منية المريد

- الشهيد الثاني المزيد...
496 /
7

[المدخل‏]

الميرزا الشيرازي الكبير (رحمه اللّه تعالى):

چقدر شايسته است كه أهل علم مواظبت نمايند به مطالعه اين كتاب شريف، و متأدّب شوند به آداب مزبوره در آن.

- ما أخرى بأهل العلم أن يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف و أن يتأدّبوا بالآداب المذكورة فيه.

(انظر هذا الكتاب، ص 55، مقدّمة التحقيق)

يرى النّاس دهنا في قوارير صافيا* * * و لم ندر ما يجري على رأس سمسم‏

8

دليل الكتاب‏

مقدّمة التحقيق: 9

الفصل الأول: تحقيق في تاريخ حياة الشهيد الثاني 9

الفصل الثاني: حول كتاب «منية المريد» 53

من الكتاب: 89

تقديم 91

المقدّمة: فضل العلم من الكتاب و اسنة و الأثر و دليل العقل 93

الباب الأوّل: آداب المعلّم و المتعلّم 129

الباب الثاني: آداب الفتوى و المفتي و المستفتي 277

الباب الثالث: المناظرة و شروطها و آدابها و آفاتها 309

الباب الرابع: آداب الكتابة و الكتب و ما يتعلّق بها 337

الخاتمة: مطالب مهمّة في أقسام العلوم الشرعية و الفرعية و غيرها 363

تتمّة الكتاب: نصائح مهمّة لطلّاب العلوم 391

الفهارس العامّة: 395

1- مصادر التحقيق 397

2- الآيات الكريمة 423

3- الأحاديث الشريفة 428

4- الآثار 438

5- الاشعار 442

6- الأعلام الواردة في المتن 445

7- الأعلام الواردة في مقدّمة التحقيق و التعاليق 452

8- الكتب الواردة في المتن 469

9- الكتب الواردة في مقدّمة التحقيق و التعاليق 470

10- الموضوعات 483

9

مقدّمة التحقيق‏

الفصل الأوّل تحقيق في تاريخ حياة الشهيد الثاني‏

أ- مصادر ترجمة الشهيد الثاني‏

كان المرحوم الشيخ زين الدين بن عليّ بن أحمد العاملي الشاميّ (911- 965 ه) المعروف بالشهيد الثاني من مشاهير الفقهاء المتبحرين العظام، و من الوجوه المشرقة في التاريخ الدموي للإسلام. و قد خلّف هذا الفقيد السعيد الذي حظي بفيض الشهادة في سبيل الرسالة، خلّف في عمره القصير (54 سنة) زهاء سبعين كتابا و رسالة صغيرة و كبيرة في مختلف الموضوعات، كان الكثير منها و لا يزال المورد الصافي لإفادة العلماء و المحققين.

و لقد كانت حياته ممتزجة بالقداسة و التقوى، قد بلغ في ذلك إلى درجات سامية، حتى كانت له كرامات و خوارق عادات قد سجّلها التاريخ، لا مجال هنا لذكرها.

وردت ترجمة هذا العالم المجاهد الدءوب في كثير من كتب التراجم سنأتي في هذا المقال على التعريف بها. و قد كتب الشهيد نفسه رسالة خاصّة في حياته، ضمّنها تلميذه العالم الجليل ابن العودي في رسالة كتبها في تاريخ حياة أستاذه سمّاها «بغية

10

المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد» و نأسف أن قد فقد أكثر فصول هذه الرسالة و لم يبق إلّا بعض الفصول منها أوردها الشيخ عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين، حفيد ابن الشهيد في كتابه «الدّرّ المنثور» و قد طبع هذا الكتاب قبل عشرة أعوام بمدينة قم المقدّسة. و قد كتب ابن العودي عن دافعه إلى كتابة هذه الرسالة بشأن الشهيد يقول:

«... شيخنا و مولانا و مرجعنا و مقتدانا، و منقذنا من الجهالة و هادينا، و مرشدنا إلى الخيرات و مربّينا، بديع زمانه و نادرة أوانه، و فريد عصره و غرّة دهره، الشيخ الإمام الفاضل، و الحبر العالم العامل، و النحرير المحقق الكامل، خلاصة الفضلاء المحققين، و زبدة العلماء المدقّقين، الشيخ زين الملّة و الدّين ابن الشيخ الإمام نور الدين علي ابن الشيخ الفاضل أحمد بن جمال الدين بن تقيّ الدين صالح- تلميذ العلامة- ابن مشرف العاملي، أفاض اللّه على روحه المراحم الربّانية، و أسكنه في جنانه العلية، و جعلنا اللّه من المقتدين بآثاره، و المهتدين بأنواره بمحمّد و آله عليه و عليهم أفضل الصلاة و أتمّ السلام.

و لمّا كان هذا الضعيف الملهوف عليه، المحزون على طيب عيش من لديه، مملوكه و خادمه: محمّد بن عليّ بن الحسن العودي الجزّيني ممّن حاز على حظّ وافر من خدمته، و تشرّف بمدة مديدة من ملازمته- كان ورودي إلى خدمته في عاشر ربيع الأوّل سنة 945 (1) إلى يوم انفصالي عنه بالسفر إلى خراسان في عاشر ذي القعدة سنة 962؛

فكأنّها أحلام نوّم لم تكن‏* * * يا ليتها دامت و لم تتصرّم‏

و تمتّعت منها القلوب و نارها* * * من فرقة طفئت و لم تتضرّم‏ (2)

فوا شوقاه إلى تلك الأوقات، و وا أسفاه على ما فات- وجب أن نوجّه الهمّة إلى جمع تاريخ يشتمل على ما تمّ من أمره، من حين ولادته إلى انقضاء عمره، تأدية لبعض‏

____________

(1)- و في موضع آخر من نفس هذه الرسالة ( «الدّر المنثور» ج 2/ 159- 160) يقول: «و كنت أنا إذ ذاك في خدمته أسمع الدرس.»، و الكلام عن عام 942؛ و أيضا يقول فيها ( «الدّر المنثور» ج 2/ 161): «ثمّ ودّعناه و سافر من دمشق يوم الأحد نصف ربيع الأوّل سنة 942.»، و على هذا فالظاهر أنّ 945 في الأصل 940، و أنّ رقم 5 مصحّف عن الصفر، كما صحّفت سنة وفاة المحقق الكركي في كلام ابن العودي في «الدّر المنثور» ج 2/ 140، من 940 إلى 945، و مثل هذا كثيرا ما يتّفق.

(2)- المصراع في الكتاب: «من فرقة طغيت و لم تتضرّم» و رجّحنا نقل المصراع عن «أعيان الشيعة» ج 7/ 146، مع إصلاح.

11

شكره، و امتثالا لما سبق إليّ من أمره؛ فإنّه (قدّس سرّه) كان كثيرا ما يشير إليّ بذلك على الخصوص ... فجمعت هذه النبذة اليسيرة و سمّيتها «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد» و رتّبتها على مقدّمة و فصول و خاتمة» (1).

و كانت رسالة ابن العودي تشتمل على عشرة فصول و مقدّمة و خاتمة و لكن قد مرّ أنّ أكثر فصولها لم تصلنا. و لا ريب أنّها أوّل و أحسن مصدر لترجمة الشيخ الشهيد، و لكن إذا جزنا هذه الرسالة فنجد ترجمته مفصّلة أو مختصرة في المصادر الآتية.

و من المعلوم أنّنا لا نرى في أكثر هذه المصادر شيئا جديدا في ترجمة الشهيد، بل إنّما هي مكرّرات سائر الكتب. و يكفي المحقق في ذلك- مضافا إلى مراجعة «الدّر المنثور»- أن يراجع الأرقام التالية منها: 1- 8، 12، 13، 16، 19، 28.

1- «أمل الآمل»، ج 1/ 85- 91؛

2- «تكملة أمل الآمل»/ 212- 217؛

3- «رياض العلماء»، ج 2/ 365- 386؛

4- «روضات الجنّات»، ج 3/ 352- 387.

5- «مستدرك الوسائل»، ج 3/ 425، 428،

6- «شهداء الفضيلة»/ 132- 164؛

7- «الكنى و الألقاب»، ج 2/ 381- 391؛

8- «الفوائد الرضوية»/ 186- 192.

9- «هدية الأحباب»/ 167- 168؛

10- «تنقيح المقال»، ج 1/ 472- 473؛

11- «معجم رجال الحديث»، ج 7/ 372- 377؛

12- «أعيان الشيعة»، ج 7/ 143- 158؛

13- «لؤلؤة البحرين»/ 28- 36؛

14- «قصص العلماء»/ 248- 263؛

15- «ريحانة الأدب»، ج 3/ 280- 288؛

16- «الذريعة»، في مختلف الأجزاء، سيأتي بعض مواردها قريبا في بحث‏

____________

(1)- «الدّر المنثور» ج 2/ 150- 152.

12

«تاريخ استشهاد الشهيد الثاني»؛

17- «جامع الرواة»، ج 1/ 346؛

18- «مقابس الأنوار»/ 15؛

19- مقدّمة «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» للشيخ محمّد مهدي الآصفي، ج 1/ 149- 194، و نعبّر عنها في هذا المقال بمقدّمة «شرح اللمعة»؛

20- «معجم المؤلّفين»، ج 4/ 193، و ج 7/ 12؛

21- «طرائق الحقائق»، ج 1/ 228- 248.

22- «تحفة العالم في شرح خطبة المعالم»، ج 1/ 139- 150؛

23- «سفينة البحار»، ج 1/ 723، مادة «شهد»؛

24- «نقد الرجال»/ 145؛

25- «مصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال»/ 183؛

26- «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال»، ج 4/ 254- 302؛

27- «الأعلام»، ج 3/ 64؛

28- «إحياء الداثر من القرن العاشر» (من «طبقات أعلام الشيعة»)/ 90- 92، و غير هذه الصفحات؛

29- «كشف الحجب و الأستار عن أحوال الكتب و الأسفار»، في مختلف الصفحات.

و من المؤسف أنا نجد في تاريخ حياة الشهيد الثاني و كتبه و تاريخ تأليفها و غير ذلك أخطاء متعدّدة، و حيث لم يكن من المتداول سابقا التحليل و التحقيق في التاريخ لذلك كان المتأخرون إذا وجدوا موضوعا في كتاب التاريخ أو التراجم نقلوا ذلك في كتبهم بدون أيّ تحقيق أو تحليل أو مقارنة بالقرائن و الشواهد التاريخية الأخرى، و كانت هذه الأخطاء بالتدريج تتحوّل إلى أغلاط مشهورة تتكرّر في الكتب المتأخّرة بمحض الاستناد إلى ذكرها في ذلك الكتاب السابق. و حيث قد تكفّلت هذه المصادر المذكورة آنفا بترجمة الشيخ الشهيد، و لا يتحمّل هذا المقال كلاما أوسع ممّا في تلك المصادر، لذلك فسوف أقتصر في جهدي في هذا المقال على التحقيق في بعض المسائل و الموضوعات التي جاءت في تاريخ حياة الشهيد، للمذاكرة حول بعض الأغلاط المشهورة بهذا الشأن، رجاء أن لا تتكرّر فيما سيكتب عنه بعد هذا، عسى أن نؤدّي بهذا

13

بعض حقّ هذا الرجل العظيم.

و من الجدير بالذكر أن أقول: إنّي قد بدأت بتصنيف كتاب كبير في حياة الشهيد الثاني، أرجو أن أوفّق لنشره- بعناية اللّه و رعايته- قبل عام 1411 ه، المصادف لمرور خمسة قرون على ميلاده (قده) . و هنا الآن إليكم بعض تلك الأخطاء.

ب- تاريخ استشهاد الشهيد الثاني‏

1- في تاريخ شهادة الشهيد الثاني قولان، و قد يذكران على الترديد؛ أحدهما أنّها كانت في سنة 965 ه، و الآخر أنّها كانت في سنة 966 ه، و الأكثر الثاني كما في موارد متعدّدة من «إحياء الداثر»- منها: ص 32، 55، 63، 90، 91، 102، 117، 127، 162، 181، 230، 234، 245، 277- و «الذريعة» منها: ج 1/ 22، 93، 218؛ ج 2/ 86، 228، 244؛ ج 3/ 58، 136؛ ج 4/ 4، 392، 433، 452؛ ج 5/ 196، 199، 205، 206، 278؛ ج 6/ 15، 23، 82، 94، 106، 243؛ ج 7/ 30، 31، 175؛ ج 8/ 76؛ ج 10/ 42؛ ج 11/ 159، 170، 275، 290؛ ج 12/ 124، 198؛ ج 15/ 109، 71؛ ج 16/ 68، 381؛ ج 17/ 100؛ ج 18/ 36؛ ج 19/ 18، 26، 35؛ ج 20/ 195، 209، 212، 371، 378؛ ج 21/ 1، 382، 400؛ ج 23/ 141؛ ج 24/ 44، 65، 439. و لم أر فيهما حتّى موردا واحدا يذكر فيه التاريخ الأول، مع أنّنا مع الالتفات إلى الشواهد و الأدلة التي سنذكرها نقطع بأنّ الصحيح هو 965 و أنّ 966 خطأ. و قبل أن نقيم الأدلة و الشواهد لمدّعانا، أذكّر بأنّ أوّل من ذكر سنة 966- حسب اطلاعى- هو المرحوم السيّد مصطفى التفرشي في «نقد الرجال» (/ 145)، ثمّ نقلا عنه و تبعا له المرحوم الأردبيلي في «جامع الرواة» (ج 1/ 346)، و لم يذكر هذا التاريخ أحد من معاصري الشهيد أو تلامذته و أقربائه، بل ذكر بعضهم عام 965 تاريخا لشهادة الشهيد الثاني كما ستلاحظون:

كتب المرحوم حسن‏بيگ روملو، و هو من معاصري الشهيد في كتابه الفارسيّ «أحسن التواريخ» الذي أنهاه حوالي سنة 980 ه، (1) كتب في حوادث سنة 965، يقول بالفارسية ما ترجمته:

____________

(1)- «أحسن التواريخ»/ 21، المقدّمة.

14

«و في هذه السنة استشهد الشيخ الفاضل حاوي المعقول و المنقول، جامع الفروع و الأصول الشيخ زين الدين الجبل عاملي. و سبب شهادته هو أنّ جمعا من أهل السنة قالوا لرستم پاشا الوزير الأعظم [للدولة العثمانية]: إنّ الشيخ زين الدين يدّعي الاجتهاد، و يأتيه كثير من علماء الشيعة و يقرءون عنده كتب الإماميّة، و غرضهم إشاعة الرفض الذي هو لدى التحقيق كفر محض! فأرسل رستم پاشا رجالا لطلب الشيخ، و كان آنذاك- و هو أفضل الفقهاء- في مكّة المكرّمة، فقبضوا عليه و أتوا به إلى إسلامبول و قتلوه من دون أن يعرضوه على السلطان سليمان [؟!] ...» (1).

و كتب القاضي أحمد الغفّاري القزوينيّ (المتوفى 975 ه) الذي كان هو أيضا من معاصري الشهيد، في كتابه الفارسيّ «تاريخ جهان‏آرا» الذي ألّفه حوالي سنة 972 و ذكر الحوادث حتّى تلك السنة (2)، كتب ضمن حوادث عام 965، يقول بالفارسية ما ترجمته:

«و في هذه السنة أخذ الروميون [أي الأتراك العثمانيون‏] في مكّة المكرمة، المغفور له الشيخ زين الدين الجبل عاملي، و ذهبوا به إلى استانبول، و قتلوه للعصبية المذهبية في يوم الخميس منتصف شهر رجب الحرام» (3).

و قد ذكر تاريخ شهادة الشهيد في شهر رجب و أنّه أخذ من مكّة المكرمة تلميذه السيّد علي الصائغ في آخر نسخة من الجزء الثالث من «المسالك» أيضا (4) و هو يعدّ تأييدا لمقال صاحب «تاريخ جهان‏آرا».

