أدباء القرن العشرين

- إبراهيم عبد القادر المازني المزيد...
241 /
5

شكر و تقدير

تحقيق لرحلة الشام أو رحلة الشتاء" كما أسماها" إبراهيم عبد القادر المازنى" عن مخطوطة كتبها المازنى بنفسه و علق عليها، و راجعها بقلمه عام (1936) و هى نسخة كتبها المازنى على الآلة الكاتبة بنفسه ثم راجعها بقلم مغاير. و قد سلم لى هذه المخطوطة ابنه محمد إبراهيم عبد القادر المازنى، ضمن ما أعطانى من مقالات لم ينشرها المازنى فى حياته.

لهذا وجدت من واجبى أن أسهر على هذا العمل النادر، و أن أعطيه كل الاهتمام، لأنه يمثل صفحة مشرقة من تاريخ العلاقات المصرية العربية فيما بين الحربين، بل يعكس النهضة الثقافية العربية آنذاك.

و لا أنسى أن أقدم وافر الشكر لابنه محمد المازنى الذى كان- (رحمه الله)- يسهم بوعيه فى نشر هذا التراث المهم، لوالده. لعلمه بمكانة المازنى فى تاريخنا الأدبى الحديث‏

د. مدحت الجيار

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بين يدى القارئ رحلة الشام‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

النثر العربى غنى و متنوع، ممتد عبر كل عصور الأدب العربى.

حمل- مثله مثل الشعر- خصائص لغتنا العربية- و خصائص كل مرحلة حضارية يمر بها المجتمع العربى. و للنثر الأدبى: أنواعه، و خصائصه المميزة؛ و لكنه لم يأخذ حقه من الدراسة كما أخذ الشعر العربى. فقد وضعت الظروف التاريخية و الحضارية بعامة الشعر العربى كأهم نوع أدبى يكتبه الإنسان العربى خلال كل عصورها. مما جعل النثر يتوارى قليلا فى الحياة الأدبية، مقدما الشعر أمامه، حتى أن الأنواع الأدبية النثرية كانت تتوسل بالشعر ليزداد النوع النثرى تشويقا و جذبا لاهتمام القارى‏ء و المستمع على السواء.

و قد سبق فنا الخطابة، و الرسالة، فى بداية الأمر لاجتياج الحياة العربية إليهما. ثم أضيف إليهما ما لدى العرب من حكايات و حوادث تاريخية و سير شخصية. و تنطوى كلها تحت النتاج الشفاهى. الذى تغلب على ظاهرة النسيان الإنسانية، بما وضعه من تقسيمات و إيقاعات صوتية فى النص الأدبى النثرى. لتستعين به الذاكرة العربية و تستمع فى الوقت نفسه، بمقدار من البلاغة،

10

و الموسيقى، و وسائل السرد، و أنواع الفكر، و تعدد الموضوعات، حسب الغرض المطلوب و المتاح فى الخطاب النثرى، على اختلاف أنواعه و طرق تكوينه، و كما يقول أرسطو:" كل واحد من الناس يوجد مستعملا لنحو ما من أنحاء البلاغة، و منتهيا منها إلى مقدار ما.

و لذلك فى صنفى الأقاويل اللذين أحدهما المناظرة و الثانى التعليم و الإرشاد، و أكثر ذلك فى الموضوعات الخاصة بهذه الصناعة و هى مثلب الشكايا و الاعتذار و سائر الأقاويل التى فى الأمور الجزئية." و مثل المدح و الذم و الجميل و القبيح و الفضيلة و الرذيلة و غيرها من الأمور المجردة.

و ما يقال عن الخطابة يقال عن غيرها من أنواع النثر الأدبى.

أعنى ما قاله أرسطو" إنما يكون الكلام تم فعلا و أكثر إقناعا إذا رأى المخاطب به، إنه لم يبق فيه موضوع، و لا تأمل و لا معارضة، إلا و قد أتى بها ..".

لأن النوع الأدبى يحمل خطابا للآخر. و يحتاج إلى إقناعه و إمتاعه و توصيل رساله إليه.

و لقد أضافت سيرة النبى" (صلى الله عليه و سلم)" نوعا أدبيا مختلفا عن سير الملوك و الأبطال. كانت بداية لكتابة سير الصحابة و الخلفاء و الصالحين، ثم سير المشهورين و العظماء فيما بعد. ثم إن فن كتابة الرحلة نوعا أدبيا جديدا، يهتم بالسفر بين البلاد، مؤرخا و واصفا و ملاحظا.

و قد ثبتت أشكال بعض الأنواع الأدبية النثرية. و استطاع فن كتابة الرحلة أو أدب الرحلة أن يتطور مع الرحلة نفسها و بتطور الأسباب التى تدعو إليها.

11

و كانت الأنواع النثرية التقليدية قد أخذت حظها من الدراسة.

و كان لا بد أن نهتم بالأنواع النثرية الأخرى التى لم تحظ بعناية كأدب الرحلة.

و لا ننسى فى هذا السياق أن أدب الرحلة، أدب إكتشاف للذات و للآخر. للمكان و للزمان قديما و جديدا. فالرحلة كالمكتشف الذى يطارده سؤال دائم عن الإنسان و الزمان و المكان، فى كل مرحلة يصل إليها، أو يفكر فى الوصول إليها.

و هو ما دعا لتأليف الرحلة" لأدب الرحلة" و هذا ما جعلنا ندرس و نحقق" رحلة الشام لإبراهيم عبد القادر المازنى"، كنموذج تطبيقى لأدب الرحلة الحديث. فهو نموذج من نماذجه المتعددة و أحد مؤلفات المازنى المحتاجة للظهور بين يدى المتابعين و الدارسين للأدب العربى الحديث.

و كان لا بد أن يكون الاهتمام بأدب الرحلة مشفوعا بالاهتمام بنص من نصوص الرحلة العربية. و هو ما نجده فى هذا الكتاب. إذ يوضع الكتاب فى قسمين كبيرين:

الأول: دراسة لأدب الرحلة. و الثانى: يدرس كتاب" رحلة الشام" كنموذج لأدب الرحلة حتى يتحقق التوازن بين الدراسة، و التحقيق و التحليل. أملا فى أن يجد المتابع لهذا البحث توازنا آخر بين الاحتفاء بالمازنى و كتابه، و بين الاحتفاء بأدب الرحلة العربى، و بالآخرين الذين شكلوا رحلة الشام معه.

