تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
1

الفهرس‏

مقدمة المترجم 9

حديث كورنك 18

نسب بختيار الأسبهبد 20

أسماء سجستان 31

حدود سجستان و عدد مدنها 33

مذهب أهل سجستان 37

نسب بخت النصر 38

ذكر مولد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) 41

قصة قيدار الملك بن إسماعيل فى حديث نور المصطفى (عليه السلام) 46

قصة أبرهة الصباح مع عبد المطلب 53

ولادة محمد المصطفى (عليه السلام) 58

خلافة أمير المؤمنين أبى بكر رضى اللّه عنه 68

خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 68

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان 70

حديث فتح سجستان فى عهد عثمان بن عفان رضى اللّه عنه 72

مجى‏ء عبد الرحمن بن سمرة سجستان 74

خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب 74

سبب قيادة المهلب 76

2

تولى معاوية الخلافة 80

مقدم عبد اللّه بن عامر 80

مقدم ربيع الحارثى سجستان عاملا عليها 81

مقدم عبد اللّه بن أبى بكر سجستان عاملا عليها 81

مقدم عباد بن زياد سجستان 83

تولى يزيد بن معاوية الخلافة 84

مقدم ولدى زياد بن عباد و أبى عبيدة سجستان 87

مقدم طلحة الطلحات سجستان 87

مقدم الأسود بن سعيد سجستان 89

مجى‏ء عبد اللّه بن طلحة سجستان 89

تولى معاوية بن يزيد الخلافة 90

تولى مروان بن الحكم فى الشام 90

تولى عبد اللّه بن الزبير فى مكة 91

مقدم عبد العزيز أميرا 91

ذهاب عبد العزيز إلى بست و كابل 91

تولى عبد الملك بن مروان بن الحكم الخلافة 92

مقدم عبد اللّه بن أمية سجستان 93

مقدم موسى بن طلحة 94

مقدم عبيد اللّه بن أبى بكر 95

مقدم عبد الرحمن بن محمد الأشعث سجستان 97

مقدم مسمع بن مالك 101

تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة 102

مقدم قتيبة بن مسلم فى رجب سنة ست و ثمانين 102

3

مقدم قيبة بن مسلم إلى سجستان ثانية فى عهد أخيه عمرو 103

مقدم يزيد بن المهلب خراسان، و إرسال أخيه المدرك بن المهلب إلى سجستان 104

تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة 104

مقدم سباك بن المنذر الشيبانى 105

مجى‏ء عبد الرحمن سجستان 105

مقدم معارك بن الصلت سجستان 106

تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة 106

تولى هشام بن عبد الملك الخلافة 107

تولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة 109

تولى يزيد بن الوليد بن يزيد 110

تولى إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك الخلافة 110

أول تعصب بين الفريقين 111

مقدم سوار بن الأشعر سجستان 111

تولى مروان بن محمد الخلافة 112

مقدم مالك إلى سجستان 113

نهوض أبى مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم 113

تولى أبى العباس السفاح الخلافة 114

تولى أبى جعفر المنصور 115

مقدم سليمان بن عبد اللّه الكندى سجستان 117

مقدم هنادى السرى 117

مقدم زهير بن محمد الأزدى سجستان 118

تولى المهدى الخلافة و إرسال يزيد بن منصور إلى سجستان 119

مقدم عبيد عبد اللّه بن العلا سجستان 120

4

مقدم معن بن زايدة 120

تولى المهدى بن المنصور الخلافة 124

مقدم زهير بن محمد الأزدى سجستان 125

تولى الهادى الخلافة 125

مقدم كثير بن سالم إلى سجستان 126

تولى هارون الرشيد الخلافة 126

مقدم عبد اللّه بن حميد سجستان 127

مقدم يزيد بن جرير سجستان 129

ظهور الأمير حمزة بن عبد اللّه الخارجى 130

مقدم سيف بن عثمان الطارابى 132

مقدم عبد اللّه بن العباس سجستان 133

مقدم سيف بن عثمان الطارابى 134

رد (جواب) حمزة بن عبد اللّه الخارجى 137

مقدم محمد بن الأشعث 143

تولى أبى العباس عبد اللّه المأمون الخلافة 143

مقدم أحمد بن الفضل 145

مقدم عمرو بن الهيثم 146

مقدم محمد بن الحصين 147

مقدم إلياس بن أسد 147

مقدم محمد بن الأحوص 148

مقدم محمد بن شيب 148

مقدم محمد بن يزيد سجستان 149

مقدم حسين بن على 149

5

مقدم أحمد بن خالد 150

مقدم محمد بن الأحوص 151

مبايعة الحصين بن الحسين 152

تولى أبى إسحاق المعتصم باللّه الخلافة 153

مقدم الحسين بن عبد اللّه السيارى 153

جفاف نهر هيرمند و حدوث القحط و الموت 155

مقدم نصر السيارى 156

مقدم إبراهيم الحصين 157

تولى الواثق باللّه الخلافة 157

تولى المتوكل الخلافة 159

أخبار ملك الدنيا صاحب القرآن 165

تولى المنتصر باللّه الخلافة 167

تولى المستعين باللّه الخلافة 167

قصة أزهر 168

خروج يعقوب لمحاربة عمار الخارجى 170

خروج يعقوب لمحاربة صالح بن حجر 171

خروج يعقوب إلى هراة و استيلاؤه عليها 171

خروج يعقوب إلى كرمان و فارس 175

تربع المهتدى باللّه على العرش 176

خروج يعقوب إلى رخد لمحاربة زنبيل 176

تولى المعتمد على اللّه الخلافة 177

خروج عبد الرحيم للإمارة 179

سبب حبس محمد بن الطاهر و انقراض الأسرة 181

6

خروج يعقوب إلى جرجان 183

قتل عبد اللّه و صعاليك خراسان 184

حديث محمد بن واصل مع يعقوب و محمد زيدويه 185

وفاة يعقوب بن الليث فى جندى سابور 190

تولى عمرو بن الليث الإمارة 191

تلقى أمر وفاة المعتمد فى سجنه 192

استيلاء عمرو على فارس 199

هروب على بن الليث من قلعة (بم) 201

وفاة الموفق و قبول المعتضد باللّه الخلافة 202

انهزام رافع بن هرثمة أمام عمرو بن الليث 204

بقاء عمرو بن الليث فى بلخ بأمر إسماعيل بن أحمد 209

وصول رسالة عمرو 210

نهاية الأمير عمرو بن الليث و نهاية المعتضد باللّه 214

حديث سير عمرو بن الليث 218

نسب أزهر بن يحيى و حكاياته 219

أول تعصب بين سمك و صدق 224

تولى أبى جعفر المقتدر باللّه الخلافة 229

مجى‏ء الليث بن على سجستان و دخوله المدينة 229

خروج طاهر و يعقوب ابنى محمد عمرو بن الليث 231

تولى الليث بن على الإمارة 232

ذهاب شير لبادة لحرب السبكرى فى فارس 235

تولية أبى على محمد بن على الليث إمارة سجستان 237

فرار محمد بن على منهزما أمام جيش أمير خراسان 239

7

زوال ولاية سجستان عن آل يعقوب و عمرو 242

حديث السبكرى 242

انهزام السبكرى 243

خلاف (ثورة) الناس على منصور بن إسحاق 244

استيلاء المولى السند لى على سجستان 246

الخطبة للأمير أبى حفص 247

مجى‏ء حسين بن على المرورودى إلى سجستان 248

قتل أحمد بن إسماعيل أمير خراسان و تولية أبى نصر بن أحمد الإمارة 249

هروب سيمجور من سجستان 250

مجى‏ء فضل بن حميد مع أمير سجستان 251

عصيان خالد بن محمد بن يحيى 253

تولية الأمير أبى جعفر أميرا على سجستان 257

أسر عبد اللّه بن أحمد على يد يمان بن حذيف 259

حديث ماكان مع الأمير أبى جعفر 262

حديث نصر بن أحمد مع الأمير أبى جعفر 263

مجى‏ء الأمير طاهر أبى على إلى مدينة سجستان 277

عودة الأمير خلف و الاستيلاء على سجستان 283

انهزام الأمير خلف 283

استيلاء الأمير خلف على القلعة 285

تصالح الأمير خلف مع الأمير حسن و النزول من القلعة 287

جلوس الأمير خلف أبى أحمد 288

عودة الأمير عمرو ابن الأمير خلف من خراسان 290

مجى‏ء السلطان محمود بن سبكتكين (رحمه اللّه) إلى سفح جبل أسبهبد 291

8

عودة الأمير طاهر من كرمان 293

دخول الأمير طاهر المدينة 293

الاستيلاء على القلعة باسم السلطان محمود و عيارى سجستان 295

هبوط الأمير خلف من قلعة طاق للصلح، و ذهابه إلى خراسان 296

ملك سجستان للسلطان العادل 297

بداية تولى الترك على السجستانيين 298

عمل الأمير محمد أبى حفص بن كلانة 301

مقدم السيد أبو منصور بن خوافى 302

مقدم ابن بهاء الدولة سجستان 302

عمل عزيز بن محمد فوشنجى، و عزل أبى منصور بن خوافى 304

مجى‏ء الأمير أبى الفضل نصر بن أحمد 304

وفاة السلطان محمود (رحمه اللّه) 305

مجى‏ء عزيز الفوشنجى من قبل السلطان مسعود 305

عمل أبى سعد الجيمرتى 306

مجى‏ء الأمير أبى الفضل 307

مجى‏ء أرتاش و الخطبة لبيغو 308

مقدم بيغو إلى سجستان 308

مقتل السلطان مسعود 309

مقدم قيماس مع الجيش إلى سجستان 309

أسر الأمير أبى نصر على يد طغرل 310

مقتل أرتاش 311

خلاص الأمير أبى نصر 312

خبر وفاة أبى جعفر أحمد بن منصور 312

مجى‏ء طغرل 313

موقعة بده 315

قدوم ياقوت للمرة الأولى إلى سجستان 316

مقدم ياقوتى مرة أخرى 317

موقعة جوين 318

موقعة ييش زره 318

مجى‏ء رسول الأمير جفرى 319

الخطبة للأمير بيغو 320

مقدم الأمير بيغو سجستان 321

قصة مخدوم الشاه الأعظم شهريار نيمروز ركن الحق و الدين 342

عودة الشاه المعظم ركن الدين محمود من عند الأمير نوروز إلى ولاية نيه 344

ذهاب الشاه المعظم ركن الدين محمود إلى ولاية خبيص 344

محاربة الشاه المعظم ركن الدين محمود مع جيش الملك نصير الحق و الدين و انتصار جيشه على جيش الملك 346

9

مقدمة المترجم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد و على آله و من اتبعه من المؤمنين و سار على دربه إلى يوم الدين.

هذا الكتاب ترجمة للكتاب الفارسى" تاريخ سيستان" أى" تاريخ سجستان" و هو مجهول المؤلف، ألّف فى منتصف القرن الخامس من الهجرة المباركة، و نشر هذا الكتاب و حققه العلامة الأستاذ/ محمد بهار ملك الشعراء، حيث كان فى تحقيقه دقيق الملاحظة متكئا على خلفية علمية عميقة له، كان من أهم مقوماتها علمه الواسع باللغة البهلوية التى كانت لغة إيران قبل الإسلام، حيث إن الكتاب أخذ عن مصادر كتبت بهذه اللغة و اندثر معظمها، إلا أن هذا الكتاب حفظها، و كتاب مثل هذا لا بد أن يكون عظيم الأهمية خصوصا أنه كتاب تاريخ، و معلوم أن تاريخ الأمم هو مرآة حضارتها.

تقع سجستان فى الجنوب الشرقى لإيران على حدودها المتاخمة لأفغانستان و هى مدينة قديمة هاجر إليها قوم السكه فى عصر فرهاد الثانى الأسكانى سنة (136- 128 ق. م.) و استقر فيها، و كانت تسمى فى ذلك الوقت زرنج، و لفظ سجستان معرب من الكلمة الفارسية (سگ) بمعنى الكلب، كما كانت تسمى أيضا نيمروز لأننا نجد هذا الاسم قد جاء مكررا فى الشاهنامة، و قد كتب على عملة الدولة الساسانية و الكيانية. و تنقسم سجستان إلى قسمين، الأول: الحافة الجنوبية لجبال هندكوش حيث يمر الطريق الذى يربط قندهار بهراة و مرو و بلخ، و هو

10

موقع متميز للاتصالات. الثانى: المنطقة الصحراوية، و تقع حول بحيرة هامون و أطرافها صالحة للزراعة.

و لا يفوتنا أن ننوه إلى أن مدينة بم الإيرانية التى ضربها الزلزال و خربها 2004 م. قريبة من مدينة سجستان.

و من الأهمية بمكان أن نذكر أن سجستان قد أنجبت للعالم الإسلامى بصفة عامة و لها بصفة خاصة كوكبة كبيرة من العلماء فى كثير من فروع العلم و الثقافة، كما أنها قد تميزت بإنجاب العلماء الفقهاء المتخصصين فى علوم الدين، و نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أبا داود السجستانى المحدث صاحب كتاب السنن، و أبا حاتم السجستانى و هو لغوى و أديب مشهور، و أبا بكر السجستانى و هو فقيه و مفسر و له نزهة القلوب فى تفسير غريب القرآن، و غيرهم كثير.

كما أنه من الأهمية بمكان أن نعلم أن تاريخ المسلمين و حضارتهم فى المشرق الإسلامى فى حاجة ماسة لرصده و تسجيله من عصر إلى آخر، و لا يمكن الإتيان بهذا إلا بالإلمام بلغات هذه الشعوب فى المشرق الإسلامى سواء كانت اللغة الفارسية أو الأردية أو التركية أو غيرها، فلا يجوز بأى حال من الأحوال أن نسجل تاريخ هذه الشعوب من مصادر عربية، فلا بد من معرفة تاريخ هذه الشعوب من لغتها الأم التى يتحدثون بها، و يدونون بها تاريخهم، و من مصادرهم التى سطروا بها حضارتهم.

