الأصول الستة عشر

- جمع من العلماء المزيد...
431 /
5

التصدير

لا ريب أنّ الحديث و السنّة هو المصدر الثاني لفهم الدين و تحصيل العلوم الإلهية بعد كتاب اللّه العزيز، و هو بيان للقرآن و تفسير لكلام اللّه سبحانه، و متمّم للقوانين و الحقائق الكامنة في القرآن المجيد، و له السهم الأوفر في التوصّل إلى الينبوع الصافي للحقائق و المعارف الدينية و استنباط الأحكام الشرعية.

و قد حثّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة المعصومين (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين على كتابة الحديث و نقله و تعليمه و تعلّمه، كما قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعبد اللّه بن عمر: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما خرج منّي إلّا الحقّ»؛ و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «من أدّى إلى أمّتي حديثا يقام به سنّة أو يثلم به بدعة فله الجنّة»؛ و قال الباقر (عليه السّلام): «لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا و ما فيها» و قال الصادق (عليه السّلام): «اعرفوا منازل الناس منّا على قدر روايتهم عنّا». و هذا ما ضاعف في أهمّيته و زاد في ازدهاره و نشره يوما بعد يوم.

و لا شكّ في أنّ «الأصول الأربعمائة» من أقدم و أشهر و أهمّ المصادر الروائية للشيعة الاثنا عشرية التي ألّفت في أعصار الأئمة المعصومين (عليهم السّلام). و نعلم إجمالا بأن تاريخ تأليف جلّ هذه الأصول- إلّا قليل منها- كان في عصر أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام)، سواء كانوا مختصين به، أو كانوا ممّا أدركوا أباه الإمام الباقر (عليه السّلام) قبله، أو أدركوا ولده الإمام الكاظم (عليه السّلام) بعده. و صرّح الشيخ الطبرسيّ و المحقق الحلّي و الشهيد و الشيخ البهائي و المحقق الداماد و غيرهم من الأعلام بأن «الأصول الأربعمائة» ألّفت في عصر الصادق (عليه السّلام) من أجوبة المسائل التي كان يسأل عنها.

6

و من المؤسف أنّ الكثير من هذه الأصول قد ضاعت و اندرست بسبب عدم الاهتمام الكافي بها، أو فقدت في خضمّ الأحداث و لم تصل إلينا.

و من التقديرات الإلهية أن تصان هذه المجموعة القديمة من الأصول، و تبقى محفوظة من الضياع و الاندراس؛ لتعكس للباحثين صورة واضحة عن سائر تلك الأصول و تقييمها، و لولاها لما انطبعت في ذهن أحد صورة صحيحة و واضحة عنها.

و هذه المجموعة الروائية من حيث اشتمالها على حقائق هامّة عن كيفية الرواية في كتب المتقدّمين- و بخاصّة أصحابنا- تكاد تكون أهمّ كتاب من نوعه، و أقدم كتاب سلم من الاندراس و الضياع؛ حيث يكشف عن حقائق مهمّة كثيرة كانت مبهمة منذ قرون، و بفضل بقائها إلى اليوم أمكن تفسير جانب مهمّ من جوانب تاريخ أصحابنا الروائي الثقافي الذي خيّم عليه الغموض طيلة قرون متمادية.

هذا، و يسرّ مركز بحوث دار الحديث أن يصدر هذه المجموعة القيّمة بتحقيق جديد. و قد تصدّى لتصحيحها و تحقيقها حجة الإسلام الشيخ ضياء الدين المحمودي يساعده في ذلك حجج الإسلام الشيخ نعمة اللّه الجليلي و الشيخ مهدي غلام عليّ و جمع آخر من محقّقينا الأعزّاء، فللّه درّهم و عليه أجرهم.

مركز بحوث دار الحديث قسم إحياء التراث محمّد حسين درايتي‏

7

المقدّمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين محمّد و آله الطاهرين.

و بعد، لا تخفى أهمّية علم الحديث على المضطلعين بالمعارف الإسلامية؛ ذلك أنّ كلّ من يروم الاطّلاع على قواعد العلوم الدينيّة لا بدّ له من المعرفة الكافية بهذا العلم؛ لأنّه الأساس في الاستنباط الصحيح، و لا غنى عن هذا العلم لكلّ فقيه و اصولي، و كلّ باحث في القيم الروحيّة و الملاكات الأخلاقية، و كلّ متكلّم و مفكّر و مفسّر، بل و حتّى كلّ رجالي؛ لأنّ الباحث في هذه العلوم لا بدّ له من ملاحظة ما جاء عنها في أحاديث النبيّ و العترة و تطبيق اجتهاداته عليها. و من هذا المنطلق كان علم الحديث و شئونه مصبّ اهتمامنا في مسيرتنا العلميّة، فقد قمنا بدراسات و تحقيقات في هذا المجال.

و ممّا قمنا به تحقيق هذه المجموعة القديمة من الاصول الأوّلية في رواية أحاديث العترة التي فقد منها الكثير على مرّ العصور، و لم يبق منها إلّا نماذج قليلة كان من أهمّها هذه المجموعة القيّمة التي عكست للأجيال المتأخّرة صورة واضحة و جليّة عن معالم تلك الاصول شكلا و مضمونا، و جسّدت كيفيّة الرواية في عصور الأئمة (عليهم السّلام)، و التي تعتبر في الأزمنة المتأخّرة من الأسرار المكتومة. و من هنا تتجسّد

8

أهمّية هذه المجموعة الثمينة و تحقيقها، و ما تلعبه من دور كبير في إزاحة ذلك الغموض الذي أحدق بتلك المسائل طيلة قرون متمادية.

هذا و قد واجهتنا في بادئ الأمر بعض الصعوبات و العقبات؛ ذلك أنّ هذا النمط من الحديث لم نألفه من قبل، و لم نره في كتب الحديث المتداولة، لكنّها- بحمد اللّه زالت شيئا فشيئا، و كمل تحقيق المجموعة، و خرجت بهذه الصورة التي نقدّمها إلى مجامعنا العلمية.

أضواء على المجموعة

قال المولى الوحيد البهبهانيّ (رحمه اللّه) في مطلع مقدّمة كتابه الفوائد القديمة: «أمّا بعد، فإنّه لمّا بعد العهد عن زمان الأئمّة (عليهم السّلام)، و خفي أمارات الفقه و الأدلّة، على ما كان المقرّر عند الفقهاء، و المعهود بينهم بلا خفاء، بانقراضهم و خلوّ الديار عنهم، إلى أن انطمس أكثر آثارهم، كما كانت طريقة الامم السابقة، و العادة الجارية في الشرائع الماضية؛ أنّه كلّما يبعد العهد عن صاحب الشريعة، تخفى أمارات سديدة قديمة، و تحدث خيالات جديدة، إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة» (1).

أقول: ما أحسن ما قاله الوحيد (رحمه اللّه)، فإنّ ابتعادنا عن زمن أئمّة أهل البيت، و خفاء قرائن الفقه و العلم، و المصائب التي واجهها موالو آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، كلّ ذلك كان من جملة الأسباب الرئيسية في اندثار الكثير من آثارهم إن لم نقل معظمها، من جملتها الرسائل و الكتب الحديثية و الروايات الأوّلية لأصحاب الأئمّة الذين أخذوا العلم و الحديث عنهم مباشرة أو بوسائط قليلة، و كان ذلك عاملا مهمّا في ضياع كمّ هائل من المعارف التي تدور حول الحديث و الرواية و كيفيّتها و مجالسها و كتبها.

هذا مضافا إلى أنّ علماءنا في السابق لم يولوا مسألة تدوين تلك النكات‏

____________

(1) الفوائد الحائرية: ص 85.

9

الضرورية و الهامّة مزيد اهتمام و اعتناء؛ حيث إنّهم لم يخطر في أذهانهم ما يدعو إلى ذلك. و من هذا المنطلق غشي الجهل كثيرا من حقائق العصور الاولى، لذلك كثرت الأسئلة و المناقشات و الفروض حولها، و إن كان العديد منها مجرّد تصوّرات و احتمالات ضعيفة لا تمّت إلى الحقيقة و الصواب بصلة.

و لذلك أيضا تغيّرت صورة العديد من الأبحاث و الحقائق و الملاكات التي كانت مورد بحث و نقاش عند المتقدّمين فانقلبت و تحوّلت إلى شكل آخر عند المتأخّرين، فضلا عن أنّ قسما كبيرا منها لم يبحث بشكل مناسب عندهم، من جملتها عدد لا يستهان به من الأبحاث الرجاليّة التي يتعرّض لها في مواضع التعارض بين الأدلّة و الأخبار، و التي يعسر حلّها على الباحث؛ فيعجز عن معرفة وجه هذه المعارضة الظاهرية، و طريقة التخلّص منها عند عدم التمكن من حلّها، و المعنى الذي يكمن في بعض هذه الأحاديث، و مسائل اخرى في الاصول و الحديث و درايته التي نرى فيها خلافا كبيرا و نقاشا طويلا في زماننا هذا.

و قد عكس هذا الغموض آثارا سلبية عديدة؛ كحدوث مخاصمات و تعصّبات كثيرة، و حصول انقسامات في الصفوف، و كذلك اندلاع نيران الغضب بين بعض الضعفاء و الجهّال. و لا ريب أنّ ذلك كلّه إنّما نجم عن ضعف الأدلّة و المعلومات، أو قلّة الممارسة و الخبرة، أو التقليد في المسائل التي لا ينبغي التقليد فيها.

هذا عن الظروف الماضية، و أمّا بالنسبة إلى الظروف الحاليّة و المستقبليّة فيمكن تفادي مقدار كثير من هذه الأبحاث و المناقشات- الناتجة عن خفاء أمارات العلم و المعرفة- بإحياء حركة علم الحديث في عصرنا هذا الذي لا يزال بعيدا عن تسنّم موقعه اللائق به، و الذي افتقده تدريجيا من بعد الشيخ الطوسي (رحمه اللّه). على أنّ في أحاديث الأئمّة (عليهم السّلام) ثمّة ثروة علميّة عظيمة لا تسمح بظهور الخلافات، فكثير من المناقشات التي يتوهّم أنّها فاقدة للأدلّة تمتاز بكونها ذات أدلّة في النصوص، و لكن لا يعرفها إلّا من كان له إلمام بها و معرفة بمحالّها، و كذلك هناك الكثير من أمارات العلم و المعرفة

10

التي يتصوّر أنّها مفقودة كانت و لا تزال موجودة في مصادرنا الحديثية المهمّة، فيجب على أهل الجدّ دراستها و النظر فيها و إحياؤها بنشرها في مجامعنا العلمية، فضعف علم الحديث كان له آثار سلبية كثيرة.

و من المسائل التي أشرنا إليها و التي أحاط بها الغموض عند المتأخّرين هي وضع كتب الحديث و أصوله في العصور الاولى- و بالأخصّ في عصور الأئمّة (عليهم السّلام)- حيث كانت واضحة في تلك الأعصار، ثمّ اختلفت الآراء فيها بعد ذلك، و من جملتها مفهوما «الكتاب» و «الأصل» الوارد ذكرهما في فهارس القدماء، فما يعني قولهم: «له أصل» أو «له كتاب»؟ و هل يوجد ثمّة فرق بين مفهومي «الأصل» و «التصنيف» أم هما متّحدان؟

فقد كثر الكلام في ذلك بتحليلات علمية معمّقة، لكنها في الوقت ذاته مملّة و لا طائل من ورائها؛ لذا رجّحنا عدم إيرادها هنا. و على هذا فليس من الإنصاف أن نوجّه اللوم إلى علمائنا أو ننسب إليهم التقصير في ذلك، بل تلك البحوث بأجمعها إنّما كانت بسبب تباعدهم عن تلك العصور تباعدا أدّى إلى غياب قرائن العلم و المعرفة و خفائها عنهم، فلم تصل إلى أيديهم عينيات ملموسة كي يتكلّموا بخصوصها؛ لذا كان أغلبها كلمات حدسية غير مستندة إلى مصاديق خارجية. و من أراد الاطّلاع عليها أكثر فليراجع مقدّمة كتاب أعيان الشيعة و كتاب مقباس الهداية، و الكتب التي تطرّقت إلى هذه المسائل.

على أنّ هذه المجموعة من الاصول تدفع أكثر هذه الاحتمالات و الشكوك، فمن خلال إجالة النظر و التتبّع فيها يتّضح العديد من المسائل و النكات الغامضة و المستورة عن أهل النظر حول متقدّمي أصحابنا، و كذلك يتّضح الكثير من معاني الاصطلاحات المذكورة في فهارس المتقدّمين- كفهرس النجاشي- و التي بقيت مبهمة و مجهولة طوال قرون مديدة.

قال السيّد الأمين (رحمه اللّه) في الأعيان: «و صنّف قدماء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين للأئمّة من عهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى عهد أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السّلام) في‏

11

الأحاديث المرويّة من طريق أهل البيت (عليهم السّلام) المستمدّة من مدينة العلم النبويّ، ما يزيد على ستّة آلاف و ستّمائة كتاب مذكورة في كتب الرجال، على ما ضبطه الشيخ محمّد بن الحسن ابن الحرّ العاملي في آخر الفائدة الرابعة من وسائله، و أخذه من التراجم لأصحاب المؤلفات، فجمع ما ذكره الرجاليّون لكلّ واحد، فكان بهذا المقدار ...» (1).

الاصول الأربعمائة

قال في الأعيان: «... و امتاز من بين هذه الستّة الآلاف و الستّمائة الكتاب أربعمائة كتاب عرفت عند الشيعة بالاصول الأربعمائة. [قال ابن شهر آشوب‏ (2):] قال الشيخ المفيد: صنّف الإمامية من عهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى عهد أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السّلام) أربعمائة كتاب تسمّى الاصول. قال: فهذا معنى قولهم: له أصل.

[أقول: هذا الكلام يوحي بأنّ هذا المفهوم كان مبهما حتّى في تلك الأعصار].

و قال الطبرسي في كتاب إعلام الورى: صنّف من جوابات الصادق (عليه السّلام) في المسائل أربعمائة كتاب معروفة تسمّى الاصول، رواها أصحابه و أصحاب أبيه موسى.

و قال المحقّق في المعتبر: كتب من أجوبة مسائل جعفر بن محمّد أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف سمّوها أصولا. و مثله في الذكرى، إلّا أنّه لم يقل: سمّوها اصولا.

