خزانة التواريخ النجدية - ج10

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
407 /
7

الجزء العاشر

إفادة الأنام بتاريخ بلد الله الحرام‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[المقدمة]

هذا التاريخ لمؤلفه الشيخ [عبد اللّه بن محمد غازي‏] من أصل هندي و هو من علماء مكة المكرمة المجاورين بها و هو بحاثة مطلع.

و قد صنف كتابا باسم: [إفادة الأنام بأخبار بلد اللّه الحرام‏] لا يزال مخطوطا و يقع في [خمسة] أجزاء ضخام و يوجد منه نسختان:

إحداهما في مكتبة الشيخ محمد حسين نصيف (رحمه اللّه).

و النسخة الأخرى في مكتبة الشيخ محمد سرور الصبان و قد تصحفت أجزاء الكتاب [الخمسة] وجدتها منقولة من تواريخ متوجدة مطبوعة متوفرة و أخبارها متداولة إلّا الجزء [الرابع‏] منها فهو حلقة مفقودة يكاد يكون مقتصرا على أعمال و ترتيب الحكومة السعودية حينها دخلت الحجاز عام [1343 ه] و قد انفرد المؤلف بتدوينها و حرص على تتبعها.

و هذه ميزة هذا الجزء من هذا الكتاب، و هذا ما دعاني إلى نشره ضمن هذه المجموعة التاريخية النجدية.

8

فالمؤلف و إن لم يكن نجديا و مواضيع الكتاب و إن تكن في نجد.

إلّا أنها تتعلق بحكومة نجدية فلها مساس قوي و علاقة متينة بتاريخ نجد و نسأل اللّه تعالى الإعانة و التوفيق.

كتبه عبد اللّه بن عبد الرّحمن آل بسّام‏

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ترجمة الشريف حسين بن علي‏

ولد في إستانبول عام 1270 هجرية يوافق 1854 م، و مات في عمان عام 1350 ه، في يوم الخميس 18 محرم سنة 1350 ه، الموافق 4 يونيو سنة 1931 م، عمان من بلاد الشام، أو من فلسطين على الاصطلاح الجغرافي العصري.

كان (رحمه اللّه) مقيما للصلوات الخمس في أوقاتها مع سننها الرواتب، يصوم رمضان، أخرج من البلاد تجار الخمور من اليونانيين الأروام و الإغريق، و أدّب شرّاب الخمر و أهل الفجور تأديبا شديدا، و كان في حالة الرضا أنسا يجذب جليسه و يدخل السرور عليه، بتواضع جم.

يحترم البيوتات القديمة من الوطنيين، يفرح بمصنوعات الوطن، و إن كانت حقيرة، محبّا للتفاخر و أبهة الملك، حريصا على المال يحبه حبّا جمّا، مقتصدا في معيشته، شحيحا بتصرف المال و إن اقتضى الحال.

معجبا برأيه غاية الإعجاب، يكره الانتقاد عليه و إن كان في‏

10

مصلحته، حقودا على من يغضب عليه في الحقير و الجليل، محبّا للمتملقين الجهّال.

لا يثق بأحد في الأعمال، هو كل شي‏ء، يتشبه بالسلطان عبد الحميد العثماني و إن كان عبد الحميد مشتغلا بالمحافظة على حياته، و لكن بقية الأعمال موكولة لوزرائه، و كانت جريدة القبلة الصادرة بمكة أكثر مقالاتها من إنشائه المعروف، و كان يثق بوعود الإنجليز غاية الوثوق، و كانت آخرته معهم أن نفوه من العقبة إلى قبرص.

كتبه محمد نصيف‏

11

قال مؤلف هذا الكتاب الشيخ عبد اللّه غازي:

ولاية سيدنا الشريف حسين بن علي و بعد ما توفي عبد اللّه باشا في الأستانة، و جهت الدولة الإمارة إلى صاحب الدولة و السيادة مولانا الشريف حسين بن علي بن الشريف محمد بن عبد المعين بن عون يوم 7 شوال سنة 1326 ه، و ورد الخبر تلغرافيّا إلى مكة من حضرة سيدنا المشار إليه إلى أخيه الشريف ناصر، و من الدولة رسميّا إلى الوالي، و لكن الوالي أخفاه عن الشريف علي باشا توهما أن تحدث منه إثارة فتنة، و اتفقت فتنة القبوري في 18 شوال من عامه، و في ذلك أظهر الوالي عزل الشريف علي باشا و تولية الشريف حسين باشا، و نودي باسمه، و صار أخوه الشريف ناصر بن علي وكيلا عنه، فجاء من الطائف إلى مكة في 22 شوال، كذا ذكره الشيخ جعفر لبنى (رحمه اللّه).

قال الفاضل الأديب خير الدين الزّركلي في كتابه المسمى «بما رأيت و ما سمعت»:

انتقل الشريف علي والد صاحب الترجمة من الأستانة إلى مكة، و معه ابنه حسين، و هو يومئذ طفل في الثالثة من عمره، فرباه في بيته‏

12

و خالف سنة غيره من الأشراف، فلم يبعث به إلى إحدى القبائل المجاورة لمكة، و لم يربه تربية بدوية خالصة يتلقن فيها أخلاق البداوة في معايشتهم، و يتمرن على ركوب الخيل و احتمال المشاق.

فنشأ حضريا مدنيا، و أولع بالدرس و المطالعة، فحفظ مبادى‏ء العربية، و تفقه في شي‏ء من أصول الدين و فروعه، و أخذ عن بضعة أشياخ أشهرهم: الرواية العلامة الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، تلقى عنه المعلّقات السبع، و هو لا يزال حتى اليوم يذكر قليلا من بقايا ما لقنه إياه هذا الأستاذ، و واصل القراءة على العالم المؤرخ الشيخ أحمد بن زيني دحلان صاحب «الفتوحات الإسلامية»، «و الجداول المرضية» و غيرهما.

و حفظ القرآن الكريم قبل أن يتجاوز العشرين من سنيه و رافقه في طلب العلم الشيخ ياسين البسيوني الذي لم يفتأ ملازما له، و هو إمامه في صلواته الخمس، و اتفق أن كانت في ذلك العهد إمارة عمه الشريف عبد اللّه، فأحبه و قربه منه، و عامله معاملة الأب لابنه، ثم جعل يسيره في المهمات، و يوجهه لتذليل الصعاب.

فسافر في أيامه إلى نجد و طاف أكثر ما يلي الحجاز من شرقه، و عرف قبايل تلك الأنحاء و عشائرها، و اختبر خفاياها و ظواهرها ثم كان الصلة الدائمة بين إمارة مكة و القبائل الحجازية و غيرها. و زوجه عمه ابنة له اسمها عابدية هانم، هي أم الأمراء: علي، و عبد اللّه، و فيصل، و أما زيد فأمه تركية من أكبر عائلات الترك هي عديلة بنت صالح بك بن الصدر الأعظم رشيد باشا السياسي التركي العظيم، و هو الذي رفع القتل بأقل الجنايات، لأن في عصره و قبل عصره كانت الحكام تقتل من حتى أقل‏

13

جناية، فهذا الصدر الأعظم رئيس الوزراء زمن السلطان عبد الحميد العثماني، منع ذلك و نظم أحكام الدولة و قد ترجمه السيد محمود الألوسي المفسر الشهير في كتابه «غرائب الاغتراب» ص 119.

تزوج بها بعد وفاة عابدية هانم، و من فضليات النساء يستشيرها اليوم في أكثر شؤونه، و يعتمد عليها في كتمان أسراره.

و مارس ركوب الخيل فولع بدخول ميادين السباق، و عرف بالقوة و المقدرة على ركوب أقسى الجياد و اصلها.

حدثني من لا شك بخبره أن الملك لم ينفك يبارز أشد الفرسان طردا، حتى شغلته شواغل الملك، و لقد رأيته ذات يوم واقفا يريد الركوب، و ثلاث عبيد من الأشداء الأقوياء يقودون جوادا، كلما خطوا به خطوة ثار و شخر و انتفض، فلم يزالوا يغالبونه حتى اقتربوا به من موقف الملك، و هو الشيخ المسن، فتقدم من الجواد فوضع إحدى رجليه في ركاب و وثب وثبة غير المبالي، فعاد الجواد إلى زمجرته و زهوه، فلم يكن من الملك إلّا أن لطمه بقبضة يده لطمة واحدة في عنقه، فذل الجواد و مشى هادثا ساكنا، كأنما أبدل به غيره.

و تمكن منه في أيام صباه حب اصطياد النمور و الضباع و الغزلان، و قبض كواسر الطير و بواشقه، فكان يكثر من التجوال في رفقة له يرحلون لرحيله و ينزلون لنزوله، فيتوغل في الجبال النائية و القفار الخالية، و يعود بعد أيام و أسابيع حامل الوطاب تتبعه غنائمه من وحش و طير.

و لم يزل في مكة إلى أن أو عزت إليه الحكومة التركية بمغادرتها في سنة 1309 ه، فبرحها إلى الأستانة و تقلب هناك في مناصب رفيعة استمر

14

فيها إلى أن توفي عمه عبد اللّه باشا في 3 شوال سنة 1326 ه، و انتهت نوبة إمارة مكة إليه، فوليها جلالته سادس شوال من السنة نفسها، و أقام يتهيأ للسفر حتى كان يوم 28 شوال، فأبحر قاصدا الحجاز و بلغ في 9 ذي القعدة سنة 1326 ه. انتهى.

و قال في جريدة الحجاز: و لمّا وصل جلالة الملك سيدنا الشريف حسين جدة في يوم الخميس 3 شوال الرومي سنة 1326 ه هرعت لتهنئته و تقبيل يده جموع من أهالي جدة و من أهالي مكة الذين حضروا إلى جدة لاستقباله، فاستقبل دولته جميع تلك الوفود بكل هشاشة و بشاشة، متلطفا بهم سائلا عن أحوالهم مطيبا لخواطرهم، ثم ارتجل خطبة هي الغاية في السلاسة و الإيجاز و البلاغة، التي إذا لخصت كانت زبدتها هذه العبارة الثمينة:

إنني بكل قواي أعترف بعجزي عن الإتيان بعبارات أوضح فيها عظيم امتناني و تشكراتي من هذه الهيئة العلية، التي استقبلتني بمثل هذا الاحترام الفائق و الاحتفال الشائق، نعم، إننا جميعا خدم لحكومتنا و عبيد لدولتنا، و إننا جميعا بلا استثناء مأمورون و مجبورون بإجراء و تنفيذ أوامر حكومتنا العادلة حرفيّا، تلك الأوامر التي هي ضمن دائرة القانون المنيف، أو الشرع الشريف، و إن كان كل صادق ناصح يلازم هذه الخطة القويمة السديدة أنا ساعده القوي و معينه، كما أني العدو الألد و الخصم الكبير لكل خائن يعمل على عكس هذه الخطة الحميدة، لذلك أطلب إليكم و أنا لكم ناصح أمين أن نرسم خط السير على الوجه المشروع، و أن نجتهد جميعا يدا واحدة في رفع شأن الدولة و شرفها.

15

و قد كانت تشكلت هيئة من خيرة الأهالي بجدة بقصد البحث و التنفيذ عن منابع المياه التي تكون بقرب جدة، رفعا للضرورة الشديدة المستمرة بها، من جراء فقدان الماء الصالح للشرب، و كانت هذه الهيئة تبذل كل جهودها في تشكيل شركة وطنية يناط بها جلب ما يظهر من الماء الصالح للشرب إلى جدة، و إنها استحضرت مهندسا لهذه الغاية.

