تاريخ طبق الحلوي وصحاف المن والسلوي المعروف بتاريخ اليمن‏

- عبد الله بن علي الوزير المزيد...
421 /
7

كلمة المركز

بسم اللّه الرحمن الرحيم

لقد دأب مركز الدراسات و البحوث اليمنى على الإهتمام بالتراث كمبدأ استراتيجي و هدف من أهدافه و لهذا قام بتحقيق و طبع عدة كتب من ضمنها هذا الكتاب الذي سماه المؤلف (طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى) و هو حلقة من سلسلة تاريخ اليمن و قد سلك المؤلف في تأليف هذا الكتاب مسلك كثير ممن جعلوا كتابة التاريخ كتسجيل المذكرات فهو يرصد الأحداث يوما بيوم و لحظة بلحظة كما أنها لا تفوته حتى الظواهر الطبيعة من كسوف الشمس و خسوف القمر و حدوث الزلازل و الإنهيارات الأرضية، و قد التزم السجع في إسلوبه ككثير ممن جعلوا السجع شرطا لحسن الأداء و دليلا على المقدرة اللغوية، و لقد كلفه هذا الأسلوب جهدا كبيرا لا سيما عندما يورد كلمة قاموسية قد قل استعمالها بل كاد بعضها أن يختفي تماما.

كما كان يستطرد في سياق الكلام بما يعد خروجا عن موضوع البحث و قد أبقى المحقق على كل ما جاء في الكتاب عملا بأمانة النقل حتى الإيماءات الخرافية و الإشارات الغيبية لم يخول المحقق لنفسه حق الحذف أو الإعتراض اعتمادا على أن القارى‏ء سيفرز بنفسه ما هو منطقي و ما هو مناف للمنطق فضلا عن أن ذلك يتنافى مع أصول التحقيق العلمي و في الكتاب أشياء تهم الباحثين‏

8

و تلفت النظر، و تدعو إلى التأمل حيث يجد القارى‏ء صفحات من المآسي الدامية، و الحروب المتكررة و التهافت على امتلاك ناصية الحكم بأي وسيلة فما يكاد يموت خليفة أو سلطان أو ملك حتى يقوم بالدعوة لنفسه عدد ممن لهم طموح إلى الإمارة أو طمع في السيطرة للإستيلاء على السلطة، و من هنا تحدث الحروب و تتعرض البلاد للخراب و الدمار، و يقتتل الناس في سبيل وصول الطامحين إلى الحكم، و سيجد القارى‏ء في ثنايا هذا الكتاب حوادث مؤسفة أهدرت الأموال، و أهرقت الدماء، و أحرقت الزرع، و خربت العمران، و قد شاءت الأقدار أن تتزامن هذه المحنة مع ظهور الطلائع الإستعمارية التي غزت بعض شواطى‏ء البحر الأحمر و الخليج العربي مما دعا الدولة العثمانية يومئذ إلى التدخل لمطاردة الغزاة و البدء في التدخل المباشر لحماية البلاد الإسلامية من أطماع المستعمرين إنها فترة حرجة مرت باليمن منذ بداية القرن التاسع إلى نهاية القرن الحادي عشر الهجري، فقد شهدت اليمن وقائع و معارك في كل مكان فما تكاد تهدأ في منطقة حتى تثور في منطقة أخرى و مع ذلك بقيت المدارس العلمية عامرة بطلاب العلم، و أهمها المساجد، و الدواوين الخاصة، كما كان للأدب وجود في المراسلات و المطارحات الشعرية و الجدل المذهبي، و الصراع الفكري.

و الخلاصة أن هذا الكتاب يحتوي على ملاحظات فيها الحلو و المر، و السلم و الحرب، و العلم و الجهل و الخصب و الجدب، و السرور و الحزن، و كذلك تاريخ اليمن منذ الغزو الحبشي الأول إلى الحاق صنعاء بالمدينة و دمشق و بغداد و القاهرة، و بقائها تابعة لتلك العواصم، حيث لم تنعم بالهدوء و الإستقرار إلا في فترات يسيرة و الملفت للنظر هو توحد اليمن شمالا و جنوبا في تلك الفترات مما يدعو إلى التفاؤل بعودة الوحدة بين الشطرين و بأن ذلك منطق الحقيقة و التاريخ و بأن الشعب اليمني في الشطرين لم يفترق إلا إذا فرض عليه التفرق و الإنقسام ..

مركز الدراسات و البحوث اليمني‏

9

تصدير .. و ملاحظات‏

في غياب التراث تنقطع الآصرة بين الحاضر و الماضي، و بذلك يصبح المجتمع المفصول عن ماضيه في هذه القرية التي كنا نراها قبل اليوم أرضا شاسعة لا حدود لها، نهبا للتيارات القوية في بقعة صغيرة من الكون، خاصة عندما يكون ذلك المجتمع مغرقا في تخلفه و أميته. لذلك يصبح نشر التراث ضرورة قائمة و ملحة، غير أن مشكلة التخلف و الأمية لا تلبث أن تطرح أسئلة يتوجب علينا وضعها في الاعتبار و قبل الاقدام على تلبية حاجة هذا النوع من المجتمعات للاتصال بتراثه، و من هذه الأسئلة تمثيلا لا حصرا:

أي موضوع من مواضيع التراث يحتاجه مجتمع متخلف في مكان و زمان محدد؟

إلى أي مدى يمكن أن يستفيد ذلك المجتمع من هذا الموضوع و إلى أي مدى يمكن أن يفيد إعداده؟

هل يتمتع كاتب التراث بالحد الأدنى من النزاهة الفكرية و الشخصية و هل يتسلح بالقدر اللازم من المنهجية العلمية؟

لماذا نختار هذا الموضوع بالذات و الآن؟

من الطبيعي أن لا تكون هذه الأسئلة و غيرها و إرادة في مجتمع يستقر في عقله الشك «الديكارتي» جيلا بعد جيل و يشاركه السكنى و مؤسسات التعليم و الثقافة و الاعلام و الرياضة و الترفيه، و لا في مجتمع تحل في أرجائه تجريبية

10

«فرانسيس بيكون» أو مادية «كارل ماركس» أو نفعية «وليم جيمس» لأن مؤسسات كل مجتمع من هذه تغربل- متحدة- موروثاتها و مواريث سواها الوافدة أو المنهوبة، و تكرسها لخدمة أهدافها و مصالحها في مناخ من التواصل ليست الأمية على الأقل إحدى معوقاته.

و الأمر يختلف أشد الاختلاف في مجتمعات و أدت ابن الهيثم و ابن رشد في زمن مضى و أصبح الفرد فيها عاجزا عن قراءة رسالة يتلقاها اليوم من أخيه أو ابنه أو والده في مواطن الغربة. كذلك فإنه منذ اللحظة التي أنكرت فيها مجتمعاتنا العربية الاسلامية لغة العقل و منطق العلم فإن أجزاء مهمة من تراثنا بجوانبه المختلفة قد تسلسل عن صراعات اختلط فيها كل شي‏ء و تماهى و لم يبق منها صارخ إلا عصبية العشيرة و القبيلة و السلالة و المذهب و غلو في التشبث بأفضلية حضارات قديمة اندمجت في حضارتنا الراهنة، و غلو في اهدار أية قيمة لأخواتها من الحضارات، و المغالي في الأولى هو نفسه الذي يغالي في الثانية متجاهلا أن صاحبه في الموقع الآخر يسلك نفس الطريق.

و هكذا فإن تلك الأجزاء من تراثنا العربي الاسلامي في غياب العقل و العلم تعبر أكثر ما تعبر عن أفعال خاطئة تستدعي ردود أفعال من جنسها و تدور كلها هذه و تلك في حلقة مفرغة. هكذا نقرأ في بعض التراث الأدبي تفاخرا و مديحا و هجاء يصب في القوالب التعصبية و لو بقي للعقل و العلم دور في حياتنا لأغمضنا أعيننا عن هذا الجانب العاطفي من تراثنا بكل نوازعه الجاهلية، إلا أن المأساة امتدت الى كتابة التاريخ فأن يختار كاتب تراثي لنتائج ما توصلت إليه أبحاثه في الكيمياء عنوانا يعبر عن موضوعه بلغة عصره مثل. «خلاصة القول في تحليل البول» شي‏ء مقبول و معقول، أما أن يضع مؤرخ تراثي لمشاهداته المختلطة بقناعاته الشخصية و معارفه المشوشة عنوانا كهذا: «طبق الحلوى و صحائف المن و السلوى» فإنه إذ يغريك بوضع الغطاء اللذيذ على الطبق كفاتح شهية؛ لالتهام محتوياته فإنك لا تلبث أن تفقد شهيتك بمجرد التعرف على محتويات الطبق فالعنوان في واد و الموضوع في واد

11

آخر، لكن الكاتب لا يلام على فعله بمقاييس الحاضر. و لا بد أن نشعر بالامتنان و الغبطة لما فعل فلا أقل من انه قد ترك لنا صورة حقيقية 1% و شبه حقيقية عن رؤيته لذلك العصر من خلال موقعه في الظرف الاجتماعي و التاريخي الذي عاش فيه، فهو خير ممن لم يفعل شيئا و قد يكون من المفيد ان نلقي بعض الضوء على زوايا تلك الرؤية فهي رؤية من داخل السلطة و من نظام لا علاقة له بالمفاهيم الحديثة لنظام الحكم. ذلك أن الحكم الإمامي الذي عاصره الكاتب كان نظاما يعتمد المذهب الزيدي كنظرية للحكم و يرتب على ذلك بحيث تكون قمة و بعض دعائم الحكم الرئيسية من السلالة الهاشمية دون مبالاة بالخروج على أصول المذهب. و قد كان الكاتب نفسه قطب من أقطاب النظام‏ (1) فإذا علمنا أن المذهب الزيدي لم يكن مذهب أهل اليمن جميعهم و أنه كان مجرد قطرة في بحر متلاطم من المذاهب في المحيط العربي الاسلامي فإننا نكون قد كشفنا وجه التعصب في رؤية الكاتب من هذه الزاوية، و إن كنا نبرى‏ء المذهب ذاته من التعصب و سنحس بعصبية الكاتب المذهبية حين نصل الى تقييمه للمذاهب الأخرى ابتداء من آرائه في ابتذال أهل السنة الأتراك الى امتعاضه من انتصار الاباضية العمانية على المستعمرين البرتغال و صعودا من التعصب الى حد إنكار يمنية قبيلة الحدا العريقة في يمنيتها و محاولة تنسيبها الى سلالات مصرية الأصل لأنها حاولت الخروج على النظام و وصف توسع السلطة في البلاد بالفتح على اعتبار أن الخارجين على السلطة من القوم الكافرين حتى لو كانوا زيودا.

أما ما بثه الكاتب من آراء و ما صوره من رؤى- في سياق سرده للأحداث- تتصل بالخوارق و المعجزات فهي و إن تكن قد أسلمت للخيال‏

____________

(1) عادة ما يذهب البعض الى تعميم موقف شخص أو بضعة أشخاص إما سلبا خالصا أو إيجابا خالصا على المحيط الذين ينتمون إليه في زمن محدد، و الأجيال التي تنحدر من ذلك المحيط سواء كان أسريا أو عشائريا أو قبليا أو غيره، و في ذلك خروج واضح ليس على الأمانة العلمية فحسب بل على الأمانة بمفهومها الأخلاقي. لذلك لزم التنبيه.

12

عنانها الى درجة ربط بعض الظواهر الطبيعية بها، فإنها في الحقيقة تعطينا فكرة لا بأس بها عن أمور لا يزال لها امتدادها في مجتمعاتنا العربية الاسلامية عموما و مجتمعنا اليمني بوجه خاص، و هي ليست بدعا في تأريخنا و حياتنا بالتأكيد ذلك أننا نجدها في التراث الأوروبي بدءا من الأساطير الاغريقية و حتى راسبوتين و انحلال الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس. و إذا كانت قد أصبحت اليوم مجرد ظواهر إنسانية تخضع للدراسة تحت مجهر العلم الحديث في عالم المتقدمين المادي فإنها تبقى بفعاليتها و مظاهرها عندنا جزءا لا ينفصم من التكوين الروحي لمجتمعاتنا. و نحن إذ نعجز عن تحديد ماهيتها بالعلم فإننا لا يجب أن ننكر بالجهل وجودها و لكننا يجب أن نتنبه و نحن نمر على سطورها في هذا الكتاب أو في غيره الى الكيفية التي يكرس بها الكاتب تلك الحوادث لخدمة وجهته السياسية فما دامت الأحداث خارقة و تحتمل التصديق و عكسه فإنه من غير المستبعد أن ينتحل الكاتب تدعيما لأفكاره أحداثا خارقة و رؤى معجزة لم تحدث أصلا في الواقع.

هكذا تبرز مسألة نشر التراث التاريخي كمشكلة عويصة سواء بالنسبة للمحقق أو الناشر المسؤول. فالأمانة العلمية تقتضي من الطرفين أن يقدما الموضوع التراثي للقارى‏ء كما تركه مؤلفه بغثه و سمينه، لكن ما يبدو على هذا المستوى النظري لنا بديهيا لا يلبث أن يصطدم بحقائق الواقع المر.

و أمام هذا المخطوط الذي يقدمه مركز الدراسات و البحوث اليمني للقارى‏ء لأول مرة، لا بد أن نتوقف قليلا لنتفحص المشكلة و نقلبها على وجوهها المختلفة.

