بلاغات النساء

- أحمد بن أبي طاهر المزيد...
280 /
5

[مقدمة التحقيق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مؤلف هذا الكتاب‏

مؤلف هذا الكتاب، ابو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور الخراسانيّ، مؤرخ، من الكتّاب البلغاء الرواة في العصر العباسيّ الثاني. أصله من مرو الرود، من أسرة ايرانية كانت من أشدّ الذين أخلصوا للعباسيين و عرفوا باسم أبناء الدولة. ولد في بغداد سنة 204 ه (819 م). كان في أول أمره مؤدبا عاميا، ثمّ اشتغل بالتأليف، و اتخذ له حانوتا بسوق الوراقين، فاشتهر و نبغ نبوغا عظيما. و لقد عاداه الكثيرون عند ما ألف كتاب «سرقات الشعراء»- الذي لم يصل الينا- و اتهموه بعدم الخبرة، و الضعف في النحو. أما المسعودي فقد قدّر شعره و ذكر بعضه، كما امتدح الخطيب البغداديّ علمه.

ذكر له ابن النديم خمسين كتابا، و نقل عن جعفر بن حمدان صاحب كتاب «الباهر» قوله فيه: «كان مؤدب كتّاب، عاميّا، ثمّ تخصص و جلس في سوق الوراقين، و لم أر ممن تشهر بمثل ما تشهر به من تصنيف الكتب و قول الشعر أكثر تصحيفا منه و لا أبلد علما و لا ألحن، و كان مع هذا جميل الأخلاق ظريف المعاشرة.

أما أهم كتبه‏

فمنها:

1- «تاريخ بغداد» و هو أقدم ما وقفنا عليه من تاريخها، طبع منه المجلد السادس، و يحتوي على تاريخ بغداد و الدولة العباسية من سنة 204 ه (819 م)

6

إلى وفاة الخليفة المأمون سنة 218 ه (833 م). و هو أحد المصادر التي اعتمد عليها الطبريّ في تاريخه.

2- «المنثور و المنظوم»، و هو اختيارات من أحسن ما نظم أو نثر في العربية إلى عصره «في أربعة عشر جزءا، بقي منها جزءان، أحدهما الحادي عشر، طبعت قطعة منه باسم «بلاغات النساء» (هذا الكتاب). و الآخر الثاني عشر، مخطوط بالمتحف البريطاني.

أما كتبه الأخرى فقد فقدت كلها.

و له شعر قليل أورد ياقوت نبذا لطيفة منه.

و توفي ابن طيفور ببغداد سنة 280 ه (893 م).

و دار النهضة الحديثة التي قدمت لقرائها في العالمين العربي و الإسلامي أنفس ما في تراث الأجداد من مؤلّفات، يسعدها اليوم، ان تقدم هذا الكتاب في طبعة جديدة منقحة ليأخذ مكانه اللائق به في المكتبة العربية.

وفقنا اللّه، و أخذ بيدنا لما فيه خير العرب و المسلمين.

7

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر هذا كتاب بلاغات النساء و جواباتهن و طرائف كلامهن و ملح نوادرهن و أخبار ذوات الرأي منهن على حسب ما بلغته الطاقة و اقتضته الرواية و اقتصرت عليه النهاية مع ما جمعنا من أشعارهن في كل فن مما وجدناه يجاوز كثيرا من بلاغات الرجال المحسنين و الشعراء المختارين و بالله ثقتنا وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا

كلام عائشة أم المؤمنين (رحمها الله)

حدثني عبد الله بن عمرو قال: حدثني محمد بن أبي علي البصري قال: حدثنا محمد بن عبيد الله السدوسي قال: حدثنا أبو المنهال سويد بن علي بن سويد بن منجوف عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بلغ عائشة أم المؤمنين أن ناسا نالوا (1) من أبي بكر فبعثت إلى أزفلة منهم فعذلت و قرعت ثم قالت: أبي ما أبيه‏ (2) لا تعطوه الأيدي ذاك و الله حصن منيف‏ (3) و ظل مديد أنجح إذ أكديتم‏ (4) و سبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد (5) فتى قريش ناشئا و كهفها كهلا (6) يريش مملقها (7)

____________

(1)- أي سبوه و الازفلة الجماعة.

(2)- الهاء في أبيه هاء السكت يوقف عليها و منها في القرآن الحكيم‏ (ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) و قولها أبي ما أبيه تعظيم لشأنه و من هذا الباب في القرآن‏ (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) و قولها لا تعطوه الأيدي أي لا تبلغه فتتناوله و في نسخة يروى أبي و اللّه العظيم بدل أبي ما أبيه.

(3)- و يروى طود منيف أي عال مشرف.

(4)- أنجح أيسر و أعطى و أكديتم منعتم و يروى قبل هذه الجملة (هيهات هيهات كذبت الظنون أنجح إلخ).

(5)- أي إذا بلغ الغاية.

(6)- فتى القوم سيدهم و سخيهم و الناشئ الغلام جاوز حدّ الصغر و الكهف الملجأ و الكهل من وخطه الشيب.

(7)- المملق المفتقر و يريشه يصلح حاله و العاني الأسير.

8

و يفك عانيها و يرأب صدعها (1) و يلم شعثها حتى حلته قلوبها (2) و استشرى في دينه فما برحت شكيمته‏ (3) في ذات الله عز و جل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون و كان رحمة الله عليه غزير الدمعة (4) وقيذ الجوانح شجي النشيج‏ (5) فانصفقت‏ (6) عليه نسوان أهل مكة و ولدانها يسخرون منه و يستهزئون به و اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ (7) و أكبرت ذلك رجالات قريش فحنت له قسيها (8) و فوقت إليه سهامها (9) فامتثلوه غرضا فما فلوا له صفاة (10) و لا قصفوا له قناة و مر على سيسائه‏ (11) حتى إذا ضرب الدين بجرانه‏ (12) و أرست أوتاده و دخل الناس فيه أفواجا من كل فرقة أرسالا و أشتات (13) ا اختار الله لنبيه ص ما عنده فلما قبض‏ (14) رسول الله ص ضرب الشيطان برواقه‏ (15)

____________

(1)- الصدع الشق في شي‏ء صلب و يرأبه يصلحه و المراد انه يصلح أمورهم و الشعث المتفرق.

(2)- المراد ان قلوبهم أحبته و حلت منزلته فيهم و قولها استشرى أي جد و قوي و اهتم و قيل هو من شرى البرق و استشرى إذا تتابع لمعانه.

(3)- شكيمته أنفته و الفناء ما اتسع أمام الدار و هو رحبة الدار.

(4)- غزير الدمعة اي كثير الدموع من البكاء خشية من اللّه و الوقيذ الموقوذ من الوقوذ و هو في الأصل الضرب المثخن و الكسر و الجوانح الضلوع التي حول القلب و المعنى من قولها «و قيذ الجوانح» انه محزون القلب كأنّ الحزن قد كسره و أضعفه و الجوانح تجن القلب و تحويه فأضافت الوقوذ إليها.

(5)- النشيج من نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب و الشجي المشغول و المراد انه مشغول ببكائه سرا خوفا من اللّه و الشجي أيضا المؤثر أو المراد انه حزين يختنق بالبكاء أو انه يحزن من يسمعه باكيا.

(6)- اجتمعت إليه و يروى فأصفقت له.

(7)- يعمهون من العمه و هو التردد في الضلال و رجالات جمع رجل و لا يستعمل إلّا لعظماء الرجال.

(8)- يروى حنت له قوسها أي و ترت لأنّها إذا وترتها عطفتها و أعدتها و يجوز أن يكون حنت بتشديد النون تريد صوت القوس.

(9)- أي جلت أوتارها فوقها و قولها فامتثلوه غرضا اي جعلوه هدفا يرمى فيه.

(10) صفاة بفتح الصاد أي فما كسروا له حجرا تكنى بذلك عن قوته في الدين.

(11)- سيسائه حده او عادته و طبعه.

(12)- أي ثبت و استقر و استقام كما ان البعير إذا ترك و استراح مد عنقه على الأرض و الجملة من المجاز و يروى (ضرب الحق بجرانه).

(13)- أي جماعات و متفرقين.

(14)- توفي و نقل الى الرفيق الأعلى بجوار ربّه.

(15)- أي حل فيهم و الرواق مقدم البيت و يروى بروقه و الروق كالرواق و هذه الجملة و ما بعدها مجاز عن نزول الشيطان بينهم و استقراره و الطنب حبال يشد بها سرادق البيت.

9

و شد طنبه و نصب حبائله و أجلب بخيله و رجله‏ (1) و ألقى بركبه و اضطرب حبل الدين‏ (2) و الإسلام و مرج عهده و ماج‏ (3) أهله و عاد مبرمه إنكاسا و بغى الغوائل و ظن رجال أن قد أكثبت أطماعهم نهزتها (4) و لات حين الذين يرجون و أنى‏ (5) و الصديق بين أظهرهم فقام حاسرا (6) مشمرا قد رفع حاشيتيه و جمع قطريه‏ (7) فرد نشر الدين على غره‏ (8) و لم شعثه بطيه‏ (9) و أقام أوده بثقافه‏ (10) فابذقر النفاق بوطأته‏ (11) و انتاش الدين فنعشه‏ (12) فلما أراح الحق على أهله‏ (13) و أقر الرءوس على كواهلها (14) و حقن الدماء في أهبها (15) و حضرته منيته نضر الله وجهه‏ (16) فسد ثلمته‏ (17) بشقيقه في المرحمة و نظيره في السيرة و المعدلة (18) ذاك ابن الخطاب لله در أم حفلت له و درت عليه‏ (19) لقد أوحدت‏ (20)

____________

(1)- أي ساقها اليهم و قولها ألقى بركبه فالركب ركبان الإبل و يروى ألقى ببركه و البرك باطن الصدر.

(2)- حبل الدين عهوده و وصله «و مرج عهده» يقال قد مرجت عهودهم اي اختلطت و منه مارج النار لهبها المختلط و في حديث عائشة «خلقت الملائكة من نور و خلق الجان من مارج من نار».

(3)- ماج اضطرب و مبرمه محكمه و انكاسا اي ضعيفا او منقوضا.

(4)- الغوائل ذوو الشر و الحقد الباطن و أكثبت قاربت و النهزة الفرصة.

(5)- أي بعد رجاؤهم في اطماعهم- و أنى اي كيف.

(6)- الحاسر الكاشف المشمر عن ذراعه و هذا مجاز عن اهتمامه و جده.

(7)- حاشيتيه مثنى حاشية و هي جانب الثوب و غيره و قطريه مثنى قطر ضرب من البرود جمع برد و هو الكساء المخطط- و يروى جمع حاشيتيه و رفع قطريه و المعنى انه جمع جانبيه عن الانتشار و التعدّد و التفرق.

(8)- أي على طيه و كسره يقال اطو الثوب على غره كما كان مطويا- أرادت تدبيره أمر الردة و مقابلته دائها بدوائه.

(9)- الشعث بالتحريك المنتشر المتفرق و الطي ضد النشر.

(10) أوده معوجه و الثقاف الجلاد و الخصام كما في القاموس- و أتذكر اني قرأت في بعض كتب اللغة ان الثقاف في مثل موضعه هنا بمعنى التقويم و التعديل و الإصلاح.

(11)- و يروى فابذعر و هو بمعنى فرق و بدد و وطأته ضغطته و أخذته الشديدة.

(12)- انتاشه انهضه و تناوله و الانتياش التناول و مثله التناوش و قوله تعالى‏ «وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» يعنى أنى لهم تناوش الايمان في الآخرة و قد كفروا به في الدنيا.

(13)- أي رده عليهم.

(14)- جمع كاهل موصل العنق في الصلب اي ما بين الكتفين.

(15)- جمع أهاب و هو الجلد.

(16)- هذه الجملة المعترضة ساقطة من بعض النسخ.

(17)- الثلمة فرجة المكسور و المهدوم.

(18)- العدل.

(19)- أي جمعت اللبن في ثدييها غزيرا و أرضفته إياه.

(20)- أي ولدته وحيدا فريدا لا نظير له- و يروى للّه أم حفلت عليه و درت لقد أوحدت به.

10

ففنخ الكفرة و ديخها (1) و شرد الشرك شذر (2) مذر و بعج الأرض و بخعها (3) ففاءت أكلها و لفظت خبيئها (4) ترأمه و يصد عنها و تصدى له و يأباها (5) ثم وزع فيئها (6) فيها و تركها كما صحبها فأروني ما ذا ترتئون و أي يومي أبي تنقمون أ يوم إقامته إذ عدل فيكم أو يوم ظعنه إذ نظر لكم‏ (7) أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم و حدثني أبو محمد قال: حدثنا حبان بن موسى الكشمهاني قال أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن القاسم قال معاوية: ما رأيت أحدا بعد رسول الله أبلغ من عائشة قال: و حدثني إسماعيل بن إسحاق الأنصاري قال: حدثني علي بن أعين عن أبيه قال بلغنا أن عائشة لما قبض أبو بكر و دفن قامت على قبره فقالت: نضر الله يا أبة وجهك‏ (8) و شكر لك صالح سعيك فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها و للآخرة معزا بإقبالك عليها و لئن كان أعظم المصائب بعد رسول الله ص رزؤك‏ (9) و أكبر الأحداث بعده فقدك فإن كتاب الله عز و جل ليعدنا بالصبر عنك حسن العوض منك‏ (10) و أنا متنجزة من الله موعده فيك بالصبر عليك و مستعينة بكثرة (11) الاستغفار لك‏ (12) [راجع الشرح‏] فسلام الله عليك توديع غير قالية لحياتك و لا زارية على القضاء فيك‏ (13) و حدثنا هارون بن مسلم بن سعدان قال: حدثنا العتبي عن أبيه قال:

____________

(1)- أي قهر الكفرة و أذلها.

(2)- أي فرقه متبددا في كل ناحية.

(3)- أي شقها و أذلها كنت به عن فتوحه يقال بخع الأرض إذا تابع حراثتها.

(4)- فاءت أخرجت و في رواية (جنيتها) او جناها بدل «خبيئها» و المعنى انها أظهرت ما كان قد اختبأ فيها من الخيرات المودعة بها.

(5)- ترأمه تعطف عليه كما ترأم الام ولدها و الناقة حوارها و يروى ترأمه و يصدف عنها و تصدى له اي تتعرض.

(6)- خراجها.

(7)- يوم ظعنه تريد يوم وفاته و تريد بنظره لهم عهده بالخلافة الى عمر بن الخطّاب و قد قام بها خير قيام فوق المرام.

(8)- النضارة الحسن في غضاضة.

(9)- الرزء المصيبة.

(10) و يروى «ليعدنا بالصبر عنك و حسن العوض منك».

(11)- و يروى كثرة بدون باء.

(12)- و يروى بعد ذلك «إما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين حين و هي شعبه و تفاقم صدعه و رجفت جوانبه فعليك سلام اللّه إلخ».

(13)- أي غير مبغضة و لا عائبة.

