خصائص الأئمة(ع)

- الشريف الرضي المزيد...
143 /
5

[المقدمات‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إلهي ... بقدرتك عليّ تب عليّ ... و بحلمك عنّي اعف عنّي ... و بعلمك بي ارفق بي ...

إلهي ... لا تجعلني لغير جودك متعرّضا ... و لا تصيّرني للفتن غرضا ... و كن لي على الأعداء ناصرا ... و على المخازي و العيوب ساترا ... و عن المعاصي عاصما ...

إلهي ... اعطني بصيرة في دينك ... و فهما في حكمك ... و فقها في علمك ... و كفلين من رحمتك ...

إلهي ... تقبّل مني و أعل ذكري، و ارفع درجتي، و حطّ وزري ... و لا تذكرني بخطيئتي ... و اجعل ثواب مجلسي، و ثواب منطقي، و ثواب دعائي، رضاك و الجنّة ...

6

قوبلت و صحّحت على نسخة السّيّد الفقيه الإمام ضياء الدّين أبي الرّضا فضل اللّه بن عليّ بن عبيد اللّه الحسنيّ الرّاونديّ الكاشانيّ المتوفّى 570 ه.

7

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه و الصّلاة و السّلام على رسول اللّه و آله امناء اللّه منذ انطلاقة الشّرارة الأولى، للثّورة الشّعبية الإسلاميّة في إيران عام 1357 ه. ش، الموافق سنة 1399 ه. ق، بقيادة الزعيم الدّينيّ المقدام، الإمام الخمينيّ بارك اللّه في ثورته و عمره طلب من المسئولين كافّة، و القائمين بشئون الدّولة، أن يجعلوا رسالة الإسلام الخالدة نصب أعينهم، و يسيروا على هديه و هداه في الجوانب كافة، و يعاملوا الشعب و يأخذوا القضايا و الأحداث و القوانين حسب ما يقتضيه التّشريع الإسلاميّ، و تتطلّبه قوانينه و أنظمته التي جاء بها المشرّع الأعظم- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الذي بعث رحمة للعالمين ... لأنّ الثّورة المظفّرة هذه انبثقت من صميم الواقع الإسلاميّ الّذي مهّد للشّعب الايرانيّ المسلم طريق التّحرر و الانطلاق، و دفعه إلى اليقظة و الوثبة، و الثّورة على الطّغاة، و الظّالمين و المستبدّين، العاملين للحواجز السّياسيّة الدّخيلة، للحيلولة بين الشّعوب، و رسالة الإسلام.

و لمّا كانت الثّورة الإسلاميّة المظفّرة في إيران مدينة بكاملها للإسلام و جاءت الانتفاضة الشّعبيّة لهذا الغرض، فلا بدّ من العمل في إعادة الجوانب كافّة إلى مهيع الحقّ، و الصّراط المستقيم، و إنقاذها من مخالب التّيّارات الدّخيلة، سيّما الجانب الفكريّ و العلميّ، الذي تلاعب بهما العهد المقبور و اتّخذهما ذريعة لمآربه الشّيطانيّة، و وسيلة في خدمة سياسة أسياده التّوسّعيّة

8

لذلك أصبح الشّعب بمعزل عن عقيدته، و دينه، و شخصيّته، و تفكيره الصّحيح، و نهجه القويم الذي خطّه من قبل الرسول الأعظم «ص»، و من بعده الأئمّة الهداة المهديّون (عليهم السلام)، و من ثمّ فقهاء الطّائفة و أعلامها.

و في خلال فترة قصيرة من الزّمن، تمكّنت الجمهوريّة الاسلاميّة في زحفها المقدّس من إقامة مجاميع و ندوات، و جامعات تخدم الشّخصية الإسلاميّة، و تساند الحضارة الفكريّة و العلميّة و على الأخصّ في العواصم، و الحوزات الدّراسيّة في عرض البلاد و طولها.

و لمّا كانت مدينة «مشهد» المقدّسة البطلة، على جانب هامّ من النّاحية الفكريّة و الاجتماعيّة، و موقعها الخطير بين سائر الألويّة الإيرانيّة لذلك وجّهت القيادة عنايتها، و رعايتها لهذا البلد الطّيّب الذي يخرج نباته بإذن ربّه فأقامت فيه إلى جوار مرقد الإمام أبي الحسن الرّضا عليه آلاف التّحيّات و البركات جامعة للعلوم الاسلاميّة على نسق حديث للتّدريس و الدّراسة إلى جانب إقامة مجمع «للبحوث الاسلاميّة» للتّأليف و التّحقيق و النّشر، و قد زاول عمله النّشاطيّ منذ عام بحول اللّه و قوّته، مكلّلا بالنّجاح و السّداد و الموفّقيّة برعاية سادن الرّوضة الرّضوية المباركة فضيلة العلّامة الجليل سماحة الشيخ عبّاس الطّبسيّ بارك اللّه تعالى في عمره و أخذ بعضده.

هذا و في الوقت الذي تقدّم المجمع إلى ميدان النّشر و الطّبع، ارتأى المجلس الأعلى لادارة «مجمع البحوث الإسلاميّة» تدشين سلسلة مطبوعاته بكتاب «خصائص الأئمّة (عليهم السلام)» لأبي الحسن الشّريف الرّضيّ ... رضي اللّه عنه، و ذلك بمناسبة الذّكرى الألفيّة لوفاته الّتي تجتاز البلاد خلال الشّهور هذه، و تتأهّب بعض الاقطار الشّقيقة لإقامة مهرجانات و مؤتمرات علميّة لها أمثال الهند، و الباكستان، و سوريّا، و كذا الجمهوريّة الاسلاميّة الإيرانيّة و الكتاب هذا، أثر قيّم و جهد حيويّ، ستقرأ تفاصيله في المقدّمة، و قد تصدّى إلى تحقيقه و إخراج أسانيد أحاديثه، و مصادره الأستاذ الدّكتور الشّيخ محمّد هادى‏

9

الأمينيّ نجل الفقيه المؤرّخ و الحجّة الثّبت شيخنا العلّامة الأمينيّ طيّب اللّه ثراه، مؤلّف كتاب «الغدير» و الواقع إنّه أعاد للكتاب أصالته العلميّة، و قيمته التّاريخيّة.

إنّ مديرة «مجمع البحوث الإسلاميّة» في الوقت الّذي تتقدّم بشكرها الجزيل لسدنة الرّوضة المقدّسة ترجو العليّ القدير التّوفيق و التّسديد في هذا الصّعيد الفكريّ و مواصلته لتقدّم إلى المكتبة الاسلاميّة و أبناء القرآن المتعة العلمية الحيّة، و البحوث التي تساند الثورة الاسلاميّة المظفّرة في زحفها المقدّس و من اللّه التّوفيق.

مجمع البحوث الاسلاميّة الآستانة الرضويّة المقدّسة مشهد- ايران‏

ص، ب: 3663 صفر 1406 ه. ق آبان 1364 ه. ش‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[مقدمة المحقق‏]

المقدّمة

لا مشاحّة في أنّ كتاب «خصائص الأئمّة» كان الباعث و الحافز للسّيّد رضيّ الدّين ذي الحسبين ... رضي اللّه عنه، في جمع و تأليف كتابه المقدّس «نهج البلاغة» و إن لم يكمل كتابه الأول، و لم يخرج منه غير خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلّا أنّ التّوفيق بكامله كان حليفه في تأليف كتابه الثّاني «نهج البلاغة» و الواقع انّ كتاب «الخصائص» يعتبر بابا لتأليفه الآخر كما صرّح في مقدّمة «النّهج» فقال:

- كنت في عنفوان السّنّ و غضاضة الغصن، ابتدأت بتأليف كتاب في «خصائص الأئمّة» يشتمل على محاسن أخبارهم، و جواهر كلامهم، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، و جعلته امام الكتّاب، و فرغت من الخصائص الّتي تخصّ أمير المؤمنين عليا- (عليه السلام)- و عاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الأيّام، و مماطلات الزّمان و كنت قد بوّبت ما خرج من ذلك أبوابا، و فصّلته فصولا، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه (عليه السلام)، من الكلام القصير في المواعظ، و الحكم، و الأمثال، و الآداب، دون الخطب الطّويلة، و الكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره، معجبين ببدائعه و متعجّبين من نواصعه-.

انّ هذا الكلام من الشّريف الأعلم ... إن دلّ على شي‏ء فإنما يدلّ على انّه كان يعرض و يقرأ كتاباته على تلاميذه، و الذين يحضرون مدرسته «دار العلم»

12

في بغداد للأخذ من موارد علمه الخصب و التي يتطلّع إليها كلّ لبيب، و ذى عقل، و طالب علم و أدب في اللّحظات كافّة ... فلما ألقى عليهم الفصل المتضمّن لمحاسن ما نقل عنه (عليه السلام)، تقدّموا إليه بطلب كريم ممّا جعله ينصرف عن إتمام كتابه «الخصائص» و يتحوّل إلى وضع خطط و أسس تأليفه القيّم «نهج البلاغة» فقال بعد كلامه السّالف بهذا الصّدد:

«و سألوني عند ذلك أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جميع فنونه، و متشعّبات غصونه، من خطب و كتب، و مواعظ و آداب، علما انّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة، و جواهر العربيّة، و ثواقب الكلم الدّينيّة و الدّنيويّة، ممّا لا يوجد مجتمعا في كلام، و لا مجموع الأطراف في كتاب».

و من هنا نجد الرّضيّ العليم يتحوّل بكامل حيويّته الأدبيّة و شخصيّته العلميّة الفذّة، إلى جمع كلام مشرّع الفصاحة و موردها، و منشأ البلاغة و مولدها، الإمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و يضع كتابه «الخصائص» جانبا و يندفع إلى التنقيب عن كلام الإمام (عليه السلام)، و جمعه من بطون المراجع و المصادر النّادرة، و من ثمّ تصنيفه و تقسيمه إلى ثلاثة أبواب:

الخطب و الأوامر ...

الكتب و الرّسائل ...

الحكم و المواعظ ...

و اجمع بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثمّ محاسن الكتب، ثمّ محاسن الحكم و الأدب، مفردا لكلّ صنف من ذلك بابا و مفصّلا فيه أوراقا.

و هكذا يتحوّل السّيّد الرّضيّ ... من كتاب «خصائص الأئمّة» إلى تأليف كتاب «نهج البلاغة» الّذي بلغ من السّموّ و الرّفعة و الخلود، ما لم يبلغه كتاب غير القرآن الكريم.

13

كتاب خصائص الأئمة

لقد سبق القول أن لم يخرج من هذا الكتاب غير الفصل الخاصّ بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ... و هو كبقيّة تصانيفه رضي اللّه عنه ... ضمّ بين دفّتيه العلم الكثير، و الأدب الجمّ، و الحيويّة الفكريّة، و تداوله العلماء و المؤلّفون على امتداد التاريخ، و نقلوه و استنسخوه و أكثروا من نسخه، و حافظوا عليه إلى يومنا هذا.

امّا الدّافع إلى تأليف كتاب «الخصائص» فقد ذكر ذلك في مقدّمة الكتاب فقال:- كنت حفظ اللّه عليك دينك، و قوّى في ولاء العترة الطّاهرة يقينك، سألتني أن أصنّف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الأئمة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم)، و بركاته، و حنانه، و تحيّاته، على ترتيب أيامهم، و تدريج طبقاتهم ذاكرا اوقات مواليدهم، و مدد أعمارهم ...