و لمّا وصل سمع الأمير الكريم و هو بجدة خبر هذه الهيئة سر كثيرا بها و بأعمالها المهمة الوطنية، و في الوقت ذاته تبرع بالقسط الذي يخص دولته من رسم التخريجية، و هو غرشان، بأمل التسهيل لهذه الهيئة و الوصول إلى الغرض المطلوب بما أمكن من السرعة، و مجموع ما يتحصل من هذا المقدار في السنة يبلغ حوالي 3500 أو 3000 من الجنيهات، فتبرع أميرنا الجليل بمثل هذا المبلغ المهم لمثل هذه الغاية الشريفة هو من الأريحيات العربية العالية التي تعهدها الأمة و يعهدها تاريخها في بيت النبوة الكريم.

و لمّا بلغت الأخبار إلى مكة المكرمة أن تشريف الأمير سيكون يوم الأحد، قصد جهة جرول دولة الياور الشاهاني الهمام و الي الحجاز المشير كاظم باشا، و معه عموم الموظفين: ملكيين و عسكريين، و الأهالي من علماء، و صلحاء، و أئمة، و خطباء، و أشراف، و سادات، و أهل مكة من صغير و كبير و رفيع و وضيع، و يتبع الجميع ألوف من الحجاج.

و جرت مراسم الاستقبال في الصواوين الخصوصية التي أقيمت بهذه الحجة لتلك الغاية، و قد ملأ الأمين أسعد اللّه قلوب تلك الألوف الحاشدة نورا و سرورا، بما أبدى لهم من جميل التعطف و التلطف، ثم ركب دولته‏

16

العربة مع دولة الوالي، و قد أحاط بها الجنود الشاهانية المظفرة، يتقدم الهيئة طقم موسيقى عسكري، و على هذه الصفة دخل الجميع بلد اللّه الحرام، و قد قصد الأمير نوا حرم اللّه الأمين أعزه اللّه بخليليه الكريمان سعادة الشريف عبد اللّه بك، و سعادة الشريف زيد بك أفندي.

[و في الساعة الثالثة من يوم الخميس 16 ذي القعدة سنة 1326 ه:]

جرت مراسيم فرمان الإمارة الجليلة، و منشور الوزارة السامية بالمسجد الحرام، قرأهما فرتلوا أبو النديا سامي بك مكتوبي الولاية الجليلة، ثم بعد إتمام القراءة قصدت هيئة الاحتفال وجهة باب كعبة اللّه المعظم، الذي كان مفتوحا، و هنالك قام الداعي بتلاوة دعاء بليغ أمّن الجميع عليه.

***

17

صورة تقريب فرمان وزارة أمير مكة المكرمة السامية

بما أن اللّه سبحانه و تعالى جلّ شأنه و عم نواله، قد نظّم خلق كونه و أحسنه، و جعل كل شي‏ء عنده بمقدار، فقد اختص ذاتي بكمال قدرته الأزلية، لتكون خليفته للإسلام و سلطانا للأنام، و جعلني سبحانه و تعالى بكمال عدله شرف الملوك، و جعل سدتي ملجأ للخاص و العام، لذا كان من الواجب على ذاتنا الشاهانية تأدية الشكر العظيم لجناب الرب الكريم، و من المتقين أيضا على ذاتنا الشاهانية، و المهتم على دولتنا العلية أن يجعل أبواب عواطفنا الملوكانية مفتحة لكل من قام بحسن خدمتنا، و برهن بعمله على صداقته لدولتنا العلية.

و حيث إن أنواع مكارمنا التي لا غاية لها متهيئة لتروي الصدق من رجالنا، و أنت أيها الشريف المحترم من أعظم رجال سلطتنا، كما أنك سابقا من أعضاء لجنة شورى دولتنا، و متخلق بحسن السيرة و الفطانة و النجابة، و أن آمالنا الشاهانية تؤمل في نجابتك حسن الخدمة، و إظهار مآثر الصدق لدولتنا العلية.

و بناء على هذا الأمل فقد أعربت عن عواطفنا المثيرة السلطانية في اليوم السادس من شوال عام السادس و العشرين بعد الثلاثمائة و الألف‏

18

مصحوبة بكمال توجهاتي السنية، و تمام عنايتي الشاهانية فأحسنت و وجهت الرتبة السامية الوزارة إلى عهده استعدادك و تأهلك بموجب إرادتنا الملوكانية.

أخص بتوفيقنا هذا الملوكاني الرفيع القدر، حائزا النيشانين العثماني و المجيدي، المرصعين، الدستور المكرم الوزير المفخم، نظام العالم، مدير أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأي الصائب، ممهد بنيان الدولة و الإقبال، مشيد أركان السعادة و الإجلال، المحفوظ بصون الملك الأعلى، وزيري المختص بالسيادة الشريف حسين باشا أدام اللّه إجلاله، و أعطيتك هذا المنشور الفاثق السرور، و أصدرت أمري الملوكاني بتفويض رتبة الوزارة الجليلة إليك من تاريخ فرماني هذا الملكاني الفاثق.

على أمثاله و أقرانه و أنت أيها الوزير يلزمك أن تثبت على الصدق و حسن الخدمة في سائر الأقوال و الأفعال، لتستجلب مرضاتي الملوكانية، و كذا يلزمك أن تبذل الشفقة و الرأفة على كل من كان دونك بقدر مقامهم و حسب درجاتهم.

و أطلب منك أن تعمل بشرائط الوزارة بتمام الاهتمام جاريا على قسطاس الشرع القديم، و مقياس القوانين المؤسسة على العدل، و أن تجعل كل أمرك و نهيك دائرين على مدار الأمرين المذكورين، و أن تبذل طاقتك في إجراء كل ما ذكر، و أن توفي بكل ما هو من شرائط الوزارة، كما ينبغي على النهج الشرعي و الطريق النظامي.

حرر في السادس من شهر شوال المكرم عام 1326 ه.

***

19

صورة فرمان الإمارة الواردة من السلطنة السنية لأمير مكة سيدنا الشريف حسين‏

إنه لمّا تجلى صاحب القدرة الأزلية القائل سبحانه للشي‏ء كن فيكون، ناظم أمور الكون و المكان، تحيرت عن إدراك أسرار حكمته عقول الخلائق و الأذهان، الذي جعل عتبة مرحمتنا مرجع المحتاجين، و باب خلافة سلطتنا متكأ لأصحاب العرف و الشأن، و زين طفراء مناشير إجلالنا إليها، يوتي بوجوب الطاعة و الانقياد، لأجل أحكام الشرع المتين، و دوام معالم الدين المبين، و مكن الحق المعين أوامرنا العلية غاية التمكين، و جعل مناقب دولتنا العلية و مفاخر سلطتنا السنية حماية للدين المبين، و إعلاء للواء شرع سيد المرسلين، و لا سيما بالخدمة الشريفة للبلدتين المنيفين، منزل أنوار الوحي المبين و مهبط جناب جبريل الأمين المتضمن الآية الكريمة بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ‏ [المائدة: 20]، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ [الحديد: 21، و الجمعة: 4].

فشكرا بهذه النعم تحتم على إحسان مكرمتنا الشاهانية إنالة أماني و آمال كافة رعية سلطتنا الملوكانية، و خصوصا تلطيف و تسديد الأشراف‏

20

الكرام، و السادة ذوي الاحترام المتصل نسبهم إلى العرق الأطهر، الحائزين على المناقب و المفاخر، و بناء على ذلك و لوقع انفصال أمير مكة الشريف علي باشا اقتضى الحال له إلى إحالة الإمارة الشريفة المذكورة لذات من الأشراف، ذوي الاحترام.

و من حيث إن وزيري سمير السيادة الحائز النشان العثماني و المجيدي المرصعين، رافع توقيعي رفيع الشأن الملوكاني، و ناقل أمري بليغ الآمال السلطاني في جناب إمارة مآب سعادة اكتساب، سيادة انتساب ذو النسب الطاهر، و الحسب الظاهر، مستجمع جميع المعالي و المفاخر، كابرا عن كابر جمال السلالة الهاشمية، فرع الشجرة الزكية النبوية، طراز العصابة العلوية المصطفوية، عمدة آل الرسول قوة عين الزهراء، التبدل المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى: الشريف حسين باشا، أدام اللّه تعالى إجلاله، و أدام سعده و إقباله.

علم لدينا أنه اتصف بالأوصاف الحسنة الممدوحة، و أبرز روابط خالص وجدانه لطرف أشرف خلافتنا، و استحق لباقة للإمارة الشريفة المذكورة، تلألأت أمواج بحر مكرمتنا الذي ليس له نهاية نحو ذاته الهاشمية، فأحلنا و فوضنا الإمارة الشريفة المذكورة إلى عهدة أهليته، و أعطيناه منشورنا فائض المسرور المشتمل على كمال البهجة و الحبور، و حسب شرايط الإمارة.

و بموجب رضائنا و نخبة أفكارنا الشاهانية، أمرنا المشار إليه أن يستقبل الحجاج ذوي الابتهاج المتوجهين من سائر ممالكنا الشاهانية، و يوصلهم إلى مكة المكرمة سالمين آمنين، و بعد آدائهم مناسك الحج‏

21

الشريف على الوجه اللائق أيضا، يشيعهم و يستكمل أسباب عزيمتهم بكل اعتناء ورقة إلى الشام، و أن يكون الناظر على توزيع و تقسيم الصرة الهمايونية المرسلة من طرف سلطتنا السنية إلى أربابها، بواسطة المأمورين بموجب الدفاتر الموجودة، و أن يستجلب من العموم الدعوات الخيرية لجانبنا الشاهاني، و أن يهتم في توفيق الأمور و المصالح الواقعة و الجارية بالعدل و الحقانية، متحدا مع وزيرنا سمير المعالي، الحامل للنيشان المرصع العثماني و المرصع المجيدي، أحد ياتورتنا الكرام الشاهانية، والي ولاية الحجاز و قومندان فرقتنا الهمايونية، كاظم باشا أدام اللّه تعالى إجلاله ..

و يشمر عن ساعد الجد في حسن إبقائها و تسويتها، و أن لا يمكن تعدي فرد من الأفراد على أحد بما يخالف الشرع الشريف، و أن تكون حركته دائما وفق الشرع القويم، فيلزم على كل من الأشراف الكرام و السادات ذوي الاحترام و العلماء و الصلحاء و الأئمة و الخطباء، و سائر من يأتي من كل فج عميق لزيارة البيت العتيق، و الأهالي، و الصغير و الكبير، و الوضيع و الرفيع.

إن على سيادة الشريف المشار إليه أن يعتني مزيد الاعتناء لرعاية إمارة مكة المكرمة، و أن يحترموه و يوقروه، و أيضا يلزم على سيادة المشار إليه أن يعتني مزيد الاعتناء لرعاية أصحاب السداد و الصواب بحسب درجاتهم، و أن يداوم في الغدو و الآصال بالدعاء لدوام عمر دولتنا العلية، و ارتقاء شوكتنا الملوكانية. فاعلموا هذا و اعتمدوا على علامتنا الشريفة.

22

تحريرا في اليوم السادس من شهر شوال المكرم السنة ستة و عشرين و ثلاثمائة و ألف. انتهى.

[و في سنة 1327 ه:]

غزا سيدنا الشريف حسين بمن معه مدن الأطراف و العربان قبائل مطير لتمردهم و عصيانهم، فأنكى فيها و رجع سالما، إلّا أن ابنه الغطريف الشريف عبد اللّه بيك أصيب في رحلة برصاصة، و لكن سلمه اللّه من ذلك، ذكره في «نزهة الأفكار و الفكر».