11

ذكرت عائشة (رحمها الله) أباها (رحمه الله) فاستغفرت ثم قالت: إن أبي كان غمرا (1) شاهده غمرا غيبه غمرا صمته إلا عن مفروض ذلله عند الحق إذا نزل به‏ (2) يتمخج الأمر هويناه و يريع إلى قصيراه‏ (3) إن استغزز أسجح و إن تعزز عليه طأمن‏ (4) طيار بفناء المعضلة (5) بطي‏ء عن مماراة الجليس‏ (6) منشئ لمحاسن قومه موقور السمع عن الأذاة (7) يا طول حزني و شجاي‏ (8) لم ألع على مثكول بعد رسول الله ص لوعي على أبي‏ (9) طأمن‏ (10) المصائب رزؤه و كنت بعد النبي ص لا رزء أحفله‏ (11) وعاء الوحي و كافل رضاء الرب و أمين رب العالمين و شفيع من قال: لا إله إلا الله ثم أنشأت تقول:

إن ماء الجفون ينزحه الهم‏* * * و تبقى الهموم و الأحزان‏ (12)

ليس يا سوا جوى المرازئ ماء* * * سفحته الشئون و الأجفان‏ (13)

قال: و حدثني أبو السكين زكريا بن يحيى‏ قال: حدثني عم أبي زحر بن حصن‏

____________

(1)- الغمر الكريم الواسع الخلق و شاهده حاضره- تصف أباها بالكرم و التسامح في علانيته و سره و نطقه و صمته إلّا عن أمر مفروض فإن الحق لا تسامح فيه.

(2)- تمخج الماء حركه و هوينا الأمر سهله و يريع يرجع و قصيره غايته- تريد أنّه يأخذ الأمور بالرفق حتّى تبلغ غايتها.

(3)- استغزز اي لغضب و نحوه اسجح اي سهل و منه المثل ملكت فاسجح و يروى ان استغزر (بالغين بدل الفاء وراء في آخرها بدل زاي) أسجح و حينئذ يكون معنى اسجح سمح.

(4)- أي ان غولب في المخاطبة سكن- تريد من ذلك كله انه سمح الخلق لا يغضب إلّا للحق أي حق الدين.

(5)- الفناء رحبة الدار استعارها للمعضلة الكبرى و المعضلة الأمر الشديد و المعنى انه سريع في تدبير معضلات الأمور.

(6)- المماراة الشك او مجاراة الإنسان جليسه بالباطل و نحو ذلك.

(7)- أي يتصامم عن سماع الأذية و الموقور الذاهب السمع.

(8)- الشجا قهر الحزن.

(9)- أي لم تجزع على حبيب مفقود بعد النبيّ جزعها على أبيها.

(10) سكن اي أنساها هذا الرزء لعظمه.

(11)- ابالي به.

(12)- ماء الجفون اي الدموع.

(13)- يا سويداوي و الجوى الحزن و المرازي من مات خيار قومه و مثله المرزأ «بتشديد الزاي» و سفحته صبته و الشئون هنا مجاري الدمع.

12

عن جده حميد بن حارثة بن منهب بن خيبري بن جدعا قال‏: حججت في السنة التي قتل فيها عثمان فصادفت طلحة و الزبير و عائشة بمكة فلما ساروا إلى البصرة سرت معهم فلما وقفت عائشة بالبصرة قالت: إن لي عليكم حرمة الأمومة (1) و حق الموعظة لا يتهمني إلا من عصى ربه قال أبو السكين: أرادت يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا قبض رسول الله ص بين سحري و نحري‏ (2) و أنا إحدى نسائه في الجنة له ادخرني ربي و حصنني من كل بضع‏ (3) و بي ميز مؤمنكم من منافقكم‏ (4) و بي أرخص الله لكم في صعيد الأبوا (5) ء [و في نسخة ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما] (6) و أبي رابع أربعة من المسلمين‏ (7) و أول من سمي صديقا (8) قبض رسول الله و هو عنه راض و قد طوقه وهف الإمامة (9) ثم اضطرب حبل الدين فأخذ أبي بطرفيه‏

____________

(1)- لأنّها من أمّهات المؤمنين أزواج النبيّ قال اللّه تعالى‏ «النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ»

(2)- السحر الرئة و النحر أعلى الصدر تريد انه مات محضونا بين يديها و صدرها.

(3)- أي من كل نكاح لأن النبيّ تزوجها بكرا من بين نسائه.

(4)- تشير الى حديث الافك المعروف في كتب التواريخ و خلاصته ان قوما اتهموها بريبة فنزل الوحي ببراءتها و علم ان المنافقين هم الذين شنعوا في التهمة.

(5)- ارخص أجاز و الصعيد التراب و الابواء المفازة و يروى صعيد الاقواء جمع قواء و هو القفر الخالي من الأرض تريد انها كانت سببا في رخصة التيمم و ذلك ان القوم كانوا في سفر فأدركهم وقت الصلاة و ليس معهم ماء فأمرتهم ان يصلوا بغير وضوء فشكوا للنبي ذلك فنزلت آية التيمم و هي‏ «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* ا ه ملخصا من صحيح البخاريّ.

(6)- تشير بذلك الى قصة الغار و ذلك ان النبيّ لما ضجر من إيذاء المشركين في مكّة له و لأصحابه أزمعوا على الهجرة منها الى المدينة فهاجر النبيّ و معه أبو بكر أبوها- اي أبو عائشة ففي طريقهما اختفيا عن أنظار من تعقبهما من المشركين- في غار خارج مكّة فلما جزع أبو بكر من طلب المشركين لهما و كان مع النبيّ في الغار و لا أنيس معهما قال له النبيّ «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» فاطمأن أبو بكر بعد ذلك صلّى اللّه على النبيّ و رضي اللّه عن أبي.

(7)- تشير الى انه من الاوائل السابقين في التشرف بدخول الإسلام.

(8)- لأنّه كان كلما تحدث النبيّ بشي‏ء اجابه «صدقت».

(9)- أي ثقلها.

13

و رتق لكم أثناءه‏ (1) فوقذ النفاق‏ (2) و أغاض نبع الردة (3) و أطفأ ما تحش اليهود (4) و أنتم يومئذ جحظ العيون تنظرون العدوة و تستمعون الصيحة (5) فرأب الثأي‏ (6) و أوزم العطلة (7) و امتاح من المهواة (8) و اجتحى دفين الداء (9) ثم انتظمت طاعتكم بحبله فولي أمركم رجلا شديدا في ذات الله عز و جل‏ (10) مذعنا إذ ركن إليه‏ (11) بعيد ما بين اللابتين‏ (12) عركة للأذاة بجنبه‏ (13) فقبضه الله و أطأ على هامة النفاق مذكيا (14) نار الحرب للمشركين يقظان الليل في نصرة الإسلام صفوحا عن الجاهلين خشاش المرأة و المخبرة (15) فسلك مسلك السابقية (16) تبرأت إلى الله من خطب جمع شمل الفتنة و مزق ما جمع القرآن أنا نصب المسألة عن مسيري هذا (17) ألا و إني لم أجرد إثما أدرعه‏ (18) و لم أدلس فتنة أوطئكموها أقول قولي‏

____________

(1)- الرتق ضد الفتق و يروى ربق و اثناء الشي‏ء قواه- تريد لما اضطرب الامر يوم الردة أحاط به من جوانبه و ضمه- و الردة هي انه لما توفي النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ارتد بعض العرب عن بعض ما يأمر به الدين من زكاة و نحو ذلك و اضطرب الناس و كانت فتنة فأخمدها أبو بكر بحزمه و عزمه.

(2)- أي كسره و دمغه.

(3)- النبع العين التي يخرج منها الماء و أغاضه أنقصه تريد انه لا في فورتها من أصلها.

(4)- و يروى ما حشت يهود اي ما أوقدت من نيران القتنة و الحرب.

(5)- تريد أنّهم كانوا في حالة جهد و بلاء أجحظا عيونهم اي أبرزاها و هم ينظرون الوثبة عليهم و يسمعون للتصايح اليهم و قد أسقط في يدهم.

(6)- أي أصلح الفاسد.

(7)- العطلة الدلو المعطلة عن الاستقاء لانقطاع و زمها اي السيور التي بين آذانها و عراها- و أوزمها اي شدها و أصلحها.

(8)- امتاح انتزع و المهواة أرادت بها البئر العميقة.

(9)- اجتحى استأصل و يروى «و اجتهر دفن الرواء» و هذا مثل ضربته لاحكام الأمر بعد انتشاره و شبهته برجل أتى على آبار قد اندفن ماؤها فأخرج ما فيها و الرواء بالفتح و المد الماء الكثير و قيل العذب الذي فيه للواردين ري.

(10) تريد عمر بن الخطّاب الخليفة بعد أبيها.

(11)- المذعن المسرع في الطاعة.

(12)- اللابتين مثنى اللابة نوع من أنواع الأرض تريد انه واسع الصدر فاستعارت له اللابة كما يقال رحب الفناء واسع الجناب.

(13)- أي يحتمله و يروى عركة للاذاة يجتنبه اي يحتمله.

(14)- الهامة الرأس و مذكيا موقدا.

(15)- تريد انه لطيف الجسم و المعنى.

(16)- أي سبقوه في النظر في أمر المسلمين- و الخطب الأمر العظيم.

(17)- تريد انها عرضة لأن تسأل عن مسيرها هذا و النصب ما رفع و استقبل به شي‏ء.

(18)- لم أجرد لم أنتزع أدرعه اجعله درعا تريد انها لم تتلبس بالإثم.

14

هذا صادقا و عدلا و اعتذارا و تعذيرا و أسأل الله أن يصلي على محمد عبده و رسوله و أن يخلفه في أمته بأفضل خلافة المرسلين و إني أقبلت لدم الإمام المظلوم‏ (1) المركوبة منه الفقر الأربع‏ (2) حرمة الإسلام و حرمة الخلافة و حرمة الصحبة (3) و حرمة الشهر الحرام‏ (4) فمن ردنا عن ذلك بحق قبلناه و من خالفناه قتلناه و ربما ظهر الظالم على المظلوم‏ (5) وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ قال: و حدثنا عاصم بن علي بن عاصم عن الماجشون قال: قالت عائشة قبض رسول الله ص فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها (6) اشرأب النفاق‏ (7) بالمدينة و ارتدت العرب‏ (8) فو الله ما اختلف المسلمون في لفظة إلا طار أبي بحظها و غنائها في الإسلام و من رأى ابن الخطاب علم أنه خلق غناء للإسلام كان و الله أحوذيا نسيج وحده‏ (9) قد أعد للأمور أقرانها (10) و قال هارون بن مسلم بن سعدان: عن القتيبي عن أبيه قال: أتت أم سلمة رحمة الله عليها عثمان بن عفان لما طعن الناس عليه فقالت: يا بني ما لي أرى رعيتك عنك مزورين‏ (11) و عن ناحيتك نافرين‏ (12) لا تعف‏ (13) سبيلا كان رسول الله ص لحبها (14) و لا تقدح زندا كان أكباها (15) توخ حيث توخى‏ (16) صاحباك‏

____________

(1)- تعني عثمانا ثالث الخلفاء الراشدين رضي اللّه عنه قتله الناقمون على بعض أحكامه.

(2)- الفقر جمع فقرة و هي خرزات الظهر ضربتها مثلا لما ارتكب منه لأنّها موضع الركوب أرادت انهم انتهكوا فيه أربع حرم.

(3)- أي صحبته للرسول (صلّى اللّه عليه و سلم).

(4)- أي شهر ذي الحجة الذي قتل فيه عثمان فهو من الأشهر الحرم «ذات الحرمة» في الجاهلية و الإسلام و يروى و حرمة البلد الحرام و هي المدينة المنورة مقر النبوّة و الخلافة لذلك العهد.

(5)- أي قد يغلب الظالم في بدء امره و لكن العاقبة للمتقين.

(6)- كسرها.

(7)- أي تطاول بعنقه.

(8)- و تروى هذه الجملة هكذا «فارتدت العرب و عاد أصحاب محمّد كأنهم معزى مطيرة في حفش فما اختلفوا فيه من أمر إلا طار أبي بعلائه و غنائه و من رأى إلخ» و المراد انه كان يبين الصواب للمختلفين فيه فيفوز بالثناء و الثواب.

(9)- الأحوذي المنكمش في أموره الحسن السباق للأمور و نسيج وحده أي لا نظير له و لا يضاف «وحده» هذه الإضافة إلّا في ثلاثة مواضع نسيج وحده و هو مدح و جحير وحده و عير وحده و هما ذمّ و ربما قالوا رجيل وحده.

(10) أي ما يقوى به عليها.

(11)- معرضين منحرفين.

(12)- متباعدين بجزع و يروى عن جنابك.

(13)- لا تمح.

(14)- أي بينها و شرعها و طريق لاحب واضح ا ه مؤلف.

(15)- أي لا تور زندا كان لم يورها من ورى الزند أخرج ناره تريد لا تعمل شيئا لم يعمله.

(16)- اقصد.

15

فإنهما ثكما الأمر ثكما (1) و لم يظلماه لست بغفل فتعتذر و لا بحلو فتعتزل‏ (2) و لا تقول و لا يقال إلا لمظن و لا يختلف إلا في ظنين‏ (3) فهذه وصيتي إياك و حق بنوتك‏ (4) قضيتها إليك و لله عليك حق الطاعة و للرعية حق الميثاق‏ (5) فقال لها عثمان (رحمه الله): يا أمنا قد قلت فوعيت و أوصيت فاستوصيت إن هؤلاء النفر رعاع غثرة (6) تطأطأت لهم تطأطؤ الماتح الدلاة (7) و تلددتهم تلدد (8) المضطر فأرانيهم الحق إخوانا و أراهموني الباطل شيطانا أجررت المرسون منهم رسنه و أبلغت الراتع مسقاته‏ (9) فانفرقوا علي فرقا ثلاثا فصامت صمته أنفذ من صول غيره‏ (10) و ساع أطاعني شاهده‏ (11) و منعني غائبه و مرخص له في مدة رينت له على قلبه‏ (12) فأنا منهم بين ألسنة حداد و قلوب شداد و سيوف حداد (13) عزيري الله منهم‏ (14) أ لا ينهى منهم حليم سفيها و لا عالم جاهلا و الله حسبي و حسبهم‏ يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏ (15) و قال هارون عن العتبي عن أبيه قال: قالت أم سلمة [و في نسخة كتبت إليها أم سلمة]

____________

(1)- أي نظماه نظما يقال ثكمه كأنّه نظم شيئين و يقال طعنه فثكمه اي نظم الطعنة بشي‏ء آخر.

(2)- و يروى فما ظلماه اي فما جاراه و لا جاوزا الحدّ فيه و أصل الظلم الجور و مجاوزة الحدّ و الغفل بضم فسكون من لا يرجى خيره و لا يخشى شره و المراد ان عوده صلب و مر فلا يسهل عجمه او كسره و ذلك لمكان عصبيته في قومه بني أميّة و شرفه في إسلامه.

(3)- أي لم تحصل الاقاويل في شأنك إلّا لموضع الظنّ من انحرافك إذ لا اختلاف إلّا على ظنين اي متهم و يروى و لا تقول و لا يقال إلّا الحق.

(4)- لعثمان حقّ البنوة على أم سلمة لأنّها من أزواج النبيّ أمّهات المؤمنين.

(5)- العهد الذي أعطاه لهم عليه من سياستهم بالصالح.

(6)- سفلة او جهال و هو من الاغثر الاغبر.

(7)- أي خفضت نفسي كما يخفضها المستقون بالدلاة و تواضعت و انحنيت و الماتح المستقي من البئر بالدلو.

(8)- أي تلبثت لهم و أمهلتهم او المعنى التفت يمينا و شمالا متحيرا مأخوذ من لديدي العنق و هما صفحتاه.

(9)- الرسن حبل تقاد به الإبل و الراتع المخصب و المسقاة آلة الشرب يريد أنّه رفق برعيته و لان لهم في السياسة كمن خلي المال يرعى حيث شاء ثمّ يبلغه المورد في رفق.

(10) لان صمته عن الدفاع و هم به الناقمون عليه فظنوا انهم على حقّ فتمادوا و الساكت عن الحق كالناطق بالباطل.

(11)- حاضره و يروى اعطاني.