ثمّ يقول بعد كلام طويل: «فعاقني عن إجابتك الى ملتمسك ما لا يزال يعوق من نوائب الزّمان، و معارضات الأيّام إلى أن أنهضني إلى ذلك اتّفاق اتّفق لي، فاستثار حميّتي، و قوّى نيّتي، و استخرج نشاطي، و قدح زنادي، و ذلك انّ بعض الرّؤساء ممّن غرضه القدح في صفاتي، و الغمز لقناتي، و التغطية على مناقبي و الدّلالة على مثلبة إن كانت لي ... لقيني و أنا متوجّه عشيّة عرفة من سنة ثلاث و ثمانين و ثلاثمائة (383) هجريّة إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر، و أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى (عليهما السلام) للتّعريف هناك، فسألنى عن متوجّهي فذكرت له إلى أين قصدي؟ فقال لي: متى كان ذلك يعني انّ جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف، و البراءة ممن قال بالقطع، و هو عارف بانّ الإمامة مذهبي، و عليها عقدي و معتقدي، و إنّما أراد التنكيت لي و الطّعن على ديني، فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه، و استدعاه خطابه، وعدت و قد قوى عزمي، على عمل هذا الكتاب إعلانا لمذهبي، و كشفا عن مغيّبي، و ردّا على العدوّ الذي يتطلّب عيبي، و يروم ذمّي، و قصبى، و أنا بعون اللّه مبتدى بما ذكرت على التّرتيب الذي شرطت، و اللّه‏

14

المنقذ من الضّلال، و الهادي إلى سبيل الرّشاد-.»

فشرع بتأليف كتاب «الخصائص» عام 383 هجرى، و بعد الفراغ من خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام)، شرع في تأليف كتاب «نهج البلاغة» و من ثمّ لم يمهله الأجل المحتوم، و لم يسمح له بالعودة إلى كتابه «الخصائص» و الرّجوع إليه و إتمامه، فتوفّي سنة 406 هجرية.

نقل العلماء عن هذا الكتاب و استفادوا منه، و استشهدوا بنصوصه، و كانت منه عدّة نسخ خطّيّة في مكتبات ايران و العراق و الهند ... و طبع في النجف الأشرف سنة 1368 هجرية في 100 ص، و اعيد طبعه مرّات عديدة غير أنّ الكتاب جاء مشحونا بالأغلاط و التّصحيف و التّحريف، و لم ينل من المؤسف كله الحظّ من التّصحيح و التّحقيق و التّعليق، و المقابلة و مراجعة نصوصه، و تعيين مصادره و أسانيده فقد طبع كما وجد، و المطبوع نسخة المرحوم العلامة الجليل السيّد عبد الرزاق بن السيّد محمّد الموسوى المقرّم المتوفّى 1391 و قد كتبها عام 1349 هجري من نسخة مكتبة الفقيه الشيخ هادي بن الشيخ عبّاس آل كاشف الغطاء المتوفى 1360، و تاريخ كتابتها سنة 1300 هجرية.

و الغريب أنّ دور النشر أعادت طبع الكتاب على ما هو عليه من التّصحيف و التّحريف و الأغلاط، و لم تصحّح منه حتّى الأغلاط الإملائيّة و الكتابيّة.

لقد شاءت الأيّام أن أجعل الكتاب في قائمة الكتب التي نويت تحقيقها، و تصحيحها، و إخراجها بصورة صحيحة بحول اللّه و قوّته ... منذ أمد بعيد حسبما يقتضيه، و يتطلّبه الوقت و التّوفيق ... بيد انّ الذّكرى الألفيّة على وفاة الشّريف الرّضيّ (كرّم اللّه وجهه) ... دفعتني إلى تحقيقه و جعله في الرّعيل الاوّل من تلكم الكتب، فتقدّمت إلى تحقيقه، و إخراجه مع تزاحم أعمالي الفكريّة، و تراكم شئوني في حقلي البحث و التّأليف.

عملي في تحقيق الكتاب:

امّا منهجي في تحقيق الكتاب، فقد فتّشت عن نسخ الكتاب و قلّبت‏

15

فهارس خزائن الكتب، إلى أن وقفت على أقدم نسخة مخطوطة منه كتبت في القرن السادس الهجرىّ، و هي من مخطوطات إحدى مكتبات الهند و توجد مصوّرتها بالميكروفيلم في مكتبة العلامة السّيّد عبد العزيز الطباطبائي في مدينة- قم- فتفضل بها عليّ مشكورا، و تقع في 40 ورقة كتبت على عمودين 21* 30 في كل صفحة 25 سطر طوله 8 سنتيم و عليها خطوط و تملّكات عتيقة مؤرّخة، و هي مصحّحة من قبل الإمام الفقيه السّيّد ضياء الدّين أبي الرّضا فضل اللّه بن عليّ بن عبيد اللّه الحسنيّ الرّاونديّ الكاشانيّ المتوفّى 570 هجرى. بالإضافة إلى الزيادات الحاصلة فيها، و قد جعلتها في الأخير و ألحقتها بآخر الكتاب.

ففي الصفحة الأولى من النّسخة جاء ما لفظه:

- قرأ الخصائص عليّ ... وجيه الدّين فخر العلماء أبو عليّ عبد اللّه بن الحسين بن أبي القاسم دامت نعمتهما، و رويتها له عن شيخي أبي الفتح إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الإخشيد السّراج، عن أبي المظفّر عبد اللّه بن شبيب عن أبي الفضل الخزاعيّ، عن الرّضيّ رضي اللّه عنه، و كتبه فضل اللّه بن عليّ الحسنيّ ابن الرضا الرّاونديّ في ذي القعدة من سنة خمس و خمسين و خمسمائة (555) حامد اللّه تعالى مصلّيا على-.

و جاء في آخرها:

- تمّت كتابة كتاب خصائص الأئمة (عليهم السلام)، و فرغ من كتبه العبد المذنب الرّاجي إلى غفران اللّه و عفوه عبد الجبّار بن الحسين بن أبي العمّ الحاجّ الفراهانيّ، السّاكن لقرية خومجان عمرها اللّه يوم الأربعاء الرّابع من شوّال سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة. مائة غفر اللّه له و لوالديه و لجميع المؤمنين و المؤمنات، إنّه الغفور الرّحيم-.

16

الصّفحة الأولى من نسخة الفقيه الرّاونديّ‏

17

أوّل الكتاب من نسخة الإمام الرّاونديّ‏

18

آخر النّسخة المذكورة

19

و جاء في موضع آخر من الكتاب:

- انتهت الزّيادة ...

بحمد اللّه و منّه و صلواته على نبيّه محمّد و آله أجمعين.

و فرغ من كتبه العبد المذنب عبد الجبّار بن الحسين بن أبي العمّ الحاجي الفراهانيّ يوم الاربعاء التاسع عشر من جمادى الأولى من سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة (553) في خدمة مولانا الأمير الأجلّ السّيّد ضياء الدّين تاج الإسلام أبي الرّضا فضل اللّه بن عليّ بن عبيد اللّه الحسنيّ أدام اللّه ظلّه، و قد آوى إلى قرية جوسقان راوند متفرّجا حامدا للّه و مصلّيا على النّبيّ و آله أجمعين و السّلام-.

و جاء في هامش الصّفحة الأخيرة:

- وقع الفراغ من سماع هذا الكتاب بقراءة من قرأه على السّيّد الأجلّ الإمام ضياء الدّين تاج الإسلام حرس اللّه ... وقت الزّوال في يوم الخميس من شهر جمادي ...

سنة أربع و خمسين و خمسمائة حامدا للّه و مصلّيا على نبيّه محمّد و آله أجمعين-.

لقد حقّقت النّسخة و أعلمت مصادر الموضوعات، و الأحاديث الواردة فيها، بصورة كاملة إلى جانب ذكر أسانيد الأخبار و الرّوايات، بالإضافة إلى مقابلة نصوص النّسخة مع سائر المراجع و المصادر التي وردت فيها تلكم النّصوص.

و ختاما شكرى المتواصل لأعضاء- مجمع البحوث الإسلاميّة- متمنّيا لهم التّوفيق و النّجاح في إخراجهم الكتاب بهذا الشّكل الأنيق ... كما أرجو اللّه تعالى بعملي هذا بعد أن حقّقت أصل الكتاب و ضبطت نصوصه و يسّرته للانتفاع به ... أن يجعله مقرونا بالقبول، و أن ينفع به انّه نعم النّصير ... و أكرم مسئول ...

أبو علي محمّد هادي الأميني عفا اللّه عنه و عن والديه محرم 1406 ه. ق‏

20

[مقدمة المقرم‏]

الشّريف الرّضيّ‏ (1)

أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد الطّاهر «ذي المنقبتين» الحسين بن موسى الأبرش بن محمّد الأعرج بن موسى «المعروف بأبي سبحة» بن إبراهيم (الأصغر) بن الإمام موسى بن جعفر (عليهم السلام).

و أمّه فاطمة بنت أبي محمّد الحسين النّاصر الصّغير بن أبي الحسين أحمد (2) ابن محمّد النّاصر الكبير الأطروش‏ (3) بن عليّ بن الحسن بن عليّ الأصغر ابن عمر الأشرف بن الامام زين العابدين (عليهم السلام).

كانت أسرة الشّريف من طرف الأبوين بها ليل مساعير، فيهم من دوّخ الملوك، و نابغ في العلم و الأدب، و شاعر مجيد، و لأبيه الطّاهر ذي المنقبتين احمد المقام الرفيع في الدّولة مع إباء و شهامة (4) و قد قلّد النّقابة خمس مرّات‏ (5)، و

____________

(1)- هذه التّرجمة كانت بقلم المرحوم السّيّد عبد الرّزّاق المقرم ... و قد اجريت عليها زيادات هامّة.

(2)- سمّاه ابن الأثير ج 8(ص)26 حوادث سنة 301 الحسن.

(3)- عند ابن الأثير السّبب في صممه ضربة بالسّيف على رأسه في حرب محمّد بن زيد.

(4)- يشهد لذلك ما في معجم الأدباء ج 2(ص)110 ط 2 ان أحمد بن إبراهيم الضّبيّ الوزير توفّى سنة 399 في بروجرد و أوصى ان يدفن بمشهد الحسين (عليه السلام)، و كتب ابنه الى أبي بكر الخوارزميّ شيخ الحنفيّة في بغداد أن يبتاع له تربة في المشهد الحسينيّ فذكر أبو بكر للشّريف الطّاهر أبي أحمد (والد الرّضيّ و المرتضى) فقال: هذا رجل قد التجأ إلى جوار جدّي و لا اخذ على تربته ثمنا، ثمّ اخرج تابوته الى (براثا) و خرج معه الشّريف أبو أحمد و الأشراف و الفقهاء، و صلّى عليه الشّريف أبو احمد، و اصحب معه خمسين رجلا من خاصّته حتّى أو صلوه الى كربلاء و دفن هناك.

(5)- شرح النّهج الحديدي ج 1(ص)10.

21

تولّى النّظر في المظالم، و الحجّ بالنّاس مرارا (1)، و انّ جلالة قدره أهلته للسّفارة بين معزّ الدّولة، و الاتراك، و بين بهاء الدّولة، و صمصام الدّولة، كما توسّط للصّلح بين بهاء الدّولة، و مهذّب الدّولة (2). و كان رسولا من معزّ الدّولة إلى عضد الدّولة في ردّ غلام أسر عنده‏ (3) و وسيطا في الصّلح بين معزّ الدّولة، و بين أبي تغلب بن حمدان‏ (4) إلى أمثال هذه القضايا الّتي لم يعهد بها إلّا لذي كرامة ساميّة بين الجماهير، و احترام ذاتيّ غير مستعار.

و أمّا عمّ الشّريف الرّضيّ، و هو أبو عبد اللّه أحمد بن موسى الأبرش، فلم يكن خامل الذّكر وضيع الشّأن، يعرّفنا خروجه إلى واسط لاستقبال بهاء الدّولة، و كان من الطّالبيّين الذين أسهموا بالفخار و الكرامة، فإنه لا يستقبل الملوك إلّا من يعرفه الملوك، و يقدرون موقفه و منزلته.

و من أسرة والدته: أبو عليّ الشّاعر المجيد الّذي أشخصه الرّشيد من الحجاز، و حبسه في بغداد و افلت من حبسه و اختفى فيها (5).