و كتب محمود بن محمّد بن عليّ بن حمزة اللاهجاني تلميذ الشهيد الثاني، الذي كان حين إلقاء القبض عليه معه و هو يستنسخ «المسالك» مقارنا لتأليفه تقريبا، كتب في نسخته من «المسالك» يقول:

«إنّ الشارح قد كتب الجزء الثالث و ما بعده حينما كان متخفيا خوفا من أعدائه- كما قال هو نفسه: مع تراكم صروف الحدثان- و كان خوفا منهم يلوذ من جبل إلى جبل و من قرية إلى قرية، و أنا كتبت هذا القسم من الكتاب في هذه الحال كذلك،

____________

(1)- «أحسن التواريخ»/ 520- 521.

(2)- «تاريخ جهان‏آرا»/ ح، المقدّمة.

(3)- «تاريخ جهان‏آرا»/ 304.

(4)- «الدّر المنثور» ج 2/ 190.

15

و حاولت أن أفكّه من السجن فسجنوني معه، فبقي في السجن اثنين و أربعين يوما ثمّ بعثوا به إلى الروم [أي تركيا] و أطلقت في 20/ ج 1/ 965 ه، و هو يوم الجمعة و النيروز، فكنت أعيش في مكّة متظاهرا حتّى بلغني خبر شهادته في ذي القعدة من نفس هذه السنة، و أرادوا أن يقبضوا عليّ مرّة أخرى و لكنّي فررت منهم و اختفيت و بعد أداء الحجّ استنسخت هذا الشرح متخفيا، و في آخر شهر صفر خرجت من مكّة المكرمة، و أنهيت هذا المجلد في يوم الأحد 4/ ج 1/ 966» (1).

و قد نقل كلام اللاهجاني هذا المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (قدّس سرّه) في «إحياء الداثر» (/ 242) و لكنّه بدّل 965 إلى 966 تصحيحا أو تصحيفا، و واضح أنّ هذا لا يكون نقضا لكلام اللاهجاني.

و في فهرس مخطوطات مكتبة حرم السيّدة فاطمة المعصومة بقم المقدّسة نقل عن خطّ محمّد بن أحمد ابن السيّد ناصر الدين الحسيني- أحد علماء القرن العاشر و المعاصر للشهيد تقريبا (2)- على ظهر نسخة من شرح اللمعة: أنّه قتل الشهيد في 17 شهر رمضان عام 965 (3).

و نقل عن خطّ والد الشيخ البهائي تلميذ الشهيد أنّه استشهد سنة 965. (4)

و كتب المرحوم الشيخ يوسف البحرانيّ صاحب «الحدائق» يقول:

«وجدت في بعض الكتب المعتمدة في حكاية قتله (رحمه اللّه تعالى) ما صورته: قبض شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه بمكّة المشرفة في خامس شهر ربيع الأوّل سنة خمس و ستين و تسعمائة، و كان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر و أخرجوه إلى بعض دور مكّة و بقي محبوسا هناك شهرا و عشرة أيّام، ثمّ ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطنية و قتلوه بها في تلك السنة، و بقي مطروحا ثلاثة أيّام، ثم ألقوا جسده الشريف في البحر، (قدّس اللّه روحه) كما شرّف خاتمته» (5).

و نقل ابن العودي و صاحب «الرياض» قصة رؤيا الشيخ محمّد الجباني [أو

____________

(1)- نشرة «نسخه‏هاى خطى»، العدد السابع/ 614، النسخة المرقمة 512.

(2)- راجع «إحياء الداثر»/ 227.

(3)- «فهرست نسخ خطي كتابخانه آستانه مقدسه قم»/ 122.

(4)- «فهرست نسخه‏هاى خطي كتابخانه مركزي دانشگاه تهران» ج 16/ 409- 410.

(5)- «لؤلؤة البحرين»/ 34.

16

الحياني‏]- الذي عدّه السيّد الأمين في تلامذة الشهيد (1)- بطولها، و ما يرتبط من تلك القصة بما نحن فيه هو أنّ الشيخ محمّد الجباني يصل إلى قرية جزّين من جبل عامل في 22 ذي الحجة عام 965 بعد تحمّل مشاقّ السفر، و هو يقصد أن يبقى بها مدّة، و لكنّه يبتلى بمرض شديد، و في ليلة 28 من شهر ذي الحجة يرى في الرؤيا أمورا منها ما يتعلق بالشهيد الثاني، و يعلم ممّا قاله أنّ الشهيد الثاني كان قد نال الشهادة قبل هذا التاريخ أي 28 ذي الحجة 965 (2). و إن فرض ورود بعض الإيرادات على القصة من جهات، لا تخلّ بما نحن بصدده.

و أحكم من الكل أنّ الشيخ علي حفيد الشيخ صاحب «المعالم» يقول:

«رأيت بخطّ جدّي المبرور الشيخ حسن (قدّس اللّه روحه) ما صورته: ولد الوالد (قدّس اللّه نفسه) في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر شوال سنة إحدى عشرة و تسعمائة، و استشهد في سنة خمس و ستين و تسعمائة» (3).

و على هذا فواضح أنّه مع الالتفات إلى كل هذه الشواهد و القرائن، و كلام ابن الشهيد و اللاهجاني تلميذه، و اثنين من المورّخين المعاصرين للشهيد ممن كانوا يهتمّون بضبط الحوادث التاريخية طبق الحوادث و حسب ترتيب السنين، لا يبقى مجال لقبول قول التفرشي في «نقد الرجال» بل علينا أن نسلّم بأنّ شهادة الشهيد قد وقعت في سنة 965 ه. و أمّا في أي شهر و في أيّ يوم وقعت هذه الواقعة الهائلة؟ فالأقوال و إن كانت مختلفة، إلّا أنّ الذي يبدو للنظر هو صحة كلام صاحب «تاريخ جهان‏آرا» بوقوعها في يوم الخميس [أو الجمعة] من العشر الأواسط في شهر رجب الحرام، المتأيّد بمقال السيّد علي الصائغ تلميذ الشهيد، و لا ينافيه مقال اللاهجاني التلميذ الآخر للشهيد بأنّ خبر شهادته بلغه في شهر ذي القعدة 965، كما هو واضح.

و لا بأس بالتذكير بهذه النقطة: و هي أنّ بعض المعاصرين كتب في ترجمة الشهيد:

«بما أنّ ابن العودي و السيّد علي الصائغ و هما تلميذان من تلامذة الشهيد أرّخا شهادته بسنة 966، لذا فنحن أيضا اتّخذنا تاريخهما سندا في هذا المورد.» و هذا المبنى باطل و كذلك المبنيّ عليه؛ فإنّ ابن العودي- فيما هو بأيدينا من كتابه- لم يشر إلى هذا

____________

(1)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 158.

(2)- «رياض العلماء» ج 2/ 377- 381؛ «الدّر المنثور» ج 2/ 192- 197.

(3)- «الدّر المنثور» ج 2/ 189، و ج 2/ 200.

17

الموضوع بأيّة إشارة أبدا، و السيّد علي الصائغ- كما مرّ- قال بوقوع هذه الواقعة في شهر رجب فحسب من دون ذكر السنة. و قد رأينا وجود شواهد عديدة على وقوع الشهادة في سنة 965 على العكس من سنة 966 التي لم يشهد لها إلّا كلام التفرشي في «نقد الرجال» الذي لا يقاوم حتّى واحدة من شواهد القول الآخر فضلا عن جميعها.

2- جاء في «لؤلؤة البحرين» (/ 34) و نقلا عنه و تبعا له في «ريحانة الأدب» (ج 3/ 287) و كذلك في «فرهنگ فارسي» لمحمد معين (ج 5/ 945): «أنّ الشهيد قبض عليه و قتل على عهد السلطان سليم [الثاني‏] الخليفة العثماني و بأمره». و لكن الصحيح بدل السلطان سليم: السلطان سليمان القانوني العثماني، فإنّ السلطان سليم الثاني جلس على العرش سنة 974 ه و قد استشهد الشهيد في سنة 965، و على هذا فالشهادة كانت في عهد السلطان سليمان القانوني والد السلطان سليم لا نفسه‏ (1).

ج- اسم الشهيد الثاني و كنيته و نسبه و أولاده‏

3- جاء في بعض الكتب اسم الشهيد و نسبه هكذا: «زين الدين عليّ بن أحمد الجبعي العاملي». و هذا سهو قطعا؛ فإنّ اسمه لم يكن «عليّا» جزما، بل هو اسم ابيه. بل الصحيح: «زين الدين بن عليّ بن أحمد الجبعي العاملي»، و قد رأيت بنفسي موارد عديدة من خطّ نفس الشهيد أنّه كتب اسمه و نسبه هكذا: «زين الدين بن علي بن أحمد ...». و قد حقّق الموضوع السيّد الأمين في «أعيان الشيعة» (ج 7/ 144) و نقل موارد عديدة من خطّ الشهيد ذكر اسمه و نسبه فيها كما ذكرناه.

و ليعلم أنّه نقل من خطّ الشهيد أنّ «زين الدين» لقبه أيضا، و اسمه لقبه‏ (2).

4- لقّب الشهيد في بعض الكتب ب «نور الدين». و هذا أيضا سهو، بل هو لقب أبيه قطعا.

5- جاء في بعض المصادر- منها «روضات الجنّات» (ج 3/ 353) و خاتمة «مستدرك الوسائل» (ج 3/ 425)، تبعا للحرّ العاملي في «أمل الآمل» (ج 1/ 118)-: أنّ والد الشهيد كان معروفا بابن الحاجة- أو ابن الحجة.

بينما الذي يظهر من المصادر هو أنّ الشهيد نفسه كان معروفا بذلك و لا دليل على‏

____________

(1)- راجع «شهداء الفضيلة»/ 136- 137، الهامش؛ «فرهنگ فارسي» ج 5/ 795، قسم الأعلام.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 171، الهامش.

18

ما قاله الحرّ العامليّ، و نحن ننكر أن يكون والده مشتهرا بهذه الكنية و لا ننكر إطلاقها عليه مطلقا، فلا ننكر أن تكون قد أطلقت عليه هذه الكنية، بل الذي ننكره إنّما هو شهرته و كونه معروفا بهذه الكنية، و لا ننفي أن يكون إطلاقها على والده صحيحا، و لكنّه غير مشهور بها.

و الذي يستفاد من إجازات الشهيد و مكتوباته و اجازات و مكتوبات تلامذته و سائر العلماء هو أنّ الشهيد كان مشتهرا بها، و سوى الإجازات قد أطلقها عليه كثير من العلماء بعده في مؤلّفاتهم، منها: 1- «رياض العلماء» ج 2/ 365؛ 368؛ 2- «تحفة العالم» ج 1/ 139؛ 3- «لؤلؤة البحرين»/ 28؛ 4- «شهداء الفضيلة»/ 132؛ 5- «قصص العلماء»/ 249؛ 6- «أعيان الشيعة» ج 7/ 143؛ 7- «تكملة أمل الآمل»/ 114؛ 8- «معجم المؤلّفين» ج 4/ 147، ج 7/ 12.

و إليكم بعض الموارد من إجازات الشهيد و مكتوباته و تلامذته و سائر العلماء، ممّا ذكر فيه الشهيد بعنوانه المشهور يومئذ: ابن الحاجة:

1- «... و كتب هذه الأحرف بيده الفانية زين الدين بن عليّ بن أحمد شهر بابن الحاجة» (1)؛

2- «... و ذلك في سابع شهر شعبان المبارك سنة ثلاثين و تسعمائة و كتب أفقر العباد زين الدين بن علي الشهير بابن الحجة» (2)؛

3- «... مثل إجازة الشيخ السعيد و المحقق الشهيد خاتمة المجتهدين الشيخ زين الدين بن عليّ بن أحمد الشاميّ العاملي شهر بابن الحاجة» (3)؛

4- «... و ذلك في سابع شهر شعبان المبارك سنة ثلاثين و تسعمائة، و كتب أفقر العباد زين الدين بن علي الشهير بابن الحجة» (4)؛

5- «... كتبه زين الدين بن عليّ بن أحمد عرف بابن الحاجة العاملي في يوم الأحد 3/ ج 1/ 950» (5)؛

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 108/ 171، من إجازة الشهيد لوالد الشيخ البهائي.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 136، مما كتبه الشهيد الثاني في طريق روايته ل «تهذيب الأحكام».

(3)- «بحار الأنوار» ج 108/ 176، من إجازة المولى محمود اللاهجاني تلميذ الشهيد للسيّد الأمير صدر جهان.

(4)- «بحار الأنوار» ج 110/ 49، ممّا كتبه الشهيد في طريق روايته للصحيفة السجّادية.

(5)- «إحياء الداثر»/ 141، من إجازة الشهيد لعطاء اللّه بن بدر الدين حسن الحسيني الموسوي.

19

6- «... و قد فرغ من تسويد هذه الرسالة ... زين الدين بن عليّ العاملي الشهير بابن الحجة، و كان زمان تأليفها و رقمها من أولها إلى آخرها في جزء يسير من يوم قصير و هو الخامس عشر من شهر شوال من شهور سنة تسع و أربعين و تسعمائة» (1)؛

7- «... و كتب مالكه زين الدين بن علي الشهير بابن الحاجة كان اللّه له» (2)؛

8- «... و كل ما روى و صنّف الشيخ السعيد و الفقيه النبيه الشهيد ... الشيخ زين الدين بن أحمد الشهير بابن الحجة» (3)؛

9- «... و جميع ما روى و ألّف الشيخ السعيد و الفقيه النبيه ... الشيخ زين الدين بن أحمد شهر بابن الحاجة» (4)؛

10- «... عن شيخ علماء المحققين زين الدين بن علي الشهير بابن الحجة» (5)؛

11- «... الشيخ السعيد المحقق الشهيد زين الملّة و الدين عرف بابن الحجة» (6)؛

12- «... الشيخ زين الدين [بن‏] علي بن أحمد المعروف بابن الحجة و المشهور بالشهيد الثاني» (7)

إنّ أكثر هذه الموارد- و هو ما عدا الثاني و الرابع و السادس و السابع و العاشر- صريح في أنّ «ابن الحاجة» شهرة الشهيد نفسه، و بقية الموارد الخمسة و إن كانت غير صريحة إلّا أنّ ظاهرها هو ذلك أيضا، و تكون الموارد الصريحة قرينة على حمل الموارد الخمسة على ظاهرها. فلا مجال للتشكيك في اشتهار الشهيد بهذه الكنية. و الآن لنرى هل لنا دليل على شهرة والده بهذه الكنية أيضا؟ و من الجدير بالذكر أن الشهيد كان في حياته مشتهرا بابن الحاجة، و أمّا بعد شهادته فقد غطّى لقب «الشهيد» على هذه الكنية فقلّ‏

____________

(1)- «فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران» ج 5/ 1957، من عبارة الشهيد في آخر رسالته في عدم جواز تقليد الأموات من المجتهدين.

(2)- «فهرست نسخه‏هاى خطي كتابخانه مركزي دانشگاه تهران» ج 15/ 4231، مما كتبه الشهيد في نسخة من كتاب «الخلاصة» للعلامة الحلي (قده) .

(3)- «بحار الأنوار» ج 108/ 182، من إجازة المولى محمود اللاهجاني تلميذ الشهيد للسيّد عماد الدين.

(4)- «بحار الأنوار» ج 108/ 186، من إجازة المولى محمود اللاهجاني تلميذ الشهيد للسيّد الأمير معين الدين. و اعلم أن في الطبعة الحديثة ل «بحار الأنوار» قد صحّف «اللاهجاني» ب «الإهمالي» في أربعة مواضع من المجلّد 108، في ص 185 و 187، و هو سهو و تصحيف بلا ريب.

(5)- «بحار الأنوار» ج 110/ 51، مما كتبه العلامة محمّد تقيّ المجلسي في طريق روايته للصحيفة السجّادية.

(6)- «بحار الأنوار» ج 108/ 129.

(7)- «قاموس الرجال» ج 11، من إجازة المولى أحمد النراقي لولده.