(12)- رينت من الرين اي غطى الذنب على قلبه فلم يصب طريق الهدى ا ه مؤلف يريد بذلك من جاهروا بعداوته فهو يرميهم بالعماية عن طريق الهدى.

(13)- أي بالغة منتهى حدتها و بأسها.

(14)- أي نصيري اللّه عليهم.

(15)- أي عند الحساب في الآخرة.

16

رحمة الله عليها لعائشة لما همت بالخروج إلى الجمل‏ (1): يا عائشة إنك سدة (2) بين رسول الله ص و بين أمته حجابك مضروب على حرمته‏ (3) و قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه‏ (4) و سكن الله من عقيراك فلا تصحريها (5) الله من وراء هذه الأمة قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهد (6) بل قد نهاك عن الفرطة (7) في البلاد ما كنت قائلة لو أن رسول الله ص عارضك‏ (8) بأطراف الفلوات‏ (9) ناصة (10) قعودا من منهل إلى منهل إن بعين الله مثواك‏ (11) و على رسول الله ص تعرضين و لو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا ص هاتكة حجابا جعله الله علي فاجعليه سترك و قاعة البيت قبرك حتى تلقيه و هو عنك راض فقالت عائشة: يا أم سلمة ما أقبلني لموعظتك و أعرفني بنصحك ليس الأمر كما تقولين ما أنا بمعبرة بعد تعود (12) و لنعم المطلع مطلعا أصلحت فيه بين فئتين‏

____________

(1)- لتركبه ذاهبة من المدينة الى البصرة تطالب بدم عثمان.

(2)- أي باب فمتى أصيب ذلك الباب بشي‏ء فقد دخل على رسول اللّه في حريمه و حوزته و استفتح ما حماه فلا تكوني انت سبب ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك فتحوجي الناس الى ان يفعلوا مثلك.

(3)- تريد الحجاب الخاص بأزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال تعالى‏ «وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ» الضمير راجع لأزواج النبيّ خاصّة دون غيرهن من النساء.

(4)- فلا توسعيه و تنشريه أرادت قوله تعالى‏ «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏» و هذه الآية في سياق الأمر لنساء النبيّ خاصّة أيضا.

(5)- أي سكنك بيتك و سترك فيه قال القتيبي لم أسمع بعقير إلّا في هذا الحديث قال الزمخشري كأنّه تصغير العقرى على وزن فعلى من عقر إذا بقي مكانه لا يتقدم و لا يتأخر و أصله من عقرت به إذا أطلت حبسه كأنّك عقرت راحلته لا يقدر على البراح و أرادت بها نفسها أي سكني نفسك التي حقها ان تلزم مكانها و لا تصحريها اي و لا تبرزيها الى الصحراء- و يروى و هدأ من عقيرتك فلا تصحليها اي و سكني من صوتك فلا ترفعيه و تحديه.

(6)- و يروى «اللّه من وراء هذه الأمة لو أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ان يعهد فيك عهد علت» (كذا ورد).

(7)- التقدّم في البلاد.

(8)- استقبلك.

(9)- الصحارى الواسعة.

(10) ناصة من نص ناقته استخرج اقصى ما عندها من السير- و المنهل الموضع الذي فيه المشرب أي مكان الشرب او المنزل يكون في المفازة.

(11)- منزلك.

(12)- كذا ورد- تريد انها ليست براجعة عما عزمت عليه.

17

متناجزتين‏ (1) [و في نسخة يروى بعد ذلك فإن أقم ففي غير جرح و إن أخرج ففي إصلاح بين فئتين من المسلمين متناجزتين‏] وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏ زعم لي ابن أبي سعد أنه صح عنده أن العتابي كلثوم بن عمر صنع هذين الحديثين و قد كتبتهما على ما فيهما الزبير بن بكار عن أبيه قال قيل لعائشة أم المؤمنين: إن قوما يشتمون أصحاب محمد ص فقالت: قطع الله عنهم العمل فأحب أن لا يقطع عنهم الأجر (2) و ذكر الزبير عن مصعب بن عبد الله عن مصعب بن عثمان أن عائشة أم المؤمنين رأت رجلا متماوتا (3) فقالت: ما هذا؟ فقالوا: زاهد قالت: قد كان عمر بن الخطاب (رحمه الله) زاهدا و كان إذا قال أسمع و إذا مشى أسرع و إذا ضرب في ذات الله أوجع‏ (4) و قال الزبير عن أبيه: إن عائشة لما احتضرت‏ (5) جزعت فقيل لها: أ تجزعين يا أم المؤمنين و أنت زوجة رسول الله ص و أم المؤمنين و ابنة [و يروى و بنت‏] أبي بكر الصديق فقالت إن يوم الجمل‏ (6) معترض في حلقي ليتني مت قبله أو كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أخبرنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعثني و عمران بن حصين و عثمان بن حنيف إلى عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن مسيرك هذا (7) أ عهد عهده رسول الله ص‏

____________

(1)- متحاربتين.

(2)- أي انقطع عملهم الصالح في الدنيا بموتهم فأراد اللّه ان لا يقطع عنهم الأجر فهو يثيبهم على شتم الشاتمين اياهم لأنّه ورد أن المشتوم يؤخذ له من حسنات الشاتم أو يوضع من سيئاته على سيئات شاتمه.

(3)- خامد الحس و الحركة.

(4)- أي إذا ضرب مذنبا تنفيذا لحدود اللّه أوجع- تريد من عبارتها ان لا تنافي بين الزهد و قوة الإنسان.

(5)- حضرتها الوفاة.

(6)- هو يوم محاربتها و من معها لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين سمي يوم الجمل لأنّها كانت زعيمة القوم و راكبة على جمل قتل دونها خلق كثير حتّى أسرها علي- فذكرى هذا اليوم تخيفها فهي كالشجى في حلقها.

(7)- مسيرها للحرب المذكورة آنفا.

18

أم رأي رأيته؟ قالت: بلى رأي رأيته حين قتل عثمان إنا نقمنا عليه ضربة السوط (1) و موقع المسحاة المحماة (2) و إمرة سعيد و الوليد (3) فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث حرمة البلد و حرمة الخلافة و حرمة الشهر الحرام بعد أن مصناه كما يماص الإناء (4) فاستبقيناه فركبتم منه هذه ظالمين و غضبنا لكم من سوط عثمان و لا نغضب لعثمان من سيفكم قلت: ما أنت و سيفنا و سوط عثمان و أنت حبيس رسول الله ص أمرك أن تقري في بيتك فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض قالت: و هل أحد يقاتلني أو يقول: غير هذا؟ قلت: نعم قالت: و من يفعل ذلك أ زنيم بن عامر هل أنت مبلغ عني يا عمران قال: لا لست مبلغا عنك خيرا و لا شرا قلت: [أي أبو الأسود] لكني مبلغ عنك هات ما شئت قالت: اللهم اقتل مذمما قصاصا بعثمان و ارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى و أدرك عمارا بخفرته في عثمان" (5) و روي أن عائشة كانت تقول: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء (6) و كانت تقول: لا تطلبوا ما عند الله من غير الله بما

____________

(1)- تشير الى ضرب عمّار بن ياسر و قصته موضحة في كتب التاريخ و في الصواعق لابن حجر.

(2)- المسحاة موضع بسرف و سرف موضع على ستة أميال من مكّة من طريق مرو- و سرف هو حمى البقيع كان النبيّ حماه لخيله ثمّ عمر لخيل المسلمين- و المحماة من أحماه إذا منع الكلأ من ان يقربه غيره تشير الى ان عثمان حمى الحمى لنفسه دون المؤمنين لإبله و يقال انه حماه لإبل الصدقة.

(3)- هما سعيد بن العاص و الوليد بن عقبة من أحداث قومه بين أميّة أمرهما على الكوفة الأول بعد الثاني و قد نسب اليهما السكر و كرههما الناس بسبب ذلك خصوصا و انه كان ولاهما العمل مع وجود من هم أفضل و أحق منهما و هم الصحابة ذوو البلاء الحسن في الإسلام.

(4)- أي غسلناه كما يغسل الإناء فيصير نقيا و قد كانوا استتابوه فبتوبته غسلت ذنوبه فقتلهم إيّاه بعد ذلك ظلم.

(5)- تدعو على بعض من تألب على عثمان- مذمما تعني محمّد بن أبي بكر و هو أخوها و الأشتر هو الأشتر النخعيّ الصحابيّ المعروف و السهم الذي لا يشوى أي لا يخطئ المقتل و عمّار هو عمار ابن ياسر من الصحابة أيضا و خفرته أي غدرته.

(6)- التقوى تحول دون الانتقام السيئ فالتقي لا يشفي غيظه بمعصية ربّه أما إذا انتقم بحق فذلك شفاء للحق لا للغيظ.

19

يسخط (1) الله حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثني أبو الصقر يحيى بن يزداز قال: حدثني أحمد بن زيد قال: حدثني حماد بن خالد عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي مات فيه فقالت: يا أبة اعهد إلى حامتك و أنفذ رأيك في سامتك‏ (2) و انقل من دار جهازك إلى دار مقامك‏ (3) إنك محضور (4) متصل بقلبي لوعتك و أرى تخاذل أطرافك‏ (5) و انتقاع لونك‏ (6) و إلى الله تعزيتي عنك و لديه ثواب حزني عليك أرقأ فلا أرقى‏ (7) و أبل فلا أنقى‏ (8) قال: فرفع رأسه إليها فقال: يا أمة (9) هذا يوم يجلى لي عن غطائي و أعاين جزائي إن فرح فدائم‏ (10) و إن ترح فمقيم إني أطعت بإمامة هؤلاء القوم حين كان النكوص إضاعة و كان الخطو تفريطا فشهيدي الله ما كان هبلي إياه تبلغت‏ (11) بصحفتهم و تعللت بدرة لقحتهم‏ (12) و أقمت صلاي‏ (13) معهم في إدامتهم لا مختالا أشرا و لا مكاثرا بطرا لم أعد سد الجوعة و وري العورة (14) و قوامة القوام حاضري الله من طوى ممعض‏ (15) تهفو منه الأحشاء (16) و تجب له المعى‏ (17)

____________

(1)- السخط كالغضب إلّا ان السخط لا يكون إلّا ممن هو فوقك.

(2)- الحامة العامّة و خاصّة الرجل من أهله و ولده و السامة الخاصّة و يروى «اعهد الى عامتك و انفذ رأيك في خاصتك».

(3)- أي من دنياك إلى آخرتك.

(4)- المحضور من حضرته منيته و اللوعة حرقة الحزن.

(5)- أي تضاعفها.

(6)- أي تغبره و يروى امتقاع.

(7)- اسكن فلا أسكن.

(8)- أي ارتشف الماء فلا أروى و ذلك من مضض الحزن و لوعتها عليه.

(9)- هي و إن كانت بنته و لكنها أم المؤمنين كما سبق بيانه فهو يخاطبها على هذه النسبة.

(10) هكذا بالرفع لعله على تقدير حذف كان التامة اي ان كان فرح إلخ.

(11)- التبلغ الاكتفاء بأيسر ما يلزم و الصحفة قصعة الطعام.

(12)- التعلل كالتبلغ و اللقحة الناقة و درتها ما يدر من لبنها.

(13)- الصلا وسط الظهر و إقامة صلاة كناية عن استقامته.

(14)- أي سترها و مراده من كل ذلك انه اجتزأ و اقتصر على أقل ما يكفي لقوته عير متأنق و لا مستكثر.

(15)- أي من جوء محزن.

(16)- أي تضعف.

(17)- المعا واحد الامعاء و هي المصارين و تجب تنقطع.

20

و اضطررت إلى ذاك اضطرار البرض‏ (1) إلى المعتب الآجن‏ (2) فإذا أنا مت فردي إليهم صحفتهم و لقحتهم و عبدهم و رحاهم و وثارة ما فوقي اتقيت به أذى البرد و وثارة ما تحتي اتقيت به نز الأرض كان حشوها قطع السعف المشع‏ (3) قالت: و دخل عليه عمر بن الخطاب فقال: يا خليفة رسول الله كلفت القوم بعدك تعبا و وليتهم نصبا فهيهات من يشق غبارك‏ (4) فكيف باللحاق بك و قال المدائني عن مسلمة بن محارب عن عبد الملك بن عمير قال قالت عائشة: يوم الحكمين‏ (5) رحمك الله يا أبة فلئن أقاموا الدنيا لقد أقمت الدين حين وهي شعبه‏ (6) و تفاقم صدعه و رجفت جوانبه انقبضت عما إليه أصغوا و شمرت فيما عنه ونوا (7) و أصغرت من دنياك ما أعظموا و رغبت بدينك عما أغفلوا أطالوا عنان الأمل و اقتعدت مطى الحذر فلم تهتضم دينك و لم تنس غدك ففاز عند المساهمة قدحك‏ (8) و خف مما استوزروا ظهرك حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثني أحمد بن عثمان الوركاني قال: حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي قال: سمعت أبي يقول: لما قتل عثمان أقبلت عائشة فقالت: أ قتل أمير المؤمنين قالوا: نعم قالت: فرحمه الله و غفر له أما و الله لقد كنتم إلى تشييد [و يروى إلى تسديد] الحق و تأييده و إعزاز الإسلام و تأكيده أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه من طاعة من خالف عليه و لكن كلما زادكم الله نعمة في دينكم ازددتم تثاقلا في نصرته طمعا في دنياكم أما و الله لهدم النعمة أيسر من بنائها و ما الزيادة إليكم بالشكر أسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر (9)

____________

(1)- الفقير.

(2)- الى الردي‏ء المتغير من طعام و ماء.

(3)- السعف سعف النخل معروف و المشع المنفوش اي غير المضغوط.

(4)- أي من يجري معك في ميدانك.

(5)- بين علي و معاوية في الحرب التي كانت بينهما فقد حكموا أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص و الحكاية معروفة في التاريخ و أشرنا إليها في ملحقات هذا الكتاب.

(6)- أي حين ضعف و اتسع خرقه.

(7)- تأخروا.

(8)- أي فاز سهمه عند المساهمة و هي المراهنة و المسابقة تكنى بذلك عن سبقه في ميدان العمل لصالح الدين و الدنيا حتّى فاق فضله عن غيره.

(9)- كفر النعمة سترها او عدم تصريفها في الوجوه المشروعة.

21

و ايم‏ (1) الله لئن كان فني أكله و اخترمه‏ (2) أجله لقد كان عند رسول كزراع البكرة الأزهر (3) و لئن كانت الإبل أكلت أوبارها (4) إنه لصهر رسول الله ص و لقد عهدت الناس يرهبون في تشديد ثم قدح‏ (5) حب الدنيا في القلوب و نبذ العدل‏ (6) وراء الظهور و لئن كان برك عليه الدهر بزوره‏ (7) و أناخ عليه بكلكله‏ (8) إنها لنوائب تترى‏ (9) تلعب بأهلها و هي جادة و تجد بهم و هي لاعبة و لعمري لو أن أيديكم [و يروى أيديهم‏] تقرع صفاته‏ (10) لوجدتموه عند تلظي الحرب متجردا (11) و لسيوف النصر متقلدا و لكنها فتنة قدحت فيها أيدي الظالمين أما و الله لقد أحاط الإسلام و أكده و عضد الدين و أيده و لقد هدم الله به صياصي الكفر (12) و قطع به دابر المشركين‏ (13) و وقم به‏ (14) أركان الضلالة فلله المصيبة به ما أفجعها و الفجيعة به ما أوجعها صدع الله بمقتله صفاة الدين و ثلمت‏ (15) مصيبته ذروة (16) الإسلام بعده و جعل لخير الأمة عهده‏ (17)

قال‏

: و علي ع جالس في القوم فلما قضت كلامها قام و هو يقول: «أرسل الله على قتلته شهابا ثاقبا و عذابا واصبا

(18)

».