[و في شهر رجب سنة 1328 ه:]

توجه الشريف حسين من الطائف إلى نجد بجيش عظيم، و أسباب ذلك أن قبائل عتيبة التابعين لإمارة مكة شكوا إلى دولة الأمير وقوع التعدي عليهم من أمير نجد عبد العزيز بن سعود التجؤا إليه، فخرج بنفسه قاصدا نجد لقمع الفتن.

و أسفرت النتيجة عن قبول ابن سعود للشروط التي اشترطها عليه دولة الأمير، و على ذلك تم الصلح و الاتفاق ثم توجه دولة الأمير إلى مكة، و وصل الطائف في ثالث شوال من ذلك العام.

ذكر السيد محمد رشيد رضا في «مجلة المنار» في المجلد الثالث عشر صفحة 793 هذه الواقعة، و هذه عبارته:

علمت منذ أشهر و أنا في الأستانة، أن أمير مكة المكرمة الشريف حسين سافر من الطائف إلى نجد في عسكر لجب من العرب، و الخضاعين له، و أن قصده من ذلك منع أمير نجد عبد العزيز بن سعود من أخذ الزكاة من قبائل عتيبة التابعين للشريف و الاعتداء عليهم، لأن أمير مكة هو الذي كان يأخذ زكاتهم، ثم عقد الصلح بين ابن السعود و ابن الرشيد، و بلغنا أن والي الحجاز عرض يومئذ على الشريف أن يأخذ بما معه من شاء من‏

23

العسكر، فأبى، و كان ذلك حكمة منه تدل على بعد نظره، و سعة علمه بأخلاق العرب و طباعهم و قد ظهر أثر ذلك، فإنه أدرك ما أراد و لم يسفك دما، و لا زاد القبائل خلافا و عدوانا فيما بينهم، و بعدا عن الدولة و تنكرا منها، و سوء ظن بها كما كانت تفعل بعثات الدولة العسكرية، بل أصلح إصلاحا لم يسبق إلى مثله.

قرأنا في الجرائد أن الشريف فاز و أفلح فيما أراد، و نحن نعلم أن عبد العزيز ابن سعود كان قد استعد للقتال لمّا سمع بزحف الشريف على نجد ظنا منه أنه زحف بعسكر نظامي للقتال و إخضاعه بالقوة القاهرة.

ثم علم أن نية الشريف صالحة، و مطلبه حق، و أن القبائل الموالية تحارب معه كل أحد إلّا الشريف، و أنه انضم إلى عسكر الشريف ألف خيال عربي من القبائل التي مر بها في الطريق إلى نجد، فعلم أن الخبر له في السمع و الطاعة (1).

____________

(1) قال الريحاني في «تاريخ نجد الحديث»: و كان الواسطة في الصلح بين الشريف و ابن سعود خالد بن لؤي أمير الخرمة، و خالد هذا و أهله و إن كانوا من أشراف الحجاز هم منذ القدم على ولاء آل سعود، فقد تمذهبوا بالمذهب الوهابي في أيام سعود الكبير، و ظلوا متمسكين به محافظين عليه. جاء خالد يحمل شروط الصلح، و هو إن كان يدويا فهو على شي‏ء من الذكاء و الدهاء، خاطب عبد العزيز بقوله: اسمه يا عبد العزيز: أنا أعلمك لا غاية للشريف سيئة، لا و اللّه، و لكنه يلبي و يبقى في وجهه مع الترك، فاكتب له ورقة تنفعه عند الترك و لا تضرك، و أنا أتكفل برجوع سعد و أتكفل أن الشريف لا يتدخل في أمور نجد، هذا إذا كنت لا تتجاوز الحدود، أما إذا هو اعتدى عليك، فأنا خالد بن لؤي عهد اللّه عليه، فأكون معك، و اللّه كما كان آبائي مع آبائك، و كما كان-

24

يقول محمد نصيف: إن الذي سمعته من المطلعين على الحقائق أن ابن سعود كان يظن أن الدولة العثمانية هي التي أمرت الشريف الحسين بالزحف على نجد أو التحرش بها، لذلك لم يهاجم جيش الشريف و قبل شروطه، ثم كتب للدولة معاتبا لها فأنكرت الدولة أنها لم تأمر الشريف بالزحف على نجد أو التعرض لقبايل عتيبة، فاطمأن ابن سعود أن الدولة لا تريد فتح باب حرب بينها و بينه تسوق لها الجيوش أيام محمد علي باشا والي مصر.

ثم إن الشريف أسر أخاه سعدا فعظم عليه ذلك، و لو لا ثقته بوفاء الشريف لتهور و أقدم على الحرب بمن معه، فإنه ما ذكر عرب الجزيرة من رجال الدولة و قواد عسكرها إلّا عدم الوفاء، و الوفاء هو الخلق الذي كانت تدين به في جاهليتها وزارة الإسلام تأكيدا عندها. و قد خضع ابن سعود له و أجابه إلى كل ما طلبه، و أرسل إليه أخاه عبد اللّه آل سعود بهديته النفيسة، و هي الصقلاوية و المحمداني و كحيلان، و هي أكرم الخيل العربية في نجد.

و جاءنا من أخبار الحجاز و نجد أنه قد تم الاتفاق بينهما على الأمور الآتية، كتب بها ابن سعود (تعهدا) أمضاه و ختمه و أرسله إلى الشريف و هي:

1- عدم التعرض لعتيبة كافة بحال من الأحوال من تنزيل أو ترحيل، أو كل ما يحسب و يعد من التعرض عليهم من زكاة أو خلافة.

____________

- أجدادك مع أجدادي، قبل عبد العزيز بتوسط خالد، و كتب له (قصاص ورق) تنفع الشريف عند الترك و لا تضر كاتبها، فقد تعهد فيها أن تدفع بلاد نجد للدولة ستة آلاف مجيدي كل سنة. انتهى.

25

2- عدم أخذ الباج (المكس) منهم بأي صورة كانت، من أي قرية أمدوها، و إذا وقع منهم ما يخالف يخبر عنه.

3- إطاعة أمير مكة في كل ما يأمر به حسبما تقضيه حقوق و منافع الدولة العلية.

4- القصيم و هو بريدة و توابعها على خيرة أهله إن جاءت مضبطة منهم بأنهم يختارون إمارة عبد العزيز بن سعود، و صاحب هذا التعهد، يبقون تحت يده و يدفعون ثلاثة آلاف مجيدي سنويّا باسم الخزينة العامة السلطانية بمكة المكرمة، و إن لم يجي‏ء منهم مضبطة يعيّن أميرهم برضاهم و يدفعون المبلغ المذكور على كل حال و موعد المطبقة يمتد إلى آخر شوال.

هذا ما تقرر و تعهد به ابن سعود، و كتبه و أمضاه و ختمه و أشهد على نفسه فيه كبار قومه و هم: محمد بن عبد الرحمن السعود، و سعد بن عبد الرحمن السعود، و الشيخ عبد اللّه بن عبد اللطيف و محمد بن سعود بن عيسى، و عبد اللّه بن العسكر و إمضاء ابن سعود هكذا.

و خادم الدولة و الملة و الوطن.

أمير نجد و رئيس عشائرها.

عبد العزيز السعود.

و قد أطلق الشريف سراح أخيه سعد، فعاد معززا مكرما يثني أطيب الثناء على عناية الأمير الشريف. و وضع محمد بن هندي شيخ قبائل عتيبة وكيلا له في نجد، و كذلك خضع ابن الرشيد و أرسل الهدايا إلى الشريف،

26

و دان لأمره في عدم التعرض لعتيبة و في الكف عن محاربة ابن السعود.

انتهى.

[و في «جريدة الحجاز»: إن في شوال سنة 1328 ه:]

حضر من الأرض المتراكبة بها من السيل من باب جياد إلى باب السلام الصغير، و نفس الجهة التي على الصفاء، و صار تنظيف أطراف المشعر الحرام. و قد حصل من ذلك السيل هناك أتربة و أحجار يبلغ شي‏ء منها مترا، و شي‏ء نصف متر عمقا، و مقدار ما حضر أربعة و خمسون مترا طولا و عشرون مترا عرضا، و تساوت الطرق و امتلأت المحلات الفارغة من الأتربة المتحصلة، و ستجري هذه العمليات في القسم الذي من باب السلام إلى جهة المروة في هذه الأيام. انتهى.

و فيه أيضا في العدد الصادر من أربعة و عشرين ذي القعدة سنة 1328 ه: أعداد الحجاج الواصلين إلى مكة المشرفة بحرا لغاية يوم ثمانية من شهر تشرين الثاني خمسة و خمسون ألف و تسعمائة و ثلاثة و سبعون نفرا، و من المستخبرات الرسمية حجاج كثيرون واردون من طريق المدينة المنورة. و في العدد الصادر في ذي الحجة سنة 1328 ه الحجاج الكرام التي بادرت للاجتماع بمكة المكرمة إلى الآن أعدادها بالغة المائة ألف، و كثير من قوافل الحجاج التي سترد برّا و بحرا هي موجودة بالطريق.

انتهى.

و لمّا بغى الإدريسي على الدولة العلية في سنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و عشرون و شتت عساكرها من جهة اليمن، و حاصر أبها عاصمة عسير، و استمر الحصار مدة عشرة أشهر و منعوا عنهم المأكل و المشرب و جميع‏

27

الأرزاق، صدر الأمر السلطاني إلى دولة أمير مكة الشريف حسين بالتوجه إلى اليمن لدرء فساد الإدريسي و فك حصار أبها، فامتثل الأمر الشاهاني و توجه بجيشه، و كان بمعينته الفاضل الشريف شرف عبد المحسن البركاتي فكتب رحلته و ما آل إليه أمر الإدريسي و جنوده تفصيلا و سماه «الرحلة اليمانية»، و نحن نذكر هنا ملخصا ما ذكره الفاضل المذكور.

كان قيام دولة أمير مكة المكرمة يوم الأحد السادس عشر من شهر ربيع الثاني سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، الساعة التاسعة نهارا، و معه جيش مؤلف من جند الأشراف و العرب من قبائل عتيبة، و مطير، و ابن الحارث، و البقوم، و سبيع، و قبائل حرب، و هؤلاء سوى الجيش المنظم الذي سار مع دولة الأمير، و هو مؤلف من جندرمة و جند أتراك النظامية.

و أناب عنه في تولي إدارة شؤون إمارة مكة نجله الأكبر صاحب العطوفة و السيادة الشريف علي بك، و لمّا وصل السعدية، و هي المرحلة الثانية من مكة، و فد هناك على دولة الأمير ثلاثة أشخاص من قبائل غامد و زهران بكتب من كافة مشايخ قبائلهم تتضن تقديم الطاعة لأمير المؤمنين السلطان المعظم، و لدولة أمير مكة.

و لمّا وصل في وادي الشاق اليمانية التي هي لذوي حسن، و هي المرحلة السادسة من مكة المكرمة، أقبل عليه جميع أشراف ذوي حسن و معهم رؤساؤهم و هم الشريف أحمد بن عبد العزيز: رئيس آل غسان، و الشريف عايض أبو جمح، و الشريف محمد أبو عصبة، و هما شيخا النصرة، و الشريف رميثة شيخ آل هاشم، و الشريف مهدي شيخ آل عبدة،

28

و الشريف أحمد أبو راسين شيخ آل سنبوك، و الشريف محمد أبو خيار شيخ آل [...] (1) و آل مهدي و الشريف محمد شيخ المراية، و الشريف أحمد أبو خزاعة شيخ آل أبي سند، و الشريف أحمد أبو حار شيخ آل رمينة و آل مهدي، و الشريف حسين بن يحيى.

