خزانة التواريخ النجدية - ج6

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
384 /
1

[الجلد السادس‏]

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مختصر عنوان المجد في تاريخ نجد

اختصار كل من:

1- المؤلف الشيخ عثمان بن بشر

2- الشيخ إبراهيم بن محمد آل عنيق‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

ترجمة المؤرخ الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن عثمان بن بشر (1210 ه- 1290 ه)

الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن عثمان بن أحمد بن بشر الحرقوصي، و آل حرقوص فخذ من آل عيد أحد بطون بني زيد، و هذا البطن يشمل البواريد و الحراقيص و غيرهما، و يتفرع عنهم أفخاذ و عشائر معروفة، و بنو زيد هم من قضاعة أحد الشعوب القحطانية.

فالمترجّم من آل حرقوص ثم من آل عيد ثم من بني زيد القبيلة انقضاعية القحطانية، و بنو زيد مفرقون في بلدان نجد إلّا أن أصلهم و مرجعهم في شقراء عاصمة بلدان الوشم.

قال الشيخ إبراهيم بن عيسى: (ذكر لي محمد بن عثمان بن بشر ساكن بلد جلاجل عن أبيه أن أقرب من لهم من بني زيد آل معيقل أهل الخرج). ا ه.

ولد المترجّم سنة 1210 ه في بلدة جلاجل، إحدى بلدان مقاطعة سدير، فهي بلده و بلد عشيرته، و قد توفي والده في جلاجل عام 1215 ه و نشأ فيها و تعلّم مبادى‏ء الكتابة و القراءة، ثم انتقل إلى الدرعية حوالي سنة 1224 ه فتلقى العلم عن علمائها، و منهم:

8

1- الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرأ عليه في صغره كتاب التوحيد سنة 1224 ه.

2- الشيخ علي بن يحيى بن ساعد، قاضي الإمام سعود على سدير.

3- الشيخ إبراهيم بن سيف، قاضي الإمام عبد اللّه بن سعود على الوشم، و قاضي الإمام تركي على الرياض.

4- الشيخ عثمان بن منصور، قاضي الإمام فيصل على بلدان سدير.

5- الشيخ عبد الكريم بن معيقل، امتنع عن القضاء و ولي إمارة ناحية القصيم.

6- الشيخ غنيم بن سيف، قاضي الإمام سعود على عنيزة.

قرأ على هؤلاء حتى أدرك، و لكن صار اتجاهه إلى التاريخ لا سيما تاريخ نجد، و قد عاش في عهد الدولتين لآل سعود الأولى ثم الثانية التي جددها الإمام تركي، و في عهد الإمامين تركي و فيصل بانت شهرته، فتوطدت العلاقة بينه و بين هذين الإمامين.

و قد ألّف كتبا كثيرة منها:

1- كتاب عن الخيل سماه (سهيل في ذكر الخيل) (1).

2- «الإشارة في معرفة منازل السبع السيارة»

____________

(1)- هذا الكتاب مفقود، و كم بحث عنه و لم يعثر عليه، إلّا أن الدكتور عبد الرحمن العثيمين في تعليقاته على (السحب الوابلة) قال: و كتابه (سهيل في الخيل) من أنفس الكتب، ذكر فيه خيل آل سعود و نسبتها إلى خيل العرب المشهورة، و خاصة الإمام فيصل بن تركي، و يوجد هذا الكتاب في مكتبة خاصة عند بعض المهتمين بالتراث في مدينة الطائف، ذكر في مجلة علمية في صيف عام 1393 ه و لم أتابع ذلك لعدم اهتمامي به آنذاك.

9

3- بغية الحاسب.

4- الخصائص و مبدأ النقائص في الطفيليين و الثقلاء.

5- فهرس طبقات ابن رجب على حروف المعجم.

6- عنوان المجد في تاريخ نجد، و هذا التاريخ هو من أنفس و أجمع و أوثق و أعدل ما صنف من تواريخ نجد.

و الأستاذ حمد الجاسر قد أخذ على المترجم أنه نقل في تاريخه كثيرا مما ذكره ابن غنام و الفاخري في تاريخيهما و مع هذا لم يشر إلى ذلك، إلّا أن الأستاذ حمد الجاسر قال عن مؤلفه عنوان المجد: (إن عنوان المجد هو خير كتاب ألّف في موضوعه على ما فيه). ا ه.

و لكن يذكر الشيخ ابن عيسى أن تاريخ ابن بشر منقول من تاريخ حمد بن لعبون، بل هو بعينه، فاللّه أعلم بما يقول.

و الكتاب طبع عدة طبعات متداولات، فليس بحاجة إلى أن نصفه للقراء، و مع هذا فإن الدكتور عبد العزيز الخويطر كتب رسالة عن تاريخ ابن بشر، و حلّله و بيّن ما له و ما عليه، إلّا أن لي كلمة عن الكتاب عنوان المجد:

و هي أنه طبع عدة طبعات، و كلها تعتمد على الطبعة التي طبعت في المطبعة السلفية في مكة المكرمة على نفقة قتلان و نصيف، و النسخة التي طبعا عليها جاءتهما من رئيس قضاة مكة المكرمة الشيخ عبد اللّه بن بليهد، و سألت عنها الذين اطلعوا عليها هل هي قديمة الخط أم حديثة؟ فقالوا: إنها قديمة، كما يوجد لها نظائر مخطوطات في نجد، و منها نسخة عند حفيد ابنه و هو محمد بن عثمان بن أحمد ابن المؤرخ عثمان، و يقيم في مدينة بريدة، مما يؤكد أنها حين الطبع كانت كاملة لم يحذف منها شي‏ء.

10

ثم عثرت وزارة المعارف على نسخة في المتحف البريطاني في لندن فيها زيادة أخبار لم تذكر في النسخة الأولى، و لكنها ناقصة فكملتها وزارة المعارف من الأولى، و طبعتها و هذه أوفى من التي قبلها.

و قد اطلعت على نسختين خطيتين واحدة كاملة و الأخرى مخرومة، و فيهما زيادات على الطبعات كلها، فالكاملة في الزبير و الناقصة بقلم الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، و ختم المؤلف النسخة الكاملة بقوله: (كما ستقف عليه إن شاء اللّه مفصلا في الجزء الثالث بعد هذا الكتاب جعله اللّه خالصا لوجهه الكريم، قال مؤلفه: وافق الفراغ من تبييض هذا الكتاب في شعبان من شهور عام 1270 ه). ا ه.

قال الشيخ إبراهيم بن عيسى في آخر المخطوطة المخرومة: قال مؤلفه عثمان بن عبد اللّه بن بشر (رحمه اللّه تعالى): (تم الكتاب و يتلوه إن شاء اللّه دخول سنة ثمان و ستين و مثتين و ألف، و لم أظفر بحوادث سنة 1268 ه فلا أدري هل هو كتب ذلك أم لا؟.

و قد قيل: إن ابن بشر المذكور ابتدأ يكتب ذلك، لكنه لم يبيضه، بل ترك المسودة و توفي و لم يظهرها للناس). ا ه. كلام ابن عيسى.

مختصرات عنوان المجد:

1- اختصره الشيخ محمد بن مانع و سليمان الدخيل حينما كانا مقيمين ببغداد، و طبع الجزء الأول منه.

2- اختصره الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن موسى بن عتيق فقال في مختصره: (إن الفقير إلى رحمة ربه القدير إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن موسى بن عتيق نظر في كتاب المصنف‏

11

عثمان بن عبد اللّه بن بشر فأراد أن ينتقي منه طرفا اختصارا، و يزيد به مختصر المصنف ما لم يذكر فيه، و أن يجعل ما أراد ذكره من أوائل بعض السنين السابقة قبل سني هذا الكتاب متحدة متوالية، و هي التي نبه عليها المؤلف بقوله سابقة). ا ه.

3- مختصر للمؤلف، و لكنه لم يشر في المقدمة إلى أنه أراد الاختصار، و إنما الناسخ قال في آخر ما وجد منه بعد وفاة الإمام سعود: (و هذا آخر ما وجدت من مختصر المصنف عثمان بن عبد اللّه بن بشر الذي اختصره من كتابه الذي سماه: عنوان المجد في تاريخ نجد). ا ه.

وفاته:

قال الشيخ إبراهيم بن عيسى: (و في التاسع عشر من جمادى الآخرة عام 1290 ه توفي الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن عثمان بن أحمد بن بشر في بلد جلاجل، (رحمه اللّه تعالى)). ا ه.

عقبه:

تقدم أن الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن عثمان بن أحمد بن بشر مقره و مقر أسرته بلدة جلاجل، و يوجد له أخ يقيم في العراق، صاحب ثراء، و له عقار في البصرة، و الزبير، فتوفي و لم يخلف وارثا سوى أخيه الشيخ عثمان المؤرخ، فذهب إلى تلك العقارات في البصرة و الزبير ابناه عبد المحسن و ناصر، و سكنا بلد الزبير، و توفي عبد المحسن في الزبير عام 1325 ه، و خلف ابنين هما: عثمان و يوسف، و توفيا هناك، و لهما أبناء و أحفاد بعضهم هناك و بعضهم جاء إلى الرياض و سكن فيها.

كما أن للشيخ عثمان ابنا آخر هو أحمد، و لأحمد ابنان هما عبد اللّه و عثمان.

12

فأما عبد اللّه فله أبناء يقيمون الآن في (عين ابن فهيد) من قرى الأسياح (النباج).