فالمخطوط يؤرخ لفترة زمنية مداها أربعة و أربعين عاما (1046- 1090 ه) و هي الفترة التي أعقبت استقلال اليمن من السيطرة العثمانية الأولى. و قد استحوذ على اهتمام المحقق فيه أنه يتناول «فترة من فترات التاريخ اليمني لم يتناولها الباحثون و الدارسون بصورة وافية».

13

و بالرغم من أن تحقيق الكتاب يعتبر باكورة انتاج شاب مجتهد فتي هو «محمد عبد الرحيم جازم» فإن اهتمامه بتحقيق العمل لم يحل بينه و بين التمسك بالأمانة العلمية. لذلك نراه يشمل في مقدمته للكتاب ملاحظاته على مضمون المخطوط و منهجه و تصرفه بالحذف لبعض أبحاثه ملمحا إلى بواعثه في ذلك، كما أضاف تعليقاته كهوامش على الصفحات في بعض المسائل التي طرحها المؤلف.

و لقد يكون الإيجاز كافيا في بعض الأمور لكن التفصيل ضروري في القضايا الرئيسية. و من هنا فلا بد من إصاءة الخلفية السياسية التي نشأ عنها الأثر.

من المعلوم أنه قد تعاقب حكم الأئمة على اليمن قرونا طويلة. و انحصرت الإمامة بالوراثة في أسرة واحدة أكثر من ثلاثة قرون (1006- 1373 ه) و اتكأت هذه الأسرة في حكمها الطويل لليمن نظريا على قاعدتين العدنانية:

(كعرق) و الزيدية: (كمذهب)، غير أن مسألة السلالية ينفيها احتكار أسرة واحدة من السلالة لحكم اليمن و اصطدامها الدامي بالمناهضين لها من نفس السلالة بل من نفس الأسرة أيضا. و ثانيا: حياة الغالبية العظمى من هذه السلالة كسائر المحكومين من أبناء اليمن مع بعض الاستثناءات الطفيفة الناشئة عن حب اليمنيين لرسول الدعوة عليه الصلاة و السلام و تجسيد حبهم له في (آل بيته) و فيما عدا ذلك فإنهم يرونهم أخوة لهم في السراء و الضراء و شركاء فعالين في مقاومة النظام الظالم بغض النظر عن انتمائه الى السلالية أو المذهبية.

و ثالثا: إن البطانة التي كان يتخذها نظام الإمامة لم تكن محصورة في السلالة بل إن مستوى التحصيل الفقهي و مدى النفوذ العشائري كان هو المقياس المعمول به في اختيار البطانة.

و رابعا: فإن واجهات مقاومة نظام الوراثة كانت تتكون و تنمو في بطانة الحكم ثم تنشق عليه- أما المذهب الزيدي و هو القاعدة الثانية للحكم فإنه قد مسخ بالتدريج ابتداء من ترسيخ نظام الوراثة و انتهاء بمسخه الى نظرية

14

مفتوحة تملؤها مقتضيات حكم الوراثيين و امزجتهم الشخصية و تقلبات أهوائهم حتى انهم لم يكتفوا بادعاء تمثيلهم للمذهب الذي نشأ في أحضان العقلانية المعتزلة بعد أن قضوا أهوائهم عليه، بل تمادوا الى حد الادعاء بأن أقوالهم و أفعالهم و مظالمهم و حي يوحى. لذلك فكل الناس عندهم من غير المؤمنين ايمانا أعمى بنظامهم طغاة و كفرة الى الحد الذي سوغوا فيه لأنفسهم فرض الجزية على سكان اليمن من أهل السنة، و إشاعة الموروث المعادي للدعوة الاسماعيلية الذي يتلخص في قولهم أنها تبيح العرض و المال و الدم و أن الداعي أباح البنات و الأمهات و الصبيان أيضا فمن يستطيع أن يتصور أن أي شعب- فضلا عن الشعب اليمني- يمكن أن يتوحد في ظل دعوة كهذه الآن أو بعد ألف قرن. إن الحكام الذين ركبوا ظهر المذهب الزيدي قد أسسوه تأسيسا سياسيا و اقتصاديا و جغرافيا يثير الريبة في صفته المذهبية، و ذلك أننا لا نرى إلا نطاقين جغرافيين متجاورين و محددين بالمذهبين الرئيسيين:

الزيدي و الشافعي على النحو الذي توضع به الحدود السياسية بين دولتين مستقلتين و هو أمر واضح الغرابة.

و قد يكون من الطريف أن نذكر- على سبيل التدليل- أن اليمنيين اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم- بهذا المنطق الجغرافي الذي ترسخ عبر الحقب- زيودا في النطاق الجغرافي الزيدى، و شوافع في النطاق الجغرافي الشافعي.

و على هذا الأساس اللاديني و اللامذهبي فقد أرغم النظام الامامي في أواخر عهوده قبائل البيئات الطبيعية المجدبة التي أصبحت تحت نفوذه في النظام الجغرافي الزيدي على تجنيد أبنائها القانعين بما قسم اللّه لهم في مناطقهم من الحرمان و شظف العيش، و كون من هؤلاء البؤساء ما أسماه بالجيش النظامي ليمد به نفوذه الى المناطق الخصبة في النطاقين الجغرافيين الذين كرس فيهما الصفة المذهبية، و هو لم يستطع أن يمد نفوذه الى القبائل الزيدية قبل ذلك- و في أحوال كثيرة- إلا بإذكاء الصراعات بينها حتى يبلغ بها الانهاك منتهاه و ليس بتعليمها المذهب. و مع ذلك فقد اكتسب ما سمي بالجيش النظامي‏

15

الصفة المذهبية أيضا لأن عناصره تنتمي بالميلاد الى النطاق الجغرافي الزيدي.

و على ذلك فقد كان ينظر إليه على أنه جيش الامام حين يسير الى مناطق الخصب في النطاق الزيدي، و جيش الزيود حين يتجاوز حدوده و يتقدم الى مناطق الخصب في النطاق الجغرافي الشافعي و في ظروف الجهل المطبق و العزلة الخرافية التي كان يعيشها المجتمع اليمني بأكمله قبل الثورة، و بمقياس أن أعمدة الحكم كانت زيدية و غالبية متنفذية زيود و أدواته التنفيذية (الجيش البراني و الجيش النظامي) زيدية، فإننا لا يجب أن نستنكر نظرة النطاق الشافعي للحكم و تغليب النظرة المذهبية إليه، لأنه لم يكن بمقدرة أحد من أهل ذلك النطاق أن يتسع نظره ليرى أن متنفذي الامام و عساكره كانوا ينتشرون كالجراد في مناطق الخصب من اقصى اليمن الى أقصاه لا فرق في ذلك بين (جربة) و (حول) و لا منطقة زيدية و لا شافعية، و أن أفراد الجيش الذي كانوا يبدون أدوات للظلم الإمامي في عين الرعوى الزيدي و وحوشا في عين الرعوى الشافعي كانوا أشد الناس تعبا و فاقة، فلقد كانوا يعيشون في ثكنات هي الى الزرائب أقرب حياة ربما تكون عينة فريدة لمأساة النظام الإمامي برمته سواء بالنسبة للأهداف التي أنشى‏ء من أجلها ذلك الجيش او بالنسبة لا طعامه و كسوته و تطبيبه و تسليحه.

و إذا تصور أحد أن الانسان يستطيع أن يقتات الخبز الردي‏ء الصنع جافا لضرورات حصار ما أياما فإن طعام العسكري قد كان كذلك في وجباته الثلاث على مدى حصار إمامي دام سنينا و لقد بقيت لنا الى اليوم صور تذكارية لملك يستعرض جيشا حافي الأقدام في القرن العشرين و يكفي أن نعرف فقط كيف كان العسكري من هؤلاء البؤساء يحشر بين خمسين من زملائه للنوم في عنبر واحد ملي‏ء بالقمل و البراغيث و البق و الصراصير و الفئران، و كيف كانت الحميات و الامراض الجنسية و الجذام و الكوليرا تحصدهم بالعدوى دون أن يكون للجيش طبيب فضلا عن مستشفى اللهم إلا صحي واحد لجيش كامل و كل عدته هي صبغة اليود و المرهم الأسود

16

«الأكتيول» و إناء كبير من شراب كانوا يطلقون عليه «مستر بشلي» و في هذه الثلاثة مع بركة الإمام شفاء لجميع الأمراض. فهل يمكن أن يلام هذا العسكري البائس إذا تاقت نفسه لجرعة من المرق و قطعة لحم أو بيضة و خبزة مصبوغة بالسمن و انتزعها بشراسة من أخيه المزارع حين يتنفذ عليه؟ و هل اكتسب شراسته هذه من مذهبه الزيدي أم من التجويع الإمامي؟

ثم ما الذي فعله الإمام للمنطقة الجغرافية الزيدية بأسرها هل ميزها على المنطقة الأخرى بتعليم أو تطبيب أو توسيع للانتاج الزراعي أو إقامة إنتاج صناعي؟

إن شيئا من ذلك لم يحدث قطعا و كل الذي فعله نظام الامام هو أن نفخ في جهل القبائل اليمنية الشمالية روح التعصب المذهبي الأعمى بدلا من أن يفتح لهم أبواب المدارس ليتعلموا، و نفخ في جوعها روح التسيد الزائف بدلا من أن يفتح أمامها أبواب الانتاج و الاستقرار.

إن النظام الإمامي فضلا عن تركه للمنطقة الزيدية في حالة من البؤس الشديد و المتعدد الصور كغيرها من المناطق فإنه قد أورث أبناءها المظلومين نظرة الارتياب من إخوانهم في النطاق المذهبي الآخر دون ذنب و لا وجه حق كما جنى على العنصر الهاشمي حين ادعى نظريا أحقيته في توارث الحكم في الوقت الذي كان قد حصر الإرث من الناحية العملية في أسرته وحدها و عدد محدود من الأسر المساندة، فأورث الريبة المتبادلة في نفوس العنصرين القحطاني و العدناني على شكل طموح متعصب عند عدد محدود من غلاة الهاشميين الذين لا زالوا يفكرون خارج المذهب و خارج العصر من جانب و خشية محصورة في عدد من غلاة القحطانيين تتوجس عودة حليمة لعادتها القديمة، و لعل هؤلاء يفكرون خارج التاريخ أيضا.

و على وجه العموم يمكن القول إن نظام الإمامة قد أورث جميع العناصر من الشعب اليمني الواحد لعنة هو أولى أن تحل به وحده من اليمنيين جميعا بمنطق الدين و التاريخ و الواقع و العصر معا.

17

قد يبدو هذا الاستطراد خروجا عن الموضوع و قفزا على القرون، و لكننا لا نزال في صلب الموضوع لأكثر من سبب وجيه:

الأول: إن النظام الإمامي لم يتغير في شكله و لا مضمونه و لم يتقدم خطوة واحدة الى الأمام حتى نهاية النصف الثاني من القرن العشرين أي بعد مضي ما يزيد على قرنين و نصف من تحرير المؤلف لمخطوطه.

الثاني: إن المخطوطة في مجمل فصولها تمجد اوضاعا و حوادث و نظاما لا تتضمن اي ذكرى طيبة في نفوس اليمنيين لها بدليل انقلابهم عليها و البحث عن صيغة جديدة لمستقبلهم كما تمثلت في إعلان النظام الجمهوري، كذلك فإنها بما تحفل به من هجوم يصل الى حد الهجاء للمذاهب الدينية التي اختلف نظام الامامة معها تحت ستار المذهب الزيدي و وصف المؤلف لحملات النظام على أنحاء البلاد و تمجيدها لا باعتبارها توسعاء سياسيا بل انتصارا للدين، و كذا الاشادة بالاجراءات الخرقاء التي عمت البلاد بأسرها و خصت بالاجحاف أجزاء منها على أيدي أعوان النظام الامامي و أدواته التنفيذية باعتبارها تطبيقات تشريعية تستمد أصولها من المذهب الزيدي. كل هذه و تلك تجعل الحذر واجبا من أن يفضي نشر تراث كهذا الى إذكاء المواجع و الا حن بين أبناء الشعب الواحد. و لا يجوز لنا أن نتصور أن السنوات الاثنين و العشرين التي خرج فيها الشعب اليمني الى العصر الذي كان معزولا عنه تكفي لأن تزيل ما ترسب في النفوس عبر قرون من حكم الظلم الامامي المتخلف. لذلك كان من الواجب وضع بعض النقاط على حروفها ليتاح لقارى‏ء هذا الأثر رؤية وطنية يمنية شاملة بعيدة عن التعصبات العرقية و المذهبية التي لم تكن سوى مطايا و وسائل يمرر نظام الحكم أهدافه من خلالها و هو لذلك مسؤول عنها وحده و ليس غيره، هذا من جهة و من جهة أخرى فإن اليمن قد دخل الى العصر متأخرا جدا و منهكا جدا من جراء

18

تاريخ دام طويل من الصراع المذهبي الذي لم يستقر للحضارة العربية الاسلامية قرار في ظله و لرب أنها تمثل امتدادا لصراع الدويلات التي اندثرت على أثرها حضارته القديمة، فالبدايات- كما نرى- غائرة في أعماق التاريخ و النهايات على مرمى البصر فلا غرابة أن يبرز بين الفينة و الفينة كجزء من إرث لشعب يدخل الى العصر غاية في التخلف و غاية في الجهل، لذا كان من الواجب علينا أن ننبه الى طبيعة الظرف العربي و الدولي الراهن الجاهز و المتحفز لاستقطاب ذلك الارث السالب و تكريسه لأهداف قد تخدم دولة أو تنظيما تنظيما و لكن خصما على حساب دماء أبناء اليمن و تقويض أركان وحدتهم شعبا و أرضا.