و روي أن أم المؤمنين عائشة كانت تقول: مكارم الأخلاق عشر تكون في العبد دون سيده و في الخامل‏

____________

(1)- ايم للقسم و التقدير يمين اللّه قسمي و مثله اما و يمين اللّه.

(2)- أي قطعته منيته.

(3)- البكرة الفتية من الإبل و يروى البكر و الأزهر الأقوى.

(4)- مثل يضرب لوقوع اشنع و أبعد ما يرتكبه المتعدي- تريد انه و إن كان حصل ما حصل فإنّه هو هو عثمان صهر الرسول لا ينكر فضله و لا يذهب دمه هدرا.

(5)- بالبناء للمجهول من قدح الزند رام الايراء به اي اخراج النار به.

(6)- و يروى العهد.

(7)- بثقله.

(8)- الكلكل وسط الصدر و الجملة كناية عن الضغط الثقيل.

(9)- تتابع و تتوالى.

(10) كناية عن الاختبار و التعرّض للإنسان.

(11)- مجتهدا متفرغا.

(12)- أي حصونه و الصياصي ج صيصة.

(13)- الدابر بقية الشي‏ء او أصله.

(14)- و قذ.

(15)- كسرت.

(16)- ذروة الشي‏ء اعلاه.

(17)- هكذا وردت هذه الجملة و يظهر أنها معطوفة على قولها و وقم به أركان الضلالة و ما بين الجملتين معترض.

(18)- ثاقبا متقدا و واصبا دائما.

22

دون المذكور (1) و في المسود دون السيد صدق الحديث و أداء الأمانة و الصدق و الصبر في البأس و التذمم للصاحب و التذمم للجار (2) و الإعطاء في النائبة و إطعام المسكين و الرفق بالمملوك و بر الوالدين و يروى مكارم الأخلاق عشرة صدق الحديث و صدق البأس و أداء الأمانة و صلة الرحم و المكافأة بالصنيع و بذل المعروف و التذمم للصاحب و قرى الضيف و رأسهن الحياء

____________

(1)- أي من نبه ذكره و هو ضد الخامل الذي لا ذكر له.

(2)- لعل المراد احتمالهما.

23

كلام فاطمة بنت رسول الله ص‏

قال أبو الفضل: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ص كلام فاطمة ع عند منع أبي بكر إياها فدك‏ (1) و قلت: له إن هؤلاء (2) يزعمون أنه مصنوع و أنه من كلام‏ (3) أبي العيناء [الخبر منسوق البلاغة على الكلام‏] فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم و يعلمونه أبناءهم و قد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة ع على هذه الحكاية و رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء و قد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه ثم قال أبو الحسين: و كيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكرونه و هم يرون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة يتحققونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت ثم ذكر الحديث: قال‏

: لما أجمع أبو بكر (رحمه الله) على منع فاطمة بنت رسول الله ص فدك و بلغ ذلك فاطمة لاثت خمارها

(4)

على رأسها و أقبلت في لمة من حفدته

(5)

ا تطأ ذيولها ما

____________

(1)- أي إرثها من فدك و هي قرية كان للنبي نصفها فلما توفي (صلوات اللّه عليه) أرادت فاطمة ان تأخذ نصيبها في الإرث منها فمنع أبو بكر الخليفة دون ذلك محتجا بقول النبيّ «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة».

(2)- يشير إلى قوم في عصره كانوا يغضون من قدر آل البيت.

(3)- يعني ان الطعن هو في نسبة هذا الكلام البليغ الى فاطمة أما نفس الواقعة و هي منع الإرث فهي صحيحة و مثبوتة في كتب التاريخ.

(4)- اللوث عصب العمامة و الخمار ما يستر به الإنسان و في نسخة و اشتملت بجلبابها.

(5)- اللمة الصاحب أو الأصحاب في السفر و المؤنس للواحد و الجمع و الحفدة أبناء الابن،.

24

تخرم‏

(1)

من مشية رسول الله ص شيئا حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد

(2)

من المهاجرين و الأنصار فنيطت‏

(3)

دونها ملأة ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء و ارتج المجلس فأمهلت حتى سكن نشيج‏

(4)

القوم و هدأت فورتهم فافتتحت الكلام بحمد الله و الثناء عليه و الصلاة على رسول الله ص فعاد القوم في بكائهم فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: «

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏

فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم‏

(5)

و أخا ابن عمي دون رجالكم فبلغ النذارة

(6)

صادعا بالرسالة مائلا على مدرجة

(7)

المشركين ضاربا لثبجهم آخذا بكظمهم يهشم الأصنام و ينكث الهام‏

(8)

حتى هزم الجمع و ولوا الدبر و تغرى الليل عن صبحه‏

(9)

و أسفر الحق عن محضه و نطق زعيم الدين و خرست شقاشق‏

(10)

الشياطين‏

وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا (11) حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ

مذقة الشارب و نهزة الطامع و قبسة العجلان‏

(12)

و موطئ الأقدام تشربون‏

(13)

الطرق و تقتاتون الورق أذلة خاشعين‏

(14) تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ‏

من حولكم فأنقذكم الله برسوله ص بعد اللتيا و التي و بعد ما مني بهم‏

____________

(1)- أي ما تترك و يروى ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

(2)- جماعة.

(3)- علقت.

(4)- من نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه و يروى فأمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم إلخ.

(5)- و يروى فإن تعزوه «أي تنسبوه» تجدوه ابي دون نسائكم.

(6)- الانذار من أنذره حذره و خوفه في إبلاغه و صادعا أي مجاهرا.

(7)- المدرج المسلك.

(8)- الثبج وسط الشي‏ء و معظمه و ما بين الكاهل إلى الظهر و الكظم مخرج النفس أو الفم و ينكث يروى في نسخة و يجذ و الجذ القطع المستأصل و تروى هذه الجملة في نسخة هكذا «ضاربا لثبجهم يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة آخذا بأكظام المشركين يهشم الأصنام و يفلق الهام» و قولها على الرواية الأولى ينكث الهام لعله ينكس الهام من نكسه قلبه على رأسه.

(9)- أي أسفر.

(10) الشقاشق ج شقشقة شي‏ء كالرئة يخرجه البعير من فمه إذا هاج و يروى و تمت كلمة الإخلاص.

(11)- حرف.

(12)- المذقة الجرعة و النهزة الفرصة و القبسة ما تقبضه بيدك- تريد أنّهم كانوا ضعافا مهانين يتخطفهم الناس.

(13)- الطرق الماء الذي خاضته الإبل و بالت فيه و يروى تقتاتون القد.

(14)- خاسئين.

25

الرجال‏

(1)

و ذؤبان العرب و [مردة أهل الكتاب‏]

(2)

كلما حشوا

(3) ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا

و نجم قرن‏

(4)

للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها

(5)

فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه و يخمد لهبه

(6)

ا بحده مكدودا

(7)

في ذات الله قريبا من رسول الله سيدا في أولياء الله و أنتم في بلهنية

(8)

وادعون آمنون حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت خلة النفاق و سمل‏

(9)

جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين و نبغ خامل الآفلين و هدر فنيق‏

(10)

المبطلين فخطر في عرصاتكم‏

(11)

و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه‏

(12)

صارخا بكم فوجدكم‏

(13)

لدعائه مستجيبين و للغرة فيه ملاحظين‏

(14)

فاستنهضكم فوجدكم خفافا و أجمشكم‏

(15)

فألفاكم غضابا فوسمتم‏

(16)

غير إبلكم و أوردتموها غير شربكم‏

(17)

هذا و العهد قريب و الكلم‏

(18)

رحيب و الجرح لما يندمل‏

(19)

بدار [و في نسخة إنما] زعمتم خوف الفتنة

أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (20) وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏

فهيهات منكم و أنى بكم و أنى تؤفكون‏

(21)

و هذا كتاب الله بين أظهركم و زواجره بينة و شواهده لائحة و أوامره واضحة أ رغبة عنه تدبرون‏

____________

(1)- و يروى و بعد ان مني منهم الرجال إلخ. و بهم الرجال شجعانهم جمع بهمة و ذؤبان العرب لصوصهم و مردتهم.

(2)- هكذا في بعض النسخ.

(3)- اوقدوا.

(4)- نجم اي ظهر.

(5)- فغر فاه فتحه و أوسعه و اللهوات جمع اللها و هي أقصى الحلق و ينكفي يرجع.

(6)- و يروى يطفئ عادية لهبها بسيفه و الصماخ داخل الأذان و الأخمص اصبع القدم.

(7)- «مكدودا من كد جد و تعب.

(8)- كرفهنية و هي غضاضة العيشة و نعيمها.

(9)- أي خلق ورث.

(10) الفنيق الجمل البازل القوي.

(11)- العرصات ساحات الدور.

(12)- من رقدته يقال هو غارز رأسه في سنة.

(13)- و يروى «فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين».

(14)- أي مغترين فيه.

(15)- و يروى فاحمشكم.

(16)- من الوسم و هو العلامة.

(17)- الشرب بالكسر مكان الشرب بالضم تريد أنّهم أخذوا ما ليس لهم و اغتصبوا حقوق غيرهم.

(18)- الجرح و رحيب واسع.

(19)- يلتئم.

(20)- تشير الى ما كان منهم عند وفاة النبيّ فإنهم انصرفوا عن غسله الى تنصيب خليفة عليهم يلي أمورهم بعد النبيّ و لم يشتغل بتكفينه إلّا آل البيت و آخرين معهم.

(21) اني كيف و الافك أشنع الكذب.

26

أم بغيره تحكمون‏{/~{

/

بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ

ثم لم تريثو

ا

(1)

إلا ريث أن تسكن نغرتها تشربون حسوا و تسرون في ارتغاء و نصبر منكم على مثل حز المدى و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا أ فحكم الجاهلية تبغون‏{/~{

/

وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

ويها معشر المهاجرين أ أبتز إرث أبي

(2)

أ في الكتاب أن ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت‏{/~{

/

شَيْئاً فَرِيًّا

فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله و الزعيم محمد و الموعد القيامة و عند الساعة{/~{

/

يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ

و{/~{

/

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ

» ثم انحرفت

(3)

إلى قبر النبي ص و هي تقول: «

قد كان بعدك أنباء و هنبثة* * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏ (4)

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها* * * و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب‏ (5)

قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم».

حدثني جعفر بن محمد رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة قال: حدثني أبي قال: أخبرنا موسى بن عيسى قال: أخبرنا عبد الله بن يونس قال: أخبرنا جعفر الأحمر عن زيد بن علي رحمة الله عليه عن عمته زينب بنت الحسين ع قالت‏

: لما بلغ فاطمة ع إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها و خرجت في حشدة نسائها و لمة من قومها

(6)

تجر أذراعها

(7)

ما تخرم‏

(8)

من مشية رسول الله ص‏

____________

(1)- تريثوا تبطئوا و يروى «لم تريثوا اختها الا ريث إلخ» و يروى لم يلبثوا لا ريث- أي لم تبطئوا عن منع الإرث عنا إلّا ريثما تمّ لكم امر الخلافة دوننا فبدأتم بهذه و لمنيتم بتلك.

(2)- و يروى أيها المسلمة المهاجرة ابتز إرث أبي أبا للّه في الكتاب يا ابن أبي قحافة- تريد أبا بكر الخليفة- أن ترث أباك و لا أرث أبي» و في رواية ابتز إرث أبيه.

(3)- و يروى ثمّ انكفأت اي رجعت.

(4)- الهنبثة الأمور الشديدة و الاختلاط في القول و الخطب الخطوب أي الأمور العظيمة.

(5)- الوابل المطر الغزير- و هذان البيتان فيهما الاقواء قال الإمام الشنقيطي الكبير لم أجدهما إلّا هكذا.

(6)- سبق تفسير هذه الألفاظ اللغويّة.

(7)- لعله أذيالها و يروى «أدراعها» ج درع و درع المرأة قميصها.

(8)- ما تترك.

27

شيئا حتى وقفت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار فأنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء فلما سكنت فورتهم‏

(1)

قالت: «أبدأ بحمد الله ثم أسبلت بينها و بينهم سجفا»

(2)

ثم قالت: «الحمد لله على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم و الثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها و سبوغ آلاء أسداها

(3)

و إحسان منن والاها جم‏

(4)

عن الإحصاء عددها و نأى عن المجازاة أمدها

(5)

و تفاوت‏

(6)

عن الإدراك آمالها و استثن الشكر بفضائلها

(7)

و استحمد إلى الخلائق بإجزالها و ثنى بالندب إلى أمثالها

(8)

و أشهد أن لا إله إلا الله كلمة جعل الإخلاص تأويلها و ضمن القلوب موصلها

(9)

و أنى في الفكرة معقولها

(10)

الممتنع من الأبصار رؤيته و من الأوهام الإحاطة به ابتدع الأشياء لا من شي‏ء قبله و احتذاها بلا مثال‏

(11)

لغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته و تعبدا لبريته و إعزازا لدعوته ثم جعل الثواب على طاعته و العقاب على معصيته ذيادة

(12)

لعباده عن نقمته و جياشا

(13)

لهم إلى جنته و أشهد أن أبي محمدا عبده و رسوله اختاره قبل أن يجتبله‏

(14)

اصطفاه قبل أن ابتعثه و سماه قبل أن أستنجبه‏

(15)

إذ الخلائق بالغيوب مكنونة و بستر الأهاويل‏

(16)

مصونة و بنهاية العدم مقرونة علما من الله عز و جل بمائل الأمور

(17)

و إحاطة بحوادث الدهور و معرفة بمواضع المقدور ابتعثه الله تعالى عز و جل إتماما لأمره و عزيمة على إمضاء

(18)

حكمه فرأى ص الأمم فرقا في أديانها عكفا

(19)

على نيرانها عابدة لأوثانها منكرة

____________

(1)- أي روعهم من البكاء.

(2)- أي أرخت سترا.

(3)- سبوغ النعم اتساعها و الأسداء الاحسان.

(4)- كثر.

(5)- غايتها.

(6)- تباعد ما بينهما.

(7)- يروى بأفضالها و استثنه استحقه.

(8)- و الندب من ندبه الى الأمر دعاه و حثه.

(9)- موصول كلمة لا إله إلّا اللّه توحيده و خشيته.

(10) أنى أي بلغ غايته.

(11)- أي قدرها بلا شبيه.

(12)- أي دفعا لهم.

(13)- أي إقبالا.

(14)- يخلقه.

(15)- ابتعثه أي أرسله بالنبوة و استنجبه اختاره.

(16)- الاهاويل ج أهوال واحدها هول و هي المخافة من الأمر لا يدري و كأنها صلّى اللّه عليها تكني بذلك عن حيرة الناس قبل ظهور نور النبوّة.

(17)- بمصيرها.

(18)- انفاذ.

(19)- من عكف عليه أقبل عليه مواظبا.