12

و سيجد المتابع خلال و حدات الكتاب و فصوله تفسيرا لتقسيمه على هذا النحو.

***

13

تصدير

هذا كتاب جديد لم يسبق نشره للأديب الكبير" إبراهيم عبد القادر المازنى" و هو يشمل رحلة الكاتب إلى الشام للاشتراك فى العيد الألفى للمعرى بالنيابة عن نقابة الصحفيين و بدعوة من المجمع العلمى العربى بدمشق.

و إنه ليسرنى أن أقدم هذا الكتاب الجديد إلى قراء العربية، و قد كتبه المازنى بأسلوبه الشائق الذى تفرد به بين كتاب العرب، لنواصل نشر وثائق الأدب العربى الحديث (حتى تكتمل). و عند اكتمالها، سنضطر إلى إعادة النظر فيما كتبناه عنه، و سيكون من واجبنا أن نراجع أحكامنا على هذه الفترة الثرية من تاريخ الأدب و النقد العربيين. فلقد توقف الاطلاع على هذه الوثائق فترة طويلة من تاريخنا المعاصر حين انشغلنا بالمذاهب و النظريات الغربية و الأمريكية و الروسية و الصينية، و لم ندرك أن التواصل مع هؤلاء الرواد هو جسر النجاة و الانتقال، فقد كانوا فى أيامهم على اتصال‏

14

مباشر بالفكر العالمى و الثقافة العالمية فى لغتها، و إننا اليوم نعيد الحياة الثقافية إلى حلقتها الطبيعية حتى تسلم الأجيال الرسالة بعضها إلى البعض الآخر.

" و أدب الرحلة» أدب قديم، و قصصه أقدم، يعود إلى قدم الوعى الإنسانى بهذه الرحلة و بأدبها الشفاهى منه و المدون. فعند ما خرج الإنسان إلى الصيد فى البر ثم فى البحر، و هو يقص على أهله و أصدقائه ما رآه، و ما عايشه، واصفا المواقف الحرجة التى تعرض لها، و هى مواقف تدور حول (ذاته) فى صراعها مع الطبيعة الخشنة البكر، و مع الآخرين.

و" الراوى" هو البطل بطبيعة الحال، فى هذا اللون من القص، إذ لا بد أن تتمحور الأحداث حول البطل الراوى، و لا بد أن يحسم الصراع لصالحه، ما دام قد عاد إلى ذويه، ذلك إذا لم يعد فقد ضاع ضمن ما يضيع كل يوم فى الحياة. و هنا لا بد أن يلون الحوادث و الصراعات و نتائجها وفق هواه، إذا لم يكن هناك شهود على ما حدث. و هذا التلوين هو نوع من التدخل بالحذف، أو بالذكر بالتحليل أو بالتفسير ليصبح بطلا أمام مستمعيه. و هذا العمل ما يصنع من الرحلة فنا متميزا تختلط فيه الرحلة بالسيرة الذاتية بالأحلام.

و لا بد أن يكون لمثل هذا اللون من القص قدرة خاصة على الحكى، و التذكر، و تنظيم معطيات الرحلة وفق رؤية خاصة هى ما تصنع خصوصية الرحلة، و خصوصية أسلوب كتابتها. و لقد دون صاحب الرحلة" طريقته الخاصة، و رموزه الخاصة وفق طريقة

15

التدوين الخاصة بكل جماعة و كل عصر إذ يمكنه أن يدونها بالتصوير، أو أن يتداولها بالحكى.

و الرحلة تختلف باختلاف الغرض منها، فهناك رحلة العمل، و رحلة البحث عن مصادر العيش لاستمرار الحياة، و هناك رحلات الاكتشافات و السياحة، و هناك رحلات الأدباء للتعليم أو للمشاركة الأدبية فى الندوات و المؤتمرات لمعرفة المجايلين لهم، و التعرف على أهل المهنة و أصحاب التخصص، و كلها- بلا شك- رحلات تحكى و تؤرخ، و يتوقف الحكى، و التاريخ على القدرات الصياغية و على الرغبة فى التسجيل و التوثيق، بل على التوجه الموضوعى أو الذاتى فى كتابة الرحلة كلها.

و يختلط هذا اللون من القص بما نعده من المذكرات و اليوميات، و ما نعهده من أدب السيرة الذاتية أو الترجمة الذاتية، بصرف النظر عن نوع المعلومة أو الرحلة. أعنى أننا نهتم بصياغاتها الفنية كنوع أدبى يتميز بخصائص فنية لا بد أن نجدها متوفرة فيه لنطلق عليه المصطلح الخاص به.

و لدينا نماذج عربية- فى تراثنا- لهذا الفن من كتابة الرحلات، كرحلات" ابن جبير"" و ابن بطوطة" و" المسعودى" و غيرهم ...

و لم تكن رحلات" إبراهيم عبد القادر المازنى" بعيدة عن طريقة الحكى العربية، بل هى قريبة مما تركه لنا الطهطاوى فى" تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" أو ما تركه على مبارك فى" علم الدين".

إن هذه الرحلة تصنع تواصلا مع فن كتابة الرحلة فى تراثنا و فى تاريخنا الحديث على السواء.

16

و لكن المازنى يتميز عن هذه المحاولات التراثية و الحديثة، بالتعامل الفنى مع الرحلة، و صياغتها فى الشكل القصصى من البداية حتى النهاية، مراعيا بروحه الفكهة، و سخريته اللاذعة كونها حكاية. و هذا ما يستدعى دراسة خاصة لهذه الرحلة، و لغيرها من رحلات المازنى فى الحجاز و العراق.

لذلك يقف فن الرحلة عند المازنى متمايزا عما سبقه و ما عاصره. من كتابات السير الذاتية، و تدوين المشاهدات بل عن القص الذى يتخذ من تاريخ الشخصية و ملابساته مادة لعمل فنى.