و يدلّ كلام المفيد السابق على أنّ الاصول الأربعمائة مرويّة عن جميع الأئمّة، و كلام الطبرسي و المحقّق و الشهيد على أنّها مرويّة عن الإمام الصادق خاصّة. و يمكن الجمع بالتعدّد، فهناك اصول أربعمائة مرويّة عن جميع الأئمّة، و اخرى مرويّة عن الصادق خاصّة» (3).

____________

(1) أعيان الشيعة: ج 1، ص 140.

(2) معالم العلماء: ص 3.

(3) أعيان الشيعة: ج 1، ص 140.

12

و عن الشيخ حسين بن عبد الصمد- والد الشيخ البهائي- في درايته أنّه قال: «قد كتب من أجوبة مسائله هو [أي الإمام الصادق (عليه السّلام)‏] فقط أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف تسمّى الاصول، في أنواع العلوم» (1).

و عن الشهيد الثاني في شرح الدراية أنّه قال: «استقرّ أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف سمّوها أصولا، فكان عليها اعتمادهم» (2).

و الذي يظهر من مجموع التتبّعات- و اللّه العالم- أنّ المراد من مفهومي «الكتاب» و «الأصل» معنى واحد غالبا، و قد يستعمل الكتاب في ما هو أعمّ. و أمّا قول أصحابنا المتقدّمين في فهارسهم: «له كتاب» أو «له أصل» فالمقصود أنّ صاحبه كان من الرواة عن الأئمّة، أو من أهل الفضل و من مشايخ الرواية، و له كتاب في الرواية عن الأئمّة، و صاحب رواية و يروى عنه. (3) فالأصل: عبارة عن نسخة أو كتاب- و لو صغير- يحتوي على مجموعة من روايات بعض الرواة عن الإمام سواء مع الواسطة أو بدونها، فكان من سيرة الأذكياء من خيار الأصحاب الاهتمام بحفظ الحديث و جمعه و كتابته و دراسته و نشره، فربّما كان لبعضهم العشرات من هذه الاصول التي تعتبر مادّة علمهم و مقدار معرفتهم.

فاصول الرواية كانت على قسمين: قسم منها بشكل التصنيف و التنظيم بين الروايات مع مقدار من الشرح و البيان و التوضيح، و آخر بشكل جمع ابتدائي غير منظّم. و في الأعمّ الأغلب كان للقسم الأوّل اسم خاصّ، و يطلق على الثاني: «الكتاب» أو «النسخة» أو «الأصل» أو «الرواية»، و يضاف إلى اسم جامعه أو إلى راويه الأخير أيضا باعتبار روايته له، فكانت هي- في الحقيقة- دفاترهم الشخصية في رواية الحديث، و كانوا يعرضونها على التلاميذ أو أقرانهم الراغبين في رواية تلك الأحاديث عنهم،

____________

(1). وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: ص 60.

(2). الرعاية في علم الدراية: ص 73.

(3). لمزيد من الاطّلاع راجع كتاب نهاية الدراية: ص 522- 535.

13

و كانت متعددة غالبا، و في أحيان كثيرة كان التلاميذ ينتقون بعضا منها ليدرجوه في دفاترهم ثمّ ينقلون هذا المنتخب إلى الآخرين من تلامذتهم، سواء بصورة مستقلّة و باسم الراوي المأخوذ منه أو بصورة غير مستقلّة؛ و ذلك بتفريق أحاديثه في الأصل أو التصنيف الذي ينسب إليه؛ كأخبار ابن أبي عمير أو كتاب جعفر بن شريح، كما في هذه المجموعة. و الإشارة إلى الأصل المأخوذ منه كانت بواسطة ذكر اسم صاحبه في صدر السند. و بهذا الشكل تغيّرت و انمحت الصورة الاولى لعمدة تلك الاصول.

و هذا هو السرّ في صغر حجم هذه الاصول في هذه المجموعة. و لكن مع ذلك يوجد هناك بعض الاصول الأوّلية في الرواية للرواة الأوّلين عن الأئمّة (عليهم السّلام) حافظت على قدر كبير من شكلها الأوّلي و روايتها الاولى؛ حيث إنّ جميع أخبارها جاءت برواية واحدة عن الإمام المعصوم (عليه السّلام)؛ كالجعفريات، و مسائل عليّ بن جعفر، و أصل زيد الزرّاد- في هذا الكتاب-، و ربّما صحيفة الرضا (عليه السّلام)، و توحيد المفضّل، و غيرها.

و نأمل من خلال هذا التحليل أن نكون قد وفّقنا لعرض صورة صحيحة عن آثار المتقدّمين في الرواية.

و كان من التقديرات الإلهيّة أن تصان هذه المجموعة القديمة من الاصول و تبقى محفوظة من الضياع و الاندراس، لتعكس للباحثين صورة واضحة عن سائر تلك الاصول و تقييمها، و لو لاها لما انطبعت في ذهن أحد صورة صحيحة و واضحة عنها، كما نلاحظه اليوم في كتب الدراية و الرجال و التراجم و الكتب التي تطرّقت لبيان وضع العلوم و المعارف في عصر المعصومين (عليهم السّلام) و العصور المقاربة له؛ فإنّ أغلب التحليلات حول هذه الاصول بعيدة عن الواقع.

فالأصل كان يطلق عندهم على كلّ مجموعة روائية يقوم بجمعها راو خاص، سواء كانت مشتملة على روايات متفرقة- كما هو الأكثر- أو بصورة تصنيف و تبويب للأخبار؛ و لذا نقل عن محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني (رحمه اللّه) في الغيبة أنّه قال: «إنّه ليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم و رواه عن الأئمّة (عليهم السّلام) خلاف في أنّ كتاب‏

14

سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم من حملة حديث أهل البيت و أقدمها؛ لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنّما هو عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و المقداد و سلمان الفارسي و أبي ذرّ، و من جرى مجراهم ممّن شهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و سمع منهما. و هو من الاصول التي ترجع الشيعة إليها و يعوّل عليها» (1).

و في فهرست ابن النديم- عند ذكر أسماء كتب أبان بن تغلب- قال: «كتاب من الاصول في الرواية على مذاهب الشيعة» (2).

فظهر من هذه الكلمات: أنّ الأصل كان يطلق على كلّ كتاب للرواية، و في الغالب كان ينسب إلى جامعه بالهيئة الخاصّة، و أحيانا- و بضرب من التأويل- كان ينسب للرواة له، و كان له صورة خاصة متعارفة في ذلك العصر. (3) و يظهر من بعض القرائن أنّ بعض كتب الرواية و الاصول- التي كانت تنسب إلى الأشخاص- كان حصيلة جلسات إملاء الحديث و قراءته، و بعد انتهاء الجلسة كانوا يجيزون لتلامذتهم كتابتها و روايتها عنهم. و لكن ليس معنى هذا القول أنّ جميع الاصول التي رويت كانت بهذه الصورة و أنّ لأصحابها جلسات منظّمة، بل إنّ بعض الاصول لم يروها إلّا شخص واحد، كما يظهر من بعض كتب الأخبار؛ فمثلا: كتاب خلاد في مجموعتنا هذه لم يرد إلّا من طريق ابن أبي عمير، و لم نعثر له في كتب أصحابنا إلّا على رواية واحدة، فكلّ ما نقلوه عنه كان من ضمن كتابنا هذا لا غير.

و لا يعقل أن يكون رجل متّصفا برواية الحديث و روايته بهذه القلّة التي لا تتجاوز مجلسا واحدا من مجالس الحديث! و إن كان لا يستبعد وجود روايات اخرى و رواة آخرين له و لأمثاله لم تصل أخبارهم إلينا. و اندرست آثارهم، و لم تكن لرواتها القدرة

____________

(1). الغيبة للنعماني: ص 101.

(2). فهرست ابن النديم: ص 276.

(3). لمزيد من الاطّلاع راجع كتاب نهاية الدراية: ص 522- 535.

15

العلميّة لاستخراج لآلئها و إحيائها كما فعل ابن أبي عمير.

و كان من جملة الأسباب التي دعت إلى ذلك أنّ الرواة المتظلّعين- أمثال ابن أبي عمير- كانوا ينتخبون الأحاديث التي تمتاز بأهمّية خاصّة عندهم؛ كعدم ورودها عن شخص آخر، أو أنّ الرواية في ذلك المعنى قليلة، أو وجود غموض في بعضها، أو احتواء الرواية على بعض الإيضاحات أو المعاني الإضافية.

و لأغراض معيّنة كانوا يلخّصون بعض كتب الرواية و الاصول التي كانت تنسب إلى الأشخاص، و كانوا يحتفظون بذلك المنتخب عندهم بصورة مستقلة، أو أنّ هذه الكتب لم تكن لهم و إنّما كانوا يستعيرونها من أصحابها لعدم القدرة على الشراء، فينقلون ما يهمّهم من الأحاديث ثمّ يردّونها إلى أصحابها. و لذا نرى أنّ الكتب المنسوبة إلى الأفراد بصورة مطلقة متعدّدة و يختلف بعضها مع بعض؛ و لأجل ذلك نجد أصحاب الفهارس يقولون: «له كتاب»، و أحيانا يضيفون: «إنّ لكتابه روايات متعدّدة؛ فهي مختلفة و متعدّدة باختلاف رواتها». و من هنا نرى لأصحاب كتب مجموعتنا هذه روايات كثيرة عن الإمام المعصوم مباشرة، و لا وجود لها في هذا الكتاب؛ و هذا يثبت وجود كتب اخرى لهم غير هذا الكتاب.

و هذه التلخيصات لم تكن منحصرة بكتب الرواية، بل أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم لم يرووا جميع ما كانوا يسمعونه من الإمام، بل كانوا يلخّصونه و يحصرونه بالمهمّ منه- من جهتهم- و بنتائجه؛ و لذا كانت الروايات المختلفة للحديث الواحد تجي‏ء مختلفة من حيث التفصيل و التلخيص؛ كما في الحديث (32) من كتاب عاصم من مجموعتنا هذه، التي يصحّ لكلّ منها إطلاق أنّها من أصله أو من كتابه.

و لو لا وجود هذه النسخة من الاصول، و المقارنة بين أحاديث أصحابها و الأحاديث التي وردت عنهم في الكتب الاخرى، و بينها و بين الأحاديث المتّحدة معها أو المشابهة لها التي وردت في كتب الأخبار عن الرواة الآخرين، و المتاعب التي تحمّلناها في سبيل تحقيقها، لما كان لنا حلّ كثير من هذه الإبهامات.

16

و من مراجعة محتويات هذه المجموعة و أوصافها و ما جاء عنها في كتب الفهارس، يظهر أنّ كلّ تراثنا الحديثي المتبقّى إلى اليوم إنّما هو مقدار يسير من التراث الذي حفظ من الدمار الذي تعرّضت له آثار الشيعة من بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السّلام) إلى زمن الشيخ الكليني (رحمه اللّه)، و إن كان ما تبقى منه إلى اليوم عظيما أيضا.

و هذه المجموعة الروائيّة من حيث اشتمالها على حقائق هامة عن كيفية الرواية في كتب المتقدّمين، و بخاصّة أصحابنا، تكاد تكون أهمّ كتاب من نوعه و أقدم كتاب سلم من الاندراس و الضياع؛ حيث يكشف عن حقائق مهمّة كثيرة كانت مبهمة منذ قرون.

و بفضل بقائها إلى اليوم أمكن تفسير جانب مهم من جوانب تاريخ أصحابنا الروائي- الثقافي الذي خيّم عليه الغموض طيلة قرون متمادية.

و أمّا الكلام حول حركة علم الحديث في الشيعة- التي ابتدأت بصورة ملموسة من زمن الإمام الباقر (عليه السّلام)- و كيفية أخذ الحديث و مجالس الحديث في ذلك العصر، فنرجئه إلى فرصة قادمة إن شاء اللّه؛ لأنّه بحاجة إلى دراسة مستقلة و مفصّلة، و ربّما فتحنا له- بإذن اللّه- فصلا في كتابنا الكبير في الأخبار.

مراحل ضياع التراث الإسلامي عبر القرون‏

و يمكن لنا أن نقسّم مراحل ضياع التراث الإسلامي إلى ثلاث مراحل رئيسية:

الاولى: ضياعه من بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و في فترة المنع عن تدوين الحديث و استيلاء بني أميّة على الحكم و الخلافة، إلى زمن الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السّلام)؛ فإنّ غالب السنّة النبويّة و الأخبار العلويّة التي حفظها الصحابة و التابعون في الكتب قد ضاعت في هذه المرحلة؛ و ذلك لإخفائها عن الناس خوفا من المتغلّبين على السلطة الساخطين على أصحاب هذه الكتب و على ما احتوته كتبهم. و أمّا في زمن الإمام الباقر و الصادق (عليهما السّلام) فقد نشطت حركة علم الحديث في العالم الإسلامي.

17

الثانية: ضياعه من بعد عصر الإمام الصادق و زمن قوّة شوكة العبّاسيّين إلى زمن الشيخ الكليني- أي ابتداء القرن الرابع و ضعف الدولة العبّاسية و تقهقرها و استيلاء البويهيين على الخلافة- ففي هذا العصر نشطت حركة علم الحديث؛ لأنّ بعض الضغوط على أنصار أهل البيت قد خفّت، و لمسوا في هذا العصر نوعا من الحرية.

الثالثة: من زمن الشيخ الطوسي- و تحديدا من بعد استيلاء السلاجقة على الحكم العبّاسي و زوال البويهيين- و عودة اضطهاد الشيعة في هذا العصر، و إحراق مكتبة شابور في بغداد التي كانت تحتوي على نفائس التراث الإسلامي، و الهجوم على الأماكن المقدسة للشيعة و على منزل الشيخ الطوسي (رحمه اللّه)- الذي كان يمثّل الزعامة الشيعية في العالم الإسلامي آنذاك- و على الشيعة و ممتلكاتهم في ذلك العصر.

إنّ ضياع ذلك الكمّ الهائل من كتب الأصحاب في بغداد عاصمة الخلافة العبّاسية- و التي استطاع الشيخ و النجاشي رؤيتها و إدراج أسمائها في فهرسيهما بالرغم من إفناء قسم كبير منها أيضا قبل ذلك العصر، و التي لم يبق منها اليوم إلّا أقلّ القليل- يحكي عن وقوع كارثة عظمى في كتب الطائفة التي كان لها قصب السبق في العلوم الإسلاميّة، و لها التقدّم الملحوظ في تدوين الحديث و حفظ الشريعة و الآثار النبويّة ... كارثة خلّفت وراءها انطماس القسم الأكبر منها خلال قرن واحد فقط.

