخ طرابلس الغرب ج 1 ص 68، و ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 89.

(3) حسن حسنى عبد الوهاب ورقات ج 1 ص 39.

32

و إذا كان من المعروف عن فترة المهالبة أنهم قد أعطوا اهتماما كبيرا فى إفريقية لإقامة الأبنية و المنشآت التى تميزت بها، و خاصة فى فترة يزيد بن حاتم‏ (1) الذى كان له دور كبير فى توسيع جامع القيروان، و إنشاء العديد من الأسواق فى مدينتى تونس و القيروان و غيرهما كما أنشأ هرثمة بن الأعين القصور للمرابطين و الزهاد و المحاربين على الساحل، فإن الأغالبة قد جلبوا المدينة و الحضارة فى إفريقية و المغرب الأوسط.

فمن أعظم إنجازات الأغالبة المعمارية تجديد مسجدى القيروان و تونس و هما المعروفان بمسجد عقبة بن نافع و مسجد الزيتونة- فمسجد القيروان قد تعرض لعدة تجديدات منذ أن أسسه عقبة بن نافع الفهرى إلى نهاية عصر الأغالبة، و ذلك فى عهود: حسان بن النعمان و حنظلة بن صفوان و زيادة اللّه بن الأغلب الذى أدخل عليه التجديدات الحاسمة، و رفع قبابته و مئذنته و إعطائه صورته الحالية، و يذكر ابن عذارى‏ (2) أن زيادة الله أنفق أموالا كثيرة فى هذا العمل، و كان يفتخر بهذا العمل فيقول: «ما أبالى ما قدمت عليه يوم القيامة، و فى صحيفتى أربع حسنات: بنيانى المسجد الجامع بالقيروان، و بنيانى قنطرة أم الربيع، و بنيانى حصن مدينة سوسة، و توليتى أحمد بن أبى محرز قضاء إفريقية» (3).

و قال الأستاذ أحمد فكرى عن جامع القيروان فى كتابه «آثار تونس الإسلامية و مصادر الفن الإسلامى»: «و لا يقتصر فضل القيروان على التخطيط، فإن هذا المسجد العظيم يحوى عناصر معمارية ظهرت فيه لأول مرة فى تاريخ العمارة أو على الأقل يبقى فيها أقدم الأمثلة التى لاقت من بعده اتشارا كبيرا فى بلاد الشرق و الغرب، و أصبحت من العناصر المميزة للعمارة الإسلامية، و أذكر من هذه العناصر أقواس مسجد القيروان» (4).

____________

(1) الرقيق القيروانى المصدر السابق 1950، و حسن حسنى عبد الوهاب ورقات ج 1 ص 60 و د/ السيد عبد العزيز سالم المرجع السابق 276 و المالكى و رياض النفوس ج 1 ص 45.

(2) ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 138.

(3) أحمد فكرى آثار تونس الإسلامية و مصادر الفن الإسلامى 57.

(4) حسن حسنى عبد الوهاب ورقات ج 1 ص 113، و زكى محمد حسن فنون الإسلام 61.

33

و كذلك قام زيادة الله بتجديد و توسيع مسجد جامع تونس، و لكن المنية أدركته قبل أن يكملها، فتولى بعده إبراهيم بن أحمد سادس أمراء الأغالبة فهو الذى أمر ببناء قبابه المضلعة، و وضع فيه أعمدة الرخام و زينه بالزخارف و النقوش و الكتابات الكوفية الجميلة، و كذلك أمر إبراهيم بن أحمد ببناء القبة الكبيرة الموجودة الآن فى جامع القيروان، و هى من أجمل القباب فى تاريخ المساجد الإسلامية. و حول القباب فى مسجد القيروان يقول الدكتور أحمد فكرى: «و لا شك أن أول مثل إسلامى للنظام المبتكر للقباب المرتكزة على أقواس يظهر أيضا فى مسجد القيروان، و سواء أكان الفضل فى وضع هذا النظام الجديد يعود إلى الفرس أو إلى الرومان، و سواء أكان الأصل فى اشتقاق هذه القباب يرجع إلى مصر القبطية أم إلى إفريقية البيزنطية، و أيا كان الأصل فى هذه القباب فإنه لا يضعف شأن بنيان القيروان» (1).

ثم قام أبو العباس محمد بن الأغلب خامس أمراء الأغالبة ببناء جامع سوسة الذى يعتبر من أجمل الآثار المعمارية الإسلامية فى إفريقية و من منشآته أيضا رباط سوسة المعروف بقصر الرباط (2).

و إذا كان بنو الأغلب قد اعتنوا بالمنشآت الدينية فإن عنايتهم بالمنشآت العسكرية و المدنية لا تقل أهمية، فقد أنشأ الأغالبة الكثير من الأسوار و الأبراج للمدن و خاصة التى تقع على الساحل، و لا ننسى دار تونس لبناء السفن و دار سوسة لصناعة الأسلحة و اللتان كانتا لهما أمجاد فى تاريخ البحرية الإسلامية و خاصة فى حوض البحر المتوسط و خير مثال على ذلك فتح جزيرة صقلية (3).

و من أشهر المنشآت العسكرية فى عصر الأغالبة الرباطات، و هى قريبة الشبه بالقصور السابق ذكرها، و لكنها كانت تخصص للمجاهدين و المرابطين ما بين حاميات‏

____________

(1) أحمد فكرى، مسجد القيروان 78.

(2) سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربى ج 2 ص 71.

(3) السيد عبد العزيز سالم، المرجع السابق 363.

34

رسمية و أفراد من المتطوعين، و لكن من المعروف أن الرباط كان للأفراد، أما الجند الرسمى فكانت تبنى لهم معسكرات، و قد وصف لنا الأستاذ الدكتور حسين مؤنس الرباطات فقال‏ (1): «يحيط بالرباط عادة سور مرتفع، و تقوم على أركانه و على مسافات منه أبراج يقف فيها الحراس، و توقد فيها النيران وقت الخطر»، و قد بقى لنا من رباطات عصر الأغالبة رباط سوسة و هو من بناء زيادة الله بن الأغلب أسسه سنة 206 ه، و تاريخ الإنشاء مسجل على لوحة من الرخام بأعلى مدخل المنار، و تقرأ عليها النص التالى «مما أمر به الأمير زيادة الله بن إبراهيم أطال الله بقاءه على يد سرور الخادم مولاه فى سنة ست و مائتين، اللهم أنزلنا منزلا مبارك و أنت خير المنزلين»، و يقع رباط سوسة على خليج قابس، و هو داخل سور المدينة من ناحية البحر و طول ضلع سوره أربعون مترا تقريبا، و بداخل السور ثلاث قاعات واسعة تسمى الأسطوانات مرفوعة على عمد وفوقها سقف يتكون من ثلاث قباب، و هذه القاعات و الأسطوانات يؤدى بعضها إلى بعض و هى تستعمل للنوم و الأكل، و يليها صحن الرباط و هو مساحة واسعة مسورة تدور حولها البوائك، و هذه البوائك طابقين و هى تفتح أو تطل على صحن الرباط، و فى ركن من الصحن يقوم مسجد الرباط (2).

و حول الرباط و قصره قال الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «فى فجر المائة الثالثة للهجرة وجه الأمير زيادة الله عناية كاملة لإعادة الحصن الذى أقامه أبو إبراهيم الأكبر فى مكان الرباط الخالى، فيأمر أحد فتيانه بتوسيع نطاق الحصن الأول، و يجعله على طابقين أسفل و أعلى و يقيم فيه ثلاثين غرفة لسكنى المرابطين علاوة على الحمام و المرحاضات، و ينصب فى الطابق العلوى مسجدا جامعا للصلاة و الخطبة، و يبنى المسجد على أقواس متماسكة العقود، و هو أول مسجد يبنى أى قبل إنشاء فنائه و قبل الجامع الكبير الآتى ذكرهما، فمن يقطن سوسة وقتئذ كان يقصد الرباط لأداء الجمعة و الأعياد (3).