فقد قام (إبراهيم عبد القادر المازنى) بثلاث رحلات، كانت الأولى إلى السعودية، و هى المسماة ب" رحلة الحجاز" و قد صدرت الطبعة الأولى منها سنة (1930 م) بمطبعة فؤاد بعطفة عبد الحق السنباطى بميدان الأوبرا بالقاهرة. و كانت الرحلتان الثانية و الثالثة مرتبطين؛ حيث خرج المازنى إلى الشام و منها تجاوز الحدود إلى فلسطين و العراق، لذلك نستطيع أن نقول إن رحلتى الشام و العراق- و فلسطين- واحدة تكمل إحداهما الأخرى. و لم تطبع رحلتا الشام و العراق فى حياة" المازنى" و قد حصلت على مخطوتين للرحلتين من محمد إبراهيم عبد القادر المازنى، تركهما المازنى مكتوبين على الآلة الكاتبة كما أشرنا من قبل.

و لما كانتا رحلة الشام هى الرحلة الثانية للمازنى بعد رحلة الحجاز، فسنقدمها قبل رحلة العراق، حتى نفرغ لها فى تحقيق تال فلدينا مخطوطة هذه الرحلة. و تتكون رحلة الشام من جزئين: الأول هو نص المازنى عن الرحلة إلى الشام حيث كان يحضر مهرجان المعرى، فى العيد الألفى لأبى العلاء المعرى، بدعوة من المجمع‏

17

العلمى العربى بدمشق، و ممثلا لنقابة الصحافيين، فى صيف 1944 م. أما الجزء الثانى فهو البحث الذى قدمه المازنى إلى مهرجان المعرى، و لقد نشر هذا البحث منفصلا عن الرحلة بجريدة" البلاغ (1943 م) و قد أشارت ببليوجرافيا السكوت الخاصة بالمازنى- و هى العدد الثانى من سلسلة أعلام الأدب المعاصر فى مصر. إلى أن هذه الرحلة قد نشرت فى" البلاغ" فى الفترة ما بين (11/ 10/ 1943- 23/ 11/ 1943 م).

كما أشارت إلى نشرها مسلسلة بعنوان" رحلة إلى الشام" فى سبع أجزاء متتالية بمجلة" الجديد" عام 1974 م فى الفترة ما بين (15/ 8/ 1974 م) ما أشارت الببلوجرافيا إلى ما نشر عن مهرجان المعرى بعنوان" فى مهرجان المعرى" فى" البلاغ" فى الفترة ما بين (11/ 10/ 1944 م- 23/ 11/ 1944 م) على فترات غير منتظمة، و الخطأ الواضح هنا هو تاريخ السنة، فقد ذكرها فى البداية (1944) و فى نهايتها (1943 م)، و الصحيح أنها (1943 م).

أما المخطوطة التى تركها المازنى- لنا- فهى عبارة عن سبع و ثلاثين صفحة من قطع الفلوسكاب. و قد قسمها المازنى إلى مقدمة يتحدث فيها عن أسباب قيامه بالرحلة (فى صفحتين) ثم تصوير الرحلة فى بقية الصفحات. و قد قسم الحديث عن الرحلة إلى ثمانى عشرة فقرة عالج فى كل فقرة منها فكرة مستقلة. و لا داعى للتفاصيل فى هذا التصدير، لأن الدراسة و التحقيق سيعطيان مساحة أكبر لهذه التفصيلات.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

لماذا هذه الطبعة حول نص الرحلة و طريقة تحقيقها

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

هذه هى الطبعة الأولى لرحلة الشام ككتاب مستقل محقق مدروس. فقد نشرت فى البلاغ فى فترة قريبة من زيارة المازنى لدمشق، ثم نشرت بعد ذلك مسلسلة فى مجلة الجديد، بشكل غير منتظم كما أشرنا فى التصدير. و لكن لم تطبع كلها فى مجلد واحد.

و لم تقم عليها، دراسة واحدة، على الرغم من أهميتها من الناحية الأدبية و الاثنو جرافية، فهى رحلة مفيدة للدراس الاجتماعى و المؤرخ الأدبى على السواء. إذ تحمل تاريخا أدبيا لفترة محددة بعدة أيام هى عمر المؤتمر الخاص بالعيد الألفى لأبى العلاء المعرى. و لكنها تعد توصيفا مهما لحالة الأدب و الثقافة بعامة فى عقد الأربعينيات، فى الوطن العربى بعامة. و فى العواصم النشيطة كدمشق و بغداد و القاهرة.

و هى رؤية شاهد عيان يرى بعينيه و يحكى ما حدث له و للآخرين أو مع الآخرين. و لذا كانت هذه الرحلة بمثابة وثيقة شاهدة مجسدة على حالة الثقافة و العلاقات الاجتماعية العربية فى فترة من أهم فترات العرب فى العصر الحديث، و أعنى بها فترة الخروج من‏

22

الحرب العالمية الثانية، و الحصول على الاستقلال، و صعود الحكومات الوطنية لتسلم السلطة فى البلاد العربية. و هى شاهد آخر على ضرورة التوحد العربى، حتى فى أحلك الظروف. فقد رأينا فى هذه الرحلة كيف يفصل المستعمر بين فلسطين و بقية العرب؟ و كيف يمنع بعض المثقفين من دخول فلسطين بأوامر من الأمن العام، بسبب مواقف هؤلاء المثقفين من قضية فلسطين و من بقية قضايا الوطن العربى، و القومية العربية، و الوحدة العربية آنذاك.

و لهذا فهذه الطبعة (الأولى- 1993 م) إضافة لتراث المازنى من ناحية. و للنشر العربى من ناحية ثانية، و لمعرفة العلاقات الثقافية العربية من ناحية ثالثة، و نظرا لهذه الأهمية، انقسمت هذه الطبعة إلى قسمين كبيرين: القسم الأول: خصص لدراسة" أدب الرحلة و تحولاته" ليوضح تاريخ هذا النوع الأدبى، و تحولاته، دون أن ينسى أهمية الدراسة الفنية و الجمالية لهذا النوع المتميز و المتصل مع الأنواع الأدبية العربية.

لهذا، قسم القسم الأول إلى فصلين: الأول: بعنوان" الرحلة، تاريخا و جغرافية و لغة". و يدرس مفهوم هذا الأدب، و تاريخه، و تطوره، و الفصل الثانى فقد خصص لدرس الخصائص الفنية لأدب الرحلة فهو فن له تقنياته الخاصة التى يجتهد فيها كل كاتب، و يختلف فيها عن الآخرين.