و الكتاب الذى أقدمه- بعد النظر فيه- خرجت منه بحقيقتين: إحداهما عامة و الأخرى خاصة.

فالحقيقة العامة تتصل بمؤلف الكتاب، فهو يعد من الكتب القليلة من التراث الإسلامى التى لم يعرف لها مؤلف، و اتضح فى النهاية أن له مؤلفين، و ذلك أخذا من اختلاف أسلوب الكتاب فى جانب منه عن الجانب الآخر، فهذان الجانبان يمثلان مؤلفين يختلفان فى أسلوبهما، و فى كيفية تناولهما الأحداث.

11

أما الحقيقة الخاصة فهى أن للكتاب قيمة تاريخية خاصة، و يعد بحق مصدرا من المصادر المهمة فى التاريخ الإسلامى بصفة عامة، و فى التأريخ للخوارج و الدولة الصفارية بصفة خاصة، و زاد من قيمة الكتاب أن مؤلفيه اعتمدا على مراجع فارسية قديمة ضاع معظمها، و بذلك جاء بمادة نادرة، هى تلك المادة التى نجدها فى هذا الكتاب، و أظن أن مؤلف القسم الأول اعتمد على كتب" بهلوية"، حيث كان يعرفها، أضافت بعدا جديدا إلى قيمة هذا الكتاب من حيث كونه كتابا فى تاريخ ذلك الإقليم الذى أبدى فرط اهتمامه بالتأريخ له منذ بدء الخليقة إلى العصر الذى عاش فيه. و أنه كان يحذو حذو قدماء المؤرخين الذين يستقون مادتهم التاريخية من الأساطير و الوقائع. و لا يقلل من قيمة الكتاب أن يؤرخ فيه مؤلفه معتمدا على ما يعد أسطورة، فمن المعروف أن الأسطورة تاريخ فى مرحلتها الأولى، و الأسطورة اليوم كانت حقيقة فى نظر القدماء.

إن المؤلف يبدو معتزا اعتزازا كبيرا ببلده سجستان، فهو يتتبع تاريخها منذ نشأتها، و لا يريد أن يترك حقيقة دون الإشارة إليها، و هو يعمد إلى التفصيل رغبة منه فى التمجيد و التعظيم، لأنه يريد أن يبين أن لها سابقة فى المجد قبل الإسلام، أما بعده فهو يذكر لنا الكثير من الحقائق التى تتعلق بدخول الإسلام إلى سجستان.

و ينتقل المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا فى تفصيل، فيقف على كثير من الحقائق، و يذكر كل شى‏ء عنها، راغبا فى أن يبين فضلها على غيرها من المدن الأخرى، و عقد مقارنات يذكر فيها أخص الخصائص من المعلومات.

اهتم المؤلف بفترة خاصة من تاريخ سجستان، و هى الفترة التى كان للخوارج فيها دولة، و ذكر عنهم معلومات قيمة و بيّن صلتهم بالخلافة الإسلامية فى دمشق و بغداد. كما أرّخ لميلاد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و عصره، و عصر الخلفاء الراشدين و الأمويين و العباسيين، و العلاقات القائمة بين سجستان و بين هؤلاء الخلفاء.

12

استفاد المؤلف من معظم المصادر التاريخية، كما استفاد من نصوص الشعر العربى و الفارسى معا، و يدعم قوله فى الكثير من الأحيان بالحجة أو الدليل، خاصة أثناء سرده لسيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فهو يذكر أحداثا يتسم معظمها بالغرابة، و هذا دليل على أنه اعتمد على مصادر مفقودة، و لكنه يكتفى بسرد الخبر و لا يتصدى لتوكيده أو تفنيده.

و أرّخ المؤلف للدويلات الفارسية التى قامت في المشرق الإسلامى، و بيّن علاقتهم بالخلفاء العرب، و تلك حقبة تاريخية فى غاية الأهمية.

و من بعض مزايا هذا الكتاب انفراده دون غيره من كتب التاريخ الإسلامى بالحديث عن الفتح الإسلامى لسجستان، و ذكر قصة مقتل أبى مسلم الخراسانى على يد أبى جعفر المنصور، و هى قصة فريدة، و كذلك قصة إسراف معن بن زائدة فى العطاء للشاعر مروان بن أبى حفصة، لدرجة أن ما فى الخزانة قد نفد و لم يبق منه شى‏ء، و قصص حمزة الشارى، و رسالة هارون الرشيد إلى حمزة ورد حمزة عليها، و كذلك قصة أبى جعفر أحمد بن محمد مع ماكان بن كاكى، و مجلس الأمير نصر بن أحمد، و قصيدة الرودكى النونية و ذكرها كاملة و المناسبة التى نظمت من أجلها، و غير ذلك كثير.

و كما أن الورد لا يخلو من الأشواك، فإن للكتاب عيوبا تؤخذ عليه، إلا أنها لم تنقص من قيمته التاريخية مطلقا، منها على سبيل المثال لا الحصر، وجود بياض كثير فى المتن الأصلى، و هذا يجعل المعنى مضطربا و السياق غير واضح، كما أنه يكثر من ذكر الأسماء أثناء سرده للأحداث، فهذا يشتت تركيز القارئ عن تتبع سير الأحداث، كما أنه يكثر من ذكر الأحداث المتعاقبة فى سرعة، و يضع عناوين و لا يذكر تحتها شيئا إلا أسطرا معدودات.

أما الجزء الثانى من الكتاب و الذى يبدأ تقريبا من بعد عنوان" مقدم الأمير بيغو سجستان" حتى نهاية الكتاب، لم يذكر المؤلف عناوين للأحداث التى أرخ لها

13

- إلا عنوانين تقريبا- إلا أنه كان يأتى بالحدث تلو الآخر، مما جعل هذا القسم غير مرتب و منظم، و أصبحت قراءته للإلمام بأحداثه أمرا صعبا بالنسبة للمطلع على الكتاب.

و الآن أيها القارئ الكريم أقدم لك بعض ما فتح اللّه علىّ من ترجمة عربية للمتن الفارسى برمته لكتاب" تاريخ سيستان"، و قد حاولت جهد الطاقة أن تكون الترجمة مطابقة للأصل الفارسى، و قمت بكتابة بعض الحواشى و التعليقات المفيدة التى قد تساعد على توضيح المعلومات و إزالة اللبس.

و اللّه أسأل أن يكون الكتاب ذا فائدة واقعة للمهتمين بالتاريخ الإسلامى بصفة عامة، و تاريخ المشرق الإسلامى بصفة خاصة، و أن تعم فائدته الجميع، و هو الهادى إلى الصواب.

محمود عبد الكريم على‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و سبحان الذى أحاط بكل شى‏ء علمه، و نفذ فى كل موجود حكمه، و ظهر فى جميع الأمور حكمته، و بان فى كل مصنوع لطيفة صنعه، نحمده على نعمته عندنا بموهبة العقل الذى اختصنا من سائر الحيوان به، فوجب علينا بذلك حجته و لزمنا معه عبادته و الإقرار بربوبيته، و صلى اللّه على محمد عبده و رسوله و على آله من أهله.

أخبار سجستان منذ نشأتها و أنساب عظمائها و حدودها و أين كانت فى بداية أمرها و فضائلها على غيرها من المدن الأخرى كما وجدت فى كتاب جرشاسب‏ (1)، و كذلك كتاب فضائل سجستان الذى ألفه هلال يوسف الأوقى‏ (2)، و ما حدث بعد ذلك حتى عصر الملك؟ (3) ...، أما بناء سجستان على يد جرشاسب بن أثرت بن شهر بن جورنج بن بيداسب بن تور بن جمشيد الملك بن نوبخان بن إينجد بن اوشهنك بن فراوك بن سيامك بن ميشى بن كيومرث.

____________

(1) يوجد فى الأصل ثلاثة أسطر بيضاء، و كتاب جرشاسب الذى ذكره بهذا التفصيل غير جرشاسب نامه الذى نظمه أسدى الطوسى، و ينبغى أن يكون كتابا آخر غير كتاب أسدى الطوسى الذى أخذ عنه قصة جرشاسب و أسرته، و بموجب تصريح هذا الكتاب فى مكان آخر، فإن الكتاب من تأليف أبى المؤيد البلخى، و لعله كان جزءا من شهنامته، و سقطت هذه القصة من شهنامة أبى منصور. (من تعليقات محمد بهار على الكتاب، ص 2).

(2) لا يعرف من هذا الشخص، و أوق اسم مكان منسوب إليه، و هو مكان بين بست و غزنه، و سجله الإصطخرى (أوقل) و كتبت فى الحاشية بنقل عن الإدريسى (أوق)، و ذكرت فى هذا التاريخ (الكتاب) مكررة، و قد ذكرها ياقوت فى حاشية كتابه أن (أوه) اسم شخص من معاصريه، و أنه من أحفاد:

(يوسف الأوقى) من رجال أوه (من تعليقات محمد بهار على الكتاب ص 2).

(3) فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء و لا نعلم أى ملك هو، ص 2.

16

و كان كيومرث‏ (1) آدم علية السلام الذى عاش ألف سنة منذ أن خلقه اللّه فى ذلك اليوم ملكا. و كان من بعده الملك (أوشهنك) الذى بلغت مدة مملكته أربعين سنة، و من بعده كان الملك (طهمورث) الذى ... (2) و بنوا سجستان حتى بعث محمد (صلى اللّه عليه و سلم) نبيّا من قبل اللّه تعالى، و جاء بشريعة الإسلام بعد مضى أربعة آلاف سنة شمسية، و أعظم فضل لمدينة سجستان هو أن اسم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و خبره قد جرى على ألسنة أهلها خاصهم و عامهم. و كان بناء سجستان فى اليوم الذى جمع فيه جرشاسب علماء عصره قائلا لهم:" إننى سوف أبنى مدينة فى الوقت الذى يخرب فيه الضحاك‏ (3) العالم و يقتل الأحرار و يفسد فى العالم بالسحر حتى يكون للناس ملجأ، و لن يكون له على هذا المدينة أمر، فلذلك أريد منكم أن تهتموا فترقبوا الطالع، و تبدأوا فى وقت سعد ليس به نحس على الإطلاق، و انتظروا طويلا حتى يصبح هذا ممكنا، بحيث تبقى الدنيا و كل ما فيها قائم، و يصبح فى النهاية لا شى‏ء" فمكثوا على ذلك طويلا ثم انتظروا و قالوا: (4)" يجب البناء الآن" فبدأ بنفسه البناء، ثم حكموا بعد ذلك و بقيت هذه المدينة أربعة آلاف سنة شمسية. و عندما يبعث المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و يظهر الدين الإسلامى، فإنه يدعو الأعاجم إلى دين الحق، و أول أناس يستجيبون له أهل سجستان و يدخلون فيه طوعا أو كرها، و فى عصر دينه‏

____________

(1) ذكر البعض أن مدة ملك كيومرث ثلاثون عاما، و قال آخرون هى أربعون و عمره ألف أو ثلاثة آلاف سنة قضى بعضها فى الجنة و البعض الآخر على الأرض (من تعليقات محمد بهار على الكتاب ص 3).

(2) فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء ص 3.

(3) الضحاك: هو بيوارسب. من أصل عربى- بناء على ما جاء فى الشاهنامة- قتل والده، و كان يخرج من منكبيه ثعبانين. قتل جمشيد، و جلس على العرش. و كان ظالما، و ثار الناس عليه، و استدعوا أفريدون، فأسره و سجنه فى جبل دماوند.

(4) المراد هو رؤية الطالع للمدينة، و الطالع يكون أمام أربعة و سبعة باصطلاح أهل الفلك، بحيث يكون الغارب مقابلا للطالع، و أن تكون العشرة مقابلة و ثابتة للأربعة، و فى هذه الاصطلاحات، لا وجود لرقم اثنى عشر. و المقصود أنك تنظر إلى الطالع وقت بناء المدينة من أربعة و سبعة و عشرة حيث إنها أوتاد الطالع (من تعليقات محمد بهار على الكتاب، ص 4).

17

(عليه السلام)، وقعت أربعمائة و أربع و أربعون موقعة، و عندما تمر أربعمائة و أربع و أربعون سنة تعمر هذه المدينة ثانية على يد الملك بوركان بن كرايست شان و هو قريب من الكيانيين‏ (1) فابتهج جرشاسب بهذا و خلع عليهم الخلع، و بنى هذه المدينة و أتمها، و قصة جرشاسب و بكتابتها يتم الكلام، و قد اكتفينا هنا بهذا المقدار حتى لا يطول الكتاب، أما عن عظمته و فخره فكانت واحدة منها أنه فى عصر الضحاك و كان عمره آنذاك لا يزيد عن أربعة عشر عاما، قتل تنينا بمفرده كان فى عدة جبال بأمر من الضحاك، و بعدها مضى مع قليل من الناس الزواليين و الإيرانيين و ذلك بأمر من الضحاك عونا لبهرام الهندى‏ (2)، ثم مضى و قبض على بهو مع فوجين من ألف ألف فارس و ألف فيل و قتله، و أمن الهنود و ديارهم، و توجه إلى سرانديب‏

أمطرى لؤلؤا جبال سرنديب‏* * * و فيضى آبار تكروبترا

(3) و قبض هناك على نسرين و قتله، و طاف حول بحر المحيط، و رأى العجائب فى هذه الجزر، و من هناك توجه إلى المغرب و حقق أعمالا كثيرة حتى ظهر فريدون ابن عمه ثانية، ثم قيد الضحاك، و أرسل شخصا لاستدعاء جرشاسب مع حفيده نريمان بن كورنك‏ (4) بن جرشاسب صوب أفريدون و استقبله أفريدون‏

____________

(1) هذه الجملة محل تأمل فى الأصل و بها اضطراب و ليست صحيحة و لم يتيسر لنا أن نخمن عليها (من تعليقات بهار على الكتاب، ص 4).