28

لله مع عرفانها فأنار الله عز و جل بمحمد ص ظلمها و فرج عن القلوب بهمها

(1)

و جلا عن الأبصار غمها

(2)

ثم قبض الله نبيه ص قبض رأفة و اختيار رغبة بأبي ص عن هذه الدار موضوع عنه العب‏ء و الأوزار

(3)

محتف بالملائكة الأبرار و مجاورة الملك الجبار و رضوان‏

(4)

الرب الغفار صلى الله على محمد نبي الرحمة و أمينه على وحيه و صفيه من الخلائق و رضيه ص و رحمة الله و بركاته ثم أنتم عباد الله» تريد أهل المجلس «نصب‏

(5)

أمر الله و نهيه و حملة دينه و وحيه و أمناء الله على أنفسكم و بلغاؤه إلى الأمم زعمتم حقا لكم أ لله فيكم عهد

(6)

قدمه إليكم و نحن بقية استخلفنا عليكم و معنا كتاب الله بينة بصائره‏

(7)

و آي فينا

(8)

منكشفة سرائره و برهان منجلية ظواهره مديم البرية إسماعه قائد إلى الرضوان اتباعه مؤد إلى النجاة استماعه فيه بيان حجج الله المنورة و عزائمه المفسرة و محارمه المحذرة و تبيانه الجالية

(9)

و جمله الكافية و فضائله المندوبة

(10)

و رخصه‏

(11)

الموهوبة و شرائعه المكتوبة ففرض الله الإيمان تطهيرا لكم من الشرك و الصلاة تنزيها عن الكبر و الصيام تثبيتا للإخلاص و الزكاة تزييدا في الرزق و الحج تسلية للدين و العدل تنسكا للقلوب و طاعتنا نظاما و إمامتنا أمنا من الفرقة و حبنا عزا للإسلام و الصبر منجاة و القصاص حقنا للدماء

(12)

و الوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة و توفية المكاييل و الموازين تعبيرا للنحسة

(13)

و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس و قذف المحصنات اجتنابا للعنة و ترك السرق إيجابا للعفة

(14)

____________

(1)- شبهها.

(2)- ظلمها.

(3)- العب‏ء الثقل محتف محاط.

(4)- رضاء.

(5)- أي مستقبلين له.

(6)- أي زعمتم أن لكم حقا في الخلافة أو في منعنا الإرث فأين عهد اللّه لكم بذلك.

(7)- حججه.

(8)- تشير إلى ما نزل في القرآن عناية بآل البيت بيت النبيّ.

(9)- أي فصاحته المبينة.

(10) المستحبة.

(11)- ج رخصة و هو ما أباحه الشارع تيسيرا للناس.

(12)- تشير إلى قوله تعالى‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏

(13)- تعبيرا من عبر الدرهم او المتاع نظر ما وزنها و النحسة مبلغ أصل الشي‏ء.

(14)- لزوما لها.

29

و حرم الله عز و جل الشرك إخلاصا له بالربوبيرية ف

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏

و أطيعوه فيما أمركم به و نهاكم عنه فإنه‏

إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ

» ثم قالت: «أيها الناس أنا فاطمة و أبي محمد ص أقولها عودا على بدء

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏

» ثم ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي ع في رواية أبيه ثم قالت في متصل كلامها: «أ فعلى محمد

(1)

تركتم كتاب الله و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: الله تبارك و تعالى‏

وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ

و قال الله عز و جل فيما قص من خبر يحيى بن زكريا رب‏

فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (2) يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏

و قال عز ذكره:

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏

و قال:

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏

و قال:

إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏

و زعمتم أن لا حق و لا إرث لي من أبي و لا رحم‏

(3)

بيننا أ فخصكم الله بآية أخرج نبيه ص منها أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون أ و لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة لعلكم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من النبي ص أ فحكم الجاهلية تبغون؟

وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏

أ أغلب على إرثي جورا و ظلما

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏

» و ذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر و المهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت: «معشر البقية

(4)

و أعضاد الملة

(5)

و حصون الإسلام ما هذه الغميرة

(6)

في حقي و السنة

(7)

عن ظلامتي أ ما قال: رسول الله ص المرء يحفظ في ولده‏

(8)

سرعان ما أجدبتم فأكديتم و عجلان ذا إهانة

(9)

تقولون مات رسول الله ص فخطب جليل استوسع وهي

(10)

ه و استنهر فتقه‏

(11)

و بعد وقته و أظلمت‏

____________

(1)- أي من أجل ما تركه إرثا لنا.

(2)- ابنا.

(3)- الرحم القرابة.

(4)- المعشر الجماعة و البقية الفئة.

(5)- أنصارها.

(6)- من غمره في حقه دفعه عنه.

(7)- السنة أول النوم و يروى بعدها أ ما كان لرسول اللّه ان يحفظ في ولده سرعان ما أجدبتم و يروى لسرع ما أحدثتم إلخ.

(8)- أي ما أسرعكم الى كذا إلخ و اكديتم منعتم.

(9)- أي ما أعجلكم في إهانتكم إياي بما فعلتم معي.

(10) الوهي الخرق الواسع.

(11)- استنهر استوسع.

30

الأرض لغيبته و اكتأبت خيرة الله‏

(1)

لمصيبته و خشعت الجبال و أكدت الآمال‏

(2)

و أضيع الحريم و أذيلت الحرمة

(3)

عند مماته‏

(4)

ص و تلك‏

(5)

نازل علينا بها كتاب الله في أفنيتكم‏

(6)

في ممساكم و مصبحكم يهتف بها في أسماعكم و قبله حلت بأنبياء الله عز و جل و رسله‏

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏

إيها بني قيلة أ أهضم تراث أبيه‏

(7)

و أنتم بمرأى و مسمع تلبسكم الدعوة و تمثلكم‏

(8)

الحيرة و فيكم العدد و العدة و لكم الدار و عندكم الجنن‏

(9)

و أنتم الألى نخبة الله التي انتخب لدينه و أنصار رسوله و أهل الإسلام و الخيرة التي اختار لنا أهل البيت فباديتم العرب‏

(10)

و ناهضتم‏

(11)

الأمم و كافحتم البهم‏

(12)

لا نبرح نأمركم و تأمرون‏

(13)

حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام و در حلب الأنام و خضعت نعرة

(14)

الشرك و باخت‏

(15)

نيران الحرب و هدأت دعوة الهرج و استوسق‏

(16)

نظام الدين فأنى‏

(17)

حرتم بعد البيان و نكصتم‏

(18)

بعد الإقدام و أسررتم بعد الإعلان لقوم‏

نَكَثُوا (19) أَيْمانَهُمْ‏

...

أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏

إلا قد رأى أن أخلدتم إلى الخفض‏

(20)

و ركنتم إلى الدعة فعجتم‏

(21)

عن الدين و بحجتم الذي وعيتم و دسعتم‏

(22)

الذي سوغتم‏

(23)

ف

إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ

ألا و قد قلت الذي قلته‏

____________

(1)- اكتأبت اغتمت و خيرة اللّه أي الأفاضل عنده.

(2)- أي قل خيرها.

(3)- المهابة.

(4)- لعلها تشير إلى ما فعلوه عند وفاته من الانصراف إلى أمر الخلافة و تركهم آل البيت يغسلون النبيّ و يكفنونه.

(5)- أي وفاته.

(6)- مجتمعاتكم أو دوركم.

(7)- أيها كلمة إغراء و بني قيلة تريد الاوس و الخزرج أنصار النبيّ أ أهضم و يروى أ أهتضم من هضمه غصبه او ظلمه و الترات المبرات و الهاء في ابيه هاء السكت مر الكلام عليها.

(8)- تأكلكم.

(9)- الوقايات.

(10) جاهرتم بعداوتهم انتصارا للنبي حين كذبوه و آذوه.

(11)- قاومتم.

(12)- ج بهمة و هو الشجاع اليقظ.

(13)- لعله و تأتمرون.

(14)- النعرة الكبر و الخيلاء.

(15)- سكنت.

(16)- اجتمع.

(17)- كيف.

(18)- احجمتم.

(19)- نقضوا.

(20)- اطمأننتم إلى لين المعيشة.

(21) ملتم.

(22) منعتم.

(23) اعطيتم.

31

على معرفة مني بالخذلان الذي خامر

(1)

صدوركم و استشعرته قلوبكم و لكن قلته فيضة

(2)

النفس و نفثة

(3)

الغيظ و بثة

(4)

الصدر و معذرة

(5)

الحجة فدونكموها

(6)

فاحتقبوها

(7)

مدبرة الظهر ناكبة

(8)

الحق باقية العار موسومة بشنار الأبد موصولة بنار

اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ

فبعين الله ما تفعلون‏

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏

و أنا ابنة نذير

لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ

فاعملوا إنا عاملون‏

وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ‏

».

قال: أبو الفضل و قد ذكر قوم أن أبا العيناء ادعى هذا الكلام و قد رواه قوم و صححوه و كتبناه على ما فيه‏

و حدثني عبد الله بن أحمد العبدي عن حسين بن علوان عن عطية العوفي‏

: أنه سمع أبا بكر (رحمه الله) يومئذ يقول: لفاطمة ع: يا ابنة رسول الله لقد كان ص بالمؤمنين رءوفا رحيما و على الكافرين عذابا أليما و إذا عزوناه‏

(9)

كان أباك دون النساء و أخا ابن عمك‏

(10)

دون الرجال آثره على كل حميم‏

(11)

و ساعده على الأمر العظيم‏

(12)

لا يحبكم إلا العظيم السعادة و لا يبغضكم إلا الردي‏ء الولادة و أنتم عترة الله‏

(13)

الطيبون و خيرة الله المنتخبون على الآخرة أدلتنا و باب الجنة لسالكنا و أما منعك ما سألت فلا ذلك لي‏

(14)

و أما فدك‏

(15)

و ما جعل لك أبوك فإن منعتك فأنا ظالم و أما الميراث فقد تعلمين أنه ص قال: «لا نورث ما أبقيناه صدقة»

(16)

قالت: «إن الله يقول: عن نبي من أنبيائه‏

يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏

و قال:

وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ

فهذان نبيان و قد علمت أن النبوة

____________

(1)- خالط.

(2)- من فاض الماء كثر حتّى سال.

(3)- نفخة.

(4)- من البث و هو شكرى الحزن.

(5)- انصاف.

(6)- الضمير يرجع للأشياء التي هي من حقّ فاطمة و زوجها علي و منعوها عنهما كالإرث و الخلافة.

(7)- ادخروها.

(8)- مدبرة من الإدبار ضد الإقبال و ناكبه من نكبه نحاه و أبعده.

(9)- نسبناه إلى أحد.

(10) أي عليّ أمير المؤمنين.

(11)- أي فضله على كل قريب.

(12)- الجهاد في نصرة الدين.

(13)- أي أولياءه.

(14)- لعله يشير إلى تعريضها بالخلافة فإن ذلك ليس بيده بل الأمر شورى بين المسلمين.

(15)- سبق تفسيرها و المراد الميراث.

(16)- و يروى نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.

32

لا تورث و إنما يورث ما دونها فما لي أمنع إرث أبي؟ أ أنزل الله في الكتاب إلا فاطمة بنت محمد فتدلني عليه فأقنع به» فقال: يا بنت رسول الله أنت عين الحجة و منطق الرسالة لا يدلي بجوابك‏

(1)

و لا أدفعك عن صوابك و لكن هذا أبو الحسن بيني و بينك‏

(2)

هو الذي أخبرني بما تفقدت‏

(3)

و أنبأني بما أخذت و تركت قالت: «فإن يكن ذلك كذلك فصبرا لمر الحق و الحمد لله إله الخلق».

قال: أبو الفضل ما وجدت هذا الحديث على التمام إلا عند أبي حفان‏

و حدثني هارون بن مسلم بن سعدان عن الحسن بن علوان عن عطية العوفي قال:

لما مرضت فاطمة ع المرضة التي توفيت بها دخل النساء عليها فقلن كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟ قالت: «أصبحت و الله عائفة

(4)

لدنياكم قالية

(5)

لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم‏

(6)

و شنأتهم بعد أن سبرتهم‏

(7)

فقبحا لفلول الحد

(8)

و خور القنا

(9)

و خطل الرأي‏

(10)

و بئسما

قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ‏

لا جرم‏

(11)

لقد قلدتهم ربقتها

(12)

و شنت‏

(13)

عليهم عارها فجدعا و عقرا

(14)

و

بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة و قواعد النبوة و مهبط الروح الأمين الطبن‏

(15)

بأمور الدنيا و الدين‏

أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏

و ما الذي نقموا

(16)

من أبي الحسن نقموا و الله منه نكير

(17)

سيفه و شدة وطأته و نكال‏

(18)

وقعته و تنمره في ذات الله‏

(19)

و يا لله لو تكافئوا

(20)

على زمام نبذه رسول الله ص لسار بهم سيرا

____________

(1)- أي لا يحتج عليه.

(2)- يريد عليا زوجها رضي اللّه عنهما.

(3)- طلبت.

(4)- كارهة.

(5)- مبغضة.

(6)- نبذتهم بعد ان جربتهم.

(7)- أبغضتهم بعد ان اختبرتهم.

(8)- تثلمه.

(9)- ضعفه أو كسره.

(10) فساده.

(11)- أصله لا بدّ أو لا محالة ثمّ كثر استعماله حتّى تحول الى معنى القسم.

(12)- أي مسئوليتها و الضمير راجع للخلافة.

(13)- صبت.

(14)- الجدع قطع الأنف و العقر ضرب قوائم البعير بالسيف و نحوه و الجملة دعاء على من أرادت.

(15)- تريد كيف زحزحوها عن آل بيت النبيّ أو بالأحرى عن علي الطبن بأمور الدنيا و الدين أي الخبير بها.

(16)- كرهوا.

(17)- شديد.

(18)- من التنكيل.

(19)- أي غضبه للّه.

(20)- استووا.

33

سجحا

(1)

لا يكلم خشاشه‏

(2)

و لا يتعتع‏

(3)

راكبه و لأوردهم منهلا رويا فضفاضا

(4)

تطفح ضفتاه و لأصدرهم بطانا

(5)

قد تحرى بهم الري غير متجل منهم بطائل بعمله الباهر و ردعه سورة الساغب‏

(6)

و لفتحت‏

عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ

و سيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ألا هلمن‏

(7)

فاسمعن و ما عشتن أراكن الدهر عجبا إلى أي لجإ لجئوا و أسندوا و بأي عروة تمسكوا

(8)

و

لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ (9) وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ

استبدلوا و الله الذنابى بالقوادم‏

(10)

و العجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم‏

(11) يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ‏

ويحهم‏

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ (12) فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏

أما لعمر إلهكن‏

(13)

لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا

(14)

طلاع القعب‏

(15)

دما عبيطا

(16)

و ذعافا ممقرا

(17)

هنالك‏

يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏

و يعرف التالون غب‏

(18)

ما أسس الأولون ثم أطيبوا

(19)

عن أنفسكم نفسا و طأمنوا للفتنة جأشا

(20)

و أبشروا بسيف صارم و بقرح شامل‏

(21)

و استبداد من الظالمين يدع فيكم زهيدا و جمعكم حصيدا فيا حسرة لكم و أنى بكم و قد عميت عليكم‏

أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ‏

» ثم أمسكت ع.

____________

(1)- سهلا و يروى لو تكافئوا على زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لاعتقله و لسار بهم سيرا سجحا.

(2)- لا يجرح جانبه و الخشاش عود يجعل في أنف البعير يشد به الزمام.

(3)- أي من غير أنّ يصيبه أذى و منه الحديث الشريف «يؤخذ للضعيف حقه غير متعتع».

(4)- يفيض منه الماء.

(5)- شبعانين.

(6)- حدة الجائع.

(7)- تعالن مركبة من هاء التنبيه و من لم أي ضم نفسك اليها و النون فيها هنا نون النسوة.

(8)- عروة الكوز او الدلو مقبضه مستعارة هنا.

(9)- الصاحب و الجار.

(10) الذنابى الذنب و القوادم ريش في مقدم الجناح و المراد انهم استبدلوا الذي هو ادنى بالذي هو خير العجز مؤخر الشي‏ء و الكاهل مقدم الظهر.