إن درس لبنان لا يجب أن يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة حين نتصدى لتراث يثير قضايا من نوعه أو شبيهة به، و قد تعلمنا منه أن المجتمع الذي يحمل إرثا من الانتماءات المذهبية و الطائفية و تتجسد زمنا في تركيبة الدولة و في بنية الحكم و في ممارستهما معا لن يلبث أن يتحول الى صراع لا يستطيع أن ينفك عن أصوله التاريخية مهما حاول أن يلبسها أثوابا عصرية و يعلمنا بأن الصراع حين يدور على مستوى أفقي فإنه يستطيع أن يأتي على الأخضر و اليابس في حياة ذلك المجتمع و لكنه لا يستطيع أن ينهي طرفا في الخريطة الاجتماعية أو يقهره مهما قل عدده أو صغر شأنه.

و يعلمنا ثالثا أن مثل ذلك الصراع يبدأ و ينتهي لمقتضيات دولية تحجب ضروراته المحلية و تزيفها، و لا يسفر ذلك الصراع إلا عن إخلاء الطريق للفرقاء المحليين الى مائدة كانت موجودة أمامهم يبحثوا حولها ما كان يتوجب عليهم أن يبحثوه قبل خراب مالطة، و هو ضرورة التساوي في الحقوق و الواجبات على أساس المواطنة و ليس على أي أساس آخر، و بمقاييس القدرة و الكفاءة، و الاخلاص و النزاهة مشاهدة في الممارسة و ليس بأي مقياس آخر.

من هذه الزاوية فإننا نعتقد أن تقييم الأثر التراثي يلزم المتصدي له أن‏

19

يضع نصب عينيه البيئة التي خرج منها و يعود إليها ذلك الأثر و كذلك الظروف الزمانية و المكانية و الموضوعية المحيطة بتلك البيئة كما يتحتم عليه أن يتسلح بمنهج مجتمعي معاصر يضع اللبنة السليمة المستمدة من التراث في مكانها من بناء الحاضر و يضي‏ء جوانب التراث السلبية لكي لا تمتد آثارها من الماضي للتشويش على محاولات بناء الحاضر بناء سليما و عرقلة المضي بخطا واثقة في الطريق الى المستقبل. فالتراث ليس مطلوبا لذاته و لا يجوز أن يكون نشره هدفا مستقلا عن حاجة المجتمع لفائدة مرجوة منه فضلا عن أن يكون ذا أثر سلبي عليه، و هو لن يكون كذلك ما لم يكن قد غربل برؤية وطنية و قومية و عقيدية شاملة و هو ما حاولناه في هذه المقدمة.

و اللّه ولي الهداية و التوفيق.

عبد الصمد القليسي‏

مدير إدارة النشر بمركز

الدراسات و البحوث اليمني‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

التقديم بقلم محقق المخطوطة الكتاب:

يعد هذا الكتاب أحد كتب التاريخ الرسمية، و ترجع أهميته إلى كونه يؤرخ لفترة من فترات التاريخ اليمني لم يتناولها الباحثون و الدارسون بصورة وافية، ألا و هي عهد اليمن المستقل عن السيطرة العثمانية الأولى، فمن المعروف أن الأتراك العثمانيين خرجوا من اليمن عام 1045 ه و يأتي مؤرخنا عبد اللّه بن علي الوزير ليلتقط خيط الأحداث لليمن المستقل من عام 1046 حتى عام 1090 ه مسجلا خلال هذه السنين الكثير من الأحداث التي كان مسرحها اليمن و بلاد عربية و إسلامية مجاورة.

فمن أبرز الأحداث الخاصة باليمن في هذه الفترة تحقق الوحدة الوطنية و ضم معظم أجزاء اليمن في دولة يحكمها أئمة الأسرة القاسمية- الإمام المتوكل على اللّه إسماعيل بن القاسم، و الإمام المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم- و لم تتحقق هذه الوحدة بسهولة و إنما كانت ثمرة جهود عسكرية متواصلة استمرت سنوات و أدت إلى احتضان بقعة واسعة من الأرض اليمنية تمتد من أقصى الطرف الشرقي لظفار شرقا إلى سواحل البحر الأحمر غربا و من جنوب مكة شمالا إلى عدن جنوبا، و صاحب هذا الامتداد للدولة الكثير من الإضطرابات و التمردات الداخلية لأسباب مختلفة تعكس معظمها الضعف الإقتصادي للبلاد، و قد ركز مؤرخنا على الفوضى التي كانت تعم البلاد من جراء الصراع على الإمامة، فما أن يموت الإمام حتى نجد أفراد البيت القاسمي و آخرون يدعو كل‏

22

منهم إلى نفسه بالإمامة و ينقسم العلماء و القادة و أجزاء من البلاد مع إمام دون إمام آخر و تتفاقم الأحداث و تؤدي إلى صراع مسلح و يستطيع الأقوى فرض نفسه إماما و يضطر الآخرون إما إلى مبايعته أو اللجوء إلى أماكن حصينة بعيدة عن متناوله.

و يرصد مؤرخنا الكثير من الظواهر الإجتماعية و الإقتصادية و الطبيعية للبلاد خلال هذه الفترة، فقد سجل بصورة مأساوية تعرض سكان البلاد إلى كثير من الأوبئة و الأمراض و المجاعات و ذكر حالات الوفاة الجماعية في بعض المدن و المناطق، كما تناول تعرض مدينة صنعاء و مدينة ضوران آنس لأكثر من هزة أرضية عنيفة و احتراق ثلث مدينة المخاء نتيجة ثورة بركان بالقرب منها، و تطرق في ثنايا الكتاب إلى كثير من الأحداث السياسية و الظواهر الطبيعية، و خلط كل هذا بتراجم و فيات مشاهير العلماء و الحكام.

و قد حظيت البلاد الإسلامية المجاورة باهتمام مؤرخنا فسجل الكثير من الأحداث التي دارت فيها كالصراع العثماني الإيراني في بلاد العراق، و الحملات العسكرية البحرية التي وجهت لفتح جزيرة مالطة من قبل الدولة العثمانية، و صراع أشراف مكة فيما بينهم و علاقتهم بالدولة العثمانية و تمرد بعضهم عليها، و تتبعه لحملات عسكرية أرسلت إلى بلاد الحجاز من مصر كانت تخلق حالة من الترقب لدى أئمة اليمن.

و من المواضيع الهامة التي أوردها عبد اللّه بن علي الوزير في كتابه هذا أخبار الصراع العماني البرتغالي الذي اتخذ من البحر العربي و سواحله و سواحل البحر الأحمر ميدانا للصراع و قد تأثرت السواحل اليمنية بعض التأثر من جراء ذلك‏ (1).

____________

(1) نشر عبد اللّه محمد الحبشي هذه النصوص في مجلة العرب، ج 1 و 2، السنة التاسعة 1974 م تحت عنوان «البرتغاليون على ساحل البحر الأحمر» و تناول البروفسور آر. سارجنت بالإهتمام النصوص التي وردت في هذا الكتاب و إن كان قد ركز على الرسالة المتبادلة بين سلطان عمان (سلطان بن سيف) و إمام اليمن (المتوكل على اللّه إسماعيل)- حصاد ندوة الدراسات العمانية نوفمبر 1980، م 6، ص 113- ص 157.

23

منهج المؤلف:

يتناول المؤلف في بداية الكتاب أسباب اختياره لهذه الفترة فيقول «حاولت فيه الكشف عن الحوادث التي مبتداها سنة ست و أربعين بعد الألف، لأني رأيت ما سبقها من السنين قد انتظمها التسيير بلسان المؤرخين» (1) ثم يبين لنا منهجه في تأليف الكتاب «و أخذت العفو في الترتيب و الرفو، فلم أحفل بالشهر و تسيير أيامه، ولف الدهر و تفتيش أعوامه، لعلمي و كل من برع في التسيير، أن هذا يصدر لأمر عسير و تعرض لما ليس من الصدق في قبيل و لا دبير، و قد عزي إلى بعض مؤرخي اليمن أنه وضع برسم بعض البواش مؤلفا جعله على ترتيب أيام الشهور و أعوام العصور مكيفا، و لما فتشت مسوداته، و تتبعت ورقاته، وجد منه نسختان إحداهما المقتصر عليها، و المرجوع في التسيير إليها، و حين قوبل بين محصوليهما، وجد الإضطراب بين منقوليهما، فترى في إحداهما النكتة الفلانية في الشهر الفلاني، و تراها في الأخرى قد رتبت للشهر الثالث و الثاني، و من هذا الإضطراب الذي يقضي بأن القصد الخدمة بذلك الكتاب، فنرى الكتاب لابسا لتلك الأساليب و اللّه يعلم ما تحت الجلابيب. و قد اطلعت على تاريخ لبعض أبناء ملوك اليمن أوعب فيه ما وصل إلى علمه الشريف، و فكره اللطيف، فاعتمدت في القصص عليه و أحلت جل ما نقلته إليه، و ما زدته مني فإن عزوته فقد خرجت من عهدته، و إن أطلقته فهو إنشاء اللّه بري‏ء عن الكذب و وصمته، و لم أتكلف لأكثره سجعا مطبوعا، و لا أحللته من مساكن التنطع ربوعا لأني قصدت من موضوعه العلة المنسوبة إلى الغاية، و أن يشترك في الميل إلى توقيعه أهل البداية و النهاية» (2).

يرسم المؤلف بكلامه السابق طريقته و هدفه من تأليف الكتاب، و مع هذا

____________

(1) ص 47 من الكتاب.

(2) ص 47، 48 من الكتاب.

24

نجد أنه لم يخرج عن سابقيه من المؤرخين اليمنيين في طريقة تدوين الأحداث فهو يسير في روايته على طريقة الحوليات و هي ذكر السنة و الشهر أحيانا، و إن كان لا يهتم كثيرا بذكر الشهر إلا أنه يشير إلى كل حدث جديد في نفس السنة بقوله «و فيها» و يدونه بخط عريض أو «و في هذه السنة» و هو أسلوب لا يخرج عن الحوليات، و داعي مؤرخنا إلى عدم ذكر الشهر توخيه للدقة في إيراد الحدث و تدوينه يظهر لنا هذا من النقد الذي وجهه إلى المؤرخ الرسمي الآخر الذي أراد التقرب إلى الحاكم «الباشا» بتأليفه كتابا يذكر الأحداث بالسنة و الشهر و اليوم بدقة و على حساب الحقيقة التاريخية.

و كما شاهدنا يذكر مؤرخنا أنه اعتمد في نقل مادة كتابه هذا من كتاب مؤرخ آخر «تاريخ لبعض أبناء ملوك اليمن» «فاعتمدت في القصص عليه و أحلت جل ما نقلته إليه» و مع أنه لم يحدد اسم الكتاب و لا المؤرخ فإن كتابه هذا تهذيب لكتاب «بهجة الزمن في حوادث اليمن» ليحيى بن الحسين الذي كتبه من قلب الأحداث التي عايشها و سمع عنها. و كتاب «بهجة الزمن» هذا يقع في ثلاثة أجزاء و يؤرخ لليمن من 1046- 1099 بينما يقف بنا عبد اللّه بن علي الوزير في هذا الكتاب عند سنة 1090 دون أن يبين لنا سبب هذا التوقف، و قد اطلعت على الجزء الأول و الجزء الثاني من «بهجة الزمن» و المودع في مكتبة الجامع الكبير برقم 49 تاريخ فوجدته يتفق من حيث الفترة الزمنية مع الجزء الأول و الجزء الثاني من هذا الكتاب 1046- 1090 و كذلك في المحتوى و إن كان مؤرخنا قد طرح عنه الكثير من التفصيلات التي أوردها يحيى بن الحسين و تجاهل تماما أمورا أخرى كذكر الجوانب الشخصية لبعض الناس و علل سلوكه هذا بأنه (شاهد فيها ما ينكي). و رغم اعتماد المؤلف على كتاب يحيى بن الحسين هذا إلا أن بصماته واضحة على هذا الكتاب فله تعليقاته الخاصة و مناقشاته و أسلوبه في التناول و التدوين و اهتمامه بالأدب و يشير إلى تدخله باستمرار بكلمة «فقلت» و «قلت» أو يفرد فصلا قائما بذاته لمناقشاته المطولة.

25

و قد نجح المؤلف في أن يسير بكتابه حسب المنهج الذي رسمه له من البداية إلى النهاية ذاكرا الأحداث الهامة لكل سنة من السنوات مع بعض خروج عن سرد الأحداث و الدخول في مناقشات جانبية يراها هو من صلب الموضوع رغم أنها تجرنا قرونا إلى الوراء.