(2) ظاهرا مهراج الهندى، لأنه ذكر فى جرشاسب نامه أن مهراج هو اسم جرشاسب أيضا (مهاراجه) فإنه لقب الملك العظيم و ضبط فى إحياء الملوك (بيهو) (من تعليقات محمد بهار، ص 5)

(3) سرانديب هو الاسم الذى أطلقه العرب على جزيرة سيلان، و هو تحريف للاسم السنسكريتى" سنها لافيا"، اشتهرت سرانديب باللؤلؤ كان يجمع على الساحل الشمالى الغربى، و كان من أسباب غزو البرتغال و الهولنديين للجزيرة، فمن ثم أطلق عليها اسم (لؤلؤة الشرق) و إلى هذا المعنى يشير الشاعر العربى:

أمطرى لؤلؤا جبال سرنديب‏* * * و فيضى آبار تكروبترا

(4) فى جرشاسب نامه لأسدى الطوسى يقول: إن نريمان بن كورنك، و كورنك أخو كرشاسب و يقول أيضا: عندما كان نريمان طفلا و كورنك رجلا، استدعى جرشاسب نريمان، و كورنك هذا غير الجد القديم من جهة الأم جرشاسب و والدة زوجة جمشيد. (من تعليقات محمد بهار، ص 5)

18

مرة أخرى، و أجلسه على العرش، و أجلس نريمان أمام العرش على كرسى من الذهب ثم أرسله إلى الصين لكى يقبض على ملك الصين الذى لم ينصدع لأمره فقبض عليه، و أرسل إلى العتبة حمولة ألف فيل من الذهب و الجواهر إلى نريمان، و كان هو بنفسه فى الصين، و أرسل رسالة إلى أفريدون يقول فيها: (قبضت على هذا الرجل و أرسلته و سأبقى هنا حتى تأتى إلى هذا المكان، أما (تواورا) فامنحه الخلع و أعده و اعف عنه لأنه رجل محتشم، و لم يكن لأحد غيره القدرة على هذه الولاية) و هكذا نفذ أفريدون، و من هناك جاء جرشاسب إلى أعتابه ثم جاء من هناك إلى سجستان، و ظل ملكا عليها تسعمائة سنة، و لم يكن للضحاك حكم فى سجستان مطلقا، و أعاد إلى جرشاسب كل زابل و كابل و خراسان التى كانت للضحاك، و أضافها أفريدون إلى ولايته.

حديث كورنك‏ (1)

لم يعش كورنك أكثر من ثلاثين عاما، و وافاه الأجل فى عصر (گرشاسب) و لما كان (گرشاسب) مشغولا بعبادة اللّه، أودع بطولة العالم لحفيده (نريمان) الذى كان ابن كورنك، و كان (أفريدون) فى عصر منوچهر، و استودع (نريمان) منوچهر حتى مضى و ثار لدم أبيه إيرج، و شكر (أفريدون) اللّه تعالى قائلا: (إنى لم أمت حتى أنصف اللّه تعالى الدنيا من الظالمين)، و فى عصر (نوذر) كان (سام بن نريمان) بطلا للعالم، و كان منصفا و صفت له الدنيا حتى ظهر أفراسياب ثانية،

____________

(1) يتحدث المؤلف عن كورنك و أفريدون و رستم و فرامرز و أفراسياب و ينسب إلى كل منهم أعمالا قاموا بها، و صبغها بالصبغة الإسلامية، و لكننا لم نتقبل كل ما قاله لأن هؤلاء من الملوك الأسطوريين، و معروف أن أفراسياب كان ملك الترك و رستم ملك الفرس و كانت إيران و توران متحدتين و تحت إمرة ملك واحد، و عندما أراد أفريدون أن يعتزل الحكم قسم ملكه بين أبنائه. كما كان فرامرز بن رستم و هو بطل مغوار، و حارب أفراسياب و دارت حرب ضروس بينهما و هزم فرامرز أفراسياب، و عندما قدم رستم المعركة و وجد الحال هكذا، سر سرورا عظيما استقبل ابنه الفارس المغوار.

19

و كان ممسكا بزمام الأمور فى مملكة إيران لمدة اثنى عشر عاما، و كان (نريمان) و ابنه (سام) يهاجمونه كثيرا حتى حرر مملكة إيران، و مضى عاجزا ثم اتجه إلى التركستان ثانية، و كان (سام) فى عهد (طهساب)

لم يروا إلا ابن طهماسب منه‏* * * و كانت له قوة الملوك و بلاغة القول‏

(1) بطلا للدنيا، و عمر ابنه (دستان) العالم، حتى ظهر (أفراسياب) و استولى على إيران، و دخل أهل إيران فى حماية (دستان) حتى مضى، و كان رستم فى الرابعة عشرة من عمره و أحضر (كيقباد) و مضى وسط جيش من الترك، ثم عاد و أظهر الشجاعة، و هاجم أفراسياب و أرواح العالم، و فى عصر (كى‏كاوس) توجه مرة ثانية إلى التركستان، و انتقم من (سيخاوش) حتى مضى مع كيخسرو و حارب حتى قبض على (أفراسياب) و قتله‏

إن من يوجه أمرى مثل القلم‏* * * فإنه يخاطر بحياته كمن فى عنقه ذنب‏

(2). و كان من بعده (فرامرز) و أخباره فى اثنى عشر مجلدا متفرقة، و أخبار (نريمان و سام و دستان) ذكرت فى الشاهنامة (3) و لا تمس الحاجة إلى ذكرها (تكرارها)، و حديث رستم من جملة هذا فقد ذكرها (أبو القاسم الفردوسى) فى شهنامته، و قدمها باسم السلطان (محمود) و قرأها عدة أيام، فقال (محمود): (إن شهنامتك كأنها حديث رستم و فى جيشى ألف رجل مثل رستم)، فقال أبو القاسم (أطال اللّه عمر مولاى إنى لا أعلم أحدا فى جيشك مثل رستم أما مبلغ علمى أن اللّه تعالى لم يخلق عبدا مثل رستم) قال هذا و قبّل الأرض و انصرف‏

قلت كلاما صحيحا و مضيت سريعا* * * فلا يوجد رجل فى العالم مثل رستم‏

(4)

____________

(1) لم يذكر الملك طهماسب فى الكتب المعتبرة مثل الآثار الباقية و الشاهنامة و مؤلفات المسعودى و غيره و لكن الشاهنامة ذكرته فى بيت شعر واحد هو:

لم يروا إلا ابن طهماسب منه‏* * * و كانت له قوة الملوك و بلاغة القول‏

و يسمى البيرونى زاب على أنه ابن طهماسب (من تعليقات محمد بهار ص 7)

(2) كتب هذا البيت فى الحاشية ص 7:

إن من يوجه أمرى مثل القلم‏* * * فإنه يخاطر بحياته كمن فى عنقه ذنب‏

(3) الشاهاناته: كتاب سير الملوك، ديوان شعر و ملحمة العجم نظمها شعرا الفردوسى و هى تتكون من ستين ألفا بيت، حكى فيه أريج و أساطير و قصص إيران منذ القدم حتى فتح العرب بلاد فارس و ترجمت إلى جميع لغات العالم‏

(4) كتب هذا البيت فى الحاشية ص 8:

قلت كلاما صحيحا و مضيت سريعا* * * فلا يوجد رجل فى العالم مثل رستم‏

20

فقال السلطان (محمود) لوزيره: (إن هذا الرجل (الحقير) يدعونى كاذبا معرضا بى) فقال وزيره (يجب قتله) فكلما طلبوه لم يجدوه و قال: (إنه أضاع آلامه و مضى) و لم يجد أى عطاء فى الغربة حتى مات، و إذا ما انشغلنا بشرح كل واحد بالتفصيل فلن نحقق الهدف المنشود، و كل واحد من هؤلاء معروف و مشهور للدنيا، كما أن أبناءهم جيلا بعد جيل كانوا أبطال الدنيا فى عصر ملوك العجم، و بعد انقضاء أربعة آلاف عام، بعث نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، و جاء بشريعة الإسلام فى عصر (خسرو پروبز بن هرمز بن أنوشروان الملك) و كان (بختيار) بطلا للعلم و هو من أبناء رستم، و هم يقرأون قصته فى كاتب بختيار نامه.

نسب بختيار الأسبهبد

بختيار بن الملك فيروز بن برزفوى بن شيراوزن بن حذايكان بن فرخ به ابن ماه خداى بن فيروز بن كرد افرين بن بهلوان بن أسبهبد بن رستم بنى مهرازاد بن رستم ابن بولاد بن كان أزاد مرد رستم بن جهرازاد بن نيروسنج بن فرخ به بن دادافرين بن سام بن به‏أفريد بن هوشنكى بن فرامرز بن رستم الأكبر ابن دستان بن سام بن نريمان بن كورنك بن كرشاسب.

و لما دخل الإسلام سجستان، و قوى جيش الإسلام و أصبح معروفا للعالمين و لم يكن لأحد قدرة على الأمر السماوى، و لم يكن العمل بالعدة و السلاح و الجيش إلا بأمر من اللّه تعالى، و كان معروفا لأهل سجستان أنه فى آخر الزمان يظهر المصطفى (عليه السلام) و هو على الحق، أعطوه سجستان سلما، و كانت سجستان مقاما لهذا البطل فى عصر الملك‏ (1)، و كان (رستم بن أزاد خو بن بختيار

____________

(1) فى المتن بياض و لم يمكننا من فهم المعنى تماما، ص 9.

21

الأسبهبد) زعيما للجيش، و تحدثنا عن (بختيار) إلى (گرشاسب) و ذكرنا نسب (جرشاسب) فى هذا الكتاب حتى كيومرث الذى كان هو آدم (عليه السلام).

و الآن نذكر جانبا من الفضائل التى وردت فى الكتب و التى ذكرها عظماء الأخبار و الحكماء حيث نعيد القول من كتاب (الأنبياء (عليهم السلام) (لعلى بن محمد الطبرى) (1) حيث يقول: (عندما مضى آدم (عليه السلام) من سرانديب فى طلب حواء لم يقم فى مكان قط سوى هذا المكان الذى هو سجستان، حيث رأى الماء يجرى على الرمال فشرب فكان عذبا، و عندما هبت عليه رياح الشمال غلبه النوم، و عندما استيقظ من نومه تطهر و سبح، و عندما فرغ طلب شيئا يأكله فاقترب منه جبريل (عليه السلام)، فقدم له فى الحال شجرة رمان و نخلة فصارتا بقدرة البارى تعالى مثمرتين، فأكل آدم منهما، و ما زال هناك أصل النخيل و الرمان، و عندما أراد جرشاسب بناء سجستان، كان السبب الرئيسى لذلك أنه رأى فيها النخيل و الرمان).

و فضل آخر و هو أثناء غرق نوح (عليه السلام) و هو فى السفينة يدور حول الآفاق، فتوقفت السفينة هناك، فجاءته حمامة تخبره أنها تتعذب حيث أصبح الماء قليلا، فصلى هناك ركعتين فى سفينته و دعى للحمامة أن أعزها يا رب، و أصبحت هذه البقعة مباركة ببركة هذا الدعاء حيث إن أهلها فى بحبوحة من العيش من الآن حتى يوم القيامة.

____________

(1) هذا الشخص لا يعلم من هو، و لا توجد هذه الرواية فى تاريخ محمد بن جرير الطبرى و لعل المراد هو على بن محمد المداينى، (حيث إن المؤرخين القدماء مثل المسعودى و الطبرى و البلعمى و غيره نقلوا عنه الكثير)، أو يكون على بن محمد بن سليمان النوفرى، حيث إن المسعودى ذكر اسمه فى مقدمة مروج الذهب (من تعليقات محمد بهار، ص 9).

22

و فضل آخر هو أن سليمان (عليه السلام)، أمر الرياح أن تطوف به مع جيشه حول العالم و رآه الخلق، و صدعوا لأمره، و كان معه الجن و الإنس، و كان الطباخون فى عملهم، فقال للرياح: أنزلينى فى مكان أكثر اعتدالا و هواؤه عليل، فهبط فى سجستان، و تناول الغذاء بها، ثم قال بعد ذلك: ما ذهبنا إلى مكان أحسن من هذا المكان، إن العالم كله اليوم يسير على العدل و ليس به جور، لأن العالمين أصبحوا متساوين فى الدين، و قد أخذ الخوارج الفرق بين العدل و الجور من ذلك.

فضل آخر

عندما قتل الإسكندر الرومى‏ (1) دارا بن داراب، و تزوج روشنك أخته‏

إنها رائعة ذات دلال و حياء* * * و كلامها طيب و صوتها رخيم لين‏

(2) قصد الهند، و مضى إلى القلعة التى بناها كيخسرو و شمال سجستان و قلعة أخرى فى الجنوب بناها (أردشير بابكان) بعد ذلك، و مكث هناك سبعة أيام و أكرم قائد جيش سجستان الذى خدمه كثيرا و استقبل ثانية، ثم أمر بعد ذلك أن تنفصل القلعة عن الأماكن التى يكون فيها مواضع للحارس، و أطلق سراح روشنك عندما فرغ من عمله فى الهند، و عاد إلى هناك ثانية بعد أن أنهى أمر تلك القلعة، ثم مكث هناك شهرا حتى أتموها فى أحسن صورة و قال: (يجب أن يكون الحارس فى داخل‏

____________

(1) الإسكندر الرومى معروف لدى المؤرخين الفرس القدماء، حكم ما بين سنة 336 إلى سنة 323 ق. م، و عند ما تقاتل مع دارا، و اقتتل الجيشان عند الفرات و انتصر الإسكندر، يقال إن دارا و هو جريح وصاه أن يتزوج ابنته روشنك فوعده الإسكندر بتنفيذ هذه الوصية، و أمر الإسكندر أن تشيع جنازته بما يتفق و مقام الملوك، و أصبح الإسكندر الحاكم الشرعى على بلاد الفرس، و ذهب إلى الهند لمقاتلة ملكها، و نشبت بينه و بين هذا الملك معارك هائلة انتهت بقتل خصمه فى مبارزة فردية، و بعد ذلك بدأ يغزو بقاع العالم و يقولون: إنه دخل أرض الظلمات و قابل الخضر، و توفى عند عودته إلى فارس أو بابل، و فى بيت المقدس كما يقول الدنيورى رثاه الفلاسفة بكلمات موجزة، و دفن فى الإسكندرية، و يقول المسعودى: إن قبره كان لا يزال موجودا حتى عام 322 ه. (دائرة المعارف الإسلامية، ج 3، ص 318، 319 (القاهرة 1933).