و أما عثمان فهو طالب علم، و له قصائد يقولها في مناسبات من رثاء عالم أو صديق إلّا أنه شعر ضعيف، و قد ولي القضاء في الأجفر ثم في قرى الأسياح، و توفي سنة 1367 ه و له أبناء أربعة أشهرهم الشيخ عبد اللّه عضو محكمة التمييز في الرياض، و الأستاذ محمد، و عندهم تاريخ جدهم مخطوط: و لكنه لا يزيد عن الطبعة الأولى طبعة قتلان و نصيف، فليس فيها زيادة فائدة.

و أبناء عثمان بن أحمد يقيمون في عين ابن فهيد مع أبناء عمهم عبد اللّه بن أحمد الذي تقدم، رحم اللّه الشيخ عثمان و بارك في ذريته.

* و قد طلبت من فضيلة الشيخ عبد اللّه بن عثمان بن بشر أن يفيدني عن أحوال و أخبار أسرته (آل بشر) منذ عهد المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر صاحب التاريخ (عنوان المجد) فأجابني مشكورا بهذه الفائدة التي فيها التفصيل الكافي و الشرح الوافي عن هذه الأسرة العلمية الكريمة، فأوردها بنصها لتمام الفائدة عن الشيخ المؤرخ عثمان بن بشر، (رحمه اللّه).

و الشيخ عبد اللّه حينما أفادني كان رئيس محكمة مدينة عنيزة، و الآن هو أحد أعضاء محكمة التمييز لمنطقة الرياض و المنطقة الشرقية.

و إلى القراء الأفاضل نص خطاب فضيلته:

صاحب الفضيلة الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن البسام حفظه اللّه.

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، و بعد:

سبق أن طلبتم منا بعض المعلومات عن جدنا الشيخ أحمد بن‏

13

عثمان بن عبد اللّه البشر، و تلبية لطلبكم أفيد فضيلتكم أن للجد صاحب «عنوان المجد في تاريخ نجد» الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن أحمد البشر له أربعة أبناء، و هم عبد المحسن و ناصر و أحمد و محمد.

و كان له أخ قد انتقل من نجد إلى جهة البصرة و الزبير كعادة أهل نجد سابقا و رزقه اللّه، و صار له أملاك عقارية و نخيل، ثم توفي و لم يخلف ذرية، و ورثه أخوه الشيخ عثمان بن عبد اللّه، و في بعض السنين ارتحل عبد المحسن و ناصر أبناء الشيخ عثمان المذكور من عند أبيهما في جلاجل قاصدين البصرة التي فيها عقارات والدهم الموروثة من أخيه، و سكنا بلدة الزبير و صارا من جملة سكانها، و هذا و اللّه أعلم أنه قبل عام 1280 ه ألف و مئتين و ثمانين، و بقيا هناك حتى توفيا، و لا زال بقايا ذريتهما في بلدة الزبير حتى الآن، و أكثرهم عادوا إلى نجد، و يوجدون الآن في مدينة الرياض.

أما جدنا أحمد ابن الشيخ عثمان فقد سافر من عند والده في جلاجل عام ألف و مئتين و واحد و ثمانين تقريبا 1281 ه مريدا اللحاق بأخويه عبد المحسن و ناصر حسب ما لمى إلينا و كان سفره عن طريق القصيم.

و بعد وصوله إلى قرية التنومة عاصمة الأسياح قديما طلب منه أمير التنومة ابن فهيد، و يظهر أن اسمه عبد العزيز أو عبد اللّه أن يكون إماما لهم حينما سمع تلاوته للقرآن و أعجبه صوته، فوافق على ذلك، و أعلمه أنه لا يرغب الذهاب إلى العراق.

و لمّا عمرت عين ابن فهيد التي هي عاصمة الأسياح حاليا انتقل إليها، و صار إماما و خطيبا للمسجد الجامع فيها و معلمّا حتى توفي سنة 1340 ه (رحمه اللّه).

14

أما الابن الرابع لشيخ عثمان بن عبد اللّه الذي هو محمد، فبقي لدى والده الشيخ عثمان المؤرخ حتى توفي والده عام 1290 ه و بعد وفاة والده التحق بإخوانه الذين في الزبير، و ذريته الآن في الكويت أهل محلات و بيع و شراء.

كما نحيطكم علما أن آل البشر بعد انتقالهم من بلد شقراء سكنوا بلدة عودة سدير، و تملكوا هناك، و من عودة سدير إلى بلدة جلاجل في سدير، بدليل أن الشيخ المؤرخ عثمان ذكر في وصيته أنه نقل أوقاف أجداده من عودة سدير إلى جلاجل، و يوجد الآن ملك و نخيل بعودة سدير يسمى ملك البشر.

أما الوالد (رحمه اللّه) الشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان المؤرخ، فقد حبب إليه طلب العلم في صغره، و حفظ القرآن عن ظهر قلب، و رحل إلى مدينة الرياض لطلب العلم، و الظاهر أنه قرأ على الشيخ عبد اللّه بن عبد اللطيف (رحمه اللّه) أقل من سنة، ثم عاد إلى والده بالأسياح بناء على طلب والده بعد ما استشار الشيخ عبد اللّه (رحمه اللّه)، و أشار عليه بتلبية طلب والده، ثم رحل إلى الشيخ صالح بن سالم بن بنيان (رحمه اللّه) في حائل، و ذلك و اللّه أعلم أنه في حدود عام 1330 ه تقريبا.

ثم صارت قراءته على الشيخين الفاضلين عبد اللّه و عمر ابني الشيخ محمد بن سليم، حتى تعين في بلدة الأجفر في منطقة حائل سنة 1341 ه إماما و معلما و خطيبا للجامع لديهم، و كذلك كان يقضي بينهم، و ذلك بأمر الشيخ عبد اللّه بن سليم (رحمه اللّه)، و أمير بريدة آنذاك عبد العزيز بن مساعد بن جلوي (رحمه اللّه).

15

أخلاقه و سيرته (رحمه اللّه):

كان (رحمه اللّه) يتخلّق بالأخلاق الفاضلة، و يترفع عن الأخلاق الرديئة، و كان يحب العلم و أهله، و يحزن لموت العلماء، و يتأثر غاية التأثر، و كان لا يتكلم إلّا بخير، و يبغض الغيبة و النميمة و أهلها، و يحب الإصلاح بين المتشاقين، و يبذل غاية جهده في ذلك.

و كان لا يقوم من المجلس الذي هو فيه إلّا بعد قراءة كتاب من كتب أهل العلم و لا سيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه اللّه) و تلميذه ابن القيم (رحمه اللّه)، فإن لم يكن معه كتاب قرأ آيات من القرآن.

و كان له هيبة و وقار عند مجالسيه، مع لين أخلاقه و دماثتها.

و كان (رحمه اللّه) آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، و يحب الضعيف و يساعده بما يقدر عليه.

و كان (رحمه اللّه) زاهدا ورعا متعففا.

و في بعض السنين أرسل له الملك سعود (رحمه اللّه)- لما كان ولي عهد- عادته السنوية، فوجد معها زيادة مائة و خمسين ريال، فكتب لولي العهد يخبره أنه وجد مائة و خمسين ريال زيادة على عادته السنوية، فكتب له سعود (رحمه اللّه) أن هذا حصل خطأ، و سامحين لك فيه.

و كان (رحمه اللّه) يقرأ كل ليلة آخر الليل أربعة أجزاء من القرآن في قيام الليل، و يصلي إحدى عشرة ركعة حضرا و سفرا حتى توفاه اللّه، و لا يخرج بعد صلاة الفجر من المسجد حتى يصلي صلاة الضحى، و يصوم من كل شهر ثلاثة أيام دواما، و ستة أيام من شوال دواما، و تسع ذي الحجة دواما ما لم يكن حاجا، و عاشر محرم مع يوم قبله أو بعده.

16

و كان له عدة تلاميذ، منهم: عقيل بن جزاع الشمري، و كان عقيل فرضيا، و منهم: سويلم بن مناع الشمري، و منهم: الشيخ عبيد بن ثنيان الشمري، الذي تولى عدة مناصب قضائية، و منهم: عبد المحسن بن مطير الشمري إمام و خطيب جامع قرية الكهفية حاليا، و منهم: صائل بن عليف الشمري، و منهم عبد الوهاب بن مهيزل الشمري، و منهم: شامي الرزني الشمري، و منهم: راضي بن عقاب الشمري، و منهم: فضيلة الشيخ عبد اللّه الخليفي أحد أئمة الحرم المكي، قرأ عليه القرآن، و منهم: سعود بن سلمان الشمري، و منهم: فهيد بن فهد الفهيد، و زيد بن محمد الرعوجي الفهيد، و منهم: إبراهيم بن عبد العزيز الجاسر و غيرهم.

و كانت وفاته (رحمه اللّه) آخر شهر ذي الحجة عام 1367 ه بعد مرجعه من الحج حيث أصيب في مرض و هو في مكة المكرمة.

هذا ما تيسّر تحريره، قاله و أملاه الفقير إلى عفو ربه تعالى عبد اللّه بن عثمان البشر، و كتبه من إملائه عبد اللّه بن منصور الجطيلي تحريرا في اليوم الثامن عشر من شهر ذي القعدة لعام 1409 ه و صلّى اللّه و سلّم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

عبد اللّه بن عثمان البشر

***

17

ترجمة المؤرخ الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن عنّيق (كان حيّا سنة 1283 ه)

الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن موسى بن عنّيق- تصغير عناق- و أسرة آل عنيق من آل عسكر بن بسام بن عقبة بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب، فهم من آل عساكر ثم من آل محمد الذين هم أحد بطني قبيلة الوهبة من بني حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم.