____________

(1) د/ حسين مؤنس، المرجع السابق 97.

(2)Creswell AShort Account P .232 . و د/ السيد عبد العزيز، المرجع السابق 364، و حسن حسنى عبد الوهاب، ورقات عن الحضارة بإفريقية التونسية ج 2 ص 24.

(3) حسن حسنى عبد الوهاب، المرجع السابق ج 2 ص 24.

35

و كان رباط سوسة قريب الشبه برباط المنستير (1) و هو أقدم و أجمل منه من الناحية الهندسية، و قد إتسع هذا الرباط حتى أصبح على شكل حصن كثير المساكن، و الرباط عبارة عن طابقين يخصص الأول منهما للمسجد وقاعات للدرس و الاجتماعات و الطعام الذى كان المرابطون و أهل الرباط يتناولونه معهم أحيانا، و يخصص الثانى للحراسة و العبادة و الخلوة، و فى العادة يتولى الرباط شيخ من أهل التقوى و الورع و الصلاح و هو الذى يتولى تنظيم و تسيير العبادة أو الحراسة فيه‏ (2).

أما المنشآت المدنية و خاصة مدينة القصر القديم‏ (3)

____________

(1) المنستير ميناء يقع بين سوسة و المهدية، و كانت فى الأصل رباطا أو قصرا يرابط فيه المسلمون لحماية ثغور إفريقية من الغارات البحرية التى كان يقوم بها الروم، بناه هرثمة بن أعين والى إفريقية من قبل الرشيد فى سنة 180 ه.

و قد وصف البكرى هذا الرباط فقال «و بالمنستير البيوت و الحجر و الطواحين و مراجل الماء، و هو حصن عال البناء متقن العمل و فى الطبقة الثانية منه مسجد لا يخلو من شيخ خير فاضل يكون مدار القوم عليه، و فيه جماعة من الصالحين و المرابطين قد حبسوا أنفسهم فيه منفردين دون الأهل و العشائر، و هو قصر كبير عال داخله ربض واسع، و فى وسط الربض حصن ثانى كبير كثير المساكن، و المساجد و القصاب العالية طبقات بعضها فوق بعض، و فى القبلة صحن فسيح من قباب عالية متقنة ينزل حولها النساء المرابطات و له يوم عاشوراء موسم عظيم و مجمع كبير، و كان أهل القيروان يخرجون إليهم بالأموال و الصدقات الجزية، و يقرب المنستير محارس خمسة متقنة البناء، و معمورة بالصالحين. انظر البكرى: المصدر السابق 36، و ابن الخطيب: المصدر السابق ج 3 ص 11.

(2) د/ حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب و الأندلس 97.

(3) يبدو أن سبب بناء ابن الأغلب لهذه المدينة يرجع إلى سكان القيروان و بما كانوا يتصفون به من تدين و ورع حيث ابدوا سخطهم على الأمير لإقباله على الخمر و انغماسه فى حياة اللهو و الملذات، فاضطر ابن الأغلب لإقامة هذه المدينة للاستمتاع بالحياة بعيدا عن أنظار رعيته فلا يناله شى‏ء من تقريع فقهائهم و انتقادهم لسلوكه، و ربما يكون اتخذها تقليدا للخلفاء الأمويين و العباسيين فى اتخاذهم القصور خارج عواصمهم أو إشباعا، لرغبته فى الظهور بمظهر العظمة و الأبهة، و قد اشترى الأغلب لهذا أرضا من بنى طالون، و بنى قصرا للإمارة، نقل إليه السلاح و العدد سرا، و أسكن حوله عبيده و فتيانه و مواليه و أهل الثقة من خدمه، و سمى بالقصر القديم بالنسبة لقصر رقادة الذى بناه إبراهيم بن أحمد سنة 264 ه و عرف بالقصر الأبيض ربما لبياض لون جدرانه.

و فى هذه المدينة استقبل الأمير رسل شارلمان إليه سنة 185 ه عندما قدموا لنقل رفات القديس سان سيبرين.-

36

- التى بناها إبراهيم بن الأغلب، و تبعد ثلاثة كيلومترات جنوبى مدينة القيروان لتكون معسكرا لجنده، و مقاما له و معتقلا لأسرته و كانت تتكون من قصور و حدائق و معسكرات و أماكن للعبادة، و لم يبق من آثار هذه المدينة (الآن) شى‏ء، كما كانت تسمى العباسية ثم سميت بالقصر القديم تميزا لها عن مدينة القصر الجديد (رقادة) (1) التى بناها إبراهيم بن أحمد سنة 264 ه/ 78 م.

و اعتنى الأغالبة كذلك ببناء صهاريج المياه و جبابها، و الضهريج عبارة عن خزان ماء فوق الأرض، أما الجب فلا يكون إلا فى باطن الأرض، و الجب مخزن واسع يتكون من حجرة واسعة قد يصل قطرها إلى أربعين مترا، و عمقها نحو عشرين مترا ثم يبنون عند الماء حجرة أو قبوا واسعا بالحجر أو الطوب الأحمر أو الطوب المغطى بالبلاط الذى لا تؤثر فيه المياه.

كذلك أكثر الأغالبة من بناء المواحل، و الماحل عبارة عن أحواض ماء واسعة، و عميقة تشبه الفسقيات يتجمع فيها ماء المطر و هى دائما مكشوفة، و قد يقام فى وسط الماحل جوسقّ يجلس فيه الأمير للراحة، و مواحل القيروان و سوسة و تونس تعتبر من الآثار الجميلة التى تستحق المشاهدة (2).

____________

انظر ابن عذارى: المصدر السابق ج 1 ص 117، و اليعقوبى: البلدان 347، و ياقوت الحموى: معجم البلدان ج 24 ص 362

Marcais L`Architecture Musulmane P. 62- 72.

(1) يصفها البكرى بقول: «و أكثرها بساتين و ليس بإفريقية أعدل هواء، و لا أرق نسيم و لا أطيب تربة من مدينة رقادة» و سميت رقادة لأن الأمير إبراهيم أرق يوما، و شرد الكرى عن جفنيه فلم ينم و أمر بالخروج و السير فلما وصل إلى هذا الموضع نام، فسمى رقادة و الذى بنا رقادة و اتخذها دارا هو إبراهيم ابن أحمد بن محمد بن الأغلب انتقل إليها من مدينة القصر القديم و بنى بها قصورا عديدة و جامعا، و عمرت بالأسواق و الحمامات و الفنادق، و كان يحيط برقادة سور من الآجرّ و اللّبن أصلحه الأمير زيادة الله الثالث يتحصن فيها عند محاصرة أبى عبيد الله الشيعى لها.

انظر البكرى: المصدر السابق 27،Marcaiso P .CKT 82

(2) و يصف الإدريسى الماجل الكبير بالقيروان بأنه «من عجيب البناء لأنه مبنى على تربيع و فى وسطه بناء قائم كالصومعة، و ذرع كل وجه منه مائتا ذراع و هو مملوء كله ماء». أما البكرى فيذكر عن الماجل الكبير «أنه مستدير الشكل عظيم الاتساع، يتوسط برج مثمن الشكل، يعلوه مجلس له-

37

و قد أنشأ زيادة الله الثالث آخر أمراء الأغالبة فى عهده بركة أو ماجلا طوله خمسمائة ذراع و عرضه أربعمائة ذراع و أجرى إليه الماء بالسواقى و سمى هذا الماجل الفسيح بالبحر، و أقام على إحدى ضفتيه قصرا من أربعة طوابق سماه العروس، و أنفق على إنشائه فيما يقرب من 000، 232 دينار. غير أن الفاطميين فى عهده كانوا قد أوغلوا فى بلاد إفريقية و كثر جندهم، و اقتربوا من القيروان، و هنا جمع زيادة الله ألفا من أهل بيته و هرب بهم إلى مصر تاركا بلاد إفريقية مقر ملكه للفاطميين‏ (1).