و محمّد بن القاسم الصوفيّ الزّاهد الفقيه الّذي ظهر أيّام المعتصم في (الطّالقان) و قبض عليه ابن طاهر و انفذه الى بغداد فسجن ثمّ فرّ فاخذ و قتل صبرا (6).

و النّاصر الأطروش صاحب الدّيلم‏ (7). و النّاصر الصّغير الحسن بن أحمد بن‏

____________

(1)- وفيات الأعيان ج 2(ص)107 ط ايران.

(2)- ذيل تجارب الأمم(ص)268 حوادث سنة 835.

(3)- المنتظم لابن الجوزيّ ج 7(ص)83 حوادث سنة 366.

(4)- ابن الأثير ج 8(ص)208.

(5)- شاعر مغمور لم أجد له ترجمة في المعاجم.

(6)- أبو جعفر محمّد بن عليّ بن عمر الحسينيّ العلويّ الطّالبىّ المقتول بعد 219 و كان يلقب بالصّوفيّ لإدمانه لبس ثياب من الصّوف الابيض، و هو فقيه عالم زاهد قال المسعوديّ: و قد انقاد الى امامته خلق كثير.

مقاتل الطّالبيّين/ 577. البداية و النّهاية 10/ 282. الاعلام 7/ 225.

(7)- الحسن بن عليّ بن الحسن بن عليّ العلويّ الاطروش ...

اعيان الشّيعة 21/ 170. تاريخ الطّبرى 10/ 149.

22

النّاصر الكبير أبى محمّد الحسن بن عليّ الحسينيّ المقتول بآمل سنة 304 و النّقيب ببغداد صاحب النّاصريّات في الفقه المطبوع مع عدة كتب في مجموع عرف (بجامع الفقه) (1).

و كانت والدة الشّريف الرّضي فاطمة من النّساء البرزة الرّزان، أرضعته مع درّها امانى النّقابة و الخلافة، و قصّت عليه مآثر آبائها المصاليت البهاليل، و انفحته بالمال الّذي احتوت عليه من آبائها، و في رثائها يقول الشّريف ولدها:

آباؤك الغرّ الّذين تفجّرت‏* * * بهم ينابيع من النّعماء

من ناصر للحقّ أو داع إلى‏* * * سبل الهدى أو كاشف الظّلماء

نزلوا بعرعرة السّنام من العلى‏* * * و علوا على الأثباج و الأمطاء (2).

كانت فاطمة والدة الشّريف الرّضيّ، ابنة أخت زوجة معزّ الدّولة أميرة البلاط، و ابنة خالة بختيار بن عزّ الدّولة، و هذه المصاهرة عقدت على حساب و تدبير، و من أسبابها تجليل مقام النّاصر الكبير الأطروش الجدّ الأعلى لوالدة الشّريف الرّضي، و ربما كان أبو احمد والد الشّريف زوجها يعمل السّعاة الّذين يسرون بانباء العاصمة الى والي الأهواز معزّ الدّولة و يعرفونه ضعف الخلافة، و يستثيرون همّته لامتلاكها و لجلالة والدة سيّدنا الشّريف و كبر شأنها الّف شيخنا المفيد (3) كتاب احكام النّساء (4) لها فانه قال في أوله: فاني عرفت من آثار السّيّدة الجليلة الفاضلة ادام اللّه عزّها جميع الأحكام الّتي تعمّ المكلّفين من النّساء، و تخصّ النّساء منهنّ على التّمييز لهنّ، ليكون ملخّصا في كتاب يعتمد

____________

(1)- الذّريعة 20/ 370.

(2)- ديوان الشّريف الرّضيّ 1/ 20.

(3)- الشّيخ الأكبر أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن محمّد بن نعمان البغداديّ المتوفّى 413 ه.

(4)- الكتاب مرتّب على أبواب أوّله: الحمد للّه الّذي هدى العباد الى معرفته و يسرّ لهم سبيل ... كانت منه نسخة عتيقة في مكتبة المرحوم الشّيخ عبد الحسين بن القاسم بن صالح بن القاسم الحلّىّ المتوفّى 1377. و كان من شيوخ الأدب و مشاهير الفقهاء و له تأليف.

الذّريعة 1/ 302. معجم رجال الفكر و الأدب/ 137.

23

للدّين، و يرجع إليه فيما يثمر به العلم و اليقين، و اخبرتني برغبتها ادام اللّه توفيقها في ذلك إلخ‏ (1).

و على كلّ فالشّريف الرّضيّ كان بحاشيتي نسبه قابضا على عضادتي الإمامة فهو ابن الامامين زين العابدين عليّ بن الحسين، و ابي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام)، و من ناحية الاعمام و الاخوال يكرع بكؤوس الفخار و يتزمّل مطارف العلا و قد أثر هذا النّسب الوضاح في شعره و تمشى في أدبه فيقول:

ما عذر من ضربت به أعراقه‏* * * حتّى بلغن إلى النّبيّ محمّد

أن لا يمدّ إلى المكارم باعه‏* * * و ينال منقطع العلا و السّؤدد (2)

و من يقرأ شعر الشّريف الرّضيّ بتأمل يعرف نفسيّته و طموحه الى الخلافة و اولويّته بها و تباهيه بخيمه، و تمجده بآبائه الاكارم، و شعره ميادين حروب، و غمرات اجال، و شعور ملتهب، و نفس جائشة تتلمّص للوثبة و الانطلاق و التّحرر كل ذلك للاغلال الّتى ارهق بها رهطه الانجاد و السّجون التي اوصدت عليهم، و الدّماء السّواجم الّتي أراقتها سيوف الظّلم و العدوان و التّمادي و هذا هو الّذي أودع فيه روحا متحمّسة و ثابة ماثلة بين عيني المتصفّح لديوانه.

و لا غرابة في ذلك بعد ان انحدر السّيّد الشّريف من أصلاب الشّرف العلويّ، و درت عليه اخلاف المجد الهاشميّ، و بزغ في ظلال اسرة الزّعامة و العظمة، و درج في احضان الإمامة فكان لهذا أثر بليغ في ترفّعه و شممه و محاولاته و عواطفه و ميوله، حتى اوجب لنفسه الكفاية في تسنّم اريكة الخلافة، فيقول مخاطبا الخليفة العباسيّ القادر باللّه:

عطفا أمير المؤمنين فإنّنا* * * عن دوحة العلياء لا نتفرّق‏

ما بيننا يوم الفخار تفاوت‏* * * أبدا كلانا في المعالي معرق‏

____________

(1)- مستدرك الوسائل 3/ 516.

(2)- ديوان الشريف الرضي 1/ 273.

24

إلّا الخلافة ميّزتك فانني‏* * * انا عاطل منها و انت مطوّق‏ (1)

فلم ينكر عليه الخليفة و لا استظهر بطيب مغرسه، نعم ردّ عليه بقوله:

(على رغم أنف الشّريف) (2)

ان نفس الشّريف أبية صعبة المراس ذات اتّجاهات واسعة في السّياسة، و كان الامراء و رجال الدّولة يقدّمونه على اخيه «علم الهدى» لما يجدون فيه من الآباء و العزّة و التّرفّع، و عدم قبول الصّلات.

و لكنّه بالرّغم من ذلك كان خاضعا لحكم عضد الدّولة الشّائن مع عمه و ابيه المعتقل لهما في القلعة من فارس‏ (3).

و كان اعتقاله حين دخول عضد الدّولة الى بغداد سنة 367 فبقى معتقلا فيها الى سنة 376 أي بعد وفاة عضد الدّولة بأربع سنين فانه توفّى سنة 372 عند ما دخلها شرف الدّولة، و للشّريف الرّضيّ المولود سنة 359 يوم اعتقال أبيه ثمان سنين، و اطلق سراحه و هو ابن ستّ عشرة سنة (4).

و لمّا دخل شرف الدّولة بغداد فاتحا سنة 375، انعقدت صلاته مع الطّاهر ابي أحمد، والد الشّريف الرّضيّ و أقرّه على النّقابة و أدنى قربه، و هنا نرى الشّريف الرّضيّ في هذا الدّور قلق الفكر لعدم توثق صلاته بالقادر بالله العبّاسىّ و لم يحصل على محاولاته و ربما عضته نكبة في حياته السّياسيّة، فيثور ملتهبا و ينبّه أولياء الأمور باهتضامه و يتوعّدهم بالالتجاء الى من يرعى حقّه و يحفظ حرمته فيقول من مقطوعة له:

ألبس الذّلّ في ديار الاعادي‏* * * و بمصر الخليفة العلويّ‏

و عليها استشاط القادر، و صرفه عن النّقابة.

____________

(1)- ديوان الشّريف الرّضىّ 2/ 544.

(2)- شرح النّهج لابن أبي الحديد 1/ 11.

(3)- تجارب الأمم 2/ 399 حوادث سنة 369 هج.

(4)- الشّريف الرّضيّ/ 156 و 157.

25

وظائفه في الدّولة

في سنة 388 قلّده بهاء الدّولة خلافته في بغداد و خلع عليه خلعا فاخرة، و فيها ولّاه نقابة العلويّين، و اما ولاية المظالم فكانت وظيفة تخصّ الملوك و الخلفاء فانهم يجلسون يوما خاصّا في السّنة، يؤذن فيه لارباب المظالم برفع ظلاماتهم مباشرة سواء نظر فيها القضاة أم لا، و قد يقوم مقامهم نائب خاصّ ينظر في المظالم و يشترط فيه كونه من بيت شرف و منعة و طهارة و عفاف و فقه واسع بجميع الاحكام الشّرعيّة، ففي سنة 388 قام الشّريف الرّضيّ بهذه الوظيفة بالنّيابة عن بهاء الدّولة.

و في سنة 397 بعث بهاء الملك من البصرة الى بغداد مرسوما، بتولية الشّريف امارة الحجّ، و كان الشّريف ممارسا لها منذ صباه تولّاها في أغلب أعوام عمره نائبا عن أبيه و مستقلّا (1).

ألقابه‏

انّ من العادات القديمة المنتشرة بين جميع الأمم و الشعوب أيّا كان شكل حكومتها منح الألقاب لزعماء الدّولة، و ظالما تزلف بها رجال الحكم لرعاياهم ليصطنعوهم بها، و قد استكان ذووا الألقاب لاولئك الذين منحوهم بها ما يخوّل لهم حقّ الرّفعة على من كان عاطلا منها.

و على هذا جرت الحكومات الإسلامية في تقدير عظمائها باسداء ألقاب اليهم، و كان الشريف الرضي ممن يحمل أسمى الألقاب التي يرمز بها الى مقامه الفخم، فقد لقبه بهاء الدولة في سنة 388 (بالشريف الجليل) في واسط، و سيّره إلى بغداد في موكب ملوكي و في سنة 498 صدر مرسوم من واسط بتلقيبه (بذي المنقبتين) و فيها لقبه بهاء الدولة (بالرضي ذي الحسبين) و في سنة 401 أمر الملك قوام الدين أن تكون المكاتبة مع الشريف بعنوان (الشريف‏

____________

(1)- الغدير 4/ 204. البداية و النهاية 11/ 335.

26

الأجلّ) مضافا إلى مخاطبته بالكنية (1).

علمه‏

لقد كان الشّريف مجيدا في العلم الى الغاية كإجادته في الشّعر غير انّه لم يكثر منه كاكثاره في الشّعر، فلذلك لم يشتهر به، و إن كتابه «حقايق التّأويل» اكبر آية على إتقانه للفنون العلميّة الدّينيّة و مبادئها و وقوفه على اسرارها، و لعلّ السّبب الوحيد في قلة تأليف الشّريف اشتغاله بشطر كبير من عمره بامارة الحجّ، و النّظر في المظالم، و مقتضيات النّقابة، و هذه الأحوال لا تتّفق مع التّأليف و البحث، اضف الى ذلك شغل الوقت بالنّظم في الأعياد و المواسم السّنويّة و ما يتّفق في العام الواحد من مراث و تهان و معاتبات.