و لذا نرى أنّ ابن إدريس؛ كان يستطرف من بعض الكتب التي وصلت إليه شذرات عامة و يلحقها بكتابه؛ و لعلّ من أسباب ذلك أنّه لم يكن يطمئنّ ببقائها على حالها، فعمد إلى ذلك لتصل كما هي إلى الأجيال القادمة. و ما كان هذا إلّا لعدم الرغبة فيها و الاعتناء بها، و عدم تعاهدها و دراستها و استنساخها؛ لذلك بقيت متروكة على حالها، و بتعاقب الأزمنة اندرست و ذهب أثرها من الوجود، و لم يبق منها اليوم سوى أسمائها.

و من جملة أسبابها أيضا أنّ فقهاءنا في العصور الاولى كانوا محدّثين؛ يراجعون كتب الأخبار لاستخراج الأحكام، و كان هذا عاملا مؤثرا في بقائها. و من بعد تبويب الأحاديث الفقهية و تجميعها في الجوامع الحديثية سهل الأمر عليهم و استغنوا عن‏

18

مراجعة نفس تلك الاصول؛ حيث كان الكثير منها فاقدا للتبويب و أيضا يتطلّب من المراجع صرف الوقت الطويل.

و كان من جملة العوامل أيضا أنّ الكثير من تلك الكتب كانت حيازتها بحاجة إلى مال كثير خارج عن قدرة الأفراد.

و من الملاحظ أنّه بعد مضي جيلين أو ثلاثة لم تعتن الحوزات الدينية بتلك الكتب، و نشأت الزعامة الدينية في هذه الأجواء، لذلك لم تولها الاهتمام و الرعاية المناسبة.

و لذا نجد جلّ الكتب التي كتبها فضلاء المسلمين- الموالين لأهل البيت (عليهم السّلام)- في التاريخ و المغازي و الفضائل قد انعدمت. و لكن مع ذلك فإنّ ما ورد منها في كتب القوم كثير، و ذلك لم يكن عن اختيار و رغبة منهم بل عن اضطرار؛ لأنّهم لو أعرضوا عنها لما بقي لهم شي‏ء. و بذلك اعترف الذهبي في مقدّمة أحد كتبه الرجالية في جوابه عن الاعتراض القائل: لما ذا ينقل كثيرا في كتبه عن رواة الشيعة؟

و استمرّت هذه المرحلة إلى عصرنا الحاضر باستثناء بعض الفترات التي تخلّلته؛ كالعصر الصفوي الذي ازدهرت فيه أيضا حركة علم الحديث؛ فإنّ معظم التراث الشيعي الموجود اليوم هو إمّا من نسخة مستنسخة في ذلك العصر، و إمّا من نسخة مستنسخة عن نسخة كتبت في ذلك العصر. و لا يخفى على المحصّلين الدور الهامّ الذي كان لعلماء هذا العصر في تنشيط حركة علم الحديث التي كان من نماذجها المهمّة ما قام به العلمان المجلسيّ و الشيخ الحرّ العامليّ رحمهما اللّه من جهود مضنية في هذا المجال؛ فإنّ الكثير من النسخ الخطّية إمّا ترجع إليهما أو ترجع إلى نسخة استنسخت عن نسخهما.

فهذه ثلاث مراحل من مراحل ضياع التراث الإسلامي، و السياسة كانت أهمّ عامل مؤثر في طمسه، و كان لها تأثير سلبي شديد و مباشر على اقتصاد المجتمع، خصوصا طبقة العلماء المناوئين للسياسة الحاكمة، و لم يكن التأثير الاقتصادي في كثير من‏

19

الأحيان بأقلّ من التأثير السياسي؛ فالمجتمع الذي لا يستطيع طلبة العلم فيه من توفير أبسط المقوّمات الاقتصادية اللازمة لهم، لا يستطيع صرف الوقت و الاهتمام في سبيل حفظ تراثه و استمرار نموّه و حياته على طول الأيام، فيوما بعد يوم يبتعد عن علومه و تراثه حتى يأتي زمان يؤول الأمر فيه إلى تعسّر معرفة شي‏ء لأحد عن بعض تلك العلوم كما في العصر الحاضر. و هذا مصداق كلام‏

مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- عَلَيْهِ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمُصَلِّينَ- حَيْثُ قَالَ‏

: «يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ»

. فتلفت الكتب و ضاعت و اندرست و لم يبق منها حتّى أسماؤها، اللّهمّ إلّا عند بعض أهل العلم ممّن يهتمّ بعلوم أهل البيت (عليهم السّلام)، و قد ذكر بعض أهل العلم أنّه بعد انقراض الدولة الصفويّة تدهورت الأوضاع الاقتصاديّة بشدة، و لم يكن للكتب الدينية آنذاك قيمة تذكر، بحيث إنّ كمّيات كبيرة منها كانت تباع بأسعار زهيدة جدا، حتّى إنّ السيّد نصر اللّه الحسيني الحائري (رحمه اللّه)- الشهيد في إسلامبول- عند ما سافر من الحائر إلى أصفهان اشترى في صفقة واحدة ألفي كتاب- من أحسن الكتب- بسعر زهيد جدا، فأخذها معه إلى العراق و حفظها. و لا يعرف عدد الكتب التي خرجت من محالّها و ضاعت و ذهب أثرها من صفحة الوجود!

التعريف بكتب المجموعة و اعتبارها

يعود تاريخ التعرّف على هذه المجموعة الثمينة إلى العصر الصفوي، و بالتحديد من قبل العلّامة المجلسي، حيث أدرج الكثير من محتوياتها في البحار. و لمّا كانت هذه المجموعة تتمتّع بأهمية قصوى فقد اعتنى بها بعض أرباب الفن ممّن اطّلعوا عليها، فتكثّرت نسخها من بعد العلّامة المجلسي، لكن رغم ذلك نرى أنّها كانت مستورة عن أنظار الكثيرين و لم يطّلعوا عليها. أمّا الشيخ الحرّ فالظاهر أنّه لم تصل إليه إلّا بعد الفراغ من تأليف كتاب الوسائل، حيث لم تسمح له الظروف بأن يدرجها في الوسائل. و ينقل أنّه كان على علم بموضع النسخة، فطلبها من أصحابها فلم يلبّوا طلبه‏

20

و بخلوا بها عليه‏ (1).

و لكن الذي يضعّف هذه الرأي أنّ الشيخ الحرّ استفاد منها في كتابه إثبات الهداة، و هو من الكتب التي ألّفها في مطلع حياته العلمية، و كان ذلك قبل تأليف الوسائل.

و كتب الشيخ الحرّ على ظهر النسخة التي اعتمدنا عليها في تحقيقنا- و كانت من ممتلكاته-: «اعلم أنّي تتبّعت أحاديث هذه الكتب الأربعة عشر، فرأيت أكثر أحاديثها موجودا في الكافي أو غيره من الكتب المعتمدة، و الباقي له مؤيّدات فيها، و لم أجد فيها شيئا منكرا سوى حديثين محتملين للتقية و غيرها». و وقّع تحته بهذه العبارة:

«حرّره محمّد الحرّ».

و قال العلّامة المجلسي في توثيقه لكتاب زيد النرسي و الزرّاد- كما سيأتي-: «إنّا أخذناهما من نسخة قديمة مصححة بخطّ الشيخ منصور بن الحسن الآبي، و هو نقلها من خطّ الشيخ الجليل محمّد بن الحسن القمّي، و كان تاريخ كتابتها سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة، و ذكر أنّه أخذهما و سائر الاصول المذكورة بعد ذلك من خطّ الشيخ الأجلّ هارون بن موسى التلعكبري (رحمه اللّه)» (2).

و قال في المستدرك حول نسخته من هذه المجموعة: «و هذه النسخة كانت عند العلّامة المجلسي- كما صرّح به في أوّل البحار- و منها انتشرت النسخ» (3).

أقول: فنعم ما أقرّ به الشيخ الحرّ، و هو من المطّلعين على أحاديث العترة؛ فإنّ‏

____________

(1). أقول: إنّ ظاهرة احتكار الكتب و منع روّاد العلم و المعرفة من الإفادة منها و الارتشاف من مناهلها، تعدّ- في الحقيقة- من الظواهر السيئة و الدنيئة في المجتمع، و لقد تحمّل العلماء و المثقّفون من جرّاء ذلك- و على مرّ العصور- الكثير من المعاناة. يحكى أنّ العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) كان قد احتاج إلى بعض الكتب الموجودة في أصفهان، فطلبها من أصحابها فرفضوا إعطاءه إيّاها بالرغم من منزلته و رئاسته و نفوذه، فكيف بالآخرين! و لا تزال الظاهرة نفسها قائمة في أوساطنا العلمية بالرغم من كثرة المكتبات و الإمكانات و التقنيات، فكم يلاقي الباحث و المحقّق من عناء و مشقّة و رفض في سبيل الحصول على بعض النسخ أو مصوّرة عنها!

(2) بحار الأنوار: ج 1، ص 43.

(3) خاتمة مستدرك الوسائل: ج 1، ص 38.

21

أغلب أحاديث هذه المجموعة موجود في كتب الحديث المرويّة من قبل أصحابنا، فبعضها متّحد معها في الطريق و في اللفظ، و بعضها متّحد معها في اللفظ مختلف من حيث الراوي. فمثلا يوجد في أصل: «عن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) ...»، و في آخر: «عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول ...». و قسم آخر من الروايات يكون مختلفا معها من حيث الراوي، و متّحدا أو شبيها لها- في بعض فقراتها أو أغلبها- من حيث المعنى، سواء كان ذلك عن نفس ذلك الإمام أو عن غيره من المعصومين.

فالمراجع يلاحظ بوضوح تطابق أحاديث المعصومين بعضها مع بعض و انسجامها و اتّحادها من حيث المعنى رغم صدورها في أزمنة مختلفة، بل في كثير من الموارد تكون ألفاظها متّحدة تماما كأنّها صدرت عن شخص واحد في زمان واحد، و هو من أعلى مظاهر الإعجاز، و حقّانية حركتهم، و إلهيّة دعوتهم.

و هناك مسألة ينبغي التنبيه عليها؛ و هي أنّ اعتبار هذه الكتب ليس بمعنى صحّة ظواهر جميع الأحاديث التي وردت فيها من حيث الحكم، بل بمعنى أنّها رويت بهذه الصورة، أمّا الميزان في اعتبارها في مقام العمل فيخضع لقواعد علم الحديث التي وردت عن المعصومين. و لذا نرى المجاميع التي دوّنت على أساس هذه الاصول انتخب أصحابها ما كان يناسب موضوع كتابهم و كان حجّة بنظرهم في مقام العمل و صحيحا من حيث المعنى، أو كان لها مكانة خاصّة فتركوا التي لم يكن لها مثل هذه المميّزات. فكتب الحديث- على هذا- تنقسم إلى قسمين: فقسم منها يورد ما ورد عنهم (عليهم السّلام)، و قسم يختصّ بما هو معتبر عند كاتبها في مقام الحكم و العمل. و لذا يوجد في أحاديث هذه المجموعة ما صدر منهم (عليهم السّلام) لأجل بعض المصالح لا اعتقادا بذلك؛ كالمماشاة مع الرأي العام، أو لاقتضاء الظروف ذلك في تلك الأزمنة، أو لأخذهم (عليهم السّلام) ذهنية المخاطب بنظر الاعتبار، أو ما شابه ذلك. و عليه، يجب ألّا يستغرب القارئ عند ما يواجه فيها أخبارا مخالفة لما هو المشهور؛ للأسباب المذكورة.

و من هنا لم يهتمّ أغلب المحدثين بهذا القسم من الأخبار، و لم ينقلوها في كتبهم‏

22

التي دوّنت على أساس هذه الاصول؛ و لذا نرى أنّها لم تأت في الكتب الأربعة و أمثالها من كتب الأخبار، إلّا ما جاء من باب الغفلة أو الاشتباه في الاستنباط. و نحن و رعاية منّا للأمانة العلمية أوردناها كما هي؛ ذلك أنّها تبيّن الصورة العامة للأصول الأوّلية في المتقدّمين.

و النكتة الأخرى التي يجب الإشارة إليها هي أنّ جلّ الكتب الحديثية الموجودة في عصرنا لم تأخذ عن هذه الأصول مباشرة، بل بواسطة بعض الجوامع الحديثية و مصنفات الفحول من الرواة، كابن أبي عمير و الحسين بن سعيد و محمّد بن أبي نصر البزنطي و البرقي و غيرهم ممن أدركوا أصحاب هذه الأصول، و حضروا عندهم، و أخذوا أخبارهم، و أدرجوها في كتبهم. و كانت هذه الأصول من منابع علمهم و ذخائر فضلهم، و كان ما ينتخبونه منها مورد رأيهم و حكمهم و فتواهم و عملهم، و إذا كان بعض أخبارها من المتعارضات فربّما يظهر من إيرادها في كتبهم أنّهم يعملون بها من باب التخيير أو الترجيح بينها. و ثمّة أسرار أخرى في هذه المجموعة لا تزال مكتومة.

و نظرا لأنّ أصحاب هذه الأصول عاصروا الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) و أخذوا عنهم الحديث مباشرة أو بواسطة من أخذ عنهم و اشترك في مجلس الإمام (عليه السّلام)، لذلك يرى المراجع نفسه كأنّه يعيش في تلك الأعصار مع الأئمّة الأطهار و أصحابهم الأخيار، و هي نعمة عظيمة و افتخار كبير، و الحمد للّه.

خصائص المجموعة

تمتاز هذه المجموعة عن سائر الكتب الأخرى بخصائص و مميّزات يقف عليها المراجع عند التأمّل و التدقيق فيها. فمن خصائصها أنّها تتألّف من مجموعة روايات متفرّقة يكتنف بعضها الغموض و عدم الوضوح في المعنى ما لم تقترن بروايات أخرى متّحدة معها في الموضوع، أو تخالف بحسب ظاهرها الأخبار الأخرى، فيجب التفقّه فيها بالجمع بينها، و إعمال القواعد و الأصول اللازمة للعمل بالحديث.