20

إطلاقها عليه؛ و لعلّه لهذا استغرب البعض ذلك و منهم الحرّ العامليّ و قال: كان والده مشتهرا بهذه. و هو أوّل من قال هذا و تبعه الآخرون و أخذوا منه و نقلوا عنه. و لو كان والد الشهيد أيضا مشتهرا بابن الحاجة، كان ينبغي أن يشير إليه نفس الشهيد أو ابنه أو تلامذته أو صاحب «الدرّ المنثور» حفيد صاحب «المعالم» و لو لمرّة واحدة على الأقلّ، فكيف لم يذكر ذلك أحد من هؤلاء و إنّما التفت لذلك الشيخ الحرّ العامليّ بعد قرن تقريبا من شهادة الشهيد؟ و لما ذا لم يذكر الشيخ الحرّ و الناقلون عنه كصاحب «الروضات» و «المستدرك» اشتهار الشهيد بها مع أنّها شهرته قطعا؟ كلّ ذلك يدلّ على أنّ الحرّ (ره) قد خلط بين الوالد و الولد فحسب شهرة الولد للوالد، و طبّق كل مورد عبّر فيه عن الشهيد بابن الحاجة على أبيه. أضف إلى ذلك أنّ الشيخ الحرّ منفرد في هذا الكلام- و الآخرون إنّما نقلوا عنه تقليدا لا تحقيقا- و قد ارتكب في صفحات ترجمة الشهيد عدّة أخطاء أخرى كبرى و عجيبة في تاريخ حياة الشهيد، و على هذا فلا يكون كلامه حجة في هذا الموضوع. و لو كان لنا مجال في هذا المقال لنقلنا لكم موارد من اعتراضات و انتقادات صاحب «الرياض» على صاحب «أمل الآمل» كي لا تستغربوا هذا الكلام. فتأمّل في المقام.

6- ورد في بعض المصادر: «أنّه قد استشهد الشهيد و عمر ولده [الشيخ حسن صاحب «المعالم»] أربع أو سبع سنين». و قد ولد صاحب «المعالم» في 27 شهر رمضان المعظم سنة 959 (1)، و على هذا فيكون عمره حين شهادة والده سنة 965 ست سنين، و إذا كانت شهادته سنة 966- على القول الآخر الباطل، كما مرّ- يكون لولده الشيخ حسن سبع سنين. و على هذا فالاحتمال الأول أعني أربع سنين على كلا الفرضين غير صحيح.

7- جاء في «أعيان الشيعة» (ج 7/ 144، 155): «أنّ أمّ صاحب «المدارك» بعد وفاة والده تزوجها الشهيد الثاني، و كان ثمرة هذا الزواج هو الشيخ حسن صاحب «المعالم»، فصاحب «المعالم» أخو صاحب «المدارك» لأمّه، و كان صاحب «المدارك» ربيب الشهيد». و هذا سهو، و شرح ذلك كما يلي:

إنّ السيّد علي والد صاحب «المدارك» تزوّج ابنة الشهيد الثاني التي كانت من‏

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 200؛ و راجع «ريحانة الأدب» ج 3/ 394.

21

زوجته الأولى أي بنت الشيخ علي الميسي، و ولد السيّد محمّد صاحب «المدارك» في سنة 946 (1) من هذا الزواج، و على هذا فيكون الشهيد الثاني جدّ صاحب «المدارك» لأمّه. و بعد شهادة الشهيد الثاني تزوّج السيّد علي- صهر الشهيد و والد صاحب «المدارك»- تزوّج أمّ صاحب «المعالم» أي الزوجة الأخرى للشهيد؛ و على هذا فيكون صاحب «المعالم» ربيب السيّد علي- والد صاحب «المدارك»- و خال صاحب «المدارك» أيضا، و ولد من هذا الزواج الثاني السيّد نور الدين جدّ العلامة السيّد حسن الصدر، و على هذا يكون السيّد نور الدين أخا لصاحب «المعالم» من ناحية أمّه، و أخا لصاحب «المدارك» من ناحية أبيه. (2)

و جاء في «إحياء الداثر» (/ 164): «أنّ السيّد علي والد صاحب «المدارك» بعد شهادة الشهيد تزوّج بأمّ صاحب «المعالم» و ولد له صاحب «المدارك». و هذا أيضا غير تامّ، و الصحيح ما مرّ، من أنّ صاحب «المدارك» أكبر من صاحب «المعالم» بعدّة سنين كما رأيت.

8- جاء في «روضات الجنّات» (ج 3/ 379) و «أعيان الشيعة» (ج 7/ 156)، و مقدّمة الطبعة الجديدة لكتاب «مسكّن الفؤاد» (/ 6- 7)، في بيان علة كتابته:

«أنّه ابتلي بموت أولاده في مقتبل أعمارهم حتّى أصبح لا يثق ببقاء أحد منهم و لم يسلم منهم إلّا ولده الشيخ حسن الذي كان الشهيد يشكّ في بقائه ... فألّف كتابه «مسكّن الفؤاد»، و قلبه يقطر ألما و حسرة و هو يرى أولاده أزهارا يانعة تقطف أمام عينيه».

و يرد على هذا المقال إشكالان: الأول: أنّ الشيخ حسن لم يكن الولد الوحيد الباقي للشهيد بعد أوان الطفولة، بل- كما مرّ- إنّ أمّ صاحب «المدارك» أيضا من أولاد الشهيد و قد بقيت حتّى تزوّجت و أنجبت؛ الثاني: من المقطوع به أنّ تأليف «مسكّن الفؤاد» انتهى في سنة 954 و أنّ صاحب المعالم قد ولد في 959 فكيف يمكن أن يقال: بما أنّه فقد أولاده إلّا الشيخ حسن لذلك كتب هذا الكتاب؟ فتأمّل.

____________

(1)- ذكر هذا التاريخ في «أعيان الشيعة» ج 10/ 6؛ و «الفوائد الرضوية»/ 559، و يحتمل أن يكون الصحيح: 956.

(2)- راجع «تكملة أمل الآمل»/ 138، 389، 290، 303؛ «إحياء الداثر»/ 63.

22

د- أساتذة الشهيد الثاني و تلامذته‏

9- عدّ بعضهم السيّد عبد الرحيم العباسيّ صاحب «معاهد التنصيص» في زمرة أساتذة الشهيد و قال: «هو ممن طلب العلم لديه الشهيد». بينما لم يتلمذ الشهيد لدى السيّد عبد الرحيم أبدا، بل إنّما لاقاه في القسطنطنية سنة 952 (1)- و هي من سنت أواخر عمر الشهيد، و الطبيعي أن يكون آنذاك غنيا عن الأستاذ- و كان صديقا له و يروي عنه «القاموس». و يقول صاحب «المعالم» في إجازته الكبيرة بهذا الشأن:

«و كان اجتماعه به في قسطنطنية، و رأيت له كتابة إلى الوالد تدلّ على كثرة مودّته له و مزيد اعتنائه بشأنه» (2).

10- ورد في كتب عديدة منها «روضات الجنّات» (ج 3/ 359) و «أعيان الشيعة» (ج 7/ 146) و «إحياء الداثر» (/ 229) و «الذريعة» (ج 3/ 136، و ج 8/ 76):

«أنّ ابن العودي تلميذ الشهيد و ملازمه بدأت صحبته مع الشهيد من سنة 945 و لازمه حتّى سنة 962، أي ثلاث سنين قبل شهادته». بينما يستفاد من موارد متعدّدة من رسالة ابن العودي أنّه قد تشرّف بمحضر الشهيد قبل هذا التاريخ‏ (3)- كما مرّ- و لهذا يبدو لنا أنّ 945 مصحّف من 940، كما صحّفت سنة وفاة المحقق الكركي في كلام ابن العودي المنقول في «الدّر المنثور» (ج 2/ 140) من 940 إلى 945 ه.

11- قال بعضهم: «كان الشهيد الثاني من تلامذة المحقق الكركي قبل مجي‏ء المحقق الكركي إلى إيران». و هذا أيضا لا يتمّ؛ فإنّ الشهيد لم يتتلمذ لدى المحقق الكركي و أيضا ليست له منه إجازة، بل يروي عنه بواسطة كما صرّح بهذا ابن العودي‏ (4). و من الشواهد لهذا ما جاء في إجازة الشهيد لوالد الشيخ البهائي، قال: «و عن الشيخ جمال الدين أحمد- و جماعة من الأصحاب الأخيار- عن الشيخ الإمام المحقق نادرة الزمان و يتيمة الأوان الشيخ نور الدين عليّ بن عبد العالي الكركي قدّس اللّه تعالى‏

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 176- 177.

(2)- «بحار الأنوار» ج 109/ 79.

(3)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 159- 160، 161.

(4)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 160.

23

روحه» (1). و نقرأ في نفس هذه الإجازة: «و منها عن شيخنا الجليل المتقن الفاضل جمال الدين أحمد ...» عن الشيخ الإمام ملك العلماء و المحققين الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الكركي المولد الغروي الخاتمة» (2).

و كتب المحدّث النوريّ مشيرا إلى نفس هذه النقطة في خاتمة «مستدرك الوسائل» (ج 3/ 416) يقول: «إنّ عدم رواية الشهيد عن المحقق الثاني لم يكن لتأخّر زمانه بل لعدم ملاقاته.». و جاء في «مقابس الأنوار» (/ 15): «أنه روى [يعني الشهيد] عن الكركي بواسطة، و عن الميسي بها و بدونها». و الظاهر أن السبب في هذا السهو هو اتّحاد الاسم بين المحقق الكركي و الفاضل الميسي و اطلاق «علي بن عبد العالي» على كليهما كثيرا.

12- جاء في مقدّمة الشيخ محمّد مهدي الآصفي ل «شرح اللمعة» (ج 1/ 154- 155)، بصدد بيان رحلات الشهيد العلمية:

«أنّه طلبا لمزيد العلم رحل إلى قرية ميس و قرأ فيها على العالم الكبير الشيخ علي بن عبد العالي الكركي من سنة 925 حتّى 933 كتب «الشرائع» و «الإرشاد» و أكثر «القواعد»، و في هذا التاريخ بدا له أن يترك ميس إلى كرك نوح، حيث يقيم الشيخ علي الميسي، و كان الشيخ علي زوج خالة الشهيد و تزوّج الشهيد بعد ذلك ابنة الشيخ علي».

و في هذا الكلام عدّة أخطاء:

أوّلا: تصوّر الشيخ الآصفي أنّ الشيخ عليّ بن عبد العالي الذي قرأ الشهيد عليه «الشرائع» و أكثر «القواعد» و «الإرشاد» هو غير الشيخ علي الميسي زوج خالته، بينما هو هو لا غيره؛

ثانيا: كان الشيخ عليّ بن عبد العالي الميسي شيخ الشهيد مقيما في ميس لا كرك نوح، و الصحيح هو عليّ بن عبد العالي الميسي لا الكركي، بل عليّ بن عبد العالي الكركي هو المحقق الكركي المعروف بالمحقق الثاني و هو غير هذا؛

ثالثا: أصل الزواج و أنّ زواجه هذا بابنة خالته ابنة الشيخ علي الميسي كان أوّل‏

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 108/ 151.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 156. و راجع «رياض العلماء» ج 2/ 367؛ و «مشجرة مواقع النجوم»/ 23؛ و «مشجرة إجازات علماء الإماميّة»/ 12؛ و «أعيان الشيعة» ج 7/ 158؛ و «بحار الأنوار» ج 109/ 49، و ج 108/ 176.

24

تزويج له، متيقّن مقطوع به، و لكن لا دليل على ما قال: «إنّه بعد سفره هذا [أي سفره في عام 933] تزوّج بها»؛ و قد عكس بعض آخر و قال: «إنّه تزوّج بها قبل سفره في عام 933» و هذا أيضا لا دليل عليه و إن كان يرجح في النظر.

13- كتب محقّق كتاب «أحسن التواريخ» في تعاليقه على الكتاب (في ص 697) و أحد مترجمي كتاب «مسكّن الفؤاد» (1) للشهيد بالفارسية، في مقدّمة ترجمته عدّ الشهيد من تلامذة العلّامة الحلّي! و السهو في هذا الكلام أظهر من الشمس، فمحال أن يكون المولود في 911 ه تلميذا للعلامة الحلّي المتوفّى 726 ه! و السبب في هذا السهو كأنّه هو ما جاء في بعض كتب التراجم أنّ أحد أجداد الشهيد كان من تلامذة العلامة الحلّي. و هذا ممّا يذكر في نسب الشهيد، إلّا أنّ هذين الكاتبين تصوّرا أنّ هذا يرجع إلى نفس الشهيد.

ه- تأليفات الشهيد الثاني و ما نسب إليه‏

كتاب «جواهر الكلمات»

14- نسب كتاب «جواهر الكلمات في صيغ العقود و الإيقاعات» إلى الشهيد الثاني في كتب:

1- «روضات الجنّات» ج 3/ 380؛ 2- «ريحانة الأدب» ج 3/ 282؛ 3- «شهداء الفضيلة»/ 138؛ 4- مقدّمة «شرح اللمعة» ج 1/ 181؛

و في «إحياء الداثر»/ 40 بعنوان «صيغ العقود». إلّا أنّ ما قمنا به من تحقيق دلّ على‏

____________

(1)- قد ترجم «مسكن الفؤاد» إلى الفارسية المرحوم الميرزا إسماعيل مجد الأدباء الخراسانيّ بعنوان «تسلية العباد في ترجمة مسكّن الفؤاد» و طبع في مشهد في سنة 1321 ه، أي قبل 87 عاما. و أخيرا ترجم أربع ترجمات و طبعت و نشرت! و هذا نموذج من العمل المكرّر غير المثمر، بل ما يبدّد الطاقات و الإمكانات الماديّة و المعنوية للبلاد! و ما أكثر العمل المكرّر الخفيف في ميزان الثقافة في بلادنا، و هذه فاجعة كبرى. و لنا نماذج اخرى من ذلك، منها الترجمات المتعدّدة لكتاب «آداب المتعلمين» إذ ترجم الكتاب باسم «هداية الطالبين» و طبعت منذ عدّة أعوام، و قبل نحو ثلاث سنين ترجم مرة اخرى ترجمة أحسن من الأولى باسم «شيوه دانش‏پژوهي» و مع ذلك ترجم و طبع أخيرا باسم «أنيس الطالبين» و هي أدون من الثانية و لا تزيد على الأولى شيئا. و كان يهون الأمر لو كان الكتاب للخواجة نصير الدين الطوسيّ، مع أنّ التحقيق يدلّ على أنّ الكتاب ليس له و انّما هو «تعليم المتعلم» لبرهان الدين الزرنوجي مع تغييرات طفيفة. و للتحقيق بهذا الشأن راجع مجلة «راهنماى كتاب» السنة 19، ص 427- 428.

25

أن الشهيد الثاني لم يكن له كتاب بعنوان «جواهر الكلمات في صيغ العقود و الإيقاعات» و أنّ ما ورد في الكتب المذكورة من نسبة هذا الكتاب إلى الشهيد الثاني فإنّما هو خطأ قطعا. و الآن قبل أن نعرض للدليل على هذه الدعوى نرى من الضروري أن نلفت النظر إلى عدّة نقاط:

من المسلّم به أنّ للعالم الكبير المرحوم الصيمري كتابا بنفس هذا الاسم، و قد عرّف المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ عدّة نسخ مخطوطة منه، و رأى نسخته بخط نفس المؤلّف‏ (1). و منها نسخ مخطوطة في مكتبة المسجد الأعظم بقم المقدّسة برقم 3812، و مكتبة آية اللّه النجفيّ المرعشيّ العامّة.

و من المسلّم به أيضا أنّ للمحقق الكركي كتابا باسم «صيغ العقود» و هو مطبوع ضمن مجموعة باسم «كلمات المحققين» (/ 445- 466). و قد ذكر المحقق الكركي هذا الكتاب في إجازته للقاضي صفي الدين إذ كتب يقول: «و أجزت له ... أن يروي عنّي جميع ما صنّفته و ألّفته ... و من ذلك المختصر المتكفّل ببيان صيغ العقود و الإيقاعات ...» (2). و قد عرّف هذا الكتاب في «الذريعة» (ج 5/ 279، ج 15/ 110) و قد يسمّى «جواهر الكلمات»- و إن كانت هذه التسمية خطأ كما يأتي- و هو موجود بخط نفس المؤلّف في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد برقم 278، من كتب الفقه، يبدأ بقوله: «الحمد للّه حمدا كثيرا كما هو أهله ... فهذه جملة كافلة ببيان صيغ العقود و الإيقاعات ...» (3) و ينتهي بقوله «صورة حكم الحاكم الذي لا ينقض، و أنّ الإقرار ليس من العقود و لا الإيقاعات» (4).