و مع هذا فانا نعرف من شهادة ابن جنيّ، و السّيرافيّ، بأنّه متوقّد الذّكاء جيّد الحفظ سريع الانتقال و لمّا تتمّ له العشرون سنة حضر عند ابن السّيرافيّ النّحويّ، و له دون العشرة فقال له يوما: إذا قلنا رأيت عمر فما علامة النّصب في عمر؟ فقال الشّريف على البديهة: علامة النّصب بغض عليّ، فتعجّب ابن السّيرافيّ و من حضر من سرعة انتقاله و هو بهذا السّنّ‏ (2).

و محاوراته مع أخيه المرتضى تشهد بفقاهة الشّريف و معرفته بطرق الاستدلال و الاجتهاد، قال الشّهيد الاوّل‏ (3) في «الذّكرى» (4)، و الشّهيد الثّاني‏ (5) في‏

____________

(1)- الغدير 4/ 204.

(2)- وفيات الأعيان 1/ 107 ط حجر ايران.

(3)- شمس الملّة و الدّين الامام الشيخ محمّد بن جمال الدّين مكيّ بن محمّد بن حامد بن أحمد العامليّ النّبطيّ الجزينىّ المستشهد سنة 786 و هو اوّل من اشتهر بهذا اللّقب. شهداء الفضيلة/ 97- 80.

(4)- ذكرى الشّيعة في احكام الشّريعة. في الفقه خرج منه كتاب الطّهارة و الصّلاة بعد مقدّمة فيها سبع اشارات في المباحث الاصوليّة. و للفقهاء عليه حواش و شروح و قد طبع الكتاب في ايران عام 1271 حجر.

الذريعة 6/ 86 و 10/ 40

(5)- الشيخ الإمام شرف الإسلام زين الدين بن الامام نور الدين عليّ بن أحمد بن محمّد بن جمال الدّين بن تقىّ الدّين بن صالح الجبعىّ العامليّ المستشهد 965 و المعروف لدى فقهاء الإماميّة-

27

(روض الجنان) (1) سأل الرّضيّ، أخاه المرتضى، فقال: ان الإجماع واقع على انّ من صلّى صلاة لا يعلم احكامها فهي غير مجزية فأجاب المرتضى: بجواز تغيير الحكم الشرعيّ بسبب الجهل.

فهذه المناظرة تدلّ بأنّ له قوّة في الاستدلال و ملكة راسخة في الاستنتاج.

دار العلم‏

اتّخذ الشّريف الرّضيّ لتلامذته مدرسة سمّاها «دار العلم» و ارصد لها مخزنا فيه ما يحتاجه الطّلاب، و ذكر شاهدا له انّ الوزير المهلبيّ لما بلغه ولادة ولد للشريف ارسل إليه الف دينار فردها، فبعث إليه الوزير انّ هذا للقابلة فارجعها ثانيا يعلمه: أنّا أهل بيت لم تكن قوابلنا غريبة، و انما هي من عجائزنا و لا يأخذن اجرة و لا يقبلن صلة، فاعلمه الوزير برغبته في تفريقه على ملازميه من طلّاب العلم، فقال الشّريف: لمن رجع بالمال انّهم حضور يسمعون كلامك، فقام أحدهم و أخذ دينارا و قطع منه قطعة ورد الباقي، و أخبر الشّريف بانه احتاج ليلة إلى دهن السّراج و لم يكن الخازن حاضرا و قد اقترض هذا المقدار فأمر السيّد أعلى اللّه مقامه، أن يتّخذ للخزانة مفاتيح بعدد التّلاميذ و لا ينتظر الخازن‏ (2).

و في هذه الدّار كان الشّريف يلقي على التّلاميذ افاداته و دروسه يوميا متتابعة لا يشغله عن ذلك وظائف الدّولة من النّقابة و غيرها، و لم يتعلّل بزيارة زائر او مدح خليفة او قصيدة في حميم فانّ هذا كلّه نقض لهمم الطّلاب وفت في عزيمتهم.

____________

بالشّهيد الثّاني. له تصانيف كثيرة و ديوان شعر. شهداء الفضيلة/ 132- 164.

(1)- روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان ... كتاب في الفقه خرج منه موضوع الطّهارة و الصّلاة اوله:

الحمد للّه المتفضّل بشرح معالم شريعته لارشاد الأنام المتطوّل بارسال الرّسل ... طبع في ايران سنة 1307.

الذّريعة 11/ 275.

(2)- روضات الجنّات 6/ 194. عمدة الطّالب/ 199.

28

على انّ دار العلم لم تكن مدرسة فقط بل هي مكتبة أيضا فيها من امّهات الكتب ما يحتاج إليه القاطن في المدرسة و غيره، فهي كبيت الحكمة المؤسّس للرشيد، و المكتبة الحديثة التي انشأها وزير شرف الدّولة البويهيّ أبو نصر سابور بن اردشير سنة 381 و كان أبو أحمد عبد السّلام بن الحسين البصريّ خازن (دار العلم) و لعبد السّلام هذا مجمع علمي خاصّ ببغداد ينعقد يوم الجمعة من كلّ اسبوع.

أساتذته‏

قرأ الشّريف على جماعة كثيرة منهم:

1- أبو بكر محمّد بن موسى الخوارزميّ قرأ عليه «مختصر الطّحاويّ» في الفقه‏ (1).

2- أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّبعىّ البغداديّ النّحويّ المتوفّى 420 قرأ عليه النّحو (2).

3- أبو الفتح عثمان بن جنّيّ الموصليّ مات 392 قرأ عليه «مختصر الجرميّ»، و قطعة من «إيضاح» ابي عليّ الفارسيّ، و «العروض» لأبي إسحاق الزجاج، و «القوافي» للاخفش‏ (3).

4- ابن السّيرافيّ النّحويّ أبو سعيد الحسن بن عبد اللّه بن المرزبان المتوفّى 368 قرأ عليه النّحو قبل ان تتمّ له العشرة (4).

5- ابن نباتة أبو يحيى عبد الرّحيم بن محمّد المتوفّى 394 صاحب «الخطب» (5).

____________

(1)- المجازات النّبوية/ 92. فصّلنا القول عن شيوخه في كتابنا (الشّريف الرّضيّ).

(2)- المجازات النبويّة/ 250.

(3)- حقائق التّأويل/ 85 و 86. الغدير 4/ 184.

(4)- الغدير 4/ 183.

(5)- المجازات النّبويّة/ 233.

29

6- قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد الشّافعيّ المعتزلىّ، قرأ عليه كتابه «شرح الأصول الخمس»، و كتابه «العمدة» في أصول الفقه‏ (1).

7- أبو حفص عمر بن إبراهيم الكنانيّ، صاحب ابن مجاهد قرأ عليه «القراءات» بروايات كثيرة (2).

8- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد الطّبريّ الفقيه المالكيّ قرأ عليه «القرآن المجيد» و هو شابّ‏ (3).

9- شيخ الأمّة و فقيه الطّائفة و متكلّمهم الشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان البغداديّ المتوفّى 413. و كان السّبب في ملازمته مع أخيه علم الهدى له ما يحدث عنه المؤرّخون و هو:

عن فخار بن معدّ الموسويّ، قال: رأى الشّيخ المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان الفقيه الإماميّ في منامه كأنّ فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، دخلت عليه و هو في مسجده بالكرخ و معها ولداها الحسن و الحسين (عليهما السلام) صغيرين، و قالت له: علمهما الفقه فانتبه متعجّبا من ذلك، فلمّا تعالى النّهار في صبيحة تلك اللّيلة الّتي رأى فيها الرّؤيا، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت النّاصر و حولها جواريها، و بين يديها ابناها محمّد الرّضيّ، و عليّ المرتضى صغيرين فقام إليها و سلّم عليها، فقالت: أيّها الشّيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلّمهما الفقه، فبكى أبو عبد اللّه و قصّ عليها المنام و تولّى تعليمهما، و أنعم اللّه عليهما، و فتح لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدّنيا، و هو باق ما بقى الدّهر (4).

و لا غرابة في ذلك بعد ان كانت والدتهما من اشراف النّساء، و سليلة آبائها

____________

(1)- الغدير 4/ 184. المجازات النّبويّة/ 233.

(2)- المجازات النّبويّة/ 155. الغدير 4/ 185.

(3)- الغدير 4/ 185. المنتظم 7/ 223.

(4)- الدّرجات الرّفيعة/ 466. شرح ابن أبي الحديد 1/ 13. الغدير 4/ 184. دار السّلام 1/ 417.

30

علماء ادباء و ملوك، و لأجلها صنّف الشّيخ المفيد رسالة في احكام النّساء، و كان مجيئها إلى المفيد بولديها أيّام اعتقال أبيهما، و عمّهما بالقلعة من فارس، و هما صغيران حينئذ، و للرّضيّ ثمان سنين.

10- و كان ممن يروي عنهم أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ المتوفّى 385 و ذكر في (خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام)) عنه حديث أمير المؤمنين مع كميل بن زياد و هو طويل‏ (1).

و لسنا في حاجة الى تعداد تلاميذه بعد أن عرفنا مدرسته (دار العلم) تحتوي على عدد كثير ممن يقطن هذه الدّار للافادة منه و الاستضاءة بانوار علومه و تحقيقاته.

نعم: هنا شي‏ء لا بدّ من التّنبيه عليه، و هو ان صاحب «روضات الجنّات‏ (2)» ذكر رواية الشّيخ الطّوسي عن الشّريف الرّضيّ، و قد عرفنا الميرزا النّوريّ انّ السّيّد الرّضيّ توفّى سنة 406 و قدوم الشّيخ الطّوسيّ الى العراق سنة 408 فيكون ورود الشّيخ الطّوسيّ الى العراق بعد وفاة السّيّد الرّضيّ بأربع سنين فلم يدركه حتّى يروي عنه، و احتمال مسافرة الشّريف إلى طوس و اجتماعه بالشّيخ الطّوسيّ هنا بعيد، اذ لم يذكره أحد من أرباب التّراجم و لا نبّه عليه المؤرّخون مع ان الشّريف في أكثر أيّام سنيّه كان مشغولا بامر النّقابة و ولاية المظالم و امارة الحجّ‏ (3).

____________

(1)- و ذكر شيخنا الحجّة العلّامة الأميني (كرّم اللّه وجهه) شيوخا آخرين للسّيّد الرضيّ غير من ذكرناهم و هم: أبو عليّ الحسن بن أحمد الفارسيّ النّحوىّ المتوفّى 377 و له منه اجازة يروى عنه في كتابه المجازات النّبويّة.

أبو عبد اللّه محمّد بن عمران بن موسى المرزبانيّ الخراسانيّ المتوفّى 384/ 378.

ابو القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى بن داود بن الجراح ... شيخه في الحديث كما في المجازات النبويّة/ 153.

ابو محمّد عبد اللّه بن محمّد الأسديّ الاكفانيّ.

(2)- روضات الجنّات 6/ 190.

(3)- مستدرك الوسائل 3/ 510.

31

آثاره‏

للشّريف الرّضيّ مؤلّفات كثيرة مفعمة بالتّحقيق و البحث مع قصر المدّة الّتي تمكّن فيها من ذلك الانتاج، فان عمره كلّه 47 سنة قضى أكثره في مزاولة وظائف الدّولة و القاء دروسه و محاضراته في مدرسته (دار العلم) و قرضه الشّعر، و محاولاته السّياسيّة و مجاملاته مع الخلفاء و الملوك، فما بقى إلّا النّزر من ايّامه خصوصا بعد اخراج سنيّ الطّفولة من تلك القائمة فها هنا تعرف ان انتاج الشّريف لتلك المؤلّفات القيّمة اعجاز، و هذا ما وصل الينا من مؤلّفاته:

1- «نهج البلاغة» جمع فيه ما اختاره من خطب أمير المؤمنين (ع)، و حكمه، و رسائله، و أشار إليه في المجازات النّبويّة(ص)40 طبعة مصر (1).