و مع تمسكنا بأمانة التحقيق و عدم تخويلنا أنفسنا حق التدخل في كتاب المؤلف فتركنا إيماءآته الخرافية و إشاراته الغيبية كما هي لأنها تعبر عن نوع الفكر الذي كان سائدا في عصره إلا أننا اضطررنا إلى إلغاء ثلاثة بحوث لا علاقة لها بالفترة الزمنية التي يكتب عنها المؤلف كما لا علاقة لها بالأحداث التاريخية و الفكرية التي وضع الكتاب من أجلها. و هذه البحوث هي:

1- بحث في مدح نعال الرسول يبدأ في ص (145) بقوله: «و كان قد صنف قبله في ذلك ابن عساكر و الشيبي ..». و ينتهي عند قوله: «و في هذه السنة خرج إلى اليمن أيضا كتاب ريحانة الألبا و زهرة الحياة الدنيا».

2- بحث في تكفير محيي الدين بن عربي و يبدأ في ص (193) بقوله:

«و فيها أو التي بعدها أحرق الإمام كتاب الفصوص لابن عربي و هو محيي الدين أبو عبد اللّه محمد بن علي بن عربي الطائي الحاتمي الأندلسي بناء على أن ما فيه كفر بحت ..» و ينتهي عند قوله: «و دخلت سنة خمس و سبعين و ألف».

3- بحث في التشيع و يبدأ في ص (237) بقوله «.. و غلب عليه محض التشيع حتى نسب إليه عقيدة الجارودية» و ينتهي عند قوله: «و في ليلة الخميس ثامن ربيع الأول مات ملك اليمن ..».

الباحثون و الكتاب:

لم يهتم الباحثون بهذا الكتاب عدا عبد اللّه محمد الحبشي الذي أفرد له ما يقرب من صفحة و نصف في مجلة العرب عرف به و ببعض ما يحويه من مادة تاريخية كما استخلص منه نصوصا قصيرة تتناول الصراع العماني البرتغالي و تأثر

26

المواني اليمنية من جراء ذلك. كما ذكر الكتاب في مجلة دراسات يمنية، العدد الأول 1978 م، ص 18 أثناء نشره للمؤلف [أقراط الذهب في المفاخرة بين الروضة و بئر العزب‏] و في كتابه [مصادر الفكر الإسلامي في اليمن‏]. ذكر الكتاب و أشار إلى أماكن تواجد نسخه.

عنوان الكتاب:

يبدي عبد اللّه محمد الحبشي رأيه بهذا الكتاب فيقول «هذا الكتاب شرق و غرب إلا أن أحدا لم يكلف نفسه البحث فيه و قراءته، و لعل في عنوانه المبهم- بعض الشي‏ء- السبب في صرف الدارسين عنه، و قد اختار له مؤلفه إسما مسجعا لذيذا لا يعرب عن مضمون الكتاب في قليل أو كثير و هو (تاريخ طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى) و في هذه التسمية الكثير من ملامح ذوق الكاتب الأدبي و تفننه البياني» (1).

و رأي عبد اللّه محمد الحبشي هذا فيه الكثير من الصحة فمحتويات الكتاب إذا نظرنا إليها من الناحية التاريخية لوجدنا أنها في واد و العنوان في واد آخر، أما إذا أتينا إلى «ذوق الكاتب الأدبي» بالإضافة إلى موسوعيته و اهتمامه بالأدب لا تضح لنا سبب الاختيار لهذا الاسم، فقد أورد الأخ الحبشي في هامش أقراط الذهب إشارة صغيرة لم يحاول الربط بينها و بين عنوان هذا الكتاب هذه الإشارة تقول «كان العلامة أحمد بن عمر المزجد (2)، إذا سئم من القراءة

____________

(1) مجلة العرب، ص 19.

(2) أحمد بن عمر المزجد: هو أحمد بن عمر بن محمد المزجد (847- 930 ه) ولد بقرية الزيدية و أخذ عن علماء زمانه، و برع في علوم كثيرة و تميز في الفقه حتى كان فيه فريد عصره، و من مؤلفاته «العباب المحيط بمعظم نصوص الشافعي و الأصحاب» و «تجريد الزوائد و تقريب الفوائد» و له قصيدة «تحفة الطلاب». (عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي، ص 209).

27

و المطالعة استدعى بمقامات الحريري فيطالع فيها و يسميها طبق الحلوى» فإذا ربطنا بين مقامات الحريري و تسمية ابن المزجد و ذوق ابن الوزير الأدبي فمن المحتمل أن يكون أخذ التسمية من ابن المزجد «طبق الحلوى» و أضاف إليه «و صحاف المن و السلوى» و يظل هذا مجرد رأي اجتهادي فقط، فعبد اللّه بن علي الوزير لم يوضح لنا أسباب اختياره هذا العنوان لكتابه بالرغم من أنه يقدمه لنا بقوله «هذا كشكول لطيف، و محمول على الأرواح خفيف» (1) و حاول جهده أن يجعله كذلك، و مهما كانت أسباب اختيار مؤرخنا لهذه التسمية فهي تسمية غير موفقة إلى حد كبير. و من أجل إلفات أنظار الباحثين و الدارسين إلى أهمية الكتاب أعطيناه عنوان [تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي‏] مع احتفاظنا بالتسمية الأصلية للمؤلف.

المؤلف:

هو عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الإله بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن السيد صارم الدين ابراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل بن المنصور بن الأمير محمد العفيف الملقب الوزير (2)، الصنعاني الدار و النشأة (3).

و تجمع المراجع على أن مولده كان في شهر شعبان من سنة 1074 ه، أما وفاته فهي غير محددة بدقة بالشهر و السنة، فالشوكاني في كتابه البدر الطالع، يؤرخ وفاته في شوال من سنة 1147 ه، بينما محمد بن محمد زبارة في كتابه نشر العرف، يؤرخ وفاته في 28 رمضان سنة 1147 ه بصنعاء آخذا بما أرخه معاصروا المؤلف، أحمد بن محمد قاطن في (دمية القصر)، و تلميذه إبراهيم بن‏

____________

(1) ص 35 من الكتاب.

(2) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 113- 114.

(3) محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع، م 1، ص 388.

28

القاسم بن المؤيد في «الطبقات»، و يجزم بأنه الصحيح، ثم يضيف و قيل في رمضان سنة 1148 ه، أما ما وجده من خط محمد بن إسماعيل الأمير فإنه يؤرخ وفاته في 28 رمضان سنة 1144 ه، و يشير محمد بن محمد زبارة إلى أن محمد بن إسماعيل الأمير كان في ذلك العام- أي عام 1144 هجرية- و ما بعده إلى سنة 1148 هجرية بمدينة شهارة لا في صنعاء (1).

____________

(1) أورد عبد اللّه محمد الحبشي في مجلة العرب، ج 1، و 2، لسنة 1974 م، ص 20، قائمة بأسماء أهم الكتب التي ترجمت لمؤرخنا نثبتها هنا كما جاء بها:

1- عبد الرحمن بن محمد الذهبي الدمشقي القادم إلى اليمن سنة 1107 «نفحات الأسرار المكية في بعض نبلاء البلاد اليمنية» نشر العرف، ج 2، ص 116.

2- يوسف بن يحيى بن الحسين 1121 ه «نسمة السحر في ذكر من تشيع و شعر» مخطوط بمكتبة الجامع بصنعاء برقم 234 تاريخ- رجعنا إلى هذا المخطوط فوجدنا أن رقمه قد تغير و أصبح (200) تاريخ- المحقق.

3- أحمد بن محمد الحيمي المتوفى سنة 1151 ه، «طيب السمر» مخطوط بمكتبة المؤرخ زبارة.

4- إبراهيم بن القاسم بن محمد بن القاسم المتوفى سنة 1153 «طبقات الزيدية» مخطوط بمكتبة الجامع برقم 144 تاريخ.

5- محسن بن الحسن أبو طالب المتوفى سنة 1170 ه «ذوب الذهب بمحاسن من شاهدت بعصري من أهل الأدب»، مخطوط بمكتبة الجامع برقم 189 أدب.

6- اسحاق بن يوسف بن المتوكل على اللّه إسماعيل المتوفى سنة 1173 «الثغر الباسم في التراجم» نقل نص ترجمته المؤرخ زبارة في نشر العرف ج 2 ص 115.

7- أحمد بن محمد قاطن المتوفى سنة 1199 «دمية القصر» نشر العرف ج 2 ص 116.

8- إبراهيم بن عبد اللّه الحوثي المتوفى سنة 1223 «نفحات العنبر في تراجم أعيان القرن الثاني عشر، مخطوط بمكتبة المؤرخ زبارة بصنعاء.

9- محمد بن علي الشوكاني 1250 «البدر الطالع» ج 1 ص 388- 390، طبع مصر سنة 1348 ه.

10- صديق خان يهوبال المتوفى سنة 1307 ه «التاج المكلل» طبع الهندسة 1299. (و هذا الكتاب مأخوذ برمته من كتاب البدر الطالع للشوكاني).

11- محمد بن محمد زبارة المتوفى سنة 1380 ه «نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف ج 2، ص 113- 117 طبع القاهرة سنة 1376.

12- الزركلي «الأعلام» ج 4 ص 244.

29

و يمكن أن نعتمد عام 1147 ه بغض النظر عن الشهر، عام وفاة المؤرخ لإجماع كل من الإمام الشوكاني، و محمد بن محمد زبارة بما ساقاه من حجج على ذلك، و بذا يصبح كل من عام مولد المؤرخ و وفاته «1074- 1147 ه/ 1663- 1735 م».

و في بداية تناولنا لشخصية عبد اللّه بن علي الوزير كعالم و أديب نستطيع أن نحدد ثلاثة عوامل رئيسية لعبت دورا كبيرا في تكوين شخصيته الثقافية، و هي:

أولا- نشأته في وسط أسري يهتم بالعلم و الثقافة، فبيت الوزير اشتهر بأنه من البيوت اليمنية التي أنجبت عددا كبيرا من العلماء و الأدباء و المثقفين الذين أثروا بمؤلفاتهم القيمة المكتبة اليمنية، و قد استفاد عبد اللّه بن علي الوزير من الإرث الثقافي لبيت الوزير الذي كان مودعا في الجامع الكبير بصنعاء (1)، كما أن أخوه عثمان بن علي الوزير أحد علماء ذلك العصر احتضنه و أنشأه نشأة علمية «فحفظ القرآن عن ظهر قلب و مختصرات عديدة في علم الكلام و العربية و غيرها» (2).

ثانيا- دراسته بمدينة صنعاء على أيدي مجموعة من كبار العلماء كالقاضي علي بن يحيى البرطي‏ (3)، و الحسن بن الحسين بن الإمام‏ (4)، و القاضي الحسين بن محمد

____________

(1) ذكر محمد بن إسماعيل الأمير أثناء ترجمته لعبد اللّه بن علي الوزير «و كان سلف صاحب الترجمة أئمة علوم أهل الإسلام و لهم خزانة كتب في الجامع الكبير بصنعاء تعرف بخزانة كتب بني الوزير، فانتفع بها صاحب الترجمة أتم الانتفاع» (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 115).

(2) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، ج 2، ص 113.

(3) هو علي بن يحيى بن أحمد بن مضمون البرطي (1061- 1119 ه) اختصه عبد اللّه بن علي الوزير بمؤلف عدد فيه مناقبه بعنوان «نشر العبير المودع طي نسمة التحرير لفضائل علامة العصر الأخير» (عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي، ص 226).

(4) هو الحسن بن الحسين بن الإمام القاسم بن محمد (1044- 1114 ه) علامة برز في عدة فنون، له شعر حسن و تصانيف في المنطق و له يد قوية في علم التصوف. (محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع، م 1، ص 197).

30

المغربي‏ (1)، و أخيه الحسن بن محمد (2)، و القاضي محمد بن ابراهيم السحولي‏ (3)، و القاضي محمد بن علي قيس‏ (4)، و القاضي محمد بن صالح العلفي‏ (5)، و أخيه عثمان بن علي الوزير، و الحسن بن لطف اللّه الزباري‏ (6) إمام جامع صنعاء، و صلاح بن أحمد الرازحي‏ (7)، و أحمد بن محمد العياني‏ (8)، و الفقيه الحسين بن حسن ذره‏

____________

(1) هو الحسين بن محمد المغربي اللاعي (1048- 1119 ه) تولى منصب القضاء العام في عهد الإمام المؤيد باللّه محمد بن القاسم، برز في علم الحديث و ألف فيه (عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي، ص 59).

(2) هو الحسن بن محمد المغربي اللاعي (1050- 1142 ه) تفرغ للعلم و لم يتزوج و أخذ عن شيوخ سائر البلاد و كان فصيحا ناظما ناثرا متواضعا مع الطلبة. (عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي، ص 135).

(3) هو محمد بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن صلاح الشجري السحولي، أحد العلماء المبرزين و الأدباء المجيدين، أخذ عنه جماعة من أكابر العلماء، و كان خطيبا بجامع صنعاء توفي سنة 1109 ه (محمد ابن علي الشوكاني، البدر الطالع، م 2، ص 96- 97).

(4) هو القاضي العلامة محمد بن علي قيس مات (سنة 1096 ه) كان إماما في الفقه مشاركا في غيره من الفنون. (محمد بن محمد زبارة، ملحق البدر الطالع، م 2، ص 205).