هذا نسبهم، و ظهر منهم طائفة من العلماء، منهم الفقيه الشيخ محمد بن عبد اللّه بن عنّيق، و قد رأيت له إجابات سديدة على أجوبة فقهية عديدة.

أما بلدهم فكانت أشيقر، موطن الوهبة عامة، ثم انتقلت أسرة المترجم إلى بلد التّويم، أحد بلدان سدير، فولد فيه، و تعلّم فيه مبادى‏ء العلوم، ثم شرع في طلب العلم، حتى عدّ من أهله، و صار إمام جامع بلد التويم، و قد اختصر (عنوان المجد في تاريخ نجد)، و سأنقل هنا مقدمة مختصره لتظهر صفة عمله فيه، قال:

ثم إن الفقير إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن موسى بن عنّيق نظر في الكتاب الذي صنفه عثمان بن بشر، و أراد أن ينتقي منه طرفا اختصارا

18

يزين به مختصر المصنف مما لم يذكره فيه، و أن يجعل ما أراد ذكره من أوائل بعض السنين السابقة قبل سني هذا الكتاب متحدة متوالية، و هي التي نبه المصنف عليها بقوله- سابقة-). ا ه. كلامه.

قلت: إلّا أن ما اطلعت عليه من هذا المختصر انتهى بنهاية عام 1237 ه، ثم قفز بحادثة واحدة وقعت عام 1283 ه، و من المعلوم أنه لم يصل إليها ابن بشر في كتابه الذي بين أيدينا، و المختصر لم يختم بما يدل على نهايته.

و بهذا نعرف أن المترجم كان على قيد الحياة حتى عام 1283 ه، و لا أعلم كم عاش بعدها. (رحمه اللّه تعالى).

***

19

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقدمة

هذا التاريخ هو مختصر من تاريخ الشيخ عثمان بن بشر «عنوان المجد في تاريخ نجد».

و هو مختصر، و إن لم يأت بشي‏ء جديد عن الأصل، فنحن ننشره إكمالا لحلقة ما نعثر عليه من تواريخ نجد على أي صفة وجدت.

و صاحبا هذا المختصر لكل منهما ترجمة في «علماء نجد» و فيها بعض الإشارة إلى هذا المختصر، و ما يحتوي عليه، و اللّه الموفق.

المحقق‏

عبد اللّه بن عبد الرّحمن آل بسّام‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

أول الخطبة المقدمة من أول العنوان‏

الحمد للّه معز من أطاعه، و مذل من عصاه، الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله على رغم من عاداه، الذي جعل لهذه الأمة من يجدد لها دينها، و يحيي سنة نبيها، فينفذ الحق و يرعاه، و يجلي عن دينه درن الشرك و البدع المضلة و يحماه، و يقرر له التوحيد و كلمة لا إله إلّا اللّه، فهو أول ما تدعوا إليه الأنبياء أممهم و لا تدعوا إلى شي‏ء قبله سواه، و لأجله أنزل اللّه تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا.*

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له لا رب سواه، و لا نعبد إلّا إيّاه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الذي كمل به عقد النبوة، فلا نبي بعده، فطوبى لمن والاه و تولاه.

اللّهم صلّ على سيدنا محمد و آله و أصحابه، الذين جاهدوا في اللّه حق جهاده و كان هواهم تبعا لهداه.

و بعد: فالنفوس لم تزل تتشوق لأخبار الماضين، و تتشوق لأقوال الولاة المتقدمين و المتأخرين، و لم يزل أهل العلم يؤرخون وقايع الملوك و أخبارهم، و يبحثون أيامهم و أعصارهم.

22

قال ابن الجوزي: قال الشعبي: لما أهبط اللّه آدم من الجنة و انتشر ولده، أرّخ بنوه من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث اللّه نوحا (عليه السلام)، فأرخوا من مبعث نوح، حتى كان الغرق، و كان التاريخ من الطوفان إلى إبراهيم (عليه السلام)، فلما أكثر ولد إبراهيم افترقوا، فأرخ بنو إسحاق من نار إبراهيم إلى مبعث يوسف (عليه السلام)، و من مبعث يوسف إلى مبعث موسى، و من مبعث موسى إلى ملك سليمان، و من ملك سليمان إلى مبعث عيسى، و من مبعث عيسى إلى مبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى بناء البيت، و من بنيان البيت تفرقت مهد، و كانت للعرب أيام و أعلام يعدون منها، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.

و كان التاريخ من الفيل، حتى أرخ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من الهجرة، و إنما أرخ بعد سبعة عشر سنة من مهاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ! قال فجمع عمر الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال بعضهم: أرخ لمهاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن مهاجره فرق بين الحق و الباطل.

و قال مرعي بن يوسف في تاريخه: ثم قالوا- يعني الصحابة-: بأي شي‏ء نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقال بعضهم: رجب، و بعض قال: رمضان، و بعض قال: ذي الحجة، و بعض قال: الشهر الذي خرج فيه من مكة، و بعض قال: الشهر الذي قدم فيه المدينة، و قال عثمان رضي اللّه عنه: أرخوا من المحرم أول السنة، و هي شهر محرم، و أول الشهور في العدة، و منصرف الناس من الحج، فأجمعوا على ذلك.

23

ثم إن هذا الدين الذي منّ اللّه به على أهل نجد آخر هذا الزمان بعد ما كثر فيهم الجهل و الضلال، و الظلم و الجور و القتال، فجمعهم اللّه تعالى بعد الفرقة، و أعزهم بعد الذلة، و أغناهم بعد السبلة، و جعلهم إخوانا، فأمنت به السبل، و حيت السنة، و استنار التوحيد بعد ما خفا و درس، و زال الشرك بعد ما رسى في البلاد و غرس، و طفت نيران الظلم و الفتن، و رفعت مواد الفساد و المحن، و نشر راية الجهاد على أهل الجور و العناد، و كان فعلهم ذلك من يقول الشي‏ء كن فيكون‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ [الأنبياء: 105].

و ذلك بسبب من عمت بركة علمه العباد، و شيد منار الشريعة في البلاد، و قدوة الموحدين، و بقية المجتهدين، و ناصر سيد المرسلين، شيخ مشايخنا المتقدمين، الشيخ الأجل، و الكهف الأظل، محمد بن عبد الوهاب، أحله اللّه تعالى فسيح جنانه، و تغمده برحمته و رضوانه، فآواه بأن جعل عز الإسلام على يديه، و جاد بنفسه و ما لديه، و لم يخش لوم اللائمين، و لا كيد الأعداء المحاربين محمد بن سعود و بنوه، و من ساعدهم على ذلك و ذووه، خلد ملكهم مدى الزمان، و أبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان، فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد، و بذل الجد و الجهد و الاجتهاد، فقام في عداوته الأكابر و الأصاغر، و جروا عليه المدافع و القنابر، فلم يثن عزمه ما فعل المبطلون، و جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون.

ثم إن نفسي لم تزل تتوق لمعرفة وقايعهم و أحوالهم، و صفة جيوشهم العرمرمية و قتالهم، فإنهم هم الملوك الذين حازوا فضائل المفاخر، و ذل لهيبتهم كل عنيد من باد و حاضر، ملؤوا هذه الجزيرة بإدمان سيف قهرهم، كما ملؤوها بسيل عدلهم و برهم، و استبشرت بهم الحرمان الشريفان.

24

() صورة المخطوطة

25

حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة»، فهدموه و أعدموه، و قرروا التوحيد في تبالة و بينوه.

فحقيق من هذه حالهم و فعالهم، أن يتشرف القرطاس بها و المداد، و أن تنشر فضائلهم في البلاد بين العباد.

و اعلم أن أهل نجد و علماءهم القديمين و الحديثين لم يكن لهم عناية بتاريخ أوطالهم، و لا من بناها و لا ما حدث فيها و سار إليها إلّا نوادر يكتبها بعض علمائهم هي عنها أغنى لأنهم إذا ذكروا قتالا أو حادثة قالوا: في هذه السنة جرت الواقعة الفلانية، و لا يذكرون صفتها و لا موضعها، و نحن نعلم أن من زمن آدم إلى اليوم كله قتال، لكن نريد أن نعلم الحقيقة و السبب و ما يقع فيها من الغرايب و العجايب، و كل ذلك في تاريخهم معدوم.

ثم إني أردت أن أجمع مجموعا في وقايع آل سعود و أئمتهم و أخبارهم، و لا وجدت من يخبرني عنها أخبارا صدقا، و لا متقنا لها لا يقول إلّا حقّا، و الكذب آخر هذا الزمان غلب على الناس، فلا تتجاسر أن تكتب كل ما نتلوه في القرطاس، لأننا وجدناهم إذا سمعوا قولا و نقلوه من موضع إلى موضع زادوه و نقصوه، و اختلاق الكذب عليهم أغلب، و ذهبوا فيه كل مذهب، فنسأل اللّه العظيم أن يعصمنا من الزلل في القول و العمل.