فلمّا تكامل جميعهم طلبوا جميعا العفو عنهم من دولة الأمير بسبب دخولهم في طاعة الإدريسي و عصيانهم الدولة العلية، و أظهروا للدولة أنهم كانوا مخدوعين منه. فلمّا رأى الأمير صدقهم عفا عنهم و أنعم عليهم بالكساوي، فلمّا رأوا ذلك منه دبت في رؤوسهم النخوة الهاشمية، و جهزوا من عندهم أربعمائة مقاتل بأسلحتهم و أمتعتهم لينضموا إلى جيش دولة الأمير.

و لمّا وصل في وادي دوقة و هو سابع مرحلة من مكة حضر بين يدي دولة أمير مكة الشيخ محمد بن مرزوق شيخ مشايخ قبائل زبيد التابعين لقائم مقامية القنفدة، التابعة للواء عسير، و هذه القبائل فرع من قبائل حرب القاطنين بين مكة و المدينة، خاضعا نادما على موالاة الإدريسي، فلمّا ظهر لدولة الأمير صدق هذا الشيخ في مقاله عفا عنه و عمن معه و أمرهم بجمع الزكاة و إرسالها لقائم مقام القنفدة فامتثل الشيخ و من معه من الرؤساء.

و لمّا وصل في وادي قنونا بحمل يسمى أم الجرم، و هو تاسع مرحلة من مكة حضر الشيخ حسن شيخ مشايخ قبائل بني زيد، و طلب مقابلة دولة الأمير، فلمّا قابله قدم له الطاعة و أظهر الندم على ما فرط منه من متابعة

____________

(1) بياض في الأصل.

29

الإدريسي، و طلب الأمان له و لبعض قبائله الطائعين لأمره، فأمنه دولة الأمير هو و من طلب له الأمان.

ثم إن هذا الشيخ اجتمع مع شيوخ الأشراف ذوي حسن السابق ذكرهم، و طلبوا من دولة الأمير الإذن لهم بالتوجه إلى وادي حلى و يباوقوز أبو العير لنصيحة السيدين خرشان عامل الإدريسي و أعوانه مشايخ الجهات الموجودين معه، و إلزامهم بتقديم الطاعة للدولة العلية و لأمير مكة، و بالامتثال لأداء ما عليهم من الزكاة المفروضة شرعا للدولة العلية لتحقن دماء المسلمين، فأذن لهم، فتوجهوا في الحال و المسافة بين المكان الذي فيه الجيش و بين القرية التي يقيم فيها ابن خرشان عشرون كيلو مترا تقريبا.

فلمّا وصلوا هناك قصدوا منزل الشيخ علي بن مديني، شيخ قبائل فوز أبي العير، و كلفوه بإحضار باقي مشايخ وادي يبا، فأرسل لهم، فحضروا، و لمّا كمل جمع مشايخ وادي يباوقوز أبي العير نصحهم الوفود، و أمرهم بعدم الخروج على دولة أمير المؤمنين السلطان محمد رشاد، و بالطاعة لنائبه صاحب الدولة و السيادة حسين باشا أمير مكة المعظم، فلم يجيبوا و أظهروا استعدادهم التام للحرب، فلمّا رجعوا لدولة الأمير و أخبروه بذلك أمرهم بالرجوع إليهم ثانيا، فلمّا رجعوا لهم و قابلوهم أصروا على عنادهم و لم يزدادوا إلّا عتوّا و نفورا.

و مكث دولة الأمير مع جيشه في هذه الجهة شهرا، رجاء حصول الصلح و جمع الكلمة بين القبائل بدون إراقة دم، و فعل كافة الطرق الموصلة لذلك، فلم يفد شيئا.

30

و لمّا يئس دولة الأمير منهم و على إصرارهم على الحرب و معاداة الدولة، أمر بإرسال سرية لهم لتغزوهم، فسارت في ليلة الاثنين التاسع من جمادى الأول، فسارت السرية و أصبحت في ديارهم و غنمت منهم تسعة عشر رأسا من البقر و سبعين من الغنم، و جملين، و أسرت اثنين من قبيلة بني شهر و رجعت فلمّا حضر الأسيران أمام دولة الأمير أمر بإطلاقهما بعد أن كساهما لأجل أن هذه القبيلة موالية للدولة.

و في ليلة الثلاثاء العاشر منه ذهبت سرية أخرى قدرها ثلاثمائة فارس من الأشراف و العرب، و ألف من أرباب الهجان، و أرسلت أمامها العيون الذين تعهدوا لدولة أمير مكة بضبط ابن خرشان، فلمّا وصلت السرية قرية ابن خرشان أغارت عليهم صباحا، ففر هاربا قاصدا حبيا مقر الإدريسي، و استمر القتال ثلاث ساعات، ثم انهزم الأعداء عن ثلاث و عشرين قتيلا و سبعة أسارى من قبيلة النواشرة و من قبيلة بني زيد، الذين لم يطلبوا الأمان مع شيخهم حسن بن خضر، بل اتبعوا الإدريسي.

أما الغنائم فكانت خمسة آلاف رأس بين ضأن و معز، و خمسمائة من الإبل، و مثلها من البقر و مائتين من الحمير، و ستّا و ثلاثين من الرقيق بين ذكر و أنثى.

و في اليوم التالي أتى باقي قبائل بني زيد الموالون للإدريسي و أظهروا الندم على ما حصل من شق عصا الطاعة، و طلبوا الأمان، فآمنهم و أطلق المسجونين منهم.

[و في يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى:]

حضر الشيخ راشد بن قوش شيخ كافة قبائل زهران، و قابل دولة الأمير و أظهر الطاعة

31

و الموالاة له و لأمير المؤمنين، و قال: إننا سنكون من الآن أخلص العرب للدولة العلية، و من أشد المحافظين على طاعة أمير المؤمنين، و إننا مستعدون لأداء الزكاة الشرعية.

و أنعم الأمير عليه بالكساوي الفاخرة، و مقر هذا الشيخ جبل الحجاز الكائن بين أبها عاصمة عسير و بين الطائف، و هو إلى الطائف أقرب و القرية المقيم بها هذا الشيخ تبعد عن بندار القنفدة و هو المكان الذي نحن فيه ثمانية مراحل.

[و في ليلة الأربعاء الثامن عشر منه:]

أمر دولة الأمير بإرسال سرية ثالثة لتغزو قبائل أهل وادي يباوقوز أبي العير و حلى، و تكون مؤلفة من ألف من الأشراف و العرب أرباب الهجان، و من ثلاثمائة فارس من العرب أيضا، و ثلاثة طوابير من الجند النظامية، و جميعهم تحت قيادة أصحاب السيادة: عبد اللّه بك، و فيصل بك، نجلي دوبته، فتوجهت الحملة في الساعة الحادية عشر من اليوم المذكور قاصدين وادي يبا لإخضاع القبائل الموجودة تحت قيادة ابن خرشان عامل الإدريسي.

و عند ما أقبلوا على واد يقال له عجلان: و يبعد عن واد يبا من جهة الشام بساعة، تقابل الجيشان، و ابتدأ القتال بينهما صباح يوم الخميس التاسع عشر منه، و استمر أربع ساعات، و انتهت الواقعة و لم يقتل من قومنا، و للّه الحمد سوى نفر من عساكر بيشة الجندرمة، و نفر من عساكر عقيل الجندرمة، و هو ولد إبراهيم ناصر من أهل المدينة، و شخص من قبائل الحيان، و من عساكر الأتراك خمس و عشرون، منهم عشرة قتلوا أثناء القتال، و خمسة عشر ماتوا ظمأ لأن المياه كانت محملة على ظهور

32

البغال، و قد نفرت أثناء القتال فأبقت أوعية الماء على ظهورها، و لم يبق منه شي‏ء، و كان اليوم شديد الحرارة.

أما الجرحى من جيشنا فهم: واحد من قبيلة المجانين، و آخر من قبيلة الروقة التي هي من قبائل عتيبة، و واحد من أتباع الأمير سعود ابن عم الأمير عبد العزيز أمير نجد الحالي، الذي كان مع أتباعه مقيما عند دولة الأمير في مكة، فلمّا أراد الخروج لقتال الإدريسي خرجوا معه.

و قتل من الدواب أربع من الهجين و أربع من الخيل.

أما القتلى من قوم الإدريسي فخمس و ستون، و الجرحى خمسون.

[و في يوم الاثنين و الثلاثاء منه:]

أمر دولة أمير مكة عموم الجيش من أشراف و عرب و عساكر نظامية، بالقيام لمحاربة ابن خرشان و من معه، فسار الجيش تحت قيادة نجليه الكريمين، و سار بميتهما الشريف زيد بن فواز أمير الطائف، و جميل بك نجل عطوفة ناصر بك شقيق أمير مكة و أحد أعضاء مجلس الأعيان، و كافة الأشراف، و فيهم أشراف المدينة المنورة برئاسة الشريف شحات بن علي بن راضي.

و كان عدد الجيش الذي سار للقتال خمسة آلاف و مائتين، منهم ألفان و خمسمائة من العرب و الباقي من العساكر النظامية، و كان معهم ثمان مدافع جبلية، و مدفعان مترليون و نزلنا ليلة الثلاثاء غرة جمادى الآخر على بئر يقال لها أم الدبا، و قيّلنا هناك.

و في آخر اليوم المذكور أمر أنجال الأمير الجيش بالسير إلى وادي يبا، و أرسلوا أمامهم العيون ليهتدوا إلى مكان العدو، فساروا ثم عادوا و أخبروا الجيش أن العدو كامن في وادي عجلان، و هم منتشرون من‏

33

الجبل إلى البحر، من أعلى الوادي المذكور إلى أسفله، و عددهم عشرة آلاف مقاتل، و قد حصنوا أنفسهم تحصينا تاما بين أشجار الأثل و المرخ و السمسر، و أقاموا جسورا من الأتربة حصنا لهم عند القتال.

فرتب الأميران الجيش ترتيبا تامّا، و سرنا حتى قربنا منهم، فأمر الأميران أرباب المدافع بإطلاقها عليهم، و لم تزل تقذف عليهم نارها حتى أخرجتهم من مكانهم و ولوا ميممين قاصدين وادي يبا، فصاح القائدان الخيل الخيل يا أهل الخيل، فاقتفى أثرهم الفرسان و أرباب الهجان، و استمر القتال بينهم، فصاروا تارة ينهزمون و طورا يفرون و يقاتلون، حتى ملكنا وادي عجلان، و انهزم قوم الإدريسي إلى وادي يبا و معهم قائدهم ابن خرشان.

و أقمنا بقية ليلتنا هناك و لم يصب منا أحد بأذى، و قد قتل منهم سبعة. و بعد صلاة الصبح أمر قوادنا بالزحف على يباوقور أبي العير، و المسافة بين وادي عجلان و وادي يبا، واحدة، فزحف الجيش على وادي يبا، و كان قوم الإدريسي كامنين فيه، و معهم حلى الذين حضروا لنصرة قوم الإدريسي، و معهم مشايخهم و هم: أحمد الصمي، و ابن الصقير، و ابن عجي، حتى بلغ عدد المقاتلين من الأعداء اثني عشر ألف مقاتل، و جميعهم كامنون لنا وسط الوادي و قد صنعوا لهم حصنا عظيما وسط غابات الأثل و الأراك و الطرفاء.