23

و قراءة هذه المجموعة هي في الحقيقة قراءة لمجموعة من الأحاديث المتنوّعة كلّ التنوّع، و يرى الباحث عند مراجعته للمصادر- المشار إليها في الهامش- كيفية مجي‏ء الأحاديث المتّحدة و المتشابهة في كتب الأخبار؛ حيث يستطيع المقارنة بينها، و تحصل له من خلال مقارنتها معلومات كثيرة عن كيفية ورود الروايات المتّحدة في المصادر الحديثية، و سير الحديث في زمن المتقدمين، و دراسة أخطاء النسخ، و دراسة أسانيدها و تصحيحها، و حجم الروايات المتكرّرة و معرفة مصادرها و ما وصلت إليه دراسة علم الحديث عند الأصحاب، و ما ينبغي القيام به من أعمال تناسب حركتنا العلمية، و تدارك بعض النواقص المطروحة فيها، إضافة إلى مادّتها الغنية المستخرجة من مناهل أهل بيت الرسالة و الوصاية؛ من الأحكام، و المواعظ، و الحكم، و مكارم الأخلاق، و أخبار السماء و العالم؛ و التوحيد، و العقائد، و فضل بعض الأعمال، و مسائل أخرى مهمّة لا يعرفها إلّا الأوحدي من العلماء.

إنّ من تأمّل في هذا الكتاب يقف على حقائق بيّنة كثيرة في مختلف العلوم و المعارف التي ترتبط بالنبيّ و آله- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- و التي ربّما لم تكن بهذه الكثرة في الكتب الاخرى بالنظر إلى حجمه الصغير، و إن كان اسلوبه غير مألوف للمراجعين؛ لعدم رؤيتهم لمثله. فالمراجع من خلال الاطلاع على متون هذه المجموعة و ما نقل عنها في مجاميعنا الحديثية تحصل له صورة عن طبيعة كتب الحديث عند أصحاب الأئمّة الأطهار؛ و لذا ينحلّ باتضاح هذه الصورة كثير من إبهامات المجاميع الحديثية المتقدّمة التي حصلت نتيجة الجهل بكيفية نقل الرواية و انتزاعها من اصولها و إيرادها بأشكال جديدة في تلك المجاميع، و التي يمكن بواسطتها فهم كثير من هذه الإبهامات التي لأجلها يخدش أحيانا في حجيّة كثير من الأخبار.

و من خلال قراءة أحاديث هذه المجموعة تنعكس طبيعة اصول القدماء و الأحاديث الموجودة فيها، و كيفية أخذ أصحاب الجوامع الحديثية من هذه الاصول،

24

و ماهية الأحاديث التي أهملوها و لم يوردوها في مجاميعهم، و مقارنة الجوانب المختلفة الأحاديث مع الأحاديث الموجودة في المصنفات الحديثية، و ينكشف الكثير من القرائن و الحقائق في علم الحديث التي يستفاد منها في علم الفقه و الاصول و الرجال.

و من خلال مقارنة أحاديث الأئمة (عليهم السّلام) و علومهم الواسعة و الكثيرة التي هي فوق حدّ الإحصاء، و من اتّحاد كلماتهم (عليهم السّلام) بالرغم من كثرتها و صدورها في أزمنة متفاوتة و لأفراد مختلفين، و تطابقها و انسجامها مع بعض و مع كلمات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيرته؛ يعلم من خلال ذلك كلّه إلهية دعوتهم و علومهم.

و من فوائد هذه المجموعة أيضا تكثّر طرق بعض الأحاديث المتفرّدة أو القليلة الطرق أو الضعيفة أو المرسلة- كما في تفسير العياشي- لكنّها بفضل الأحاديث الموجودة هنا خرجت عن الإرسال، كما في الحديث السابع و الستّين من كتاب عاصم عن أبي إسحاق النحوي الذي جاء في تفسير العياشي مرسلا، كما في البحار.

كانت هذه المجموعة منذ ثماني سنوات مورد نظر و تأمّل و تحقيق عندنا- و إن لم يكن ذلك متواصلا؛ لانسداد طريق العلم و التحقيق في كثير من مسائلها في عصرنا مع حثّ جماعة من العلماء على إظهارها و وضعها في متناول الباحثين، و لكنّي كنت أشعر بعدم كفاية تلك التحقيقات، و كانت بحاجة إلى اجتهاد كثير في مختلف مجالاتها، كما لا يخفى ذلك على ذوي الألباب، خصوصا مع تقدّمها التاريخي و اضمحلال قرائن العلم و المعرفة، ثمّ أقدمنا على إخراجها عند ما شعرنا بكفاية التحقيق و حلول وقت تقديمها إلى مجامعنا العلمية.

و تختلف الأحاديث الموجودة في هذه المجموعة من حيث الصورة و الشكل:

فقسم منها معظمه مرويّ عن الأئمّة (عليهم السّلام) بلا واسطة، كما في أصلي النرسي و الزراد؛ و قسم آخر كذلك لكن مع واسطة أو أكثر كما في أصل عاصم؛ و قسم ثالث مرويّ بتمامه مع الواسطة كما في كتاب عبّاد.

25

فالراوي أخذ الأصل- بهذا العدد من الروايات المتفرّقة- من جامعه أو من الرواة عنه.

محتوى المجموعة

و هذا الكتاب مؤلّف من مجموعتين:

الاولى: تشتمل على كتاب زيد الزرّاد، و كتاب أبي سعيد عباد العصفريّ، و كتاب عاصم بن حميد الحنّاط، و كتاب زيد النرسيّ، و كتاب جعفر بن محمّد بن شريح، و كتاب محمّد بن مثنّى الحضرميّ، و كتاب محمّد بن جعفر القرشيّ، و كتاب درست بن أبي منصور الواسطيّ.

برواية أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري عن الشيخ أبي عليّ محمّد بن همام، أو عن أبي العبّاس ابن عقدة.

الثانية: تشتمل على كتاب عبد الملك بن حكيم، و كتاب مثنّى بن الوليد الحنّاط، و كتاب خلّاد السدي، و كتاب حسين بن عثمان، و كتاب عبيد اللّه بن يحيى الكاهليّ، و كتاب سلام بن أبي عمرة، و على خبر في الملاحم، و نوادر عليّ بن أسباط.

برواية الشيخ أبي محمّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري عن أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ.

الرواة الأوّلون لكتب المجموعة

إنّ أغلب الاصول التي انتشرت من طرق الرواة بهذا الشكل في هذه المجموعة إنّما وردت من طريق شيخ الرواية الحافظ الفقيه محمّد بن أبي عمير (رحمه اللّه) الذي هو من أصحاب الإجماع، و أمّا سائر الاصول فقد وردت من طرق رواة آخرين كأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، كما في أصل الكاهلي و غيره.

26

التعريف بكتب المجموعة الاولى‏

أصلا الزرّاد و النرسي‏

و حول هذه المجموعة قال العلّامة المجلسي في مقدّمة كتابه بحار الأنوار- عند توثيقه لمصادر الكتاب-: «و النرسي من أصحاب الأصول، روى عن الصادق و الكاظم (عليهما السّلام)، و ذكر النجاشي سنده إلى ابن أبي عمير عنه، و الشيخ في التهذيب و غيره يروي من كتابه. و روى الكليني أيضا من كتابه في مواضع: منها في باب التقبيل عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عنه. و منها في كتاب الصوم بسند آخر عن ابن أبي عمير، عنه.

و كذا كتاب زيد الزرّاد أخذ عنه أولو العلم و الرشاد، و ذكر النجاشي أيضا سنده إلى ابن أبي عمير عنه، و قال الشيخ في الفهرست و الرجال: لهما أصلان لم يروهما ابن بابويه و ابن الوليد، و كان ابن الوليد يقول: هما موضوعان. و قال ابن الغضائري: غلط أبو جعفر في هذا القول؛ فإني رأيت كتبهما مسموعة من محمّد بن أبي عمير. انتهى.

و أقول: و إن لم يوثقهما أرباب الرجال لكن أخذ أكابر المحدّثين من كتابهما، و اعتمادهم عليهما، حتّى الصدوق في معاني الأخبار و غيره، و رواية ابن أبي عمير عنهما، و عدّ الشيخ كتابهما من الاصول، لعلّها تكفي لجواز الاعتماد عليهما، مع أنّا أخذناهما من نسخة قديمة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبيّ، و هو نقله من خط الشيخ الجليل محمّد بن الحسن القميّ، و كان تاريخ كتابتها سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة، و ذكر أنّه أخذهما و سائر الاصول المذكورة بعد ذلك من خط الشيخ الأجلّ هارون بن موسى التلعكبريّ (رحمه اللّه).

و ذكر في أوّل كتاب النرسي سنده هكذا: حدّثنا الشيخ أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ- أيّده اللّه- قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه العلويّ أبو عبد اللّه المحمّديّ قال: حدّثنا

27

محمّد بن أبي عمير، عن زيد النرسيّ.

و ذكر في أوّل كتاب الزرّاد سنده هكذا: حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ، عن أبي عليّ محمّد بن همام، عن حميد بن زياد بن حمّاد، عن أبي العبّاس عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك، عن محمّد بن أبي عمير، عن زيد الزرّاد.

و هذان السندان غير ما ذكره النجاشيّ» (1).

و في أعيان الشيعة في ترجمة زيد الزرّاد قال: «قال النجاشي: زيد الزرّاد، كوفيّ، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، له كتاب؛ أخبرنا محمّد بن محمّد، حدّثنا جعفر بن محمّد، حدّثنا أبي و عليّ بن الحسين بن موسى قالا: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد، عن ابن أبي عمير، عن زيد بكتابه.

و في الفهرست: زيد النرسيّ و زيد الزرّاد لهما أصلان لم يروهما محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه. و قال: لم يروهما محمّد بن الحسن بن الوليد، و كان يقول: هما موضوعان. و كذلك كتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير، و كان يقول: وضع هذه الاصول محمّد بن موسى الهمدانيّ، و كتاب زيد النرسي رواه ابن أبي عمير عنه.

و في الخلاصة: زيد النرسيّ- بالنون- و زيد الزرّاد، قال الشيخ الطوسيّ: لهما أصلان لم يروهما محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه. و قال في فهرسته: لم يروهما محمّد بن الحسن بن الوليد، و كان يقول: هما موضوعان. و كذلك كتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير. و كان يقول: وضع هذه الاصول محمّد بن موسى الهمداني. و قال الشيخ الطوسي في كتاب زيد النرسي: رواه ابن أبي عمير عنه.

و قال ابن الغضائريّ: زيد الزرّاد، كوفيّ، و زيد النرسيّ رويا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال أبو جعفر بن بابويه: إنّ كتابهما موضوع، وضعه محمّد بن موسى السمّان. قال:

و غلط أبو جعفر في هذا القول؛ فإنّي رأيت كتبهما مسموعة عن محمّد بن أبي عمير.

____________

(1) بحار الأنوار: ج 1، ص 43- 44.

28

و الذي قاله الشيخ عن ابن بابويه و ابن الغضائريّ لا يدلّ على طعن في الرجلين، فإن كان توقّف ففي رواية الكتابين، و لمّا لم أجد لأصحابنا تعديلا لهما و لا طعنا فيهما توقّفت عن قبول روايتهما. انتهى ما في الخلاصة.

أقول: في رواية الأجلّاء كتابه، و فيهم ابن أبي عمير الذي لا يروي إلّا عن ثقة، أقوى دليل على وثاقته و اعتبار كتابه. و أمّا عدم رواية الصدوق و شيخه ابن الوليد كتابه و كتاب النرسيّ، فهو من جملة تشدّد القميّين المعروف الذي هو في غير محله، و الصدوق تابع لشيخه هذا في الجرح و التعديل، و جمود الأتقياء قد يكون أضرّ في الدين من تساهل الفسقة!- كما نشاهده في عصرنا- فضرر الفاسق المعروف الفسق لا يتجاوز نفسه، أمّا جمود التقيّ فيتبعه الناس عليه لحسن ظنّهم به، فيوقعهم في المفسدة باعتقاد أنّها مصلحة، و يبعدهم عن المصلحة باعتقاد أنّها مفسدة. و ابن الغضائري الذي لم يكد يسلم منه أحد من الأجلّاء قد غلّط الصدوق في قوله؛ لكون كتبهما مسموعة عن ابن أبي عمير، و كأنّه يشير إلى اعتبارها لرواية ابن أبي عمير لها ...

و في التعليقة: لا يخفى أنّ الظاهر مما ذكره النجاشي- هنا و في خالد [بن سدير] و زيد النرسيّ- صحّة كتبهم، و أنّ النسبة غلط لا سيما في النرسيّ؛ لقوله: يرويه جماعة. و كذا الظاهر من الشيخ في التراجم الثلاث لا سيما ما ذكره هنا. و ناهيك لصحتها نسبة ابن الغضائريّ مثل ابن بابويه إلى الغلط. و مضى في الفوائد ما يؤيّد أقوالهم و عدم الطعن فيهم، مضافا إلى أنّ الراوي ابن أبي عمير. و قوله: رواه عنه ابن أبي عمير بعد التخطئة، لعلّه يشير إلى وثاقتهما لما ذكره في العدّة. انتهى.

و عن السيّد صدر الدين العامليّ في حواشي منتهى المقال أنّه قال: قد ظفرت بحمد اللّه تعالى بكتاب زيد الزرّاد، و فيه ثلاثة و ثلاثون حديثا، و صورة السند في أوّل الكتاب: حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبريّ ... إلى آخر ما مرّ.

و بعد قوله عن زيد الزرّاد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام)، و في آخره: فرغ من نسخه من أصل أبي الحسن محمّد بن الحسين بن الحسن بن أيّوب القميّ أيده اللّه، في يوم الخميس‏

29

لليلتين بقيتا من ذي القعدة الحرام سنة (374). و رجال السند كلّهم ثقات أجلّاء من أصحابنا، نعم يرمى حميد بن زياد بالوقف.

و قال: رأيت كتاب زيد النرسيّ منقولا من خطّ منصور بن الحسن بن الحسين الآبيّ، و تأريخه في ذي الحجة الحرام سنة (374)، و في أوّل الكتاب: حدّثنا الشيخ أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ أيده اللّه، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ، حدّثنا جعفر بن عبد اللّه العلويّ أبو عبد اللّه المحمّديّ، حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن زيد النرسيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام). و رجال السند كلّهم ثقات، بل من الأجلّاء أيضا، و إن كان أبو العبّاس منهم زيديّا جاروديّا، فمع ما ذكرنا من السندين لكتاب الزيدين و ما قاله النجاشيّ فيهما قوله في كتاب النرسي: يرويه جماعة، كيف يتصوّر كون الكتابين موضوعين مع أخذهما يدا بيد كما ذكرنا؟! انتهى.