و إني تتبعت من أرخ أيامهم، فلم أجد من يشفي الغليل، و لا وجدت تصريحا لبيان الوقايع و مواضيعها يتداوى به العليل، إلّا أنني وجدت لمحمد بن علي بن سلوم الفرضي الحنبلي إشارات لطيفة في تتابع السنين، و رسم وقايع كل سنة بما لا يفيد، و لا يحقق تحقيقها للوقايع و مواضيعها، ينتفع به المستفيد.

26

بلغ في ترسماته إلى قرب موت عبد العزيز بن محمد بن سعود، ثم وجدت أيضا ترسيمات لغيره أحسن من رسمه، متصلة به.

فلما ظفرت بالسنين و معرفة الوقايع فيها، استخرت اللّه تعالى في وضع هذا المجموع، و أخذت صفة الوقايع و المواضيع من أفواه رجال شاهدوها، و ما لم يدركوه منها فعن من شاهدها نقلوها، و بذلت جهدا في تحري الصدق، و لم أكتب إلّا ما يقع في ظني أنه الحق، من قول ثقة يغلب على الظن صدقه عن صفة الوقايع و مواضيعها و غير ذلك.

فمن وجد في كتابي هذا زيادة أو نقصانا، أو تقدما أو تأخرا، فليعلم الواقف عليه أني لم أتعمد الكذب فيه، و إنما هو مما نقل لي و العهدة على ناقليه، و أثبت في كتابي هذا بعض الحوادث التي لا تختص بنجد، لأنها ربما يحتاج إليها بعض من يقف عليها.

و اعلم أن بعض من سبق من علماء نجد أرخوا تاريخات، و رسموا ترسيمات، قصّروا فيها عن المطلوب، و لكن لا تخلوا من فائدة في معرفة بعض الحوادث و سنين الجدب و الخصب، و معرفة اختلاف أهل نجد و افتراقهم قبل ظهور هذا الدين، و معرفة نعمته بعد ذلك و ما جاء في ضمنه، و هي قبل كتابي هذا متصلة به، فلا رأيت أن أتركها و لا أبدأ بها هذا الكتاب، لأن السنين التي بعدها هي التي لأجلها وضع الكتاب، و وقع عليها الخطاب، و تطاولت لها الأعناق، و كثر البحث عنها و الاشتياق.

فهي أحق بالتقديم لفضلها و فضل أهلها، و لكونها من السنين المباركة على أهل نجد في دينهم و اتساعهم في معايشهم و أسفارهم و حجهم، و إذلالهم لعدوهم و قهرهم، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غير ذلك.

27

فأردت أن أدخل السنين السابقة بين سنين هذا الكتاب فتكون فيه متتابعة، كل سنة سابقة تحت كل سنة لاحقة، و العلامة عليها قولي: سابقة، ليحصل في الكتاب فائدة التقدم و التأخر، و سميته: «عنوان المجد في تاريخ نجد».

فأسأل اللّه الذي لا إله إلّا هو أن يلهمنا صدق القول، و أن يوفقنا لمتابعة هدي الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و أن يعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها و ما بطن، ثم أسأل من وجد في كتابي هذا خللا أن يتجاوز عن زللي فيه، فمن أقال عثرة مسلم أقال اللّه عثرته و تجاوز عن مساويه.

ثم ذكر أول بدوّ أمر الشيخ و رحلاته و مشايخه و نزوله العينية و الدرعية إلى أن قال: و لما هاجر من هاجر إلى الدرعية و استوطنوها، كانوا في أضيق عيش و أشد حاجة، و ابتلو أشد بلاء، فكانوا في الليل يأخذون الأجرة و يحترفون، و في النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث و المذاكرة، و أهل الدرعية حينئذ في غاية الضعف و ضيق المؤنة، و لكن كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) لعبد اللّه بن عباس: «و اعلم أن النصر مع الصبر، و أن الفرج مع الكرب، و أن مع العسر يسرا».

و لقد رأيت الدرعية بعد ذلك في زمن سعود (رحمه اللّه تعالى)، و ما فيه أهلها من الأموال و كثرة الرجال و السلاح المحلى بالذهب و الفضة الذي لا يوجد مثله، و الخيل و الجياد و النجايب العمانيات و الملابس الفاخرة، و غير ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عده اللسان، و يكل عن حصره الجنان و البنان.

و لقد نظرت إلى موسمها يوما في مكان مرتفع- و هو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود المعروفة بالطريف‏

28

و منازلها الشرقية المعروفة بالبحيرى، و التي فيها أبناء الشيخ- و رأيت موسم الرجال في جانب، و موسم النساء في جانب، و موسم اللحم في جانب، و ما بين ذلك من الذهب و الفضة و السلاح و الإبل و الأغنام، و البيع و الشراء، و الأخذ و العطاء، و غير ذلك، و هو مد البصر، لا تسمع فيه إلّا كدويّ النحل من الفجاج، و قول بعت و شريت، و الدكاكين على جانبيه الشرقي و الغربي.

و فيها من الهدم‏ (1) و القماش و السلاح ما لا يعرف و لا يوصف، فسبحان من لا يزول ملكه، و سيأتي طرف من ذلك عند هدم الدرعية إن شاء اللّه تعالى رجعنا إلى ما نحن فيه.

و لما استوطن الشيخ الدرعية، و كانوا في غاية الجهالة و ما وقعوا فيه من الشرك الأكبر و الأصغر، و التهاون بالصلوات و الزكاة، و رفض شعائر الإسلام، فتخولهم الشيخ بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ثم أمرهم بتعلم لا إله إلّا اللّه، و أنها نفي و إثبات، فلا إله، فنفى جميع المعبودات، و إلّا اللّه تثبت العبادة له وحده لا شريك له.

ثم أمرهم بتعلم ثلاثة أصول، و هي: معرفة اللّه تعالى بآياته و مخلوقاته الدالة على ربوبيته و إلهيته، كالشمس و القمر و النجوم و الليل و النهار، و السحاب المسخر بين السماء و الأرض و ما عليها من الأدلة من القرآن و معرفة الإسلام و أنه تسليم الأمر معه و هو الانقياد لأمر اللّه و الانزجار عن مناهيه أركانه التي بني عليها من الأدلة من القرآن و معرفة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و اسمه و نسبه و مبعثه و هجرته، و معرفة أول ما دعا إليه، و هي لا إله إلّا اللّه، ثم معرفة البعث، و أن من أنكره أو شك فيه، فهو كافر و ما على ذلك من الأدلة

____________

(1) الملابس الجاهزة.

29

من القرآن، و معرفة دين محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، و هو التوحيد، و دين أبي جهل و أتباعه و هو الشرك باللّه.

فلما استقر في قلوبهم معرفة التوحيد بعد الجهالة، و أشرب في قلوبهم محبة الشيخ، و أحبوا المهاجرين و أودهم.

ثم إن الشيخ كاتب أهل البلدان بذلك و رؤساءهم و قضاتهم و مدعي العلم منهم، فمنهم من قبل و اتبع الحق، و منهم من اتخذه سخريا و استهزؤوا به، و نسبوه إلى الجهل و عدم المعرفة، و منهم من نسبه إلى السحر، و منهم من رماه بأشياء هو منها بري‏ء، و حاشاه عما يقوله الكاذبون. و لكن يريدون أن يصدوا بها الناس عنه، و قد رمى المشركون سيد ولد آدم (صلى اللّه عليه و سلم) بأعظم من ذلك.

ثم أمر الشيخ بالجهاد و حضهم عليه، فامتثلوا، فأول جيش غزا سبع ركايب، فلما ركبوها و أعجلت بهم النجايب في سيرها سقطوا من أكوارها، لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا، أظنه على بعض الأعراب، فغنموا و رجعوا سالمين، و كان الشيخ (رحمه اللّه تعالى) لما هاجر إليه المهاجرون يتحمل الدين الكثير في ذمته لمؤنتهم و ما يحتاجون إليه، و في حوائج الناس و جوايز الوفود إليه من أهل البلدان و البوادي، ذكر لي أنه حين فتح الرياض و في ذمته أربعون ألف محمدية فقضاها من غنايمها.

و كان لا يمسك على درهم و لا دينار، و ما أتى إليه من الأخماس و الزكوات يفرقه في أوانه، و كان يعطي العطاء الجزيل، بحيث إنه يهب خمس الغنيمة لاثنين أو ثلاثة، فكانت الأخماس و الزكوات و ما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء و جليلها تدفع إليه بيده يضعها حيث يشاء، و لا يأخذ عبد العزيز و لا غيره من ذلك شيئا إلّا عن أمره.

30

بيده الحل و العقد و الأخذ و الإعطاء، و التقديم و التأخير، و لا يركب جيش و لا يصدر رأي من محمد و ابنه عبد العزيز إلّا عن قوله و رأيه.

فلما فتح الرياض عليهم، و اتسعت ناحية الإسلام، و أمنت السبل، و انقاد كل صعب من باد و حاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز، و فوض أمور المسلمين و بيت المال إليه، و انسلخ منها، و لزم العبادة و تعليم العلم، و لكن ما يقطع عبد العزيز أمرا و لا ينفذه إلّا بإذنه.

آخر المقدمة و بأمر الشيخ، ثم ذكر السنين و الغزوات فيها، و بدأ بالسنة التي نزل بها الشيخ الدرعية، و هي سنة ثمان و خمسين و ماية و ألف و قال:

***

31

[ذكر السنين و الغزوات فيهاو هي سنة ثمان و خمسين و ماية و ألف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في سنة 1206 ه «السادسة و مائتين و ألف»: في هذه السنة توفي شيخ الإسلام، مفيد الأنام، قامع المبتدعين، مشيد أعلام الدين، مقرر دلايل البراهين. محيي معالم الدين بعد دروسها، و مظهر آيات التوحيد بعد أفول أقمارها و ... (1) الشيخ محمد بن الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب.