و مما لا شك فيه أن الحياة الاقتصادية قد ازدهرت فى إفريقية بقيام دولة الأغالبة، فاستفادوا من وضع البلاد الجغرافى فجمعوا الثورات الطائلة. و بفضل الموانئ المنتشرة على شاطى‏ء البحر المتوسط و هى موانئ سوسة و تونس و بجاية، أمكن للأمراء الأغالبة أن يقيموا الأساطيل و يحرزوا الانتصارات و قد انعكس أثر هذا على سكان إفريقية فانتعشوا اقتصاديا.

و نتيجة إحكام الأغالبة على زمام البحرية دون منازع، احتكروا دور الوساطة التجارية

____________

أربعة أبواب و بأعلاه قبة يحملها 11 عمودا، و بجوار هذا الماجل مباشرة، و فى الجهة الشمالية منه ماجل آخر أقل إتساعا يعرف بالفسقية يتلقى مياهه من الوادى عند جريانها، فيخفف سرعتها، و عندها يمتلى‏ء بالمياه حتى ارتفاع قامتين، و تتدفق فى الماجل الكبير عن طريق فتحة يسميها الصرح و كان قد شرع فى بنائه الأمير إبراهيم بن أحمد سنة 245 ه و أتمه سنة 248 ه، و يروى أنه أعتل أثناء اتخاذ الماجل بالقصر القديم، فكان يسأل: هل دخله الماء؟ إلى أن دخله الوادى، فعرفوه بذلك فسر به، و أمرهم أن يأتوه بكأس مملؤة منه فشربها و قال: الحمد لله الذى لم أمت حتى تم أمره ثم مات على أثر ذلك.

و كان بالقيروان فيما يذكر البكرى 15 ماجلا كانت هذه المواجل مستديرة الشكل، تكسو سطوحها طبقة من البلاط شديد الصلابة.

انظر ابن الخطيب: المصدر السابق ج 3 ص 23، و البكرى: المصدر السابق 25، و الإدريسى:

المصدر السابق 110.

(1) ابن عذارى المصدر السابق ج 1 ص 186، و سعد زغلول عبد الحميد تاريخ المغرب العربى ج 2 ص 167، و ص 182. و محمد إسماعيل عبد الرازق الأغالبة ص 40، و الإدريسى نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق ص 121.

38

بالنسبة للتجارة العالمية بين الشرق و المغرب و جنوا من وراء ذلك أطيب الثمار، كما اهتموا بالتجارة مع الجنوب فمهدوا طرق القوافل لتسهيل التجارة مع أهل اللثام و بلاد الجريد، كما راجت دور الصناعة مثل دور تونس وسوسة و غيرها مستفيدة من الاستقرار النسبى للبلاد، و أصبحت القيروان من أكبر المراكز التجارية فى غرب البحر المتوسط، و أيضا سوسة و الأربس و قفصة و غيرهم.

كذلك اشتهرت رقادة بالأسواق و الفنادق و القصور و كذلك العباسية- و إذا كانت بغداد و دمشق و الإسكندرية قد عرفت نظام الأسواق المتخصصة- فإن القيروان أيضا قد شهدت مثل هذه الأسواق منذ أيام حاتم بن يزيد المهلبى، و علا طريقها الرئيسى بالمتاجر و دور الصناعة، و يحدثنا المالكى عن حوانيت الرفائين و الكفايين و تجمعها فى مكان واحد حيث عرفت بالحوانيت الجدد (1).

و كانت إفريقية الأغلبية تصدر القمح و الشعير إلى الإسكندرية و الرقيق السودانى إلى بلاد الشام، كما كانوا يصدرون أيضا النسيج و الأبسطة و الأقمشة الفاخرة إلى بغداد (2).

و لم يكتف الأغالبة بما تجود به أرضهم من بعض أنواع الزراعة بل استوردوا بعض‏

____________

(1) السيد عبد العزيز سالم المرجع السابق ص 323، و البكرى المصدر السابق ص 27، 28، و حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسى ج 3 ص 320، ص 325، و المالكى رياض النفوس ج 1 ص 195- 196.

(2) اشتهرت إفريقية بصناعة المنسوجات، و إلى سوسة كانت تنسب الثياب السوسية الرفيعة البياض الناصع، و كانت منسوجات دور الطراز بإفريقية مما يهادى به للخلفاء العباسيين، و يذكر ابن عذارى أن أبا عبد الله الشيعى لما هزم جيش إبراهيم قائد زيادة الله بن الأغلب، غنم كثيرا من الأموال و السلاح و السروج و اللجم و ضروب الأمتعة، و هى أول غنيمة أصابها الشيعى و أصحابه، فلبسوا أثواب الحرير، و تقلدوا السيوف المحلاة و ركبوا بسروج الفضة و اللجم المذهبة.

انظر فى ذلك: البكرى المصدر السابق 34، مجهول: الاستبصار 119، ابن عذارى: المصدر السابق ج 1 ص 185، و ص 187، و يذكر ابن عذارى أن زيادة الله الثالث بعث الحسن بن حاتم إلى العراق رسولا منه بهدايا و طرف. و ابن خلدون: المقدمة ص 181.

39

المحاصيل الزراعية من المشرق مثل القطن و قصب السكر، و ما جناه الأغالبة من ثروات طائلة ظهرت أثارها فيما أقاموه من منشآت و عمائر بإفريقية (1).

و تعتبر فترة إبراهيم بن الأغلب و ابنه زيادة الله الأول من أزهى فترات دولة الأغالبة حيث ساد الرخاء الاقتصادى فى عهدهما فضربت الدنانير و الدراهم على نمط الطراز العباسى، كما دونت الدواوين مثل ديوان الخراج و كان من يسند إليه يعتبر من الشخصيات المرموقة و صاحب ثقة فى البلاط الأغلبى، و ديوان الخاتم و كان إبراهيم بن الأغلب قد أسنده لابنه عبد الله، و كذلك دار الطراز التى كانت تنتج ما يرسله الأمير من الكساوى و الإنعامات إلى مشاهير و كبار رجال الدولة فى المناسبات، كما عرف الأغالبة الحسبة و العس و كان بلاط الأغالبة صورة مصغرة للبلاط العباسى‏ (2).

و كتاب تاريخ إفريقية و المغرب من الكتب التاريخية الهامة التى ألقت الضوء على الأحوال السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لبلاد إفريقية (تونس) و المغرب بصفة عامة، فشمل الكتاب منذ الفتح العربى لبلاد المغرب حتى ظهور دولة الأغالبة.

و أسأل الله العفو و المغفرة يا أرحم الراحمين و الله ولى التوفيق‏

القاهرة فى 1414 ه- 1993 م الدكتور/ محمد زينهم محمد عزب‏

____________

(1)Heyd Histoire Du Commerce Vol .1 P .05 و هناك ثروة معدنية فقد اشتهرت «بجانة» بمعادنها الكثيرة و على الأخص الفضة و الكحل و الحديد و الرصاص، و يعتقد الأستاذ مارسيه أن منطقة «بجانة» أصبحت منذ منتصف القرن الثانى الهجرى تتمتع بنشاط اقتصادى بوجود المعادن بكثرة فى أرضها.Marcaisop .cit .p .97

(2) و يرى الأستاذ مارسيه أن المشرفين على دار السكة كانوا من الموالى و الروم أو العبيد أو الفتيان الذين أولاهم أمراء بنى الأغلب كل ثقتهم، و يذكر مارسيه بعض أسماء هؤلاء الفتيان منهم موسى فى عهد إبراهيم بن الأغلب، و مسرور فى عهد زيادة الله الأول، و يذكر ابن عذارى أن زيادة الله الثالث اشتد كلفه بغلام له يسمى خطاب، فكتب اسمه فى سكة الدنانير و الدراهم.