لم يذكر الشهيد الثاني و لا أحد من تلامذته في إجازاتهم و مكتوباتهم كتابا بهذا الاسم في عداد مؤلّفات الشهيد. و كذلك لم ينسبه إليه تلميذه الملازم له ابن العودي.

و كذلك حفيد ابن الشهيد صاحب «الدّر المنثور» بعد ذكره أسامي الكتب التي ذكرها ابن العودي في مؤلّفات الشهيد، ذكر زهاء عشرين كتابا آخر للشهيد- لم يذكرها ابن‏

____________

(1)- «الذريعة» ج 5/ 279- 280، ج 2/ 508، ج 15/ 109.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 79.

(3)- «كلمات المحققين»/ 445.

(4)- «كلمات المحققين»/ 465- 466.

26

العودي- و لم يذكر «جواهر الكلمات» (1). و كذلك لم ينسب هذا الكتاب إلى الشهيد في كتب: «أمل الآمل» ج 1/ 85- 91 و «معجم رجال الحديث» (ج 7/ 372- 374) و «لؤلؤة البحرين» (/ 28- 36) و «الفوائد الرضوية» (/ 186- 190) و «قصص العلماء» (/ 260- 261) و شكّ في ذلك الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ في «الذريعة» (ج 5/ 278).

و الآن و بعد أن اتّضحت هذه المقدمات، نضيف أنّ منشأ هذا الخطأ في كلمات مؤلّفي «شهداء الفضيلة» و «ريحانة الأدب» و مقدّمة الشيخ الآصفي ل «شرح اللمعة»، إنّما هو خطأ صاحب «روضات الجنّات» الذي نسب هذا الكتاب إلى الشهيد، و الذي طرأ له لعدم إمعانه النظر في كلام صاحب «رياض العلماء» إذ قال: «و من مؤلّفاته التي عثرنا عليها- سوى ما سبق- كتاب «جواهر الكلمات في صيغ العقود و الإيقاعات» رأيت منه نسخة في خزانة الحضرة الرضوية بمشهد الرضا (عليه السلام).

لكن الحق عندي كونه من مؤلّفات غيره و هو الشيخ حسن بن مفلح الصيمري المشهور» (2). و صاحب «روضات الجنّات» لم يلتفت إلى ذيل كلام صاحب «الرياض» و نقل صدره فقال: «و من جملة مصنّفاته- غير المذكورة في «الأمل» أيضا- على ما ذكره صاحب «رياض العلماء» ... و منها رسالة في «تحقيق الإجماع»، و كتاب «جواهر الكلمات في صيغ العقود و الإيقاعات» (3).

تلاحظون أنّ صاحب «الروضات» يجعل مستنده كلام صاحب «الرياض» بينما لم ينسب صاحب «الرياض» هذا الكتاب إلى الشهيد بل قال بعد ذكره: «و لكن الحق عندي كونه من مؤلّفات غيره»، فنقل الآخرون كلام صاحب «الروضات» من دون تحقيق في ذلك، اللّهمّ إلّا صاحب «أعيان الشيعة» فإنّه بعد ذكر عنوان الكتاب أورد عين عبارة صاحب «الرياض» المذكورة آنفا في عدم صحة هذه النسبة (4)

____________

(1)- راجع «الدّر المنثور» ج 2/ 189.

(2)- «رياض العلماء» ج 2/ 384، كذا في «رياض العلماء» ج 2/ 384، و لكن الصحيح «الشيخ مفلح بن حسن الصيمري» بدل «الشيخ حسن بن مفلح الصيمري» كما في «الذريعة» ج 2/ 508، و ج 3/ 335، و ج 5/ 279؛ و «إحياء الداثر»/ 66؛ و «رياض العلماء» ج 5/ 215.

(3)- «روضات الجنّات» ج 3/ 380.

(4)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 156.

27

أما صاحب «الذريعة» فإنّه يذكر هذا الكتاب في موضعين من «الذريعة» (ج 5/ 278، ج 15/ 109) و يذكر له من الخصائص ما يفيد أنّه هو كتاب «صيغ العقود» للمحقّق الكركي؛ فمثلا كتب يقول: «أولها: الحمد للّه كثيرا كما هو أهله ...

فهذه جملة كاملة [ظ: كافلة] ببيان صيغ العقود و الايقاعات ... و آخرها: صورة حكم الحاكم الذي لا يجوز ردّه» (1). و كذلك يذكر «صيغ العقود» للمحقق الكركي في موضعين: مرة بعنوان «جواهر الكلمات» و اخرى بعنوان «صيغ العقود» و يقول:

«جواهر الكلمات؛ للمحقق الكركي، نسب ذلك إليه في بعض الفهارس، و الظاهر أنّ المراد هو المعروف بصيغ العقود الموجودة نسخته بخط المؤلّف في الخزانة الرضوية، و طبع مكرّرا. أوله: الحمد للّه [كثيرا] كما هو أهله ...». (2) و كتب يقول أيضا:

«صيغ العقود و الإيقاعات للمحقق الكركي ... أولها: الحمد للّه [كثيرا] كما هو أهله. و لعلها «جواهر الكلمات» المنسوبة إليه كما مرّ، و طبعت ... في مجموعة «كلمات المحققين» ... و نسخة خطّ المؤلّف في المكتبة الرضوية» (3).

و كتب صاحب «الرياض» في ترجمة الصيمري يقول: «و له رسالة سمّاها: جواهر الكلمات في العقود و الإيقاعات ... و رأيت مكتوبا على ظهر نسخة من «جواهر الكلمات»- و كانت عتيقة في خزانة الكتب الموقوفة على الروضة الرضوية- أنّه من تآليف الشهيد الثاني. و لعلّهما اثنان» (4).

و في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد نسختان من «جواهر الكلمات» للصيمري، برقم 116، و 119 من كتب الفقه؛ و نسخ من «صيغ العقود» للكركي، منها نسختان برقم 278، و 279 من كتب الفقه؛ و ليس فيها- على ما في فهرسها- كتاب بأحد هذين العنوانين من تآليف الشهيد. فنستنتج ممّا مضى أمورا هي:

1- أن ليس للشهيد الثاني كتاب باسم «جواهر الكلمات».

2- الظاهر أنّ النسخة التي رآها صاحب «الرياض» من «جواهر الكلمات» في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) لم تكن للصيمري؛ بل هي «صيغ العقود» للمحقق الكركي.

____________

(1)- «الذريعة» ج 15/ 109.

(2)- «الذريعة» ج 5/ 279.

(3)- «الذريعة» ج 15/ 110.

(4)- «رياض العلماء» ج 5/ 215.

28

3- أنّ الصيمري قد كتب كتابا باسم «جواهر الكلمات» و توجد منه نسخ مخطوطة متعدّدة.

4- الظاهر أنّ تسمية «صيغ العقود» للكركي ب «جواهر الكلمات» خطأ؛ فإنّه لم يذكر- في أيّ كتاب من كتب التراجم و لا في إجازات المحقق الكركي و تلاميذه- هذا الكتاب بهذا العنوان، و أنّ وجود هذا الاسم خطأ على نسخة من «صيغ العقود» في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) أوهم صاحب «الرياض» بأن ينسبه إلى الصيمري.

و هنا نقطة اخرى هي أنّ اشتراك المحقق الكركي لقبا مع الشهيد الثاني في اسم «زين الدين» قد يكون له أثر في عروض هذا الخطأ لصاحب «الرياض»، و لعلّه كتب على ظهر النسخة أنّه للشيخ زين الدين، فتوهم صاحب «الرياض» أنّه هو الشهيد الثاني، بينما كان المراد منه المحقق الكركي الملقّب بزين الدين.

كتاب «غاية المراد في شرح نكت الإرشاد»

15- نسب هذا الكتاب في كتاب «شهداء الفضيلة» (/ 139) إلى الشهيد الثاني، في حين أنّه للشهيد الأول قطعا، و اسم شرح «الإرشاد» للشهيد الثاني إنّما هو «روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان». و كأنّ هذا السهو و المسامحة لكاتب «شهداء الفضيلة» (قدّس اللّه نفسه الزكية)، إنّما نشأ من أنّ العلامة العظيم و الفقيه و المحدّث الجليل المرحوم المولى محمّد باقر المجلسي (قدّس اللّه نفسه الزكية)، نسب هذا الكتاب إليه‏ (1) في مقدّمة كتابه الشريف «بحار الأنوار» ضمن تعداده لآثار الشهيد الثاني، مع أنّه في ذكره لمؤلّفات الشهيد الأول أيضا نسب كتاب «نكت الإرشاد»- الذي هو نفس «غاية المراد»- إلى الشهيد الأول‏ (2). فهو هنا بدل أن يكتب «روض الجنان» كتب «غاية المراد» سهوا، و هذا سهو قلمي كتبي لا علمي، فهو (قدّس سرّه)، أجلّ و أرفع من أن يقع في مثل هذا الاشتباه.

و كتب صاحب «الرياض» بهذا الشأن يقول:

«و قال الأستاذ الاستناد أيّده اللّه تعالى، في أول «البحار»: ... و كتاب الروضة البهية و كتاب‏

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 1/ 19.

(2)- «بحار الأنوار» ج 1/ 10.

29

غاية المراد و ... للشهيد الثاني. و أقول: غاية المراد للشهيد الأول في شرح الإرشاد، و امّا شرح الشهيد الثاني عليه فقد سمّاه روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان» (1).

*** 16- كتب الشيخ المامقاني (قده) في عداد آثار الشهيد في ترجمته: «... و شرح الدراية، للشهيد الأول، سمّاه: «الرعاية في شرح الدراية» (2). و هو سهو واضح؛ فإنّ «البداية في الدراية» و شرحه كليهما للشهيد الثاني.

17. و نسب المرحوم المحدث النوريّ (قده) كتاب «الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة» إلى للشهيد الثاني‏ (3). و هو إمّا خطأ مطبعي أو من سهو القلم؛ فإنّ الكتاب قطعا ليس من الشهيد الثاني و إنّما هو منسوب إلى الشهيد الأوّل، كما في «بحار الأنوار» (ج 1/ 10، 29- 30) و «الذريعة» (ج 8/ 90). قال العلّامة المجلسي عليه الرحمة: «... و كتاب الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، له [أي للشهيد الأول‏] (قدّس سرّه) أيضا كما أظنّ، و الأخير عندي منقولا عن خطّه (رحمه اللّه)» (4)؛ «و مؤلّفات الشهيد مشهورة ... إلّا ... الدرّة الباهرة؛ فإنّه لم يشتهر اشتهار سائر كتبه ...» (5). و على فرض أن لا يكون للشهيد الأول فليس للثاني قطعا.

كتاب «مسالك الأفهام»

18- ورد في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 177) و بعض الكتب الأخرى، هكذا: «مسالك الأفهام: شرح مزجي لشرائع الإسلام». و لا حاجة للتدليل على عدم صحة هذا الكلام؛ فواضح لمن ألقى نظرة على المسالك، كوضوح النار على المنار و الشمس في رابعة النهار، أنّ المسالك ليس شرحا مزجيا للشرائع، بل هو كالحاشية له و على طريقة قوله ... قوله؛ و ان كان كبيرا مبسوطا في سبعة أجزاء و طبع في مجلدين كبيرين. و الاسم الصحيح لهذا الكتاب كما ذكره الشهيد في أوله و صرّح به‏

____________

(1)- «رياض العلماء» ج 2/ 368.

(2)- «تنقيح المقال» ج 1/ 473.

(3)- «مستدرك الوسائل» ج 1/ 177، كتاب الصلاة.

(4)- «بحار الأنوار» ج 1/ 10.

(5)- «بحار الأنوار» ج 1/ 29- 30.

30

في بعض إجازاته هو: «مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام» و ليس هو «مسالك الأفهام إلى شرح شرائع الإسلام»، على أنّه لو كان هذا اسمه مع ذلك لم يكن ليدل على الشرح المزجي.

19- جاء في بعض الكتب منها «روضات الجنّات» (ج 3/ 378) و مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 183)، نقلا عن «الروضات»: «أنّه يقال: إنّه صنّف ذلك الكتاب [أي المسالك‏] أيضا في مدّة تسعة أشهر».

مع أن الذي يبدو لنا من الشواهد و القرائن هو خلاف هذا أيضا. و قبل أن نأخذ في بيان أدلة دعوانا هذه، من الضروري أن نذكّر بأنّ هذا ممّا لم يذكره الشهيد و لا ابنه و تلميذه؛ و لم يقله حتّى صاحب «الدّر المنثور» و «أمل الآمل» و «رياض العلماء»، مع أن الأول جمع إلى ما ذكره ابن العودي بعض الإضافات الأخرى ممّا فاته. و إنّما نقله صاحب «الروضات» (ج 3/ 378) و ذلك بعبارة: «و يقال إنّه صنّف ذلك الكتاب في مدة تسعة أشهر» ممّا يبدو أنّه لا سند له في ذلك و إنّما يستند إلى «يقال». و في «الذريعة» (ج 20/ 378): «و حكي عن الشيخ علي النباطي عن والده: أنّ مدة تصنيفه تسعة أشهر». و هو أيضا «حكي عن ...». و بما أنّ هذا الأمر موضوع مهم، فلو كان واقعا حقيقة كان ينبغي أن يذكره الشهيد في رسالته في ترجمة نفسه أو في إجازاته أو في نفس «المسالك»، و كان ينبغي لابنه أو تلميذه ابن العودي أو سائر تلامذته أن يذكروا ذلك؛ و لو لم يكن لنا أيّ دليل على بطلان هذه الدعوى لم يكن لنا أن نستند إلى «يقال» كما في «الروضات»، و لا إلى «حكي عن» كما في «الذريعة»، على أنّ لنا دليلا لإبطالها هو:

أنّ «المسالك» قد طال تأليفه على الأقل ثلاث عشرة سنة (951- 964)؛ فإنّه في سبعة أجزاء، و يظهر من الفهارس و «الذريعة» (ج 20/ 378)، و نسخها المخطوطة (1) أنّ الشهيد قد أنهى الجزء الأول منه في شهر رمضان 951، و الجزء الثاني في أول ربيع الأول 956 و الجزء الثالث في ربيع الأوّل سنة 963، و الجزء الرابع في أواخر جمادى الآخرة 963 أيضا، و كتاب النذر في شهر رمضان 963 أيضا و الجزء السادس في‏

____________

(1)- منها: مخطوطتان في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، الرقم 358 و 370 من كتب الفقه؛ و مخطوطات في المكتبة المركزية لجامعة طهران، الرقم 762، و 763، و 1121؛ و مخطوطات في مكتبة المدرسة الفيضية بقم المقدّسة.

31

ذي الحجة 963 أيضا، و الجزء الأخير في ربيع الآخر 964 (1).

و على هذا، فالقول بأنّ من الممكن أن يكون الشهيد قد توقّف عن العمل بعد البدء به مدّة، ثمّ رجع إليه في سنة 961 مثلا- كما تفوّه به بعض- كلام في غير محلّه و لا يفيد شيئا لردّ دعوانا. أضف إلى ذلك أنّه يستفاد من إجازة الشهيد للشيخ تاج الدين أنّه لم يكن يكمل بتمامه كمالا نهائيّا حتّى في ربيع الآخر 964، حيث قال الشهيد في تلك الإجازة- التي تاريخها 14 شهر ذي الحجة الحرام من سنة 964-:

«فاستخرت اللّه تعالى و أجزته جميع ما جرى به قلمي من المصنّفات المختصرة و المطوّلة، و الحواشي و الفوائد المفردة، و الفتاوي و هي كثيرة شهيرة، لا يقتضي الحال ذكرها، و من أهمّها كتاب «مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام»- وفّق اللّه تعالى لإكماله- في سبع مجلّدات كبيرة ...» (2).

و امّا ما قاله المولى محمود بن محمّد اللاهجاني- و هو من تلامذة الشهيد الملازمين له في أواخر عمره-: «إنّ الشهيد كتب الجزء الثالث من «المسالك» و ما بعده في مدّة اختفائه خوفا من أعدائه»- كما مرّ- فلا يكون دليلا على أنّ الجزء الثالث من «المسالك» و ما بعده قد كتب في السنة الأخيرة من عمر الشهيد قرب شهادته؛ فإن الشهيد لم يكن مختفيا خوفا من أعدائه في السنة الأخيرة من عمره فقط، بل كان قبل ذلك و في سنة 956 أيضا يعيش مختفيا كذلك، كما قال ابن العودي:

«و كان في منزلي بجزّين متخفيا من الأعداء ليلة الاثنين حادي عشر شهر صفر 956» (3).