كان الشيخ (رحمه اللّه) كثير الذكر، قلّ ما يفتر لسانه من قول:

سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر، و كان إذا جلس الناس ينتظرونه، يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجه بالتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير، و كان عطاؤه عطاء من وثق باللّه، لا يخشى الفقر، بحيث إنه يهب الزكاة و الغنيمة في موضع واحد، لا يقوم و معه منها شي‏ء، و يتحمل الدين الكبير لأضيافه و سائله و الوافدين إليه و عليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من العلماء

____________

(1) بياض في الأصل.

32

و الرؤساء و غيرهم، و هذا شي‏ء وضعه اللّه له في القلوب، و إلّا ما علمنا أحدا ألين و لا أخفض جانبا منه لطالب علم، أو سائل، أو ذي حاجة، أو مقتبس فايدة.

و كان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم و كل وقت في التوحيد و التفسير و الفقه و غيرها، و انتفع الناس بعلمه، و كان في بيت علم في آبائه و أعمامه و بني أعمامه، و اتصل العلم في بنيه و بني بنيه.

كان سليمان بن علي جده عالم نجد في زمانه له اليد الطولى في العلم، و انتهت إليه الرياسة في نجد، و ضربت إليه آباط الإبل. صنّف و درّس و أفتى، سبقت ترجمته في سابقة سنة تسع و سبعين و ماية ألف.

و معرفتي من أبناء سليمان بعبد الوهاب و إبراهيم، فأما إبراهيم فكان عالما فقيها له معرفة في الفقه و غيره، و ابنه عبد الرحمن بن إبراهيم عالما فقهيا كاتبا، و أما عبد الوهاب فكان عالما فقيها قاضيا في بلد العينية، ثم في بلد حريملا، و ذلك في أول القرن الثاني عشر، و له معرفة في الفقه و غيره، و رأيت له سؤالات و جوابات. و ابناه محمد و سليمان، فأما سليمان فكان قاضيا عالما فقيها في بلد حريملا، و له معرفة و دراية، من بنيه عبد اللّه و عبد العزيز، و كان لهما معرفة في العلم و يضرب بهما المثل بالعبادة و الورع.

و أما محمد فهو شيخ الإسلام، و الحبر الهمام الذي عمت بركة عمله الأنام، فنصر السنة و عظمت به من اللّه المعد بعد ما كان الإسلام غريبا، فقام بهذا الدين و لم يكن في البلاد إلّا اسمه، و انتشر في الآفاق. فكل امرء أخذ منه حظه و قسمه.

33

و بعث العمال لقبض الزكاة، و خرص الثمار بعد أن كانوا قبل ذلك يسمون عند الناس مكّاسا و عشارا، و نشرت راية الجهاد بعد أن كانت فتنا و قتالا، و عرف التوحيد الصغير و الكبير بعد أن كان لا يعرفه إلّا الخواص، و اجتمع الناس على الصلوات و الدروس و السؤال عن أصل الإسلام و شروط الصلاة و أركانها و واجباتها و معاني قراءتها. و تعلمها الصغير و الكبير، و القاري و الأمي، بعد أن كان لا يعرفه إلّا الخواص.

و انتفع بعلمه أهل الآفاق، لأنهم يسألون ما يأمر به و ينهى عنه، فيقال: يأمر بالتوحيد و ينهى عن الشرك، و يقال لهم: إن أهل نجد يمقتونكم بذلك، فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق بسبب ما سمعوا من أوامره و نواهيه.

و هدم المسلمون ببركة علمه جميع القباب و المشاهد التي بنيت على القبور و غيرها، من جميع المواضع الشركية في أقاصي الأقطار من الحرمين، و اليمن، و تهامة، و عمان، و الأحساء، و نجد و غير ذلك، حتى لا تجد في جميع شملته ولاية المسلمين الأصغر، فضلا عن غيره حاثنا الريا، الذي قال فيه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إنه أخف من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل.

و أمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح، أو بين العشائين عن معرفة ثلاثة أصول: و هي معرفة اللّه، و معرفة دين الإسلام، و معرفة أركانه، و ما ورد عليها من الأدلة من القرآن، و معرفة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و نسبه و مبعثه و هجرته، و أول ما دعا إليه، و هي لا إله إلّا اللّه، و معرفة معناها، و البعث بعد الموت، و شروط الصلاة

34

و أركانها و واجباتها، و فروض الوضوء و نواقضه، و ما يتبع ذلك من تحقيق التوحيد من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلّا للّه، كالدعاء و الذبح و النذر و الخوف و الرجاء و الخشية و الرغبة و الرهبة و التوكل و الإنابة و غير ذلك، و قد سبق طرف من ذلك.

و بالجملة فمحاسنه و فضائله أكثر من أن تحصر، و أشهر من أن تذكر، و لو بسطت القول فيها لا تسع لأسفار، و لكن هذه قطرة من بحر فضائله على وجه الاختصار، و كفى شرفا ما حصل بسببه من إزالة البدع و اجتماع المسلمين و تقويم الجماعات و الجمع، و تجديد الدين بعد دروسه، و قلع أصول الشرك بعد غروسه.

و كان (رحمه اللّه تعالى) هو الذي يجهز الجيوش و يبعث السرايا، و يكاتب أهل البلدان و يكاتبونه و الوفود إليه و الضيوف عنده و الداخل و الخارج من عنده، فلم يزل مجاهدا حتى أذعنوا أهل نجد و تابعوا، و عمل فيها بالحق، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بايعوا فعمرت نجد بعد خرابها، و صلحت بعد فسادها، و نال الفخر و الملك من آواه، و صاروا ملوكا بعد الذل و التفرق و القتال، و هكذا كل من نصر الشريعة من قديم الزمان و حديثه أن اللّه يظهره على أعداه، و يجعله مالكا لمن عاداه، و لقد أحسن القائل، و هو الشيخ العلامة حسين بن غنام الأحسائي من قصيدة في الشيخ (رحمه اللّه):

و جرّت به نجد ذيول افتخارها* * * و حق لها بالألمعي ترفع‏

و سنأتي بالقصيدة بتمامها آخر الترجمة إن شاء اللّه، و كان (رحمه اللّه) كثيرا ما يتمثل بثلاثة هذه الأبيات:

بأيّ لسان أشكر اللّه إنه‏* * * لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر

35

حباني الإسلام فضلا و نعمة* * * على و بان بفضل اللّه نور البصائر

و النعمة العظمى اعتقاد بن حنبل‏* * * عليها اعتقادي يوم كشف السرائر

صنف (رحمه اللّه تعالى) مصنفات عديدة و مسائل مفيدة في أصل الإسلام و تقرير التوحيد، فمنها «كتاب التوحيد» ما وضع المصنفون في فنه أحسن منه، فإنه أحسن و أجاد و أبلغ الغاية و المراد، و كلامه على القرآن أكثر من مجلد، أتى فيه بالعجب العجاب، من تقرير التوحيد و معرفة الشرك، و كل آية و قصة يأتي عليها بعدة مسائل، حتى أتى في قصة موسى و الخضر في سورة الكهف بقريب ماية مسألة.

صنف كتاب «كشف الشبهات»، و كتاب «الكباير و المسايل التي خالف فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أهل الجاهلية»، أكثر من ماية مسألة، و صنف غير ذلك عدد نسخ و أوراق و فتاوى و مراسلات فقهية و أصولية أكثرها في تقرير التوحيد.

و قد رأيت مجلدات عديدة من مراسلاته و فتاويه و نبذ نسخ وضعها لأهل الآفاق: كلها في أصل الإسلام، و اختصر «شرح الكبير» و «الإنصاف»، و أخذ منها مجلدا، و اختصر «الهدي النبوي» لابن القيم في مجلد لطيف، و أخذ من «شرح الإقناع» آداب المشي إلى الصلاة.

أخذ العلم عن عدة مشايخ أجلاء و علماء فضلاء. أخذ الفقه عن أبيه عبد الوهاب في نجد و غيره، و أخذ أيضا عن الشيخ العالم محمد حياة السندي المدني، و الشيخ عبد اللّه بن سيف والد مصنف «العذب الفايض في علم الفرايض» إبراهيم بن عبد اللّه، و صاحب البصرة و غيره. و تقدم بيانه أول الكتاب.

36

و أخذ عنه عدة من العلماء الأجلاء، من بنيه و بني بنيه و غيرهم من علماء النواحي و الأقطار، فمنهم أبناؤه الأربعة العلماء و القضاة الفضلاء، الذين جمعوا أنواع العلوم الشرعية، و استكملوا الفنون الأدبية، و أتقنوا الفروع و الأصول، و نهجوا مناهج المعقول و المنقول: حسين و عبد اللّه و علي و إبراهيم.

و لقد رأيت لهؤلاء الأربعة العلماء الأجلاء مجالس و محافل في التدريس في بلد الدرعية، و عندهم من طلبة العلم من أهل الرعية و أهل الآفاق الغرباء ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب.

و لهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، و كل واحد منهم قرب بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء، و نفقتهم في بيت المال، يأخذون العلم عنهم في كل وقت.