و ابن عذارى:Marcaisop .cit .p .28 المصدر السابق.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

ولاية عقبة بن نافع‏ (1)- (رحمه الله)

رحّل عقبة من الشام، و لما مر على مسلمة (2) بمصر اعتذر إليه من فعل أبى المهاجر (3)، و أقسم بالله: لقد خالف رأيه فيما صنع، و أنه وصّاه به، و أمره بتقوى الله و حسن السيرة، و أن يعزل عقبة أحسن عزل، فإن أهل بلده يحسنون القول فيه، فخالفنى و أساء عزلك، فقبل منه عقبة، و مضى سريعا لحنقه على أبى المهاجر، حتى قدم إفريقية، فأوثق أبا المهاجر فى الحديد، و أمر بخراب مدينته، و ردّ الناس إلى القيروان‏ (4)، و ركب فى وجوه العساكر من التّابعين و العبّاد، فدار بهم حول مدينة القيروان و هو يدعو لها و يقول: «يا رب املأها فقها و علما، و اعمزها بالمطيعين و العابدين، و اجعلها عزّا لدينك، و ذلّا لمن كفر بك، و أعز بها الإسلام، و امنعها من جبابرة الأرض».

(ثم عزم) عقبة على الغزو فى سبيل اللّه، و ترك بها جندا من المسلمين، و استخلف عليهم زهير بن قيس‏ (5)، و دعا أولاده فقال لهم: «إنى بعت نفسى من الله عزّ و جلّ أن‏

____________

(1) و هو ابن خالة عمرو بن العاص، ولد فى أوائل الهجرة النبوية فاعتبر لذلك صحابى المولد، و تولى إمارة جيش إفريقية مرتين، المرة الأولى من سنة 50 ه- سنة 55 ه/ 670 م- 674 م. و المرة الثانية من 60 ه- 64 ه/ 680 م- 684 م. و ذلك فى عهد معاوية بن أبى سفيان و ولده يزيد.

(2) كان والى مصر فى أنذاك الوقت.

(3) هو أبو المهاجر دينار، تولى إمارة جيش إفريقية فى الفترة التى بين ولايتى عقبة الأولى و الثانية أى من سنة 55 ه- 60 ه/ 674- 680 على عهد معاوية.

(4) قال الأزهرى: القيروان معرب و هو بالفارسية كاروان، و قد تكلمت به العرب قديما و هى مدينة عظيمة بإفريقية غبرت دهرا و ليس بالغرب مدينة أجلّ منها إلى أن قدمت العرب إفريقية و أخربت البلاد فانتقل أهلها عنها فليس بها اليوم صعلوك، يطمع فيه و هى مدينة مصرت فى الإسلام فى أيام معاوية

انظر التفاصيل فى: معجم البلدان لياقوت الحموى‏

(5) هو زهير بن قيس البلوى، و هو الذى استعاد إفريقية من يد كسيلة بعد أن هزمه و قتله سنة 69 ه فقضى بذلك على قوة البربر البرانس، و قد استشهد زهير فى إحدى المعارك الساحلية مع البيزنطيين بنواحى برقة.

42

أجاهد من كفره حتى ألحق بالله، و لست (ج) أدرى أتروننى بعد (يومى) هذا أو أراكم لأن أملى الموت فى سبيل الله أو ردى إليكم كما أحب»، ثم قال: «اللّهم تقبّل منى نفسى فى رضاك»، و مضى فى عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، فكانت النّصارى تهرب من طريقه يمينا و شمالا و احتصر صاحب قلعة مجانة (1) فلجأ النّصارى إلى مدينة باغاية، و اجتمعوا بها، فنزل عليها و خرجوا إليه، فقاتلهم قتلا شديدا، فقتلهم قتلا ذريعا، و أخذ لهم خيلا كثيرة، و لم ير المسلمون فى مغازيهم أصلب منها، و كانت من نتاج خيل أوراس‏ (2) المطل عليها، و دخل بقية الروم حصنهم، و كره عقبة أن يقيم عليها فمضى إلى المسن‏ (3) و كانت [فى‏] ذلك الوقت من أعظم مدائن الروم، فلجأ إليها من كان حولها منهم و خرجوا إليهم فى عدّة و قوة، فقاتلوهم قتالّا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء، فانهزموا فقاتلهم إلى باب حصنهم فأصاب غنائم كثيرة [و كره‏] المقام عليها، فرحل إلى بلاد الزاب‏ (4)، فسأل عن أعظم مدينة لهم قدرا، فقالوا: مدينة يقال لها «أذنة (5)»، و منها الملك و هى ... الزّاب و كان حولها ثلاثمائة قرية و كلّها عامرة فلما بلغهم أمره لجأوا إلى حصنهم، و هرب أغلبهم إلى الجبال و الوعر، و نزل واديا بينه و بينها ثلاثة أميال، فلقوه عند الوادى وقت المساء، فكره قتالهم فى الليل، فوقف القوم ليلهم كلّه ساهرين، فسماه الناس إلى اليوم «وادى سهر» فلما أصبح و صلى، أمر بالقتال، و كانت بينهم حرب ما رأوا قطّ ممن حاربوه مثلها حتى يئس المسلمون من أنفسهم، فأعطاه الله عز و جل الظّفر،

____________

(1) بالفتح و تشديد الجيم و بعد الألف نون بلد بإفريقية فتحها بسر بن أرطاة، و هى تسمى قلعة بسر و بها زعفران كثير و معادن حديد و فضة.

(2) و هى موجودة فى جمهورية الجزائر الآن.

(3) له ذكر فى معجم البلدان لياقوت الحموى.

(4) كورة عظيمة و نهر جرار بأرض المغرب على البر الأعظم عليه بلاد واسعة و قري متواطئة بين تلمسان و سجلماسة و النهر متسلط عليها.

انظر: معجم البلدان لياقوت الحموى.

(5) بفتح أوله و ثانية و نون بوزن حسنة و كسر الذال.

انظر معجم البلدان 1/ 132- 133.

43

فانهزم القوم، و قتل فيها أكبر فرسان البربر، فذهب عزهم من الزّاب، و ذلوا آخر الدهر، فكره أن يقيم عليها، فرحل حتى نزل على المغرب بتيهرت، فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر، فأعانوهم و نصروهم، فقام عقبة خطيبا على سيفه، فقال: «يا معشر المسلمين، إنّ خياركم و أشرافكم السابقون منكم [الذين‏] رضى الله عنهم، بايعهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيعة الرضوان على قتال من كفر بالله يوم القيامة فبيعوا أنفسكم من رب العالمين، فإنكم داخلون فى تلك البيعة لكم و عليكم ما عليهم، و أنتم ما وطئتم هذه البلاد إلّا طلبا لرضاه و غضبا أن يعبد شى‏ء سواه، فأبشروا فكلّما كثر [بشركم‏] كان أخزى لهم و أعز لدينكم و ربّكم ليس يسلمكم، فألقوه بقلوب صادقة، جعلكم الله أولى بأسه الذى لا يردّ عن القوم المجرمين.

فالتحم القتال، و صبر المسلمون، و لم يكن للروم و البربر بقتالهم من طاقة، فولّوا هاربين، فقتلهم قتلا ذريعا، وفر جميع الروم عن المدينة، و قتلوا حيث أدركوا، و غنم المسلمون.