و الأشجار في هذا الوادي متلاحمة حتى يخيل للرائي أنها شجرة واحدة، فلمّا قربنا منهم أمرنا قوادنا و هم عبد اللّه بك و فيصل بك بترتيب الجيش للقتال، و رتب نظيف بك قومندان العساكر النظامية جنده، و بعد

34

الترتيب صدر الأمر بزحف عموم الجيش على العدو، فزحفنا عليهم في منتصف الساعة الثانية صباح يوم الأربعاء الثاني منه، و أخذت الجنود النظامية تصوب مقذوفات مدافعها إلى مكان العدو في الغابات، و هجم عليهم عموم الجيش من عرب و ترك، و في المقدمة نجلا الشريف.

و استمر القتال إلى الثامنة، ثم صدر الأمر من عموم القواد بالهجوم في المقدمة أربعمائة فارس، و اقتفى أثرهم عموم الجيش، و صار القتال بالسلاح الأبيض، و ما وافت الساعة العاشرة حتى انهزم العدو و انكسروا شر كسرة، و وجهتهم هو وادي حلى الذي هو في جهة اليمانية من وادي يبا، و بينهما خمسة عشر كيلو مترا.

و تركوا في الميدان ستمائة قتيل، منهم من قبيلة بني يعلى مائة و عشرون، و من أهل صبيا و الشقيق الذين أرسلهم الإدريسي مددا لأهل يبا مائة و عشرون، و كانوا أربعمائة، و من قبائل وادي حلى مائة و خمسون، و من قبيلة النواشرة أربعون، و الباقي من قبائل متفرقة.

و امتلكنا الوادي من أعلاه إلى أسفله، و نزل الجيش في قرية المراريق، و بتنا ليلة الخميس بوادي يبا مكللين بالنصر و معنا سبعون أسيرا.

[و في صباح يوم الخميس:]

ذهب الجيش ليفتش أكواخ الأعداء، فوجدنا فيها صناديق كثيرة من أنواع الرصاص، و وجدنا ما ينوف عن خمسمائة بندقية من أنواع المارتين الفرنساوي و الإنكليزي و الطلياني، و هي من الأسلحة التي وردت لهم من الإدريسي، أما الغنائم التي غنمناها في هذه المعركة، فهي تزيد عن خمسة عشر ألف أردب من الحبوب،

35

و كانت دواب الجيش جميعها تأكل منها، أما الأثاث كحلي النساء و السلاح الأبيض من سيوف و جنابى و خناجر و ما شاكلها، فكثيرة جدّا.

[و في ليلة الجمعة الرابع منها:]

سرنا من أسفل وادي يبا إلى أعلاه، و نزلنا في فوز أبي العير، و هو مرتفع عن سطح وادي يبا بخمسة عشر مترا تقريبا، و أرضه رملية لاثقة للإقامة فيها، بخلاف نفس الوادي، فإن أرضه من الطينة الصفراء التي تصلح للزراعة.

فلمّا استقر بنا المقام أرسل لنا دولة الأمير رسولا من طرفه يمنع الجيش عموما من الاعتداء على ما تبقى من الأكواخ و القرى و ما فيها، و ذلك رحمة و شفقة منه على أهل اليمن، فمن ضمن هذه القرى قريتان إحداهما لأشراف المناديل، و الثانية من أشراف الرواجحة، الذين اصطدهم ابن خرشان نائب الإدريسي و ألجأهم إلى المهاجرة عن أوطانهم و الإقامة في وادي الأحسبة عند الأشراف العبادلة، و هم منضمون إلى جيشنا لمحاربة الأعداء.

و في صباح الجمعة الرابع من جمادى الآخر سنة تسع و عشرين و ألف: سارت سرية عددها ألف مقاتل تقريبا إلى وادي حلى، و المسافة بينه و بين فواز أبي العير أربع ساعات بالهجين، و كانوا فرسانا و أرباب هجان ألفي رأس من الغنم و أربعمائة من البقر، و ثلاثمائة من الإبل، و قتلوا سبعة من أهالي حلى، و أخذوا خمسة من العبيد، و أسروا ثلاثة و رجعوا إلى المعسكر و قصد دولة الأمير التوجه إلى أبها، فأمر عموم الجيش بالمسير إلى فواز أبو العير، فسرنا في يوم الاثنين سابع من جمادى الآخر الساعة العاشرة نهارا، و كان عدد الجند المنظمين أربعة آلاف‏

36

و ثمانمائة، و نزلنا وادي عجلان، و بتنا هناك، و بعد صلاة الصبح سار الجيش بقيادة دولة الأمير، و أقبلنا على فواز أبو العير في منتصف الساعة الثانية من اليوم المذكور، فقابلنا الجيش المظفر الموجود هناك من العرب و الأتراك، و كان الجميع فرحين مسرورين بقدوم دولة الأمير عليهم.

[و في يوم الأربعاء التاسع منه:]

وفد على دولته عربان تهامة الذين كانوا يحاربوننا بالأمس و معهم مشايخهم، و هم في غاية الخضوع و الذلة، مظهرين ندمهم على ما حصل منهم طالبين العفو، مستعدين لأداء ما عليهم من الزكاة المفروضة شرعا، فعفا عنهم دولته حفظه اللّه، و كسا مشايخهم، و ولى أميرا من الأشراف من طرفه و هو الشريف شنير لجمع الزكاة منهم، و تسليمها إلى قائمقام القنفدة.

[و في يوم الخميس العاشر منه:]

حضر مشايخ وادي جنى و هم أحمد الصمي و ابن الصقير و الشيخ عجي، و معهم مشايخ وادي يبا و هم علي بن مديني و ابن خيرة و البيطلي السابق ذكرهم، و هم كانوا من أعظم أنصار الإدريسي، و طلبوا العفو عما مضى، و قالوا سنكون من الآن من أشد المخلصين للدولة العلية، فعفا عنهم و أمرهم بأداء الزكاة للدولة العلية، فامتثلوا خاضعين، و انضموا بجيشنا لمحاربة العصاة.

و في هذا التاريخ قدم علينا باخرتان حربيتان عثمانيتان، و أصدر دولة الأمير لهما التوجّه بضرب ثلاث جهات على شاطى‏ء البحر الأحمر، و هي الشقيق، و الوسم، و البرك، لأن هذه الجهات الثلاث هي مصدر السلاح الأوروبي الذي يرد من مصوع و جيبوتي و عدن من الدول الأجنبية المعادية للدولة العلية باسم الإدريسي، و هو يوزعه على القبائل الموالية له، و شيخ‏

37

هذه القبائل هو علي بن عبدة المقيم بالبرك. و كان دولة الأمير قد أرسل له نصيحة بعدم العصيان، و يأمره بالطاعة لدولتنا العلية، فلم يزد إلّا عتوّا و نفورا.

فلما يئس الأمير منهم و تحقق عنده تلك الجهات هي منبع الفساد، و لعموم أهل اليمن، أمر قائد البواخر الحربية بالتوجّه لها و ضربها، فتوجّهت البواخر و ابتدأت بضرب البرك المقيم بها رئيس هؤلاء العصاة، فخربها البواخر بقذوفاتها، و هرب هو إلى ضبيا، و بعد ذلك توجهت البواخر إلى مرفأ الشقيق، فقتل من قتل و هرب منهم من هرب.

ثم ذهبت البواخر إلى الوسم بضربها أيضا، فاجتمع أهلها من رجال و نساء و أطفال على شاطى‏ء البحر أمام البواخر، و صاروا يكبرون و يهللون و يضربون البواخر بالرصاص، فأمر رئيس البواخر بإطلاق نارها عليهم، فأطلقت عليهم حتى حرقتهم، و مات منهم ما يزيد عن ستمائة شخص، و فرّ الباقون هاربين. فأمر رئيس البواخر بنزول الجيش إلى البلد.

فلما شعر أهلها بنزول العسكر الشاهانية فيها، رفعوا علما طليانيّا على منزل كائن وسط البلد، فصوّبت باخرة نارها عليه فألقته و هدمت المحل الذي نصب عليه ذلك العلم.

و مكثنا بفوز أبو العير من اليوم العاشر من جمادى الآخرة إلى يوم الحادي و العشرين منه. و في هذا اليوم أمر دولة الأمير بالرحيل، فقام الجيش و معه قبائل يبا و حلى الذين انضموا لجيشنا، و كان عدد الإبل الحاملين للذخيرة ألفي جمل قبيلة حرب القاطنين من أهلها بين مكة و المدينة.

38

و في مدة إقامتنا في وادي يبا كانت الإبل، و هي ألفان و الهجان، و هي أربعة آلاف، و الخيل، و هي خمسمائة، و البغال و جميع الدواب التي مع العرب تأكل من الحبوب المتروكة من العصاة، حتى ارتحلنا و هي لم تنفذ لكثرتها.

و في صبيحة يوم الثلاثاء الرابع و العشرين منه، بينما نحن سائرون إذ شعرنا أن القوم كامنون لنا في مضايقة المسماة بريع الحجاية، و قد حصّنوا أنفسهم تحصينا تامّا، فلما علم دولة الأمير بذلك رتّب الترتيبات اللازمة و جمع الجيش كله من عرب و أتراك، و أخذ الكشاف بيده لاكتشاف القوم حتى عرف مكانهم، فلما عرفنا تماما، أمر باتجاه المدافع إليهم، و كان دولته قائدا لها و بجانبه نشأت باشا.

ثم أمر كافة الأشراف و العربان و العساكر النظامية الجندرمة أن يتسلقوا الجبل المقابل للعدو، و أمر بإطلاق المدافع، فصارت ترسل مقذوفاتها على استحكاماتهم حتى دمرتها، ثم هجم الجيش بأجمعه عليهم، و دام القتال بيننا و بينهم إلى أن انهزم بعد ساعتين من الزمن، وجدنا من قتلاهم سبعة، خلاف الذين حملوهم، و قتل من قومنا نفر من عساكر بيشة و آخر نظامي.

ثم نزلنا الساعة الرابعة من يوم الثلاثاء المذكور، و رتّب دولة الأمير على كل جبل كمينا يراقب القوم خوفا من هجومهم علينا ليلا، ثم بتنا في مكاننا و سرنا منه منتصف الساعة الثانية عشر صباح يوم الأربعاء الرابع و العشرين منه، و قيلنا في مكان اسم الزبارة وسط الوادي، و هو المرحلة الثانية عشر من مكة، و بتنا به.

39

[و في صباح الخميس الخامس و العشرين منه:]

سرنا إلى الساعة الحادية عشر، و فيما نحن سائرون وسط الوادي و الجبال الشاهقة تحفّنا من الجانبين، و نحن في مضايق عسرة المسالك، إذ حضر العيون الذين في المقدمة لكشف مكامن العدو، و أخبروا دولة الأمير أن القوم عند ما انهزموا في القتال جمعوا أنفسهم و كمنوا لنا في مكان يقال له سهول، و هو من عسر المضايق، و عددهم يزيد عن سبعة آلاف مقاتل، و القائد لهم السيد عرار نائب الإدريسي بتلك الجهة، فرتّب دولة الأمير الترتيبات اللازمة.