(2) يقول الفردوسى فى شاهنامته عن ابنة دارا و اسمها روشنك إنها امرأة ممتازة ذات حياء بالغ و وصفها فى بيت ما ترجمته:

إنها رائعة ذات دلال و حياء* * * و كلامها طيب و صوتها رخيم لين‏

محمد على إسلامى: مجموعة مقالها أدبى، ص 54 (تهران 1354).

23

القلعة و ليس كما كان سابقا)، و آرك‏ (1) باللغة الرومية يقال لها الحارس، و القلعة التى يقال عنها آرك هى قلعة سجستان الآن التى بناها ذو القرنين‏ (2)، و قد جاءت هذه الحكاية فى عدة كتب واحدة منها بتاريخ سجستان، و الأخرى ذكرها عبد اللّه ابن المقفع فى كتابه سير ملوك العجم، و ذكرها أيضا أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة البغدادى‏ (3) فى كتاب (خراج باب المسالك و الممالك)، و أصبحت هذه الأخبار صحيحة فى الحديث عن سجستان من كتاب حديث الأنبياء (عليهم السلام) و باللّه العصمة و التوفيق.

و أما الذى يوجد فى سجستان فلا يوجد فى المدن الأخرى:

أول ذلك حصن شارستان العظيم الذى يشمل عدة مدن، و هذا المكان يقال له مدينة (العذرا)، و لا يمكن لأى شخص أن يستولى عليها، إلا إذا أعطوها له، و لا يستطيعون ذلك أبدا، و أهلها رجال حرب حيث إنهم جبلوا على الحرب و الثورة و حمل السلاح، و كانت لهم هذه العادة منذ الصغر و تعلموا فنون الحرب.

و فى موضع آخر يذكر أنها معتدلة الطقس، حيث ينير القطب الجنوبى و القطب الشمالى و سهيل و قدمان و فرقدان فى هذا المكان، و تهب عليها رياح الشمال و رياح‏

____________

(1) آرك: كانت تستخدم فى اللغة البهلوية و آركيد كانت لقبا من الألقاب فى البلاط الساسانى.

(2) ذو القرنين المذكور فى القرآن كان من حمير مستدلا باسمه فملوك حمير كانوا يلقبون بذى، و كان اسمه أبو بكر بن أفريقش، و أنه رحل بجيوشه إلى البحر المتوسط فمر فى تونس و مراكش، و بنى مدينة أفريقية فسميت القارة كلها باسمه، و سمى ذا القرنين لأنه بلغ قرنى الشمس، و التاريخ يعرف ملكا اسمه الإسكندر ذو القرنين و من المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور فى القرآن، فالإسكندر الإغريقى كان وثنيا، و ذو القرنين الذى يتحدث عنه القرآن كان مؤمنا باللّه موحدا معتقدا بالبعث و الآخرة.

(سيد قطب: فى ظلال القرآن، ج 4، ص 2289 (القاهرة 1982 م).

(3) هو قدامة بن جعفر بن قدامة، كان نصرانيا، و أسلم على يد المكتفى باللّه، و كان بليغا فصيحا فاضلا، و كان له باع فى علم المنطق، و له من الكتب كتاب الخراج و نقد الشعر و صابون الغم و صرف الهم و جلاء الحزن و ديارق الفكر و غيرهم.

(ابن النديم: الفهرست، ص 188، بيروت 1978).

24

الصبا على الدوام، و بذلك يكون فهم أهلها و ذهنهم بفضل اعتدال طقسها و هواؤها أفضل من أهل الأماكن الأخرى، و يمارسون أعمالا لا يمارسها غيرهم، حيث إنهم يحملون الرمل من مكان إلى مكان، و يجمعونه فى الأماكن التى يريدونها، و رملهم هذا كنز عظيم، فكل شى‏ء يريدونه يضعونه فى هذا الرمل، و مهما مرت عليه السنون يحفظه و لا يصيبه أى نقصان، و ليس لغيرهم من قبل هذه الدراية، و للرمال فائدة أخرى كذلك، حيث إنهم إذا أخذوا منه قليلا و وضعوه للنبات فإنه ينمو، بشكل أفضل و الماء يغمره بلا تكلف، و يصلح أجساد الناس الذين ينامون و يجلسون عليه، و من فضل هذا الرمل أن ابن آدم إذا كان نحيف الجسم فإنه يقوى، و تقوى أعضاؤه و تكمل، و هم يصنعون الطواحين ذوات العجلات لتديرها الرياح و تطحن القمح.

أما فى المدن الأخرى فيجب أن تدور الدابة أو طواحين المياه أو طواحين اليد، و يصنعون منها عجلات لكى تسحب الماء من الآبار للحدائق و الأرض التى يزرعونها. إذا كان الماء قليلا، و هم يستخدمون الرياح استخداما عظيما، و فضلا عن ذلك فإنها مدينة قائمة بذاتها و لا حاجة بها لغيرها، فإذا ما انقطع قدوم قافلة فكل شي‏ء من النعم و أنواع الثياب الفاخرة، و كل ما يلزم الملوك و العظماء و أهل المروءة يوجد فى هذه المدينة، بحيث لا تمس الحاجة إلى مكان آخر، و تتوافر و تكثر الفاكهة فى الشتاء كما هو الحال فى الصيف عاما بعد عام، و يوجد الإسبرغم الجيد طوال السنة، و الحملان التى يأخذون منها اللبن، و السمك طازج فى كل آن و أوان حيث مدحه اللّه فى كتابه‏ (1)، و يأتون بالسمك من المدن البعيدة فى السفن و يرسلونها إلى القصبة و تحمله الدواب إلى أماكن أخرى، و هو فى بغداد نفسها، كما طلب كبار العلماء فيها الفقه و الأدب و القراءات و التفسير، كما هو الشأن فى طلبهم لهذا من الحرمين و الشام و العراق كلما احتاجوا ذلك، و قرأوا الكتب و الآن يقرءونها

____________

(1) مدح اللّه عز و جل السمك فى سورة فاطر حين يقول: (وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) الآية 12.

25

بحيث لو ذكرت اسم كل منها لطال الكتاب، و لم يحدث مطلقا أنها كانت خلوا من العلماء و الفقهاء ففى طبع هوائها لا بد من وجود العلماء بوفرة، و ينبغى لأهلها أن يكونوا شغوفين بالعلم حيث إن رجالها بواسل و نساءها عفيفات، فكما أنه ليس لهن حبيب كما فى الأماكن الأخرى و من شذت عن ذلك فإنها ليست سجستانية أصيلة و ربما لم تكن من سجستان و فى قلبها حب لهذه المدينة التى لم يقصدها أى عدو فلم تغز من قبل و لن تغزا و أنه لا يستطيع مهاجمتها، و إذا فعل ذلك فإنه يهلك، و ليس فى الدنيا بناء بهذا الكبر و لا يمكن أن يكون إلا فى سجستان، فمن المعروف فى الدنيا أنه لا أرض أفضل من أرض سجستان، و لا يوجد لحم أفضل من لحم حيوانها، و لا يوجد قوم لهم سعة و نعيم مثل أهلها لأن ساحة المدينة و ضواحيها واسعة و فيها النعم من كل الأشكال، و منذ أن خلقوا أكلوا و أعطوا و كان الكرم عادتهم و ما زال موجودا حتى قيام الساعة و باللّه التوفيق.

و من العجائب الأخرى التى كانت فى سجستان و التى أرى بعضا منها الآن:

يقول أبو المؤيد البلخى و بشر المقسم فى كتاب البر و البحر، إنه كان فيها عجائب لا وجود لها فى موضع آخر، منها: أن ينبوعا ظهر فى أعلى الجبل فى منطقة فراة، و ارتفع فى الجو اثنى عشر فرسخا، و هبط فى هذا المكان على هيئة مدينة، و خرج ثانية من شارستان و كان لها أرض زراعية تبلغ أربعة فراسخ، و إلى الآن ما زال المكان الذى ظهر فيه الينبوع و المدينة و الحقل موجودا، و هذا الينبوع حاول أفراسياب‏ (1) أن يغلقه، فجاء غلامان صغيران فتدبرا أمره، و لما انتهى من العمل قتل الطفلين و ما زال قبرهما على رأس هذا الينبوع ظاهرا.

____________

(1) أفراسياب يسمى فى القصص الإيرانية ملك التورانيين الذى دخل فى حرب مع إيران لمدة طويلة من الزمن، و أسر و قتل فى عصر كيخسرو. د محمد معين: فرهنك فارسى، ج 5، ص 158.

26

فضل آخر

و بفراة جسر من الجبل يقال له" مسو" به ماء يقطر، فإذا كان المرض شديدا و اغتسلت بمائه الذى يقطر من أعلى الجبل فإنك تشفى، و من العجيب أنه إذا كان الإنسان حسن السيرة عفيفا صالحا فإن الماء يقطر عليه، أما إذا كان رجلا مفسدا و سيئ العمل فلا ينزل الماء عليه، و مهما حاول المفسد أن يستمر طويلا فإن الماء لا ينزل، و إذا ما نهض فإن الماء يقطر (ينزل).

فضل آخر

بفراة أيضا جبل حرون و يقع على يساره ثقب بحيث لا يصل إليه السهم، و لا يمكن أن يصل إلى أحد هناك، و تخرج من ذلك الثقب حية منذ ألف سنة بحيث ترى عينيها و وجهها و لسانها، و لها قرنان مثل الغزال، و هى حية، و لا يعرف أحد ما غذاؤها و ممّ يكون إلا اللّه تعالى.

فضل آخر

و فى ناحية رون وجول‏ (1) رملة كبيرة ارتفعت فوق الجبل، فإذا اقترب منها إنسان و لم يلق عليها شيئا ملوثا فإنها تنوح كما ينوح الرعد، و هذا من العجائب، و هكذا يقولون، يفتح من تلك الرملة طريق تحت الأرض حتى جبل دماوند (2) حيث أسر أفريدون الضحاك هناك و سجنه، و جاء فى الخبر أن الدجال الذى يظهر فى آخر الزمان هو الضحاك نفسه و ما زال حيّا حتى يخرج، و يهبط عيسى (عليه السلام)

____________

(1) ذكرت فى الكتاب مرة أخرى ص 156، و لكن لا يوجد فى الكتب الجغرافية القديمة و الجديدة ذكر لهذين المحلين، و يحتمل من لفظ جول إنها الجيم ذات الثلاث نقاط، و يظن أن هذا الموضع على حافة الصحراء المالحة، لأن جول المستخدمة فى خراسان الآن بمعنى الصحراء المالحة و الصحراء الفقيرة، و يسمون الصحراء السبخة الكبيرة (چول) البستان أو الحديقة، التى خلت من الفاكهة أو المكان الذى نهب تماما. (من تعليقات بهار، ص 15 حاشية 1).

(2) دماوند: اسم مدينة مشهورة فى مازندان، و اسم جبل ينسب إلى تلك المدينة، و قيل إن الضحاك حبس فى هذا الجبل. (ابن خلف التبريزى: برهان قاطع، ص 504 (تهران 1336 ه. ش)

27

من السماء إلى الأرض و يهلكه و سألوا الحسين بن على عن حديث الدجال، فأجاب بهذين البيتين:

و فى سجستان رمل نحو كورتها* * * مسجن فى تحتها أى تسجين‏

إذا ألقيت عليها جيفة نطقت‏* * * سمعت منها أنينا مثل تنين‏

و غير ذلك من الفضائل، و يظهر أن نهر هيرمند و نهر رخد و نهر خاش و نهر فراة و نهر خشك و نهر هروت و مياه الصحارى و الجبال تأتى كلها من أطراف سجستان من ألف فرسخ، و هناك ثقب يقولون له فم الأسد و ليس كبيرا، إلا أن كل هذه المياه تنصب فيه، و لا يعلم أحد إلى أين تذهب إلا اللّه تعالى و تقدس و هذه من العجائب.

فضل آخر

يقول أبو المؤيد البلخى و كتاب ابن دهشتى المجوسى‏ (1): إنه فى شارستان التابعة لسجستان بركة حول الفلك، حيث إنها كانت نبعا، و كانت تفيض من الأرض على الدوام‏ (2)، حيث إن أفراسياب لجأ إليها و كان يفعل ذلك ببست، و هكذا يقولون:

إنه بعد ألف سنة حتى الآن كان قد وصلها و عاد إليها عندما رأى بها منفعة بمشيئة اللّه.

____________

(1) البندهش كتاب مقدس باللغة و الخط البهلوى و يحتوى على قصص و روايات دينية و تاريخية، و الزردشتين معناه أصل الخلقة حيث إن (چه) بمعنى الأصل (يخ دهشن) بمعنى الخلقة و هذا النوع من قبيل المصادر التى جاءت بالتاء المثناة و تستعمل اليوم بدون نون و تاء، و بما أنه أضيف إلى الزردشتيى (كبركان) و لا شك أنها نفسها (بندهش).

(2) سقط ربع سطر من المتن، و فى بندهش و الأوستا، إشارات كثيرة إلى سجستان و بحيراتها و أنهارها و جبالها، و يقرران أن سجستان كانت مركز الدين الزرادشتى.

28

فضل آخر

ذكروا فى كتاب البلدان و منافعها ما يستخرج من كل مدينة قالوا: يستخرج من سجستان الذهب الخالص، و أصله ليس معروفا لدينا الآن، حيث يقول أبو المؤيد البلخى فى كتاب ابن دهشتى المجوسى: إنه كان نبعا فى هيرمند المقابلة لبست، و تأتى المياه باستمرار فتختلط بالرمل و الذهب، و كان عائده لا يقل عن ألف دينار من الذهب، إلا أن أفراسياب عقد عليها بالسح و قال: إنه خزانة و قد قيل إنه يعيد الكرة ثانية فى ثلاثة آلاف عام بعد زرادشت‏ (1) و صارت صالحة للمنفعة بإذن اللّه، و من المعروف و المشهور أن جبل توجكى تستخرج منه الفضة، و الآن لو أرادوا لخرجت لهم أيضا.