و قال بحر العلوم الطباطبائيّ في رجاله: «الجواب عما حكاه الشيخ في الفهرست عن ابن بابويه- من الطعن الذي حكاه عن ابن الوليد- أنّ رواية ابن أبي عمير لهذا الأصل تدلّ على صحّته و الوثوق بمن رواه، فإنّ المستفاد من تتبّع الحديث و كتب الرجال بلوغه الغاية في الثقة و العدالة و الورع و الضبط و التحذّر عن التخليط و الرواية عن الضعفاء و المجاهيل، و لذا ترى أنّ الأصحاب يسكنون إلى روايته، يعتمدون على مراسيله. و قد ذكر الشيخ في العدّة أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عمّن يوثق به، و هذا توثيق عامّ لمن روى عنه، و لا معارض له هنا.

و حكى الكشّي في رجاله إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، و الإقرار له بالفقه و العلم. و مقتضى ذلك صحّة الأصل المذكور؛ لكونه ممّا قد صحّ عنه، بل توثيق راويه أيضا؛ لكونه العلّة في التصحيح غالبا. و الاستناد إلى القرائن و إن كان ممكنا إلّا أنّه بعيد في جميع روايات الأصل. و عدّ زيد النرسي من أصحاب الاصول و تسمية كتابه أصلا ممّا يشهد بحسن حاله و اعتبار كتابه؛ فإنّ الأصل في اصطلاح المحدّثين من أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد لم ينتزع من كتاب آخر. و أمّا الطعن على هذا الأصل‏

30

و القدح فيه بما ذكره فإنّما الأصل فيه محمّد بن الحسن بن الوليد القميّ، و تبعه على ذلك ابن بابويه على ما هو دأبه في الجرح و التعديل و التضعيف و التصحيح، و لا موافق لهما فيما أعلم.

و تضعيف القمّيين و قدحهم في الاصول و الرجال معروف؛ فإنّ طريقتهم في الانتقاد تخالف ما عليه جماهير النقّاد، و تسرّعهم إلى الطعن بلا سبب ظاهر ممّا يريب اللبيب الماهر. و لم يلتفت أحد أئمّة الحديث و الرجال إلى ما قاله الشيخان المذكوران في هذا المجال، بل المستفاد من تصريحاتهم و تلويحاتهم تخطئتهما في ذلك المقال، قال الشيخ ابن الغضائري- و نقل ما مر عنه- ثمّ قال: و ناهيك بهذه المجاهرة في الردّ من هذا الشيخ الذي بلغ الغاية في تضعيف الروايات و الطعن في الرواة، حتّى قيل: إنّ السالم من رجال الحديث من سلم منه، و أنّ الاعتماد على كتابه في الجرح طرح لما سواه من الكتب. و لو لا أنّ هذا الأصل من الاصول المعتمدة بالقبول بين الطائفة لما سلم من طعنه و غمزه، على ما جرت به عادته في كتابه الموضوع لهذا الغرض، فإنه قد ضعّف فيه كثيرا من أجلّاء الأصحاب المعروفين بالتوثيق؛ نحو إبراهيم بن سليمان بن حبان، و إبراهيم بن عمر اليمانيّ، و إدريس بن زياد، و إسماعيل بن مهران، و حذيفة بن منصور، و أبي بصير ليث المراديّ، و غيرهم من أعاظم الرواة و أصحاب الحديث. و اعتمد في الطعن عليهم غالبا بامور لا توجب قدحا فيهم بل في رواياتهم؛ كاعتماد المراسيل، و الرواية عن المجاهيل، و الخلط بين الصحيح و السقيم، و عدم المبالاة في أخذ الروايات، و كون رواياتهم مما تعرف تارة و تنكر أخرى، و ما يقرب من ذلك، هذا كلامه عن هؤلاء المشاهير الأجلّة.

و أمّا إذا وجد في أحد ضعفا بيّنا و طعنا ظاهرا- و خصوصا إذا تعلّق بصدق الحديث-، فإنّه يقيم عليه النوائح و يبلغ منه كلّ مبلغ و يمزّقه كلّ ممزّق. فسكوت هذا الشيخ عن أصل زيد النرسي و مدافعته عن أصله بما سمعت من قوله، أعدل شاهد على أنّه لم يجد فيه مغمزا، و لا للقول في أصله سبيلا.

31

ثمّ قال: و قول الشيخ في الفهرست: و كتاب زيد النرسي رواه ابن أبي عمير عنه، فيه تخطئة ظاهرة للصدوق و شيخه في حكمهما بأنّ أصل زيد النرسي من موضوعات محمّد بن موسى الهمدانيّ، فإنّه متى صحّت رواية ابن أبي عمير إياه عن صاحبه امتنع إسناد وضعه إلى الهمدانيّ المتأخّر العصر عن الراوي و المرويّ عنه.

و أمّا النجاشي، و هو أبو عذرة هذا الأمر و سبّاق حلبته كما يعلم من كتابه الذي لا نظير له في فنّ الرجال، فقد عرفت من كلامه روايته لأصل زيد النرسي- في الحسن كالصحيح، بل الصحيح على الأصح- عن ابن أبي عمير، عن صاحب الأصل. و قد روى أصل زيد الزرّاد عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه و عليّ بن بابويه، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن ابن أبي عمير، عن زيد الزرّاد. و رجال هذا الطريق وجوه الأصحاب و مشايخهم، ليس فيهم من يتوقّف في شأنه سوى العبيديّ، و الصحيح توثيقه. و قد اكتفى النجاشي بذكر هذين الطريقين و لم يتعرّض لحكاية الوضع في شي‏ء من الأصلين، بل أعرض عنها صفحا و طوى دونها كشحا؛ تنبيها على غاية فسادها مع دلالة الإسناد الصحيح المتّصل على بطلانها.

و في كلامه في زيد النرسي دلالة على أنّ أصله من جملة الاصول المشهورة المتلقّاة بالقبول بين الطائفة، حيث أسند روايته عنه أوّلا إلى جماعة من الأصحاب و لم يخصّه بابن أبي عمير. ثمّ عدّ في طريقه إليه من مرويّات المشايخ الأجلّة، و هم: أحمد بن عليّ بن نوح السيرافيّ، و محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الصفوانيّ، و عليّ بن إبراهيم القميّ، و أبوه إبراهيم بن هاشم. و قد قال في السيرافيّ: إنّه كان ثقة في حديثه، متقنا لما يرويه، فقيها بصيرا في الحديث و الرواية. و في الصفوانيّ: إنّه شيخ، ثقة، فقيه، فاضل.

و في القميّ: إنّه ثقة في الحديث. و في أبيه: إنّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيين بقم.

و لا ريب في أنّ رواية مثل هؤلاء الفضلاء الأجلّاء، تقتضي اشتهار تلك الاصول في زمانهم، و انتشار أخبارها فيما بينهم.

و قد علم مما سبق كونه من مرويّات الشيخ المفيد و شيخه أبي القاسم جعفر بن‏

32

قولويه، و الشيخ الجليل الذي انتهت إليه رواية جميع الاصول و المصنفات أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، و أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة الحافظ المشهور، و أبي عبد اللّه جعفر بن عبد اللّه رأس المذري الذي قالوا فيه: إنّه أوثق الناس في حديثه.

و هؤلاء مشايخ الطائفة و نقدة الأحاديث و أساطين الجرح و التعديل، و كلّهم ثقات أثبات، و منهم المعاصر لابن الوليد و المتقدّم عليه و المتأخّر عنه الواقف على دعواه، فلو كان الأصل المذكور موضوعا معروف الوضع- كما ادّعاه- لما خفي على هؤلاء الجهابذة النقّاد بمقتضى العادة في مثل ذلك.

و قد أخرج ثقة الإسلام الكلينيّ لزيد النرسي في جامعه الكافي- الذي ذكر أنّه جمع فيه الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السّلام)- روايتين: إحداهما في باب التقبيل من كتاب الإيمان و الكفر، و الثانية في كتاب الصوم في باب صوم عاشوراء. ثمّ ذكر الروايتين بسنديهما:

[عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، قَالَ:

سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ زُرَارَةَ يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السّلام) عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَنْ صَامَهُ كَانَ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَظَّ ابْنِ مَرْجَانَةَ وَ ابْنِ زِيَادٍ».

قُلْتُ: وَ مَا حَظُّهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: «النَّارُ»

(1)

]

. و قال عند ذكر الثانية: و الشيخ في كتابي الأخبار أورد هذه الرواية بإسناده عن محمّد بن يعقوب، و أخرج لزيد في كتاب الوصايا من تهذيب الأحكام في باب وصية الإنسان لعبده حديثا آخر. ثمّ ذكر سند الحديث.

ثمّ قال: و الغرض من إيراد هذه الأحاديث التنبيه على عدم خلوّ الكتب الأربعة من أخبار زيد النرسي، و بيان صحّة رواية ابن أبي عمير عنه، و الإشارة إلى تعداد الطرق‏

____________

(1) الكافي: ج 4، ص 147، ح 6.

33

إليه، و اشتمالها على عدّة من الرجال الموثوق بهم سوى من تقدّم ذكره في السالفة، و في ذلك كلّه تنبيه على صحّة هذا الأصل و بطلان دعوى وضعه. و يشهد لذلك أيضا أنّ محمّد بن موسى الهمدانيّ الذي ادّعي عليه وضع هذا الأصل لم يتّضح ضعفه بعد فضلا عن كونه وضّاعا للحديث» (1). إلى هنا أورد كلامه في الأعيان.

و قال في تتمّة كلامه: «فإنّه من رجال نوادر الحكمة، و الرواية عنه في كتب الأحاديث متكرّرة، و من جملة رواياته حديثه الذي انفرد بنقله في صلاة عيد الغدير، و هو حديث مشهور، أشار إليه المفيد (رحمه اللّه) في مقنعته و في مسارّ الشيعة، و رواه الشيخ (رحمه اللّه) في تهذيب الأحكام، و أفتى به الأصحاب و عوّلوا عليه، و لا رادّ له سوى الصدوق و ابن الوليد، بناء على أصلهما فيه.

و النجاشي ذكر هذا الرجل في كتابه و لم يضعّفه، بل نسب إلى القمّيين تضعيفه بالغلوّ، ثمّ ذكر له كتبا منها كتاب الردّ على الغلاة، و ذكر طريقه إلى تلك الكتب، قال (رحمه اللّه):

و كان ابن الوليد (رحمه اللّه) يقول: إنّه كان يضع الحديث. و اللّه أعلم.

و ابن الغضائري و إن ضعّفه إلّا أنّ كلامه فيه يقتضي أنّه لم يكن بتلك المثابة من الضعف، فإنّه قال فيه: إنّه ضعيف يروي عن الضعفاء، و يجوز أن يخرج شاهدا، تكلّم فيه القميّون فأكثروا، و استثنوا من نوادر الحكمة ما رواه. و كلامه ظاهر في أنّه لم يذهب فيه مذهب القمّيين، و لم يرتض ما قالوه، و الخطب في تضعيفه هيّن، خصوصا إذا استهونه.

و بالجملة، فتضعيف محمّد بن موسى يدور على امور:

أحدها: طعن القمّيين في مذهبه بالغلوّ و الارتفاع. و يضعّفه ما تقدّم عن النجاشي أنّ له كتابا في الردّ على الغلاة.

و ثانيها: إسناد وضع الحديث إليه. و هذا ممّا انفرد به ابن الوليد، و لم يوافقه في‏

____________

(1). أعيان الشيعة: ج 7، ص 98.

34

ذلك إلّا الصدوق (قدّس سرّه) لشدّة وثوقه به، حتّى قال (رحمه اللّه) في كتاب من لا يحضره الفقيه: إنّ كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحّته من الأخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح.

و سائر علماء الرجال و نقدة الأخبار تحرّجوا عن نسبة الوضع إلى محمّد بن موسى، و صحّحوا أصل زيد النرسي، و هو أحد الاصول التي اسند وضعها إليه، و كذا أصل زيد الزرّاد. و سكوتهم عن كتاب خالد بن سدير لا يقتضي كونه موضوعا، و لا كون محمّد بن موسى واضعا؛ إذ من الجائز أن يكون عدم تعرّضهم له لعدم ثبوت صحته لا لثبوت وضعه، فلا يوجب تصويب ابن الوليد لا في الوضع و لا في الواضع، أو لكونه من موضوعات غيره، فيقتضي تصويبه في الأوّل دون الثاني.

و ثالثها: استثناؤه من كتاب نوادر الحكمة. و الأصل فيه محمّد بن الحسن بن الوليد أيضا، و تابعه على ذلك الصدوق و أبو العبّاس بن نوح، بل الشيخ و النجاشي أيضا.

و هذا الاستثناء لا يختصّ به، بل المستثنى من ذلك الكتاب جماعة و ليس جميع المستثنين و ضعة للحديث، بل منهم المجهول الحال، و المجهول الاسم، و الضعيف بغير الوضع، بل الثقة على أصح الأقوال؛ كالعبيديّ، و اللؤلؤي. فلعلّ الوجه في استثناء غير الصدوق و شيخه ابن الوليد جهالة محمّد بن موسى أو ضعفه من غير سبب الوضع. و الموافقة لهما في الاستثناء لا تقتضي الاتّفاق في التعليل، فلا يلزم من استثناء من وافقهما ضعف محمّد بن موسى عنده، فضلا عن كونه وضّاعا. و قد بان لك بما ذكرنا مفصّلا اندفاع الاعتراضين بأبلغ الوجوه». (1) أقول: و جاء في تنقيح المقال‏ (2) أنّ محمّد بن موسى الهمدانيّ قد وقع في طريق الصدوق (رحمه اللّه) في باب صوم التطوّع من الفقيه، و قد جزم غير واحد بكونه محمّد بن‏

____________

(1). الفوائد الرجالية للسيّد بحر العلوم: ج 2 ص 356 و نقله عنه في خاتمة مستدرك الوسائل: ج 1، ص 70، ط- مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) لإحياء التراث.

(2). تنقيح المقال: ج 3، ص 193.

35

موسى بن عيسى أبا جعفر السمّان الهمداني الذي مرّ تضعيفهم له.

و جاء في خاتمة المستدرك أنّ «عليّ بن بابويه- والد الصدوق- يروي أصل النرسيّ، كما مرّ أنّه يروي أصل الزرّاد، و يظهر منه أنّ أصل نسبة اعتقاد وضعهما إلى الصدوق تبعا لشيخه ضعيف، أو رجع عنه بعد ما ذكره في فهرسته؛ فإنّ والده شيخ القمّيين و فقيههم وثقتهم، و الذي خاطبه الإمام العسكريّ (عليه السّلام) بقوله في توقيعه: يا شيخي و معتمدي، يروي الأصل المذكور و ولده يعتقد كونه موضوعا! هذا ممّا لا ينبغي نسبته إليه.