و لما أقبلنا على مكامن القوم بادأناهم من بعد بضرب المدافع، و لما كشفنا المضايق الكامنين فيها وجدنا الطريق يمر وسطها و لا يوجد لنا طريق خلافه، فهنالك أيقنّا بالهلاك، و تعاهد الجيش بأجمعه على اقتحام هذا الطريق الذي لا يوجد غيره للوصول إلى أبها الذي نريد فك حصارها، إذ لو سقطت في أيديهم لا يمكن ردّها إلّا بعد تضحية آلاف من الأنفس، لذلك صار دولة الأمير يشجّع القوم على القتال.

و قد استمر تسع ساعات، و المدافع الجبلية و المترليون تقذف عليهم نيرانها، و الأشراف و العرب تهجم عليهم من كل جانب، حتى انجلوا عن مكانهم و انكسروا شر كسرة، و ولوا مدبّرين و تتبعهم أبطالنا، و لم يزالوا وراءهم حتى أجلوهم من كافة مضايق سهول، و ذهبوا إلى واد فسيح اسمه بارق. و لما برحوا من الوعر إلى السهل اقتفى أثرهم الفرسان من جيشنا، و ساروا يضربونهم بالسلاح الأبيض حتى دارت الدائرة و تركوا هذا المكان أيضا.

و بعد ذلك نزلنا في وادي بارق المذكور عند قرية تسمى العجم،

40

و بتنا ليلتنا و قيلنا فيه اليوم الثاني. و في الساعة العاشرة مساء يوم الجمعة السادس و العشرين منه سرنا حتى وصلنا أعلا قرية وادي بارق، فانتشرت الجيوش بالوادي للغنيمة، فوجدوا من الجنوب ما لا يحصى، فأخذوا ما أخذوا و تركوا. و أهل تلك القرى قبائل شتى، و هي قبائل حميصة، و بني النيم، و بالقرن، و آل موسى، و آل جبلي، و بعض قبائل ربيعة.

و بعد استقرار الجيش في هذا المكان بساعة حضر الشيخ هيازع شيخ قبيلة آل موسى، و وقف بين يدي دولة أمير مكة نادما على طاعته مع قومه للإدريسي و خروجهم على أمير المؤمنين، فعفا عنه و عن قبيلة آل موسى في الحال، و أمر برفع السلب عن باقي قرى بارق إكراما لهذا الشيخ، و بعد ساعة حضرت هذه القبيلة أمام سرادق دولة الأمير و شرع أهلها يلعبون بأسلحتهم النارية فرحين بالعفو عنهم، و انضم إلى الجيش لمقابلة الأعداء.

[و في يوم السبت السابع و العشرين منه:]

حضر الشيخ عبد الرحمن شيخ قبائل بني شهر من أهل تهامة و طلب من دولة الأمير يكون مرور الجيش من قبيلته، و كذلك صعود جبل الحجاز مع العقبة المسماة ساقين إذ هي لبني شهر أيضا، فاستحسن دولة الأمير برأيه و أجابه إلى طلبه، و ذلك لأن عقبة محائل التي هي للحكومة و هي الطريق الرسمي الموصل إلى أبها عاصمة عسير هدمت من أسفلها إلى أعلاها بواسطة السيد مصطفى عامل الإدريسي بتلك الجهة، و ذلك لأنه حاصر قلعة شعار الواقعة في رأس العقبة.

و امتد الحصار ستة أشهر حتى اضطرت العساكر الشاهانية فأخذهم‏

41

الساري و أرسلهم إلى حبيا مقر رئيسه، و أخذ ما كان في القلعة من بنادق و مدافع، ثم هدمها حتى لم يبق لها أثر يذكر، و بهذه الأسباب ترك دولة الأمير عقبة محائل و سار بجيشه إلى عقبة ساقين.

[و في يوم الأحد الثامن و العشرين من سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة و ألف:]

أمر سيدنا بالرحيل من وادي بارق، فارتحل الجيش بأجمعه و سار معنا الشيخ عبد الرحمن بن ذهيل و معه قوم كثيرون من بني شهر، و لم نزل سائرين حتى وصلنا وادي بقرة و بتنا هناك في ضيافة بني شهر، و قمنا منه الساعة الحادية عشر صباح يوم الاثنين التاسع و العشرين منه، قاصدين عقبة ساقين.

و في منتهى الساعة الواحدة صباح هذا اليوم ابتدأنا في صعود العقبة المذكورة، و هي عقبة عظيمة جدّا، و لبثنا جميع يومنا في صعود، ثم بتنا أثناء العقبة في محل يقال له صلبة، و في الساعة الحادية عشرة صباح يوم الثلاثاء غرة رجب الفرد واصلنا الصعود مجدين المسير حتى أدركنا القيلولة، فقيلنا في روضة يقال لها براد تحت أشجار متنوعة الأشكال، ذوات روائح زكية. و بعد القيلولة نهضنا و أخذنا في الصعود إلى أن وصلنا سطح العقبة منتهى الساعة الثالثة من ليلة الأربعاء ثاني رجب، و نزلنا في واد يسمى تنومة لبني و قبيلة بني شهر، من أعظم قبائل اليمن، و عددهم يزيد عن ستين ألف مقاتل، و مكثنا هناك إلى اليوم السادس حتى وردت جميع الإبل و الدواب الصاعد بالذخائر مع العساكر النظامية، لأن صعود هذه العقبة شاق جدّا إذ يبلغ ارتفاع وادي تنومة عن سطح البحر ثلاثة آلاف مترا تقريبا.

42

[و في اليوم الثاني من وصولنا من وادي تنومة المذكورة، و هو يوم الخميس ثالث رجب:]

وفد على دولة الأمير قبائل بني شهر تحت رئاسة نجل شيخهم المسمى فائز و رئيسهم الأكبر هو سعيد بن قرم و الدفائر المذكور لم يحضر لأنه كان محصورا بأبها. و هذه القبيلة هي المخلصة للدولة العلية، و لم تمل للإدريسي أصلا، بل رفضت طاعته، و ذلك لكثرة المراسلات بينه و بين دولة أمير مكة، حتى صد الإدريسي عن جهتهم.

و الشيخ سعيد بن قرم المذكور أشرف أهالي جبل الحجاز جاها و نسبا، حتى إن سيدنا الشريف محمد بن عون أمير مكة صاهرهم، فأعقب من هذا البيت دولة سيدنا الشريف علي والد دولة الشريف حسين أمير مكة، و كان الإدريسي تمكن من خداع قبيلة من بني شهر يقال لها بني ثيلاف، شيخهم شبيلي بن عريف، فوالوا.

و لما وصل دولة الأمير وادي تنومه امتنع هذا الشيخ من مقابلة دولته خجلا، أما قبيلته فقد امتثلت جميعها بطاعة دولة الأمير، و عين الأمير الشيخ سعيد بن عزم بك قائمقام لقضاء بلدة النماص، و جعله شيخ مشايخ كافة بني شهر، و عنده نيشان من الدولة العلية بخدماته الجليلة، و نجله فراج بك مبعوث بمجلس المبعوثات بالدولة عن قبيلة بني شهر.

[و بعد صلاة صبح اليوم الثامن من رجب:]

حضرت العيون و أخبرت دولة الأمير أن قوم الإدريسي كامنون في عقبة تسمى دهماء تحت قيادة الشيخ محمد بن دليم شيخ قبائل قحطان، و هذه العقبة من أعسر العقبات، إذ لا يمكن الصعود لها إلّا فردا فردا من الطريق العمومي، و عدد قومه‏

43

الكامنين خمسة آلاف، فأمر دولة الأمير بترتيب الجيش من عرب و غيرهم، و أمر بتقديم المدافع أمام الجيش.

و لمّا أقبل الجيش على العقبة اشتبك القتال، فأمر دولة الأمير بإطلاق المدافع على مكامن العدو، و قسم الجيش قسمين: قسما في الجناح الأيمن و قسما في الجناح الأيسر، و بقي هو حفظه اللّه في قلب الجيش، و معه الأشراف. و دام القتال أربع ساعات، و المقذوفات من المدافع و البنادق متوالية، حتى تزلزلت الجبال، و بعد ذلك انكسر العدو شر كسرة، و انهزموا تاركين في ساحة الوغى ثمانين قتيلا، منهم ثلاثون من قحطان، و أربعة و عشرون من قبائل بالأحمر، و اثنا عشر من قبائل عسير، و سبعة من قبيلة بني ثيلا الشاذة من قبائل بني شهر، و عشره من قبائل بالأسمر.

و تمّ لنا- و للّه الحمد- النصر، و دخلنا ديار بالأسمر بعد أن جلونا الأعداء عن عقبة دهماء و عقبة سدوان، و انتشر الجيش في قرى بالأسمر لكسب الغنائم، فغنم من المواشي و الحبوب و الأثاث شيئا كثيرا، فلما رأى أصحاب القرى ذلك، وفدوا على دولة الأمير و معهم شيخهم علي بن جعدان، و صاروا يذرفون دموع الندم على ما حصل فيهم من العصيان حتى لحقهم ما لحقهم من التلف، و صاروا يصرخون طالبين العفو و الرحمة من دولة الأمير، و عفا عنهم. و في الحال أمر برجوع ما أخذ منهم، و أنعم على شيوخهم بالكساوى. و قد انضم الشيخ و بعض جيوشه إلى الجيش المنصور.

و كان دخولنا في هذا الوادي المسمى بوادي حوراء في منتهى الساعة

44

الحادية عشر من يوم الأربعاء مساء تاسع رجب، و قد قتل من جيشنا في هذه المعركة ثلاثة: اثنان من العساكر النظامية، و واحد من العرب.

و لما استقر بنا المقام بهذا الوادي أقبل علينا رجال قبائل الأسمر نادمين على ما حصل منهم، قائلين: إننا بلا شك نستحق ما حل بنا من الذل و الهوان، و سنكون من الآن من أخلص رعايا جلالة أمير المؤمنين، و سيادة دولة الشريف. و إننا مستعدون لدفع الزكاة الشرعية على التمام، فأمرهم دولة الأمير بإحضارها و إرسالها معه إلى أبها عاصمة عسير، فأحضروا الزكاة التي كانت مؤخرة عليهم، و محمولة على إبلهم لتوصيلها إلى أبها، و تسليمها للمتصرف.

ثم أمر دولة الأمير بالرحيل صباح يوم الخميس عاشر رجب سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة و ألف، فسرنا حتى نزلنا في قرى بالأسمر في مكان يسمى سوق الاثنين، و أقمنا يومين، ثم رحلنا صباح يوم السبت ثاني عشر رجب قاصدين قرى قبيلة بالأحمر، فوصلنا الساعة التاسعة مساء اليوم المذكور، قرى واد سمى عمق. و في الجهة الجنوبية من هذا الوادي عقبة يقال لها بيحان.

و لمّا نزلنا في هذا المكان قدم العيون على دولة الأمير و أخبروه بأن قوم الإدريسي كامنون في عقبة بيحان تحت قيادة الشيخ بن دليم القحطاني، الذي كان فرّ منا في الوقعة الأولى، و معه الشيخ الحفظي من مشاهير رجال المع، و الشيخ الغويه من شيوخ شهران القاطنين في الجهة الشرقية من عسير، و معهم أربعة آلاف و ثلاثمائة مقاتل، منهم سبعمائة من أهالي عسير، و ألف من رجال المع، و سبعمائة من قبائل بالأحمر،

45

و ثمانمائة من محايل و الشقيق و صبيا و وادي أبو عريش و هؤلاء من أهل تهامة، و خمسمائة من قبائل قحطان التي هي أكبر قبيلة في جزيرة العرب، و ستمائة من قبيلة شهران.