2- «تلخيص البيان عن مجاز القرآن» قال ابن خلّكان فيه: انه نادر في بابه، و أشار إليه الشّريف في المجازات النّبويّة(ص)20 ط مصر و طبع في بغداد سنة 1328.

3- «المجازات النّبويّة» من انفس المؤلّفات في هذا الشّأن طبع أوّلا سنة 1428 ببغداد و ثانيا سنة 1356 في مصر.

4- «حقايق التّأويل في متشابه التّنزيل»: و هو تفسيره ذكره في كتابه- المجازات النّبويّة- و عبّر عنه تارة بحقائق التّأويل، و اخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن. و عبر عنه النّجاشيّ بحقائق التّنزيل، و صاحب عمدة الطّالب بكتاب المتشابه في القرآن.

5- «الزّيادات في شعر ابي تمام».

6- «اخبار قضاة بغداد».

7- «تعليق خلاف الفقهاء».

8- «تعليق على الإيضاح» لأبي عليّ الفارسيّ.

____________

(1)- لقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجم له بما يربو على السبعين شرحا تجده في الغدير 4/ 186- 193.

32

9- ما دار بينه و بين الصّابيّ من الرّسائل و الشّعر.

10- «المختار من شعر أبي إسحاق الصّابيّ».

11- «المختار من شعر ابن الحجّاج» سمّاه: «الحسن من شعر الحسين».

12- رسائله ثلاث مجلدات ذكر في (الدّرجات الرّفيعة) بعضها و نشرت مجلة العرفان بعضها.

13- «سيرة والده الطّاهر أبي احمد» ألّفه سنة 379.

14- «معاني القرآن». و هو كتابه الثّالث في القرآن.

15- «الزّيادات» في شعر ابن الحجّاج المذكور.

16- «انشراح الصّدر» في مختارات من الشّعر.

17- «طيف الخيال».

18- ديوان شعر يقع في مجلدين طبع في مصر و لبنان.

19- «خصائص الأئمّة»- خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هو الكتاب الّذي بين يديك.

و قد ذكرت هذه الكتب في «رجال النّجاشىّ»/ 283 و «روضات الجنّات» 6/ 194 و «الغدير» 4/ 198. و «كشف الظّنون» 1/ 523 و مصادر ترجمة الشّريف الرّضيّ.

وفاة الشّريف‏

توفّي الشّريف الرّضيّ بكرة يوم الأحد سادس المحرم سنة 406 ببغداد، و عمره 47 سنة و ولادته كانت سنة 359 ببغداد، و دفن في دار بالكرخ بخط مسجد الأنباريّين‏ (1) و حضره الوزير فخر الملك أبو غالب، و جميع الاشراف و القضاة، و الشّهود، و الأعيان، و صلّى عليه الوزير فخر الملك في الدّار مع جماعة أمّهم أبو عبد اللّه بن المهلوس العلويّ، ثمّ دخل النّاس أفواجا فصلّوا عليه،

____________

(1)- ينسب اليهم لكثرة من سكنه منهم.

33

و ركب فخر الملك في آخر النّهار فعزّى المرتضى و الزمه الى داره ففعل لأنّه من جزعه عليه لم يستطع النّظر الى تابوته و مضى الى مشهد موسى بن جعفر (عليه السلام)(1).

و استغرب العلّامة النّوريّ عدم صلاة الشّيخ المفيد عليه، و هو شيخ الطّائفة و علم الأمّة، قال: إلّا أن يكون ذاهبا الى زيارة الحسين (ع) لأنّها أيّام عاشوراء، ثمّ نقل الشّريف الى كربلاء و دفن عند أبيه الطّاهر ابي احمد، نصّ عليه السّيّد الدّاودي في «عمدة الطّالب»(ص)200، و السّيّد علي خان في الدّرجات الرّفيعة بترجمة الرّضيّ، و الشّيخ الجليل الشّيخ يوسف البحرانيّ في «لؤلؤة البحرين(ص)197، و السّيد بحر العلوم في «رجاله» بترجمة السّيّد المرتضى قال: الظاهر أنّ قبر السّيّد علم الهدى، و قبر أبيه و أخيه في المحل المعروف بابراهيم المجاب الّذي هو جدّ المرتضى، و ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، و ذكر العلّامة الحجّة المتتبّع السّيّد حسن الصّدر الكاظميّ في رسالته «نزهة أهل الحرمين» حاكيا عن مشجرة النّسّابة العبيد جمال الدّين أحمد بن المهنا، أن قبر إبراهيم المجاب، خلف قبر الحسين (عليه السلام) بستة اذرع.

و يظهر من التّاريخ ان قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر الحسينيّ المقدّس و هذا قريب إلى الاعتبار لأنّ بنى إبراهيم المجاب قطنوا كربلاء و جاوروا الامام السّبط (عليه السلام) فاتّخذ بنوه تربته مدفنا لهم و كان من قطن منهم بغداد و البصرة و نقلوا الى كربلاء بعد موتهم، و كانت تولية تلك التّربة المقدّسة بيدهم و ما كان يدفن فيها أي أحد إلّا باجازة منهم‏ (2)

____________

(1)- الغدير 4/ 210. المنتظم 7/ 283.

(2)- مصادر ترجمة الشريف الرضي.

34

أبو الرّضا الرّاونديّ‏

ضياء الدّين السّيّد فضل اللّه بن عليّ بن عبيد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن أبي الفضل عبيد اللّه بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن محمّد بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام).

كان علّامة زمانه، و عميد أقرانه جمع إلى علوّ النّسب كمال الفضل و الحسب، و كان استاذ أئمّة عصره، و رئيس علماء دهره، و هو من أساتيذ ابن شهرآشوب، و الشيخ محمّد بن الحسن الطّوسيّ والد الخواجة نصير الدّين الطّوسيّ، و من تلاميذ الشّيخ أبي عليّ ابن شيخ الطّائفة الطّوسيّ.

روى عن الشّيخ العلّامة أبي عليّ الفضل بن الحسن الطّبرسىّ. و أبي عليّ الحدّاد. و الشّيخ أبي جعفر النّيسابوريّ. و أبي الفتح بن أبي الفضل الإخشيدىّ، و خلق آخرين من الشّيعة و السّنة كما روى عنه أكثر أهل عصره، و له تصانيف و و شروح في مختلف المواضيع و البحوث.

قال أبو سعيد السّمعاني الشّافعيّ في كتابه (الأنساب): انّي لما وصلت إلى كاشان قصدت زيارة السّيّد أبي الرّضا ضياء الدّين فلما انتهيت إلى داره، وقفت على الباب هنيهة أنتظر خروجه فرأيت مكتوبا على طراز الباب هذه الآية المشعرة بطهارته و تقواه: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فلما اجتمعت به رأيت منه فوق ما كنت أسمعه عنه، و سمعت‏

35

منه جملة من الأحاديث، و كتبت عنه مقاطيع من شعره، و من جملة أشعاره التي كتبها لي بخطّه الشّريف هذه الأبيات:

هل لك يا مغرور من زاجر* * * أو حاجز عن جهلك الغامر

امس تقضى و غد لم يجئ‏* * * و اليوم يمضي لمحة الباصر

فذلك العمر كذا ينقضي‏* * * ما أشبه الماضي بالغابر

ترجم له في:

أعيان الشّيعة 42/ 296. أمل الآمل 2/ 217. الأنساب/ ورقة 181. تنقيح المقال 2/ 13. الدّرجات الرّفيعة/ 506. روضات الجنّات 5/ 365. تأسيس الشّيعة/ 181. ريحانة الأدب 4/ 9. فوائد الرّضوية/ 354. الكنى و الألقاب 2/ 435. مجالس المؤمنين 1/ 526. مستدرك الوسائل 3/ 493. منتهى المقال/ 242. هدية الأحباب/ 190. جامع الرّواة 2/ 9. راهنماى دانشوران 1/ 373 هدية العارفين 1/ 821. الغدير 4/ 186. الثّقات العيون/ 217. الذّريعة 9 ق 2/ 352. رياض العلماء 4/ 364.

36

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

كنت حفظ الله عليك دينك و قوى في ولاء العترة الطاهرة يقينك سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الأئمة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) و بركاته و حنانه و تحياته على ترتيب أيامهم و تدريج طبقاتهم ذاكرا أوقات مواليدهم و مدد أعمارهم و تواريخ وفاتهم و مواضع قبورهم و أسامي أمهاتهم و مختصرا من فضل زياراتهم ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها و استخرجت أقاويلهم فيها و لمعا من أسرار أحاديثهم و ظواهر و بواطن أعلامهم و نبذا من الاحتجاج في النص عليهم و حقيقة البرهان في الإشارة إليهم موضحا من ذلك ما يزيد به الولي المخلص إخلاصا في موالاتهم و صفاء عقد في محبتهم و يصدع عن عين عدوهم العمى و يكشف عن قلبه الغمى حتى يستشف أنوارهم فيسعوا إليها و يستوضح أعلامهم فيتتبعها و يقتفيها سالكا في جميع ذلك طريق الاختصار و مائلا عن جانب الإكثار لأن مناقب موالينا الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) لا تحصى بالعدد و لا تقف عند حد و لا يجري بها إلى أمد فإني أعتقد أن جميع أعداد هؤلاء الغرر الذين هم قواعد الإسلام و مصابيح الظلام و الذين خفض الله الخلق عن منازلهم و قصر الألسن و الأيدي عن تناولهم و ميز بين العالم و بينهم و أماط (1) العيب و العار عنهم بين مغموس القلب في الجهالة-

____________

(1)- أماط: أذهب، أزال.

37

و مطروف العين بالضلالة لا يفيق من سكرة الهوى فيتبين الطريقة المثلى و بين عالم بفضلهم خابر بطيب فرعهم و أصلهم يكتم معرفته معاندة و يغالط نفسه مكايدة ترجيبا (1) لغرس قد غرسه و توطيدا لبناء قد أسسه و تنفيقا قد قامت له و ائتجارا (2) لجماعة قد التفت عليه. و كل ذلك طلبا لحطام هذه الدنيا الوبيل مرتعها الممر مشربها المنغص نعيمها و سرورها المظلم ضياؤها و نورها الصائرة بأهلها إلى أخشن المصارع بعد ألين المضاجع و الناقلة لهم إلى أفزع المنازل بعد أمن المعاقل على قرب من المعاد و عدم من الزاد ثم تتقلب بهم إلى حيث‏ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (3).. فعاقني عن إجابتك إلى ملتمسك ما لا يزال يعوق من نوائب الزمان و معارضات الأيام إلى أن أنهضني إلى ذلك اتفاق اتفق لي فاستثار حميتي و قوى نيتي و استخرج نشاطي و قدح زنادي و ذلك أن بعض الرؤساء ممن غرضه القدح في صفاتي و الغمز لقناتي و التغطية على مناقبي و الدلالة على مثلبة إن كانت لي لقيني و أنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث و ثمانين هجرية إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر و أبي جعفر محمد بن علي بن موسى(ع)للتعريف هناك فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين مقصدي فقال لي متى كان ذلك يعني أن جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف و البراءة ممن قال بالقطع و هو عارف بأن الإمامة مذهبي و عليها عقدي و معتقدي و إنما أراد التنكيت لي و الطعن على ديني فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه و استدعاه خطابه و عدت و قد قوي عزمي على عمل هذا الكتاب إعلانا

____________

(1)- التّرجيب: يدلّ على دعم شي‏ء بشي‏ء و تقويته. المقاييس 2/ 495.

(2)- في الأصل: اتجرارا. و في المطبوعة: استجرارا. و الصواب ما اثبتناه.

(3)- سورة آل عمران/ 30.

38

لمذهبي و كشفا عن مغيبي و ردا على العدو الذي يتطلب عيبي و يروم ذمي و قصبي و أنا بعون الله مبتدئ بما ذكرته على الترتيب الذي شرطته و الله المنقذ من الضلال و الهادي إلى سبيل الرشاد. و هو تعالى حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏- نِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ

39

خصائص مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ع‏

ولد(ع)بمكة في البيت الحرام لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف و هو أول هاشمي في الإسلام ولده هاشمي مرتين و لا نعلم مولودا ولد في الكعبة غيره‏ (1).