(5) هو محمد بن صالح بن يوسف العلفي مات بصنعاء (سنة 1116 ه) و كان عالما محققا كثير البحث له تلامذة كثيرون، و قد تعرض للسجن بسبب إنكاره على المهدي صاحب المواهب بعض المظالم التي تعرض لها أهل ريمة و وصاب. (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 667، 668، 670).

(6) هو الحسن بن لطف اللّه الزباري، مات (سنة 1119 ه) كان عالما و إماما لجامع صنعاء و كانت له يد قوية في الفروع، و كان لا يترك التدريس في كل الأوقات. (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 1، ص 498).

(7) هو صلاح بن أحمد الرازحي، مات بعد (سنة 1115 ه) بذل نفسه للتدريس و الإفادة في عامة الفنون و كان أديبا ظريفا سريع الجواب. (محمد بن محمد زبارة، ملحق البدر الطالع، م 2، ص 106).

(8) هو أحمد بن محمد بن علي بن سليمان بن عبد اللّه العياني، توفي (سنة 1136 ه) له معرفة تامة بالعديد من الفنون، و له استدراك على الأزهار يدل على تضلعه في العلوم و معرفته بالمذهب الزيدي، و هو من أجل المدرسين الذين درسوا بجامع صنعاء. (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 1، ص 285- 286).

31

الصنعاني، و الحسن بن حسين قيس‏ (1)، و حضر تدريس الإمام المؤيد باللّه محمد بن المتوكل على اللّه إسماعيل في الثمرات.

ثالثا- مؤهلاته الشخصية و قدراته الخاصة، كالذكاء الحاد و القدرة على الحفظ و قوة الذاكرة و كثرة الإطلاع و سرعة البديهة، و يدل على أهمية هذا الجانب في تكوينه الثقافي قول شيخه الحسين بن ناصر المهلا (2) فيه «أحرز العلوم في سن الحداثة و الصغر فبلغ غايتها و أدرك ما لم يدركه من مسه الكبر ..» و يؤكد على هذا أيضا تلميذه اسحاق بن يوسف بن الإمام المتوكل على اللّه اسماعيل في قوله «كان فريد العصر في التحقيق و كثرة الإطلاع و الحفظ وجودة القريحة».

و كل من تناولوا شخصية عبد اللّه بن علي الوزير بالترجمة و الذكر نجدهم ينظرون إليه من الزاوية العلمية و الأدبية بمعايير ذلك العصر، و لا يسعنا نحن إلا أن نسلك هذا الطريق، فمؤرخنا يعد من كبار علماء زمانه، إذ تتلمذ على يديه مجموعة من كبار العلماء المشهورين، كالإمام محمد بن اسماعيل الأمير (3)، و محمد بن زيد بن محمد بن الحسن بن القاسم‏ (4)، و أحمد بن هادي الصرمي، و إبراهيم بن‏

____________

(1) هو حسن بن حسين قيس توفي في (سنة 1110 ه) كان عالما فروعيا له معرفة بالفقه، تولى القضاء بمدينة صنعاء أيام الإمام المهدي صاحب المواهب. (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 1، ص 468).

(2) الحسين بن ناصر المهلا الشرفي، مات مقتولا (سنة 1111 ه) كان إماما في العلوم، و له مؤلفات منها (المواهب القدسية شرح البوسية) في ستة مجلدات (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 1، ص 628، 630).

(3) محمد بن إسماعيل الأمير: هو محمد بن اسماعيل بن صلاح، المعروف بالأمير (1099- 1182 ه) ترجم له الإمام الشوكاني في البدر الطالع، م 2، من ص 133- 139 ترجمة طويلة فمن رام التعرف على المزيد رجع إليها، أما مؤلفاته فهي كثيرة جدا ضم معظمها كتاب (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن).

(4) هو محمد بن زيد بن محمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد (1090 ه ...) كان عالما بالمعاني-

32

القاسم بن المؤيّد (1) و غيرهم. و في علميته يقول تلميذه محمد بن اسماعيل الأمير «شيخنا بحر العلوم، و إمام أئمة المنثور و المنظوم ... أسمعت عليه بهجة المحافل، و لما قرأت عليه في شرح الغاية للعلامة الحسين بن القاسم أخذ في نظم متنه نظما جامعا للفوائد مع حلاوة و انسجام، و أمرني بشرح ذلك، و كان النظم طوع يراعه» (2) و فيه يقول يوسف بن يحيى بن الحسين بن المؤيد (3) «أتقن علوم الأدب و حقق الأصول و التفسير، و شارك في الفروع و الحديث، و حفظ المختصرات، و حضرت معه في قراءات عديدة في الفروع و الكشاف و الحديث فلم أر مثله في ضبط الألفاظ و معرفة اللغة، و استحضار كل مسألة في أي فن من الفنون يلفظها من حفظه. و كان يحرص على استحضار المتون عند الحاجة إليها، و يسأل الطلبة فإن كان فيهم من يحفظ و إلا أملاها» (4) و يرى فيه تلميذه إبراهيم بن القاسم «شيخ أكبر علماء صنعاء بل و غيرها» (5).

إن هذه المقولات في حق مؤرخنا من تلامذته و معاصريه تشكل شهادة حية تدل على فضله و طول باعه في الميدان العلمي آنذاك خاصة إذا نظرنا إليها من‏

____________

- و البيان، و له شعر رقيق (محمد بن محمد زبارة، ملحق البدر الطالع، م 2، ص 198- 199).

(5) أحمد بن هادي الصرمي: لم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من مراجع.

(1) إبراهيم بن القاسم بن المؤيد: هو إبراهيم بن القاسم بن الإمام المؤيد باللّه محمد بن الإمام المنصور القاسم بن محمد (توفي سنة 1153 ه) اهتم بالتاريخ و اشتغل فيه، و ألّف كتابا في مجلدين ضم فيه أسماء طبقات رواة و علماء الزيدية منذ فجر الإسلام إلى زمانه و سماه «طبقات الزيدية». (محمد ابن محمد زبارة، نشر العرف، م 1، ص 58- 59).

(2) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، ص 114- 115.

(3) يوسف بن يحيى بن الحسين بن المؤيد: هو يوسف بن يحيى بن الحسين بن الإمام المؤيد باللّه محمد بن الإمام القاسم بن محمد (1078- 1121) اهتم بالأدب و نظم الشعر، و له كتاب «نسمة السحر في ذكر من تشيع و شعر» ذكر فيه الشعراء المشهورين، و الشعراء من أهل عصره. (محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 956).

(4) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 115- 116.

33

زاوية المكانة العلمية التي تمتع بها هؤلاء و قولهم كلمة الحق دون مواربة أو تردد، و يدعم هذه الشهادات و يزكيها علماء آخرون أتوا بعد هذه الفترة الزمنية، و كانت لهم يد طولى في ميدان البحث و التحقيق و الإلمام بأكثر من فرع من فروع العلم كالإمام محمد بن علي الشوكاني الذي يصف مؤرخنا بقوله «عالم مشهور و شاعر مجيد ... برع في العلوم الآلية و التفسير» (1) و كذلك إبراهيم بن عبد اللّه الحوثي‏ (2) الذي ذكره في (نفحات العنبر) بقوله «كان إمام عصره في العلوم العقلية و النقلية و الفرعية و الأصلية و درس في كل الفنون، و أخذ عنه الأعلام، و قوي ساعده في النظم و النثر و أجاد و بلغ فيهما غاية لا تنال» (3).

و نتيجة لثقافته الواسعة و بلوغه مرحلة الاجتهاد في العلوم الدينية أصبح أحد المقربين من السلطة الحاكمة إلى درجة «كان الإمام المتوكل على اللّه القاسم ابن الحسين يقرأ عليه في الكشاف بحضور أعيان علماء صنعاء ..» (4). و يستطيع أي قارى‏ء لكتابه هذا أن يتحقق من القدرة الفكرية لعبد اللّه بن علي الوزير فهو لا يكتفي بالإهتمام بحوادث العصر الذي يؤرخ له، و إنما يناقش بالإضافة إلى ذلك الكثير من القضايا الأخرى و يفرد لها فصولا خاصة و يغوص في الموضوع الذي يبحثه موردا أكثر من رأي و أكثر من كتاب فيه، و يستدل بالآيات القرآنية و الأحاديث الصحيحة الإسناد و يستبعد الأحاديث الضعيفة، و يهتم بالأدب و اللغة و يحكم على أشعار الآخرين و غير هذا من المواضيع التي تدل على أن حكم تلامذته و غيرهم من العلماء على قدراته الثقافية و موسوعيته كانت دقيقة و صائبة.

و يعد عبد اللّه بن علي الوزير مع هذا كله أديبا بارزا، ففي كتابه هذا نجد له‏

____________

(1) محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع، م 1، ص 388.

(2) إبراهيم بن عبد اللّه الحوثي: هو إبراهيم بن عبد اللّه بن إسماعيل الحوثي (1187- 1223 ه) برع في النحو و الصرف و المنطق و المعاني و البيان و الأصول و الحديث و التفسير (محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع، م 1، ص 19).

(3) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 116.

(4) محمد بن على الشوكاني، البدر الطالع، م 1، ص 388.

34

عددا من القصائد الشعرية نسبها إلى نفسه، كما أتى بالكثير من الاستدلالات الشعرية في مناسبات مختلفة تعبر تعبيرا دقيقا عن الحدث الذي يدور، و تتباين هذه الاستدلالات بين بيت شعري واحد، و عدد من الأبيات، و أورد أشعارا طويلة لشعراء يمنيين معدودين قد تصل في طولها لأكثر من ثلاثين بيتا، و يمكننا اعتباره ممن أضاف جديدا إلى الشعر إذا أخذنا بما قاله عنه اسحاق بن يوسف بن المتوكل على اللّه إسماعيل «و شعره في الدرجة العليا من البلاغة، و له معان ابتكرها و نكت من التورية و غيرها من أنواع البديع اخترعها» (1) و يرى عبد اللّه محمد الحبشي في المقدمة التي وضعها [لأقراط الذهب في المفاخرة بين الروضة و بئر العزب‏] بأن عبد اللّه بن علي الوزير «أشهر من برز في فن المقامة من المتأخرين» و يمكن لمن أراد أن يرى مصداقية كلامه هذا العودة إلى ما نشره في مجلة دراسات يمنية (2).

و أشهر من تناول شاعرية عبد اللّه بن علي الوزير دون غيرها من اهتماماته الفكرية معاصره يوسف بن يحيى بن الحسين بن القاسم في كتابه [نسمة السحر فيمن تشيع و شعر] (3) فهو في رأيه «فاضل صاغ من المعاني ما تختمت به أنامل الأدب» و يصل إعجابه ببعض شعره درجة تجعله يفضله على شعر جعفر بن المطهر الجرموزي «لقوة الترشيح و قوة السبك» و ليدلل على هذا اختار لنا هذه المجموعة من المقاطع الشعرية:

لي صاحب أمنحه راغبا* * * ما رام إلا وصل أحبابي‏

إن ذقت كأسات الهوى حلوة* * * فليشرب الصاحب بالصابي‏ (4)

____________

(1) محمد بن محمد زبارة، نشر العرف، م 2، ص 116.

(2) مجلة دراسات يمنية، العدد الأول 15/ 9/ 1978 م.

(3) مخطوط بالمكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء، مودع تحت رقم 201 تاريخ و تراجم، المجلد الثاني، ورقة 12- 13.

(4) الصاحب بالصابي: من أشهر كتاب الإنشاء الصاحب بن عباد، و الصابى‏ء إبراهيم بن هلال. و في البيت تورية فالصاحب في المعنى القريب هو الصديق الذي ذكره في البيت الأول، و الصاب بدون ياء هو ماء الحنظل المرّ أو العلقم.

35

و له:

لما سكرت بريق من أحببته‏* * * حتى كأني شارب لمعتق‏

بالغت في وصفي محاسن ثغره‏* * * حتى وضعت رسالة في المنطق‏

و له:

يغالطني من بعد أن طال هجره‏* * * و طل دمي عنه بأحور أحوم‏

أقول له عن ذاك جدك قد روى‏* * * فقال روى عن عندم ليس عن دمي‏

و له:

عابوه لما أن تبدت صفرة* * * في خده المتورد المصقول‏

ما ذاك من ألم ألمّ و إنما* * * طال انتظار الخد للتقبيل‏

و من شعره ما يعبر عن نظرته إلى بعض الأمور التي كانت سائدة في عصره كقوله:

من بعد ما عاينت سعدا لا أرى‏* * * قول المنجم غير زور فاضح‏

مسراه في سعد السعود فلم غدا* * * من شؤمه في كف سعد الذابح‏ (1)

و هو في منجم سار في وقت سعيد يزعمه فقتله رجل يدعى سعد الذابح.

و يستحسن يوسف بن يحيى بن الحسين أشعار عبد اللّه بن علي الوزير و لا يوجه إليه أي نقد في كل ما كتبه عنه، أما محمد بن علي الشوكاني فقد سجل عليه بعض مآخذ أثناء تناوله لشاعريته فهو من وجهة نظره «له في الأدب اليد الطولى و شعره مجموع في ديوان كبير، و منه ما هو في غاية القوة ..- إلى أن يقول- و كان إذا لم يتكلف ملاحظات النكات‏ (2) البديعية في شعره جاء على أحسن أسلوب فإن تكلف ذلك صار من الضعف بمكان» و يضرب لنا مثلا عن تكلف ابن الوزير بقصيدته (أهرام مصر) التي مطلعها.