ثم رحل حتى دخل طنجة (1)، فلقيه رجل من الروم يقال له «البيان» و كان شريفا فى قومه، فأهدى إليه هدية حسنة، فلاطفه فنزل على حكمه، فسأله عن بحر الأندلس، فقال له: «إنه محفوظ لا يرام» «دلنى على حال البربر و الروم» فقال له: «قد تركت الروم خلفك، و ما قدّامك إلّا البربر و فرسانهم» قال له: «و أين موضعهم؟» قال: «فى السّوس الأدنى، و هم قوم ليس لهم دين و لم يدخلوا النصرّانية، يأكلون الميتة، و يشربون الدم من أنعامهم و هم أمثال البهائم، يكفرون بالله عز و جل و لا يعرفونه» (2) فقال عقبة ابن نافع لجنوده: «ارحلوا على بركة الله».

فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى و هو فى مغرب مدينة طنجة التى تسمى‏

____________

(1) بلد على ساحل المغرب مقابل الجزيرة الخضراء و هو البر الأعظم و بلاد البربر. قال ابن حوقل:

طنجة مدينة أزلية آثارها ظاهرة بناؤها بالحجارة قائمة على البحر.

(2) إضافة من العبر من ديوان المبتدأ- و الخبر.

44

«تارودانت» فانتهى إلى أوائلهم، فتلقوه فى عدة عظيمة، و قتلهم قتلا ذريعا، و هرب بقيتهم، و افترقت خيله فى طلبهم إلى كل موضع هربوا إليه من الأرض لا يزمّهم أحد و مضى كذلك حتى دخل السوس الأقصى، فاجتمع به البربر فى عدد لا يحصى فلقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا ما سمع أهل المغرب بمثله، و قتل منهم خلقا عظيما، و أصاب منهم نساء لم ير الناس فى الدنيا مثلهنّ، فقيل: إن الجارية منهنّ كانت تبلغ بالمشرق ألف [دينار و هربوا بين يديه ..] فخرجت العرب منها، و لم يكن لهم بقتاله طاقة، لعظيم ما اجتمع معه من البربر و الروم، و أسلموا القيروان و بقى بها أصحاب الذرارى و الأثقال فأرسلوا إلى كسيلة: يسألونه الأمان و أجابهم، و أقام كسيلة حتى نزل القيروان و أقام أميرا على إفريقية، و قد بقى من بقى من المسلمين تحت يده، فما زال على ذلك إلى أن ولى عبد الملك بن مروان فاشتدّ سلطان بنى أمية و عظم أمرهم، و اجتمع إليه أكابر المسلمين فسألوه فى قيروان إفريقية أن يخلصها و من فيها من المسلمين من يد كسيلة بن ليوم، و أن يرد بها الإسلام عزيزا كما كان، فقال لهم: «لا يصلح للطّلب بدم عقبة من المشركين و كفرة البربر إلّا من هو مثله فى دين الله» فأتفق رأيه على زهير بن قيس البلوى، و قالوا: «هو صاحب عقبة و اعرف الناس بسيرته و تدبيره، و أولاهم بطلب ثأره و كان زهير مقيما ببرقة مرابطا مع أهل من إفريقية، فوجّه إليه عبد الملك يأمره بالخروج على أعنة الخيل إلى إفريقية ليستنقذ القيروان و من فيها من المسلمين، و كتب له قيس بن زهير: يعرّفه بكثرة من اجتمع إلى كسيلة من البربر و الروم، و يستمّده الرجال و الأموال، فوجّه إليه وجوه أصل الشام.

ولاية زهير بن قيس البلوى‏

فلمّا حشد له وجوه الرّجال من العرب، و بعث إليه الأموال و تسرّع الناس معه، و وفّدت عليه الجنود، أقبل فى عسكر عظيم، يريد إفريقية، فلمّا دنا من مدينة القيروان، و ذلك فى سنة سبع و ستين و بلغ كسيلة بن ليوم الأوربى قدوم زهير عليه .. لا نهاية له، و كان كسيلة فى خلق عظيم من البربر و الروم، دعا أشرافهم و أكابرهم فشاورهم‏

45

و قال لهم: «إنى أردت أن أرحل إلى ممس‏ (1) فأنزلها، فإن هذه المدينة فيها خلق عظيم من المسلمين و لهم علينا عهد، فلا نغدر بهم و نحن نخاف إذا التحم القتال أن يثبوا علينا، و لكن ننزل ممس على ماء كثير يحمل عسكرنا، فإنّ معنا خلقا عظيما فإن هزمناهم دخلنا معهم إلى طرابلس و قطعنا دابرهم من الدنيا؛ تكون لنا إفريقية دارا إلى آخر الدهر، و إن هزمونا كان الجبل منا قريبا الشعراء [ه] فنرجو ألّا نهلك و لا يفقد منا إلّا قليل فوافقوه فرحل إلى ممس فنزلها.

و بلغ ذلك زهير فلم يدخل القيروان و نزل على باب سالم و أقام ثلاثة أيام حتى استراح و أراح من معه و زحف فى اليوم الرابع، و وقف على كسيلة و عسكره آخر النهار فأمر الناس بالنزول، فنزلوا و بات الناس على مصافّهم، و وقفت خيول القوم بعضهم إلى بعض طول الليل فلما اصبح صلى مغلّسا ثم زحف إليه. و أقبل كسيلة و من معه و التحموا فى القتال و نزل الصّبر و كثر القتل فى الفريقين، حتى يئس الناس من الحياة فلم يزالوا كذلك حتى انهزم كسيلة، و قتل بممس و لم يجاوزها.

و مضى النّاس فى طلب الروم و البربر، فلحقوا كثيرا منهم بمزرعة «ملمجنة» و ألحوا فيهم و جدّوا فى طلبهم، حتى سقوا خيلهم من الوادى المعروف بملوّية من المغرب، ففى تلك الواقعة هلك رجال الرّوم و المشركين من البربر و فرسانهم و أشرافهم، ففزع منه أهل إفريقية، و اشتد خوفهم، فلجأوا إلى الحصون و القلاع، ثم إنّ زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فخاف أن يقيم، و قال: «إنّى قدمت إلى الجهاد، و أخاف أن تميل بى الدنيا فأهلك، و لست أرضى بملكها و رغد عيشها». و كان من رؤساء العابدين و كبراء الزاهدين- رضى الله عنهم- فنزل القيروان و أقام بها كثير من اصحابه.

و رحل زهير قافلا إلى المشرق فى خلق عظيم، و قد كان بلغ الروم خروج زهير من برقة إلى إفريقية لقتال الرّوم، فأمكنهم ما يريدون فخرجوا إليها فى مراكب كثيرة، فأغاروا على‏

____________

(1) بالفتح و السكون و السين مهملة مقصورة قرية بالمغرب.

46

برقة و أصابوا منها سبيا، و من الأموال شيئا عظيما، و قتلوا و سبوا، و وافق ذلك قدوم زهير من إفريقية إلى برقة فأخبروه الخبر، فأمر العسكر أن يمضوا على الطريق، و أخذ على ساحل البحر فى عدة من أشراف الناس مجدين مبادرين، رجاء أن يدرك سبى المسلمين، فأشرف على الرّوم فرآهم فى خلق عظيم فلم يقدر على الرّجوع، و استغاث به المسلمون و صاحوا، و الروم يدخلونهم المراكب، فنادى بأصحابه: «النزول رحمكم الله!» فنزلوا، و كانوا رؤساء العابدين و أشراف العرب، فنزل إليهم الروم فتلقوهّم بعددّ عظيم، و التحم القتال و أعانوا بعضهم بعضا، و تكاثر عليهم الروم، فقتلوا زهيرا- (رحمه الله)- و من معه من المسلمين جميعا، فما أفلت منهم رجل، و أدخلت الروم الخيل و السلاح و السبى و ما أصابوه من برقة، و انقلبوا وافرين يريدون ملك القسطنطينية.