فضل آخر

يجرى نبع سمور من سنة إلى سنة فى الصيف و الشتاء و هو ذو منفعة و يقول أبو المؤيد البلخي: إن فى سجستان جبلا كالقبة الحديدية (2)، و تظهر من هذا الجبل كل قبة حديدية جميلة فى ذلك العصر، و لكنها ليست معروفة لأهلنا، و هناك عجائب كثيرة لم نذكر منها شيئا فى الأماكن الأخرى.

____________

(1) بعد مرور ثلاثة آلاف سنة بعد زردشت و فى روايات الزرادشتين أن العالم منذ بدء الخليقة قسّم إلى اثنى عشر قسما، و فى آخر ألف منها يتغلب اللّه (الصدق) على أهريمن (الكذب) يقول المسعودي: (إن كيومرث ملك أربعين سنة و قيل ثلاثين قبل الهزاريكة الأولى فى بدء النسل و تغير ذلك الألف سنة، و فى العشرة من الألف (ألف) و بعده بألف هوشيد آخر، و آخر ألف سوشبانسى (و احتمال أن يكون المسيح) و هم حفدة زرادشت الذين خرجوا من سجستان و يبدأ يوم القيامة و تتطهر الدنيا من الشياطين و يقف كر و ثمان (الملكون) مع الشياطين متقابلين و تمتلى‏ء جهنم من قادة الشر و الشيطان و يظهر عدم الموت و الدنيا (كتب السنن البهلوية). (من تعليقات بهار على الكتاب).

(2) خم آهن و خم آهان حجر فى غاية الصلابة و السواد، و لونه قريب من الحمرة و هو نوعان ذكر و أنثى، و إذا لمس الماء الذكر فإنه يشبه الشنجرف الأحمر و انثاه كذلك تصبح مثل الزرنيخ الأصفر، و يقال إنه نوع من الحديد و يقال له بالعربى: إنه صندل حديدى، و يقول البعض إنه حجر أسود و أبيض يصنعون منه الخواتم (من تعليقات بهار).

29

و الآن نذكر بعض الأسماء التى عظم قدرها بعد الإسلام و عرفهم الناس بفضلهم‏

عن عكرمة الفقيه‏ (1) مولى ابن العباس الذى تروى عنه أكثر الروايات فى الفقه أن المهدى فوض لمعاذ بن مسلم ولاية خراسان و سجستان كلها، و تولى من بعده يحيى بن معاذ بن مسلم و من بعده بسام مولى‏ (2) الليث بكر بن عبد مناف بن كنانة الذى وصل إلى تلك المكانة لغزارة علمه فقد اشتراه من مولاه بمائة ألف دينار.

فقالوا: ألا تريد شيئا آخر، قال: لا حيث إن قيمتى (قدرى) أكبر من هذا، و دفع فيه مبلغا جزيلا و أعطاه، و كان إبراهيم بن بسام بعظمته هو ابنه، و فيروز مولى الحصين بن أبى الحر العنبري‏ (3) من سجستان حيث كان يحارب الحجاج باستمرار، و فى يوم وضع الحجاج إمارته مع سبعين شخصا و أعطى قواد جيشه، و لكن فيروز قتل الجميع، و كان آخر صوت يردد كم حجاجكم‏ (4)، فنادى الحجاج قائلا:

من جاءنى برأسه أعطيته عشرة آلاف درهم، و قال يزيد للمهلب: تقدم و لك عشرة آلاف درهم، فأجاب تقدم أنت و لك عشرون ألف درهم، فأنا و هو ذو رأس واحد، فسمع فيروز و نادى فى جيشه أن من يحضر رأس الحجاج سأعطيه مائة ألف‏

____________

(1) عكرمة مولى ابن عباس: روى عنه و عن عائشة و أبى هريرة و غيرهم، و تفقه على يد ابن عباس و قيل لسعيد بن جبير أتعلم أحدا أعلم منك قال: نعم عكرمة، و عن الشعبى قال: ما بقى أحد أعلم بكتاب اللّه من عكرمة، و من ثم لم يخرج له مالك الإمام و لا مسلم بن الحجاج، و توفى سنة 107 ه.

محمد الخضرى بك: تاريخ التشريع الإسلامى، ص 116، 117 الطبعة التاسعة (القاهرة 1970).

(2) سقط شى‏ء فى هذين المكانين يقول البلاذرى إن جد إبراهيم بن بسام أسر فى قرية شروانة و هى من قرى سجستان أو أصبح عبدا لابن عمير الليثى (فتوح البلدان، طبع مصر، ص 401) و من تعليقات بهار.

(3) الصحيح الحر العنبرى من بنى العنبر بن عمرو بن تميم و كان من أسرة مشهورة و كريمة و كبيرة (فتوح البلدان للبلاذرى، ج 1، ص 403، القاهرة 1932).

(4) فى المتن جاءت هذه الجملة باللغة العربية و جاءت من بعدها ترجمتها إلى الفارسية و فعل ذلك فى جملتين من بعدها.

30

درهم، و قامت فى ذلك اليوم حرب ضروس، و فى النهاية هزم الحجاج و كان فيروز هذا عالما شجاعا و زهير بن نعيم و عفان بن محمد و عثمان بن عفان و أبو حاتم السجستانى و سليمان بن الشعث و عثمان بن العبد و أبو بكر بن أبى داود و أبو يعقوب الزاهد و الخليل بن أحمد (1) و أبو حاتم بن حسان و نصر بن جيك و ياسر بن عمار و عبيد القوفى‏ (2) و عمير بن يحيى و أبى نصر بن حمدان الجوينى و أبو إسحاق الجاشنى‏ (3) و شاهين بن العنبر و بكر بن جعد و غالب بن شارك و رونك القروى و أبو الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى الذى ألف غريب القرآن و هلال بن حويص و أبو عامر بن أبى حيان و الإمام أبو جعفر فاخر بن هاذ و أبو زكريا يحيى ابن عمار و القاضى أبو الحسن و الأستاذ أبو العباس و أبو سعيد بن عمر النوقانى‏ (4) و أحمد السمورى و أبو أحمد القصار و أبى جعفر بن أبى منصور بن أبى سعيد الوزير (5).

و كان هؤلاء قد وصلوا إلى مرتبة فى العلم و العظمة بحيث لم ينكر أحد فى العالم فضلهم، و هم كثير و لم نذكر أسماءهم و هم الآن موجودون، و لما كان الشرط فى جمع هذا الكتاب الاختصار حتى لا تطول القصة، و قد ذكرت من كل طائفة قدرا و القليل يدل.

____________

(1) الخليل بن أحمد غير الخليل المعروف و لكنه الخليل بن أحمد السجستانى المعاصر للملك مظفر صالح ابن نوح السامانى، و كان من رواة الحديث، و لم يكن له مثيل فى الفقه.

(2) القوفي: اسم قرية من قرى سجستان و نسب إليها أناس كثيرون و ذكرت هكذا فى كل الكتاب.

(3) جاشن و كاشن اسم محلة فى سجستان و ذكر هذا الاسم نسبة إليها.

(4) نسبة إلى نوق و نوق محلة من محلات سجستان و يسميها الناس نوها و عربها نوقان و نسب إليها أبو عمر بن أحمد النوقانى صاحب التصانيف فى الأدب و ابنه عمر و أخيه أبو سعيد عثمان (ياقوت الحموى: معجم البلدان، ج 3، ص 193).

(5) يوجد فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء، و لعل هذا كان من أجل كتابة بقية عظماء سجستان فى هذه الأماكن الخالية.

31

شروط تعمير سجستان و قد وضعت على أسس ثلاثة: التحكم فى الماء و الرمل و المفسدين، و كلما كان التحكم فى هذه الأسس فلن توجد مدينة فى الدنيا مثل سجستان فى نعمة العيش و عندما يحكمون أمرها بهذا الشكل كان لزمانها قوام.

أسماء سجستان سجستان، زاول، زرنگ، نيمروز

أما سجستان فيقال من أجلها: إن الضحاك كان ضيفا بها عند گرشاسب، و كان من عادته أن ينزل فى إيلة (1) التى يقال لها الآن بيت المقدس، و كان يشرب مع زوجاته، و فى ذلك الوقت كانوا يقولون لقصر النساء شبستان، و عندما ثمل الضحاك تذكر عادته فقال: أريد قصر النساء لأن الشرب هناك أفضل، و كان جرشاسب يعرف عادته و قال: هنا سجستان لا شبستان، و كان" سيو" قد بلغ مبلغ الرجال فى ذلك الوقت و يقال عن سجستان: إنها كانت دائما مكان الرجولة، و ينبغى لرجولة الرجل أن تمر من هناك، و عندما قال هذا الكلام خجل الضحاك و قال: أيها البطل قل الحق نحن فى سجستان أم فى شبستان، و بعد ذلك كانوا يقولون لها سجستان و تقل حرفا و هو الواو و يقولون لها زاول من ذلك حيث إن جميع المدن التى أقاموها فى العالم جعلوها على شاطئ البحر أو بالقرب من الجبل، لأن الجواهر و الأشياء الثمينة تخرج من البحر و المعادن من الجبل و قالوا:

يجب أن تصنع جميع أشيائنا من الماء و الطين، و هنا سقط حرف من الكلام و قالوا

____________

(1) إيلة مدينة على ساحل البحر الأحمر تقع فى بداية أول حد الحجاز و بين مصر و الشام و تقع فى الإقليم الثالث و عرضها ثلاثون درجة و بقول آخر إنها جزء من الجبل الرضوى بين مكة و المدينة و يقولون إن إليا و إلياء هى بيت المقدس و بانيها هو إيليا بن آرم بن سام بن نوح (من تعليقات بهار).

32

لها زاول‏ (1)، أما زرنج فيقولون: إنها أكثر عمرانا و بها الأنهار و مناطق الزراعة لأن زال العجوز جعلها هكذا، و يقولون لها زالق العتيق و فى المقابل عربوها إلى زالق الحديث، و تلك زال القديمة و زال الجديدة، و أهل سجستان يسمونها زرورنج لأن شعره يشبه الذهب المشدود، و كان بسكو قد أقامها و قالوا لها زرنج‏ (2) و هم بذلك أضاعوا حرفين من الكلام، و بما أن الشجعان و رجال العلم ظهروا من بسكو و سمو كلهم سجستان بهذا الاسم و قالوا لها زرنج.

أما نيمروز ففيها قولان أولهما: إنه كان للملوك يوم واحد فى السنة يحكمون فيه فى المظالم و هذا ما انطبق على نيمروز فى العالم و كان كذلك، و كانوا يسمون من يظلمون فى سجستان باسم نيمروز.

و يقول أبو الفرج البغدادى: إن الأمر ليس كذلك لأن حكماء العالم قسموا الدنيا حسب شروق الشمس و غروبها على نيمروز و يكون هذا على النحو التالى: إنه من ناحية المشرق تشرق الشمس فى أقصر يوم، و من ناحية المغرب تغرب الشمس فى أطول يوم من هناك، و هذا العلم أصبح معروفا بالحساب، و هذا كله قسموه إلى أربعة أقسام خراسان و إيران و باختر مع أنهم يسمونها فى الشمال باختر و فى الجنوب يسمونها بنيمروز و فى الوسط تنقسم إلى قسمين و فى الشرق يسمونها خراسان و فى الغرب يسمونها بلاد إيران و اللّه المستعان.

____________

(1) هذه التسمية شبيهة بالأسطورة يقول مؤلف برهان قاطع كانت اسم ولاية سجستان، و كانت اسم قوم و طائفة و كانت اسم فن موسيقى و وحدة من سبع لغات فارسية.

(2) زرنك أقدم اسم لسجستان و زاولستان و ذكرت عند كتبة داريوشى (زرنجا) و هذه المدينة خراب الآن، و فى رأى المحققين زرنج و زرويه فى لغة الأوستا بالمعنى نفسه عند الهخافشين، و كانت زريا فى اللغة البهلوية و دريا بلغة اليوم و كلها واحد و أصبحت اسم المدينة أيضا (من تعليقات بهار على الكتاب).

33

حدود سجستان و كم عدد مدنها و من أين و إلى أين‏

أسلفنا القول إن جرشاسب بنى سجستان و قبل أن يقسمها كانت له بست و رخد (1) و زمين داور و كابل و سوادها، و كان جده من ناحية أمه هو الذى بناها و اسمه كورنج‏ (2)، و هذه المدن يأتى خراجها الآن إلى ديوان بغداد حيث يوجد الخلفاء فى سجستان و يجمع مالها على مال سجستان، و أقام نريمانى سفزار (3) و بوزستان و لواستان و غورسام، و شيد رستم القصص كشمير و وضع أمواله و خزائنه هناك، كما شيد حمزة بن عبد اللّه الشارى جرديز، و شيد يعقوب بن الليث ملك الدنيا غزنين، و كانت كل هذه المدن فى العصر الجاهلى فى حوزة الأبطال و مرازبة سجستان حتى جاء الإسلام و تغيرت الولاية، و كان حد الشرق الأقصى كشمير حتى بحر المحيط و من ناحية الغرب سبه‏ (4) التى تبدو على بعد عشرة فراسخ فى وسط الجبال على حافة جبل، و كل الصحارى التى تحيط بجهات سجستان الأربع أقاموها كلها فى وسطها و كانت" كس" (5) و باللّه التوفيق.

و يقول أبو الفرج البغدادى صاحب كتاب الخراج: إن إيران و خراسان و سجستان رأس الدنيا و يسمونها الحى الناطق الميت، و يقولون فى هذا الوسط إن‏

____________

(1) أخذت من رخوت البهلوية و هى أرخوزيه الهخامانشية نفسها و رخج بالعربي.

(2) هو أبو زوجة جمشيد و جد گرشاسب.

(3) سفزار و سبزاور و اسفزار كلها كلمة واحدة و هى اليوم جزء من ولاية هراة و يسمونها سبزوار و هى تختلف عن سبزوار خراسان الحالية.