و قال أيضا- إشارة إلى سنة 955-:

«و هذا التاريخ كان خاتمة أوقات الأمان، و السلامة من الحدثان، ثمّ نزل به‏

____________

(1)- و قال الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (قدّس سرّه) في «إحياء الداثر»/ 276 في ترجمة يوسف الشاميّ:

«... و هو تلميذ الشهيد الثاني. رأيت الجزء الثالث من «المسالك» للشهيد الذي فرغ من تأليفه 24/ (ع) 1/ 964، و فرغ صاحب الترجمة من كتابته 30 شعبان من تلك السنة، أي خمسة أشهر بعد تأليفه.

و النسخة في مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء، فيظهر أنّه قبل تشرّفه إلى النجف كان تلميذ الشهيد في الشام، يقرأ عليه و يكتب تصانيفه شيئا فشيئا ...».

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 143- 145.

(3)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 183.

32

ما نزل ...» (1).

و على هذا فإنّ كتاب «المسالك» كان على الأقل من سنة 951 حتّى 964 أي في طول ثلاث عشرة سنة تحت قيد التأليف. و من الواضح أننا لا نريد بذلك أن الشهيد في طول ثلاثة عشر عاما كان مشتغلا بكتابة «المسالك» من دون أن يكتب كتابا آخر، بل نقصد بهذا نفي ما قيل: إنّه كتب الكتاب في مدّة تسعة أشهر. و إذا قيل: إنّ معنى هذه العبارة هو أن مجموع المدة المتناثرة التي صرفها في تأليفه له كانت تسعة أشهر، و لو كان الكتاب قيد التأليف في مدة ثلاثة عشر عاما. فالجواب: أنّ هذا تأويل على خلاف ظاهر العبارة، ثمّ لا دليل عليه.

و خلاصة الكلام: هو أنّ الذين يدّعون أنّ الشهيد قد ألّف «المسالك» في مدّة تسعة أشهر- على فرض ثبوت الأمر في الواقع- ما هو دليلهم لإثباته؟ و كيف لهم أن يقولوا بهذا بالقطع و اليقين؟!

«الروض» و «الروضة»

20- جاء في كثير من المصادر أن أول تأليف للشهيد الثاني هو كتاب «روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان»، و آخر تأليف له هي «الروضة»- «شرح اللمعة».

و بهذا المعنى تكرّرت في الكتب هذه الجملة «أوّلها الروض، و آخرها الروضة»، و هي في بعض الكتب نقل نصفها الأول: «أولها الروض»، و هي عبارة عن الكتب التالية:

1- «معجم رجال الحديث» ج 7/ 373؛ 2- «الدّر المنثور» ج 2/ 184؛ 3- «روضات الجنّات» ج 3/ 373، 378؛ 4- مقدّمة «شرح اللمعة» ج 1/ 177؛ 5- «مقابس الأنوار»/ 15؛ 6- «أمل الآمل» ج 1/ 86.

و البعض الآخر من المصادر التي ذكرت الجملة كاملة هي كما يلي:

1- «تكملة أمل الآمل»/ 214؛ 2- «أعيان الشيعة» ج 7/ 154، 155؛ 3- «ريحانة الأدب» ج 3/ 280؛ 4- «مستدرك الوسائل» ج 3/ 427.

و الجملة بشطريها في جميع هذه المصادر ترجع إلى مصدرين: «الدّر المنثور» و «أمل‏

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 182.

33

الآمل». و تثبت لنا القرائن و الشواهد و الدلائل التاريخية أن الشطر الثاني من هذه الجملة غلط قطعا، بل الأقوى في الشطر الأوّل منها كذلك أيضا، و لا أقلّ من عدم دليل لإثباته. و قبل ذلك نرى من الضروري أن نذكر أن المصدر الأول للشطر الأول من الجملة هو مقال ابن العودي تلميذ الشهيد الثاني إذ قال:

«فأول ما أفرغه في قالب التصنيف الشرح المذكور [يعني روض الجنان‏] ... خرج منه مجلّد ضخم، ثمّ قطع عنه على آخر كتاب الصلاة، و التفت إلى التعلق بأحوال الألفية» (1).

هذه الدعوى لابن العودي صريحة في أنّ الشهيد الثاني ألّف- أوّل ما ألّف- «روض الجنان» ثم أقبل على سائر كتبه. إذا فاحتمال أن يكون مراد من قال تبعا لابن العودي: «أولها الروض» أنّه شرع في تأليفه و من الممكن أن يكون في خلال ذلك قد ألّف كتبا اخرى، هذا الاحتمال منتف قطعا، بل مرادهم: أنه أنهى في أوّل أمره تأليف «روض الجنان» إلى آخر كتاب الصلاة- و لم يكتب منه أكثر من هذا المقدار- ثم شرع في كتابة سائر كتبه. و على افتراض عدم دلالة الأدلة التي تقام قريبا على بطلان هذه الدعوى، فلا أقلّ من أنّها تعارضها و لا يمكن معها الاستناد إليها. و إليك أدلة هذا الكلام:

أ- الدليل على عدم كون «روض الجنان» أول تأليف للشهيد هو:

أوّلا: أنّ كتاب «روض الجنان»- أعني كتابي الطهارة و الصلاة منه فقط، إذ لم يكتب منه أكثر من هذا المقدار (2)- انهي في يوم الجمعة 25 ذي القعدة سنة 949، كما قال الشهيد في آخره- كما في نسخة الأصل بخط نفس الشهيد المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) برقم 2770-:

«تم الجزء الأول من كتاب «روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان» و يتلوه في الجزء الثاني كتاب الزكاة. و اتفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة ... سنة تسع و أربعين و تسعمائة على يد مصنّفه ... زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، عامله اللّه بفضله، و عفا عنهم بمنّه، و وفّقه لإكماله، و جعله خالصا لوجهه الكريم» (3).

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 184.

(2)- راجع «الدرّ المنثور» ج 2/ 183- 184؛ «الذريعة» ج 11/ 275.

(3)- و راجع النسخة المخطوطة من «روض الجنان» في المكتبة المركزية لجامعة طهران، الرقم 776؛ و التي في مكتبة-

34

مع أن الشهيد كان قبل هذا التاريخ كتب كتبا اخرى مثل:

1- حاشيته على «الألفية»؛ فإنّه كتب على ظهر حاشيته على الألفية إجازة لحسين بن زمعة المدني، تاريخها أوائل شوال من سنة 948، فيظهر أنّه ألّف هذا الكتاب قبل هذا التاريخ أي أكثر من سنة قبل إنهائه لتأليف «روض الجنان»، و إليك ما قاله الطهرانيّ (قده) بشأن هذه الإجازة في ترجمة المجاز المشار إليه:

«حسين المدني عزّ الدين: ابن زمعة المدني من تلاميذ الشهيد الثاني. و قد كتب له بخطّه إجازة ( «الذريعة» ج 1، الرقم 1001) على ظهر حاشيته على «الألفية» بهذه الصورة: قد أجزت للشيخ الصالح التقي افتخار الأخيار الشيخ عزّ الدين حسين بن زمعة المدني أن يروي عني و يعمل بما تضمّنه هذه الحاشية من الفتاوي و الأحكام و التمست منه إجرائي على خاطره الشريف في تلك البقاع الشريفة بصالح الدعوات و الزيارات حسب ما يسمح به كرمه، عسى أن يهب نسمات تلك الأنوار المعظمة على هذه البرية المظلمة فيورق أغصان عودها و يطلع شمس سعودها و يقبل وارد وفودها، و ذلك في أوائل شهر شوّال من سنة ثمان و أربعين و تسعمائة و كتب مؤلّفها الفقير إلى اللّه تعالى زين الدين بن علي بن الحاجة تجاوز اللّه عن سيئاته و وفّقه لمرضاته.

و النسخة عند الآقا نجفي التبريزي المرعشيّ بقم.» (1)

2- و «كشف الريبة» أنهاه في 13 صفر 949 كما صرّح به الشهيد في آخره.

3- رسالة في «عدم جواز تقليد الميت» التي قال عنها السيّد الأمين و الطهرانيّ أنّها كتبت في 5 [ظ 15] شوال 949 (2)، و تقدّم نقل تصريح الشهيد في آخره بذلك.

4- «شرح الألفية» الذي قال عنه السيّد الأمين أنّه فرغ من تأليفه في 27

____________

- الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، الرقم 208 من كتب الفقه. و انظر أيضا «الذريعة» ج 11/ 275؛ و «إحياء الداثر»/ 87. قال الطهرانيّ (قده) في «إحياء الداثر»/ 63- 64: «حسين الحسيني بن محمّد بن علي بن أحمد، من تلاميذ الشهيد الثاني. كتب بخطّه «روض الجنان» للشهيد الثاني الذي فرغ من تأليفه يوم دحو الأرض 949، و فرغ من كتابته 6/ (ع) 1/ 958، و كتب بخطّه حواشي كثيرة من إملاء المصنّف سلّمه اللّه؛ يظهر أنّه كتبها حين قراءته على الشهيد المصنّف زين الدين في حياته، و في آخر بعضها: «منه لا زال كاسمه» يعني من المصنّف لا زال زينا للدين كاسمه زين الدين .... و النسخة عند عبد الحسين الحجة بكربلاء».

(1)- «إحياء الداثر»/ 72؛ و راجع أيضا «الذريعة» ج 1/ 193، ج 6/ 23.

(2)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 155؛ «الذريعة» ج 4/ 392؛ «إحياء الداثر»/ 63.

35

رجب 929 (1). و من الممكن أن يكون قد وقع تصحيف في هذا التاريخ في «أعيان الشيعة» و أن يكون الصحيح فيه 939، و مهما يكن فهو أيضا شاهد لنا. و يحتمل اتّحاد هذا الكتاب مع ما سبق بعنوان «حاشية الألفية».

5- «تفسير البسملة»، فرغ منها في غرّة شهر رمضان سنة 940، كما قال الشهيد في آخره، و نسخته المخطوطة توجد عند حجة الإسلام السيّد محمّد علي الروضاتي بأصبهان.

و في آخر هذه النسخة جاء التصريح بتاريخ الفراغ منها كما ذكرنا.

6- و من كتب الشهيد المذكورة في «الدّر المنثور» (ج 2/ 188) كتاب «الرجال و النسب» الذي كتب عنه صاحب «الرياض» يقول:

«و قد أخرج و اختار من كل من كتاب «معالم العلماء» لابن شهرآشوب، و من كتاب «رجال ابن داود»، و كتاب «حل الإشكال في معرفة الرجال» للسيّد جمال الدين ابن طاوس، جملة من الأسامي و جعل كل واحد منها رسالة مفردة. و قد كان نسخة «حلّ الإشكال» بخطّ مؤلّفه عنده، و أنا رأيت تلك الرسائل، و عندنا نسخة من بعضها، و كان تاريخ اختياره من كتاب «حل الإشكال» المذكور سنة 941» (2).

و هكذا تلاحظون أن الشهيد قد كتب قسما من كتابه «الرجال و النسب» في سنة 941 أي قبل إنهاء تأليفه للروض بثمان سنين!

إنّ هذه الموارد خير دليل لدعوانا، و هي أنّه كان قد كتب قبل إتمامه لتأليف «الروض» كتبا اخرى‏ (1)، و لسنا نقصد أنّه لم يبدأ بكتابته للروض قبل إنهائه لهذه الكتب.

ثانيا: أن نفس الشهيد الثاني- حسب تتبعي الناقص- قد أشار في ثلاثة مواضع من «روض الجنان» إلى سائر كتبه و أرجع القراء إليها، هي:

«و قد أفردنا لتحقيق الإجماع في حال الغيبة رسالة تنفع في هذا المقام، من أرادها وقف عليها، و إنّما أطنبنا القول في هذه المسألة لفوائد، و لشدّة الحاجة إليها ...» (3).

و في بحث «صلاة المسافر» كتب يقول:

«إنّ هذه المسألة ليست من المسائل المنصوصة ... و نحن قد أفردنا لتحقيقها و ذكر أقسامها

____________

(1)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 155.

(2)- «رياض العلماء» ج 2/ 371، الهامش.

(3)- «روض الجنان»/ 80.

36

و ما يتم فيه قول كلّ واحد من الأصحاب رسالة مفردة، من أراد الاطلاع على الحال فليقف عليها» (1).

و في بحث «صلاة القضاء و فروعاتها» كتب يقول:

«و قد أفردنا لتحقيق هذه المسألة رسالة مفردة، من أرادها وقف عليها» (2).

فهذه الجمل صريحة أو ظاهرة في أنّ «الروض» ليس أول كتبه، و أنّ الرسائل التي أشار إليها قد كتبها قبل «الروض» أو في خلال تأليفه له، و على كلا الفرضين فهي شواهد لمدّعانا، و إلحاق المؤلّف لهذه العبارات بالروض بعد إتمام تأليفه بعيد، و على فرض ثبوته لا يضرّ بمدّعانا بعد تلك الأدلّة.

ثالثا: و ممّا قد يؤيّد مدّعانا هو أن الشهيد استشهد في سنة 965، و قد فرغ من كتابته للروض في سنة 949، فيكون بينهما ست عشرة سنة، و هذا بعيد في حدّ نفسه أن يكون الشهيد قد كتب نحو سبعين كتابا و رسالة في مدّة ست عشرة سنة، و بعضها عدّة مجلّدات مثل «المسالك».

و نستنبط من مجموع ما قلناه أنّه لا يمكن أن نتمسّك في هذا الموضوع بدعوى‏ (1) ابن العودي، و أنّ دعواه ليست بصحيحة.

ب- أمّا أن لا يكون «شرح اللمعة» آخر تأليف للشهيد فهو واضح جدّا، و ذلك لأنّه:

أوّلا: أنّ الشهيد قد فرغ من تأليفه في سنة 157 كما كتب في آخر المجلد الثاني منه يقول:

«و فرغ من تسويده مؤلّفه الفقير ... خاتمة ليلة السبت و هي الحادية و العشرون من شهر جمادى الأولى سنة سبع و خمسين و تسعمائة».

و قد كتب بعد هذا التاريخ عدّة كتب اخرى مؤرّخة في نهاياتها هي:

«تمهيد القواعد» في سنة 958 (3)؛

«شرح البداية في علم الدراية» في سنة 959 (4)؛

____________

(1)- «روض الجنان»/ 399.

(2)- «روض الجنان»/ 357.

(3)- و كما في «أعيان الشيعة» ج 7/ 155 و عدّة كتب اخرى.

(4)- و كما في «أعيان الشيعة» ج 7/ 156؛ «الذريعة» ج 13/ 124.

37

رسالة في «وجوب صلاة الجمعة» في سنة 962 (1)؛

كتاب الديات من كتابه «المسالك» في سنة 964 (2).

ثانيا: يعلم من إجازة الشهيد للشيخ تاج الدين الصادرة في سنة 964 (3)، أن تأليف «شرح اللمعة» كان قد انتهى في هذا التاريخ بينما لم يتم كتاب «المسالك».

ثالثا: استشهد الشهيد في سنة 965 و قد فرغ من تأليف المجلد الثاني من «شرح اللمعة»- كما مرّ- في سنة 957، فهل من المحتمل أن يكون قد أمسك يده في طول هذه الفترة (ثمان سنين) عن الكتابة، مع ما خلّف من الكتب في عمر أقلّ من 55 سنة؟!

و ليست هذه التواريخ المذكورة بشأن نهايات الكتب المذكورة محصورة على النسخ المطبوعة من هذه الكتب، بل قد ذكرت هذه التواريخ في النسخ المخطوطة منها أيضا، حتى كتب الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ يقول: إنّه قد زار نسخة من «شرح اللمعة» من كتاب الإقرار إلى آخره بخط نفس الشهيد، و كان قد كتب في آخره: أنّه فرغ من تأليفه في شهر جمادى الأولى سنة 957 (4). و هذه النسخة موجودة في المكتبة المركزية لجامعة طهران برقم 709، من كتب السيّد المشكاة المهداة إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران، و إنّي أيضا رأيت خطّ نفس الشهيد في آخره، و هو كما نقلناه آنفا و نقله الطهرانيّ (قدّس سرّه).