و بهذا ينتهى القسم الأول، و هو القسم النظرى، لندخل إلى القسم الثانى، الخاص بتحليل الكتاب (رحلة الشام) و تحقيقه.

23

و لأهمية هذا الجزء من الكتاب، لأنه المقصد النهائى من طبعه و دراسته و تحليله و تحقيقه. أخذ (القسم الثانى) من هذا الكتاب شكلا مختلفا عن القسم الأول. فقد قسم القسم الثانى إلى:

الفصل الأول:

و يختص بتحقيق نص كتاب رحلة الشام كما تركه إبراهيم عبد القادر المازنى، و قد حاول الباحث أن يخرج التحقيق فى صورة متميزة غير تقليدية. فقسم الكتاب إلى ثمان عشرة وحدة.

أعطى لكل وحدة تسمية تصفها مشتقة من المادة التى تعالجها هذه الوحدة كما حرص على أن يضع عناوين داخلية متنوعة تفيد فى تتبع الحكى و الحوادث، تساعد المتلقى على التغلب على استطرادات المازنى، و تداعياته الحرة التى تخرج من موضوع لآخر، داخل الرحلة، أو تستطرد إلى موضوعات خارج الرحلة وجد أنها تفيد سياقها. كما قيد هذه العناوين الداخلية فى عمل (فهرست) تفصيلى لموضوعات الرحلة.

كذلك حرص الباحث على تنظيم الفقرات داخل كل وحدة بطريقة تمكن المتلقى من المتابعة، و فصل كل فكرة عن الأخرى، و من ثم تحولت العناوين الكبيرة (الخارجية)، و الصغيرة (الداخلية) إلى وظيفة الإرشاد، و التلخيص، و المتابعة، و التوضيح. و لم ينس البحث- فى هذا السياق- أن يضبط بعض الأعلام و العبارات بالعلامات المناسبة، أو الأقواس، و وضع علامات الترقيم الأخرى لضبط الشكل الكتابى بين الكلمات و العبارات و الجمل، و كان المازنى قد تركها عند

24

كتابتها على الآلة الكاتبة غير موضحة. كذلك بذل الباحث بعض الوقت لمعرفة بعض الجمل المحذوفة أو التحقق من بعض العبارات الزائدة على متن الرحلة بخط اليد وضعها المازنى للتحقيق و المراجعة.

الفصل الثانى:-

لدراسة هذه الرحلة من حيث تحليل المضمون، و قد شمل هذا الفصل دراسة لمضمون الرحلة مزودة بتعريف الشخصيات و ما حولها من ظروف و أفكار و مؤلفات و تقسيم تفصيلى لرحلة الشام فى صورة فهرست تفصيلى لموضوعات الرحلة. و ينتهى الكتاب بفهرست تسبقه قائمة بالمصادر و المراجع التى اعتمد عليها.

25

القسم الأول أصول أدب الرحلة و تحولاته‏

و لم تعطني الأيام نوما مسكنا* * * ألذ به إلا بنوم مشرد

و طول مقام المرء في الحى مخلق‏* * * لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإنى رأيت الشمس زيدت محبة* * * إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

ديوان أبى تمام ج 2، ص 33 بشرح الخطيب التبريزى تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، القاهرة، 1983"

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

القسم الأول أصول أدب الرحلة و تحولاته دراسة نظرية الفصل الأول:- الرحلة تاريخا و جغرافيا و لغة الفصل الثانى:- الخصائص الفنية لأدب الرحلة السرد، التقنية، اللغة.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الأول الرحلة تاريخا و جغرافيا و لغة

المقصود بأدب الرحلة.

الجذور الشعبية لأدب الرحلة.

المرحلة الجغرافية السياسية (الإسلامية).

الكشوف الجغرافية الإسلامية و الأوروبية.

الرحلة إلى داخل الدولة الإسلامية و خارجها.

رحلات التبشير و الحروب الصليبية.

المحيط الهندى و البحر المتوسط.

الرحلة فى المفهوم العربى و الإسلامى و دواعيها.

مصطلح الرحلة.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

(1) [المقصود بأدب الرحلة]

المقصود بأدب الرحلة، ما كتبه الكتّاب عن الرحلة بكل أنواعها، و طرقها، و أغراضها، سواء كتب- عنها- صاحب الرحلة، أو أحد آخر و سواء أكانت الرحلة عبر المكان الجغرافى أم عبر الزمان التاريخى و يدخل فى هذا الكتاب أدب الرحلة المتخيلة ذات المغزى الأخلاقى أو النفعى. و يدخل فيه أيضا- الرحلات الدينية و الروحية فالمهم أن نقرأ أو نسمع عن هذه الرحلة لنسميها" أدب الرحلة".

و لهذا يرتبط هذا النوع من الكتابة الأدبية، بوجود نص، يمكن الرجوع إليه و يحدد هذا النص العمق التاريخى عن تأريخ هذه الرحلة، و التعرف على خصائصها الفنية بخاصة، و الثقافية بعامة و يمكننا هذا النوع من دراسة تطور هذا النوع من الكتابة، و من الرحلة ذاتها، حسب الأدوات التى يستخدمها الكاتب و مدى وعيه بها.

32

فأدب الرحلة يمكن أن نجد له جذوره الشعبية و الأسطورية فى الحكايات و الأساطير و الملاحم و السير لدى الشعوب التى أنتجت هذه الأنواع. و لهذا كانت تسمى الرحلة آنذاك باسم القائم بها و ليس باسم كاتبها.

فرحلة" عوليس" هى رحلة" عوليس" و ليست رحلة" هوميروس" كذلك رحلة" إيزيس" فى بحثها عن جثة أوزوريس هى رحلة إيزيس و ليست رحلة كاتب أو مؤلف أو مؤلفى هذه الأسطورة، و رحلات السندباد البحرى فى ألف ليلة و ليلة هى رحلات السندباد البحرى و ليست رحلات المؤلفين الشعبيين الذين أنشأوا هذه الرحلات.