(11)- أي ذلا لأنوفهم مجاز عن ذل أنفسهم.

(12)- المراد انه لا يهدي الإنسان غيره إلّا إذا كان مهديا و إلّا فكيف يعطي الشي‏ء فاقده.

(13)- أي أما و حقّ بقائه.

(14)- لقحت حبلت النظرة التأخير في الامر و ربث أي مقدار و تنتج تلد.

(15)- أي ملؤه.

(16)- طريا.

(17)- يقال سم زعاف اي معجل الى الموت و الممقر المر و يروى و زعافا.

(18)- أي عاقبة و يروى «عين ما أسس الاولون».

(19)- طيبوا.

(20)- نفسا.

(21) القرح الدمل كناية عن فساد الأمور و يروى «بهرج شامل».

34

كلام زينب بنت علي بن أبي طالب ع‏

قال: لما كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي ع الذي كان‏ (1) و انصرف عمر بن سعد (2) لعنه الله بالنسوة و البقية من آل محمد ص و وجههن إلى ابن زياد (3) لعنه الله فوجههن هذا إلى يزيد لعنه الله و غضب عليه فلما مثلوا بين يديه أمر برأس الحسين ع فأبرز في طست فجعل ينكث ثناياه‏ (4) بقضيب في يده و هو يقول:

يا غراب البين أسمعت فقل‏* * * إنما تذكر شيئا قد فعل‏

ليت أشياخي ببدر شهدوا* * * جزع الخزرج من وقع الأسل‏ (5)

حين حكت بقباء بركها* * * و استحر القتل في عبد الأشل‏ (6)

لأهلوا و استهلوا فرحا* * * ثم قالوا: يا يزيد لا تشل‏ (7)

فجزيناهم ببدر مثلها* * * و أقمنا ميل بدر فاعتدل‏

لست للشيخين إن لم أثأر* * * من بني أحمد ما كان فعل‏ (8)

____________

(1)- أي من قتله.

(2)- هو أمير الجيش الذي قاتل الحسين.

(3)- هو والي الكوفة من قبل يزيد ابن معاوية.

(4)- أي ينقض أضراسه.

(5)- بدر موضع بين مكّة و المدينة حصلت فيه حرب بين المسلمين و مشركي العرب و فيهم بني أميّة شيوخ يزيد و آباؤه قبل ان يسلموا و كان علي رضي اللّه عنه قتل منهم بعض أشرافهم فيزيد و قد قتل الحسين يتذكر تلك العصبيّة الجاهلية عصبية آبائه و يتمنى لو انهم شاهدوا أخذه بثأرهم اخيرا ممن قتلوهم أولا و الخزرج إحدى قبائل أنصار النبيّ و الأسل الرماح و النبل.

(6)- حكت شدت و قباء موضع قرب المدينة و البرك الإبل الكثيرة. استحر اشتد و عبد الاشل من الأنصار- و لعله يشير الى الموقعة التي قتل فيها الحسين (عليه السلام) و أشياعه.

(7)- (و ان لا تشل) أي لا تشل يدك جملة دعائية له.

(8)- المعنى انه لا يستحق نسبته لآبائه إن لم يأخذ لهم بالثأر من آل بيت النبيّ الذين قتلوهم- و يروى لست من عتباه.

35

فقالت زينب بنت علي ع: صدق الله و رسوله يا يزيد ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ أ ظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض‏ (1) و أكناف السماء (2) فأصبحنا نساق كما يساق الأسارى أن بنا هوانا (3) على الله و بك عليه كرامة و إن هذا لعظيم خطرك‏ (4) فشمخت بأنفك‏ (5) و نظرت في عطفيك‏ (6) جذلان فرحا حين رأيت الدنيا مستوسقة (7) لك و الأمور متسقة (8) عليك و قد أمهلت و نفست‏ (9) و هو قول الله تبارك و تعالى‏ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي (10) لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أ من العدل يا ابن الطلقاء (11) تخديرك نساءك و إماءك‏ (12) و سوقك بنات رسول الله ص قد هتكت ستورهن و أصحلت صوتهن‏ (13) مكتئبات تخدي‏ (14) بهن الأباعر و يحدو بهن‏ (15) الأعادي من بلد إلى بلد لا يراقبن و لا يؤوين يتشوفهن‏ (16) القريب و البعيد ليس معهن ولي من رجالهن‏ (17) و كيف يستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بالشنق و الشنآن و الإحن و الأضغان‏ (18) أ تقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

غير متأثم و لا مستعظم و أنت تنكث ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك‏ (19) و لم لا تكون كذلك و قد نكأت القرحة (20) و استأصلت الشأفة بإهراقك دماء ذرية رسول الله ص و نجوم الأرض من آل عبد المطلب‏ (21) و لتردن على الله وشيكا (22) موردهم و لتودن أنك‏

____________

(1)- أي حين بالغت في الإيقاع بنا و لا استقصاء في نواحي الآفاق طالبا إيانا.

(2)- أي ظلها.

(3)- ذلا.

(4)- شرفك.

(5)- تكبرت.

(6)- أي جانبيك كناية عن إعجابه بنفسه.

(7)- مجتمعة.

(8)- منتظمة.

(9)- أي افسح لك في أمرك.

(10) من أملى له في غيه أطاله.

(11)- الطلقاء من أهل مكّة هم من عفا عنهم رسول اللّه يوم فتح مكّة و لم يأسرهم و كان منهم آباء يزيد.

(12)- أي تحجيبهن و الإماء ج أمة و هي المملوكة.

(13)- أي أبححته ببكائهن.

(14)- تسرع.

(15)- يسوقها.

(16)- ينظرهن و يشرف عليهن.

(17)- ولى اي قريب او نصير.

(18)- الشنق التطاول و الشنآن البغض و الإحن الأحقاد.

(19)- المخصرة ما يتوكأ عليه كالعصا.

(20)- أي قشرتها قبل برئها كناية عن نبشه لأضغانه على آل الرسول.

(21) عبد المطلب جد الرسول.

(22) قريبا.

36

عميت و بكمت و أنك لم تقل فاستهلوا و أهلوا فرحا اللهم خذ بحقنا و انتقم لنا ممن ظلمنا و الله ما فريت‏ (1) إلا في جلدك و لا حززت إلا في لحمك و سترد على رسول الله ص برغمك و عترته و لحمته‏ (2) في حظيرة القدس‏ (3) يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث‏ (4) و هو قول الله تبارك و تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ و سيعلم من بوأك‏ (5) و مكنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم الله و الخصم محمد ص و جوارحك شاهدة عليك ف بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أيكم‏ (6) شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً مع أني و الله يا عدو الله و ابن عدوه أستصغر قدرك و أستعظم تقريعك‏ (7) غير أن العيون عبرى و الصدور حرى و ما يجزي ذلك أو يغني عنا و قد قتل الحسين ع و حزب الشيطان يقربنا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله فهذه الأيدي تنطف‏ (8) من دمائنا و هذه الأفواه تتحلب من لحومنا (9) و تلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان‏ (10) الفلوات فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك تستصرخ‏ (11) بابن مرجانة و يستصرخ بك و تتعاوى و أتباعك‏ (12) عند الميزان‏ (13) و قد وجدت أفضل زاد زودك معاوية قتلك ذرية محمد ص فو الله ما اتقيت‏ (14) غير الله و لا شكواي إلا إلى الله فكد كيدك و اسع سعيك و ناصب‏ (15) جهدك فو الله لا يرحض‏ (16) عنك عار ما أتيت إلينا أبدا و الحمد لله الذي ختم بالسعادة و المغفرة لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات و أن يوجب لهم المزيد من فضله فإنه ولي قدير

____________

(1)- شققت.

(2)- أسرته و قرابته.

(3)- أي في الجنة.

(4)- التفرق.

(5)- أي أنزلك مكانك اي في الخلافة تريد أباه معاوية.

(6)- هكذا تروى هذه العبارات و لعلّ الصحيح «و ستعلم أنت و من بوأك الخ أينا شر إلخ».

(7)- تعنيفك.

(8)- تسيل أو تتلطخ.

(9)- أي يمتص منها حلبا يعني دما تشفيا و انتقاما.

(10) الزواكي الصالحة المتنعمة و بعتامها يأتيها في الظلمة و العسلان الذئاب.

(11)- تستغيث.

(12)- تصيحون كالذئاب.

(13)- ميزان الأعمال يوم القيامة.

(14)- أي انها لا تخاف غير اللّه.

(15)- من ناصبه العداوة.

(16)- لا يغسل.

37

كلام أم كلثوم ع‏

عن سعيد بن محمد الحميري أبو معاذ عن عبد الله بن عبد الرحمن رجل من أهل الشام عن شعبة عن حذام الأسدي و قال مرة أخرى حذيم قال‏

: قدمت الكوفة سنة إحدى و ستين و هي السنة التي قتل فيها الحسين ع فرأيت نساء أهل الكوفة يومئذ يلتدمن مهتكات الجيوب‏

(1)

و رأيت علي بن الحسين ع و هو يقول بصوت ضئيل و قد نحل من المرض: «يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم؟»

(2)

.

ثم ذكر الحديث و هو على لفظ هارون بن مسلم‏ (3)

و أخبر هارون بن مسلم بن سعدان قال: أخبرنا يحيى بن حماد البصري عن يحيى بن الحجاج عن جعفر بن محمد عن آبائه ع قال‏

: لما أدخل بالنسوة من كربلاء

(4)

إلى الكوفة كان علي بن الحسين ع ضئيلا قد نهكته‏

(5)

العلة و رأيت نساء أهل الكوفة مشققات الجيوب على الحسين بن علي ع فرفع علي بن الحسين بن علي ع رأسه فقال: «ألا إن هؤلاء يبكين فمن قتلنا؟».

و رأيت أم كلثوم ع و لم أر خفرة (6) و الله أنطق‏ (7) منها كأنما تنطق و تفرغ على‏ (8) لسان أمير المؤمنين ع و قد أومأت‏ (9) إلى الناس أن اسكتوا فلما

____________

(1)- يتلدمن يلطمن و مهتكات مقطعات و الجيوب ج جيب و هو طوق القميص.

(2)- كان أهل الكوفة كاتبوا الحسين بالبيعة له و نصرته على يزيد و وعدوه بالقيام معه إن أتى اليهم فلما ذهب الحسين اليهم قتله عسكر يزيد في الطريق و لم يجد من أهل الكوفة ما وعدوا.

(3)- أي كما في حديثه الآتي الذي ذكره بقوله «و أخبر هارون إلخ».

(4)- الموضع الذي قتل فيه الحسين.

(5)- ضئيلا اي ضعيفا و تهكته أي هزلته.

(6)- الخفرة الكثيرة الحياء.

(7)- أفصح نطقا.

(8)- كذا في الأصل و المراد انها كانت في فصاحة نطقها و بلاغة كلامها كأمير المؤمنين علي.

(9)- أشارت.

38

سكنت الأنفاس و هدأت الأجراس‏ (1) قالت: أبدأ بحمد الله و الصلاة و السلام على نبيه أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر (2) و الخذل ألا فلا رقأت العبرة (3) و لا هدأت الرنة (4) إنما مثلكم كمثل التي‏ نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (5) تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏ (6) ألا و هل فيكم إلا الصلف و الشنف و ملق الإماء (7) و غمز الأعداء (8) و هل أنتم إلا كمرعى على دمنة (9) و كفضة على ملحودة (10) ألا ساء ما قدمت أنفسكم أن سخط الله عليكم و في العذاب أنتم خالدون أ تبكون إي و الله فابكوا و إنكم و الله أحرياء (11) بالبكاء فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا فلقد فزتم بعارها و شنارها (12) و لن ترحضوها (13) بغسل بعدها أبدا و أنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة و معدن الرسالة و سيد شباب أهل الجنة (14) و منار محجتكم‏ (15) و مدرة حجتكم‏ (16) و مفرخ نازلتكم‏ (17) فتعسا و نكسا (18) لقد خاب السعي و خسرت الصفقة (19) و بؤتم‏ (20) بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ‏ و ضربت عليكم الذلة و المسكنة لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (21) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ‏ (22) مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ (23) الْجِبالُ هَدًّا أ تدرون أي كبد لرسول الله فريتم‏ (24)

____________

(1)- الأصوات و يروى فلما سكنت فورتهم.

(2)- الغدر و الخديعة.

(3)- العبرة الدمعة قبل ان تفيض و رقأت سكنت.

(4)- الصوت.

(5)- نقضا.

(6)- الدخل بتحريك الخاء الغدر و الخديعة و المكر.

(7)- الصلف الادعاء تكبرا و الشنف البغض و التنكر و الملق المجامعة و الإماء المملوكات.

(8)- الغمز ظهور العيب او الطعن او التهمة.

(9)- الدمنة آثار الدار بعد الرحيل عنها- فإذا نبت فيها زرع كان أخضر ناضرا لخصوبة منبته من بقايا الدوابّ من بعر و غيره- و قولها مرعى على دمنة اي منظر حسن في منبت سوء و منه قول النبيّ «إيّاكم و خضراء الدمن»- المرأة الحسناء في المنبت السوء.

(10) مدفونة- تريد أنّهم لا ينتفع بهم.

(11)- جديرون.

(12)- الشنار أقبح العيب و يروى ذهبتم بعارها إلخ.

(13)- تغسلوها.

(14)- تعني الحسين بن علي و ابن فاطمة بنت رسول اللّه.

(15)- المنار العلم يهتدى به و المحجة قصد الطريق.

(16)- المدره الشريف القدر الممتاز بقوة بيانه في المحاجة و جرأة جنانه في المحاربة.

(17)- فرخ روعه أزاله عنه و النازلة الشديدة.

(18)- تعسا أي هلاكا و بعدا و نكسا النكس عود المرض بعد ان كان نقيه منه.

(19)- البيعة.

(20)- رجعتم.

(21) أي فظيعا منكرا.

(22) يتشققن.

(23) تسقط.

(24) شققتم.

39

و أي كريمة له أبرزتم و أي دم له سفكتم لقد جئتم بها شوهاء خرقاء (1) شرها طلاع الأرض و السماء أ فعجبتم أن قطرت السماء (2) دما وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى و هم لا ينظرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا تحفزه المبادرة (3) و لا يخاف عليه فوت الثأر كلا إِنَّ رَبَّكَ لنا و لهم‏ لَبِالْمِرْصادِ ثم ولت‏ (4) عنهم قال: فرأيت الناس حيارى و قد ردوا أيديهم إلى أفواههم و رأيت شيخا كبيرا من بني جعفي و قد اخضلت‏ (5) لحيته من دموع عينيه و هو يقول:

كهولهم خير الكهول و نسلهم‏* * * إذا عد نسل لا يبور و لا يخزى‏

و حدثنيه عبد الله بن عمرو قال: حدثني إبراهيم بن عبد ربه بن القاسم بن يحيى بن مقدم المقدمي قال: أخبرني سعيد بن محمد أبو معاذ الحميري عن عبد الله بن عبد الرحمن رجل من أهل الشام عن حذام الأسدي قال‏

: قدمت الكوفة سنة إحدى و ستين و هي السنة التي قتل فيها الحسين بن علي ع فرأيت نساء أهل الكوفة يومئذ قياما يلتدمن مهتكات الجيوب‏

(6)

و رأيت علي بن الحسين ع و هو يقول بصوت ضئيل قد نحل‏

(7)

من المرض: «يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم».