فأما حسين، فهو الخليفة بعد أبيه، و القاضي في بلد الدرعية، و له عدة بنين طلبة علم و قضاة، و معرفتي منهم بعلي و حمد و حسين و عبد الرحمن و عبد الملك، فأما علي فهو الشيخ الفاضل و حاوي الفضائل العلامة في الأصول و الفروع الجامع بين المعقول و المشروع، كشاف المشكلات، و مفتاح خزائن أسرار الآيات، قاضي الدرعية ... (1) و خليفتهم فيها إذا غابوا زمن سعود و ابنه عبد اللّه.

ثم ولي القضاء تركي بن عبد اللّه (رحمه اللّه تعالى) في حوطة بني تميم، ثم كان قاضيا في بلد الرياض عند الإمام فيصل بن تركي أسعده اللّه، و كان له المعرفة التامة في الحديث و الفقه و التفسير و غير ذلك.

____________

(1) بياض في الأصل.

37

و أما حسن فولي القضاء في الرياض زمن تركي بن عبد اللّه، و له المعرفة التامة في الفقه و غيره، و لكن لم تطل مدته و توفي في سنة خمس و أربعين و مائتين و ألف.

و أما عبد الرحمن، فولي القضاء في ناحية الخرج لتركي بن عبد اللّه لابنه فيصل، و له معرفة و دراية في الفقه و التفسير و النحو و غير ذلك.

و أما أحمد و عبد الملك فطلبة علم و لهم معرفة، و أما عبد اللّه بن الشيخ، فهو عالم جليل صنف المصنفات في الأصول و الفروع، و هو الخليفة بعد أخيه حسين، و القاضي في بلد الدرعية زمن سعود و ابنه عبد العزيز.

و معرفتي من بنيه بسليمان و علي، فأما سليمان فكان آية في العلم و معرفته فنونه، و سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء اللّه تعالى.

و أما علي فله اليد الطولى في معرفة الحديث و رجاله و التفسير و غير ذلك، و ذكر لي أنه علق شرحا على «كتاب التوحيد»، تأليف جده محمد بن عبد الوهاب، و كان لعبد اللّه المذكور ابن اسمه عبد الرحمن جلا معه إلى مصر و هو صغير، و ذكر لي أنه اليوم في رواق الحنابلة في الجامع الأزهر و عنده طلبة علم، و له معرفة تامة.

و أما علي بن الشيخ، فكان عالما جليلا ورعا كثير الخوف من اللّه، و كان يضرب به المثل في بلد الدرعية بالورع و الديانة، و له معرفة في الفقه و التفسير و غير ذلك و راودوه على القضاء فأبى عنه، و أبناؤه صغار ماتوا قبل التحصيل أما محمد فإنه طالب علم، و له معرفة. و أما إبراهيم بن الشيخ فرأيت عنده حلقة في التدريس و له معرفة في العلم، و لكنه لم يل‏

38

القضاء، قرأت عليه في صغري في «كتاب التوحيد» سنة أربع و عشرين و مائتين و ألف.

و أخذ عن الشيخ أيضا ابن ابنه الشيخ العالم الفاضل قدوة الأفاضل و عين الأماثل الذي أحيا مدارس العلم بعد ما عطلت المحابر، ورد عصره في الشباب بعد ما كان دابرا، الذي تزينت بدروسه المساجد و المدارس، و احتاج إلى تفريع منطوقه كل مذاكر و مدارس، مجد الفضلاء المدرسين، و مفيد الطالبين، و رئيس قضاة المسلمين، من قارنه في أقواله و أفعاله السداد و الصواب: عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي تركي بن عبد اللّه و ابنه فيصل في بلد الرياض، و كان قد ولي القضاء في الدرعية زمن سعود و ابنه عبد اللّه، و كان أخذه عن جده في صغره، و أخذ عن الشيخ أيضا الشيخ العالم الجليل، و الجهبذ الأصيل: القاضي في الدرعية زمن سعود: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر.

و أخذ عن الشيخ أيضا الشيخ الزاهد الورع الذي طبق بركة عمله الآفاق، و شهد له بالفضل أهل الآفاق: القاضي في ناحية الوشم زمن عبد العزيز و ابنه سعود و ابنه عبد اللّه عبد العزيز ابن عبد اللّه الحصين الناصري.

و أخذ عن الشيخ أيضا الشيخ العالم العامل و الزاهد الفاضل سعيد بن حجي، قاضي حوطة بن تميم زمن عبد العزيز و ابنه سعود.

و أخذ عن الشيخ أيضا العالم القاضي في بلد الدلم و ناحية الخرج زمن عبد العزيز محمد بن سويلم.

و أخذ عن الشيخ أيضا العالم الإمام في قصر آل سعود في الدرعية،

39

و القاضي في بلد الدرعية زمن عبد العزيز و ابنه سعود عبد الرحمن بن خميس.

و أخذ عن الشيخ أيضا عبد الرحمن بن نامي قاضي بلد العينية، و كان قاضيا في الأحساء زمن سعود و ابنه عبد اللّه.

و أخذ عن الشيخ أيضا محمد بن سلطان العوسجي قاضي ناحية المحمل ثم كان قاضيا في الأحساء زمن سعود.

و أخذ عن الشيخ أيضا عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين القاضي في بلد حريملا، و بلد الزلفى و غيرهما زمن سعود و ابنه عبد اللّه.

و أخذ عن الشيخ أيضا حسن بن عبد اللّه بن عيدان الأضي في بلد حريملا زمن عبد العزيز.

و أخذ عن الشيخ أيضا الشيخ العالم عبد العزيز بن سويلم القاضي في ناحية القصيم زمن عبد العزيز و ابنه سعود و ابن عبد اللّه.

و أخذ عن الشيخ أيضا حمد بن راشد العريني القاضي في ناحية سدير زمن عبد العزيز و أخذ عنه من القضاة ممن لا يحضرني الآن عدد كثير، و أخذ عنه من العلماء ممن لم يل القضاء من الرؤساء و الأعيان و من دونهم الجم الغفير، و كان (رحمه اللّه تعالى) في الرأي و الفراسة و التدبير، ما ليس لغيره، و كان كثيرا يلهج بقوله تعالى: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ [الأحقاف: 15].

و كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة، (رحمه اللّه تعالى) و عفى عنه. و كان قد ثقل آخر عمره، فكان يخرج لصلاة الجماعة يتهادى‏

40

بين رجلين، حتى يقام في الصف، و له من العمر نحو اثنين و تسعين سنة، قال الشيخ حسين بن غنام يرثي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:

إلى اللّه في كشف الشدائد نفزع‏* * * و ليس إلى غير المهيمن مفزع‏

لقد كسفت شمس المعارف و الهدى‏* * * فسالت دماء في الخدود و أدمع‏

إمام أصيب الناس طرا بفقده‏* * * و طاف بهم خطيا بين البين موجع‏

و أظلم أرجاء البلاد لموته‏* * * و حل بهم كرب من الحزن مخضع‏

شهاب هوى من أفقه و سمائه‏* * * و نجم ثوى في التراب و اراه بلقع‏

و كوكب سعد مستنير سناؤه‏* * * و بدر له في منزل اليمن مطلع‏

و صبح تبدّى للأنام ضياؤه‏* * * فداجي الدياجي بعده فتقشع‏

لقد غاض بحر العلم و الفهم و الندى‏* * * و قد كان فيه للبرية مرتع‏

فقوم جلا عنهم صدى الدين فاهتدوا* * * فأسماعهم للحق تصغي و تسمع‏

و قوم ذووا فقر و جهد وفاقة* * * حووا و اقتنوا ما فيه للعيش مطمع‏

لقد رفع المولى به رتبة الهدى‏* * * بوقت به يعطل الضلال و يرفع‏

أبان له من لمحة الحق لمحة* * * أزيل بها عند حجاب و برقع‏

سقاه غير الفهم مولاه فارتوى‏* * * و عام بتيار المعارف يقطع‏

فأحيا به التوحيد بعد اندراسه‏* * * و أهوى به من مظلم الشرك مهيع‏

فأنوار صبح الحق باد سناؤها* * * فمصالحه على و رياه منيع‏

سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها* * * سواه و لا حاذى فناها سميدع‏

و شمر في منهاج سنة أحمد* * * يشيد و يحيي ما تعفا و يرفع‏

و ينفي الأعادي من حماه و سوحه‏* * * و يدمغ أرباب الضلال و يدفع‏

يناظر بالآيات و السنة التي‏* * * أمرنا إليها في التنازع نرجع‏

فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها* * * و أمسى محياها يضي‏ء و يلمع‏

41

و عاد به نهج الغواية طامسا* * * و قد كان مسلوكا به الناس ترتع‏

و جرّت به نجد ذيول افتخارها* * * و حق لها بالألمعي ترفع‏

فآثاره فيها سوام سوافر* * * و نواره فيها تضي‏ء و تسطع‏

لقد وجد الإسلام يوم فراقه‏* * * مصابا خشينا بعده يتصدع‏

و طاشت ذووا الأحلام و الفضل و النهى‏* * * و كادت بأرواح المحبين تتبع‏

و طارت قلوب المسلمين بموته‏* * * فظنوا به أن القيامة تقزع‏

فضجوا جميعا بالبكاء تأسفا* * * و كادت قلوب بعده تتفجع‏

و فاضت عيون و استهلت مدامع‏* * * يخالطها مزج من الدم مهيع‏

بكته ذوو الحاجات يوم فراقه‏* * * و أهل الهدى و بحق الدين أجمع‏

فما لي أرى الأبصار قلص دمعها* * * و ليست على ... (1) يهمى و تدمع‏

و مالي أرى الألباب تبدي قساوة* * * و ليست على ذكراه يوما توجع‏

لقد غدرت عين تضنّ بمائها* * * عليه و كبد قد أبت لا تقطع‏

يحق لأرواح المحبين أن ترى‏* * * مقوضه لما خلت منه أربع‏

و تتلو سريرا فوقه قمر الهدى‏* * * و شمس المعالي و العلوم تشبع‏

فما بالها قرت بأشباح أهلها* * * و لم تكن في يوم الوداع تودع‏

فيا لك من قبر حوى الزهد و التقى‏* * * و حل به طود من العلم مترع‏

لئن كان في الدنيا له القبر موضعا* * * فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع‏

سقا قبره من هاطل العفو ديمة* * * و باكره سحب من البر يهمع‏

و أسكنه بحبوحة الفوز و الرضى‏* * * و لا زال بالرضوان فيها يمتع‏

____________

(1)- بياض في الأصل.