كذلك تغريبة" بنى هلال" فى سيرتنا الشعبية و هكذا.

و أسطورية و شعبية هذه الرحلات وراء اختفاء كاتبها- بالطبع- و ظهور اسم بطلها الأسطورى أو الشعبى و إن كانت الأسطورية هنا لا تتناقض مع إمكانية حدوث بعض حوادثها فى واقع الحياة كذلك و إن كانت شعبيتها لا تتناقض مع إمكانية حدوث هذه الرحلات أو بعضها. إنما يصدر الخلاف- هنا- من خلال الخصائص الأسطورية- الشعبية للرحلة القديمة عن الرحلة الوسيطة و الحديثة و المعاصرة حيث تختلف الخصائص الثقافية و الفنية و اللغوية و التقنية فى الأسطورى و الشعبى عن مثيلاتها فى الأدب معلوم المؤلف أو معلوم المصدر، لأنه يكون آنذاك أدبا ذا خصائص فردية و إن مازجه انعكاسات و تأثيرات هذا التراث الأسطورى- الشعبى و الخرافى فى أدب الفرد، المنسوب إلى اسمه و لهذا يغلب على هذا النوع من" أدب الرحلة" المنظور" الشعبى" الذى كتب به، و ما يحمله‏

33

هذا المنظور من خصائص إنسانية عامة و فنية و تقنية تكاد تكون ثابتة ترتبط بفن القص و السرد الشعبيين على مر العصور.

و تملك هذه النصوص- أيضا- خصائص إثنو جرافية، و إثنو لوجية 1 إلى جانب خصائصها التقنية الفريدة، فهى نصوص تصلح كوثيقة لتحليل علاقات الأفراد و الشعوب فى هذه الفترة البعيدة من تاريخ الإنسان.

و نستطيع أن نقول إن ما وصل إلينا- بلا شك- أقل بكثير جدا مما حدث و مما حكى و مما كتب، فقد ضاعت فى أغوار التاريخ حكايات و أساطير و سير للأبطال و الجماعات لم تصل إلينا، و لكنها تركت فى ذاكرة الشعوب مادة متوارثة، بقى منها ما اتفق مع أمزجتهم و ذوقهم و ثقافتهم.

و لهذا كانت المرحلة التالية فى الأهمية لأدب الرحلة أو الكتابة عن الرحلة، تلك الرحلات العربية المحددة الموسومة باسم صاحبها، فيما بين القرن الرابع الهجرى و التاسع الهجرى (العاشر و الخامس عشر الميلاديين) و هى المرحلة التى خلفت لنا كتب الرحلات فى تراثنا الإسلامى.

و هى الفترة التى شهدت السيادة الإسلامية على المحيط الهندى و تجارته. كما شهدت الحروب الصليبية ضد السيادة الإسلامية فى الوقت نفسه، و هذا ما جعل الرحالة المسلمين متوجهين إلى الأراضى الإسلامية بخاصة. فقد وضح الفارق بين الأنا و الآخر، فاستوجبت الدراسة من الفريقين المسلم و الصليبى لهذه الأرض‏

34

الإسلامية و لسكانها و لهذا نستطيع أن نسمى هذه المرحلة من الرحلة بفترة الكشف و المغامرة السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الفكرية و الأدبية و لهذا:

كانت المرحلة الثالثة من الرحلة تتجه اتجاها نقيضا حيث تحولت من الشرق إلى الغرب الأوروبى بخاصة منذ عصر النهضة العربية و قيام الدولة العربية فى العصر الحديث.

***

35

(2) [الرحلة إلى داخل الدولة الإسلامية و خارجها]

و نستطيع هنا أن نقول أن الفترة التى شهدت هذه الرحلات المهمة كانت نتيجة للصراع العنيف بين السيادة الإسلامية صاحبة الحضارة المزدهرة الغنية و بين الحضارة الأوروبية التى سحب المسلمون البساط من تحتها ابتداء من سقوط روما و حتى بداية عصور الكشوف الجغرافية و بداية الثورة الصناعية فى أوروبا، و حتى سقطت مصر و العالم العربى فى قبضة الأتراك العثمانيين من الناحية الأخرى، أى من بداية سقوط العصور الوسطى الأوروبية و بداية العصر الإسلامى الوسيط ثم الحديث.

و لم يكن الرحالة العرب و المسلمون قادرين على هذه الرحلات إذا لم تتوفر لهم خصائص ذهنية و ظروف اجتماعية و اقتصادية تسمح لهم بذلك. فقد كان العصر الأموى (عصر توقف الفتوحات الإسلامية) و كان العصر العباسى- بالتالى- هو عصر (دراسة حضارة الشعوب و نقلها إلى الحضارة العربية الإسلامية) و كان‏

36

الرحالة المسلمون قد أخذوا قسطا كافيا من المعرفة عن الذات و عن الآخر على المستوى النظرى من الكتابات و الحكايات و الفتوح و الترجمات، و كان لابد أن تتحول هذا المعارف من النمط النظرى إلى النمط التطبيقى.

و ظهرت بدايات هذه الرحلات مع بدايات رحلات أوروبية للتبشير، ثم للتجارة، ثم للاكتشاف ثم للاستعمار، فقد شهد العصر العباسى الثانى (132 ه- 656 ه) مناوشات مستمرة من قبل أوروبا بخاصة. استمرت بعد ذلك فى شكل موجات عسكرية مستمرة حتى سقوط نجم حضارتنا على يد العثمانيين، و بالتالى كان محرك حركة الرحلة و الغزو محركا اقتصاديا و إن تزيا بأزياء عرقية أو شعوبية أو دينية مختلفة حسب الظروف فى كل فترة تاريخية أو عصر من العصور.

***

37

(3) [المحيط الهندى و البحر المتوسط]

و هذا الأمر يلفت النظر إلى أهمية المحيط الهندى الذى" يتميز ...

بامتداده الشاسع و بتعدد الشعوب و البلدان على شواطئه كما أنه المحيط الذى ظهرت على سواحله، و سواحل خلجانه أقدم الحضارات، باستثناء الحضارة المصرية القديمة، و لم يكن المحيط الهندى منذ القدم مياها مجهولة مثل الأطلسى (بحر الظلمات) أو الهادى، بل طرقه البحارة منذ آلاف السنين فكان شريانا للحياة بين شطآنه و طريقا مائيا كثر ارتياده، و لهذا أدى المحيط الهندى دورا عظيما يتضاءل بجواره دور أى محيط أو مسطح مائى آخر فى التواصل الحضارى و فى انتقال كثير من عناصر الثقافة و انتشارها على امتداد شواطئه‏ 2.