____________

(1) سعد السعود و سعد الذابح إسمان لنجمين و فيهما تورية لطيفة فالمنجم هو الذي قتل بسيف سعد.

(2) النكات: المحسنات.

36

أنادم من دمع العيون جواريا* * * فلا غرو إن نادمت منها سواقيا

و له قصائد شعرية طويلة تدل على طول نفسه في الشعر كا [الروض الباسم النضير] الذي جعله ذيل للبسامة الشهيرة التي وضعها جده صارم الدين إبراهيم، كما له عدد من قصائد المدح وضعها في الإمام المتوكل القاسم بن الحسين و بعض أقاربه.

و قد ترك مؤرخنا في أخريات أيامه التدريس و مال إلى السكون و الدعة و بقي كذلك حتى مات‏ (1).

مؤلفاته:

1- (النغبة لخدمة شرح النخبة) في مصطلح الحديث منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير.

2- (إرسال الذؤابة بين جنبي مسألة الصحابة) رد على رسالة صلاح الأخفش، منها نسخة في مكتبة الجامع الكبير.

3- (جامع المتون في أخبار اليمن الميمون) لخصه من كتاب أنباء الزمن ليحيى ابن الحسين، منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير.

4- (طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى).

5- (الروض الباسم النضير) ذيل على البسامة، نشرها المؤرخ زبارة في نشر العرف الجزء الثاني، ص 117- ص 134.

6- (نشر العبير المودع طي نسمة التحرير لفضائل علامة العصر الأخير) في مناقب شيخه علي بن يحيى بن مضمون البرطي. منه نسخة بقلم المؤلف بمكتبة دوعن بحضر موت‏ (2).

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 388.

(2) عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الاسلامي، ص 447.

37

7- (جوارش الأفراح و قوت الأرواح) ديوان شعر جمعه إسماعيل بن الحسن الحرة، منه نسخة بالامبروزيانا 109. أخرى بدار الكتب 4568 أدب‏ (1).

8- (الدر المنظم لشوط القلم) في الأدب، عند أحد أهالي اليمن بقلم المؤلف‏ (2)

9- (أقراط الذهب في المفاخرة بين الروضة و بئر العزب) منه نسخة بخزانة «جامع الغربية» و أخرى مصورة بدار الكتب المصرية برقم 296، و ثالثة بمعهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن‏ (3).

____________

(1) عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الاسلامي، ص 344.

(2) المصدر السابق، ص 344.

(3) نفس المصدر، ص 344.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

وصف النسخ التي اعتمدنا عليها في التحقيق‏

اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على أربع نسخ مخطوطة جيدة هي:

1- النسخة «الأصل».

العنوان: (تاريخ طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى).

المؤلف: عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الإله الوزير.

عدد أوراق المخطوط: 117 ورقة.

مقاس الورق: الطول 35 سم، العرض 22 سم.

عدد الأسطر المكتوبة في كل ورقة في بداية النسخة 20 سطرا، ثم تصبح 24 سطرا و تستمر هكذا إلى النهاية.

يتكون كتاب (تاريخ طبق الحلوى) من جزئين احتوتهما هذه النسخة. و هي مكتوبة بخط نسخي جيد غير مشكول. استخدم في الكتابة الحبر الأسود و الأحمر.

توجد في بداية النسخة فهارس كتبت بخط معتاد ضعيف الاملاء مغاير لخط الناسخ، و يغطي جميع هوامش المخطوط من الورقة الأولى للجزء الأول إلى الورقة 27 من الجزء الثاني كتاب (دمية القصر) للقاضي أحمد بن محمد بن عبد الهادي قاطن.

في نهاية الجزء الثاني من (تاريخ طبق الحلوى) إشارة إلى تاريخ الانتهاء

40

من نسخه تقول: «مما كتب بعناية سيدي ... عبد الرحمن بن الحسين بن عبد اللّه الشامي. و كان التمام من زبره بعد العصر يوم الجمعة حادي عشر صفر من سنة 1337 ه». و لم يذكر الناسخ اسمه مطلقا. ملئت بقية الأوراق في نهاية النسخة بمجموعة كبيرة من أمثال و حكم علي بن زايد.

النسخة مجلدة تجليدا جيدا.

2- النسخة «أ».

مودعة في المكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء تحت رقم 129 ...

تاريخ.

العنوان: (تاريخ طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى).

المؤلف: عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الإله الوزير.

عدد أوراق المخطوط: 126 ورقة.

مقاس الورق: الطول 31 سم، العرض 21 سم.

عدد الأسطر المكتوبة في كل ورقة 23 سطرا و أحيانا 21 سطرا.

تحتوي النسخة على جزئين، مكتوبة بخط نسخي نفيس مشكول، استخدم في الكتابة الحبر الأسود و الأحمر و الأخضر.

في نهاية النسخة «انتهى كما وجد في الأم بلفظه» و يشير الناسخ أنها كتبت «بعناية مولانا الإمام الأعظم الخليفة المكرم المهدي لدين اللّه رب العالمين أبو عبد اللّه العباس بن أمير المؤمنين المنصور باللّه» (فرغ من كتبه يوم الأربعاء الخامس و العشرين من شهر الحجة عام 1165 ه على يد العبد أسير خطاياه حسين بن إسحاق بن إبراهيم عفى اللّه عنه آمين).

النسخة مجلدة تجليدا جيدا بجلد مزخرف امتدت إليه يد الزمن ببعض التآكل.

41

3- النسخة «ب».

مودعة في المكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء تحت رقم 128 ...

تاريخ.

العنوان: (تاريخ طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى).

تأليف: عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الإله الوزير.

عدد أوراق المخطوط: 128 ورقة.

مقاس الورق: الطول 23 سم، العرض 2/ 221 سم.

عدد الأسطر: 30، 29 في بداية النسخة ثم تصبح 23 سطرا و تستمر هكذا إلى نهاية النسخة.

تحتوي النسخة جزئي الكتاب، و هي مكتوبة بخط واضح. استخدم في الكتابة الحبر الأسود و الأحمر.

في نهاية المخطوط «و كان الفراغ من رقم هذه النسخة يوم الخميس سابع شهر شوال سنة 1242 ه بخط الفقير عبد اللّه بن محمد الشويف ...» و في نهاية النسخة مجموعة من الرسائل أنشأها القاضي أحمد بن محمد العنسي في أغراض مختلفة تشغل 22 ورقة.

النسخة مجلدة تجليدا جيدا.

4- النسخة «ج».

مودعة في المكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء تحت رقم 127 ...

تاريخ.

العنوان: (كتاب طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى).

تأليف: عبد اللّه بن علي الوزير.

مقاس الورق: الطول 2/ 1 23 سم، العرض 18 سم.

عدد الأسطر في كل ورقة 22 سطرا. الخط مكتوب بقلم عادي غير

42

متخصص في أعمال النسخ واضح إلى حد كبير. استخدم في الكتابة الحبر الأسود و الأحمر.

في بداية النسخة فهارس و مواضيع مختلفة، و من ص أ، ب، ج، د، 1- ص 78 «فجر الدولة القاسمية» تاريخ خمسة و أربعين عاما» لعبد اللّه بن عبد الكريم الجرافي، و من ص 78- 360 «تاريخ طبق الحلوى» و في نهايته «و كان الفراغ من تحصيل هذه النسخة المباركة في صبح الجمعة 18 صفر سنة 1358 ه بقلم عبد اللّه بن عبد الكريم الجرافي».

و يكتب بعد هذا من ص 364- 381 «ذيل طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى من رأس القرن الثاني عشر».

النسخة مجلدة تجليدا جيدا.

و النسخ الثلاث (أ، ب، ج) من المخطوطات المصادرة على أسرة حميد الدين بعد قيام ثورة السادس و العشرين من سبتمبر الخالدة 1962 م.

ملاحظات على النسخ السابقة:

أولا: كافة هذه النسخ- التي أوردنا أوصافها بالصورة السابقة زيادة في الحرص و الدقة- تتطابق تطابقا تاما في كافة المحتويات الجوهرية للكتاب من بداية الجزء الأول إلى نهاية الجزء الثاني.

ثانيا: تتفق جميع النسخ على أن عنوان الكتاب «تاريخ طبق الحلوى و صحاف المن و السلوى» عدا نسخة عبد اللّه عبد الكريم الجرافي الذي أبدل محل كلمة (تاريخ) كلمة (كتاب).

ثالثا: النسخة المشار إليها (ب) رغم أن ناسخها يذكر أنها منقولة من نسخة المؤلف فهو يورد تاريخ الإنتهاء منها 25 شهر جمادى الآخرة سنة 1139 بينما تجمع بقية النسخ أن تاريخ انتهاء المؤلف من نسخته في محرم من سنة 1118،

43

و توافقنا على هذا التاريخ النسخة التي اعتمد عليها الباحث عبد اللّه محمد الحبشي الذي يؤكد أنها كتبت في حياة المؤلف و الموجودة في مكتبة المؤرخ زبارة في صنعاء و تاريخ الإنتهاء من كتابتها سنة 1118 ه.

رابعا: يلاحظ على النسخة (ب) أيضا عدم إيرادها تاريخ الإنتهاء من الجزء الأول في حين تتفق جميع النسخ و منها النسخة التي اعتمدها عبد اللّه الحبشي على أن تاريخ انتهاء المؤلف من الجزء الأول كان في «الليلة المسفرة عن رابع و عشرين من شوال أحد شهور سنة 1115 ه».

خامسا: في نهاية الجزء الأول من النسخة الأصل نجد إشارة غاية في الأهمية نستدل منها على أن النسخة المودعة في مكتبة المؤرخ زبارة تعد أصلا يرجع إليه هذه الإشارة تقول «بلغ مقابلته مع سيدي العلامة محمد بن محمد زبارة في 25 شعبان سنة 1357. توقيع عبد اللّه عبد الكريم الجرافي» كما توجد في نفس الصفحة إشارة أخرى تقول «بلغ مقابلته على الأصل آخر نهار الأحد 22 شهر ربيع الأول 1338» و في نهاية الجزء الثاني «بلغ مقابلته حسب الإمكان و الحمد للّه رب العالمين 27 شهر ربيع الآخر سنة 1338 ه». و نتيجة لمقابلة هذه النسخة بنسخ أخرى نجد في أكثر من صفحة على الهامش أثبتت كلمات و جمل سقطت على الناسخ، و قد قمنا بإصلاح ما سقط على الناسخ مباشرة مع المقارنة بالنسخ الأخرى و لم نشر إلى ذلك في الهامش.

سادسا: تتطابق النسخة الأصل مع النسخة (أ) تطابقا كليا إلى درجة أن ما أثبت على الهامش من تعليقات خارجة عن نص المؤلف واحدة في كلا النسختين، و قد اعتمدت على هذه النسخة في المقابلة كثيرا لأنها أقدم من النسختين (ب، ج) فنسخها تم بعد وفاة المؤلف بحوالي 18 عاما 1165 ه، كما أنها جيدة الخط وافية المحتوى، أما النسخة (ب) ففيها نقص حوالي صفحة أشرنا إليه في موضعه.

سابعا: تتفق جميع النسخ على إغفال سنة 1055 فبعد حوادث سنة 1054

44

نجد أن مؤرخنا يدلف إلى سنة 1056 دون أي إشارة إلى السنة السابقة، و هذا الإغفال على ما يبدو قد تم من قبل المؤلف و لم يرتكبه النساخ فهم على اختلاف أزمانهم يتفقون على إيراد سنة 1056 بعد سنة 1054.

و الإختلاف في جوهر الكتاب ينعدم تماما و إن وجد فهو عرضي لا يعدو أن يكون كلمة نشير إليها في هامش الكتاب.

نسخ الكتاب المخطوطة و أماكن وجودها:

1- نسخة مخطوطة 1118 بمكتبة المؤرخ زبارة بصنعاء (1).

2- نسخة مخطوطة 1145 بمكتبة المؤرخ أحمد العقيلي بجيزان‏ (2).

3- نسخة مخطوطة 1165 بالمكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء، مودعة تحت رقم 129 تاريخ.

4- نسخة مخطوطة 1191 بمكتبة المتحف البريطاني برقم 3919OR (3).

5- نسخة مخطوطة 1199 بمكتبة بانكبور (4).

6- نسخة مخطوطة 1242 بالمكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء مودعة تحت رقم 128 تاريخ.

7- نسخة مخطوطة بمكتبة بتنة بالهند (5).

8- نسخة مخطوطة بالمكتبة الآصفية برقم 10 تاريخ‏ (6).

____________

(1) عبد اللّه محمد الحبشي، مجلة العرب، ص 22.

(2) عبد اللّه محمد الحبشي، نفس المرجع.

(3) عبد اللّه محمد الحبشي، نفس المرجع.

(4) عبد اللّه محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي، ص 447.

(5) عبد اللّه محمد الحبشي، مجلة العرب، ص 23.

(6) عبد اللّه محمد الحبشي، نفس المرجع.

45

9- نسخة مخطوطة 1337 بمكتبة بيت المتوكل.

10- نسخة مخطوطة 1358 بالمكتبة الغربية للجامع الكبير بصنعاء مودعة تحت رقم 127 تاريخ.