42

ثم دخلت السنة 1218 ه «الثامنة عشر و مائتين و ألف»: و قال في السنة الثامنة عشر بعد المائتين و الألف عند عند وفاة عبد العزيز بن سعود:

و في هذه السنة في العشر الأواخر من رجب قتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في مسجد الطريف المعروف في الدرعية و هو ساجد في أثناء صلاة العصر، مضى عليه رجل، قيل: إنه كردي من أهل العمادية- بلد الأكراد المعروفة عند الموصل- اسمه عثمان، أقبل من وطنه لهذا القصد محتسبا، حتى وصل الدرعية في صورة درويش، و ادعى أنه مهاجر، و أظهر التنسك بالطاعة، و تعلم شيئا من القرآن.

فأكرمه عبد العزيز و أعطاه، و كساه، و طلب الدرويش من يعلمه أركان الإسلام، و شروط الصلاة و أركانها و واجباتها، مما كانوا يعلمونه الغريب المهاجر إليهم، و كان قصده غير ذلك، فوثب عليه من الصف الثالث و الناس في السجود، فطعنه في خاصرته أسفل البطن بخنجر معه قد أخفاها و أعدها لذلك، و هو قد تأهب للموت.

فاضطرب أهل المسجد، و ماج بعضهم في بعض، فمنهم المنهزم و منهم الواقف و منهم الكار إلى جهة هذا العدو العادي.

و كان لما طعن عبد العزيز أهوى إلى أخيه عبد اللّه و هو في جانبه و برك عليه ليطعنه، فنهض عليه و تصارعا، و جرح عبد اللّه جرحا شديدا، ثم إن عبد اللّه صرعه و ضربه بالسيف، و تكاثر عليه الناس و قتلوه، و قد تبين لهم وجه الأمر، ثم حمل الإمام إلى قصره و هو قد غاب ذهنه و قرب نزعه لأن الطعنة قد هوت إلى جوفه، فلم يلبث أن توفي بعد ما صعدوا به القصر (رحمه اللّه تعالى) و عفا عنه.

و اشتد الأمر بالمسلمين و بهتوا، و كان سعود في نخله المعروف بمشيرفه‏

43

في الدرعية، فلما بلغه الخبر أقبل مسرعا. و اجتمع الناس عنده، و قام فيهم و وعظهم موعظة بليغة و عزاهم، فقام الناس و بايعوه خاصتهم و عامتهم و عزوه في أبيه.

ثم كتب إلى أهل النواحي نصيحة، يعظهم و يخبرهم بالأمر و يعزيهم و يأمرهم بالمبايعة، و كل أهل بلد و ناحية يبايعون أميرهم لسعود، فبايع جميع أهل النواحي و البلدان، و جميع رؤساء قبايل العربان، و لم يختلف اثنان و لا انتطح عنزان.

و قيل: إن هذا الدرويش الذي قتل عبد العزيز من أهل بلد الحسين، رافضي خبيث، خرج من وطنه لهذا القصد بعد ما قتلهم سعود فيها و أخذ أموالهم؛ كما تقدم فخرج ليأخذ الثأر، و كان قصده قتل سعود فلم يقدر عليه فقتل عبد العزيز، و هذا و اللّه أعلم أحرى بالصواب، لأن الأكراد ليسوا بأهل رفض و لا في قلوبهم غل على المسلمين و اللّه أعلم.

و كان عبد العزيز كثير الخوف من اللّه و الذكر له، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في اللّه لومة لائم. ينفذ الحق و لو في أهل بيته و عشيرته، لا يتعاظم ظالما فيقمعه عن الظلم، و ينفذ الحق فيه، و لا يتصاغر حقيرا ظلم فيأخذ له الحق و لو كان بعيد الوطن.

و كان لا يكترث في لباسه و لا سلاحه بحيث إن بنيه و بني بنيه محلاة سيوفهم بالذهب و الفضة و لم يكن في سيفه شي‏ء من ذلك إلّا قليلا.

و كان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، و يصلي فيه صلاة الضحى و كان كثير الرأفة و الرحمة بالرعية، خصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال و بث الصدقة فيهم، لفقرائهم و الدعاء لهم‏

44

و التفحص عن أحوالهم، و قد ذكر لي بعض من أثق به: أنه يكثر الدعاء لهم في ورده قال: و سمعته يقول: اللهم أبق فيهم كلمة لا إله إلّا اللّه و لا يحيدوا عنها.

و كانت الأقطار و الرعية في زمنه آمنة مطمئنة في عيشة هنيئة، و هو حقيق بأن يلقب مهدي زمانه؛ لأن الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أي وقت شاء، شتاء و صيفا، يمنا و شاما، شرقا و غربا، في نجد و الحجاز و اليمن و تهامة و عمان و غير ذلك، لا يخشى أحدا إلّا اللّه، لا سارقا و لا مكابرا.

و كانت جميع بلدان نجد من العارض و الخرج و القصيم و الوشم و الجنوب و غير ذلك من النواحي في أيام الربيع يسيبون جميع مواشيهم في البراري و المفالي، من الإبل و الخيل و الجياد و البقر و الأغنام و غير ذلك، ليس لها راع و لا مراع، بل إذا عطشت وردت على البلدان تشرب ثم تصدر إلى مفاليها حتى ينقضي الربيع، أو يحتاج لها أهلها لسقي زروعهم و نخيلهم، و ربما تلقح و تلد و لا يدري أهلها إلّا إذا جاءت و ولدها معها، إلّا الخيل الجياد فإن لها من يتعاهدها في مفاليها لسقيها، و حدّها بالحديد.

و كانت إبل أهل سدير و نجائبهم سائبات في أيام الربيع في الحمادة في أراط و العبلة، و معها رجل واحد يتعاهدها و يسقيها، و يزور أهله و يرجع إليها و هي في مواضعها، فيصلح رباطها و قيودها ثم يغيب عنها، و كذلك خيل أهل الوشم و نجائبهم في الحمادة و في روضة محرقة و غيرهما، و هكذا يفعلون بها. و كذلك خيل عبد العزيز و بنيه و عشيرته في‏

45

النقعة- الموضع المعروف قرب بلد خرما- و في الشعيب المعروف بقرى عبيد من وادي حنيفة، و ليس عندها إلّا من يتعاهدها لمثل ما ذكرنا، و كذلك جميع أهل النواحي تفعل ذلك.

و كان (رحمه اللّه تعالى) مع رأفته و رحمته بالرعية شديدا على من جنا جناية من الأعراب، أو قطع سبلا أو سرق شيئا، و حكي: أنه أتى حاج من العجم و نزل قرب أعراب سبيع، فسرق من الحاج غرارة فيها من الحوايج ما يساوي عشرة قروش، فكتب صاحب الغرارة إلى عبد العزيز يخبره بذلك، فأرسل إلى رؤساء تلك القبيلة فلما حضروا عنده قال لهم: إن لم تخبروني بسارق الغرارة و إلّا جعلت في أرجلكم الحديد، و أدخلتكم في السجن، و أخذت نكالا من أموالكم، فقالوا: نغرمها بأضعاف ثمنها، فقال: كلا حتى أعرف السراق. فقالوا: ذرنا نصل إلى أهلنا و نسأل عنه و نخبرك، و لم يكن بد من إخباره.

فلما أخبروه به أرسل إلى ماله و كان سبعين ناقة فباعها، و أدخل ثمنها بيت المال، و جي‏ء بالغرارة لم تتغير، و كان صاحبها قد وصل إلى وطنه فأرسلها عبد العزيز آل سعود إلى أمير الزبير و أمره أن يرسلها إلى صاحبها في ناحية العجم.

و ذكر لي شيخنا القاضي عثمان بن منصور: أن رجالا من سراق الأعراب وجدوا عنزا ضالة في رمال السر النفود المعروف في نجد و هم جياع، أخبرني: أنهم أقاموا يومين أو ثلاثة مثويين، فقال بعضهم لبعض:

لينزل أحدكم على هذه العنزة فيذبحها لنأكلها، فكل منهم قال لصاحبه:

انزل إليها، فلم يستطع أحد منهم النزول خوفا من العاقبة على الفاعل،

46

فألحوا على رجل منهم فقال: و اللّه لا أنزل إليها، و دعوها فإن عبد العزيز يرعاها، فتركوها و هم في أشد الحاجة إليها.