و سمعت أم كلثوم بنت علي ع و هي تقول: فلم أر خفرة و الله أنطق منها كأنما تنزع‏ (8) عن لسان أمير المؤمنين علي ع و أشارت إلى الناس أن أمسكوا (9) فسكنت الأنفاس و هدأت فقالت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و الصلاة على جدي سيد المرسلين أما بعد يا أهل الكوفة و الحديث على لفظ ابن سعدان‏ (10)

____________

(1)- شوهاء عابسة مشئومة و خرقاء من الخرق و هو الاساءة في العمل و ضد الرفق أيضا.

(2)- أي ملؤهما.

(3)- أي لا تدفعه المعاجلة و الضمير يقصد به اللّه تعالى.

(4)- المرصاد الطريق يرصد فيه العدو من رصده رقبه- ولت أي أعرضت.

(5)- ابتلت.

(6)- سبق تفسير هذه الكلمات قريبا.

(7)- ضئيل ضعيف و نحل ذهب جسمه.

(8)- سبق تفسير ما هنا ايضا- كأنّما تفرغ يروى كأنّما تنزع و المراد واحد.

(9)- اسكتوا.

(10) يعني الحديث السابق روايته قبل.

40

كلام حفصة بنت عمر بن الخطاب‏

و قال العتبي قالت حفصة بنت عمر بن الخطاب في مرض أبيها عمر: يا أبتاه ما يحزنك وفادتك‏ (1) على رب رحيم و لا تبعة (2) لأحد عندك و معي لك بشارة لا أذيع السر مرتين و نعم الشفيع لك العدل لم تخف على الله عز و جل خشنة عيشتك و عفاف نهمتك‏ (3) و أخذك بأكظام‏ (4) المشركين و المفسدين في الأرض ثم أنشأت تقول:

أكظم الغلة المخالطة القلب‏* * * و أعزي و في القرآن عزائي‏ (5)

لم تكن بغتة وفاتك وحدا* * * إن ميعاد من ترى للفناء (6)

و وجدت في بعض الكتب أن حفصة بنت عمر (رحمه الله) خطبت بعد قتل أبيها الحمد لله الذي لا نظير له و الفرد الذي لا شريك له و أما بعد فكل العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم و ارعوى إلى صنيعهم و رب‏ (7) في الفتنة لهم و نصب حبائله لختلهم حتى هم عدو الله‏ (8) بإحياء البدعة و نبش الفتنة و تجديد الجور بعد دروسه و إظهاره بعد دثوره‏ (9) و إراقة الدماء و إباحة الحمى‏ (10) و انتهاك محارم الله‏ (11) عز و جل بعد تحصينها فأضرى و هاج و توغر و ثأر (12) غضبا لله‏

____________

(1)- قدومك.

(2)- شبه ظلامة.

(3)- شهوتك.

(4)- ج كظم مخرج النفس و الجملة كناية عن تضييقه على المشركين.

(5)- الغلة حرارة الحزن و كظمها حبسها وردها و في القرآن عزائي- تريد قوله‏ «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»

(6)- بغتة فجأة.

(7)- ارعوى الى كذا نزع إليه و ربّ اي زاد و لزم.

(8)- لختلهم اي لخداعهم و عدو اللّه تريد به الشيطان كما يقتضيه سياق الكلام و نسقه الآتي.

(9)- انمحائه.

(10) الحمى ما حمى و حفظ من الشي‏ء و إباحته ضد حمايته.

(11)- أي المبالغة في ارتكاب ما حرم اللّه- أو لعلها تشير في كل ذلك الى ما كان بعد وفاة النبيّ من الخلاف على الخلافة ثمّ ارتداد العرب عن بعض أركان الدين إلخ و يدلّ على ذلك إشارتها فيما يأتي الى سبق أبيها في مبايعة أبي بكر حسما للفتنة.

(12)- أضرى أسرع و توغر توقد غيظا و ثار و هاج- تشير بذلك إلى حماسة أبيها و حزمه في ملاقاة ما لاقاه من أمور العرب في الخلافة و غيرها.

41

و نصرة لدين الله فأخسأ الشيطان و وقم كيده و كفف إرادته و قدع محنته و أصعر خده‏ (1) لسبقه إلى مشايعة أولى الناس‏ (2) بخلافة رسول الله ص الماضي على سنته‏ (3) المقتدي بدينه المقتص‏ (4) لأثره فلم يزل سراجه زاهرا (5) و ضوؤه لامعا و نوره ساطعا له من الأفعال الغرر و من الآراء المصاص‏ (6) و من التقدم في طاعة الله اللباب إلى أن قبضه الله إليه قاليا لما خرج منه‏ (7) شانيا لما ترك من أمره شيقا لما كان فيه‏ (8) صبا إلى ما صار إليه وائلا (9) إلى ما دعي إليه عاشقا لما هو فيه‏ (10) فلما صار إلى التي وصفت و عاين لما ذكرت أومأ بها إلى أخيه في المعدلة و نظيره في السيرة و شقيقه في الديانة (11) و لو كان غير الله أراد لأمالها إلى ابنه و لصيرها في عقبه‏ (12) و لم يخرجها من ذريته فأخذها بحقها و قام فيها بقسطها (13) لم يؤده ثقلها و لم يبهظه‏ (14) حفظها مشردا للكفر عن موطنه و نافرا له عن وكره‏ (15) و مثيرا له من مجثمه‏ (16) حتى فتح الله عز و جل على يديه أقطار البلاد (17) و نصر الله بقدمه‏ (18) و ملائكته تكنفه‏ (19) و هو بالله معتصم‏ (20) و عليه متوكل حتى تأكدت عرى الحق عليكم عقدا و اضمحلت عرى الباطل عنكم حلا نوره في الدجنات‏ (21) ساطع و ضوؤه في الظلمات لامع قاليا للدنيا إذ عرفها لافظا

____________

(1)- يقال أخسأه طرده و أبعده- و قمه رده اقبح رد- و كفف إرادته منعها و قدعه كفه- و أصعر خده أي ذهب كبره.

(2)- المشايعة المناصرة و المتابعة و أولى الناس بكذا اي أحقهم به تريد أبا بكر.

(3)- المتقدم على طريقته.

(4)- المتتبع.

(5)- متلألئا.

(6)- الخالص.

(7)- أي كارها للدنيا شانيا مبغضا.

(8)- لمن كان فيه أي في الأمر أمر سياسة الدين و أهله تريد النبيّ- تقصد انه شيق إلى رسول اللّه فهو لاحق به و الصب المشوق.

(9)- مبادرا.

(10) أي ما صار إليه أبو بكر من أمر الموت.

(11)- تريد عمر و كان أبو بكر عهد له بالخلافة رضي اللّه عنهما.

(12)- أي في أولاده.

(13)- فاعل أخذ و قام أبوها و القسط العدل لم يؤده من الوئيد و هو الإبطاء.

(14)- يثقله.

(15)- مشردا طاردا و مفوّقا و نافرا مهيجا له عن عشه.

(16)- مكانه الذي لزمه.

(17)- نواحيها.

(18)- يقال رجل له قدم اي مرتبة في الفضل او الخير.

(19)- تحيط به.

(20)- ممتنع.

(21) الظلمات.

42

لها إذ عجمها (1) و شانيا لها إذ سبرها تخطبه و يقلاها و تريده و يأباها لا تطلب سواه بعلا و لا تبغي سواه نحلا (2) أخبرها أن التي يخطب أرغد (3) منها عيشا و أنضر منها حبورا و أدوم منها سرورا و أبقى منها خلودا (4) و أطول منها أياما و أغدق‏ (5) منها أرضا و أنعت‏ (6) منها جمالا و أتم منها بلهنية و أعذب منها رفهنية (7) فبشعت نفسه بذلك لعادتها و اقشعرت منها لمخالفتها فعركها بالعزم الشديد حتى أجابت و بالرأي الجليد (8) حتى انقادت فأقام فيها دعائم الإسلام و قواعد السنة الجارية و رواسي الآثار الماضية (9) و أعلام أخبار النبوة الطاهرة و ظل خميصا (10) من بهجتها قاليا لأثاثها (11) لا يرغب في زبرجها (12) و لا تطمح نفسه إلى جدتها حتى دعي فأجاب و نودي فأطاع على تلك من الحال فاحتذى‏ (13) في الناس بأخيه‏ (14) فأخرجها من نسله و صيرها شورى بين إخوته‏ (15) فبأي أفعاله تتعلقون‏ (16) و بأي مذاهبه تتمسكون أ بطرائقه القويمة في حياته أم بعدله فيكم عند وفاته ألهمنا الله و إياكم طاعته و إذا شئتم ففي حفظه و كلاءته‏ (17)

____________

(1)- قاليا كارها أشدّ الكراهة و لافظا راميا و عجمها جربها من عجم العود عضه ليختبره و شانيا مبغضا و سبرها اي اختبرها.

(2)- بعلا زواجا و نحلا عطاء.

(3)- أخصب و أطيب.

(4)- بقاء.

(5)- أخصب و أروى.

(6)- أفضل منها وصفا.

(7)- البلهنية و الرفهنية رفاهة العيشة و رغدها و بشعت عبست لعادتها الضمير راجع للدنيا.

(8)- اقشعر أخذته قشعريرة اي رعدة و عركها فركها ليخضعها و الجليد القوي الشديد.

(9)- الدعائم ج دعامة و هي عماد البيت و نحوه و الرواسي الثوابت.

(10) جائعا أو خاليا.

(11)- متاعها.

(12)- زينتها.

(13)- اقتدى.

(14)- تريد أبا بكر.

(15)- تريد كبار الصحابة.

(16)- تختصمون.

(17)- حفظه.

43

كلام أروى بنت الحارث بن عبد المطلب (رحمها الله)

1، 17

روى ابن عائشة عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال‏

: دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم‏

(1)

و هي عجوز كبيرة فلما رآها قال: مرحبا بك يا عمة قالت: كيف أنت يا ابن أخي؟ لقد كفرت بعدي بالنعمة و أسأت لابن عمك‏

(2)

الصحبة و تسميت بغير اسمك و أخذت غير حقك‏

(3)

بغير بلاء

(4)

كان منك و لا من آبائك في الإسلام و لقد كفرتم بما جاء به محمد ص فأتعس‏

(5)

الله منكم الجدود و أصعر منكم‏

(6)

الخدود حتى رد الله الحق إلى أهله و كانت‏

كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا

و نبينا محمد ص هو المنصور على من ناوأه‏

(7) وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏

فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا و نصيبا و قدرا حتى قبض الله نبيه ص مغفورا ذنبه مرفوعا درجته شريفا عند الله مرضيا فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم و يستحيون‏

(8)

نساءهم و صار ابن عم سيد المرسلين‏

(9)

فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول:

ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏

و لم يجمع بعد رسول الله ص لنا شمل و لم يسهل لنا وعر

(10)

و غايتنا الجنة و غايتكم النار قال عمرو بن العاص: أيتها العجوز الضالة أقصري‏

____________

(1)- لعله موسم الحجّ بمكّة.

(2)- ابن عمه تعني عليا أمير المؤمنين و كان معاوية حاربه انتقاضا على خلافته.

(3)- تشير إلى أخذه الخلافة.

(4)- اجتهاد و عمل.

(5)- أهلك او اعثر و الجدود الحظوظ.

(6)- أي أذهب صعرها اي كبرها و تصعير الخد إمالته عن الناس كبرا.

(7)- عاداه.

(8)- يستبقون.

(9)- تعني عليا أمير المؤمنين.

(10) الوعر ضد السهل.

44

من قولك و غضي من طرفك قالت: و من أنت لا أم لك؟ قال: عمرو بن العاص قالت: يا ابن اللخناء النابغ

ة

(1)

أ تكلمني اربع على ظلعك

(2)

و أعن بشأن نفسك فو الله ما أنت من قريش في اللباب

(3)

من حسبها و لا كريم منصبها و لقد ادعاك ستة من قريش كله يزعم أنه أبوك

(4)

و لقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر [أي فاجر] فأتم

(5)

بهم فإنك بهم أشبه فقال مروان بن الحكم: أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك مع ذهاب عقلك فلا يجوز شهادتك قالت: يا بني أ تتكلم فو الله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم و إنك لشبهه في زرقة عينيك و حمرة شعرك مع قصر قامته و ظاهر دمامته و لقد رأيت الحكم ماد القام

ة

(6)

ظاهر الأم

ة

(7)

سبط الشع

ر

(8)

و ما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب

(9)

فاسأل أمك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت ثم التفتت إلى معاوية فقالت: و الله ما عرضني لهؤلاء غيرك و إن أمك القائلة في أح

د

(10)

في قتل حمزة رحمة الله عليه‏

نحن جزيناكم بيوم بدر* * * و الحرب يوم الحرب ذات سعر (11)

____________

(1)- اللخناء الأمة التي لم تختن و النابغة البغيّ.

(2)- و أربع أقم و ظلعك تهمتك و المعنى اسكت على ما فيك من عيب.

(3)- لباب الشي‏ء خالصه و الحسب الشرف الثابت في الآباء.

(4)- كانت أم عمرو من الإماء العواهر التي يغشاهن الرجال فإذا ولدت إحداهن نسب مولودها إلى من هو أدنى شبها به ممن غشيها و لما ولد عمرو نسب إلى العاص لشبهه به- و اروى صاحبة هذه الخطبة تقول إنّه لما ولد عمرو و ادعاه ستة إلخ.

(5)- أي اقتد.

(6)- أي طويلا.

(7)- الهيئة و النعمة.

(8)- أي طويل الشعر.

(9)- الضامر اي الدقيق الوسط و الأتان الحمارة و المقرب من قربت ولادتها فيكون بطنها كبيرا.

(10) أحد جبل حصلت عنده حرب بين المسلمين و المشركين و كان في هؤلاء بني أميّة قبل ان يسلموا- و قد قتل في هذه الحرب حمزة بن عبد المطلب عم النبيّ- و اروى صاحبة هذا الكلام هي اروى بنت الحارث بن عبد المطلب اي بنت اخي حمزة رضي اللّه عنهم- فلما قتل حمزة فرحت بنو أميّة لأن حمزة قتل منهم عددا في حرب قبل ذلك هي حرب بدر و قد سبقت الإشارة إليها.

(11)- ذات سعر من سعر الحرب اوقدتها.

45

ما كان عن عتبة لي من صبر* * * أبي و عمي و أخي و صهري‏ (1)

شفيت وحشي غليل صدري‏* * * شفيت نفسي و قضيت نذري‏ (2)

فشكر وحشي علي عمري‏* * * حتى تغيب أعظمي في قبري‏ (3)

فأجبتها

يا بنت رقاع عظيم الكفر* * * خزيت في بدر و غير بدر (4)

صبحك الله قبيل الفجر* * * بالهاشميين الطوال الزهر (5)

بكل قطاع حسام يفري‏* * * حمزة ليثي و علي صقري‏ (6)

إذ رام شبيب و أبوك غدري‏* * * أعطيت وحشي ضمير الصدر

هتك وحشي حجاب الستر* * * ما للبغايا بعدها من فخر

فقال معاوية لمروان و عمرو: ويلكما أنتما عرضتماني لها و أسمعتماني ما أكره ثم قال لها: يا عمة اقصدي قصد حاجتك و دعي عنك أساطير النساء

(7)

قالت: تأمر لي بألفي دينار و ألفي دينار و ألفي دينار قال: ما تصنعين يا عمة بألفي دينار؟ قالت أشتري بها عينا خرخارة

(8)

في أرض خوارة

(9)

تكون لولد الحارث بن المطلب قال: نعم الموضع وضعتها فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أزوج بها فتيان‏

(10)

عبد المطلب من أكفائهم قال: نعم الموضع وضعتها فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت: أستعين بها على عسر المدينة و زيارة بيت الله الحرام‏

(11)

قال: نعم‏

____________

(1)- تشير إلى من قتل منهم أي من بني أميّة يوم بدر.