و يعنى هذا أن العرب ثم المسلمين كانوا سباقين إلى المشاركة الحضارية لاقتراب بلدانهم من المحيط الهندى، إذ جعلهم هذا الاقتراب متحكمين فى طريق التجارة الوسيط بين العالم كله، فى‏

38

حين كان المحيطان الآخران (الهادى- الأطلسى) عائقين لأوروبا، و من ثم كان اقتصاد البلاد الإسلامية أكثر قوة من الاقتصاد الأوروبى و حضارتهم أنشط من حضارة أوربا خلال هذه الفترة.

كما يلفت النظر أن هؤلاء الأوروبيين فى كل تاريخهم الوسيط و الحديث كانوا يحاولون السيطرة على هذا الطريق الحيوى من أجل ازدهاره يرجونها لاقتصادهم، و بدل أن يتعارفوا مع سكان هذه المناطق من المسلمين راحوا يعدون الجيوش لغزوهم، لأخذ ثأر قديم، و أعتقد أن وجود قبضة إسلامية فى بلاد الهند و ما حولها قد حافظ على الدولة الاقتصادية للمسلمين فترة طويلة فى مواجهة الاختراق الأوروبى، و يفسر هذا الأمر ما رأيناه فى التاريخ الحديث من محاولات إنجلترا و فرنسا المستميتة للوصول إلى الهند و السيطرة على طرق التجارة و المواصلات بل يشرح ذلك لماذا احتلت الهند قبل مصر مثلا من إنجلترا و لماذا توجهت الحملة الفرنسية إلى مصر؟.

و لم يكن بعيدا- بناء على ذلك أن تنشأ الحكايات و الأساطير عن هذه المنطقة و عن كنوز الشرق و سحره و فلسفته و ديانته و سكانه لدى العقلية الأوربية المحرومة منها" فمن قائل إنها تأتى من الجنة، و قول آخر يذكر أن منابتها فى بلاد تحرسها الأفاعى ... و صار الشغف بمعرفة مكانها و السيطرة عليه ملحا إلى أن انتهى الأمر بالكشوف الجغرافية و السيطرة على مناطق تلك السلع‏ 3. و خلوا كذلك إلى اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح و هذا ما يجعل الغرب باستمرار مصدرا للإزعاج و القلق للمشرق و للشرق. و كان ذلك وراء ما أشاعوه عن خوف العرب من البحر و المياه ليثبتوا

39

تفوقهم بعد آلاف السنين من تفوق العرب و المشارقة الأسيويين فى هذا السبيل، و قد أثبت المستعرب السوفيتى (بونداريفسكى) فى بحثه (العرب و البحر) أن سفر سفن فاسكو دى جاما من أفريقيا الشرقية إلى الهند لم يحالفه النجاح إلا أن الملاح العربى الفذ (أحمد بن ماجد) قد ساق السفن و قد عثر العالم السوفيتى شوم فسكى على مخطوطة أحمد بن ماجد" كتاب المنافع" و مما له دلالاته أن الملاح البحرى يعرب فى خاتمة كتابه عن أسفه المر لكونه فتح الطريق البحرى إلى الهند أمام الضوارى البرتغاليين‏ 4 و قد أوضح العربى أحمد بن ماجد السبل و الطرق التى قاد فيها السفن البرتغالية. و واضح أيضا أن من يقرأ رحلات السندباد السبع بألف ليلة و ليلة يشعر بمعرفة هذه السندباد بهذه الطرق قبل فاسكو دى جاما.

***

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

(4) [رحلات المسلمين إلى الديار الإسلامية ...]

و قد اقتصرت رحلات المسلمين إلى الديار الإسلامية. و لم تخرج خارج حدودها، سواء أكانت الرحلة من المغرب و الأندلس إلى المشرق الإسلامى، أم كانت بالعكس و من ثم كانت الرحلة الأوربية فى المشرق خارج حدودها. و كانت أولى المحاولات لاكتشاف" منابع الثراء" كما كانت الحركة الصليبية التى امتدت خلال الفترة نفسها وسيلة أخرى للوصول إلى منابع الثراء، و لكن هذه المرة لم يكن الشرق كله يواجه فقد بعدت بلاد الصين و الهند و ما جاورهما أما العالم العربى فقد كان الطرف الذى وجهت إليه أوروبا الكاثوليكية عدوانها تحت راية الصليب، و على مدى الفترة ما بين أواخر سنة و كانت الحرب الصليبية أو حروب الفرنج كما سماها العرب الذين عاصروها سببا رئيسا من أسباب تعطل قوى الإبداع و النمو فى الحضارة العربية الإسلامية و بعد نهاية النضال ضد الصليبيين دخلت المنطقة العربية فى منحى التدهور و الأفول، الذى أدى بدوره‏

42

إلى سقوط العالم العربى تحت السيادة العثمانية 5 و بالتالى توقفت المشروعات الإسلامية و العربية و ليس مصادفة أن تتوقف أنواع أدبية و كتابية كثيرة منها أدب الرحلة و منها أن النموذج الإفرنجى/ الأوروبى تحول إلى نموذج جديد للتقدم، فى حين وقفت الثقافة العربية تجتر الماضى المجيد و تتحسر عليه، و تقوم بجمع و كتابة الموسوعات لتعويض الخسائر الفادحة فى كتبها و مخطوطاتها التى احترقت أو أغرقت أو سرقت أو طمرت بسبب الحروب الموجهة ضدها. و بسبب تحول النموذج الثقافى إلى نقيض الذات العربية و الإسلامية خلقت مشكلة العلاقة بين ما أنتجناه فى فترات غفلة أوروبا، و ما يجب أن تأخذه منها بعد فترات غفلتنا و هى مشكلة صيغت فيما بعد و فى معادلة الأصالة و المعاصرة أو فى شكل صيغة الأصيل و الوافد. لقد خبت شعلة الإبداع و الرحلة بالنسبة لما كان خلال العصرين الأموى و العثمانى. إذ يتباطأ تطور الآداب و العلوم العربية منذ بداية القرن الحادى عشر مع نمو حجمها و اتساع انتشارها و يضعف نشاط الترجمة ثم لا يلبث أن يخمد نهائيا.