أضف إلى ذلك كلّه: أنّ من لازم قول من يقولون: «أولها الروض و آخرها الروضة»؛ مع أنّ «الروض» قد تمّ في سنة 949، و «الروضة»- «شرح اللمعة» في سنة 957: أنّ الشهيد إنّما كان مشتغلا بأمر التأليف و الكتابة في حدود ثمان سنين فقط! و بطلان هذا الأمر- حسب الدلائل الماضية و الآتية- كالشمس في رابعة النهار.

21- و هناك شي‏ء آخر يتعلّق بهذا الموضوع أيضا هو أنّه قد ذكر في مصادر كثيرة: أنّه لمّا أتت الشرطة للقبض على الشهيد- و قتل الشهيد بعد ذلك بقليل- كان الشهيد في كرم له مشتغلا بتأليف «شرح اللمعة». و إليكم بعض هذه المصادر:

____________

(1)- و كما في «أعيان الشيعة» ج 7/ 155.

(2)- و كما في «الذريعة» ج 20/ 378، و بعض المصادر الأخرى.

(3)- راجع «بحار الأنوار» ج 108/ 143- 145.

(4)- «الذريعة» ج 11/ 291.

38

1- «أمل الآمل» ج 1/ 90؛

2- «تكملة أمل الآمل»/ 215؛

3- «روضات الجنّات» ج 3/ 381؛

4- «مستدرك الوسائل» ج 3/ 427؛

5- «معجم رجال الحديث» ج 7/ 376؛

6- «أعيان الشيعة» ج 7/ 157؛

7- «سفينة البحار» ج 1/ 726؛

8- «ريحانة الأدب» ج 3/ 286؛

9- مقدّمة «شرح اللمعة» ج 1/ 193.

و المصدر الأصل لهذا القول هو كتاب «أمل الآمل»، و عنه أخذت سائر المصادر.

و مع ملاحظة الأدلة الآتية يتّضح المسامحة و الخطأ و السهو في هذا أيضا.

و من الجدير بالذكر أنّ ابن العودي و هو التلميذ الملازم للشهيد لم يقل مقالا من هذا القبيل قطّ، و أقدم مأخذ له هو- كما مرّ- «أمل الآمل».

و الآن إليكم الشواهد و المؤيّدات على وهن هذا الموضوع:

1- يقول صاحب «رياض العلماء» إنّه رأى في آخر شرح اللمعة بخط تلميذ الشهيد الشيخ عليّ بن أحمد: أنّ تأليف الكتاب قد تمّ في 21 جمادى الأولى سنة 957 (1).

2- كانت في مكتبة الأستاذ الشيخ رضا الأستادي الطهرانيّ دام تأييده نسخة مخطوطة من المجلّد الثاني من «شرح اللمعة» بخط ناصر الدين ... الحسيني العلوي، أنهى كتابتها في العشرين من ربيع الأوّل 959، أي بعد سنتين من تأليف «شرح اللمعة» و ستّ سنين قبل شهادة الشهيد.

3- عرّف الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (قده) نسخة مخطوطة من «شرح اللمعة» كتب في سنة 959، أي سنتين بعد تأليف «شرح اللمعة» و ست سنين قبل شهادة الشهيد.

و قال: و النسخة في مدرسة فاضل‏خان (الفاضلية) (2).

4- عرّف الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (قده) أيضا نسخة مخطوطة من «شرح اللمعة» بخط الشيخ عليّ بن أحمد بن أبي جامع، كتبها في سنة 960 أي قبل شهادة الشهيد

____________

(1)- «رياض العلماء» ج 2/ 383.

(2)- «الذريعة» ج 11/ 290؛ «إحياء الداثر»/ 242.

39

بخمس سنين، و قد قرأها على الشهيد، و كتب الشهيد بخطّه إجازة له‏ (1).

5- كتب الشهيد إجازة لجمال الدين الحسن بن نور الدين علي الشهير بابن أبي الحسن على نسخة «شرح اللمعة» التي قرأها عليه، و صورتها بعد البسملة:

«الحمد للّه و سلامه على عباده الذين اصطفى. و بعد: فقد قرأ عليّ أكثر هذا الكتاب و سمع سائره المولى الأجلّ الفاضل الكامل، السيّد السند، شرف العترة، جمال الأسرة، غرّة آل الرسول، و قرّة عين البتول، جمال الدين الحسن ابن السيّد الجليل الصالح نور الدين علي الشهير نسبه بابن أبي الحسن الحسيني الموسوي- أدام اللّه تعالى شرفه و خصّ بالرحمة و العاطفة و الرضوان رهطه و سلفه- قراءة مواتية مرعيّة مضبوطة، و قد أجزت له رواية الكتاب و العمل بما اشتمل عليه من الفتاوي و كذلك جميع ما صنّفته و ألّفته ...» (2).

6- قال الطهرانيّ (قده) : «رأيت بخط عليّ بن الصائغ المجلّد الأول من «الروضة البهية» فرغ من نسخة 15/ صفر/ 958، و كتب استاذه المؤلّف في آخره إجازة له تاريخها 3/ ج 1/ 958، و صورة الإجازة:

«أنهاه أحسن اللّه تعالى توفيقه و تأييده و أجزل من كل عارفة حظّه و مزيده، قراءة و سماعا و فهما و استشراحا و تحقيقا في مجالس آخرها يوم الأحد لثلاثة خلت من شهر جمادى الأولى سنة 958» (3).

7- كتب الشهيد في إجازته للسيّد عليّ بن الصائغ في خاتمة شهر جمادى الأولى من سنة 958 ه، أي قبل شهادته بسبع سنين، و ذلك بعد أن استنسخ السيّد علي «شرح اللمعة» لنفسه بخطّه و قرأه على الشهيد، كتب يقول:

«... و بعد فقد قرأ عليّ بعض هذا الكتاب و سمع سائره المولى الأجل ... نور الملّة و الدين علي ابن السيّد الجليل النبيل الفاضل عزّ الدين حسين الشهير نسبه بالصائغ الحسيني الموسوي ... قراءة بحث و تحقيق و تنقيح و تدقيق، جمع فيها بين توضيح المسائل و تنقيح الدلائل، و إبراز النكات، و تبيين المواضع المشكلات، دلّت على جودة فهمه و استنارة قريحته ... و كتب هذه الأحرف بيده الفانية الفقير إلى عفو اللّه تعالى و رحمته‏

____________

(1)- «الذريعة» ج 11/ 292، و ج 1/ 213.

(2)- «إحياء الداثر»/ 51.

(3)- «إحياء الداثر»/ 156؛ و راجع «الذريعة» ج 11/ 291.

40

زين الدين بن عليّ بن أحمد الشاميّ مصنّف الكتاب يوم الخميس خاتمة شهر جمادى الأولى سنة ثمان و خمسين و تسعمائة» (1).

و كتب الشيخ محمّد حفيد الشهيد بهذا الشأن:

«هذه إجازة كتبها جدّي المبرور زين الملّة و الدين (قدّس سرّه)، للمرحوم السيّد علي الصائغ في آخر «شرح اللمعة» الذي كتبه بخطّه و قرأه على المصنّف رحمهما اللّه» (2).

و تلاحظون أنّ هذا كله مضافا إلى ما تقدّم آنفا من الأدلّة على أنّ «الروضة» ليس آخر تأليف للشهيد دليل على أنّ تأليف «الروضة» قد تمّت قبل شهادة الشهيد بعدّة سنين، و أنّ تلامذة الشهيد استنسخوه و قرءوه عليه قبل شهادته بعدّة سنين أيضا. و مع هذا فهل يصحّ أن نقول إنّ الشهيد كان في أواخر عمره- و قد جاءت الشرطة للقبض عليه و قتل بعده بقليل- مشتغلا بتأليفه؟!

22- إنّ «شرح اللمعة»- كما مرّ- ليس آخر تأليف للشهيد، و إنّما هو سهو وقع فيه جماعة. و لتصحيح خطأ هؤلاء كتب بعضهم يقول: «من الممكن أن يكون تبييض الكتاب تمّ في آخر عمره، و يحتمل أن يكون كلام من قال ذلك ناظرا إلى هذا أيضا». مع أنّه قد تبيّن من ردودنا على أصل المقال عدم صحّة هذا الاحتمال أيضا مائة بالمائة.

23- كتب محقّق كتاب «أحسن التواريخ» في تعاليقه على الكتاب يقول: «إنّ الشهيد الثاني كتب «شرح اللمعة» في السجن» (3). و هو كلام واضح البطلان كوضوح النهار، و لم يذكر في أيّ مصدر كلام كهذا.

24- جاء في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 177) و بعض الكتب الأخرى أنّ «الذي يظهر من رسالة ابن العودي أنّ هذا الكتاب [أي روض الجنان‏] هو أول كتاب كتبه الشهيد في الفقه الاستدلالي». و قد مرّ أنّ ابن العودي يقول: إنّ الكتاب هو أوّل كتاب للشهيد، لا في خصوص الفقه الاستدلالي.

25- نقرأ في كتب كثيرة مرجعها جميعا كتاب «أمل الآمل» (ج 1/ 90): أنه يستفاد من نسخة الأصل ل «شرح اللمعة»- أي نسخة خطّ الشهيد- أنّه ألّفه في مدّة

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 108/ 139- 142.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 139.

(3)- «أحسن التواريخ»/ 696.

41

ستة أشهر و ستة أيّام، لأنّه كتب على ظهر النسخة تاريخ ابتداء التأليف. و من هذه الكتب التي جاء فيها هذا الموضوع:

1- «روضات الجنّات» ج 3/ 377؛

2- خاتمة «مستدرك الوسائل» ج 3/ 427؛

3- «تكملة أمل الآمل»/ 214؛

4- «ريحانة الأدب» ج 3/ 282؛

5- «تنقيح المقال» ج 1/ 473؛

6- «أعيان الشيعة» ج 7/ 155؛

7- مقدّمة «شرح اللمعة» ج 1/ 193.

و بشأن المدّة التي طال فيها تأليف «شرح اللمعة» جاءت أمور اخرى في الكتب و في جميعها يدّعى أنّه «يظهر من نسخة الأصل» أو «يظهر ممّا نقل عن خطه»؛ فمثلا:

قال صاحب «رياض العلماء»:

«رأيت منقولا عن خطّه (ره) : أنّه شرع في «شرح اللمعة» مفتتح شهر ربيع الأوّل 956، و صرّح في آخر الكتاب أنّه فرغ منه ليلة السبت الحادية و العشرين من جمادى الأولى سنة 957. و على هذا فقد كان مدّة تأليفه قريبا من خمسة عشر شهرا و هو غريب» (1).

قال الطهرانيّ (قده) :

«و في نسخة موجودة عند المشكاة- و هي منقولة عن خطّ المؤلّف- نقلا عن خط المؤلّف في ظهر النسخة: أنّ شروعه في المجلّد الأوّل كان في مفتتح ربيع الأوّل 956.

فكان تمام المجلّد الأول في ثلاثة أشهر و ستة أيام» (2).

أقول: هذه النسخة موجودة الآن في المكتبة المركزية لجامعة طهران، برقم 710.

قال الشيخ علي حفيد صاحب «المعالم»:

«كتب في أوّل المجلّد الأول ابتداء تصنيفه، و مع تاريخ آخره يكون مدّة ذلك ثلاثة أشهر و أيّاما» (3).

____________

(1)- «رياض العلماء» ج 2/ 369- 370، الهامش؛ و راجع أيضا «روضات الجنّات» ج 3/ 377.

(2)- «الذريعة» ج 11/ 291.

(3)- «الدّر المنثور» ج 2/ 184، الهامش.

42

بينما كلام الحرّ في «أمل الآمل» (ج 1/ 90) هو أنّه يقول: «و يظهر من نسخة الأصل أنّه ألّفه في ستّة أشهر و ستة أيام، لأنّه كتب على ظهر النسخة تاريخ ابتداء التأليف».

و هكذا تلاحظون أنّ خلاصة ما جاء في المصادر بهذا الصدد هو أنّه:

- تمّ المجلّدان في ستة أشهر و ستة أيام، كما في «أمل الآمل»؛

- تم المجلّدان في حدود خمسة عشر شهرا، كما في «رياض العلماء»؛

- تمّ المجلد الأول فقط في ثلاثة أشهر و ستّة أيام، كما في «الذريعة» و «الدر المنثور» حسبما للفظه من ظهور.

و الذي يبدو لنا من القرائن هو أنّ الصحيح قول صاحب «الرياض» بأنّ مدّة تأليف الشهيد ل «شرح اللمعة» كان خمسة عشر شهرا؛ لأنّ تأليف المجلّد الأول منه قد انتهى في السادس من شهر جمادى الآخرة سنة 956، و المجلد الثاني منه انتهى في 21 شهر جمادى الأولى سنة 957، كما قيّد ذلك الشهيد في آخر نسخته، و كتب عنه في النسخ المخطوطة الموجودة و نقلت عنها في طبعات الكتاب. و على هذا فالكتاب امتدّ تأليفه أكثر من ستة أشهر و ستة أيام. فإننا حينما نلتفت إلى أنّ بدء الشهيد بتأليفه كان في أول ربيع الأوّل 956، و انتهاؤه منه كان في 21 جمادى الأولى سنة 957، نعلم أنّ المدّة من يوم الشروع إلى الختام كانت في حدود خمسة عشر شهرا. و هذا لا ينافي كلام صاحب «الذريعة» و لا كلام صاحب «الدّر المنثور» من قبل؛ فإنّهما إنّما قالا بأن كتابة المجلّد الأوّل فقط طالت ثلاثة أشهر و ستة أيام، و لم يتكلّما عن مدّة تأليف المجلّدين. و المصادر تؤيّد أن بدء التأليف كان في أول ربيع الأوّل 956 و لم ينقل ما يخالفه فيما نقل.

و الخلاصة: أنّ الصحيح في المقام كلام صاحب «الرياض»، و لا يتم كلام صاحب «أمل الآمل» و ما نقل عنه؛ و لا دليل عليه. و بديهي أنّنا لا نريد بهذا أن الشهيد كان في جميع هذه المدة مشتغلا بتأليف هذا الشرح و لم يدع القلم جانبا حتّى يوم واحد. و لا ننسى أنّ صاحب «أمل الآمل» القائل بهذه المدّة- ستة أشهر و ستة أيام- هو القائل بأنّ الشهيد لمّا جاءت الشرطة للقبض عليه كان مشتغلا بتأليف الشرح! و من هنا نعلم أنّ كلامه بهذا الشأن لا ينبغي أن يعتمد عليه.

43

كتاب «منار القاصدين»

26- جاء في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 182) و تبعا لها في بعض الكتب المتأخّرة بشأن كتاب «منار القاصدين في أسرار معالم الدين» للشهيد الثاني أنّه:

«يبدو من اسم هذا الكتاب أنّه يبحث عن أسرار الأحكام الشرعية الموضوعة على المكلفين و العلل المسببة لوضع الواجبات و المحرمات و غيرهما».

و هذا الكلام سهو أيضا قطعا، فقد ذكّر الشهيد الثاني نفسه في موضعين من «منية المريد» بأنّ «منار القاصدين» كتاب أخلاقي يحتوي على بحوث أخلاقية مثل «منية المريد» (1) فقال في مقدّمته:

«... بل لتحصيله شرائط، و لترتيبه ضوابط ... و كم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في تحصيله ... ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرة ... و ما كان سبب ذلك و غيره من القواطع الصادّة لهم عن بلوغ الكمال، إلّا إخلالهم بمراعاة الأمور المعتبرة فيه من الشرائط و الآداب، و غيرها من الأحوال. و قد وفّق اللّه سبحانه بمنّه و كرمه فيما خرج من كتابنا الموسوم ب «منار القاصدين في أسرار معالم الدين» لتفصيل جملة شريفة من هذه الأحكام، مغنية لمن وقف عليها من الأنام، و قد رأينا في هذه الرسالة [يعني «منية المريد»] إفراد نبذة من شرائط العلم و آدابه، و ما يتبع ذلك من وظائفه، نافعة- إن شاء اللّه تعالى- لمن تدبّرها ... و سمّيتها «منية المريد في أدب المفيد و المستفيد» (2).