و مضى المسلمون إلى دمشق، فدخلوا على عبد الملك، فأخبروه أن أميرهم و أشراف رجالهم قد استشهدوا، فعظم ذلك عليه، و بلغ منه لفضله و دينه، و كانت مصيبته مثل مصيبة عقبة- رحمهم الله- على الناس، و اجتمع أشراف المسلمين، و سألوا عبد الملك بن مروان أن ينظر إلى إفريقية من يسد ثغرها، و يصلح أمرها. فقال لهم عبد الملك: «ما اعرف أحد كفؤا لإفريقية كحسّان بن النعمان الغسانىّ.

ولاية حسان بن النعمان الغسانى‏

[و جميع‏] من بإفريقية منها [- أى الكاهنة-] خائفون و البربر لها مطيعون، و إن قتلتها يئس البربر و الروم بعدها أن يكون لهم ملجأ حتى يلقوا بأيديهم فى يدك، فيدين لك الغرب كله، فلما سمع ذلك من أهل إفريقية توجه إليها يريدها، فلمّا كان موضعا قريبا من مجّانة، عرف أن الروم قد تحصّنوا بقلعتها فمضى و لم يعرض لها، و بلغ الكاهنة أمره، فرحلت من جبل أوراس بعدد لا يحصى فسبقته إلى مدينة باغاية، و أخرجت منها الرّوم، و هدمت حصنها، و ظنّت أن حسان إنما يريد حصنها يتحصّن فيه، و أقبل حسان حين بلغه الخبر فنزل بوادى مسكيانة، و رجعت الكاهنة إليه تريده و خرج حسّان حتى خرج بين‏

47

الفج و الشعراء و نزل على النهر الذى يسمى بلسان البربر «بلى» و رحلت الكاهنة حتى نزلت على هذا النهر، و كان هو يشرب من أعلي النهر و هى من أسفله، فلما دنا بعضهم من بعض و توافت الخيل، و ذلك آخر النهار، فأبى حسان أن يقاتلها إلا أول النّهار، فباتوا ليلتهم وقوفا على سروجهم فلما أصبحوا زحف بعضهم إلى بعض فالتقوا، فتقاتلوا قتالا شديدا و ما سمع قط، فعظم البلاء و ظن الناس أنه الفناء، فانهزم حسان بن النعمان و قتلت العرب قتلا ذريعا و أسرت من أصحابه ثمانين رجلا منهم خالد بن يزيد القيسى و كان رجلا شريفا مذكورا. فسمى ذلك الوادى «وادى العذارى» و سمى أيضا «نهر البلاء»، و بينه و بين باغاية ثمانية عشر ميلا، و أتبعته الكاهنة و من معها حتى خرج من عمل قابس، و أسلم إفريقية.

فكتب إلى عبد الملك: بما لقى المسلمون و حاوره، و أقام طمعا أن يلحق به من أفلت من أصحابه، فعاد إليه الجواب: أن يقيم حيث وصل إليه الجواب، و لا يبرح حتى يأتيه أمره، فلقيه الكتاب ... فبنى و أقام بالموضع الذى لقيه فيه الكتاب خمس سنين، فسمى ذلك المكان «قصور حسّان» إلى اليوم، ثم أنّ عبد الملك أعمل رأيه و استشار فيمن يخرجه إلى إفريقية ... فوجّه إليه عسكرا عظيما و مالا و سلاحا و قوة، و كانت الكاهنة حينئذ أ اسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان، فأرسلتهم، و أحسنت إليهم و حبست عندها يزيد بن خالد القيسى.

فلما انتهى إلى حسّان سألهم عن يزيد بن خالد، فأخبروه بسلامته، فسرّه ذلك، و أن الكاهنة قالت لخالد: «ما رأيت فى الرجال أجمل منك و لا أشجع! و أنا أريد أن أرضعك فتكون أخا لولدى، و كانت لها ولدان أحدهما «قويدر» و الآخر «يامين» فقال لها: و كيف يكون ذلك و قد ذهب الرضاع منك، فقالت: إنّا جماعة البربر لنا رضاع إذا فعلناه نتوارث به، فعمدت إلى دقيق الشعير، فلثته بزيت، و جعلته على ثدييها و دعت!!» و لديها و قالت لهما: «كولا معه على ثديى» و قالت لهم: إنكم قد صرتم أخوة ثم إن حسان توافت إليه فرسان العرب و رجالها، فدعا عند ذلك برجل يثق به و مناه و كتب معه إلى [ابنّ يزيد

48

و هو ... طوعا فى الإسلام، فلمّا أتى رسول حسان وقف بين يدى خالد فى زىّ سائل فلمّا رآه [ابن‏] يزيد علم أنه ... فكتب الله تعود إلى، فلمّا أن خلا أخذ منه الكتاب و قرأه و كتب فى ظهره: إنّ البربر متفرقون و لا يتحدون‏ (1) و إنما ابتلينا بأمر أراده الله عسى أن يكرم به من مضى منا بدرجة الشهادة (2) ...

حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تضرب صدرها، و تقول: «ويلكم مضى ملككم فيما يأكله الناس!» فافترقوا يمينا و شمالا يطلبون الرجّل، فستره الله تعالى حتى وصل إلى حسان فكسر الخبزة فأصاب الكتاب الذى كتبه [ابن‏] يزيد قد أفسدته النار ... فقال له حسان: «راجع إليه» قال: «إنى أخاف الموت فإن الكاهنة لا يخفى عليها شى‏ء من هذا قال [حسان‏]: أنا اخفيه لك فى مكان لا يجده أحد ثم عمد إلى قربوس سرجه، فنقر فيه، و أدخل الكتاب و سدّ عليه بشمع، و مضى الرجل حتى أتى [ابن‏] يزيد، فدخل إليه و عرفه أن الأول أحرقته النار فردّ جوابه و وضعه فى قربوس سرجه و مضى، فخرجت الكاهنة ناشرة شعرها و هى تنادى: «ذهب ملككم فى شى‏ء من نبات الأرض و هو بين فرجين» و كانت الكاهنة قد ملكت إفريقية خمس سنين منذ هزمت حسان، فلما أبطأ العرب عنها قالت للبربر: «إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن و الذهب و الفضة، و نحن إنّما نطلب منها المزارع و المراعى، فما نرى لكم إلّا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها، و يقل طمعهم فيها» فوجهت قوما إلى ناحية يقطعون الشجر، و يهدمون الحصون.

قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: (3) فكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلا و قرى متصلة فأخربت جميع ذلك، و رحل حسان إليها فلقيه من النّصارى فى طريقه‏

____________

(1) إضافة من المطبوع.

(2) بياض فى الأصل.

(3) انظر ترجمته فى: معالم الإيمان 1/ 289، الدرة المضيئة فى أخبار الدولة الفاطمية 24، الحلل السندسية ج 1 ق 3/ 731، ترتيب المدراك 1/ 316، رياض النفوس 1/ 144، المؤنس فى أخبار إفريقيا و تونس 49.