و يمكن اعتبار ترجمة المؤلف التاريخى لأرسيوس من اللاتينية فى إسبانيا و تراجم (البيرونى) من السنسكريتية فى" غزنة" التماعات أخيرة لهذا النشاط، على أنها لم تؤثر تأثيرا يذكر على تطور الثقافة العربية ...... و تلاشى الاهتمام بما هو مكتوب باللغات الأخرى و ما وصلت إليه الشعوب و الحضارات الأخرى فى مجال الثقافة الروحية و توقف تدفق المعلومات من خارج حدود العالم العربى الإسلامى. ما عدا أخبار الرحالة عن مختلف الغرائب‏ 6.

43

فقد بقيت الرحلة رغم شحوبها- تتجه نحو ثقافة الشعوب الأخرى من زاوية العجيب و الغريب كما يظهر فى عناوين كتب هذه الفترة المهمة من تاريخ ثقافتنا و مجتمعنا العربى الإسلامى و سوف تتكرر المشاهد السابقة- مرة جديدة- عند ما يحول العرب و المسلمون دفة التوجه من المحيط الهندى و البحر الأحمر و الخليج العربى إلى (البحر المتوسط) بفعل عوامل سياسية و ثقافية و علمية جديدة و ملحة منها محاولة النهوض الحديث بعد الكبوة العثمانية و منها ما رآه العرب بخاصة من نهوض حديث فى الحملة الفرنسية و المتمثل فى ظهور فرنسا كنموذج حضارى جديد و مؤثر على ما حوله و ما تحته من البلدان و العواصم.

***

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

(5) [الرحلة فى المفهوم العربى و الإسلامى و دواعيها]

تمثل الرحلة البرية و البحرية- إذن- الرحلة العربية الإسلامية. فقد انتقل العربى من التنقل البرى عبر الصحراء" إلى التنقل عبر البحار و المحيطات و لكنه شارك فى التراث الإنسانى برحلات أخرى روحية و فكرية و خيالية كما رأينا رحلة (الإسراء و المعراج) التى استوحى منها الكتاب الكثير من الأفكار، و مصدرها الوحيد، حديث النبى علية الصلاة و السلام كذلك رحلة (حى بن يقظان) من المولد بلا فكر إلى التعرف على الذات و الوصول إلى وجود الله. ثم رحلة أبى العلاء المعرى إلى العالم الآخر فى" رسالة الغفران" و كلها رحلات خاصة بالمسلمين و عقيدتهم.

و يعنى ذلك أن المسلمين كانوا تواقين إلى الرحلة فى كل اتجاه.

و كانت الرحلة البرية ثم البحرية مظهرا للرحلة الفاعلة فى نفوسهم و تكوينهم و خيالهم و روحهم يضاف إلى ذلك أن النظر إلى الآخرين فى الفكر العربى على أنهم" الأعاجم" الذين لا يبينون تحولت فيما

46

بعد الإسلام إلى النظر لغير العرب على أنهم" الموالى" ثم إنهم بعد ذلك" المولدون" و بذلك اختزن الرحالة هذه النظرية التى تفرق بين العرب و غير العربى، و التى تشعر بالسيادة و الغلبة على الآخرين و إذ كانت هذه السيادة أخذت شرعيتها من اللغة قبل الإسلام فإنها أخذت شرعيتها بعد الإسلام من مقولات قرآنية مشروطة مثل قوله تعالى" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر" و مثل قوله تعالى" إن الدين عند الله الإسلام".

و صبت هذه الأفكار العربية و الإسلامية فى نفوس الرحالة كتراكم تراثى مقدس- حكم نظرتهم إلى الذات و إلى الآخر.

" لهذا فنحن نرى أن ذهنية الرحالة المسلمين إبان هذه الفترة الأولى قد تشكلت- و لو بدرجات متفاوتة- فى إطار الشعور بالغلبة السياسية و الحضارية لأن الانتماء إلى ثقافة الفاتح و الحكم قد جعل- فى أغلب ظننا- الأساس الدينى/ العرقى/ الحضارى معيارا لوصف أغلب الأشياء- فى إطار مقولة التزيين أو التصحيح و فى الحكم على السلوكيات بما فيها من معتقدات و تقاليد و عادات فى ضوء أفضلية ثقافية" للذات" على ثقافة الآخر" أو" الغير" 7 و هذا ما جعلهم يتنقلون فى الديار الإسلامية بخاصة.

لأن دوافع الرحلة عند المسلمين تختلف عنها عند غيرهم.

فهناك جذر تراثى عربى يمتد من الرحلة العربية الأولى وراء الكلأ و الماء، و وراء الحج و وراء الغزو أحيانا و الشعر العربى حفى بهذه الرحلة و قد اتخذت هذه الرحلة شكل مقدمة ثابتة لوصف رحلات الخروج إلى البلدان المجاورة.

47

و اتخذت الرحلة سندا إسلاميا مهما فى القرآن و السنة للعظة أو للعلم فهناك آيات قرآنية كثيرة تربط الرحلة بعظة التاريخ و التعرف على آثار الأمم السابقة، و على ما آلت إليهم دولتهم كقوله تعالى" فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" و كقول النبى (صلى الله عليه و سلم)" اطلبوا العلم و لو فى الصين" و دلالة السياحة و التعرف على الجديد مشتركة بين المعنيين القرآنى و النبوى.

و لقد كانت الفتوحات الإسلامية تتطلب معرفة بالبلدان خارج شبه الجزيرة العربية. مما استدعى خروج الطلائع لتمهيد الطرق و التعرف على أحوال البلدان قبل فتحها" على أن دولة المسلمين قد فاقت إمبراطورية الرومان فى فتوحها و أملاكها و قد استلزم ذلك- عما كان هناك من قبل- كثيرا من طرق البريد و موظفيه، مما توجد تفاصيله فى الكتب العربية التى ألفت لإرشاد العاملين- فى تلك الناحية- من الإدارة الإسلامية و هذه الكتب هى أول ما كتب المسلمون فى وصف البلاد التى خضعت لحكمهم‏ 8.