أخيرا أترك بين يدي الباحثين و الدارسين اليمنيين و كل عشاق التراث اليمني هذا الجهد المتواضع آملا أن ينال استحسانهم. كما أوجه شكري و تقديري للأستاذ القدير أحمد حسين المروني لمراجعته الكتاب و تصويبه الأخطاء اللغوية.

محمد عبد الرحيم جازم صنعاء

30/ 1/ 83 م‏

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي وعد الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفهم في بلاده، و جعلها دولا بين خليقته و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، و أشهد أن اللّه الوارث لكل حيوان و جماد، القاهر فلا معاند لجبروته و لا عناده، و أصلي على هذا النور المتنقل في الأصلاب الطاهرة و المخترع من أجله الكون فإليه رئاسة (1) الدنيا و بيده زمام أمر الآخرة، و على آله جمال الكتب و السير، مركز دائرة العز الأطهر.

و بعد فيقول المفتقر إلى مولاه العزيز القدير عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الاله بن الوزير، جمله اللّه بملبوس العافية و التقوى، و نزع عن خاطره مخائل الأهوا، هذا كشكول لطيف و محمول على الأرواح خفيف، حاولت فيه الكشف عن الحوادث التي مبتداها سنة ستّ و أربعين بعد الألف، لأني رأيت ما سبقها من السنين قد انتظمها التسيير بلسان المؤرخين، و أخذت العفو، في الترتيب و الرفو (2)، فلم أحفل بالشهر و تسيير أيامه، و لفّ الدهر و تفتيش أعوامه، لعلمي و كل من برع في التسيير، إن هذا يصدر لأمر عسير، و تعرض لما ليس من الصدق‏

____________

(1) رئاسة: (رياسة).

(2) الرفو: الإصلاح. (المنجد، ص: 273).

48

في قبيل و لا دبير، و قد عزي إلى بعض مؤرخي اليمن أنه وضع برسم‏ (1) بعض البواش‏ (2) مؤلفا جعله على ترتيب أيام الشهور و أعوام العصور مكيّفا، و لما فتشت مسوّداته، و تتبعت ورقاته، و جد منه نسختان احداهما المقتصر عليها، و المرجوع في التسيير إليها، و حين قوبل بين محصوليهما، و جد الاضطراب بين منقوليهما، فترى في إحداهما النكتة (3) الفلانية في الشهر الفلاني، و تراها في الأخرى قد رتبت للشهر الثالث أو الثاني، و من هذا الإضطراب الذي يقضي بأن القصد الخدمة [2] بذلك الكتاب، فترى الكتاب لابسا لتلك الأساليب، و اللّه يعلم ما تحت الجلابيب.

و قد اطلعت على تاريخ لبعض أبناء ملوك اليمن أوعب فيه ما وصل إلى علمه الشريف، و فكره اللطيف فاعتمدت في القصص عليه و أحلت جل ما نقلته إليه، و ما زدته منّي فإن عزوته فقد خرجت عن عهدته، و ان أطلقته فهو إنشاء اللّه بري‏ء عن الكذب و وصمته، و لم أتكلف لا كثره سجعا مطبوعا، و لا أحللته من مساكن التنطع ربوعا، لأني قصدت من موضوعه العلة المنسوبة إلى الغاية، و أن يشترك في الميل إلى توقيعه أهل البداية و النهاية، و قد رأيت كثيرا من المؤلفات مهجورا، منبوذا إلى حيّز الإهمال مدحورا، بسبب ما تحمله من النكات و المعارف، و تجمل به من قطائف اللطائف.

توقّى البدور النّقص و هي أهلة* * * و يدركها النقصان و هي كوامل‏

فأقول. دخلت سنة ست و أربعين و ألف- كان فيها ملحمة الغرب، التي‏

____________

(1) برسم: خط كتابا باسم بعض الباشوات.

(2) البواش: جمع باشا. لقب تركي كان يمنحه كبار العسكريين و ذوي المناصب المدنيين في بلاد السلطنة العثمانية و الممالك الإسلامية التي كانت تابعة لها. و معناها رجل الملك (تركية). (المنجد، ص: 25).

(3) النكتة: الحادثة.

49

جرى لمصابها من كل عين غرب‏ (1)، و ذلك أن الملوك الحسنية (2) بتلك الديار، تجاذبوا أهداب النزاع و الشجار، و كادت بحبوحة مملكتهم أن تنهار، و جمهور مملكتهم فاس‏ (3). فأما تونس و جزيرة الأندلس فهي إلى صاحب الأبواب، ابن عثمان‏ (4)، و يقال أن أنتماهم إليه و خلاصة ما شجر بينهم، أنه لما فارق الحياة (5) أميرهم الشريف أبو عبد اللّه القايم بأمر اللّه الحسين طلع تخت مملكته أخوه الأكبر، و ملك القضيب و المنبر، و ضربت برسمه السكة (6)، و عقد عليه اللوآ الأزهر، ثم أنه بعد ذلك جنح إلى اقتعاد مملكة العلوم، و استخدام عساكر منطوقها و المفهوم، و لم يلبث أن خلع خلعته هادم اللذات، و طمع ولده في أن تكون مملكته من سائر الموروثات، فرام وضع السيف فيمن بقى من أعمامه، و قرطس [3] من كنانة غدره نصال سهامه، طمعا في تفرده بتلك الجهات، و لهجا في أن تصفو له بتفرده الكدورات.

و لما علم بذلك عمه الشريف أحمد، أقبل على حربه بخاطر مؤلم و قلب مكمد، فرجف عليه بجيش جرار، و رماه من رجال الروم بمارج من نار، فمرج عليه بحرين، مؤجّر عليه خميسين، و انكشفت الوقيعة عن أقحامه البحر الزخار، و هكذا (7) يكون دفع العار بالعار، فتقرر ملكه على قاعدة الغرب و استراح،

____________

(1) غرب: الغرب الدلو العظيمة (تاج العروس، م 1، ص: 405) و تطلق كلمة غرب في اليمن على جلد الحيوان إذا استخدم و عاء للماء.

(2) الملوك الحسنية: الحسنيون هم بوجه عام من كانوا من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب، و يطلق هذا الإسم في المغرب على سلالة محمد النفس الزكية (المنجد في الأعلام، ص: 237).

(3) فاس: مدينة مشهورة في بلاد المغرب الأقصى، كانت عاصمة البلاد عدة قرون من أهم آثارها «جامع القرويين» و مدرسة «العطارين» (المنجد في الأعلام، ص: 517).

(4) ابن عثمان: (ابن عثمن).

(5) الحياة: (الحيوة).

(6) السكة: العملة أو النقود.

(7) و هكذا: (و هكذى).

50

و استلم خلعة السلطنة بشفار الصفاح، و أطراف الرماح، و هكذا عاقبة من جنح الى الملك العضوض، غير ملاحظ قاعدة مسنون و لا مفروض، و قد ألمّ ببعض القصة الشهاب الأفندي‏ (1) في ريحانة الألبّا (2)، و هي من محاسن ما صنف في العصور المتأخرة، و من البلغاء من يرجّح نفسه، على نفس قلائد العقيان، و أما شعراؤها ففيهم المجيد، و المتوسط و فيهم من لا يدوّن له شعره إلا متسامح، و هذا الكتاب اليوم قد انتشرت نسخه في هذا القطر، و مؤلّفه علامة نفسه يقضي بأنّه من أرباب الإجتهاد، و ما صان لسانه في رسائل أطلقها على أعراض جماعة، من أكابر الروم‏ (3)، و قد كان يسمّى بالولي، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و من مؤلفاته شرح شفاء القاضي عياض، و غيره و مما قلته فيه و فيها.

إذا تنبأ أحمد بينكم‏* * * يا أهل مصر غير منكور

فقد تحداكم بريحانة (4)* * * أوراقها جآت بمنثور

و فيها خرج الحداء (5) عن مذهب الشافعيّة إلى مذهب الزيديّة، و لتقارب الدّيار أثر في هذه القضية، و يقال أن أصل هذا البطن من الحدادين بمصر

____________

(1) الشهاب الأفندي: هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري نسبة إلى قبيلة خفاجة ولد و نشأ بمصر و رحل إلى بلاد الروم و ولى القضاء و اتصل بالسلطان مراد العثماني فولاه قضاء سلانيك ثم قضاء مصر و توفي بها سنة 1069 ه. (هامش (ج)، ورقة 47.

(2) ريحانة الألبّا: كذا، و في (أ، ب، ج).

(3) الروم: الأتراك، ففي كثير من المؤلفات اليمنية التي كتبت أثناء و بعد الإحتلال التركي نجدها دائما تطلق عليهم إسم الروم، أو الأروام.

(4) بريحانة: كذا، و في (أ) بن ريحانة.

(5) الحدآء: قبيلة من قبائل لواء ذمار و ناحية من نواحيها تقع إلى الشمال من مدينة ذمار و يحدها من ناحية الغرب معبر، و من الشمال جحانة و بلاد الروس، و من الشرق جوبة، و بني ضبيان، و رداع، و مركزها «زراجة».

51

القديم، و أن نسبتهم إلى يزيد بن معاوية (1)، و اللّه أعلم بحقائق الأمور [4].

و فيها كتب المؤيّد باللّه محمد بن القاسم‏ (2) إلى صنوه‏ (3) امام الإجتهاد الحسين‏ (4)، رسالة تكتب من العيون بالسّواد، و تفدى من المهج بسويدا الأكباد، تليق بكل أمير و مؤمّر، ان لا يفارقها في سفر و لا حضر، يربطها في زنده، و يدرسها مع ورده، يحث فيها على التواضع، و ترك المباهي من التطاول، و ما يليه من الديانات الظاهرة و الباطنة، و إعطاء ذوي الحقوق الحقوق، و النهي عن‏

____________

(1) يزيد بن معاوية: (معوية) (25- 64 ه/ 645- 683 م) الخليفة الأموي الثاني ابن معاوية و ميسون الكلبية، اشترك في عهد والده في حملة على القسطنطينية، و في عهده قتل الحسين بن علي في كربلاء 61 ه/ 680 م. أرسل حملة إلى المدينة و مكة بقيادة مسلم بن عقبة و الحصين بن نمير لإخضاع منافسه ابن الزبير انصرف إلى اللهو غير أنه أصلح الإدارة و المالية. توفي بحوارين من أرض حمص (المنجد في الأعلام، ص: 749).

(2) المؤيّد باللّه محمد بن القاسم: هو محمد بن الإمام القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف الأصغر الملقب الأشل ابن القاسم بن الإمام الداعي يوسف الأكبر ابن الإمام المنصور يحيى ابن الإمام الناصر أحمد ابن الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ولد سنة 990 ه و مات سنة 1054 ه)، برع في عدة علوم و درس و افتى و بويع إماما بعد وفاة والده في سنة 1029 ه، و كاتبه الأتراك على استمرار الصلح الذي عقد مع والده فوافق على ذلك، و ما أن انتبهت فترة الصلح في شهر محرم سنة 1036 ه حتى أخذ يحارب الأتراك دون هوادة يساعده في ذلك إخوته الحسن و الحسين و أحمد أبناء الإمام حتى أخرجوهم من كافة أرجاء اليمن محققين بذلك استقلال اليمن من الإحتلال العثماني. و قد قبر بشهارة بالقرب من والده. (البدر الطالع، م 2، ص: 238: 240).

(3) صنوه: الصنو هو الأخ الشقيق.

(4) الحسين: هو الحسين بن الإمام القاسم بن محمد بن علي، قائد فاضل من أعيان اليمن، له تصانيف كثيرة، منها (غاية السول في علم الأصول) و شرحه (هداية العقول) و (آداب العلماء و المتعلمين) و توفي (بمدينة ذمّار). (الأعلام، ج 2، ص: 274- 275) و له ترجمة في (البدر الطالع م 1، ص: 226: 227). أنظر ترجمته من قبل المؤلف ص: 78، 79، 80، 81.

52

القطيعة و العقوق، و توظيف مراتب أهل الحقوق، على طبقاتهم بمراعاة العالم بتوفير حقّه، و توقيره، و الجاهل بمواساة فقيره المطيع و زجر عاصيه و تحذيره، و افتقاد الأمراء و الأجناد و عرضهم في أغلب الأحوال على دفاتر الإمداد، و كفّ الجند سيما حاشية الملك في كل وقت عن التخطي إلى طرق المظالم، و وضع أنواع بيت المال خلف أبواب و أقفال، فعمارة المنصب بالمال و على قدره يكون قدر الحياطة من الإضمحلال، و في هذه الرسالة، ما هو أكثر من هذا المرقوم فليطلب من محلّه.