و قبض(ع)قتيلا بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة و له يومئذ ثلاث و ستون سنة على الرواية الصحيحة و كان بقاؤه مع رسول الله(ص)ثلاثا و ثلاثين سنة و كونه بعده حجة الله في أرضه ثلاثين سنة و نقش خاتمه و هو عقيق أحمر الله الملك و علي عبده و يقال الملك لله‏ (2).

و اختلف الناس في موضع قبره فقال قوم في رحبة القضاء و قال قوم في دار الإمارة و قال قوم حمل إلى المدينة و الصحيح الذي لا شك فيه و لا لبس عليه أنه(ع)بالغري‏ (3) من نجف الكوفة و مما يدل على ذلك أن الصادق جعفر بن محمد(ع)زاره في هذا الموضع لما أشخصه المنصور إليه‏

____________

(1)- الغدير 6/ 22- ولادة عليّ (عليه السلام) في الكعبة-.

(2)- مناقب ابن شهرآشوب 3/ 301.

(3)- أعلام الورى/ 202. الإرشاد/ 19. فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف.

40

فضل زيارته ع‏

رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ‏

مَنْ زَارَ عَلِيّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَهُ الْجَنَّةُ

(1)

.

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع‏

إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفَتَّحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

وَ قَالَ ع‏

مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَ لَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ الْمَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ(ع)إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْأَئِمَّةِ وَ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ وَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فُضِّلُوا

(2)

.

____________

(1)- كامل الزيارات/ 38.

(2)- المصدر السابق بسنده عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى العطار، عن حمدان بن سليمان النيشابورى، عن عبد اللّه بن محمّد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس عن أبي وهب البصري عن أبي عبد اللّه الصادق.

41

طرف من الاحتجاج للنص عليه ع‏

مما يدل على ذلك أن الشيعة جماعة كثيرة لا يحصرهم العدد و لا يشتمل عليهم بلد و قد طبقوا البلدان و ملئوا الأقطار و ساروا شرقا و غربا و انتشروا برا و بحرا على اختلاف أوطانهم و تباعد ديارهم و تفاوت هممهم و أهوائهم و تباين أقاويلهم و آرائهم و انتفاء الأسباب الموجبة للشك و الوقوف في خبرهم و فيهم مع ذلك عدد كثير و جم غفير من أهل بيت النبي(ع)و ذويه و أصحابه و مواليه ينقلون نقلا متصلا متواترا أن النبي(ص)قد استخلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)على أمته بعد وفاته و نص عليه و فرض طاعته في أمر الدين كله و أن النبي(ص)فعل ذلك ظاهرا مكشوفا فوجب قبول هذا الخبر علما و يقينا.

فإن قال قائل إنهم إنما كثروا الآن و إن أولهم كان قليلا و سلفهم كان يسيرا مغمورا قيل له ما الفضل بينك و بين من احتج عليك بمثله من الملحدين و سائر المخالفين فقال إن آيات النبي(ص)لا تصح لأن عدد المسلمين الناقلين لها كان قليلا في الأول و إنما كثر الآن فلا تجد بينهما فصلا

42

فصل فيما روي من الأشعار في نص النبي على أمير المؤمنين (عليهما السلام) و الصلاة في يوم الغدير

فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار أن حسان بن ثابت الأنصاري‏ (1) استأذن النبي(ع)يوم الغدير بعد فراغه من المقام أن يقول شعرا في ذلك فأذن له فأنشأ يقول‏

يناديهم يوم الغدير نبيهم‏* * * بخم و أسمع بالرسول مناديا

فقال فمن مولاكم و وليكم‏* * * فقالوا و لم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا و أنت ولينا* * * و لم تر منا في المقالة عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني‏* * * رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه‏* * * فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه‏* * * و كن للذي عادى عليا معاديا

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص‏

لَا تَزَالُ يَا حَسَّانُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ‏

(2)

.

و اتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس بن عبادة (3) و هو ينشده بين يدي‏

____________

(1)- أبو الوليد حسّان بن ثابت بن المنذر المتوفّى 54/ 55 عاش ستّين سنة في الجاهلية و ستّين في الإسلام.

(2)- الغدير 2/ 39- 34.

(3)- سيّد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاريّ مات في آخر خلافة معاوية و قيل سنة 59/ 60.

43

أمير المؤمنين(ع)بعد رجوعه من البصرة في قصيدته التي أولها-

قلت لما بغى العدو علينا* * * حسبنا ربنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

حسبنا ربنا الذي فتح‏* * * البصرة بالأمس و الحديث طويل‏

إلى أن بلغ فيها إلى قوله-

و علي إمامنا و إمام‏* * * لسوانا أتى به التنزيل‏

يوم قال النبي من كنت مولاه‏* * * فهذا مولاه خطب جليل‏

إنما قاله النبي على الأمة* * * حتم ما فيه قال و قيل‏ (1)

و هذان الشاعران‏ (2) صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين(ع)شهادة من حضر هذا المشهد و عرف المصدر و المورد.

ثم هذا الكميت بن زيد الأسدي‏ (3) و هو غير مشكوك في فصاحته و معرفته بالعربية يقول‏

و يوم الدوح دوح غدير خم‏* * * أبان له الولاية لو أطيعا

و لكن الرجال تبايعوها* * * فلم أر مثلها خطرا منيعا (4)

و هذا السيد بن محمد بن الحميري‏ (5) و ليس بدون في الفصاحة و لا بمتأخر في البلاغة يقول من قصيدة

قالوا له لو شئت أعلمتنا* * * إلى من الغاية و المفزع‏

فقام في خم النبي الذي‏* * * كان بما قيل له يصدع‏

فقال مأمورا و في كفه‏* * * كف علي لهم تلمع‏

من كنت مولاه فهذا له‏* * * مولى فلم يرضوا و لم يقنعوا

____________

(1)- الغدير 2/ 67.

(2)- حسّان بن ثابت، و قيس بن سعد بن عبادة.

(3)- أبو المستهل الكميت بن زيد بن خنيس الأسديّ المقتول 126 من كبار شعراء العربيّة.

(4)- ديوان الهاشميّات/ 18.

(5)- أبو هاشم إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن وداع الحميريّ الملقّب بالسّيّد و المتوفّى 173.

44

و على ذكر هذه الأبيات فإني مورد حديثا طريفا سمعته في معناه و هو متعلق بها حكي أن زيد (1) بن موسى بن جعفر بن محمد(ع)رأى رسول الله(ص)في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين(ع)في موضع عال شبيه بالمسناة و عليها مراق فإذا منشد ينشد قصيدة السيد بن محمد الحميري هذه و أولها

لأم عمرو باللوى مربع‏* * * طامسة أعلامه بلقع‏

(2)-

____________

(1)- هذه الحكاية عن زيد غير معروفة بين أهل الأثر، و المعروف ما ذكره المجلسيّ في البحار باب مدائح الصّادق (عليه السلام) المجلد 47/ 328 بما لفظه: وجدت في تأليفات بعض أصحابنا أنّه روي بإسناده عن سهيل بن ذبيان قال: دخلت على الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليهم السلام) في بعض الأيّام قبل أن يدخل أحد من النّاس فقال لي: مرحبا بك يا ابن ذبيان، السّاعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا.

فقلت: لما ذا يا ابن رسول اللّه؟ فقال: لمنام رأيته البارحة و قد أزعجني و أقلقني، فقلت: خيرا يكون إن شاء اللّه تعالى، فقال يا ابن ذبيان: رأيت كأنّي نصب لي سلّم فيه مائة مرقاة، فصعدت إلى أعلاه: فقلت يا مولاي: اهنيك بطول العمر، و ربما تعيش مائة سنة لكلّ مرقاة سنة، فقال (عليه السلام): ما شاء اللّه كان.

ثمّ قال: فلما صعدت رأيت كأنّي دخلت في قبة خضراء، يرى ظاهرها من باطنها، و باطنها من ظاهرها، و رأيت جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جالسا فيها، و إلى يمينه و شماله غلامان حسنان، يشرق النّور من وجههما، و رأيت امرأة بهيّة الخلقة، و بين يديه شخصا بهيّ الخلقة جالسا عنده، و رأيت رجلا واقفا و هو يقرأ: لأم عمرو باللوى مربع ... فلما رآني النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: مرحبا بك يا ولدي يا عليّ بن موسى الرضا، سلّم على أبيك و أمك فاطمة، و على أبويك الحسن، و الحسين (عليهم السلام)، فسلّمت، قال: و سلّم على شاعرنا و مادحنا السّيّد إسماعيل الحميريّ، فسلّمت و جلست، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): عد إلى ما كنّا فيه، فلما أنشده لامّ عمرو ... الخ بكى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لمّا قال: و وجهه كالشّمس اذ تطلع ... بكى النبيّ و من معه، و لما بلغ إلى قوله: قالوا له لو شئت أعلمتنا ... قال: و أشار بيده إلى عليّ و قال: إلهي أنت الشاهد انّي قد أعلمتهم أنّ الغاية و المفزع عليّ بن أبي طالب.

و لما فرغ من القصيدة التفت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليّ، و قال: يا عليّ بن موسى احفظ هذه القصيدة، و مر شيعتنا بحفظها، و أعلمهم أنّ من حفظها و أدمن قراءتها ضمنت له على اللّه الجنّة، قال الرّضا (عليه السلام): و لم يزل يكرّرها حتّى حفظتها منه، و القصيدة هذه ثمّ ذكرها برمّتها.

هذا المنام جاء بكامله في كتاب مجالس المؤمنين 2/ 0502 منتهى المقال/ 142. تنقيح المقال 1/ 142. أعيان الشّيعة 13/ 170. الغدير 2/ 222. أخبار السّيّد الحميريّ/ 35.

(2)- الغدير 2/ 219. اخبار السيّد الحميري/ 31. الأغاني 7/ 240. و قد شرح هذه العينية جمع من اعلام الطّائفة كما خمّسها جمع من العلماء و الأدباء.

45

حتى انتهى إلى قوله‏

قالوا له لو شئت أعلمتنا* * * إلى من الغاية و المفزع‏

قال فنظر رسول الله إلى أمير المؤمنين(ص)و تبسم ثم قال أ و لم أعلمهم أ و لم أعلمهم أ و لم أعلمهم ثلاثا ثم قال لزيد إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة قال فعددت المراقي فكانت نيفا و تسعين مرقاة فعاش زيد نيفا و تسعين سنة.

و هو الملقب بزيد النار و أنما سمي بذلك لأنه لما غلب على البصرة أحرق نفرا من أهلها و أسواقا كثيرة منها (1).

. و ما أشد استحساني لجواب كان بعض المتقدمين من الشيعة يجيب به من سأله عن قعود أمير المؤمنين(ع)و تركه طلب الأمر و دعاء الناس إلى نفسه و هو أنه كان يقول أمير المؤمنين(ع)كان في هذا الأمر فريضة من فرائض الله تعالى أداها نبي الله(ص)إلى قومه مثل الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و ليس على الفرائض أن تدعوهم إلى أنفسها و تحثهم على طلبها و إنما عليهم أن يجيبوها و يسارعوا إليها و كان أمير المؤمنين(ع)في هذا الأمر أعذر من هارون لأن موسى(ع)لما ذهب إلى الميقات قال لهارون‏ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‏ (2).

فجعله رقيبا عليهم و زعيما لهم و أن نبي الله تعالى(ص)نصب عليا(ع)لهذه الأمة علما و دعاهم إليه و حضهم عليه فعلي(ع)في عذر من لزوم بيته و إرخاء ستره و الناس في حرج حتى يخرجوه من مكمنه و يستثيروه من مربضه و يضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله ص‏

____________

(1)- تنقيح المقال 1/ 471. مقاتل الطّالبيّين/ 534. جمهرة أنساب العرب/ 64. الاعلام 3/ 102.