(4) سبه و اسفه و سفه من توابع سجستان.

(5) يوجد بياض فى المتن، و كس كانت جنوب حدود سجستان يقول الإصطخرى عن سجستان (فلها من المدن زرنج و كس) و يقول ياقوت: إن كس مدينة فى أرض الهند.

34

الطقس فيه معتدل و قامة أهل هذه النواحى معتدلة و ليست لهم حمرة الروم و لا سواد الحبش و لا غلظة الترك و الخرز و لا دماثة أهل الصين، و قد قسموا هذا كله إلى أربعة أقسام خراسان و إيران و نيمروز و باختر، و كل ما هو فى الشمال يسمونه باختر و كل ما هو فى الجنوب يسمونه نيمروز و الوسط ينقسم إلى قسمين و كل ما هو فى الشرق يقولون له خراسان و كل ما هو فى حد الغرب يسمونه إيران.

عمل سجستان بعد الإسلام و كورها (1) على الاصطلاح القديم‏

ألف ألف درهم و هى سجستان و بست و رخد و كابل و زابلستان و نزاد و زمين داور و أسفزار و خجستان.

خراج خراسان حتى غاية حد الإسلام‏

فى عصر عبد اللّه بن طاهر سنة مائتين و إحدى عشر و ثلاثون ألف ألف درهم.

كورها

طبسين و قهستان و هراة و طالقان و كوزكانان و خفشان و بادغيس و بشنج و طخارستان و فارياب و بلخ‏ (2) و خلم و مرو الرود و جغانيان و آشجرد و خنلان و بدخشان و طالقان و أبرشهر و بخارا و سمرقند و شاش و فرغانه و سروشنة و سفد و آمويه و خوارزم و كش و إسيجاب و فارياب و ترمذ و نسا و أبيورد و سرخن و مر

____________

(1) كورة معرب خورة و كور جمعها، كانت مملكة فارس قبل الإسلام تنقسم إلى خمس كور: 1- كورة أردشير 2- كورة استخر 3- كورة داراب 4- كورة شابور 5- كورة قباد، و خورة فى البهلوية بمعنى العظمة و ذكر ياقوت أردشير خورة بمعنى عظمة أردشير.

(2) روى عن على بن أبى طالب (كرم اللّه وجهه) أنه قال: جاء رجل إليه فقال: من أين هذا الرجل، قال من خراسان، قال من أيها، قال من بلخها، قال على: سقيا لبلخها إنها مكتنزة بالعلم كاكتناز الرمان بحبها.

عبد اللّه بن محمد بن محمد حسين البلخى: فضائل بلخ- تصحيح و تحشية عبد الحى صبى، ص 12، تهران 1350 ه ش.

35

و شاهجان يوطوس و برسجان و بلم و آخرون و نسف. و فى عصر الإسلام إلى ذلك الوقت الذى خرج فيه الخوارج انقطع عن بغداد خرج خراسان و سجستان و فى النهاية تصالحوا على الخطبة التى كانوا يضعونها فى المدن إلى القصبة التى كانت فى حوزة الخوارج، و لكن لم يصل هذا الخراج بعد ذلك فقد قام المتغلبون إلى الآن و باللّه التوفيق.

و كان سبب ذكر خراسان و كورها و مجموعها فى هذا الفصل فلنا غرض فى هذا الكتاب و هو فضل مدينتنا حتى أن كل من يقرأ هذا يعلمه، و كانت له سجستان على الدوام مميزة من وسط العالم و قائمة بذاتها و لم يصلوها بمكان آخر، إلا أنهم أقاموا مدنا كثيرة و أوصلوها بها و باللّه التوفيق.

و الآن نذكر طول سجستان و عرضها و كورها و رساتيقها بعد الإسلام و من كان عاملا و واليا عليها، أما طول سجستان فمن خراسان حتى حدود السند و عرضها من كرمان حتى حد الهند، أما كور سجستان فهى أسفزار و جبل نية و سردرة و هند قانا و فراة و أوق و خواش و فلاد و فشلنج‏

ذلك الذى حطمه تحت حوافر خيول الجيش‏* * * فى زمان و باب و حائط قلعة پشلنج‏

(1) و نوزاد و بست و زمين داور و رخج و كش و رودبار و زابل و كابل.

رساتيق سجستان‏

قوس و كاق و سوكنى و بال و جوى كهن و ناشيرود (2) و نهيزن و زوشت و بر و جوسم و بكود و كركوى و زالق و ميسون و نوجرد و نوق و نيشك و أما الصراة وسيه.

____________

(1) يبدو أن فشلنج معربة و أصلها بشلنك أو يشلنج، و كانت قلعة على حدود سجستان و ولاية الغور و فتحت على يد محمود الغزنوي، يقول الفرخى:

ذلك الذى حطمه تحت حوافر خيول الجيش‏* * * فى زمان و باب و حائط قلعة پشلنج‏

(2) جاء هذا الاسم مختلفا فى كتب المسالك فقد جاء باشترود و باسرود و بيسرود و باسروز و ناشرود.

36

قراها

أما جروا تكن فهى ليست من جالق القديمة و لا الجديدة و قرنين ليست من خاش و لا من نيشك أما الضرائب فكانت لها قسمة أخرى قرنين‏ (1) و أبرونيشك و جالق القديمة و كش و من الكور بست و ررزان و سروان.

تقسيم خراج سجستان‏

يبلغ خراج سجستان ثلاثة ألف ألف و خمسمائة و اثنى عشر ألف ألف درهم غير الجوالى‏ (2) و الصوافي‏ (3) و مال الإجارة و كانت جملتها خمسة و ثمانين ألف درهم فيصبح مجموعها ثلاثين مليونا و خمسمائة و سبعا و تسعين ألف درهم، و كان للسلطان ألف ألف درهم من جملة هذا، و علاوة على ذلك تفصيلا فقد ذكروا هذا حتى لا يتضايق الناس فى الوقت الذى يكونون مشغولين فيه بأعمالهم، و الأول هو إقامة الجيش و كان هذا من بيت المال و مهما كان الأمر فكان يجب تقديم مليونى درهم كل سنة، أما ما كان يجب أن يحصل على المال فالعامل و الوالى كانا يأخذان اثنى عشر ألف درهم كل سنة و لإصلاح الكور أربعة آلاف درهم، و لإصلاح القلاع المتفرقة خمسين ألف درهم، و للسجناء بكل مدينة عشرين ألف درهم، و لشهر رمضان فى المسجد الجامع ثلاثين ألف درهم، و كان لكل من قارئى القرآن و خدم‏

____________

(1) قرية من قرى سجستان و ينسب إليها أبو الحسن محمد بن حسين الأبرى الذى كان من شيوخ أئمة الحديث.

(2) جمع جالية و فى عهد عمر رضى اللّه عنه أمر أن تؤخذ هذه القسمة من أهل الذمة الذين أجلاهم عمر عن جزيرة العرب و استوطنوا و سميت جالية رويدا رويدا ثم أطلق هذا اللفظ على الجزية التى تؤخذ من هؤلاء القوم و بتلك الصورة يمكن أن تقول إن الجوالى مال الجزية التى تؤخذ من هؤلاء القوم.

(3) هى العائدات الخالصة مع أن كلمة صافى و صافية لم تشاهد فى كتب اللغة و لكن فى الاصطلاح الفقهى كلمة صفى بمعنى الغنيمة و هى من الغنائم التى يختص بها السلطان. و قد ذكر أبو يوسف عن ابن سيرين أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصطفى من كل غنيمة صفيّا يصطفيه، كما أن لفظ صافى جعلوه علما على أملاك السلطان، يقول الإصطخرى: رخج إقليم بين أرض راور و بين بالس و عامتها صواف يرتفع لبيت المال منها مال عظيم.

37

الديوان و موظفيه و حرسه و رؤساء المدينة و الحراس و المطلعين على أحوال الناس و المفتشين و المخبرين السريين مهما كان عددهم فى كل مدينة فكل واحد منهم له فى آخر الشهر عشرون درهما و منان من الخبز كل يوم، و للمؤذنين فى كل مكان عشرون ألف درهم، و كانوا فى كل سنة يشترون مائة من العبيد بحوالى خمسمائة درهم و يعتقونهم و يعطونهم مثل قيمة العتق‏ (1) و للمستشفيات عشرة آلاف درهم، و لإقامة السدود و إصلاحها خمسة و عشرون ألف درهم، و لوالى الشرطة ثلاثون ألف درهم و للسدود الرملية ثلاثون ألف درهم و خمسون ألفا لحفظ الجسور و ثلاثون ألفا لترميم الجسور و الأنهار و معابر السفن فى نهر هيرمند، كما أنهم كانوا ينفقون على أبناء السبيل و الضعفاء و كانوا يعطونهم الملابس و كذلك الغرباء أيضا. و كانوا إذا رأوا على أحد دينا قضوه عنه و إذا غرق مكان بالماء فكانوا يعمرونه، و كل ما زاد فى أول العام كان الوالى يوزعه على هؤلاء الأشخاص و كانوا يقيمون الولائم فى الأعياد و كانوا يوزعون البخور و الغالية و كان للضعفاء نصيب منها و باللّه التوفيق.

مذهب أهل سجستان فى القدم حتى ظهور الإسلام‏

كان گرشاسب و أحفاده إلى فرامرز بنى رستم على مذهبهم و هو المذهب الذى جاء به آدم (عليه السلام) حيث كانوا يصلون الفجر و الظهر و المغرب و يعبدون اللّه تعالى، كما أنهم كانوا يقدمون على الأعمال الدنيوية قليلا و يداومون على الصلاة كثيرا، و كانوا يكثرون من الصلاة ثم يمضون إلى العمل، و كان الزنا و اللواط و الدم الحرام محرمة عندهم و لا يأكلون الجيفة و ما لم يذكر يذبح، أما الذى يذبح فإنه‏

____________

(1) يوجد بياض فى المتن مما أدى إلى اضطراب فى المعنى و لكننا كتبناها هكذا كما فهمناها من الحاشية.

38

حلال و يأكلونه و غير ذلك لا يأكلون، و يوزعون الصدقات كثيرا و يكرمون الضيف دائما و يدعونه، و كانوا يعدون ذلك من الفرائض عليهم و لا يتزوجون بناتهم و أخواتهم.

أما سبب الحرب التى وقعت بين رستم و أسفنديار فبسبب أنه عندما ظهر زرادشت و جاء بدين عبادة اللّه (مرديستان) و لكن رستم أنكر مذهبه و لم يقبل، و لهذا السبب تمرد على الملك گشتاسب و لم يلازم العرش مطلقا، و لما قال جاماسب لگشتاسب: إن موت أسفنديار سيكون على يد رستم، خاف گشتاسب من أسفنديار و أرسله لمحاربة رستم حتى قتل أسفنديار، و بعد ذلك مضى فرامرز من سجستان، و جاء بهمن بن اسفنديار ليثار لأبيه، و كان فرامرز قد مضى إلى الهند و أثناء عودته غرق، و كان بخت النصر الذى كان قائده رأى أنه من الصواب أن يتصالح مع بهمن و أسفنديار و هوشنك الذى كان صغيرا و دعاه إلى ملك سجستان و تصالح، و خرج من سجستان اثنا عشر ألف رجل زوالى مع بهمن و توجهوا إلى بلخ.

نسب بخت النصر

كان بخت النصر حفيدا لرستم دستان من ناحية ابنة أخته بنت فرامرز، و كان اسمه بخت نرس بن كيو بن جود بن كشواد بن أشجمر بن فرجير بن حير بن يشودان بن أنبوت بن نابجن بن تفر بن تفوك بن وأيذنج بن ذنج بن ماى‏شو ابن نوذر بن الملك، و كان بهمن أسفنديار حفيد بن يامين من ناحية الأم، و لما قتل بنو إسرائيل يحيى و زكريا (عليهما السلام)، أرسل بخت النصر إلى هناك حتى يثأر لهما، و ذكر اللّه تعالى بخت النصر و أهل سجستان بالشجاعة فى كلامه حيث قال‏

39

تعالى: (عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) (1) و عند ما نزلت هذه الآية تعجب سادات العرب و عظماؤهم من المهاجرين و الأنصار فى أى حال كان هؤلاء حتى مدحهم اللّه تعالى و قال النبى (صلى اللّه عليه و سلم): (إن أمتى ستغلب عليها) و كان فخر سجستان بالإسلام، و كان أعظم فخر لهذه المدينة كلام اللّه و قول الرسول (صلى اللّه عليه و سلم).

و الآن نذكر سبب نار كركوى‏ (2)

يقول أبو المؤيد البلخى فى كتاب گرشاسب: عندما ذهب كيخسرو إلى أذربيجان و معه رستم داستان، و رأى بقدرة اللّه تعالى تلك الظلمة و جنة الأشرار، و ظهرت النار المقدسة و ظهور الفور على أذن حصانه و أصبح له الملك، و رجع كيخسرو من هناك بمعجزات عديدة و مضى على التركستان طالبا دم أبيه سياوش، و كان يقتل كل من وجده فى التركستان من الذكور، و كان معه رستم و أبطال إيران الآخرون، و هرب أفراسياب و ذهب إلى الصين و منها إلى الهند و من هناك جاء إلى سجستان، و قال: لقد جئت فى حماية رستم فنزل فى بنكوه، و عندما يأتى الجيش فوجا فوجا كان فى بنكوه مخزن للغلال كانوا يدخرون فيه على الدوام فى كل جانب من جوانبه الثلاثة، و كانوا يضعون فيه ما يقرب من مائة ألف كيلة من الغلة، و التف حوله السحرة و كان هو ساحرا حيث إن العلف موجود و الحصار محكم و لا يجب أن يبدو العجز، و أراد أن يجرب ثانية، و أقام بالسحر ظلاما مخيفا على بعد فرسخين من كل جانب و عندما مضى كيخسرو إلى إيران و علم بخبره مضى إليه إلا أنه علم أنه لا يقدر على الوصول إليه بسبب هذا الظلام، و كان معبد گرشاسب‏

____________

(1) سورة الإسراء، آية 5.