و يؤيّد ضعف النسبة، أو يدلّ على الرجوع، روايته عن الأصلين في كتبه.

و أمّا عن أصل النرسيّ ففي‏

ثَوَابِ الْأَعْمَالِ: أَبِي (رحمه اللّه) قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السّلام) يَقُولُ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ ...

إلى آخر ما في الوسائل منقولا عنه، و في كتابنا منقولا عن الأصل المذكور.

هذا [و أورده عنه في البحار (1) عن ثواب الأعمال‏] و قد أخرج الخبر المذكور شيخه جعفر بن أحمد القميّ في كتاب العروس عن زيد كما في أصله.

و أخرج الصدوق (رحمه اللّه) أيضا في الفقيه، في باب ضمان الوصيّ لما يغيّره عمّا أوصى به الميّت، عن محمّد بن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن عليّ بن مزيد صاحب السابريّ، قال: أوصى إليّ رجل ... و ساق الحديث، و هو طويل ذكره الشيخ في الأصل في كتاب الوصية مثل ما نقلناه عن أصل النرسيّ في الكتاب المذكور، فلاحظ.

و أخرج أحمد بن محمّد بن فهد في عدّة الداعي عن الأصل المذكور حديث معاوية بن وهب في الموقف، و هو حديث شريف في الحثّ على الدعاء للإخوان.

و أخرج الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن الأصل المذكور خبر فناء العالم،

____________

(1) بحار الأنوار: ج 76، ص 87، ح 6.

36

عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول‏ ... إلّا أنّه اختصره.

و أخرج الخبر المذكور عنه‏ عليّ بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد، و ساقه كما هو موجود في الأصل» (1).

و فيه أيضا في الكلام حول أصل زيد الزرّاد: «و مما يستغرب أنّ عليّ بن بابويه (قدّس سرّه) شيخ مشايخ القمّيين يروي الأصل المذكور، و ولده الصدوق (قدّس سرّه) لا يعول عليه في روايته له المنبئة عن اعتماده عليه، و يقلّد شيخه ابن الوليد فيما نسب إليه! و أغرب من هذا أنّه مع ما نسب إليه يروي من الأصل المذكور بالسند المتقدّم!!

فَفِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ: أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدٍ الزَّرَّادِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السّلام) قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السّلام):

يَا بُنَيَّ، اعْرِفْ مَنَازِلَ الشِّيعَةِ عَلَى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ وَ مَعْرِفَتِهِمْ؛ فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرَايَةُ لِلرِّوَايَةِ، وَ بِالدِّرَايَاتِ لِلرِّوَايَاتِ يَعْلُو الْمُؤْمِنُ إِلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ.

إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عليه السّلام) فَوَجَدْتُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ قِيمَةَ كُلِّ امْرِئٍ وَ قَدْرَهُ مَعْرِفَتُهُ؛ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي دَارِ الدُّنْيَا

. و كأنّه رجع عمّا توهّمه تبعا لشيخه.

وَ رَوَى عَنْهُ أَيْضاً ثِقَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِي، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِالاتِّفَاقِ، فِي بَابِ شِدَّةِ ابْتِلَاءِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ زَيْدٍ الزَّرَّادِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):

إِنَّ عَظِيمَ الْبَلَاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ بِعَظِيمِ الْبَلَاءِ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ الرِّضَا، وَ مَنْ سَخِطَ الْبَلَاءَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ السَّخَطُ ....

و في رسالة أبي غالب أحمد بن محمّد الزراري إلى ولد ولده: و سمعت من حميد

____________

(1). خاتمة مستدرك الوسائل: ج 1، ص 72.

37

بن زياد، و أبي عبد اللّه بن ثابت، و أحمد بن رباح، و هؤلاء من رجال الواقفة إلّا أنّهم كانوا فقهاء، ثقات، كثيري الدراية.

فظهر بما ذكرنا: أنّ زيدا الزرّاد ثقة، و أنّ كتابه من الاصول، و أنّ المشايخ اعتمدوا عليه، و خلاصته وجوه:

الأوّل: رواية ابن أبي عمير عنه، و لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة.

الثاني: رواية الحسن بن محبوب عنه، و هو من أصحاب الإجماع، و على المشهور يحكم بصحّة ما رواه، و قد صحّ السند إليه، و على الأقوى هو من أمارات الوثاقة، كما يأتي في النرسيّ وفاقا للعلّامة الطباطبائيّ (قدّس سرّه).

الثالث: رواية المشايخ الأجلّة عنه و عن كتابه؛ كالكلينيّ، و الصدوق، و والده، و التلعكبريّ، و غيرهم ممن روى كتابه، أو نقل حديثه في كتابه الذي ضمن صحّته.

الرابع: عدّ كتابه من الاصول، و يأتي أنّه لا يصير أصلا إلّا بعد كونه معتمدا معوّلا عليه عند الأصحاب.

الخامس: أنّ النجاشي- و هو المقدّم في هذا الفنّ- ذكره و لم يطعن عليه، و ذكر كتابه الطريق إليه، و الذي عليه المحقّقون أنّ هذا ينبئ عن مدح عظيم ....

الثامن: أنّ أخبار هذا الكتاب كلّها سديدة متينة، ليس فيها ما يوهم الجبر و الغلو و التفويض و موافقة العامّة، و جملة من متونها و مضمونها موجودة في سائر كتب الأخبار، فأيّ داع إلى وضع مثله؟!» (1).

و قال في كلامه حول أصل زيد النرسي: «و أمّا أصل زيد النرسي: فقد كفانا مئونة شرح اعتباره العلّامة الطباطبائيّ- طاب ثراه- في رجاله، قال (رحمه اللّه) تعالى: زيد النرسيّ أحد أصحاب الاصول، صحيح المذهب، منسوب إلى نرس- بفتح الموحدة الفوقانية و إسكان الراء المهملة-: قرية من قرى الكوفة، تنسب إليها الثياب النرسيّة،

____________

(1). المصدر السابق: ص 47- 52.

38

أو نهر من أنهارها، عليه عدّة من القرى، كما قاله السمعاني في كتاب الأنساب، قال:

و نسب إليها جماعة من مشاهير المحدّثين بالكوفة ....

و قد نصّ شيخ الطائفة- طاب ثراه- في الفهرست على رواية ابن أبي عمير كتاب زيد النرسي كما ذكره النجاشي، ثمّ ذكر في ترجمة ابن أبي عمير طرقه التي تنتهي إليه.

و الذي يناسب وقوعه في إسناد هذا الكتاب هو ما ذكره فيه‏ و في المشيخة: عن المفيد، عن ابن قولويه (قدّس سرّه)ما، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد العلويّ الموسويّ، عن عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك، عن ابن أبي عمير» (1).

أقول: علاوة على المذكورين الذين مرّت أسماؤهم، روى أحاديث كتاب زيد النرسيّ ابن قولويه في كامل الزيارات، و المحمّدون الثلاثة في الموارد الآتية. و أيضا روى الكتابين من معاصري ابن الوليد و من طبقة مشايخه و من عظماء الطائفة و مشايخ الرواية؛ كأبي محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ، و أبي عليّ محمّد بن همام، و حميد بن زياد النينوي، و أبي العبّاس ابن عقدة، كيف أنّ هؤلاء مع أنّهم من مهرة الأخبار و متضلّعي الفنّ جهلوا و ابن الوليد علم؟! و لم يثبت كون ابن الوليد أعرف من هؤلاء في فنون الأخبار و رجال الحديث.

و مما مرّ عليك يثبت أنّ الكتابين كانا مورد عمل الأصحاب و مورد اعتمادهم، و لم يصح ما نسب إلى ابن الوليد من عدم إمكان الاعتماد عليهما و أنّه متفرّد في طريقه، بل الصدوق الذي نقل قوله من طريقه و صرّح بتبعيّته له في الجرح و التوثيق لم يتبعه في هذا الأمر عملا مع تصريحه بذلك ظاهرا، إلّا على القول برجوعه عن اتّباع شيخه- كما هو الظاهر- و اتّباعه له كان في بداية أمره، و هو دليل آخر على صحة الكتابين، بل علاوة على ذلك فإنّه نقل عنه في الفقيه الذي أورد فيه ما هو المعتبر بنظره و ما يفتي به، كما جاء في مقدّمة كتابه.

____________

(1) المصدر السابق: ص 62.

39

و بهذا يظهر أنّ الذين ذهبوا إلى تضعيف الأخبار اعتمادا على الظنون تركوا عمل الطائفة و خرجوا عن الاعتدال، لذلك نرى أنّ أغلب الذين ذهبوا إلى هذه النظريات خالفوا عمل أجلّاء الطائفة، فكثير ممّن ورد تضعيفهم في كتب الرجال- و الذي تلقّاه الكثير بمعنى عدم حجّية أخبارهم- رويت أخبارهم من قبل أجلّاء الطائفة، و هو أكبر دليل على تخطئة هذه الفكرة؛ فبعض هذه التضعيفات كانت أخبار آحاد و لم تصدر من أفراد أذكياء و معتدلين، و على فرض صحّتها فهي لا تعني عدم حجّية جميع ما يروونه. على أنّه توجد في أغلب الأعصار خطوط فكرية و اجتماعية تثير نيران العصبيّة بين الضعفاء، ممّا تسبّب تضعيف كلّ من يخالف رأيهم، و إن كان الحقّ- في الغالب- هو الذي يذهب الجمهور إليه، و لكن وجود بعض المعايب في الأشخاص لا يقتضي سلب الإيمان و العدالة عنهم فورا؛ لذا يجب العمل في مثل هذه المسائل بما بيّنه الإمام (عليه السّلام)- لما سألوه عن كتب بني فضّال و رواياتهم- بقوله: «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا» (1). و تخطئة بعض هذه الأفكار في الرجال لا تعني حجّية جميع الأخبار و لم يقل بذلك أحد من أجلّاء المتقدّمين، و إن سرت هذه الشبهة إلى أذهان بعض المتأخّرين؛ و ذلك لقلّة اطلاعهم- بل تعني أنّه عند مواجهة الأخبار يجب السير على اصول ثابتة و مسلّمة، و هي التي وردت في أحاديث العترة (عليهم السّلام)، و هذه الاصول تجري في حقّ رواية جميع الرواة حتّى الذين لم يغمز فيهم، و لا تنحصر في حقّ جماعة خاصة؛ فليس كلّ ما ورد عن أبي بصير أو محمّد بن مسلم أو زرارة رحمهم اللّه حجّة مطلقا في مقام العمل.

فتبيّن أنّه لا يمكن الاعتماد على بعض هذه التضعيفات و الأقوال الشاذّة في الرجال بوجه، خصوصا إذا كانت معارضة بعمل الأصحاب. و كم أحدثت مثل هذه النظريات الشاذّة من المشاكل في المجامع العلمية! و كم شوّهت صورة بعض المسائل‏

____________

(1) الغيبة للطوسي: ص 390، ح 355، عن الإمام العسكري (عليه السّلام).

40

لدى عدد من المحصّلين ممّن لا يملكون قوّة الاستنباط في أمثال هذه المسائل و يتّبعون غيرهم فيها! فليس كلّ ما جاء في كتب الأخبار حجّة، بل الأمر بين الأمرين؛ فكلّ ما توفّرت فيه شروط القبول و الملاكات و الاصول التي يجب توفّرها في قبول الخبر عند الفقهاء و المحدّثين، يكون حجّة و إلّا فلا. و هذه القاعدة جارية أيضا في حجّية جميع أخبار الكتب الأربعة التي وقع النزاع فيها بين مثبت و ناف، و إن كانت أخبارها بنظر مؤلّفيها محرزة لشرائط القبول، و لكن هذا لا يوجب حجّيتها مطلقا عند جميع الأفراد، بل ذلك منوط بثبوت ملاكاتها عندهم مستقلّا عند دراستها و بذل الجهد المناسب لها، و إن كانت- حسب الظاهر- بصورة كلّية لها شرائط القبول غالبا، و لكن هذا لا يكفي للذهاب إلى أنّ جميعها حجّة و من ثمّ يجب العمل بها مطلقا، و لذا يجب التثبّت في هذه النظريات الضعيفة و الشاذّة و إن صدرت عن بعض المشاهير؛ حيث إنّها تسبّب تشويه صورة أخبارنا و تكذيبها، و هو ذنب عظيم، أعاذنا اللّه منه.

فيجب على المشتغلين عدم الاعتناء و الاغترار بالكلمات الشاذّة المخالفة لعمل الأصحاب، كإطلاق أحكام كتب الغلاة في عصر الأئمّة- التي تركت من جانب الأصحاب و فنت من صفحة الوجود- على كتب الأصحاب التي كانت متداولة و معتبرة بينهم و تطبيقها عليها، أو الاستناد لوهنها و ردّها و التشنيع عليها و إقامة النوائح بسبب بعض الأغلاط التي حدثت من جانب النساخ في كتب الحديث.

و أمّا الأخبار الاخرى التي أشرنا إليها فهي:

الْكَافِي: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ فَرْقَدٍ صَاحِبِ السَّابِرِيِّ قَالَ‏

:

أَوْصَى إِلَيَّ رَجُلٌ بِتَرِكَتِهِ وَ أَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ بِهَا عَنْهُ، فَنَظَرْتُ فِي ذَلِكَ فَإِذَا شَيْ‏ءٌ يَسِيرٌ لَا يَكْفِي لِلْحَجِّ، فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ وَ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالُوا: تَصَدَّقْ بِهَا عَنْهُ. فَلَمَّا حَجَجْتُ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ فِي الطَّوَافِ فَسَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ مَوَالِيكُمْ‏

41

مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَاتَ، وَ أَوْصَى بِتَرِكَتِهِ إِلَيَّ وَ أَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ بِهَا عَنْهُ، فَنَظَرْتُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَكُفَّ لِلْحَجِّ، فَسَأَلْتُ مَنْ قِبَلَنَا مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: تَصَدَّقْ بِهَا، فَتَصَدَّقْتُ بِهَا، فَمَا تَقُولُ؟

فَقَالَ لِي: هَذَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي الْحِجْرِ فَائْتِهِ وَ سَلْهُ. قَالَ: فَدَخَلْتُ الْحِجْرَ فَإِذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السّلام) تَحْتَ الْمِيزَابِ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى الْبَيْتِ يَدْعُو، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَرَآنِي فَقَالَ: «مَا حَاجَتُكَ؟».