(2)- سورة الأعراف/ 142.

46

و من أعلامه و دلائله(ع)على الاختصار منها و الاقتصار على بعضها

فلو أني نشرت ما طويت منها لرماني الناس بيد واحدة عن قوس واحدة و كذلك أنا في أخبار سائر الأئمة ع‏

رُوِيَ‏

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً(ع)كَانَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَاخْتَصَمَا إِلَيْهِ وَ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْخَوَارِجِ فَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ إِلَى الْخَارِجِيِّ فَحَكَمَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِيُّ وَ اللَّهِ مَا حَكَمْتَ بِالسَّوِيَّةِ وَ لَا عَدَلْتَ فِي الْقَضِيَّةِ وَ مَا قَضِيَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَرْضِيَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَوْمَأَ إِلَيْهِ اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ فَاسْتَحَالَ كَلْباً أَسْوَدَ فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا ثِيَابَهُ تَطَايَرُ عَنْهُ فِي الْهَوَاءِ وَ جَعَلَ يُبَصْبِصُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فِي وَجْهِهِ وَ رَأَيْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَدْ رَقَّ فَلَحَظَ السَّمَاءَ وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِكَلَامٍ لَمْ نَسْمَعْهُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَاهُ وَ قَدْ عَادَ إِلَى حَالِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَ تَرَاجَعَتْ ثِيَابُهُ مِنَ الْهَوَاءِ حَتَّى سَقَطَتْ عَلَى كَتِفَيْهِ فَرَأَيْنَاهُ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ أَنَّ رِجْلَيْهِ لَتَضْطَرِبَانِ فَبُهِتْنَا نَنْظُرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَنَا مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ وَ تَعْجَبُونَ فَقُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ لَا نَتَعَجَّبُ وَ قَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ فَقَالَ أَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ آصَفَ بْنَ بَرْخِيَا وَصِيَّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(ع)قَدْ صَنَعَ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَقَصَّ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قِصَّتَهُ حَيْثُ‏

47

يَقُولُ‏

أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

(1)

فَأَيُّمَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ نَبِيُّكُمْ أَمْ سُلَيْمَانُ(ع)فَقَالُوا بَلْ نَبِيُّنَا(ع)أَكْرَمُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَوَصِيُّ نَبِيِّكُمْ أَكْرَمُ مِنْ وَصِيِّ سُلَيْمَانَ وَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ وَصِيِّ سُلَيْمَانَ(ع)مِنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ حَرْفٌ وَاحِدٌ فَسَأَلَ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ فَخَسَفَ لَهُ الْأَرْضَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سَرِيرِ بِلْقِيسَ فَتَنَاوَلَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفِ الْعَيْنِ وَ عِنْدَنَا مِنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ اثْنَانِ وَ سَبْعُونَ حَرْفاً وَ حَرْفٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ فَقَالُوا لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَكَ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَى الْأَنْصَارِ فِي قِتَالِ مُعَاوِيَةَ وَ غَيْرِهِ وَ اسْتِنْفَارِكَ النَّاسَ إِلَى حَرْبِهِ ثَانِيَةً فَقَالَ‏

بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ (2)

إِنَّمَا أَدْعُو هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِلَى قِتَالِهِ لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ وَ كَمَالِ الْمِحْنَةِ وَ لَوْ أُذِنَ لِي فِي إِهْلَاكِهِ لَمَا تَأَخَّرَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْتَحِنُ خَلْقَهُ بِمَا شَاءَ قَالُوا فَنَهَضْنَا مِنْ حَوْلِهِ وَ نَحْنُ نُعَظِّمُ مَا أَتَى بِهِ ع‏

(3)

.

الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ‏

مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَرْبَلَاءَ فَلَمَّا مَرَّ بِهَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ هَذَا مُنَاخُ رِكَابِهِمْ وَ هَذَا مُلْقَى رِحَالِهِمْ وَ هَاهُنَا تُهْرَاقُ دِمَاؤُهُمْ طُوبَى لَكِ مِنْ تُرْبَةٍ عَلَيْهَا تُهْرَاقُ دِمَاءُ الْأَحِبَّةِ

(4)

.

____________

(1)- سورة النمل/ 39.

(2)- سورة الأنبياء/ 27.

(3)- البحار 35/ 429- 436. باب في انّه (عليه السلام) عنده علم الكتاب. سفينة البحار 1/ 23.

تفسير الصّافي 4/ 67.

(4)- وقعة صفّين/ 142.

48

وَ بِإِسْنَادٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ‏

كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَ لَهُ فِلَاءٌ

(1)

بِنَاحِيَةِ آذَرْبِيجَانَ قَدِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ فَمَنَعَتْ جَانِبَهَا فَشَكَا إِلَيْهِ مَا قَدْ نَالَهُ وَ أَنَّهُ كَانَ مَعَاشُهُ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاسْتَغِثْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا أَزَالُ أَدْعُو وَ أَبْتَهِلُ إِلَيْهِ وَ كُلَّمَا قَرُبْتُ مِنْهَا حَمَلَتْ عَلَيَّ قَالَ فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً فِيهَا مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرَدَةِ الْجِنِّ وَ الشَّيَاطِينِ أَنْ يُذَلِّلُوا هَذِهِ الْمَوَاشِيَ لَهُ قَالَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ الرُّقْعَةَ وَ مَضَى فَاغْتَمَمْتُ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً فَلَقِيتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً(ع)فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَعُودَنَّ بِالْخَيْبَةِ فَهَدَأَ مَا بِي وَ طَالَتْ عَلَيَّ سَنَتِي وَ جَعَلْتُ أَرْقُبُ كُلَّ مَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْجِبَالِ فَإِذَا أَنَا بِالرَّجُلِ قَدْ وَافَى وَ فِي جَبْهَتِهِ شَجَّةٌ

(2)

تَكَادُ الْيَدُ تَدْخُلُ فِيهَا فَلَمَّا رَأَيْتُهُ بَادَرْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ مَا وَرَاءَكَ فَقَالَ إِنِّي صِرْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ وَ رَمَيْتُ بِالرُّقْعَةِ فَحَمَلَ عَلَيَّ عِدَادٌ مِنْهَا فَهَالَنِي أَمْرُهَا فَلَمْ تَكُنْ لِي قُوَّةٌ بِهَا فَجَلَسْتُ فَرَمَحَتْنِي أَحَدُهَا فِي وَجْهِي فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهَا فَكُلُّهَا يَشْتَدُّ عَلَيَّ وَ يُرِيدُ قَتْلِي فَانْصَرَفَتْ عَنِّي فَسَقَطْتُ فَجَاءَ أَخٌ لِي فَحَمَلَنِي وَ لَسْتُ أَعْقِلُ فَلَمْ أَزَلْ أَتَعَالَجُ حَتَّى صَلَحْتُ وَ هَذَا الْأَثَرُ فِي وَجْهِي فَجِئْتُ لِأُعْلِمَهُ يَعْنِي عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ صِرْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ وَ عِنْدَهُ نَفَرٌ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَزَبَرَهُ وَ قَالَ لَهُ كَذَبْتَ لَمْ تَذْهَبُ بِكِتَابِي قَالَ فَحَلَفَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَ حَقِّ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ لَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ حَمْلِ الْكِتَابِ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ نَالَهُ مِنْهَا مَا يَرَى قَالَ فَزَبَرَهُ وَ أَخْرَجَهُ عَنْهُ فَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ إِذَا انْصَرَفْتَ فَصِرْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هِيَ فِيهِ وَ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ فَذَلِّلْ لِي‏

____________

(1)- الفلاء: المهر، و الفرس- و في بعض الرّوايات: و له مواش.

(2)- الشّجة: و هي الكسر في الرّأس خاصّة.

49

صُعُوبَتَهَا وَ حُزَانَتَهَا وَ اكْفِنِي شَرَّهَا فَإِنَّكَ الْكَافِي الْمُعَافِي وَ الْغَالِبُ الْقَاهِرُ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ رَاجِعاً فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ قَدِمَ الرَّجُلُ وَ مَعَهُ جُمْلَةٌ قَدْ حَمَلَهَا مِنْ أَثْمَانِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَصَارَ إِلَيْهِ وَ أَنَا مَعَهُ فَقَالَ تُخْبِرُنِي أَوْ أُخْبِرُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ تُخْبِرُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ كَأَنَّكَ صِرْتَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْكَ وَ لَاذَتْ بِكَ خَاضِعَةً ذَلِيلَةً فَأَخَذْتَ بِنَوَاصِيهَا وَاحِداً بَعْدَ آخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فَهَذَا كَانَ فَتَفَضَّلْ بِقَبُولِ مَا جِئْتُكَ بِهِ فَقَالَ امْضِ رَاشِداً بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ وَ بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَغَمَّهُ ذَلِكَ حَتَّى تَبَيَّنَ الْغَمُّ فِي وَجْهِهِ وَ انْصَرَفَ الرَّجُلُ وَ كَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ وَ قَدْ أَنْمَى اللَّهُ مَالَهُ قَالَ وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كُلُّ مَنِ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَهْلٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ أَمْرِ فِرْعَوْنٍ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ فَلْيَبْتَهِلْ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّا يَخَافُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ بِهِ الْقُوَّةُ

(1)

.

وَ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ جَالِساً فِي مَجْلِسِهِ وَ النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى وَافَى رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَعْدٌ وَ قَدْ سَأَلْتُ عَنْ قَاضِي دَيْنِهِ وَ مُنْجِزِ وَعْدِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَأُرْشِدْتُ إِلَيْكَ فَهَلِ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ لِي فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نَعَمْ أَنَا مُنْجِزُ وَعْدِهِ وَ قَاضِي دَيْنِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَمَا الَّذِي وَعَدَكَ بِهِ قَالَ مِائَةَ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ وَ قَالَ لِي إِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَأْتِ قَاضِيَ دِينِي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي فَإِنَّهُ يَدْفَعُهَا إِلَيْكَ وَ مَا كَذَبَ(ص)فَإِنْ يَكُنْ مَا ادَّعَيْتَهُ حَقّاً فَعَجِّلْ عَلَيَّ بِهَا وَ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ(ص)خَلَّفَهَا وَ لَا بَعْضَهَا فَأَطْرَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ يَا حَسَنُ قُمْ فَنَهَضَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَخُذْ قَضِيبَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الْفُلَانِيَّ وَ صِرْ إِلَى الْبَقِيعِ فَاقْرَعْ بِهِ الصَّخْرَةَ الْفُلَانِيَةَ ثَلَاثَ قَرَعَاتٍ وَ انْظُرْ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا

____________

(1)- مهج الدعوات/ 104.

50

فَادْفَعْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَ قُلْ لَهُ يَكْتُمْ مَا رَأَى فَصَارَ الْحَسَنُ(ع)إِلَى الْمَوْضِعِ وَ الْقَضِيبُ مَعَهُ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ فَطَلَعَ مِنَ الصَّخْرَةِ رَأْسُ نَاقَةٍ بِزِمَامِهَا فَجَذَبَهُ الْحَسَنُ(ع)فَظَهَرَتِ النَّاقَةُ ثُمَّ مَا زَالَ يَتْبَعُهَا نَاقَةٌ ثُمَّ نَاقَةٌ حَتَّى انْقَطَعَ الْقِطَارُ عَلَى مِائَةٍ ثُمَّ انْضَمَّتِ الصَّخْرَةُ فَدَفَعَ النُّوقَ إِلَى الرَّجُلِ وَ أَمَرَهُ بِالْكِتْمَانِ لِمَا رَأَى فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ صَدَقَ أَبُوكَ(ع)هُوَ قَاضِي دَيْنِهِ وَ مُنْجِزُ وَعْدِهِ وَ الْإِمَامُ مِنْ بَعْدِهِ-

رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1)

.