و في «منية المريد» أيضا في بحث المراء و الجدال يقول:

«... و علاج ذلك أن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله ... بالأدوية النافعة في علاج الكبر و الغضب من كتابنا المتقدّم ذكره في «أسرار معالم الدين» أو غيره من الكتب المؤلّفة في ذلك» (3).

و- هل الشهيد الثاني أوّل من ألّف في الدراية من الشيعة؟

27- من المشهور أنّ الشهيد الثاني أول عالم من الشيعة كتب كتابا في‏

____________

(1)- راجع أيضا «فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران» ج 5/ 682.

(2)- «منية المريد»/ 91- 92، هذه الطبعة.

(3)- «منية المريد»/ 173، هذه الطبعة.

44

علم الدراية، و لم يكتب قبله أحد من علماء الشيعة كتابا في هذا العلم و قالوا: «و هذا العلم لم يسبقه أحد من علمائنا إلى التصنيف فيه». جاء هذا الكلام- من جملة ما جاء فيه- في الكتب التالية:

1- «الدّر المنثور» ج 2/ 188؛

2- «أمل الآمل» ج 1/ 85؛

3- «رياض العلماء» ج 2/ 368- 369؛

4- «روضات الجنّات» ج 3/ 376؛

5- «ريحانة الأدب» ج 3/ 280؛

6- «معجم رجال الحديث» ج 7/ 372؛

7- مقدّمة «شرح اللمعة» ج 1/ 181.

و إنّ المرجع الأول لكلّ هذه المصادر- مباشرة أو بالواسطة- هو كلام ابن العودي المنقول في «الدرّ المنثور» ج 2/ 188.

و هذا الكلام وهم، و قد كتب بعض علماء الشيعة قبل الشهيد الثاني كتابا في هذا العلم؛ مثل:

ابن أبي جمهور الأحسائي الذي ألّف كتابه «تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين» قبل الشهيد بعدّة أعوام. كتب الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ يقول بهذا الشأن:

«تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين، للشيخ محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي، قال في آخر كتابه «كاشفة الحال» المؤلّف سنة 888 عند ذكره لأنواع الحديث و أقسامه: و من أراد الاستقصاء مع ذكر الأمثلة فعليه بكتابنا «تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين». و يأتي «غنية القاصدين» للشهيد الثاني» (1).

«قال العلامة السيّد حسن الصدر (قده) :

«إنّ أوّل من دوّن علم دراية الحديث هو أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوريّ‏ (2) ... فاعلم أنّ أول من صنّف فيه بعد الحاكم المؤسس: السيّد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس أبو الفضائل المتوفّى سنة 673 ... و أمّا الذين صنّفوا في علم الدراية فكثيرون؛

____________

(1)- «الذريعة» ج 3/ 461.

(2)- هذا الكلام سهو؛ فإنّه ألّف بعض العلماء قبل الحاكم النيسابوريّ كتابا في علم الدراية، كالرامهرمزي مؤلّف كتاب «المحدّث الفاصل».

45

منهم السيّد عليّ بن عبد الحميد النجفيّ، له «شرح أصول دراية الحديث»، من علماء أول المائة الثامنة، يروي عن العلامة الحلّي‏ (1) و هو أستاذ ابن فهد الحلّي ...» (2).

«... و صنّف بعد أبي عبد اللّه الحاكم في علم دراية الحديث جماعة من شيوخ علم الحديث من الشيعة، كالسيّد جمال الدين أحمد بن طاوس أبو الفضائل ... ثمّ صنّف السيّد العلّامة عليّ بن عبد الحميد «شرح أصول دراية الحديث» ... و للشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني «البداية في علم الدراية» ...» (3).

كذلك كتب آية النجفيّ المرعشيّ بهذا الشأن يقول:

«... فللّه درّ أصحابنا شيعة آل الرسول الأكرم (ص) حيث جادت أقلامهم في هذا الشأن، فكم لهم من آثار في هذين العلمين [يعني الدراية و الرجال‏] كالعلامة الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي صاحب كتابي «المجلي» و «العوالي»؛ و العلامة الشيخ ضياء الدين علي العاملي نجل شيخنا السعيد أبي عبد اللّه محمّد بن مكي الشهيد الأول، و العلامة الفاضل المقداد السيوري الحلّي صاحب «كنز العرفان»؛ و العلّامة السيّد أبي الرضا فضل اللّه الحسني الراونديّ الكاشاني ...» (4).

و بعد هذا، فقد نقل الشهيد في موضعين من كتاب «شرح البداية» عن السيّد أحمد بن طاوس (ره) ما قد يشعر بمدّعانا، فمثلا قال:

«... و ظاهر كلام الأصحاب في قبول مراسيل ابن أبي عمير هو المعنى الأول، و دون إثباته خرط القتاد، و قد نازعهم صاحب «البشرى» [يعني ابن طاوس‏] في ذلك، و منع تلك الدعوى» (5).

«... و أمّا تسمية صاحب «البشرى» مثل ذلك تدليسا فهو سهو أو اصطلاح غير ما يعرفه المحدّثون» (6).

و على فرض ورود الإشكال و التشكيك في بعض الموارد المذكورة آنفا- و الظاهر أنّه كذلك- فمع ذلك يثبت من مجموعها أن الشهيد الثاني لم يكن أوّل من ألّف في ذا

____________

(1)- الذي يظهر من المصادر أنّه يروي عن فخر المحققين ولد العلامة الحلّي، لا عن العلامة الحلّي، فلاحظ.

(2)- «تأسيس الشيعة»/ 294- 295.

(3)- «الشيعة و فنون الإسلام»/ 40.

(4)- «شرح البداية»/ 10- 11، المقدّمة، الطبعة الجديدة بتحقيق بقال.

(5)- «شرح البداية»/ 49، ط. النجف؛ و ص 138 من الطبعة الجديدة بتحقيق بقال.

(6)- «شرح البداية»/ 54، ط. النجف؛ و ص 149 من الطبعة الجديدة بتحقيق بقال.

46

الفنّ من علماء الشيعة.

ز- بحوث اخرى حول تاريخ حياة الشهيد الثاني‏

28- جاء في كتب كثيرة ينتهي جميعها إلى «الدّر المنثور» (ج 2/ 183): أن الشهيد الثاني بلغ الاجتهاد في سنة 944 و له 33 سنة.

و لعلّ هذا غير تامّ، و تدلّ القرائن و الشواهد بخلافه؛ منها: أنّ الشهيد قد أجاز والد الشيخ البهائي في سنة 941 (1)، و يقول في هذه الإجازة:

«... فقرأ على هذا الضعيف و سمع كتبا كثيرة في الفقه و الاصولين و المنطق و غيرها.

فمما قرأه من كتب أصول الفقه «مبادئ الوصول» و «تهذيب الوصول» ... و شرحه «جامع البين من فوائد الشرحين» ... و من كتب المنطق رسائل كثيرة منها ... و سمع من كتب الفقه بعض كتاب «الشرائع» و «الإرشاد»، و قرأ جميع كتاب «قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام» ... قراءة مهذّبة محقّقة، جمعت بين تهذيب المسائل و تنقيح الدلائل، حيث ما وسعته الطاقة، و اقتضاه الحال، و قرأ و سمع كتبا اخرى» (2).

و تلاحظون أن والد الشيخ البهائي كان قد قرأ عليه و سمع منه كتبا كثيرة. و من ناحية أخرى فقد عبّر الشهيد في هذه الإجازة بتعبيرات يستفاد منها أنّ تلميذه كان مجتهدا في ذلك التاريخ 941 (3)، كقوله:

«ثمّ إنّ الأخ في اللّه ... و المترقّي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين ... عضد الإسلام و المسلمين، عزّ الدنيا و الدين ... ممّن انقطع بكليته إلى طلب المعالي ... حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه ... و صرف برهة جميلة من زمانه في تحصيل هذا العلم و حصل منه على أكمل نصيب و أوفر سهم» (4).

«... و آخذ عليه في ذلك بما اخذ عليّ من العهد بملازمة تقوى اللّه سبحانه فيما يأتي و يذر، و دوام مراقبته، و الأخذ بالاحتياط التام في جميع أموره، خصوصا في الفتيا؛ فإنّ‏

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 108/ 171.

(2)- «بحار الأنوار» ج 108/ 148- 149.

(3)- قال الطهرانيّ في ترجمة والد الشيخ البهائي في «إحياء الداثر»/ 62: «... المجاز من الشهيد الثاني بالإجازة المسطورة في آخر «البحار» تاريخها 941، ... كان من أجلّ تلامذة الشهيد مصدّقا منه بالاجتهاد في تاريخ الإجازة».

(4)- «بحار الأنوار» ج 108/ 148.

47

المفتي على شفير جهنّم ...» (1)

و على هذا فلا يمكن القول بأنّ الشهيد و هو شيخه و استاذه قد بلغ الاجتهاد في سنة 944، أي بعد هذه الإجازة بثلاث سنين. فتأمّل في ذلك جيّدا.

*** 29- جاء في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 149) و تبعا لها في بعض كتب اخرى بعدها:

«فكان [أي الشهيد الثاني‏] يدرّس الفقه في بعلبك على المذاهب الخمسة، و يستعرض رأي كل مذهب من المذاهب الخمسة، و يشفعه بما يستدلّ له، ثمّ يقارن فيما بينها».

و منشأ هذا الكلام ما نقله ابن العودي عن قول شيخه الشهيد يقول: «ثمّ أقمنا ببعلبك و درسنا فيها مدّة في المذاهب الخمسة و كثير من الفنون» (2). و نظره إلى أنّه كان يدرّس على المذاهب الخمسة كل على حدثه لا كالفقه المقارن.

و دليلنا لدعوانا هذه هو ما أضافه ابن العودي بعد هذا فقال: «و لا أنسى و هو في أعلى مقام ... و مفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها و يدرّس في المذاهب كتبها» (3).

و الدليل الآخر لكلامنا هذا هو من المحدّث الجزائريّ، أنّه كتب في كتابه «الجواهر الغوالي في شرح عوالي اللآلي» يقول:

«حكى لي عالم من أولاد شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه: أنّ بعض الناس كان يتّهم الشيخ في زمن حياته بالتسنّن؛ لأنّه كان يدرّس في بعلبك و غيرها من بلاد المخالفين على المذاهب الأربعة نهارا، و يدرّس على دين الإماميّة ليلا. و كان معرفته بفقه المذاهب الأربعة و اطلاعه طاب ثراه على كتب أحاديثهم و فروعهم أعلى من معرفتهم بمذاهبهم» (4).

و لا أقل من عدم دليل على تدريسه الفقه المقارن و التطبيقي.

30- كتب بعضهم في ترجمة الشهيد يقول: «كما أن الشيخ الطوسيّ ابتكر في تأليف كتاب بعنوان «الخلاف في الفقه»، كذلك الشهيد الثاني كان أوّل من درّس‏

____________

(1)- «بحار الأنوار» ج 108/ 170.

(2)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 182.

(3)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 182.

(4)- راجع «عوالي اللآلي» ج 1/ 10- 11.

48

الفقه المقارن».

و كلا الموضوعين لا واقع لهما؛ فقد مرّ آنفا أنّ الشهيد لم يكن يدرّس الفقه المقارن في بعلبك، و على فرض القول بأنّه كان يدرّس الفقه على المذاهب الخمسة، مع ذلك لم يكن اوّل من درّس الفقه المقارن، بل كلّ من درّس «الخلاف» للشيخ أو «التذكرة» للعلامة قبل الشهيد الثاني- و هم كثيرون- يعتبر سابقا على الشهيد في تدريس الفقه المقارن.

و كذلك الشيخ الطوسيّ لم يكن أوّل من كتب في موضوع الفقه المقارن؛ فإنّ الشيخ المفيد كتب كتابا في هذا الموضوع باسم «الإعلام فيما اتّفقت عليه الإماميّة من الأحكام»، و كذلك السيّد المرتضى كتب كتابا في هذا الباب باسم «الانتصار».

و كذلك للسيّد الرضيّ كتاب في هذا الموضوع‏ (1).

و قد كتب المحقق الفاضل السيّد محمّد رضا الموسوي الخرسان بهذا الشأن يقول:

«... و يلوح لي أن السيّد المرتضى بعمله هذا في «الانتصار» يكون أوّل من خطا خطوة جادّة بيّنة في إشاعة الفقه المقارن و تعميمه، بتصنيفه كتابا تنتظم فيه كلّ أبواب الفقه من العبادات و المعاملات و العقود و الإيقاعات و الحدود و الديات و المواريث. كما يبدو لي أنّه نمط فذّ من أنماط الفقه المقارن ...» (2).

و على افتراض الإيراد على هذه الكتب من جهة عدم استيعابها ما يعمّه و يشمله «الخلاف»، مع ذلك لا يكون الشيخ الطوسيّ أول من ولج الباب، إذ أن السيّد المرتضى قد كتب كتابا آخر في الفقه المقارن باسم «مسائل الخلاف»- القريب في العنوان من كتاب الشيخ الطوسيّ- و في مواضع عديدة من «الانتصار» يذكر كتابه ذلك و يرجع إليه، فمن تلك الموارد:

- «و قد استقصينا الكلام في هذه المسألة فيما أفردناه من الكلام على مسائل الخلاف و رددنا على كلّ مخالف في هذه المسألة لنا بما يعمّ و يخصّ من أبي حنيفة و الشافعي و مالك بما فيه كفاية» (3)؛

____________

(1)- كما جاء في نشرة «تراثنا»، العدد الخامس/ 107.

(2)- «الانتصار»/ 54- 55، المقدّمة.

(3)- «الانتصار»/ 8.

49

- «و قد تكلّمنا على هذه المسألة في «مسائل الخلاف» بما استوفيناه» (1)؛

- «و قد استوفينا الكلام في هذه المسألة في كتابنا المفرد لمسائل الخلاف» (2)؛

- «و قد استقصينا أيضا الكلام على هذه المسألة في «مسائل الخلاف» و رددنا على كلّ مخالف لنا بما فيه كفاية» (3)؛

- «و هذه المسألة ممّا استقصينا عليها في «مسائل الخلاف» و بلغنا فيها أقصى الغايات فانتهينا في تفريع الكلام و تشعيبه إلى ما لا يوجد في شي‏ء من الكتب، غير أنّا لا نخلّي هذا الموضع من جملة كافية» (4).

و نقرأ في مقالة عن الشيخ الطوسيّ و الحقوق التطبيقية (المقارنية) من مقالات الذكرى الألفية للشيخ الطوسيّ في مشهد، ما ترجمته: «يبدو لنا من تاريخ الفقه أن أول من كتب في باب الفقه المقارن كتابا مستقلا هو عالم القرن الرابع: ابن الجنيد الإسكافي».

من مجموع ما مرّ نفهم بصورة قطعية أن الشيخ الطوسيّ ليس أول مؤلف في الفقه المقارن من علماء الشيعة، كما أن الشهيد الثاني- على فرض القول بأنّه كان يدرّس الفقه المقارن- ليس أول من درّس الفقه المقارن.

*** 31- جاء في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 158) ضمن تعداد الكتب التي قرأها الشهيد الثاني على الشيخ أحمد الرملي الشافعي: «... و منها شرح التصريف الغربي».

و قد جاء اسم هذا الكتاب في «الدّر المنثور» (ج 2/ 162) بعنوان: «شرح تصريف العربي» و في «روضات الجنّات» (ج 8/ 133): «تصريف الغري». و كلّها خطأ، و الصحيح- كما في «أعيان الشيعة» (ج 7/ 148)-: «شرح تصريف العزّي». إذ لمّا كان مؤلف كتاب «التصريف» هو عزّ الدين الزنجانيّ، فيعرف الكتاب ب «تصريف العزّي» (5). و لهذا «التصريف» شرح قرأه الشهيد الثاني على الرملي الشافعي.

***

____________

(1)- «الانتصار»/ 9.

(2)- «الانتصار»/ 14.

(3)- «الانتصار»/ 15.

(4)- «الانتصار»/ 21؛ و راجع أيضا ص 16، 17، 20، 22، 23، 28، 29، 35، 151 كما في «الانتصار»/ 45، مقدّمة التحقيق.

(5)- راجع «ريحانة الأدب» ج 2/ 386.