49

ثلاثمائة رجل يستغيثون إليه من الكاهنة فيما نزل بهم من خراب و مضى حتى وصل إلى قابس، فخرج إليه أهلها و كانوا قبل ذلك يتحصّنون من كل أمير مرّ بهم، فاستأمنوا إليه و أدخلوا عامله فأمنّهم على مال معلوم. فاستطال طريق القيروان فمال إلى طريق قفصة و قصطيلية و نفزاوة، و بعثوا إليه أيضا يستغيثون به من أمر الكاهنة فسرّه ذلك و بلغ الكاهنة قدومه فرحلت من جبل أوراس تريده فى خلق عظيم [فرحل إليها فلما كانت‏] بالليل قالت لابنيها: «إنى مقتولة، و أرى رأسى ... أذنابها إلى المشرق من حيث تأتينا الشمس [تركض به الدواب مقطوعا] بين يدى ملك العرب الأعظم الذى بعث هذا الرجل»، و قال لها [ابن‏] يزيد: «فإذا كان هذا فارحلى بنا و خلّى عن البلاد» و قال لها أولادها مثل ذلك، قالت: «كيف أرحل و أفّر، و أنا ملكة و الملوك لا تفر من الموت، فأقلّد قومى عارا آخر الدّهر» فقالوا لها: «فما الذى تخافين على قومك؟» قالت: «إذا أنا متّ فلا أبقى الله منهم أحدا على الدنيا» فقال لها [ابن‏] يزيد و أولادها: «ما نحن صانعون؟!» فقالت: «أما أنت يا ابن يزيد فسوف تدرك ملكا عظيما عند ملك العرب الأعظم، و أما أولادى فسوف يدركون سلطانا مع هذا الرجل الذى يقتلنى و يعقدون للبربر عزا»، ثم قالت: «اركبوا و استأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد و أولادها فى الليل و توجهوا إلى حسّان، فأخبره [ابن‏] يزيد بقولها «أنا مقتولة» و قال له: قد وجهت إليك بابنيها، فأمر بهما فأدخلا العسكر، و أمر بحفظهما، و قدم [ابن‏] يزيد على أعنّة الخيل، و خرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت: «انظروا ماذا دهمكم و اعملوا لأنفسكم، فإنى مقتولة!» و التحم القتال، و اشتد الحرب، و استحر القتل فى الفريقين حتى ظنّ الناس أنه الفناء، فانهزمت الكاهنة و اتبعها حسان حتى قتلها، و نزل فى الموضع [الذى قتلت فيه و هو] بئرها و عليه بقى رأسها، فسمى الناس هذا [البئر بئر الكاهنة] إلى اليوم.

و كانت مع حسان جماعة من البربر ... فى ولدى الكاهنة و قرّبه و أكرمه، ثم إن البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم ألا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثنى عشر ألفا، يكونون مع العرب مجاهدين فأجابوه و أسلموا على يديه، فعقد لوائين لولدى الكاهنة، لكل واحد

50

منهما على ستة آلاف فارس، و أخرجهم مع العرب يجولون فى إفريقية يقاتلون الروم و من كفر من البربر، و حسن إسلام البربر و طاعتهم، و انصرف حسان إلى مدينة القيروان، و ذلك فى رمضان سنة أربع و سبعين، و دانت له إفريقية، فدوّن الدواوين و صالح من ألقى بيده على الخراج، و كتب الخراج على عجم إفريقية، و على من أقام معهم على النصرانية من البربر و الروم، و أقام حسان بعد قتل الكاهنة، و قد استقامت له إفريقية فلا يغزوا أحدا و لا ينازعه أحد.

موت عبد الملك بن مروان‏ (1)

و مات عبد الملك بن مروان سنة ست و ثمانين، و ولى بعده ابنه الوليد بن عبد الملك، [و كان الروم‏] أغاروا على مرسى رادس، فقتلوا من بها و سبوا و غنيموا، ..

الوليد بن عبد الملك يعرفّه بذلك، و بعث إليه منها أربعين رجلا من أشراف العرب، و أقام حسان بن نعمان فى رادس مرابطا حتى يأتيه أمر الوليد، و كتب علماء المشرق إلى أهل إفريقية: «من رابط عنا يوما برادس حججنا عنه حجة، و عظم قدر رادس عند العلماء و فضلها». فلما ورد الخبر إلى الوليد بن عبد الملك بعث إلى عمه عبد العزيز بن مروان و هو على مصر و إفريقية، و أمره أن يتوجه ألف قبطىّ، و ألف قبطية، و يحملهم إلى إفريقية، و أمره أن يخرق البحر إلى تونس، و أن يجعل بها دار صناعة، و أن يعمل المركب و يستكثر منها، و يجاهد الروم فى البر و البحر، و أن يغير على سواحل الروم و يشغلهم عن بلاد الإسلام، ثم عزل عبد العزيز بن مروان حسان بن النعمان، و أمره بالقدوم عليه و بعث إليه أربعين رجلا من أشراف أصحابه، و أمرهم أن يحفظوا جميع ما معه. فعلم حسان ما يراد به فعمد إلى الجوهر و الذهب و الفضة فجعله فى قرب الماء، و طرحه فى العسكر و أظهر ما وراء ذلك، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز بن مروان أهدى إليه مائتى جارية من‏

____________

(1) و هو أبو الخلفاء الأمويين لأن كل أولاده تقلدوا منصب الخلافة الأموية.

51

خيار ما معه، و كان معه من السبى خمسة و ثلاثين ألف رأس مما لم يدخل فيهم وصفاء و وصائف ما رأى الراؤون مثلهم قط، فتخير ما أحب و أخذ منه خيلا كثيرة، و رحل حسان بمن معه من السبى و الجمال و الأنعام، حتى قدم على الوليد بن عبد الملك، فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز، فغضب الوليد لذلك و أنكره فقال حسان لمن معه: «ائتونى بالقرب فأتى بها، ففرغت بين يدى الوليد مما فيها من الجواهر، و الذهب و الفضة» فاستعظمه و أبهته فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنّما خرجت مجاهدا فى سبيل الله، و ليس مثلى خان الله و لا الخليفة» فقال له الوليد: «أردّك إلى عملك و أحسن إليك» فحلف حسان: أنه لاولى لبنى أمية ولاية أبدا. فلما رأى ذلك الوليد غضب على عبد العزيز. و كان يسمى حسان الشيخ الأمين‏

ولاية موسى بن نصير (1)

و كتب الوليد بن عبد الملك- (رحمه الله)- إلى عبد العزيز بن مروان يأمره أن يوجه إلى إفريقية موسى بن نصير من قبل الوليد و قطع إفريقية عن عبد العزيز. فقدمها موسى فوجد أكثر مدنها خالية باختلاف أيدى البربر عليها، فكان ينقل العجم من الأقاصى إلى ... قال إن كنيسة كانت بشقبّنارية كان فيها عجب ... منها مرآة فى سلطان الروم، فإذا اتهم الرجل امرأته ... المرأة فرأى المبتلى بالمرأة، و كانت البربر قد تنصرت، فكان رجل بربرى قد أظهر اجتهادا فى النصرانية حتى صار شمّاسا، و اتهم رجل امرأته فنظر فى المرآة، فإذا هو بوجه البربرى الشماس، فدعا به الملك فقطع أنفه و طرده من الكنيسة، فلما رأى ذلك قومه طرقوا المرآة فكسروها، و أرسل الملك إلى حيّهم فاستباحه و خرج موسى من‏

____________

(1) هو القائد التابعى المعروف عبد الرحمن موسى بن نصير اللخمى ولد سنة 19 ه و توفى سنة 98 ه و كان أبوه نصير من كبار حرس معاوية بن أبى سفيان، و تولى موسى حكم المغرب مكان حسان سنة 86 ه على عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموى، و كانت سياسته متممة للسياسة التى بدأها أبو المهاجر دينار.

52

إفريقية غازيا إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا من المغرب خوفا من العرب، فتبعهم و قتلهم قتلا فاحشا، و سبى منهم سبيا كثيرا، حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد، فلما رأى البربر ما حلّ بهم استأمنوا و أدوا الطاعة، فقبل منهم و ولىّ عليهم واليا، ثم استعمل موسى بن نصير على طنجة طارق بن زياد مولاه، و تركه بها فى سبعة و عشرين رجلا من العرب، و اثنى عشر ألف فارس و هى العدة التى جعلها عليهم حسان بن النعمان و كانوا قد دخلوا الإسلام، و حسن إسلامهم، فتركهم موسى و انصرف بعسكره من العرب خاصة و كان فى خلق عظيم، و أمر العرب السبعة و العشرين الذين ترك عند طارق بن زياد أن يعلّموا البربر القرآن و أن يفقهوهم فى الدين.