و كانت الحجاج و القوافل و جباة الغنائم و الزكوات و الأخماس، و جميع أهل الأسفار يأتون من البصرة و عمان و بلدان العجم و العراق و غير ذلك إلى الدرعية و يحجون منها، و يرجعون إلى أوطانهم لا يخشون أحدا من جميع البوادي مما احتوت عليه هذه المملكة، لا حرب و لا سرقة، و ليس يؤخذ منهم شي‏ء من الأخوات و القوانين التي تؤخذ على الحاج.

و أبطل جميع الإتاوات و الجوايز على الدروب التي للأعراب التي أحيوا بها سنن الجاهلية.

يخرج الراكب وحده من اليمن و تهامة و الحجاز و البصرة و البحرين و عمان و نقرة الشام لا يحمل سلاحا بل سلاحه عصاه، لا يخشى كيد عدو و لا أحدا يريده بسوء.

و أخبرني من أثق به: أنه ظهر مع عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية و هم أهل ست نجايب، محملات ريالات زكوات بوادي أهل الشام، فإذا جاءهم الليل و أرادوا النوم نبذوا رحلهم و دراهمهم يمينا و شمالا إلّا ما يجعلونه و سايد تحت رؤسهم و كان بعض العمال إذا جاؤا بالأخماس و الزكوات من أقاصي البلاد يجعلون مزاودهم أطبابا لخيمتهم و ربطا لخيالهم بالليل، لا يخشون سارقا و لا غيره.

و كان في الدرعية راعية إبل كثيرة: هي ضوال الإبل التي توجد ضائعة في البراري و المغارات، جمعا أو فرادى، فمن وجدها من باد أو حاضر في جميع أقطار الجزيرة أتى بها إلى الدرعية خوفا أن تعرف‏

47

عندهم، ثم تجعل مع تلك الإبل و جعل عبد العزيز عليها رجلا يقال له عبيد بن يعيش يحفظها و يجعل فيها رعاة و يتعاهدها بالسقي و القيام بما ينويها.

فكانت تلك الإبل توالد و تناسل و هي محفوظة، فكل من ضاع له شي‏ء من الإبل من جميع البادية و الحاضرة أتى إلى تلك الإبل، فإذا عرف ماله أتى بشاهدين أو شاهد و يمينه ثم يأخذه، و ربما وجد الواحدة اثنين.

و هذا الأمن في هذه المملكة شي‏ء وضعه اللّه تعالى في قلوب العباد من البادي و الحاضر، فيما احتوت عليه هذه المملكة، مع الرعب العظيم لمن عادى أهلها، و لم يوجد هذ الأمن إلّا في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و ذلك و اللّه أعلم من سببين: أحدهما أن الراعي إذا عف عفت رعيته، فإذا عمل الإمام بالطاعة و استعمل العدل في رعيته، و صار القريب و البعيد و الغني و الفقير و الجليل و الحقير في الحق سواء، و كان متواضعا يحب العلماء و طلبة العلم و حملة القرآن و يعظمهم، و يحب الفقراء و المساكين و يعطيهم حقهم، و يضع في المسلمين فيهم، جعل اللّه له الهيبة في القلوب، و تداعى له كل مطلوب.

السبب الثاني: أن اللّه جعل لكل شي‏ء ضدا، مخالفا له منافيا أو معاديا، فجعل الشرك ضد التوحيد، و العلم ضد الجهل، إلى غير ذلك من الأضداد، أو المنافية بعضها لبعض، و أما الأضداد المعادية بعضها لبعض كعداوة الحية لبني آدم، و عداوة إبليس لهم، و عداوة السباع لأضدادها، و عداوة البادي لأهل القرى، عداوة قديمة طبيعية، فلا يصلح هذه العداوة بين أهل القرى و بينهم بذل المال، فإنه إذا بذل لهم أصلح‏

48

عداوتهم الظاهرة نحو أسبوع أو شهر، و أما عداوتهم الباطنة كالسرق و نحوه، فهو لا يصلح الظاهرة إلا السيف.

و لما عرف عبد العزيز (رحمه اللّه تعالى) هذا الداء عرف الدواء فاستعمل لمن عاداه منهم السيف، و لمن والاه منهم قوة الجانب و الغلظة و الشدة. فكان يأخذ منهم الأموال الكثيرة على السرقة و قطع السبل، و يجعل رؤساءهم في السجن و أغلال الحديد، حتى إنه جعل الحميدي بن هذال- رئيس بوادي عنزة و هيتمي من هيتم- في حديد واحد، و ربط و طبان الدويش و ابن هذال في حديد واحد.

و يأخذ النكال الكثير من أموالهم على من تخلف منهم عن الغزو مع المسلمين، من فرس أو ذلول معروفة، أو رجل معروف حتى ذكر لي: أنه لم يوجد عند مطير إلّا فرس أو فرسان، و ذلك لأن بوادي هذه الجزيرة لم يحتاجوا إليها، لأنهم لم يخافوا من أحد و لا يخاف منهم أحد، و لا يطمعون في أحد و لا يطمع فيهم أحد.

قد حجز عبد العزيز بين جميع القبايل و يأخذ منهم هذه الأموال مع زكواتهم، و يفرقها على أهل النواحي و البلدان، كما بينت بعضه في هذه الترجمة، فصار البلد الواحد من قرايا نجد بهذا السبب يركب منها للغزو و معه و مع ابنه سبعون و ستون مطية، و أقل و أكثر، و إذا أرسل عماله لقبض الزكوات من الأعراب أمرهم أن لا يأخذوا من الزكاة عقالا حتى يأخذوا لصاحب الدين دينه، و لمن سرق له شي‏ء قيمة ماله و النكال.

فقويت البلدان و اشتدت و طأتهم على عدوهم.

و صار الأعرابي لا يرفع يده و لا يخفضها على شي‏ء من مال أهل‏

49

القرى، و لا من البوادي بعضهم من بعض، لا في مفازة خالية فضلا عن غيرها، و صار هذا مطردا سائغا في زمنه و زمن ابنه سعود و صدرا من زمن عبد اللّه، و مثل هذا قريب ما وقع في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فإنه كان عطاؤه جزيلا للمهاجرين و الأنصار و بينهم و من آزرهم و قاتل معهم.

و لما كتب رضي اللّه عنه الديوان قال عبد الرحمن بن عوف و عثمان و علي: ابدأ بنفسك. قال: لا بل أبدأ بعم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم الأقرب فالأقرب من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فبدأ بالعباس ففرض له خمسا و عشرين ألفا، و قيل اثني عشر ألفا، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف، خمسة آلاف، و أدخل في أهل بدر من غير أهلها الحسن و الحسين و أبا ذر و سليمان.

و فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف، أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى الردة ثلاثة آلاف ثلاثة، ثلاثة آلاف، و أعطى على قدر السابقة، و كان آخر من فرض له أهل هجر على مائتين مائتين.

و فرض لأزواج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و فرض للنساء على قدر السابقة، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، لو تركت في بيوت المال عدة تكون لحادث، فقال رضي اللّه عنه: كلمة ألقاها الشيطان على فيك و قاني اللّه شرها، و هي فتنة لمن بعدي بل أعدّ لهم طاعة اللّه و طاعة رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، فهما عدتنا التي أفضينا بها إلى ما ترون. فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم أهلكه.

و كان رضي اللّه عنه مع ذلك شديدا مع الأعراب، و لهذا لما منعهم ما لا يستحقون قال له عيينة بن حصن الفزاري: هيه يا ابن الخطاب إنك‏

50

لا تعطي الجزل و لا تحكم بالعدل فغضب عمر، فقال حرّ بن قيس و كان أخا عيينة لأمه: يا أمير المؤمنين إن اللّه يقول: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: 77]، فسكن غضبه، و كان وقافا عند كتاب اللّه، و قصته مع أبي شجرة مشهورة، فإنه لما أتاه و هو يقسم الفي‏ء سأله، فعلاه بالدرة حتى غشيه الدم و هو يقول:

شح عني أبو حفص بنائله‏* * * و كل مختبط يوما له ورق‏

ما زال يضربني حتى رهبت له‏* * * و حال من دون تلك الرغبة الشفق‏

و قد خرجنا مما نحن فيه و لكن لا يخلو من فائدة إن شاء اللّه تعالى، و إنما المقصود التنبيه على ما أوقع اللّه من الأمن في هذه المملكة، و الأسباب مجالبة و اللّه أعلم.

رجعنا إلى ما نحن فيه، و كان ما يحمل إلى الدرعية في زمنه و زمن ابنه سعود من الأموال و الزكوات و الأخماس، و غير ذلك من السلاح و الخيل العتاق و الإبل من غير ما يفرق على أهل النواحي و البلدان، و ضعفائهم و ضعفاء البوادي لا يحصيه العدو.

أخبرني أحمد بن محمد المدلجي قال: كنت كاتبا لعمال علوي من مطير مرة في زمن عبد العزيز، فكان ما حصل منهم من الزكاة في سنة واحدة إحدى عشر ألف ريال قال: و كان عمال بريه من مطير رئيسهم عبد الرحمن بن مشاري بن سعود، فكان ما جبا منهم اثني عشر ألف ريال، و من هيتم سبعة آلاف ريال، فكانت زكاة مطير و من تبعتهم في تلك السنة ثلاثين ألف ريال، و كانت عنزة أهل الشام و بوادي خيبر و بوادي الحجويطات المعروفات، و من في نجد من عنزة يبعث إليهم عوامل كثيرة و يأتون منهم بأموال عظيمة.