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ مَوَالِيكُمْ.

قَالَ: «فَدَعْ ذَا عَنْكَ، حَاجَتُكَ؟».

قُلْتُ: رَجُلٌ مَاتَ وَ أَوْصَى بِتَرِكَتِهِ أَنْ أَحُجَّ بِهَا عَنْهُ، فَنَظَرْتُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَكُفَّ لِلْحَجِّ، فَسَأَلْتُ مَنْ عِنْدَنَا مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: تَصَدَّقْ بِهَا.

فَقَالَ: «مَا صَنَعْتَ؟».

قُلْتُ: تَصَدَّقْتُ بِهَا.

فَقَالَ: «ضَمِنْتَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ مِنْ مَكَّةَ؛ فَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانٌ، وَ إِنْ كَانَ يَبْلُغُ بِهِ مِنْ مَكَّةَ فَأَنْتَ ضَامِنٌ»

(1).

تهذيب الأحكام: عليّ بن الحسن بن فضال، عن معاوية بن حكيم و يعقوب الكاتب، عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسيّ، عن عليّ بن مزيد صاحب السابريّ قال:

أوصى إليّ رجل بتركته و أمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا شي‏ء يسير لا يكون للحجّ، فسألت أبا حنيفة و فقهاء أهل الكوفة فقالوا: تصدّق بها عنه. فلمّا حججت جئت إلى أبي عبد اللّه فقلت: جعلني اللّه فداك! مات رجل و أوصى إليّ بتركته أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا:

تصدّق بها.

قال: «فما صنعت؟»

____________

(1). الكافي: ج 7، ص 21، ح 1.

42

قلت: تصدّقت بها.

قال: «ضمنت، أو لا يكون يبلغ يحجّ به من مكّة، فإن كان لا يبلغ [أن‏] يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان، و إن كان يبلغ أن يحجّ به من مكّة فأنت ضامن» (1).

من لا يحضره الفقيه: محمّد بن أبي عمير، عن زيد النرسيّ، عن عليّ بن مزيد صاحب السابريّ قال: أوصى إليّ رجل بتركته و أمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا شي‏ء يسير لا يكفي للحجّ، فسألت أبا حنيفة و فقهاء أهل الكوفة فقالوا:

تصدّق بها عنه. فلمّا لقيت عبد اللّه بن الحسن في الطواف سألته فقلت: إنّ رجلا من مواليكم من أهل الكوفة مات، و أوصى بتركته إليّ و أمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدّق بها عنه، فتصدّقت بها، فما تقول؟

فقال لي: هذا جعفر بن محمّد في الحجر فائته فاسأله.

فدخلت الحجر فإذا أبو عبد اللّه (عليه السّلام) تحت الميزاب مقبل بوجهه إلى البيت يدعو، ثمّ التفت فرآني فقال: «ما حاجتك؟».

قلت: رجل مات و أوصى بتركته أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدّق بها.

فقال: «ما صنعت؟».

قلت: تصدّقت بها.

فقال: «ضمنت، إلّا ألّا يكون يبلغ ما يحجّ به من مكّة، فإن كان لا يبلغ ما يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان، و إن كان يبلغ ما يحجّ به من مكّة فأنت ضامن» (2).

الْبِحَارُ (كَامِلُ الزِّيَارَاتِ): أَبِي وَ أَخِي وَ عَلِيُّ بنُ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى الرِّضَا (عليه السّلام) قَالَ:

____________

(1). تهذيب الأحكام: ج 9، ص 228، ح 46.

(2). من لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 207، ح 5482.

43

«مَنْ زَارَ ابْنِي هَذَا- وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السّلام)- فَلَهُ الْجَنَّةُ» (1).

قال في الأعيان: «التمييز: في مشتركات الطريحي و الكاظمي: يمكن معرفة زيد الزرّاد الكوفيّ برواية ابن أبي عمير عنه» (2).

أقول: هذا عند عدم اشتراك زيد آخر في رواية ابن أبي عمير عنه، كزيد النرسيّ، فعند ذلك لا يمكن تمييزه في المشتركات إلّا إذا دار الأمر بين زيد الثقة الذي يروي عنه و غيره، فتفيد هذه القاعدة.

كتاب عبّاد العصفريّ‏

و حول كتاب العصفريّ قال في البحار: «و كتاب العصفريّ أيضا أخذناه من النسخة المتقدّمة»، و ذكر السند في أوّله هكذا: «أخبرنا التلعكبريّ، عن محمّد بن همام، عن محمّد بن أحمد بن خاقان النهديّ، عن أبي سمينة، عن أبي سعيد العصفريّ عبّاد. و ذكر الشيخ و النجاشي (رحمه اللّه) كتابه، و ذكرا سندهما إليه، لكنهما لم يوثّقاه، و لعلّ أخباره تصلح للتأييد» (3).

و قال النجاشي في رجاله: «عبّاد، أبو سعيد العصفريّ، كوفيّ، كان أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه (رحمه اللّه) يقول: سمعت أصحابنا يقولون: إنّ عبّادا هذا هو عبّاد بن يعقوب، و إنّما دلّسه أبو سمينة. أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمران، قال:

حدّثنا محمّد بن همام، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن خاقان النهديّ، قال:

حدّثنا أبو سمينة بكتاب عبّاد» (4).

أقول: هذا الطريق مشترك مع الطريق الموجود في الكتاب الحاضر، و أمّا تدليس أبي سمينة فغير معلوم؛ لأنّ بعض أحاديث هذا الكتاب ورد أيضا من غير طريق أبي‏

____________

(1). بحار الأنوار: ج 102، ص 41، ح 46.

(2). أعيان الشيعة: ج 7، ص 99.

(3). بحار الأنوار: ج 1، ص 44.

(4). رجال النجاشي: ص 293، الرقم 793.

44

سمينة عن عبّاد العصفريّ، فلا يمكن نسبة التدليس إليه بوجه و ربّما وقع هذا الأمر من المروي عنه، و وجهه لا يخفى على الأذكياء العارفين بالظروف التي كان يعيشها أصحابنا في ذلك الزمان.

و روى الشيخ المفيد كتب أبي سمينة، كما في فهرس النجاشي في ترجمته.

و قال الشيخ في عدّة الاصول: «و إذا كان أحد الراويين مصرّحا و الآخر مدلّسا، فليس ذلك ممّا يرجّح به خبره؛ لأنّ التدليس هو أن يذكره باسم أو صفة غريبة، أو ينسبه إلى قبيلة أو صناعة و هو بغير ذلك معروف، فكلّ ذلك لا يوجب ترك خبره.

و إذا كان أحد الراويين مسندا و الآخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فإن كان ممّن يعلم أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، و لأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر- و غيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلّا عمّن يوثق به- و بين ما أسنده غيرهم، و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.

فأمّا إذا لم يكن كذلك و يكون ممّن يرسل عن ثقة و عن غير ثقة، فإنّه يقدّم خبر غيره عليه. و إذا انفرد وجب التوقّف في خبره إلى أن يدلّ دليل على وجوب العمل به.

فأمّا إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه، و دليلنا على ذلك الأدلّة التي قدّمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد؛ فإنّ الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل، فبما يطعن في واحد منهما يطعن في الآخر، و ما أجاز أحدهما أجاز الآخر، فلا فرق بينهما على حال.

و إذا كان إحدى الروايتين أزيد من الرواية الاخرى، كان العمل بالرواية الزائدة أولى؛ لأنّ تلك الزيادة في حكم خبر آخر ينضاف إلى المزيد عليه» (1).

____________

(1). عدة الاصول: ج 1، ص 387.

45

قال في الفهرست: «عبّاد بن يعقوب الرواجني عامّي المذهب، له كتاب أخبار المهدي (عليه السّلام)، و كتاب المعرفة في معرفة الصحابة» (1).

ثمّ عقّب كلامه هذا بالقول: «عباد العصفريّ يكنّى أبا سعيد، له كتاب، أخبرنا به جماعة، عن التلعكبريّ، عن ابن همام، عن محمّد بن خاقان النهديّ، عن محمّد بن عليّ- يكنّى أبا سمينة- عنه» (2).

و يبدو أنّ الشيخ استند على الظاهر الخارجيّ، و لا يمكن نسبة الجهل إلى الشيخ في المسألة بصورة قطعية؛ فربّما أراد حفظ هذا الظاهر.

و قال في الأعيان: «أبو سعيد عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ الكوفيّ، توفي سنة (250)، و قيل: سنة (271). و الرواجنيّ براء مهملة و واو مخفّفة و جيم و نون مكسورتين و ياء للنسبة.

ذكره الشيخ الطوسيّ في الفهرست فقال: عامّي المذهب، له كتاب أخبار المهدي، و كتاب المعرفة في معرفة الصحابة، أخبرنا بهما أحمد بن عبدون، عن أبي بكر الدوري، عن أبي الفرج عليّ بن الحسين الكاتب، قال: حدّثنا عليّ بن العبّاس المقانعي، قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب، عن مشيخته. انتهى.

و تبعه العلّامة في الخلاصة فقال: عامّي المذهب.

و ذكر النجاشي في الحسن بن محمّد بن أحمد الصفار البصريّ أحد المشايخ الثقات: أنّه يروي عن عبّاد الرواجنيّ.

قال البهبهاني في حاشية الرجال الكبير: و هذا يشير إلى نباهته، و كونه من المشايخ المعتمدين المعروفين، بل ربّما يظهر منه كونه من الشيعة. انتهى.

و ذكره ابن حجر في التقريب فقال: صدوق رافضيّ، حديثه في البخاريّ مقرون، بالغ ابن حبان فقال: يستحق الترك، من العاشرة. انتهى.

____________

(1). الفهرست: ص 192، الرقم 540.

(2). المصدر السابق: الرقم 541.

46

و ذكره الذهبيّ في مختصره فقال: شيعيّ، وثّقه أبو حاتم، توفّي سنة (271).

و ذكره أيضا في تذكرة الحفّاظ فقال: في سنة (250) مات محدّث الشيعة عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ. انتهى.

فقد اختلف كلام الذهبيّ في كتابيه في تاريخ وفاته.

قال المؤلف: هذا الرجل أمره عجيب، فالشيعة يقولون: إنّه من أهل السنة، و أهل السنة يقولون: إنّه شيعي، و الظاهر تشيّعه؛ فأهل السنة يبعد أن يخفى عليهم أمره فينسبوه إلى التشيع و هو غير شيعي. أمّا الشيخ الطوسي فلعلّه حكم بسنّيته لأنّه كان يتقي شديدا، كما قاله البهبهانيّ في حاشية الرجال الكبير قال: كما وقع منه بالنسبة إلى كثير ممّن ظهر كونهم من الشيعة» (1).

و في الذريعة إلى تصانيف الشيعة: «كتاب الحديث لعبّاد العصفريّ الكوفيّ أبي سعيد، حكى النجاشيّ عن ابن الغضائريّ ما سمعه هو من بعض الأصحاب أنّه عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ، و إنّما دلّسه أبو سمينة. ثمّ ذكر إسناده إلى كتابه بأربع وسائط، آخرهم محمّد بن أبي سمينة.

أقول: و إن كان الرواجنيّ- كما جزم به شيخنا في خاتمة المستدرك (ص 299) فهو من الأصحاب، و توفي سنة (250) أو (271). قال في خلاصة تذهيب الكمال: إنّه أحد رءوس الشيعة.

و هذا الكتاب- بحمد اللّه تعالى- باق بالصورة الأولية، فيه تسعة عشر حديثا، أوّل سنده التلعكبريّ، و أوّل أحاديثه قول أبي جعفر (عليه السّلام): كيف أنتم يا أبا المقدام و قد كانت سيطة بين الحرمين؛ تبقون فيها حيارى لا تجدون سنادا!! و ذكر شيخنا في الخاتمة المذكورة فهرس جملة من أحاديثه، راجع ص (318)» (2).

____________

(1). أعيان الشيعة: ج 7، ص 410.

(2). الذريعة: ج 6، ص 341، الرقم 1989.

47

و ذكره صاحب الذريعة أيضا به عنوان: «أصل عباد العصفريّ أبي سعيد الكوفيّ هو من الاصول الموجودة، و هو مختصر استنسخ عن خطّ الوزير المذكور [أي منصور بن الحسن الآبي‏] سنة (394)» (1).

آثار عبّاد بن يعقوب‏

قال في الذريعة: «كتاب المعرفة في معرفة الصحابة- كما في الفهرست- لأبي سعيد عبّاد بن يعقوب الأسديّ الرواجنيّ الكوفيّ، المتوفّى سنة (250)، كما ورّخه الذهبيّ عن ابن حيان في ميزان الاعتدال، و روى ابن طاوس في كتاب اليقين عن هذا الكتاب عدّة أخبار، منها ما رواه الرواجنيّ، عن السريّ بن عبد اللّه السلميّ، و ما رواه عن أبي عبد الرحمن عبد اللّه بن عبد الملك بن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود الصحابيّ، و ما رواه عن محمّد بن يحيى التميميّ» (2).

و قال أيضا: «أخبار المهدي (عليه السّلام) لعباد بن يعقوب الرواجنيّ المتوفّى سنة (250) أو سنة (271) كما عن الذهبيّ، ذكره الشيخ في الفهرست» (3).

أقول: و له كتاب آخر اسمه: مناقب أهل البيت، ذكره السيّد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه اللّه)(4).

بعض رواياته‏

قال في الذريعة: «كتاب الحديث لعمرو بن أبي المقدام ثابت العجليّ، رواه عنه عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ المتوفّى (250)، و هو يروي عن الباقر و الصادق (عليهما السّلام)، كما ذكره النجاشيّ مع إسناده إليه» (5).

____________

(1). المصدر السابق: ج 2، ص 163، الرقم 598.

(2). المصدر السابق: ج 21، ص 244، الرقم 4841.

(3). المصدر السابق: ج 1، ص 351، الرقم 1852.

(4). انظر كتاب: المحقق الطباطبائي في ذكراه السنوية الاولى: ج 1، ص 70 نقلا عن مجلة «تراثنا»: العدد 26.

(5). الذريعة: ج 6، ص 352، الرقم 2111.