فلمّا سمع الأمير بذلك رتّب الجيش الترتيب اللازم لمقابلة العدو، و أخذ أربعة طوابير نظامية، و أربعة مدافع جبلية، و رشاشات من صنف المترليون، و جعلهم تحت قيادة دولته، و لزم الجبل الأوسط، و أمر طابورين آخرين و الأشراف و ألفا من العربان بالسير إلى الجناح الأيمن تحت قيادة نجله عبد اللّه بك. و أرسل معنا مدفعين جبليين و واحد مترليون، و أمر طابورين أيضا من العساكر النظامية و ألفا من العربان بأن يكونوا في الجناح الأيسر تحت قيادة نجله فيصل بك، و أرسل معهم مدفعين جبليين و واحد مترليون.

و بعد أن تمت الترتيبات، و وقف كل قائد منهم في مركز، و أطلقت المدافع على استحكامات العدو، و صار الجيش يتقدم إلى الأمام، و كان مبدأ القتال الساعة السابعة من مساء يوم الأحد ثالث عشر رجب، و استمر منتهى الساعة الأولى من ليلة الاثنين الرابع عشر منه، و افترق الجيشان على غاية من التعب.

و في صباح يوم الاثنين وقت الإسفار اشتبك القتال بالبنادق و المدافع، فلم يأت آخر الساعة العاشرة من اليوم المذكور حتى انكسر شر كسرة، و لم نزل وراءهم نقتل فيهم حتى ملكت العقبة من شرقها إلى غربها.

ثم أمر دولة الأمير العساكر النظامية و الجندرمة بالصعود إلى أعلا

46

العقبة، و هي عسرة المسالك، كثيرة الأشجار، و منظرها من أجمل المناظر، و بها قرى كثيرة، فأخذ الجيش ما كان بها من المتاع، و لم نزل سائرين حتى وصلنا قرى من أملاك بالأحمر في وادي يسمى صبح، و كان ذلك في الساعة التاسعة آخر اليوم المذكور نزلنا هناك.

و لمّا استراح دولة الأمير في سرادقه، و نزل الجيش بأجمعه أقبلت قبائل بالأحمر تحت قيادة شيخهم محمد بن محيص، و الكل خاضعون ممتثلون، و طلب شيخهم من دولة الأمير الأمان و الرحمة له و لهم، فأمنهم دولته و كسا شيخهم و كبارهم، و تعاهدوا بأداء الزكاة للدولة و إرسالها لمركز عسير العمومي أبها، فأمر جيشه برد أموالهم، فلما رأوا ذلك من دولة الأمير انضموا لجيشه و رغبوا في محاربة الإدريسي و من معه.

و في صباح يوم الخميس سابع عشر رجب سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة أطلق العدو نيرانه، فاشتبك القتال بيننا و بينهم ساعتين، ثم انكسروا و قد قتل منهم عشرة، و قتل من جيشنا عسكري نشامي، و جرح واحد من اتباع الأمير.

و بعد ما قطعنا العقبة لم نزل سائرين حتى وصلنا واديا يقال له عيل، فنزلنا فيه الساعة التاسعة مساء يوم الخميس المذكور.

و في صباح يوم الجمعة ثامن عشر رجب رحلنا و وجهتنا شعار، عند منتصف الساعة الثانية حضر عيون جيشنا و أخبروا الأمير بأن قوم الإدريسي كامنون بعقبة يقال لها عقبة الدرجة تحت أعلام أربعة، مع كل علم ألفان و خمسمائة مقاتل، تحت قيادة أربعة مشايخ منتدبين من قبل السيد مصطفى المحاصر أبها عاصمة عسير، و هو نائب الإدريسي على جبل الحجاز،

47

و القواد الأربعة المذكورين هم: السيد عبد الرحمن، و محمد بن دليم القحطاني، و الغويه شيخ شهران، و واحد من رجال شيوخ المع، و هم ممتدون في العقبة مسافة ثلاثة آلاف متر من المشرق إلى المغرب.

فأمر دولة الأمير بالجيش بأن يكمن في سد جبل أمام العقبة المذكورة، و أن لا يسير إلى الأمام، ثم رتّب الجيش ترتيبا شاملا، و وضع أمام كل علم من أعلام العدو مدفعين جبليين و مدفعا مترليون و طابورين من العساكر النظامية، و قسم الجيش العربي و الأشراف قسمين: قسما في الجناح الأيمن تحت قيادة عبد اللّه بك، و قسما في الجناح الأيسر تحت قيادة فيصل بك.

و أمر العساكر النظامية بالصعود على رؤوس الجبال و معهم المدافع لمقابلة العدو، و ثم أمر أرباب المدافع بضرب الاستحكامات التي شيّدها العدو بالعقبة، و وضع فوقها أعلامه، فاشتبك القتال بيننا و بينهم و دام ست ساعات، و المدافع تقذف نيرانها عليهم، و جيشنا يتقدم بين نار الرصاص من الطرفين.

و لمّا رأى دولة الأمير أن القتال سيطول أشار على رجال المدافع بأن يوجهوا مقذوفاتها نحو الراية المنصوبة من العبو تجاه دولة الأمير فجر أحدهم مدفعه على راية العدو المذكور، فرماها و قتل تحتها ثمانية أشخاص، فلما سقط العلم ولّى الأعداء هاربين، و انتشر القتل بينهم، فانكسروا شر كسرة، و تشتت شملهم و انجلوا عن العقبة، و صعد جيشنا سطحها و اقتفى فرسان العرب أثر العدو يقتلون فيهم حتى انجلوا عن مكانهم انجلاء تامّا.

48

و قتل منهم في هذه المعركة ما يزيد عن مائتين، و ولّى السيد مصطفى هاربا من حل الحجاز إلى تهامة، و ترك أمواله و جميع ما يملكه في قصره الموجود في قرية من قرى عسير، و لمّا شعر أهل القرية بفرار أميرهم أطلقوا المسجونين من العثمانيين و من العرب غير «موالين لهم، و يربو عددهم عن خمسمائة شخص.

و بعد أن كمل صعود جيشنا إلى سطح عقبة الدرجة، حثثنا السير قاصدين شعر، فوصلناها الساعة العاشرة مساء الجمعة ثامن عشر رجب، فوجدنا القلعة الواقعة أعلا عقبة محايل قد ضربها السيد مصطفى بواسطة أعوانه، و شعار موضع متوسع تحفه الجبال، و سرنا حتى وصلنا الساعة الحادية عشر آخر النهار واديا لقبيلة بني مالك من عسير.

فلما دخلنا تفرّق الجيش للغنيمة، فأخذ ما وجده في القرى، و بعد ذلك حضر مشايخهم لدولة الأمير و طلبوا منه الأمان لهم و لقبائلهم، فأمنهم و أمر برد ما أخذ منهم، و أمر مشايخهم بأن يصحبوه إلى أبها، ففرحوا بذلك فرحا تامّا.

و في يوم السبت تاسع عشر رجب رحلنا صباحا قاصدين أبها، فلما قربنا منها سمعنا أصوات المدافع بجهتها، فأرسل دولة الأمير الرسل ليكشفوا لنا الخبر، فلما حضروا أخبروا أن مصطفى عامل الإدريسي حينما أيقن بقدومكم ترك حصار أبها، و إن هذه المدافع هي من قبل سليمان باشا متصرّف عسير الذي كان محصورا، و قد خرج من أبها بعد فك حصارها، و ها هو قادم و معه طابوران من العساكر لملاقاة دولة الأمير. و كانت المسافة بيننا و بين أبها ثلاث ساعات.

49

فلما تحقق دولة الأمير قدوم سليمان باشا المذكور أمر جيشنا بإطلاق المدافع إكراما له، و شمل السرور جميع الجيش لخلاص أبها من الحصار. و لما حضر سليمان باشا سلّم على دولة الأمير، و هنّأ الجيشان بعضهما بالنصر، و اختلطا معا.

و في الساعة التاسعة مساء هذا اليوم دخلنا أبها و جميع الجيش و الأهالي مسرورون.

و في اليوم التالي من دخولنا حصل الرخاء في الأسعار، و أتت وفود العربان من جميع الجهات و معهم الأرزاق الكثيرة بكثرة، و كان المدّ من البرّ و هو اقتان قد بلغ ثمنه قبل دخولنا بيوم جنيها عثمانيّا و ريالا فرنسيّا، و كان قمع السكر ثمنه جنيهان، و ثمن الشاة أربعون ريالا، و التنكة من السمن ثمانية جنيهات عثمانية و أقة الدخان المهرب بأربعة جنيهات.

فلما أتت الوفود بالأرزاق نزلت الأسعار، فصار كل خمسة أمداد من البر بريال، و قمع السكر بريال، و الشاة من ثلاثة إلى أربعة، و التنكة السمن بجنيه، واقة الدخان بريالين، و صارت القبائل ترد تباعا إلى أبها لمقابلة دولة الأمير، و الكل نادمون.

و كان القائد لعموم من حضر من العربان الشيخ حسن بن علي بن محمد بن عايض، و محمد بن عايض هذا كان ملكا لليمن، و حصل بينه و بين الدولة منافسات أدت إلى الحرب، فأرسلت الدولة العلية له جيشا عظيما بقيادة ممتاز باشا الغازي، فتغلب على ابن عايض و قهره، و اضمحل ملكه، و قبضت عليه الدولة العلية و استولت على مقر ملكه، و هو أبها.

50

و الشيخ حسن هذا كان نافرا من الدولة نفورا تامّا، و كان دائما بينه و بين الدولة مشاغبات، فلما وصل دولة الأمير إلى أبها حضر الشيخ حسن بن علي المذكور و أحضر معه جميع الأسلحة التي كان قد أخذها مصطفى عامل الإدريسي من قعلة شعار، فأمر الأمير حفظه اللّه سليمان باشا باستلامها، و قد حضر مع الشيخ حسن المذكور كافة شيوخ عسير، و هم: الشيخ عبد العزيز بن محمى، و الشيخ محمد بن عبده، و هما مشايخ ربيعة من عسير، و الشيخ أحمد بن حامد شيخ قبيلة علكم، و الشيخ علي بن معدي شيخ قبيلة بني مالك، و الشيخ علي بن محمد بن محمود شيخ قبيلة تضير و رفيدة. و رئيس الجميع حسن بن علي المتقدم. و جميع هؤلاء القبائل يقال لهم عسير أهل السراة.

و الشطر الثاني من عسير هم رجال المعة، و ديارهم تهامة من جبل الحجاز، و مشايخهم الشيخ علي معرافي، و الشيخ يحيى محياني، و الشيخ علي كيبى، و حضر أيضا مشايخ بالأحمر، و مشايخ بالأسمر، و مشايخ قبائل شهران تحت قيادة شيخهم الأكبر الشيخ عبد العزيز بن مشيط. و قدم أيضا جميع مشايخ قحطان، لم يتخلف منهم سوى محمد بن دليم.

و لمّا تكامل جميعهم في سرادق دولة الأمير سألهم عن سبب طاعتهم للإدريسي و خروجهم عن طاعة مولانا أمير المؤمنين، و لمحاربتهم لرجال الدولة العلية، فأجابوه قائلين: إننا لم نطع الإدريسي إلّا بعد أن أرسل سعيد باشا لنا و لكافة القبائل أوراقا محتوية ممضاة منه و من الإدريسي، و فيها نص الاتفاق الذي تم بين الإدريسي و بين الوفد، المأووس للشيخ توفيق الذي حضر من الأستانة لمقابلة الإدريسي،

51

و للاتفاق معه على ما فيه الصلاح، و أرسلوا لنا و لكافة القبائل هذه الأوامر، و بعد ذلك بزمن قليل أمر جميع قبائل تهامة و الحجاز بطاعته و أظهر لهم أنه ساع في إصلاح اليمن.