ثم مضى إلى إفريقية فمر بقلعة مجّانة و انحصر صاحبها منه، فرأى موسى بن نصير فلم يعرض له، فلما نزل القيروان دعا بسر بن أرطاة (1) فعقد على أعنة الخيل، و أمره أن يمضى إلى صاحب قلعة مجّانة. فلما أناخ عليهم عظم عليهم أمر القتال، و نظر الروم من العرب صبرا لم ير مثله قط، فملأهم ذلك رعبا، فألقوا بأيديهم فدخلها، فقتل المقاتلة و سبى الذرية و غنم منها أموالا كثيرة، فكانت تسمى باسمه «قلعة بشر» لا تعرف إلّا به، لأنه هو الذى افتتحها، فأصاب عددا من ولائد و وصفاء و ذهبا و فضة، فخمس ذلك و بعث بالخمس إلى موسى بن نصير، و بعث موسى الخمس إلى الوليد فكانت قيمة ذلك الخمس عشرين ألف دينار.

قال: و تحامل أصحاب طارق بن زياد، عامل موسى بن نصير بطنجة على أهل البلد، و أساءوا إليهم و جاروا عليهم فكتبوا إلى أهل الأندلس يعرّفونهم بما يلقونه من جهة البربر و سوء سيرتهم، فكان طارق يوما بطنجة إذ طلعت مراكب، فأكمن لها المسلمون، فلما أرست خرجوا إليها، و أنزلوا أهلها، فقال أهلها: «إنّا إليكم جئنا عامدين فإذا هم‏

____________

(1) و هو بسر بن أرطاة بن أبى أرطاة القرشى، و قيل بشر و هو أحد قواد معاوية و أكابر أصحابه، غزا طرابلس مع عمرو بن العاصى، فبعثه إلى ودان فافتتحها و فرض على أهلها ثلاثمائة و ستين رأسا، ثم خرج مع عقبة بن نافع غازيا، و افتتح قلعة من القيروان على ثلاثة أيام، فعرفت بقلعة بشر اليوم.

53

يعظمون غلاما حدثا منهم، يقال له «أليان»، فقال له طارق: «ما جاء بك؟» فقال «أنا ابن ملك الأندلس و ليس بينك و بينها إلا هذا ... إلى جبالها يريه إياها. قال له طارق: «ما جاء بك؟»، قال له: «إنّ أبى مات و وثب على مملكتنا بطريق يقال له «لذريق»، و بلغنى أمركم و جئت إليكم أدعوكم إليها، و أكون دليلكم عليها»

و مع طارق اثنى عشر ألفا من البربر، فعزم طارق على غزو الأندلس و استنفر البربر فجعل أليان يحمل البربر فى مراكب التجّار التى تختلف إلى الأندلس، و لا يشعر بهم أهل الأندلس، و لا يظنون إلا أنها تختلف بمثل ما كانت تختلف به من منافعهم و معايشهم و متاجرهم، فجعل ينقلهم فوجا فوجا إلى ساحل الأندلس، و قد تقدم أليان إلى أصحاب المراكب أن لا يعلموا بهم، و قال لقومه: «إنى توثّقت لكم، فاعلموا أنها دولة العرب، و هم يملكون الأندلس»، و دعاهم إلى أن يأخذوا نصيبهم منها، فأعجبهم ذلك و رغبوا فيه، و كتب لهم طارق بالأمان على أنفسهم، و ذراريهم و أموالهم فلما لم يبق لهم إلّا لوح واحد ركب طارق، و من بقى معه، فجاز إلى أصحابه، فنزل بهم جبلا من جبال الأندلس حريزا منيعا، فسمى ذلك الجبل من يومئذ «جبل طارق» فلا يعلم إلّا به.

و موسى بن نصير بإفريقية لا يعلم شيئا من هذا، فلمّا بلغ ملوك الأندلس خبره نفروا إلى الملك الأعظم، و هو لذريق و كان طاغيا فى جموع عظيمة على دين النصرانية، و زحف إلى طارق فى عدة عظيمة و عاد بسرير من ذهب مكلّل بالدرّ و الياقوت فشد السرير على ...، و حفّت به الرجال، و قعد لذريق على سريره، و على رأسه تاج و عليه قفّازان مكلّلان بالدرّ و الياقوت و جميع الحلية التى يلبسها الملوك قبله، فلما انتهى إلى الجبل الذى فيه طارق، خرج إليه طارق و جميع أصحابه رجّالة ليس فيهم راكب، فشمروا للموت فقال لرجاله: «ليس هم أحق بالموت منكم، قد دخلوا عليكم بلادكم!» و نادى بالنزول فنزل العسكر ... فمشى بعضهم إلى بعض بالسلاح، فاقتتلوا قتالا شديدا، فوقع الصبر حتى ظنّ الناس أنه الفناء، و تواخذوا بالأيدى و ضرب الله عز و جلّ‏

54

وجوه أعدائه، فانهزموا و أدرك لذريق فقتل بوادى الطين، و ركب آثارهم و كان الجبل وعرا فكان البربر أسرع منهم على أقدامهم، فسبقوهم إلى خيلهم فركبوا خيولهم البربر، و وضعوا فيهم السيف و أبادوهم و لم يرفعوا عنهم السيف ثلاثة أيام و لياليها، فمكث جيفهم دهرا و بقيت عظامهم إلى حديث من الزمان. و أمر طارق فرسان المسلمين أن يسبقوهم إلى قرطبة، فأتوها و قد وقف المسلمون حولها فقتلوهم، فكانت قرطبة مدينة لذريق ... ثغر الأندلس.

و دخل طارق قرطبة فأصاب فيها من الدّر و الياقوت و الذهب و الفضة ما لم يجتمع مثله قط و أصاب من الحرير ... و النساء و الذرارى ما لا يحصى و لا يعد، فكانت جملة السبى عشرة آلاف رأس و ذلك سنة اثنين و تسعين.

و بلغ موسى بن نصير أن طارق بن زياد فتح الأندلس و دخلها فخاف أن يحظى بذلك عند الخليفة، فغضب غضبا شديدا، و كتب إليه يعنّفه: إذ دخلها بغير أمره، و أمره أن لا يجاوز قرطبة، و أمر موسى الناس بالرحيل و رحل معه وجوه العرب، و كان مخرجه فى رجب سنة ثلاث و تسعين، و استخلف على القيروان ابنه عبد الله بن موسى، و كان أسنّ ولده، و سار حتى إذا كان بطنجة عبر البحر منها إلى الخضراء، و هى على مجاز الأندلس، فكره طارق أن يخرج إليه من المدينة لكثرة العدو فوجّه إليه بالخفّ، و الحافر و الهدايا و الجوارى و غير ذلك.

و لما كان موسى بن نصير بطنجة قبل جوازه مال عياض بن عقبة إلى قلعة يقال لها «سقيوما» و كان فيها بقية قتلة عقبة، و مال معه سليمان بن أبى المهاجر، و سألا موسى أن يميل معهما فكره ذلك و قال: «هؤلاء قوم فى الطاعة» فأغلظا لهم الكلام حتى يرجع فقاتل أهل سقيوما قتالا شديدا حتى أخذوا لواء من ألوية العرب، فكانوا يقاتلونهم به حتى تسور عليهم عياض بن عقبة من خلفهم فى قلعتهم، فانهزم البربر و اشتد القتل عليهم ... التى دخل عليهم منها عياض، فمات القوم و بادرهم ... إلى اليوم. و ذكر