(2) كركوى و كركويه اسم محلة تبعد ثلاثة فراسخ عن مدينة زرنج على طريق هراة و كانت اسم بوابة من بوابات المدينة نفسها.

40

فى هذا المكان الذى أطلق عليه الآن اسم بيت نار كركوى، و كان گرشاسب فى عصره مستجاب الدعوة و له الأمر و الناس يذهبون إليه أملا فى بركاته و يدعون فيستجيب اللّه دعاءهم، و لما أصبح الحال هكذا، توجه كيخسرو إلى هناك و ارتدى الصوف و دعا فأظهر اللّه تعالى نورا فى ذلك المكان الذى أصبح الآن موضع النار، و ما إن ظهر الضياء بجوار الظلمة حتى تبددت، فمضى كيخسرو إلى رستم فى القلعة و قذفوا النار بالمجانيق، فاشتعلت المخازن كلها بكل الذى ادخروه لعدة سنين، و احترقت تلك القلعة، و هرب افراسياب من هناك بالسحر

لم يرتفع رأس أفراسياب‏* * * قال رستم لم تكن رديئة و بيضاء

(1) و احترق أناس آخرون و خربت القلعة، ثم أقام كيخسرو مدينة فى نصف هذه القلعة و مكانا للنار تسمى كركويه، و يقال إنه يخرج منها ضياء، و يقول المجوس أيضا إنها عقل كرشاسب، و يحتجون فى هذا الكلام بأشعار كركوى:

ليكن موقدا عليه‏* * * فغنى عقل كرشاسب‏

و كله ممتلئ فياض‏* * * فاشرب الخمر الحلوة

و احتضن الحبيب‏* * * و اصغ إلى المدح‏

و واظب فى الخير على الدوام‏* * * فقد مضى أمس و البارحة

أيها الملك الممدوح‏

و بما أن شرطنا فى أول الكتاب هو أن نذكر أنساب العظماء الذين ذكرنا أسماءهم و أن أعظم إنسان فى الدنيا و الآخرة هو محمد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)،

____________

(1) كتب هذا البيت فى الحاشية مع العلم أن ذكره لا يؤدى لغرض و ترجمته هكذا:

لم يرتفع رأس أفراسياب‏* * * قال رستم لم تكن رديئة و بيضاء

41

و عند ما نذكر عصر الإسلام، ينبغى أن نبدأ به و بحديثه حتى يكرم الكتاب بذكره و باللّه التوفيق.

ذكر مولد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)

نذكر مولد المصطفى (عليه السلام) فليس لسجستان فخر أعظم من هذا.

و فى روايتين حدثنا و أخبرنا جاء فى كتاب مولد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لكعب الأحبار، أما نحن فقد كففنا عن الإطالة و لكن سعيد بن عمرو الأنصارى فيروى عن أبيه قائلا: لم أر أحدا على صفة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أكثر علما و رأيا عن كعب الأحبار، و كان أقوى سبب لإسلامنا قبل رؤية النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان من الروايات و الأخبار التى قصها كعب الأحبار علينا و ذلك فى حديثه قبل بعثته، لأنه ذكر لنا خاتم نبوته و أخلاقه و صورته قبل الرؤيا و ما رأيناه، كما أخبرنا عن عامه و شهره و يومه و ساعة موته (صلى اللّه عليه و سلم)، و فى الليلة التى تلقى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الأمر كنا مع كعب الأحبار فى المدينة فلم ينم كعب و كان خارج البيت طوال الليل، ثم عاد و دخل و نظر إلى السماء، و لما طلع الفجر قلنا يا أبا إسحاق رأينا البارحة شيئا عجيبا عنك فبكى و قال: كان شيئا يسحق الوجود ففى هذه الليلة مضى نبينا و كانت أبواب الجنة مفتحة لدخوله، و ليس فى أرضنا مكان أعظم من ذلك المكان الذى يضمه فتعجبت منه فعاد، فمضيت حتى توفى أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه، و فى عهد عمر قدم المدينة و اقتربت منه فعرفنى و قربنى إليه و كنت أحدث الناس عما رأيته منه، فتعجب الناس و قالوا: إن ما قاله بالسحر و كله هكذا، و سمع كلام الناس فقال: اللّه أكبر و اللّه لست بساحر و قال هذا ثانية، فأخرجوا سلة صغيرة كان فيها درة بيضاء و قفل من الذهب الأحمر كان عليه خاتم، فأخذ

42

الخاتم و فتح القفل و أخرج حريرا أخضر و قال: ها هى صفة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)

صلوا على روح النبى المصطفى‏* * * النبى الهاشمى الأبطحى المجتبى‏

(1) و قلت من هذا المكان فقلنا ثانية يا أبا إسحاق و الآن اقرأ علينا هذه الصحيفة و حدثنا عن حاله من البداية إلى النهاية فقال: نصنع هذا إن شاء اللّه، و عندما أراد اللّه تبارك و تعالى أن يخلق سيد ولد آدم (عليه السلام)، أمر جبريل أن يقبض من قلب الأرض قبضة بيضاء و هى نور بهاء الأرض، و فى ذلك المكان الذى هو الآن قبره عجن القبضة بماء التسنيم‏ (2) حتى أصبح كالدرة البيضاء، ثم غسله فى أنهار الجنة و أذراه فى السماوات و الأراضين و فى البحار حتى عرفه الملائكة، إن فضل النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أكثر من فضل آدم (عليه السلام)، و عندما تم خلق آدم و أوجد الروح فيه سمع آدم (عليه السلام) من جبلته فقال:

سبحانك يا رب العظيم ما هذا؟ فقال اللّه تعالى: تقبل يا آدم تسبيح خاتم الأنبياء و سيد ولدك، و لا تجعل هذا و هو عهدى و ميثاقى فى أى مكان قط إلا عند الطاهرين و الطاهرات، قال آدم: تقبلت يا إلهى العظيم. إن نور محمد (صلى اللّه عليه و سلم) كان فى دائرة غرة جبين آدم مثل الشمس و هى تدور حول الفلك، و عندما أراد آدم (عليه السلام) أن يقترب من حواء تطهر و تطيب و أمر حواء أن تفعل مثله حتى جاء إلى الوجود بدر الأنبياء شيث، و فتح فى ذلك اليوم لآدم و حواء نهر الجنة و غمرتهما رحمة اللّه حتى يغتسلا منه و شربا منه، و نظر آدم فى الصباح فرأى هذا النور فى وجه حواء فابتهج، و زادت مكانة حواء عنده حتى أن طيور الجو و الوحوش و الحيوانات كلها أنست حواء و لم يقترب آدم (عليه السلام) منها، و كانت الملائكة يأتون فى كل يوم للتسليم و التهنئة و كانوا يحضرون ماء التسنيم حتى شربت منه، و لما تم خلق شيث انفصل عنها، فما كان له من ولد آخر حتى انفصل‏

____________

(1) كتب هذا البيت فى حاشية الكتاب:

صلوا على روح النبى المصطفى‏* * * النبى الهاشمى الأبطحى المجتبى‏

(2) المؤلف تأثر بالقرآن الكريم و يقول عز و جل: (وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [سورة المطففين: آية 27، 28].

43

عن أمه، ثم ظهر نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) على جبينه، و وضع اللّه سبحانه و تعالى حجابا من نور بينه و بينها، إلا أن إبليس اللعين رفع الحجاب و دام ذلك لمدة خمسمائة عام، إلا أن شيث كان يزيد فى هذا النور باستمرار حتى ارتفع إلى السماء، و كل الملائكة الذين كانوا يشاهدونه كانوا يقولون هذا نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)

نور الهداية للمصباح الأرضى‏* * * و فى الرفعة أعلى من السماء السبع‏

(1) و عندما بلغ شيث مبلغ الرجال، و حان أجل آدم أمسك بيد شيث و حمله إلى حواء و قال: يا بنى إن ذلك النور الذى تملكه وديعة اللّه و أنا لا أضعه عندى إلا فى أطهر مكان سواء عند الرجال أو النساء، و قال ثانية: يا ربى العظيم أرسل ملائكة حتى يشهدوا على شيث، و دخل جبريل (عليه السلام) مع سبعين ألف ملك و معه حرير أبيض و قلم من أقلام الجنة و قال: يا آدم هذا قلم من الجنة و حرير و إن هذا القلم لا يحتاج لمحبرة لأن به مدادا للكتابة، فاكتب على هذا الحرير كما كتبوا عليك، و كتب آدم عهدا على شيث و أشهد اللّه و الملائكة و ختمه بخاتم جبريل (صلوات اللّه عليه) و استودعه هذه الوديعة الخفية و فى الحال أحضر حلتين من نور الجنة و لون الشمس و ألبسوها شيث بأمر اللّه تعالى، و زوجه اللّه تعالى محوايلة البيضاء و هى تشبه حواء تماما، فقرأ جبريل (عليه السلام) الخطبة و كان الملائكة شهودا، و آدم (عليه السلام) ولى العروس و أقام قبة من الزمرد الأخضر حول محوايلة، و بقدرة البارى تعالى حملت محوايلة من شيث، و فى الحال سمع نداء من كل مكان قائلا: هنيئا هنيئا يا بيضا فقد جاء نور محمد تجاهك، و قد حجب اللّه تعالى هذه القبة عن عيون الناس و الشياطين حتى أن أحدا لم يستطع أن ينظر من أى جهة من شدة هذا النور الذى يعمى العيون، و فى الحال ولدت بيضا أنوش‏ (2) و النور ظاهر فى جبينه فابتهجت، و عندما كبر أنوش استودعه شيث هذه الوديعة،

____________

(1) كتب هذا البيت فى الحاشية و ترجمته:

نور الهداية للمصباح الأرضى‏* * * و فى الرفعة أعلى من السماء السبع‏

(2) يقول الطبرى: إن أم أنوش هى خرورة أخت شيث. (الطبرى، ج 1، ص 127).

44

و استودعها أنوش عند قينان و استودعها قينان عند مهلائيل، و لما اختار مهلائيل زوجة كما كان الأمر و اسمها آجرة، و حملت و جاء لها أخنوج و كان هو إدريس و ذلك النور فى جبينه، فأودعه العهد نفسه و الوديعة و قبلها و تزوج بروحا و هى أعظم النساء، ولد منها متشولخ و جاء لمتشولخ لمك، و كان لمك رجلا عظيما ذا قوة، و تزوج قينوس بنت بركائيل، و جاء منها نوح (عليه السلام) بهذا النور الواضح، و ربط لمك هذا العهد بنوح و قبل هذا و تزوج عمرية و كانت امرأة عظيمة مؤمنة فجاء منها سام و نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) واضح عليه و قد استودعها نوح هذا النور و قبلته،. و أودع عنده تابوت آدم و كان هذا التابوت من درة بيضاء و بابين من الذهب الأحمر و قفلين من الزمرد الأخضر، و زوجه امرأة من بنات الملوك و هى امرأة لم يكن لها فى العالم نظير فى الحسن و الجمال و العفة، و جاء منها أرفخشد و أحضر النور سام و أودع عنده النور و التابوت و قبله. و تزوج أرفخشد مرغانة و جاء منها عابر و كان هو هود النبى (صلوات اللّه عليه) و أحضر النور و ارتفع النداء من كل جهة أن هذا النور هو نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو النور الذى يحطم الأصنام و يهلك الكفار، و استودع أرفخشد نورا و تابوت أبيه و قبله و تزوج ميشاخا و جاء منها فالخ و من فالخ شانخ و من شانخ أرغوا و من أرغوا أشروع و من أشروع ناجور و من ناجور تارخ و من تارخ آذر حتى تزوج بنت ثمر و جاء منها الخليل إبراهيم (صلوات اللّه عليه) و فى وقت ولادة إبراهيم ظهر له علمان توجه أحدهما للمشرق و الآخر للمغرب، و امتلأت الدنيا كلها بالنور، و لما ارتفع النور تجاه السماء مثل عمود حيث جاء صوت من هناك و ظهر الملائكة و قالوا يا إلهى ما هذا؟ فجاء صوت إنه نور محمد (صلوات اللّه عليه)، و اتخذ إبراهيم (عليه السلام) الحجاب- كما كان ذلك لآدم (عليه السلام)- من قبل حتى ظهر كل بنى آدم و لم ير أمة أعظم من أمم الأنبياء (عليهم السلام) أعظم من أمة المصطفى (عليه السلام)، فأراد أن يسأله فجاء نداء أن هذا محمد؛ يا خليل إنه حبيبى- (صلوات اللّه عليهما)- و دون هذا ليس لى حبيب، لقد ذكرته قبل خلق‏

45

السماوات و الأرض، و أبوه آدم كان فى ذلك الوقت بين الطين و الروح، و أنت و هو فى درجة بلا ترديد و أنا أربط نورى بنوره و منك إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) و أمرت بالكرم و الخير و العظمة حتى تكون معه رفيق الطريق، فأخبر إبراهيم سارة بما أظهره اللّه له، و طمعت سارة فى نور النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و كانت تأمل فيه على الدوام حتى وجدته هاجر، و لما جاء إسماعيل و أحضر النور حزنت سارة و بكت من الغيرة، و قالت: يا إبراهيم ما ذا حدث حتى أننى دون النساء جميعا بغير ابن، و قال إبراهيم (عليه السلام): لا تحزنى فإن اللّه منجز وعده، و ظلت حزينة حتى جاء إسحاق و كبر و عندما حان وقت رحيل إبراهيم من هذه الدنيا، أحضر تابوت آدم و جمع أبناءه و كان له فى ذلك اليوم ستة أولاد، و كان لكل نبى فى هذا التابوت منزل فقال ارفعوا غطاء هذا التابوت، فرفعوا، و نظروا و ظهرت بيوت ولد إبراهيم (عليه السلام) كلها و كان فى آخر البيوت بيت محمد المصطفى (عليه السلام)، و وجدوا كل أنسابهم و عرفوا نسب كل واحد، و إلى أى جيل ينتسب، و كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فى بيت من الياقوت الأحمر و كان يصلى و على يده اليمنى رجل شيخ مطيع و قد كتب على جبينه: هذا أول من تبعه من أمته من المؤمنين كان هو أبو بكر الصديق، و على يساره الفاروق و كتب على جبينه فرق من حديد لا تأخذه فى اللّه لومة لائم، و كان هو عمر بن الخطاب، و كان خلف ظهره و قد كتب على جبينه: يا زين البرية و لب الخلفاء و كان هذا عثمان بن عفان، و أمامه كان على بن أبى طالب و قد استل سيفه و وضعه على العنق و قد كتب على جبينه: هذا أخوه و ابن عمه المؤيد بالنصر من عند اللّه تعالى و حوله المهاجرون و الأنصار و قالوا: إن نور حوافر خيولهم متألق كالشمس الآن فى دار الدنيا. و بعد ذلك قال إبراهيم (عليه السلام) للأبناء: انظروا جيدا حيث إن الأنبياء ارتبطت بمن منكم، ثم نظروا، فاتصلوا كلهم بإسحاق إلا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فقد انفصل عنهم و اتصل بإسماعيل.