فلما تمت له السيطرة كلّف أهل الحجاز بإطاعة السيد مصطفى الذي جعله أميرا من قبله على الجبل المذكور، و أقام ابن خرشان أميرا على قبائل تهامة، و أقام ابن عرار أميرا على قبائل بارق، و أقام الفصال أميرا على قبائل المخواة، و أصدر أوامره لنا و لكافة القبائل بتسليم الزكاة لهؤلاء الأمراء، فأطعناهم لما عندنا من الأوامر من قبل الدولة.

و بعد ذلك سولت له نفسه أن يكون ملكا مستقلا على اليمن، فأمر عامله مصطفى بحصار أبها ليأخذها و تكون مقرّا لملكه، و قد استمر الحصار عشرة أشهر حتى أراد اللّه إنقاذ أهلها، و ها نحن الآن مستعدون لدفع الزكاة، فكلفهم بإحضار الزكاة الماضية فأحضروا كافة ما عليهم منها من أموالهم التي كان أخذها منهم السيد مصطفى مدة إمارته عليهم، و صارت الزكاة كل يوم ترد بكثرة من نقود و حبوب و بقر و غنم و عسل.

و أقمنا بأبها خمسة عشر يوما أولها يوم السبت التاسع عشر من رجب سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة و ألف. و في يوم الأحد السابع و العشرين منه أمر دولة الأمير بالاحتفال فيه، لأنه يوم المعراج و يوم عيد الحرية و الدستور، فاحتشد الجمع. أمام دار الحكومة و ثكنة العساكر، و أطلقت المدافع.

و بعد انتهاء الاحتفال قام دولة الأمير في هذا الجمع العظيم و نصح جميع من حضر خصوصا أهل اليمن بخطبة كان تأثيرها عظيما جدا، و من جملة ما ذكر فيها قوله:

52

«أيها الإخوان، اعلموا علم اليقين أنه لو لا وجود هذه الدولة العثمانية و شدة اعتناء خلفائها بالأمة الإسلامية- خصوصا مولانا أمير المؤمنين الحالي- لاختطفتكم الدول الأجنبية اختطاف الذئاب للغنم المنفردة، فإن جميع الدول ساعية من زمن بعيد في اضمحلال الشريعة المحمدية بواسطة هؤلاء المغرورين الذين يخدمونها لأغراضهم الشخصية.

إخواني، هل يرضيكم أفعال هؤلاء القوم الساعين في تخريب بلادكم باسم الحق؟ و لا أدري كيف اعترافكم لهؤلاء و أمثالهم و أنتم أولوا العقول الراجحة و النخوة العربية الأصيلة، آباؤكم الأولون كانوا عز العرب، و عنهم و رثتم الهمم العالية، ألستم أبناء التتابع؟ ألستم الذي قال فيكم جدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «العلم يمان و الحكمة يمانية»؟ ألستم أبناء أسلافكم الكرام الذين اشتهروا بالذكاء الفطري و المجد المؤثل؟

فاللّه اللّه- يا أمناء الأمة العربية- في دينكم لا تضيعوه: بل احفظوه و استظلوا بظل الراية العثمانية التي هي شعار الإسلام، و لا تغتروا بأقوال المفسدين الساعين في تنفيذ أغراض المحركين لهم أعداء الدين الإسلامي، و أنتم لطيب عنصركم و عدم معرفتكم بالسياسة الأجنبية تظنون أنهم إنما يخدمون الدين، مع أنهم و اللّه عن الدين بمعزل، لا يخدمون إلّا لأغراضهم الشخصية مستترين باسم الدين.

فأحذركم أن لا تعثروا بمثل هؤلاء المارقين من الدين، بل كونوا مطيعين لأمير المؤمنين. و لتعلموا أن من خالفه فقد خالف اللّه و رسوله، و من خالفهما فقد باء بغضب من اللّه و خسر الدنيا و الآخرة،

53

ذلك هو الخسران المبين. و ختم خطبته بالدعاء لأمير المؤمنين».

و أطلقت المدافع من القلاع و الحصون، ثم انصرف كل منا إلى مكانه المعدّ له في مدينة أبها.

و في اليوم الرابع من شهر شعبان سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة و ألف أمر دولة الأمير بالرحيل إلى مكة، فتريضنا الساعة الثانية صباح يوم الأحد الرابع من الشهر المذكور، و أمسينا في قرى بني مالك من قبائل عسير، و بتنا بها. و في الساعة الحادية عشر صباح يوم الاثنين الخامس منه سرنا حتى وصلنا الساعة السادسة واديا يقال له الحنقور، و هو الحد الفاصل بين ديار عسير و شهران، و هو ملك لبني مالك أيضا، فإن قراهم أكثر من عشرين قرية، و سرنا بعده إلى الساعة الثامنة من اليوم المذكور، و نزلنا في واد لقبائل شهران يقال له وادي راشد، و هو المرحلة الثانية من أبها، و هو واقع في الجهة الشرقية من أبها و منخفض عنها بنحو ماثتي متر تقريبا.

و لما نزلنا في الوادي المذكور حضر بعض قبائل شهران و قدموا الطاعة لدولة الأمير و أتوا معهم بضيافة كبيرة من الغنم و ما يتبعها، و عاهدوه على أداء الزكاة للدولة في كل عام، و أنهم يكونون خاضعين لجلالة أمير المؤمنين، و أظهروا ندمهم على الانضمام للإدريسي و أعوانه، و طلبوا من دولة الأمير العفو عنهم، فعفا عنهم و أخذ عليهم العهود و المواثيق، و بقي من شيوخهم ثمانية في خدمة الأمير، و انصرف باقيهم راجعا إلى دياره.

و في صباح يوم الثلاثاء السادس من شعبان نهض الجيش المؤلف من‏

54

العربان و الأشراف فقط، و إن العساكر النظامية التي كانت ستة عشر طابورا بجميع لوازمها الحربية بقيت بأبها.

[و في الساعة الواحدة من صباح الاثنين التاسع عشر منه:]

دخلنا وادي كلاخ، و هو المرحلة الخامسة عشر من أبها. و في الساعة الثامنة نهارا قدم علينا من مكة بقية أنجال دولة الأمير و هم عطوفة علي بك وكيل دولة الأمير بمكة، و الشريف زامل بك، و الشريف جعفر بك: أنجال عطوفة ناصر بك شقيق دولة الأمير، و في معيتهم من الفرسان و أرباب الهجان ما يزيد عن الثلاثمائة، و الكل قادمون لمقابلة دولة الأمير فرحين مهنئين لنا بقدومه السعيد، و حضر كذلك أهل وادي كلاخ، و صاروا يطلقون بنادقهم أمام سرادق دولة الأمير، و هم قبيلة يقال لها النفعة من قبائل عتيبة، و قدموا ضيافة لدولة سيدنا.

ثم سرنا و نزلنا في محل يقال له نخب لقبيلة و قدان اسمه الحقيقي وادي النمل. و في صباح يوم الخمس الثاني و العشرين من شعبان قمنا من هذا الوادي و سرنا، حتى إذا كان بيننا و بين الطائف سير ساعتين و نصف وجدنا حضرة الوالي حازم بك و القومندان منير باشا و فضيلة قاضي مكة المشرفة و مدير الحرم المكي و الدفتر دار و جميع هيئة الحكومة و جميع العساكر النظامية، قد أتو لمقابلة صاحب الدولة و السيادة أمير مكة المكرّمة.

و كان الوالي و مجلس البلدية قد أعد سرادقا من أفخر ما يكون لاستراحة دولة الأمير عند قدومه عليهم، و فرح جمع كثير من أهالي الطائف و أهالي مكة، و علامة السرور بادية على وجوههم، و لما استقر

55

دولته بسرادقه الخاص قدم الناس عليه مهنئين له بالنصر المبين على الإدريسي و قومه، و كان من جملة المهنئين حضرات العلماء الأعلام تلا بعضهم قصائد لتهنئة دولته بالقدوم، فمن ذلك ما تلاه حضرة الأستاذ الجليل الشيخ أحمد النجار المدرّس بمسجد سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما.

[و في خامس ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة:]

قدم مكة لأداء الحج الأمير محمد بن عبد الرحمن شقيق السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود و في معيته الأمراء: عبد العزيز بن تركي، و مشاري بن جلوي، و محمد بن ناصر الفرحان، و معهم عائلات الأمراء و ما ينوف على مائتين و خمسين من رجالهم غير الحجاج و قرايا نجد.

و كان الأمير عبد الرحمن بن سعود والد السلطان عبد العزيز قد عزم على أداء فريضة الحج في هذا العام، و سعى لذلك بضع مراحل، و لكن حالته الصحية حالت دون إتمام أمنيته في هذه السنة، فآثر العودة اضطرارا. و قد خرج لاستقبالهم وفد من الأشراف و الرؤساء في مرحلة العشيرة، و هي المرحلة الخامسة عن مكة المكرّمة، و أمر جلالة الملك بإرسال ما يلزمهم من السرادقات و الخيام و وسائل الضيافة في محطة السيل.

و لمّا دخلوا مكة المكرمة خرج لاستقبالهم وفد برئاسة سمو الأمير عبد اللّه بن محمد و الشريف شرف قائمقام مكة المكرّمة و غيرهما من الأشراف و الرؤساء، و في معيتهم فرقة من الهجانة و الفرسان، فدخلوا مكة

56

المكرّمة بغاية الإكرام، و قد أعدت لهم المنازل اللازمة لهم و لعائلتهم المحرتمة في شعب عامر الخاص بنزول حجاج نجد.

[و في شهر صفر سنة 1337 ه:]

ورد من قائد المسلحة العسكرية المقيمة بجوار الخرمة ما يشعر بوصول إمداد من الوهابية لإخوانهم لها، يتجاوز عدد فرسانهم الخمسة و الثلاثين، و الهجانة منهم نحو الأربعمائة، يرأسهم فيحان بن محياط و ابن ريعان. و إنه بعد مواقعتهم لقتال كانت قتلانا فيه ثلاثة من الأشراف و هم محمد يحاني بن سلطان و ابن أخيه عبد اللّه بن سلطان و الحسين بن محمد الشنبري، و ستة من البقوم، و ثلاثة من العتيبة، و اثنين من بني الحارث، و ثلاثة من العقيلات، و سبعة معاون رئيس صف الهجان المخصوص، و ستة من الأفراد المجموع (24)، و كانت الجرحى أربعة و قتلى العدو ثلاثة و سبعون من ضمنهم سلطان ولد الشريف خالد.

[و في أواخر صفر من السنة المذكورة:]

وصل لمكة المكرمة وفد فخيم أرسله الأمير سعود بن عبد العزيز بن رشيد، مؤلفا من نحو ستين شخصا من أماثلة رجاله و حاشيته، لتوثيق روابط الإخلاص بجلالة الملك، و قد أرسل مع هذا الوفد خمسة من الخيول العربية المطهمة هدية للإصطبل العامر.

[و في 9 جمادى الثانية سنة 1337 ه:]

ورد إلى مكة وفد تهائم اليمن من قبيلة بعير، مؤلف من نحو عشرين من كبارهم، و منهم الشيخ عمر بن شيبة و الشيخ علي ابن مدين، و الشيخ عبد الكريم بن أحمد بن خيرة، و الشيخ محمد شعوان بن يوسف، و الشيخ عبدة بن علي المزعى،