50

32- نقرأ في تلك المقدّمة (ج 1/ 157) أيضا و بعض الكتب الأخرى ضمن رحلات و أسفار الشهيد الثاني: «فصمّم [أي الشهيد] سنة 943 أو 944 أن يغادر دمشق إلى مصر». و نقطع بالسهو في التاريخين جزما؛ فإنّه كما في تراجمه و منها «الدرّ المنثور» (ج 2/ 152)- نقلا عن الشهيد نفسه- عزم على السفر إلى مصر في سنة 942، و رحل إليها في هذه السنة قطعا و جزما.

*** 33- جاء في إحدى ترجمات «مسكن الفؤاد» للشهيد الثاني: «أن الشهيد سافر مرّة إلى ميس (دشت ميشان) المعروف اليوم ب «دشت آزادگان» و تتلمذ لدى الشيخ علي بن عبد العالي الميسي». و كما لا يخفى على القراء الأعزّاء و أهل العلم و المطالعة أنّ «ميس» إنّما هي قرية من قرى منطقة جبل عامل، و لا علاقة لها بدشت ميشان أو دشت آزادگان!

*** 34- قال بعضهم في ترجمة الشهيد:

«إن ما قاله العلامة النوريّ: إن الشهيد كان يكتب عشرين بل ثلاثين سطرا بغمسة واحدة في الدواة. إنّما هو من عدم ملاحظة المرحوم النوريّ؛ فإنه لو كان يكتب بأيّ قلم و بأيّ مقدار من السرعة لم يكن ليتمكن أن يكتب أكثر من عدّة سطور قصيرة فقط، و التجربة أكبر برهان».

أقول: أولا، قد نقل هذا قبل المرحوم النوريّ صاحب «المقابس» و نقلا عنه صاحب «الروضات»؛ فإنّهما كتبا يقولان: «و من كرامته المشهورة كتابته بغمسة واحدة في الدواة عشرين أو ثلاثين سطرا» (1). و قبل هذين قد نقل القول هذا الشيخ علي حفيد صاحب «المعالم» (2) و هو من أهل البيت.

ثانيا، لا يمكن ردّ هذا المقال بأنّ التجربة تدلّ على عدم إمكان كتابة أكثر من عدّة أسطر قصيرة بأيّ قلم كان و بأيّة سرعة كانت؛ فإنهم قد عدّوا هذا من كرامات الشهيد و نقلوه بهذا العنوان، و على هذا فلا يمكن القول بأن التجربة أكبر برهان للبطلان! فإنّ هذا القول كأنّ يقول أحد: إنّ عصا موسى (عليه السلام) لم تكن لتتبدّل‏

____________

(1)- «مقابس الأنوار»/ 15؛ «روضات الجنّات» ج 3/ 378.

(2)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 204.

51

إلى حيّة و التجربة أكبر برهان! فلا بدّ أن يورد على هذا الموضوع بغير هذا الأسلوب، كأن يقال: لم تثبت هذه الكرامة. و الظاهر أنّه لا يمكن الإيراد عليه؛ فإنّ هناك شواهد تدلّ على صحته، هي أنّ حفيد صاحب «المعالم» يقول:

«و ممّا تواتر عنه (رحمه اللّه) أنّه كان إذا غمس القلم في الدواة ربما يكتب عشرين سطرا أو ثلاثين سطرا، و هذا من جملة التأييدات الإلهية ...» (1).

و لهذا فإنّ ابن العودي تلميذ الشهيد قد خصّص فصلا من كتابه بهذا الأمر فعنونه يقول:

[الفصل‏] الرابع: في ذكر أمره من الكتابة و ما له فيها من الآيات و محاسن الكرامات» (2).

و على هذا، فإن كلام ابن العودي تلميذ الشهيد يكفي في إثبات هذه الدعوى و هي أنّه كانت للشهيد كرامة في هذا الأمر. و لعلّ ما يؤيد ذلك أن الحرّ العامليّ (قده) يقول:

«و أخبرني من أثق به أنّه خلف ألفي كتاب، منها مائتا كتاب كانت بخطّه من مؤلّفاته و غيرها» (3).

*** 35- جاء في مقدّمة «شرح اللمعة» (ج 1/ 187، 188) و تبعا لها في بعض كتب اخرى تحت عنوان «شعر الشهيد»:

«و قال [الشهيد] حينما بشّر بمولود ذكر ولد له في غيبته:

و قد منّ مولانا الكريم بفضله‏* * * عليكم بمولود غلام من البشر

فيا ربّ متّعنا بطول بقائه‏* * * و أحي به قلبا له الوصل قد هجر

و هذا أيضا سهو واضح، و إنّما نظم هذين البيتين تلميذه ابن العودي و كتبها إليه في رسالة، كما هو واضح أيضا من قوله: «عليكم بمولود». و يقول ابن العودي بهذا الشأن:

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 204.

(2)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 152.

(3)- «أمل الآمل» ج 1/ 90؛ «رياض العلماء» ج 2/ 374؛ «معجم رجال الحديث» ج 7/ 375.

52

«... البشارة كانت في بيتين أنشأتهما في رسالة كتبتها إليه في تاريخ ولادة المولود المذكور، و هما: و قد منّ مولانا الكريم بفضله ...» (1).

*** 36- أرجع الشيخ الآصفي في مقدّمته ل «شرح اللمعة» كثيرا من المواضيع إلى الرسالة المخطوطة لابن العودي في ترجمة الشهيد و استند إليها، ممّا قد يبعث على تصوّر أنّ الشيخ الآصفي كان يملك في حوزته رسالة ابن العودي أو قد رآها. بينما مرّ في صدر هذا المقال أنّه- و مع الأسف- لا توجد اليوم حتّى نسخة واحدة من هذه الرسالة، و إنّما بقي قسم منها و هو الذي نقله مؤلف كتاب «الدرّ المنثور» في كتابه عينا و طبع ضمن الكتاب المذكور في سنة 1398 ه، في قم. و لا ينبغي أن يبعث إرجاع الشيخ الآصفي إلى تلك الرسالة على التشكيك فيما قلناه من ضياع هذه الرسالة؛ فإنّي قد سألت الشيخ الآصفي عن هذا فقال في الجواب: «إنّي لم أر رسالة ابن العودي و إنّما نقلت عنها بواسطة «الروضات» أو «أعيان الشيعة».

*** و في الختام، من الضروري أن نذكّر بأن هذه الاشتباهات، لا تقلّل من قيمة هذه الكتب و المصادر القيّمة شيئا، و أنّ وقوع هكذا أخطاء في كتب التواريخ و التراجم أمر طبيعي تماما. و قديما قيل:

و من ذا الذي ترضى سجاياه كلّها* * * كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه‏

____________

(1)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 176.

53

الفصل الثاني حول كتاب «منية المريد»

أ- القيمة الثقافية لكتاب «منية المريد» و أقوال أبطال العلم بشأن الكتاب‏

«منية المريد في أدب المفيد و المستفيد» كتاب قيّم في بيان قيمة العلم و تكاليف التلامذة و الأساتذة، و المفتي و المستفتي، و آداب المناظرة و الكتابة، و آداب التعليم و التعلم للعلوم الإسلامية و مراتب العلوم، و عشرات المسائل القيّمة ممّا هو مورد ابتلاء المتعلّمين و المعلّمين. و قد كان منذ بدء تأليفه إلى الآن محطّ أنظار العلماء و الطلاب الأذكياء، و لا زال محل عنايتهم و مراجعتهم لا بعنوان كتاب دوّن للقراءة مرّة واحدة ثمّ الوضع جانبا.

و لا يصل الإنسان إلى خصائص هذا الكتاب إلّا بالمطالعة العميقة و الدقيقة و التأمل في شراشره. و في هذه المقدّمة سنقرّر مواضيع بهذا الصدد كي يحصل قارئ الكتاب قبل قراءته على معرفة مقتضبة بشأنه:

إنّ الميزة المهمة لهذا الكتاب هي أن مؤلّفه من القمم العالية في العلم و المعرفة، فهو من العلماء المتعمّقين المتبحّرين، و المتضلّعين في كثير من العلوم الإسلامية، قد رأى كثيرا من الأساتذة و أصبح عالما مجرّبا محنّكا؛ و من ناحية أخرى فهو على جانب عظيم‏

54

من التقوى، و زاهد يؤمن بالمعاد و يخشى ربّه، ممّن يعمل و يثبت على قوله قبل أن يقول.

أنهى الشهيد الثاني تأليف هذا الكتاب في يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الأول عام 954، أي في حدود إحدى عشرة سنة قبل شهادته، و هذا بعد أن رأى كثيرا من الحوزات العلمية يومئذ و اشتغل في كثير منها بالتعلّم أو التعليم. إن الشهيد الثاني بالإضافة إلى تتلمذه لدى علماء الشيعة في جبل عامل و غيرها، كان قد تتلمذ لدى كبراء علماء العامّة في دمشق و مصر و غيرهما و تعرّف على كثير من طرقهم و أساليبهم. و بعد المطالعة و التحقيق الواسع في مختلف الكتب، و بعد النضج و التجارب الكثيرة و الممارسات الطويلة كتب «منية المريد» لهداية العلماء و الطلاب. و فرق بين من لا يلمس الواقع بيده و من جرّب مختلف حوادث الأيّام و كان في صميمها.

و إنّ أسلوب تنظيم و تحرير «المنية» حسن جدّا، فهو مشحون بالآيات و الروايات و أقوال العلماء و الأبيات المناسبة لكلّ باب، و قد ذكر فيها الآداب و القواعد لطلب العلم بصورة طبيعية تحكي عن النظر الدقيق و الفكر المنظم و المنطقي للمؤلّف: فقد دوّن الكليات كفضيلة العلم و محاسنه و محاسن العالم و المتعلم في المقدّمة، و ما يتعلّق بالمعلّم و المتعلّم في باب مستقل، و ما يرتبط بآداب المفتي و المستفتي و أدب الكاتب و آداب المناظرة في فصول و أبواب مستقلة أيضا و بكيفية منتظمة، و جاء بالفقرات في ذيل هذه الأبواب مرقّمة بالأعداد، و هذا الترتيب ينتقش في ذهن القارئ أسرع، و كذلك يجد المراجع ما يحتاج إليه فيه بدون إتلاف للوقت و الجهد. و الخلاصة فهو كما قال بعض أهل الفضل:

«هو من أحسن كتب الإماميّة في كيفية البلوغ إلى أقصى الغاية، و الترقي إلى المقامات العالية الإنسانية، و بيان فضل العلم و أهله و آداب تعليمه و تعلّمه، و شرائط الفتوى و المفتي و آدابهما و شرائط المستفتي، و غير ذلك ممّا يتعلّق بالعلم و العمل و تهذيب الأخلاق الإنسانية، و الوصول إلى الدرجات الملكية، و اللحوق بالنفوس الكاملة القدسية» (1).

إنّ عناية كبار العلماء بهذا الكتاب تدلّ على أهميته و عظمته، و إليكم الآن نماذج‏

____________

(1)- «منية المريد»/ 1، طبع الهند.

55

من أقوال كبار العلماء في موضوع هذا الكتاب الكريم:

كتب الميرزا الشيرازي الكبير (قده) حامل راية نهضة مقاومة مؤامرة التبغ البريطانية في تقريظه للطبعة الأولى للكتاب في سنة 1301 ه أي قبل مائة و سبع سنين، يقول ما ترجمته:

«ما أحرى بأهل العلم أن يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف و أن يتأدّبوا بالآداب المذكورة فيه» (1).

و كتب العالم المتتبّع المرحوم السيّد محسن الأمين (قده) بشأن الكتاب يقول:

«منية المريد في آداب [ظ: أدب‏] المفيد و المستفيد، مشتمل على آداب و فوائد جليلة، و هو نعم المهذّب لأخلاق الطلاب لمن عمل به» (2).

و يقول بشأن مؤلّفه:

«و تفرّد بالتأليف في مواضيع لم يطرقها غيره، أو طرقها و لم يستوف الكلام فيها، مثل آداب المعلّم و المتعلّم ... ألّف «منية المريد» فلم يبق بعدها منية لمريد ... و غير ذلك مما لم يسبق إليه» (3).

و أمّا ابن العودي التلميذ الخاص و الملازم للشهيد (قده) فهو يقول بهذا الشأن:

«مجلّد مشتمل على مهمّات جليلة و فوائد نبيلة، تحمل على غاية الانبعاث و الترغيب في اكتساب الفضائل و اجتناب الرذائل، و التحلّي بشيم الأخيار و العلماء الأبرار» (4).

و كتب المرحوم الشيخ عبد اللّه المامقاني صاحب «تنقيح المقال» في كتابه «مرآة الرشاد» الحاوي لوصاياه إلى أولاده و ذرّيته، يقول:

«و عليك بنيّ ... بمراجعة «منية المريد» التي ألّفها الشهيد الثاني (قده) في آداب المفيد و المستفيد، و العمل بها؛ فإنّ كل عمل من غير آدابه غير ممدوح و لا مستحسن.

و من أهمّ ما هناك إكرام العلماء العاملين» (5).

و كتب في «مقباس الهداية في علم الدراية» بعد ذكره لبعض آداب الرواية:

____________

(1)- «منية المريد»/ 2، طبع الهند.

(2)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 156.

(3)- «أعيان الشيعة» ج 7/ 145.

(4)- «الدرّ المنثور» ج 2/ 186.

(5)- «مرآة الرشاد»/ 185.

56

«و من أراد شرح ذلك كلّه فليراجع «منية المريد»؛ فإنّه قد استوفى المقال و استقصى الحال جزاه اللّه عنّا و عن الإسلام و المسلمين خيرا» (1).

و كتب صدر المتألهين (قده) في شرحه لاصول الكافي بعد ذكره لموارد من آداب المتعلّم يقول:

«فهذه ستّ وظائف من وظائف الطالب المتعلّم، خصّصناها بالذكر؛ فإنّ لكل من المعلّم و المتعلّم وظائف و آدابا كثيرة، و إنّما اختصرنا و أوردنا ما هو أهم و أدق و أشرف، و تركنا سائر الآداب الحسية و الوظائف الفعلية؛ تعويلا على المذكور في كتب الأخلاق و غيرها، كرسالة ... و اخرى لزين الملّة و الدين» (2).

و قبل أن ينقل كلاما عن «منية المريد» كتب يقول:

«و من عجيب ما ذكر في هذا الباب ما نقله الشيخ الفاضل العامل، ناهج مسلك الورع و اليقين، قدوة المجتهدين، زين الملّة و الحقيقة و الدين العاملي طاب ثراه في بعض رسائله [أي منية المريد] عن بعض المحققين ...» (3).

مما يجلب الانتباه أنّ هذا الكتاب لم يبق غير معروف لدى الأجانب و الغربيّين بل قد اطّلع كثير منهم على أهميته. كتب بهذا الشأن الفاضل الفقيد علي أصغر حكمت، قبل أكثر من ستين عاما في 1304 ه ش. يقول ما ترجمته:

«لعلّ كثيرا من الذين افتتنوا بظواهر الحضارة الاروبية الحديثة ... يظلّوا غافلين عن العلوم و الفنون الشرقية و الإسلامية التي كان عظماؤنا طوال القرون المتوالية قد تتبّعوها و استقصوها و بحثوا عنها و قرءوا فيها و خلقوا بشأنها كتبا كثيرة. و على خلاف هؤلاء نرى هواة العلوم و المعارف في أصقاع بلاد الغرب ينظرون إلى بلاد الشرق و كأنّها خرائب مليئة من كنوز العلوم و الفنون الدفينة؛ فتراهم بشوق وافر و مع تحمّل أنواع الشدائد يكتشفون كنوز الفضائل الشرقية في سفراتهم أو بالتتبع في مكتباتهم، فينشرونها مترجمة مشروحة.

فمن ذلك ما اتّفق لي أن تحدّث إليّ أحد فضلاء الغرب عن كتاب «منية المريد» فأثر كلامه فيّ، فحصلت على نسخة منه و قرأته فوجدته كنزا مشحونا من جواهر الحكم‏

____________

(1)- «مقباس الهداية» المطبوع مع «تنقيح المقال» ج 3/ 113- 114.

(2)- «شرح أصول الكافي»/ 156.

(3)- «شرح أصول الكافي»/ 5.