46

و ظهر فى الحال النور على جبين إسماعيل فقال أبوه: بخ بخ هنيئا لك يا بنى، فقد اختصك اللّه تعالى بهذا النور العظيم لخاتم الأنبياء، و أعطاه عهد أبيه و تابوته و قبّله.

ثم تزوج هالة بنت الحارث و جاء منها قيدار و أحضر النور، و لما كبر أودعه إسماعيل العهد و أودعه التابوت و كان قيدار ملكا.

و أراد باختيار هذا النور أن يجعله متصلا بنسب إسحاق (عليه السلام). و أراد اللّه تعالى أن تكون له عجائب كثيرة يظهرها فى نفسه و هذا آخر ما يريد اللّه.

قصة قيدار الملك بن إسماعيل فى حديث نور المصطفى (عليه السلام)

كان قيدار ملكا و له سبع خصال لم تكن لأى ملك و كان يريد صيد كل ما يراه بالشبكة و إذا ما أراد، كان يرمى بالسهم بحيث لا يخطئ. و الثالثة: لم يكن هناك فارس يضارعه. و الرابعة: لم يكن لشخص من البشر قوة مثل قوته. و الخامسة: لم يكن أحد فى مثل شجاعته. و السادسة: لم يكن هناك أحد فى كرمه. و السابعة: لم يكن لأحد قوته فى مجامعة النساء و تزوج مائتى فتاة من ولد إسحاق (عليه السلام) لعل هذا النور يتصل بأحد منهم، و لم يتصل و بلغ عمره مائتى عام و لم يولد له ولد، و فى النهاية مضى ذات يوم إلى الصيد ثم عاد و رأى الوحوش و الطيور و السباع، و قد اجتمعت فى مكان واحد فتعجب من ذلك فقالوا له، بصوت واحد و بلسان فصيح و بكلام البشر: لماذا لا تفكر فى نور محمد المصطفى (عليه السلام)، حيث إن الوصية و الوديعة التى قبلتها لم تتمها و انقضى وقت من العمر و قد شغلت باللعب، فعاد قيدار إلى داره محزونا، و أقسم ألا يأكل و لا يشرب حتى يظهر اللّه له ماذا ينبغى أن يعمل، و مضت عدة أيام و لم يأكل شيئا و كان يصلى فى وسط سهل‏

47

فجاءه ملك فى صورة إنسان جميل الوجه و فى ثوب من الهواء و سلم عليه، و رد عليه قيدار السلام، ثم قال له الملك: لقد ملكت عدة ممالك و مدن و كنت مشغولا بالشهوات و لذات الدنيا، ألم يحن الوقت لتفى بالعهد و تؤدى نور محمد المصطفى (عليه السلام).

و اعلم أنه لن يكون فى ولد إسحاق. أما الآن فينبغى الذهاب و أن تقدم القربان إلى اللّه تعالى و تقدس، و أن تطلب منه حتى يظهر قال هذا و صعد إلى السماء، و سرعان ما مضى قيدار إلى ذلك المكان الذى ولد فيه إسماعيل فنحر سبعمائة كبش أقرن من أكباش إبراهيم (عليه السلام)، و كلما قدم قربانا هبطت من السماء نار حمراء و حملت هذا القربان إلى السماء و بعد الهواء جاء صوت: كفى فقد استجاب اللّه تعالى دعاءك و قبل قربانك امضى و نم تحت شجرة الوعد حتى يبدو لك فى المنام ما ينبغى أن تصنع فمضى قيدار إلى تلك الشجرة و نام. فرأى فى النوم أن شخصا يأتى و يقول له إن هذا النور الذى تملكه صنع اللّه منه كل الأنوار و لا يريد أن يصل إلى مكان آخر ما عدا الأطهار و بنات العرب و من فتاة اسمها غاضرة، فاستيقظ قيدار و ابتهج‏

كنت أرى سحر دلاله فى المنام‏* * * فما أفضل مراتب النوم التى فى اليقظة

(1). و فى الحال أرسل الرسل إلى كل مكان يطلبون فتاة تسمى غاضرة، و لم يصبر على هذا و ركب و استل سيفه و كان يطلب حتى وصل إلى ملك جرهم، و هو من ولد ذهل بن عامر بن يعرب بن قحطان، و كان له أخت اسمها غاضرة، و هى أجمل نساء زمانها و تزوجها و حملها إلى مملكته فحملت منه غاضرة، و نظر قيدار فى يوم آخر فى وجه غاضرة فرأى النور فابتهج، و كان يملك تابوت آدم (عليه السلام) و كانوا يقولون له: يا ولد إسحاق أعطنا التابوت فأنتم تملكون نوره فاكتفى و الأنبياء فى ولدنا و لم يعط و قال: أوصانى أبى (لقد أوصانى أبى)، و لما مضى يوم أراد أن يفتح التابوت و لكنه لم يفتح، و جاء صوت من السماء أن هذا

____________

(1) كتب هذا البيت فى حاشية الكتاب و ترجمته:

كنت أرى سحر دلاله فى المنام‏* * * فما أفضل مراتب النوم التى فى اليقظة

48

التابوت لا يفتح بيدك قبل أن تتم وصيتك و أعط التابوت لابن عمك يعقوب حتى يفتحه بيده و هو إسرائيل و يقول أبو محمد الترقفي‏ (1): إنهم يسمونه إسرائيل حيث كان فى بيت المقدس، و فى النهاية خرج كل شخص و دخل قبل شخص و عندما رأى المصابيح كلها أطفأها فتعجب من ذلك و اختفى فى المسجد حتى يعمل هذا و بعد مدة وجد هذا الشخص و أمسك به، و ربطه على عمود حتى دخل الناس فى الفجر و رأوه و كان جنيا، و اسمه قيدار و جعلوا اسم إسرائيل ليعقوب، لأنه كان قد أسر هذا الجن و لما جاء لقيدار الأمر أن أعط التابوت لإسرائيل، قال لغاضرة لا بد من تأدية هذه الوديعة لأنها أمانة عندى، و إذا مت و جاء لك غلام سميه حملا، ثم أخذ التابوت ليحمله إلى كنعان و حمله على كتفه، و ببركة هذا التابوت وصل إلى كنعان فى ساعة واحدة، وضعه على الأرض، فارتفع من التابوت نداء، ثم بكى يعقوب لأنه لم يشاهد هذا النور معه، قال يا ابن العم ما ذا حدث لك، قال: لقد أعطيت نور محمد المصطفى (عليه السلام) و ذهب (بعد) عنى، قال يعقوب هل أعطيته لأولاد إسحاق؟ قال: لا، أعطيته للأعرابية الجرهمية غاضرة قال يعقوب بأبنائى هؤلاء لم يكن لك شرف المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) إلا فى العربيات الطاهرات، يا قيدار لك البشرى فقد جاء لك البارحة ولد عظيم، فقال قيدار: أنت فى أرض الشام، و هو فى أرض الحرم فكيف علمت؟ قال: رأيت أبواب السماء مفتوحة و ارتفع هذا النور إلى السماء فإن محمد المصطفى (عليه السلام) أوجده اللّه تعالى من هذا النور، فعلمت أنه كان موجودا فى عالم الجهة، و لما كبر حمل، أمسك قيدار يده حتى يدله على مكة و المقام و موضع البيت، و عندما وصل إلى جبل ثبير، جاءه ملك الموت فى صورة آدمى و سلم عليه، و قال: أين تذهب يا قيدار، قال أريد أن أدل هذا الفتى على المقام و البيت الحرام قال: آهل خيرا، أما فلك نصيحة

____________

(1) نسبة إلى بلد" ترقف" التى ينسب إليها أبو محمد العباس بن عبد اللّه بن أبى عيسى الترقفى الباكسائى أحد أئمة الحديث توفى سنة 368، أو 269 ه. ياقوت الحمى: معجم البلدان (نقلا عن تعليقات بهار).

49

منى، و أمسك بيده فقبض روحه من ناحية أذنه. و سقط قيدار ميتا أمام ابنه، فغضب حمل، و قال قتلت أبى فقال ملك الموت انظر جيدا حتى تعلم هل مات أم لا؟ فنظر حمل (فأراد حمل أن ينظر) فارتفع ملك الموت من أمامه إلى السماء، و نظر حمل فلم ير شيئا و عرف الحال فجلس على رأس أبيه باكيا، فأوجد اللّه السبب فوصلت جماعة من أبناء إسحاق (عليه السلام) و غسلوا قيدار و كفنوه و دفنوه، و وضعوه فى جبل ثبير (1) فبقى حمل وحيدا يتيما و رضى اللّه تعالى عنه و قبله حتى كبر، و أصبح ملكا ذا عز و شرف و تزوج امرأة من عظماء قومه الذين كان لهم العهد و اسمها حربوة، و جاء له منها نبت و كان على شكل أبيه فى الجلالة و العظمة حتى جاء منه هميع و جاء لهميع أدد و أصبح له اسم عظيم فى الدنيا و تعلم العلم و الأدب، و كان له فضل الكتابة على أهل زمانه و جاء عدنان لأدد، و قالوا له عدنان لأنه كان له عين الإنس و الجن و أرادوا أن يحموه من الحسد، و قال العلماء و الحكماء و عظماء العالم منهم، إن اللّه تبارك و تعالى وكل به مهما جهدوا حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤذوه، و جاء منه معد و سموه معد لأنه حارب كثيرا و أغار كثيرا فى بنى إسرائيل و كان على الدوام منصورا مظفرا. و جمع له مال لم يكن لأى ملك مثله فى الدنيا، و جاء منه نزار و سموه نزارا لأن نور محمد (صلوات اللّه عليه) عندما ظهر فيه قدم قرابين كثيرة، و قال فى النهاية و إن كان ليس لى ملك و لا ملك فإن كل شى‏ء أمام هذا النور قليل و كما جرت عادة قومه تزوج امرأة اسمها سعدة (2) و جاء منها مضر و قالوا له مضر حيث إنه كلما وضع يده على قلب لم يكن أحد يراه، و كان سيد كل العرب، و من هذا كتب كتابا على كل أبنائه عهدا و ميثاقا على جملة ما قلناه، و قد أخفوا هذا الكتاب فى بيت الكعبة منذ عهد إسماعيل (عليه السلام) إلى أن جاءوا بالفيل على‏

____________

(1) ثبير: اسم جبل بمكة يقال: أشرق ثبير كيما تغير (مادة ثبر صحاح اللغة).

(2) سعدة بنت عك (الطبرى)

50

مكة، ثم غير عمرو بن اللحى‏ (1) كل ذلك. ثم تزوج مضر كزمة و كانت تسمى كزمة أم حكيم و جاء منها إلياس بعد أن يئست أن يولد لها ولد. و كان إلياس على الدوام يسمع تلبية حضرة الرسول (عليه السلام) و يقول للناس، حتى تزوج مخة و جاء له منها مدركة و سموها مدركة لأنها وصلت إلى مكانة عظيمة من الشرف و الفضل، و تزوج بعد مدركة قرعة و جاء منها خزيمة (2) و بقى خزيمة مدة بلا زواج لأنه لم يجد من تليق به و لكن رأى أن يتزوج مرة بنت أدين الطانجة (3)، فتزوجها و جاء منها كنانة و تزوج كنانة ريحانة التى تسمى أم الطيب و جاء منها النضر و قد اختاره اللّه سبحانه و تعالى و ظهر منه نور عظيم و سموه قريش (و قالوا له قريش) فكل من هم أبناء النضر قرشيون و كل من ليسوا منه فهم ليسوا قرشيين و كانت تلك الرؤيا التى رآها فى المنام.

رؤيا نصر بن كنانة و هو من سموه قريشا

رأى فى المنام رؤيا، فقال: إن شجرة نبتت من ظهرى و تأصلت و ارتفعت حتى عنان السماء و مدت غصونها فى العالم كله، و أصبحت هذه الأغصان كلها نورا. و رأيت جماعة إلى حد أن الدنيا امتلأت بالناس و أمسك كل منهم بغصن من أغصانها، حتى رأيت سماء الدنيا ممتلئة بالناس، و لما استيقظت من النوم سألت علماء قريش فقالوا: إذا رأيت هذا الحلم فقد اختصصت بالعز و الكرم و وصلت إلى منزلة لم يصلها أحد. و فى الحال نظر اللّه تعالى تجاه الأرض و قال للملائكة: من ذا

____________

(1) عمر بن اللحى بن حارثة بن عمر بن الأزدى من ملك العرب فى الجاهلية، أول من أتى بالأصنام من بلقاء الشام إلى الحجاز، فجعلها فى الكعبة، دعا العرب إلى الاستشفاء بها و العبادة حولها و يظن أنه كان فى أوئل القرن الثالث للميلاد.

خير الدين الزركلى: الأعلام، ج 2، ص 737 (القاهرة 1928).

(2) يوجد بياض فى المتن صححناها كما وردت فى الحاشية.

(3) الطانجة لقب عامر بن إلياس بن مضر لقبه بذلك لأنه طبخ العنب (صحاح اللغة مادة طنج).