و فيها أوفى التي قبلها كان وفاة السيد العلامة صلاح بن أحمد السراجي، المعروف بالحاضري، و كان في لطف المحاضرة، و حسن الجواب، و رشاقة الأسلوب، أشبه شي‏ء بالسيد الإمام صلاح بن أحمد بن عبد اللّه بن الوزير (1)، و قد كانت له المنزلة الرفيعة عند الباشا العارف جعفر (2)، و الحاجى محمّد فضل اللّه باشا، فإنه تمكن من قلب الرجلين ما شاء، و لما كتب إليه جعفر يسأله بقوله:

ماذا يقول إمام العصر في رجل‏* * * أضحى قتيل الهوى بالأعين النّجل‏

هل يستباح له أحياء مهجته‏* * * برشف محبوبه و الضمّ و القبل‏

أم هل يجوز له يوما يعانقه‏* * * و يشفي النفس من قول بلا عمل‏

و في قوله و يشفي النفس من قول بلا عمل، مقال، و قد وقع له نظير في شعر القدماء [5]، و شعراء المولّدين كأبي الطيب و غيره، و وجهة تقدير أن أجابه بقوله:

____________

(1) صلاح بن أحمد بن عبد اللّه بن الوزير: هو صلاح بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد اللّه بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزير الحسنى (ولد سنة 945 ه و مات بصنعاء في سنة 1124 ه) برع في جميع العلوم، و من تلاميذه الإمام القاسم و ولده الإمام محمد بن القاسم. (ملحق البدر الطالع، م 2، ص: 104- 106).

(2) الباشا العارف جعفر: هو جعفر باشا، عين واليا على اليمن من عام 1607- 1616 م (الغزو العثماني الأول لليمن، ص: 483).

53

إن صح دعواه في إتلاف مهجته‏* * * و أنّ رشف الّلمى‏ (1) يشفي من

العلل‏

فليرشفنّ رضاب الثغر ملتمسا* * * من ريق محبوبه أحلى من العسل‏

فالرشف في شرعة الإسلام أهون من‏* * * قتل امرء مؤمن باللّه و الرسل‏

و ظاهر هذا (2) موافق لمذهب الظّاهرية (3)، ان التقبيل و النظر لشهوة، و سائر المقدمات جائزة، و قد تعدّى الحال، بسبب هذا المقال في أيام حيدر المغرور (4)، إلى ما هو في سيرته و سيرة حاشيته مشهور، ذكر بعض العارفين أنه كان إذا قصد المنتزهات، إنهمك في أنواع المفاسد و اللذات، و بيع الخمر في سوقه، و استوى زرع المنكر على سوقه، و قد قطع هذا العرق الظالم، بدولة الفواطم‏ (5) بعد حصد تلك الرقاب العواصي بالقواصم، فالحمد للّه.

و فيها قتل شريف معتقد من بني العيدروس بحدود خثعم‏ (6)، قاصدا لبيت اللّه المعظّم، فضرب اللّه أهل تلك البلدة التي قتل فيها بالجذام، عقيب ذلك المنكر و ظهر عند الخاص و العام‏ (7). و فيها كان وفاة السيد الأديب «محمد بن‏

____________

(1) اللّمى: (البارد الريق) (تاج العروس، ج 10، ص: 332).

(2) هذا: (هذى).

(3) الظاهرية: من الفقهاء منسوبون إلى القول بالظاهر منهم داود بن علي بن خلف الأصبهاني رئيسهم. (تاج العروس، ج 3، ص: 375). و الظاهرية هم الذين يؤمنون بظاهر القرآن و الأحاديث.

(4) حيدر المغرور: هو حيدر باشا، تسلم ولاية اليمن سنة 1034 ه/ 1624 م، و قد انصرف إلى شرب الخمر و اللهو و ترك شئون الحكم في أيدي أتباعه، و في عهده زادت الفوضى و الإضطرابات في اليمن، و تمكن الإمام المؤيد باللّه أن يستغل كل ذلك و ينتزع الكثير من الأراضي اليمنية من أيدي الأتراك، كما حاصر مدينة صنعاء و اضطر حيدر باشا إلى الإستسلام على شرط أن يخرج من صنعاء إلى زبيد، فتم له ذلك سنة 1308 ه/ 1629 م. (الغزو العثماني الأول لليمن، ص: 376- 380).

(5) دولة الفواطم: نسبة إلى فاطمة الزهراء زوج علي، و إليهما ينتسب أئمة الدولة القاسمية.

(6) خثعم: قبيلة من اليمن من ولد خثعم بن أنمار بن أراشة بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ الأكبر (اليمن الكبرى، ص: 167).

(7) إيراد مثل هذا الحدث و بهذه الصورة المقصود به خلق مكانة اجتماعية لبعض الناس و ذلك بإلباسهم ثوب «الكرامة» ذو المفهوم الخارج عن حدود العقل.

54

مقاطع جي» و له شعر متوسط مدح به الشريف المسعود صاحب مكة، و ملك اليمن الحسن ابن القاسم‏ (1) و الأمير حسين بن عبد الرب، و له مكاتبات مع إمام الفلك عيسى ابن لطف اللّه‏ (2)، و معارضات لشعر السيد العلامة محمد بن عبد اللّه بن المتوكل على اللّه يحيى شرف الدين‏ (3).

و فيها وفاة واحد عصره في التنجيم، و الخط القويم عبد اللّه بن صلاح عنقوب‏ (4)، و له مجموع كتاب الزيج‏ (5)، و تكميل في الشهور العربيّة، و اليزدجردية (6) لكتاب الشيخ باغوث الحضرمي‏ (7)، بلغ فيه إلى سنة ألف و مائة و ثماني و ستين.

____________

(1) الحسن بن القاسم: هو الحسن بن الإمام القاسم بن محمد بن علي (ولد سنة 996 ه و مات سنة 1048 ه) قاتل الأتراك إلى جانب والده و وقع في الأسر و سجن بصنعاء أياما ثم أفلت من الأسر و استمر يحارب الأتراك حتى خرجوا من اليمن ثم بعد ذلك اختط حصن الدامغ في حدود سنة 1040 ه و كان موته في مدينة الحصين التي عمرها تحت حصنه المذكور (البدر الطالع، م 1، ص: 205: 207). أنظر ترجمة المؤلف له ص 61، 62.

(2) عيسى بن لطف اللّه: (لم تذكر كتب التراجم مولده أما وفاته فكانت سنة 1048 ه/ 1638 م) و هو عيسى بن لطف اللّه بن المطهر بن الإمام يحيى شرف الدين. أحد علماء اليمن و نبلائها من أهل كوكبان. كان عالما بالأدب و التاريخ و غلب عليه علم النجوم من كتبه (روح الروح فيما حدث بعد المئة التاسعة من الفتن و الفتوح) جزءان في مجلد. قال الشوكاني: صنفه للأروام بعناية الوزير محمد باشا. و صنف له أيضا (الأنفاس اليمنية في الدولة المحمدية) في تراجم أئمة اليمن، و نقل عنه المجنى فوائد كثيرة. و له (الموشحات) و (الوسيلة الفائقة) ذكرهما بروكلمن (الأعلام، ج 5، ص: 291: 292) أنظر ترجمته من قبل المؤلف ص 63، 64، 65.

(3) محمد بن عبد اللّه بن المتوكل على اللّه يحيى شرف الدين: أنظر ترجمته ص 65.

(4) عبد اللّه بن صلاح عنقوب: من أهل اليمن عاش في القرن الحادي عشر الهجري، ذكر في كل من بهجة الزمن- و كتابنا هذا طبق الحلوى- من مؤلفاته (مجموع الزيج)، (تكميل الشهور العربية اليزدجردية) بلغ فيه إلى سنة 1168 ه (مصادر الفكر الإسلامي، ص: 486).

(5) الزيج: كتاب في الجداول الفلكية، أشهر من ألف فيه ابن الشاطر الدمشقي، و أبو حنيفة الدينوري، و أبو معشر البلخي، و محمد الطوسي و ابن يونس (المنجد في الأعلام، ص: 341).

(6) اليزدجردية: الفارسية.

(7) باغوث الحضرمي: ذكره صاحب بهجة الزمن دون أن يذكر شيئا عنه. (مصادر الفكر الإسلامي، ص: 486).

55

و فيها مات الفقيه الفلكي عبد القيوم الرّغيلي‏ (1)، و كان من الإتقان بمحل أول، و هو الذي وضع المدخل المختصر لزيج بن الشاطر، [6] المسمّى بالدر النظيم، و قد وقفت على هذا المصنف فرأيته جداول ساذجة خلاف ما عليه كتب هذا الفن، من تخلل رسالة المداخل و نحوها و هو لطول مصر.

و دخلت سنة سبع و أربعين و ألف-

فيها ارتحل الملكان الحسن و الحسين من ضوران‏

كأن الدامغ المحروس ليث‏* * * مقادمه إلى جهة المشارق‏

يقلب رأسه يمنا و شاما* * * ليفترس المنافق و المشاقق‏

و فرد من عقارب لا يجارى‏* * * يسير من المغارب و هو شائق‏

ليلسع من يجور بكل أرض‏* * * فلم نسمع بخلس أو بارق‏

فسمى دامغا بعد اختيار* * * ليدمغ للمعادين المفارق‏

(2)، متوجهين إلى صنعاء اليمن، في أبّهة حيدريّة، و مملكة روميّة، و خيول كالسعالي‏

ياوى إلى نسوة عطل‏* * * شعث مراضيع مثل السعالي‏

(3) و جنود يدكدك لها

____________

(1) عبد القيوم الرغيلي: من علماء الفلك في اليمن توفي سنة 1046 ه. (مصادر الفكر الإسلامي، ص: 485).

(2) ضوران: و ضوران بالضاد المعجمة جبل مشهور و في سفحه المدينة مركز قضاء آنس و بها الجامع العظيم الذي عمره الأمير الشهير الحسن بن القاسم و الحمام، و سمى حصنها الدامغ، و فيه قال الأديب المهدي بن محمد المهلا الشرفي:

كأن الدامغ المحروس ليث‏* * * مقادمه إلى جهة المشارق‏

يقلب رأسه يمنا و شاما* * * ليفترس المنافق و المشاقق‏

و فرد من عقارب لا يجارى‏* * * يسير من المغارب و هو شائق‏

ليلسع من يجور بكل أرض‏* * * فلم نسمع بخلس أو بارق‏

فسمى دامغا بعد اختيار* * * ليدمغ للمعادين المفارق‏

(هامش نزهة النظر، ج 1، ص: 24- 25).

(3) السعالي: هم الغيلان جمع غول. (و قد ذكرها العرب في شعرهم قال الأعشى «و نساء كأنهن السعالى» و قال أمية الهذلي:

ياوى إلى نسوة عطل‏* * * شعث مراضيع مثل السعالي‏

و قال بعض العرب لم تصف العرب بالسعلاة إلا العجائز و الخيل (تاج العروس، ج 7، ص: 376).

56

الشم العوالي، و تلقاهم من بصنعاء من طائفة (1) العسكر، فدخلوها في وقت مسعود الطالع أغرّ، و كان يوما مشهودا انبهر له عسكر الأروام، الذين رغبوا إلى خدمة آل الإمام، و رأى الناس ما هالهم من الشارة الملوكية، و السناجق السلجوقية، و النّوبة التي رجفت لأصواتها قلوب المرجفين، و استحكمت بها قوة أفئدة الذين كانوا مستضعفين، و لما قر قرار الملكين انفصل الحسن إلى روضة حاتم‏ (2) البهية، بمن معه من القواد و الأتابكية، و رجع أخوه إلى ضوران، و أحيا معالمها بعلومه و أعلامه حصة من الزمان.

و فيها وصل العلامة إسماعيل بن القاسم‏ (3) إلى صنوه الحسن إلى صنعاء، و كان قد ناله مشقة التكليف بشهارة (4) هو و من معه بسبب تحرّي الإمام الزاهد، الإمام المؤيّد في حاله مثله، فصنع إليه أخوه الحسن من أصناف المعروف، ما هو به مذكور له مألوف، و حضر قراءة الفصول اللؤلؤية مع أخيه الحسين، على إمام‏

____________

(1) طائفة: (طايفة).

(2) روضة حاتم: الروضة مدينة جميلة بينها و بين صنعاء مسافة ساعة بالسير السريع شمالا من صنعاء، و يقال لها (روضة حاتم)، نسبة إلى السلطان حاتم الهمداني المتوفي سنة 556 ه و قد يقال روضة أحمد. (هامش نزهة النظر ج 1، ص: 54).

(3) إسماعيل بن القاسم: هو الإمام المتوكل على اللّه اسماعيل بن الإمام القاسم بن محمد (ولد سنة 1019 ه و مات سنة 1087 ه/ 1610- 1676 م) برع في الفقه و فاق علماء عصره في ذلك، و له مصنفات منها (العقيدة الصحيحة) و شرحها (المسائل المرتضاة إلى جميع القضاة) و حاشية على منهاج الإمام المهدي في الأصول و رسالة في الطلاق للثلاث، و في المحايرة في إبطال الدور، و في الخلع، و فيما وقع إهداره في أيام البغاة، و فيما يؤخذ من الجبايات. و قد دعا إلى نفسه بالإمامه بعد موت أخيه الإمام المؤيد باللّه محمد بن القاسم في يوم الأحد سلخ رجب 1054 ه، و حقق وحدة اليمن في فترة حكمه (البدر الطالع، م 1، ص: 146: 149) و قد تحدث المؤلف عن فترة حكمه فأفاض.

(4) شهارة: تقع في الشمال الشرقي من محافظة حجة و مركزها مدينة شهارة التي تقبع في مرتفع حصين يبلغ ارتفاعه 2510 متر تقريبا.- و من جبال شهارة جبلان معروفان من جبال الأهنوم يقال لأحدهما شهارة الفيش، و الآخر شهارة الأمير (نزهة النظر، ص: 52) و قد ذكرت شهارة في معجم البلدان، م 3، ص: 374.