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمَّا أَقْبَلَ مِنْ صِفِّينَ مَرَّ فِي زُهَاءِ سَبْعِينَ رَجُلًا بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ فَقَالُوا لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ هَاهُنَا مَاءٌ وَ نَحْنُ نَخَافُ الْعَطَشَ قَالُوا فَمَرَرْنَا بِرَاهِبٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَسَأَلْنَاهُ هَلْ بِقُرْبِكَ مَاءٌ فَقَالَ مَا مِنْ مَاءٍ دُونَ الْفُرَاتِ فَقُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَطَشَ وَ لَيْسَ قُرْبَنَا مَاءٌ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَسْقِيكُمْ فَقَامَ يَمْشِي حَتَّى وَقَفَ فِي مَكَانٍ وَ دَعَا بِمَسَّاحٍ وَ أَمَرَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَكُنِسَ فَأَجْلَى عَنْ صَخْرَةٍ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهَا قَالَ اقْلِبُوهَا فَرُمْنَاهَا بِكُلِّ مَرَامٍ فَلَمْ نَسْتَطِعْهَا فَلَمَّا أَعْيَتْنَا دَنَا مِنْهَا فَأَخَذَ بِجَانِبِهَا فَدَحَا

(2)

بِهَا فَكَأَنَّهَا كُرَةٌ فَرَمَى بِهَا فَانْجَلَتْ عَنْ مَاءٍ لَمْ يُرَ أَشَدَّ بَيَاضاً وَ لَا أَصْفَى وَ لَا أَعْذَبَ مِنْهُ فَتَنَادَى النَّاسُ الْمَاءَ فَاغْتَرَفُوا وَ سَقَوْا وَ شَرِبُوا وَ حَمَلُوا ثُمَّ أَخَذَ(ع)الصَّخْرَةَ فَرَدَّهَا مَكَانَهَا ثُمَّ تَحَمَّلَ النَّاسَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَعْرِفُ مَكَانَ هَذِهِ الْعَيْنِ فَقَالُوا كُلُّنَا يَعْرِفُ مَكَانَهَا قَالَ فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا فَانْطَلَقَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَّا فَدُرْنَا حَتَّى أَعْيَيْنَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى شَيْ‏ءٍ فَأَتَيْنَا الرَّاهِبَ‏

____________

(1)- حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنت قاضي ديني، و منجز عدتي. مما أجمعت الأئمّة على صحّته و توثيقه و قد جاءت بأسانيد شتّى صحيحة، مسند أحمد بن حنبل 1/ 111، بسنده عن عليّ (عليه السلام). الرّياض النّضرة 2/ 168. حلية الأولياء 10/ 211. كنز العمّال 6/ 403. مجمع الزّوائد 9/ 113، عن جابر بن عبد اللّه. فضائل الخمسة 3/ 57.

(2)- دحا: دفع. رمى.

51

فَقُلْنَا لَهُ وَيْحَكَ أَ لَسْتَ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ قِبَلَكَ مَاءٌ وَ لَقَدِ اسْتَثَرْنَا هَاهُنَا مَاءً فَشَرِبْنَا وَ احْتَمَلْنَا قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَثَارَهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ قُلْنَا فَإِنَّ فِينَا وَصِيَّ نَبِيِّنَا(ع)قَالَ فَانْطَلِقُوا إِلَيْهِ فَقُولُوا لَهُ مَا ذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ فَأَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّ هَذَا الرَّاهِبَ قَالَ كَذَا وَ كَذَا قَالَ فَقُولُوا لَهُ إِنْ خَبَرْنَاكَ لَتَنْزِلَنَّ وَ لَتُسْلِمَنَّ فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَأَتَيْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْنَا قَدْ حَلَفَ لَيُسْلِمَنَّ قَالَ فَانْطَلِقُوا فَأَخْبِرُوهُ أَنَّ آخِرَ مَا قَالَ النَّبِيُّ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)كَانَ وَاضِعاً رَأْسَهُ فِي حِجْرِي فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ حَتَّى قُبِضَ قَالَ فَقُلْنَا لَهُ ذَلِكَ فَأَسْلَمَ‏

(1).

و في ذلك يقول السيد بن محمد الحميري من قصيدته البائية المعروفة بالمذهبة-

و لقد سرى فيما يسير بليلة* * * بعد العشاء مغامرا (2) في موكب‏

حتى أتى متبتلا في قائم‏* * * ألقى قواعده بقاع مجدب‏ (3)

فدنا فصاح به فأشرف ماثلا* * * كالنسر فوق شظية من مرقب‏ (4)

هل قرب قائمك الذي بوأته‏ (5)* * * ماء يصاب فقال ما من مشرب‏

إلا بغاية فرسخين و من لنا* * * بالماء بين نقا و قي سبسب‏ (6)

فثنى الأعنة نحو وعث‏ (7) فاجتلى‏* * * بيضاء تبرق كاللجين المذهب‏

قال اقلبوها إنكم إن تفعلوا* * * ترووا و لا تروون إن لم تقلب‏

____________

(1)- مجمع الزّوائد 9/ 293 عن أبي رافع. الإرشاد/ 176. أعلام الورى/ 176.

(2)- في أكثر الرّوايات هكذا: (بعد العشاء بكربلا في موكب).

(3)- المتبتّل: الرّاهب. القائم: الصّومعة. القاعدة: الأساس. الجدار. الجدب: ضدّ الخصب.

(4)- الماثل: المنتصب، و شبّه الرّاهب بالنسر لطول عمره. و الشّظيّة: قطعة من الجبل. المرقب: المكان العالي.

(5)- بوّأ: أقام، حلّ.

(6)- النقى: قطعة من الرمل، تنقاد محدودبة. و القى: الصّحراء الواسعة. و السّبسب القفرة.

(7)- الوعث: الرّمل الّذي لا يسلك فيه.

52

فاعصوصبوا في قلعها فتمنعت‏* * * منهم تمنع صعبة لم تركب‏ (1)

حتى إذا أعيتهم أهوى لها* * * كفو متى ترد المغالب تغلب‏

فكأنها كرة بكف حزور (2)* * * عبل الذراع دحا بها في ملعب‏

فسقاهم من تحتها متسلسلا* * * عذبا يزيد على الألذ الأعذب‏

حتى إذا شربوا جميعا ردها* * * و مضى فخلت مكانها لم يقرب‏

ذاك ابن فاطمة الوصي و من يقل‏* * * في فضله و فعاله لا يكذب‏

يعني فاطمة بنت أسد أمه رضي الله عنها و في هذه القصيدة يذكر رد الشمس على أمير المؤمنين(ع)و سيرد ذكره فيما بعد بمشية الله و ذلك قوله‏

ردت عليه الشمس لما فاته‏* * * وقت الصلاة و قد دنت للمغرب‏

حتى تبلج نورها في وقتها* * * للعصر ثم هوت هوي الكوكب‏

و عليه قد حبست ببابل مرة* * * أخرى و ما حبست لخلق معرب‏

إلا لأحمد أوله و لحبسها* * * و لردها تأويل أمر معجب‏ (3)

وَ حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ عُمَرَ (4) وَ قَالَتْ‏

خَرَجْتُ وَ أَنَا أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ فِي النَّاسِ رِقَّةٌ وَ هُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى سَمِعْتُ كَلَامَهُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ بِأَرْضِ تَيْمَاءَ

(5) فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ الثَّانِيَةَ

____________

(1)- اعصوصب اجتمع، و تعاضد.

(2)- الحزور: الغلام المترعرع.

(3)- أعلام الورى/ 177. و القصيدة 112 بيتا شرحها السّيّد المرتضى علم الهدى و طبع بمصر عام 1313 و أوّل القصيدة قوله:

هلّا وقفت على المكان المعشب‏* * * بين الطويلع فاللوى من كبكب‏

(4)- أم حكيم بنت عمرو بن سفيان الخولية ... كانت من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام).

جامع الرّواة 2/ 455. تنقيح المقال 3/ 70. رجال الطوسيّ/ 66.

(5)- تيماء: بليد في أطراف الشّام، بين الشّام و وادي القرى على طريق حاجّ الشّام و دمشق.

53

فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاعِي خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ كَذَبْتَ وَ اللَّهِ مَا مَاتَ وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَحْمِلُ رَايَةَ ضَلَالَةٍ قَالَتْ فَرَأَيْتُ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ

(1)

يَحْمِلُ رَايَةَ مُعَاوِيَةَ حَتَّى نَزَلَ نُخَيْلَةَ وَ أَدْخَلَهَا مِنْ بَابِ الْفِيلِ‏

(2)

.

وَ بِإِسْنَادٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ‏

كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِصِفِّينَ فَبَايَعَهُ تِسْعَةٌ وَ تِسْعُونَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تَمَامُ الْمِائَةِ فَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ يُبَايِعُنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ مِائَةُ رَجُلٍ فَقَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءُ صُوفٍ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَيْنِ فَقَالَ هَلُمَّ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَقَالَ عَلَى مَا تُبَايِعُنِي قَالَ عَلَى بَذْلِ مُهْجَةِ نَفْسِي دُونَكَ قَالَ وَ مَنْ أَنْتَ قَالَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ فَبَايَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ فِي الرَّجَّالَةِ مَقْتُولًا

(3)

.

____________

(1)- خالد بن عرفطة بن أبرهة بن سنان الليثي توفي بالكوفة سنة 60/ 61 استخلفه سعد بن أبي وقاص على الكوفة من قبل معاوية. أسد الغابة 2/ 87. الإصابة 1/ 409. الاستيعاب 1/ 413.

(2)- أعلام الورى/ 175 و فيه: و هذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة.

(3)- سفينة البحار 1/ 53. رجال الطوسيّ/ 35. إعلام الورى/ 170. تأسيس الشيعة/ 357.

جامع الرواة 1/ 110.

54

خبر ميثم التمار رضي الله عنه‏

وَ بِإِسْنَادٍ مَرْفُوعٍ إِلَى ابْنِ مِيثَمٍ التَّمَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ‏

دَعَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْماً فَقَالَ لِي يَا مِيثَمُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا دَعَاكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي قُلْتُ إِذًا وَ اللَّهِ أَصْبِرُ وَ ذَاكَ فِي اللَّهِ قَلِيلٌ قَالَ يَا مِيثَمُ إِذًا تَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي‏

و كان ميثم يمر بعريف‏ (1) قومه فيقول يا فلان كأني بك قد دعاك دعي بني أمية و ابن دعيها فيطلبني منك فتقول هو بمكة فيقول لا أدري ما تقول و لا بد لك أن تأتي به فتخرج إلى القادسية فتقيم بها أياما فإذا قدمت عليك ذهبت بي إليه حتى يقتلني على باب دار عمرو بن حريث‏ (2) فإذا كان اليوم الثالث ابتدر من منخري دم عبيط.

قال و كان ميثم يمر في السبخة بنخلة فيضرب بيده عليها و يقول يا نخلة ما غذيت إلا لي و كان يقول لعمرو بن حريث إذا جاورتك فأحسن جواري فكان عمرو يرى أنه يشتري عنده دارا أو ضيعة له بجنب ضيعته فكان عمرو يقول سأفعل فأرسل الطاغية عبيد الله بن زياد إلى عريف ميثم يطلبه منه فأخبره أنه بمكة فقال له إن لم تأتني به لأقتلنك فأجله أجلا و خرج العريف إلى القادسية

____________

(1)- العريف: العالم بالشّي‏ء. من يعرّف أصحابه. القيّم بأمر القوم.

(2)- أبو سعيد عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشيّ مات بالكوفة سنة 85. ولي إمرة الكوفة لزياد ثمّ لابنه عبيد اللّه. الإصابة ت 5810. أسد الغابة 4/ 97. الكامل في التّاريخ 2/ 249.