48

و قال النجاشيّ: «عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد، مولى بني عجل، روى عن عليّ بن الحسين و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السّلام)، له كتاب لطيف، أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه، عن أبي الحسين بن تمام، عن محمّد بن القاسم بن زكريا المحاربيّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، به» (1).

و في كتاب عبّاد المتداول الآن له روايات متعدّدة عن عمرو بن ثابت، و لعلّ وجه لطافته يظهر في هذه الأخبار.

و فيها أيضا: «كتاب الحديث لمحمّد بن فرات الجعفيّ الكوفيّ، يرويه عنه عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ و النجاشيّ بالإسناد إليه» (2).

ما روي عنه‏

قال في الذريعة: «فضائل أمير المؤمنين (عليه السّلام) لأحمد بن محمّد الطبريّ المعروف بالخليليّ. ينقل عنه السيّد ابن طاوس في كتاب اليقين عدّة أحاديث، و ذكر أنّ عنده نسخة عتيقة فرغ الكاتب من نسخها بالقاهرة في (411)، روى فيه عن جماعة كلّهم يروون عن عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ الذي مات في (250)، منهم: عليّ بن العبّاس البجليّ، و جعفر بن محمّد بن مالك الفزاريّ، و محمّد بن الحسين بن حفص الجبعيّ العدل، و عليّ بن أحمد بن الحاتم التميميّ العدل، و عليّ بن أحمد بن الحسين البجليّ، و الحسن بن السكن الأسديّ، و جعفر بن محمّد الأزدي، و جعفر بن محمّد الدلّال، و كلّهم من الكوفة» (3).

أقول: لم نأت بجميع رواياته التي تنسب إليه، بل نقلنا ما وقع نظرنا عليه، و رواياته في كتب العامّة و الخاصّة كثيرة، و ذلك يدلّ على اعتباره و تضلّعه و توسعه في‏

____________

(1). رجال النجاشي: ص 290، الرقم 777.

(2) الذريعة: ج 16، ص 364، الرقم 2239.

(3) المصدر السابق: ج 16، ص 255، الرقم 1017.

49

الحديث. و للتوسّع في ترجمته يجب مراجعة أحاديثه المنقولة في كتب الحديث، أو مراجعة رجال النجاشيّ و فهرست الشيخ، و مطالعة المواضع التي وقع هو في أسانيدها، و التحقيق حول مشايخه و تلاميذه، و بإمكانك مراجعة تهذيب الكمال، و آخر ترجمته من كتاب تنقيح المقال.

كتاب عاصم بن حميد الحنّاط

قال في البحار: «و كتاب عاصم مؤلّفه في الثقة و الجلالة معروف، و ذكر الشيخ و النجاشيّ أسانيد إلى كتابه. و في النسخة المتقدّمة سنده هكذا: حدثني أبو الحسن محمّد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القميّ- أيّده اللّه- قال: حدّثني أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ، عن أبي عليّ محمّد بن همام بن سهيل الكاتب، عن حميد بن زياد بن هوارا- في سنة تسع و ثلاثمائة- عن عبد اللّه بن أحمد بن نهيك، عن مساور و سلمة، عن عاصم بن حميد الحناط.

قال: قال التلعكبريّ: و حدّثني أيضا بهذا الكتاب أبو القاسم جعفر بن محمّد بن إبراهيم العلويّ الموسويّ بمصر، عن ابن نهيك» (1).

و في النسخ المعتمدة عندنا: «العلوي الموسائي» بدل «الموسوي»، و ينتهي نسبه إلى الإمام الصادق (عليه السّلام)، و يعرف بأبي القاسم الموسوي العلوي الرقّي العريضي.

و في كتاب الجامع للرجال: «تكرّر في كلام الشيخ و النجاشي و غيرهما التعبير عنه بالشريف الصالح. روى النجاشي عن محمّد بن عثمان عنه عن ابن نهيك اصولا كثيرة، و روى الصدوق عن أحمد بن زياد الهمداني عنه، و روى عنه جعفر بن محمّد بن قولويه، و حريز بن عبد اللّه بن قولويه، و بكر بن أحمد و غيرهم، و روى هو كثيرا عن شيخه و مؤدّبه عبد اللّه بن أحمد بن نهيك، و روى عن أبي حاتم محمّد بن إدريس الحنظلي، و أبي الحسن عليّ بن أحمد العقيقي، و غيرهما، و الرجل من أجلّاء

____________

(1). بحار الأنوار: ج 1، ص 44.

50

العصابة، صحيح الإسناد» (1).

و قال المامقاني: «قال في الفهرست: عاصم بن حميد الحنّاط الكوفيّ، له كتاب، أخبرنا به أبو عبد اللّه، عن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفّار و سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عبد الحميد و السنديّ بن محمّد، عن عاصم بن حميد.

و بهذا الإسناد عن سعد و الحميريّ، عن أحمد بن محمّد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد. انتهى.

و قال النجاشيّ: عاصم بن حميد الحنّاط الحنفيّ أبو الفضل، مولى، كوفيّ، ثقة، عين، صدوق، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، له كتاب، أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن فضّال قال: حدّثنا محمّد بن عبد الحميد عن عاصم بكتابه» (2).

أقول: روايات عاصم بن حميد كثيرة في كتب الأصحاب، و هي تدلّ على أنّ له شأنا عظيما عند الأصحاب، و أنّه من فحول الرواة الثقات؛ فقد ورد في الرواية:

«اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا» (3). و سيأتي أيضا الحديث عنه عند الكلام حول علاء بن رزين.

و لم نقف على ما يميّز الراويين الأوّلين لكتاب عاصم، و هما: سلمة و مساور، و هما من طبقة الراوية الشهير محمّد بن أبي عمير. و لعلّ سلمة هو سلمة بن حيّان الذي ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام)، و اللّه العالم. و لعلّ رواية ابن نهيك عنهما كانت لأجل عدم طريق آخر له لروايته، أو لعلوّ الإسناد في الرواية عنهما؛ لكونهما معروفين و معتمدين عنده، و لكنّهما لاختلاطهما مع العامّة

____________

(1). الجامع في الرجال: ج 1، ص 391- 392.

(2). تنقيح المقال: ج 2، ص 113. و فيه «سعد بن عبيد اللّه»، و الصحيح ما أثبتناه.

(3). الكافي: ج 1، ص 50، ح 13، عن عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السّلام).

51

لم يرغبا في الإفصاح عن مميزاتهما و أحبّا التكتّم؛ حذرا من المخاوف التي ربّما يواجهانها منهم.

و لكن الجهل بهما غير ضارّ؛ لورود أخبار كتاب عاصم من طرق متعدّدة اخرى، و كان في تلك الأعصار في متناول الرواة.

و قد جاءت هذه الرواية عنهما من طريق أحد مشايخ الرواية؛ و هو الشيخ الصالح المعتمد عليه الشيخ عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك، حيث قال النجاشي في حقّه: «عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك أبو العبّاس النخعي، الشيخ الصدوق، ثقة، و آل نهيك بالكوفة بيت من أصحابنا، منهم: عبد اللّه بن محمّد و عبد الرحمن السمريان، و غيرهما. له كتاب النوادر، أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان بن الحسن قال: اشتملت إجازة أبي القاسم جعفر بن محمّد بن إبراهيم الموسوي- و أراناها- على سائر ما رواه عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك، و قال: كان بالكوفة، و خرج إلى مكّة. و قال حميد بن زياد في فهرسته. سمعت من عبيد اللّه كتاب المناسك، و كتاب فضائل الحج، و كتاب الثلاث و الأربع، و كتاب المثالب، و لا أدري قرأها حميد عليه؟ و هي مصنّفاته، أو هي لغيره؟! (1).

و عنونه الشيخ في الفهرست «عبد اللّه» مكبّرا- و التصغير، كما في النجاشي، أقرب- فقال: «عبد اللّه بن أحمد النهيكي، له كتاب، أخبرنا به جماعة، عن أبي المفضّل، عن ابن بطة، عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن عبد اللّه بن أحمد» (2).

و نقل في جامع الرواة رواية جعفر بن محمّد العلوي الموسوي عنه، و قال:

«و يعبّر عنه في بعض المواضع بقوله: معلّمنا و مؤدّبنا».

____________

(1) رجال النجاشيّ: ص 232، الرقم 615.

(2). الفهرست: ص 170، الرقم 447.

52

كتاب جعفر بن شريح الحضرميّ رواية محمّد بن مثنّى الحضرمي‏

قال في البحار: «و كتاب ابن الحضرميّ ذكر الشيخ في الفهرست طريقه إليه. و في النسخة المتقدّمة ذكر سنده هكذا: أخبرنا الشيخ أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ- أيّده اللّه- عن محمّد بن همام، عن حميد بن زياد الدهقان، عن أبي جعفر أحمد بن زيد بن جعفر الأسديّ البزّاز، عن محمّد بن المثنّى بن القاسم الحضرميّ، عن جعفر بن محمّد بن شريح الحضرميّ، و الشيخ أيضا روى عن جماعة، عن التلعكبريّ ... إلى آخر السند المتقدّم، إلّا أنّ فيه: عن محمّد بن أميّة بن القاسم. و الظاهر أنّ ما هنا أصوب، و أكثر أخباره تنتهي إلى جابر الجعفيّ» (1).

و قال في الأعيان: «جعفر بن محمّد بن شريح الحضرميّ، قال الشيخ في الفهرست: له كتاب، رويناه عن عدّة من أصحابنا، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ، عن أبي عليّ بن همام، عن حميد، عن أحمد بن زيد بن جعفر الأزديّ البزّاز، عن محمّد بن أميّة بن القاسم الحضرميّ، عن جعفر بن محمّد بن شريح.

انتهى.

و في منهج المقال: في بعض النسخ زاد: عن رجاله.

و في لسان الميزان: جعفر بن شريح الحضرمي، ذكره أبو جعفر الطوسيّ في رجال الشيعة. انتهى. و لكنّه صحّف شريح بسريج.

و في خاتمة مستدركات الوسائل: أنّ نسخة كتابه عنده، و أنّ سنده في تلك النسخة و في نسخة المجلسيّ هكذا: الشيخ أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد بن إبراهيم‏

____________

(1). بحار الأنوار: ج 1، ص 44.

53

التلعكبريّ- أيّده اللّه- قال: حدّثنا محمّد بن همام، حدّثنا حميد بن زياد الدهقان، حدّثنا أبو جعفر أحمد بن زيد بن جعفر الأزديّ، حدّثنا محمّد بن المثنّى بن القاسم الحضرميّ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن شريح الحضرميّ، عن حميد بن شعيب السبيعيّ، عن جابر الجعفيّ قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) ... الخبر.

قال صاحب المستدركات: و الظاهر أنّ أميّة في سند الشيخ مصحّف، و الصواب كما في سند الكتاب: المثنّى، و أشار إلى ذلك في البحار. و محمّد بن أميّة غير مذكور في الرجال، و لا في أسانيد الأخبار. و أحمد بن زيد هو الخزاعيّ المذكور في الفهرست أنّه يروي كتاب آدم بن المتوكّل و كتاب أبي جعفر شاه طاق، عن جماعة، عن أبي المفضّل، عن حميد، عن أحمد بن زيد الخزاعيّ، عنه. قال: و ظهر ممّا نقلناه أنّه من مشايخ الإجازة، و أنّ حميدا اعتمد عليه في رواية الكتب المذكورة و كتاب محمّد بن المثنّى. و مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التزكية و التوثيق، مع أنّ رواياته في الكتاب سديدة مقبولة، و ممّا يشهد على حسن حاله اعتماد محمّد بن مثنّى عليه؛ فإنّ جلّ روايات كتابه عنه. انتهى» (1).

أقول: هذا الكتاب مشتمل على قدر لا يستهان به من كتاب جابر الجعفيّ رحمة اللّه عليه و أحاديثه، و هذا ما يزيد من أهمّية الكتاب و قدره. و عمدة أخباره على طوائف أربع:

الاولى: أخبار حميد بن شعيب السبيعي عن جابر بن يزيد الجعفي.

الثانية: أخبار عبد اللّه بن طلحة النهدي.

الثالث: أخبار أبي الصباح العبدي الكناني.

الرابعة: أخبار إبراهيم بن جبير عن جابر الجعفي.

____________

(1) أعيان الشيعة: ج 4، ص 177.

54

كتاب محمّد بن مثنّى الحضرميّ‏

رواية أبي جعفر أحمد بن زيد بن جعفر الأزديّ البزّاز قال في البحار: «و كتاب محمّد بن المثنّى بن القاسم الحضرميّ، وثّق النجاشيّ مؤلّفه، و ذكر طريقه إليه. و في النسخة القديمة المتقدّمة أورد سنده هكذا: حدّثنا الشيخ هارون بن موسى التلعكبريّ، عن محمّد بن همام، عن حميد بن زياد، عن أحمد بن زيد بن جعفر الأزديّ البزّاز، عن محمّد بن المثنّى» (1).

و قال النجاشيّ: «محمّد بن المثنّى بن القاسم، كوفيّ، ثقة، له كتاب، أخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر قال: حدّثنا حميد قال: حدّثنا أحمد، عن محمّد بن المثنّى بكتابه» (2).

و جاء في الذريعة: «أصل محمّد بن مثنّى بن القاسم الحضرميّ من الاصول الموجودة بأعيانها برواية التلعكبريّ، عن أبي عليّ بن همام، عن حميد بن زياد بإسناده إلى مؤلّفه. و أكثر أحاديثه رواه عن جعفر بن محمّد بن شريح الحضرميّ، عن ذريح المحاربيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام). و في آخره قال محمّد بن المثنّى: حدّثني جعفر بن محمّد بن شريح بجميع ما في هذا الكتاب إلّا الحديثين الأخيرين، و هما من رواية محمّد بن جعفر البزّاز القرشي» (3).

أقول: المهمّ هو التكلّم حول أنّ كتاب محمّد بن المثنّى هل هو كتاب مستقلّ، أو هو جزء من كتاب جعفر بن محمّد بن شريح الحضرميّ، كما تدلّ عليه القرائن المتعدّدة في أوّل الكتابين و في آخر كتاب محمّد بن مثنّى؟ و أمّا وجود عدّة أحاديث عن محمّد بن مثنّى في كتابه الذي لم يروه عن جعفر بن محمّد بن شريح فليس دليلا

____________

(1). بحار الأنوار: ج 1، ص 44.

(2). رجال النجاشي: ص 371، الرقم 1012.

(3). الذريعة: ج 2، ص 166، الرقم 612.