(2)- شفيت وحشي اي شفيت يا وحشي- و هو وحشي بن حرب قاتل حمزة و الغليل الحقد أو حرارة الحزن.

(3)- القائلة لهذا الشعر هي هند أم معاوية و قد أجابتها عليه اروى بنت الحارث بالشعر الآتي بعده.

(4)- رقاع كثير الحمق من ارقع جاء بالحمق و يروى يا بنت خوان أو يا بنت جبار.

(5)- قبيل تصغير قبل و الزهر الحسان البيض الوجوه.

(6)- يفري يقطع و الليث السبع و علي تريد به أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه.

(7)- الأساطير التي لا نظام لها.

(8)- أي عين ماء جارية.

(9)- أي منخفضة و المراد أرض تصلح للزراعة ليست و عرة.

(10) شبان.

(11)- أي الكعبة.

46

الموضع وضعتها هي لك نعم و كرام

ة

(1)

ثم قال: أما و الله لو كان علي ما أمر لك بها قالت: صدقت إن عليا أدى الأمانة و عمل بأمر الله و أخذ به و أنت ضيعت أمانتك و خنت الله في ماله فأعطيت مال الله من لا يستحقه و قد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها و بينها فلم تأخذ بها و دعانا [أي علي‏] إلى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا فشغل بحربك عن وضع الأمور مواضعها و ما سألتك من مالك شيئا فتمن به إنما سألتك من حقنا و لا نرى أخذ شي‏ء غير حقنا أ تذكر عليا فض الله فاك و أجهد بلاءك

(2)

ثم علا بكاؤها و قالت:

ألا يا عين ويحك أسعدينا* * * ألا و ابكي أمير المؤمنينا (3)

رزينا خير من ركب المطايا* * * و فارسها و من ركب السفينا (4)

و من لبس النعال أو احتذاها* * * و من قرأ المثاني و المئينا (5)

إذا استقبلت وجه أبي حسين‏* * * رأيت البدر راع الناظرينا (6)

و لا و الله لا أنسى عليا* * * و حسن صلاته في الراكعينا

أ في الشهر الحرام فجعتمونا* * * بخير الناس طرا أجمعينا (7)

قال: فأمر لها بستة آلاف دينار و قال لها: يا عمة أنفقي هذه فيما تحبين؟ فإذا احتجت فاكتبي إلى ابن أخيك يحسن صفدك‏

(8)

و معونتك إن شاء الله.

____________

(1)- أي إنعاما لعينك و إكراما.

(2)- فض فاه اي دقه و أجهد بلاءه أوجده في حالة شديدة و البلاء التكليف.

(3)- ويح كلمة ترحم.

(4)- رزينا انقصنا و أصبنا و المطايا الدوابّ تحط اي تجد في سيرها.

(5)- احتذاها قدرها و لبسها و المثاني آيات القرآن.

(6)- راع أعجب.

(7)- الشهر الحرام تريد شهر رمضان الذي قتل فيه علي خير الناس طرا اي كلهم.

(8)- أي إذا احتاجت تكتب إليه فيحسن عطاءها.

47

كلام سودة بنت عمارة (رحمها الله)

قال أبو موسى عيسى بن مهران حدثني محمد بن عبيد الله الخزاعي يذكره عن الشعبي و رواه العباس بن بكار عن محمد بن عبيد الله قال‏

: استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها فلما دخلت عليه: قال هيه

(1)

يا بنت الأسك أ لست القائلة يوم صفين

(2)

شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة* * * يوم الطعان و ملتقى الأقران‏ (3)

و انصر عليا و الحسين و رهطه‏* * * و اقصد لهند و ابنها بهوان‏ (4)

إن الإمام أخو النبي محمد* * * علم الهدى و منارة الإيمان‏ (5)

فقه الحتوف و سر إمام لوائه‏* * * قدما بأبيض صارم و سنان‏ (6)

قالت: إي و الله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي ع و اتباع الحق قال: فو الله ما أرى عليك من أثر علي شيئا قالت: أنشدك الله

(7)

يا أمير المؤمنين و إعادة ما مضى و تذكار ما قد نسي قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى و ما لقيت من أحد ما لقيت من قومك و أخيك قالت: صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام و لا خفي المكان كان و الله كقول الخنساء:

و إن صخرا لتأتم الهداة به‏* * * كأنه علم في رأسه نار

____________

(1)- كلمة استنطاق و استزادة.

(2)- هو يوم من أيّام الحرب بين علي و معاوية.

(3)- الاقران الاكفاء.

(4)- الرهط قوم الرجل و هند أم معاوية.

(5)- المنارة موضع النور يهتدى به كالمنار.

(6)- الحتوف المنايا و يروى فقد الجيوش و قدما أي متقدما و الصارم السيف القاطع و السنان سنان الرمح.

(7)- استحلفك باللّه.

48

قال صدقت لقد كان كذلك فقالت: مات الرأس و بت

ر

(1)

الذنب و بالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه

(2)

قال: قد فعلت فما حاجتك؟ قالت: إنك أصبحت للناس سيدا و لأمرهم متقلدا و الله سائلك من أمرنا و ما افترض عليك من حقنا و لا يزال يقدم علينا من ينو

ء

(3)

بعزك و يبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل و يدوسنا دوس البق

ر

(4)

و يسومن

ا

(5)

الخسيسة و يسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي و أخذ مالي يقول لي: فوهي بما استعصم الله منه و ألجأ إليه فيه

(6)

و لو لا الطاعة لكان فينا عز و منعة فإما عزلته عنا فشكرناك و إما لا فعرفناك فقال معاوية: أ تهدديني بقومك لقد هممت أن أحملك على قتب

(7)

أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:

صلى الإله على جسم تضمنه‏* * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلا* * * فصار بالحق و الإيمان مقرونا

قال لها: و من ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب ع قال: و ما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا قدم علينا من قبله فكان بيني و بينه ما بين الغث و السمين فأتيت عليا ع لأشكو إليه ما صنع فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انفتل‏

(8)

من صلاته ثم قال لي برأفة و تعطف: «أ لك حاجة؟» فأخبرته الخبر فبكى ثم قال: «اللهم إنك أنت الشاهد علي‏

____________

(1)- قطع.

(2)- أي ما طلبت الاعفاء منه و هو إعادة ما مضى.

(3)- ينهض.

(4)- أي كما تدوس البقر السنبل لفصل الحب منه.

(5)- يكلفنا.

(6)- لعلها تشير إلى ما يروى في بعض الأخبار على ان عمال معاوية كانوا يكلفون الناس سب علي للحط من شأن أولاده و شيعته.

(7)- القنب رحل كالبرذعة بقدر سنام البعير و المراد انه يحملها على بعير شرس أي صعب الخلق و السير.

(8)- انصرف.

49

و عليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقك» ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها: «

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ‏ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا (1) النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا (2) فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ

إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام» فأخذته منه و الله ما ختمه بطين و لا خزمه بخزام فقرأته فقال لها معاوية: لقد لمظكم‏

(3)

ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون ثم قال: اكتبوا لها برد مالها و العدل عليها قالت: إلي خاص أم لقومي عام؟ قال: ما أنت و قومك؟ قالت: هي و الله إذن الفحشاء و اللؤم إن لم يكن عدلا شاملا و إلا فأنا كسائر قومي قال: اكتبوا لها و لقومها.

____________

(1)- القسط و العدل و البخس النقص و الظلم.

(2)- تفسدوا.

(3)- من لمظه جعل الماء على شفته.

50

كلام الزرقاء بنت عدي‏

17 و

قال عيسى بن مهران: حدثني العباس بن بكار قال: حدثني محمد بن عبيد الله عن الشعبي قال: و حدثني أبو بكر الهذلي عن الزهري قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية و ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد ربه بن القاسم بن يحيى بن مقدم قال: أخبرني محمد بن فضل المكي الضبي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الشافعي صاحب الري عن أبيه محمد بن إبراهيم عن خالد بن الوليد المخزومي عن سعد بن حذافة الجمحي قال‏

: سمر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس امرأة كانت من أهل الكوفة و كانت ممن يعين عليا ع يوم صفين‏

(1)

فقال لأصحابه: أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال القوم: كلنا نحفظه يا أمير المؤمنين قال فما تشيرون علي فيها؟ قالوا: نشير عليك بقتلها قال: بئس ما أشرتم علي به أ يحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت و صار الأمر لي؟ ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد

(2)

إلي الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها و عدة من فرسان قومها

(3)

و مهدها وطاء لينا و استرها بستر حصيف‏

(4)

فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة و إن‏

____________

(1)- صفين موضع و يومه يوم من أيّام الحرب بين علي و معاوية.

(2)- من أوفده أقدمه.

(3)- محرم المرأة من لا تحل له كأبيها و أخيها و من تلزمه حمايتها و عدة أي جماعة.

(4)- مهدها وطأ هيّأ لها و الوطء الفرش اللين و الحصيف المحكم و يروى حصيف أي غليظ.

51

كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إلي لم أرم من بلدي هذا و إن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي فحملها في هودج و جعل غشاءه حبرا مبطنا بعصب اليمن‏

(1)

ثم أحسن صحبتها و في حديث المقدمي فحملها في عمارية جعل غشاءها خزا أدكن‏

(2)

مبطنا بقوهي فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحبا و أهلا خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة؟ و كيف رأيت مسيرك؟ قالت: خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا ممهدا قال: بذلك أمرتهم فهل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم و هل يعلم ما في القلوب إلا الله قال: بعثت إليك أن أسألك أ لست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين‏

(3)

توقدين الحرب و تحضين على القتال فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس و بتر الذنب‏

(4)

و الدهر ذو غير

(5)

و من تفكر أبصر و الأمر يحدث بعده الأمر قال لها: صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: ما أحفظه قال: و لكني و الله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيها الناس إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم و جارت بكم عن قصد المحجة

(6)

فيا لها من فتنة عمياء صماء يسمع لقائلها و لا ينظر لسائقها

(7)

أيها الناس إن المصباح لا يضي‏ء في الشمس و إن الكوكب لا يقد في القمر و إن البغل لا يسبق الفرس و إن الزف‏

(8)

لا يوازن الحجر و لا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه و من استخبرنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالته‏

(9)

فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين و الأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات و التأمت‏

(10)

كلمة العدل و غلب الحق باطله فلا يعجلن‏

____________

(1)- غشاءه غطاءه و العصب صنف من برود اليمن جمع برد و هو الثوب المخطط.

(2)- من الدكنة و هي لون أميل الى السواد.

(3)- أي بين صفي الحرب.

(4)- و يروى و بقي الذنب.

(5)- أحداث.

(6)- المحجة الطريق المستقيم.

(7)- أي لا يتراوض و لا يهمل.

(8)- الزف صغير الريش أو صغير الحصى و المراد من هذه العبارات ان الفرق بين معاوية و علي كالفرق بين المصباح و الشمس إلخ تعني ان الثاني أفضل.

(9)- الضالة من الإبل المفقودة و العبارة هنا من المجاز.

(10) اندمل الجرح التأم و الشعب الصدع أو الشق و الشتات التفرق و التأمت التصقت و انضمت.

52

أحد فيقول: كيف و أنى‏

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا

ألا إن خضاب النساء الحناء و خضاب الرجال الدماء و الصبر خير في الأمور عواقبا إيها إلى الحرب قدما

(1)

غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده ثم قال معاوية: و الله يا زرقاء لقد شركت عليا ع في كل دم سفكه فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين و أدام سلامتك مثلك من بشر بخير و سر جليسه قال لها و قد سرك ذلك؟ قالت: نعم و الله لقد سرني قولك فأنى بتصديق الفعل فقال معاوية: و الله لوفاؤكم له بعد موته أحب إلي من حبكم له في حياته اذكري حاجتك قالت: يا أمير المؤمنين إني قد آليت على‏

(2)

نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا و مثلك أعطى عن غير مسألة و جاد عن غير طلب قال: صدقت فأقطعها ضيعة أغلتها

(3)

في أول سنة عشرة آلاف درهم و أحسن صفدها

(4)

و ردها و الذين معها مكرمين.

____________

(1)- ايها كلمة إغراء و قدما أي متقدمين غير ناكصين من نكص ارتد على عقبه.

(2)- حلفت.

(3)- افادتها و الغلة فائدة الأرض.

(4)- عطائها.

53

كلام بكارة الهلالية

حدثني عبد الله بن عمرو قراءة من كتابه علي قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن المفضل قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي عن محمد بن إبراهيم عن خالد بن الوليد عمن سمعه من حذافة الجمحي قال‏

: دخلت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان بعد أن كبرت سنها و دق

(1)

عظمها و معها خادمان لها و هي متكئة عليهما و بيدها عكاز فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن عليها الرد و أذن لها في الجلوس و كان عنده مروان بن الحكم و عمرو بن العاص فابتدأ مروان فقال: أ ما تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: و من هي؟ قال: هي التي كانت تعين علينا يوم صفين و هي القائلة:

يا زيد دونك فاستشر من دارنا* * * سيفا حساما في التراب دفينا

قد كان مذخورا لكل عظيمة* * * فاليوم أبرزه الزمان مصونا

فقال عمرو بن العاص: و هي القائلة يا أمير المؤمنين:

أ ترى ابن هند (2) للخلافة مالكا* * * هيهات ذاك و ما أراد بعيد

منتك نفسك في الخلاء ضلالة* * * أغراك عمرو للشقاء و سعيد

فارجع يا نكد طائر بنحوسها* * * لاقت عليا أسعدا و سعود

فقال سعيد: يا أمير المؤمنين و هي القائلة:

قد كنت آمل أن أموت و لا أرى‏* * * فوق المنابر من أمية خاطبا

____________

(1)- نحف.

(2)- أي معاوية.

54

فالله أخر مدتي فتطاولت‏* * * حتى رأيت من الزمان عجائبا

في كل يوم لا يزال خطيبهم‏* * * وسط الجموع لآل أحمد عائبا

ثم سكت القوم فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين و اعتورتني فقصر محجني‏

(1)

و كثر عجبي و عشي بصري و أنا و الله قائلة ما قالوا: لا أدفع ذلك بتكذيب فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين‏

(2)

فقال معاوية إنه لا يضعك شي‏ء فاذكري حاجتك تقضى فقضى حوائجها و ردها إلى بلدها.

و

حدثني عيسى بن مروان قال: حدثني محمد بن عبد الله الخزاعي عن الشعبي قال‏

: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها فدخلت و كانت امرأة قد أسنت و عشي بصرها

(3)

و ضعفت قوتها فهي ترعش بين خادمين لها فسلمت ثم جلست فقال معاوية كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين قال: غيرك الدهر قالت: كذلك هو ذو غير من عاش كبر و من مات قبر ثم ذكر الحديث على ما رواه سعد بن حذافة في حديث عبد الله بن عمرو

(4)

و من قول عمرو و سعيد و مروان و رواية في الحديث قالت: أن عشي بصري و قصرت حجتي فأنا قائلة ما قالوا و ما خفي عليك أكثر فضحك معاوية و قال: ليس بمانعي من برك يا خالة غير عدم مجيئك قالت: أما الآن فلا

(5)

.

____________

(1)- اعتورتني تناولتني و تداولتني و المحجن العصا المنعطفة الرأس كالصولجان و قصور محجنها كناية عن عجزها عن طرد تلك الكلاب.

(2)- تعني عليّا (عليه السلام).

(3)- أي ضعف.

(4)- الحديث السابق.

(5)- فلا مانع إذ قد جاءته.