و تعددت أسباب الرحلة فى هذا السياق فقد" اقتضت أحوال البلاد الإسلامية أن تكثر الرحلات حين اتسعت رقعة الإسلام، و انشعبت سلطة الخلافة بين الملوك و الأمراء حتى استقل بعضهم بحكم ما ولى من البلاد إذ كانت عناية الخلفاء حينئذ منصرفة إلى توثيق عرى المودة بين أولئك الأمراء، ليقوموا بغارات على من يناوئهم من الأعداء، و قمع ما يحدث من الفتن فى داخل البلاد فجابوا البلاد لدراسة أحوالها و معرفة سهلها و وعرها، و جبالها و أوديتها و طرقها البرية و البحرية و ما تنتجه أرضها من أنواع الغلات حتى يجبى الخراج بنسبة ذلك و نظموا البريد و قاسوا الأبعاد 9.

48

و لا تقف الرحلة عند المسلمين عند هذا الحد، فقد تحولت الرحلة إلى علم تؤلف فيه المؤلفات المتخصصة و هناك رحالون قبل الرحلتين الشهيرتين لابن جبير و ابن بطوطة و هناك مؤلفات كثيرة قبلهما و بعدهما إذ تتعدد أسماء هؤلاء الرحالة أمثال:

ابن خردذابة (912 م) اليعقوبى (922 م) البلخى (432 ه) ابن حوقل (981 م) ابن جبير الأندلسى (1356 م) ابن بطوطة (1170 م) ابن سعيد المغربى ت (1274 م) و غيرهم.

و كتب و معاجم البلدان التى كتبت بعد رحلات كثيرة أمثال: معجم البلدان (1179 م) لياقوت الحموى الرومى و قبله أبو دلف بن المهلهل بكتابه (عجائب البلدان) و المسعودى بكتابه (مروج الذهب) 915 م.

و أبو الريحان محمد البيرونى بكتابه (تاريخ الهند) و أبو عبيد البكرى (المسالك و المماليك) و غيرهم.

و تمتد جذور الرحلة من هذين الجذرين العربى، الإسلامى إلى رحلات فتح الأسواق للتجار المسلمين و إلى دراسة أحوال الشعوب و أخلاقها.

***

49

دلالات المصطلح‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

يفرق الفكر العربى بين مفاهيم كثيرة للرحلة: كالسفر، و الزيارة، و الجولة. و لكن لم تنفصل هذه الرحلة عن علوم عربية قديمة و علوم إسلامية جديدة فللرحلة صلة بعلوم البحار و علوم الجغرافيا و الفلك و النجوم و هى علوم البيئة، إلى جانب الخبرات التى اكتسبها العرب ثم المسلمون من الأمم المجاورة لهم عبر البر و البحر، يعنى دراسة المكان و ما فيه من خصائص و ما يستجد عليه من عوامل طبيعية تؤثر على الرحلة و على الرحالة.

و قد بدأ الاهتمام (بالمكان) بكتب الأنواء فقد كان" عرب الجاهلية على معرفة بمبادئ علم الفلك و كانوا على علم أولى أيضا بالأنواء إذ كانت لديهم القدرة على التعرف على الأمكنة و أحوالها من غير دلالة عليها بالأمارات المحسوسة الدالة دلالة ظاهرة أو خفية ... فيستدلون على البقاع و هم فى بطون الفلوات‏ 10.

و من ثم كان العرب أدلاء فى مجاهل الصحراء و فى الطرق البرية و البحرية، و كانت المصنفات الجغرافية الإسلامية فيما بعد امتدادا لهذه الخبرات العربية مضافا إليها ما عرفه العرب عن‏

52

الأماكن و الأجواء من الكتب العلمية المترجمة و بدأت هذه المصنفات بكتب الجغرافية الوصفية و هى معلومات تشكل جزءا من المؤلفات اللغوية تحت عنوان الصفات تبدأ من عصر المأمون بن هارون الرشيد بدأها (السدودسى المتوفى 195 ه) ثم (النضر بن شميل المتوفى 203 ه) و الكندى من الأوائل الذين كتبوا فى الجغرافيا و كان من رؤساء حكمه العلم اليونانى بين العرب‏ 11.

و لهذا كانت الرحلة حلقة متسلسلة تراكمت فيها المعارف و تداخلت فيها العلوم حتى وصلت إلينا مكتوبة بطريقة يرضى عنها الذوق العام و ترضى- فى الوقت نفسه- ذوق صاحبها و يعنى ذلك أنها استقلت تدريجيا و خلصت مادتها من مختلف ذوق صاحبها. أى أنها استقلت تدريجيا كجنس كتابى أو أدبى متميز إذا أطلقناه، فهمنا منه شيئا محددا برغم اقتراب الدلالات من بعضها فيما تسمى بها الحركة الإنسانية عبر الزمان أو المكان. و لذلك حمل المصطلح فى ذاته تداخلات دلالية حتى أنه أطلق على أشياء، و موضوعات و حالات و صفات متعددة و من حقول دلالية و معرفية متعددة و مختلفة.

و الرحلة مصطلح يفيد الانتقال من نقطة إلى أخرى أى مغادرة مركز إلى مركز آخر و قد يفيد العودة إلى المركز الأول أو عدم العودة.

و لا يستخدم مصطلح الرحلة بمعنى السفر الجغرافى عبر المكان فقط، بل يشتمل على دلالات مجازية و رمزية أتاحت للمؤلفين- على سبيل المثال- استخدام المصطلح للدلالة على الرحلة الزمانية عبر الزمن مع ثبات المكان و الرحلة الروحية كما

53

يستخدمها المتصوفة و الرحلة الفكرية بين المذاهب و الأفكار أو بين مجموعة من الكتب أو مجموعة من الناس كذلك نجد الرحلة النفسية داخل الذات الإنسانية و كلها تخرج من مصطلح الرحلة فى دلالاته المباشرة و المجاوزة و الرمزية.

و يرتبط مصطلح الرحلة بالكشف، و الاكتشاف و يحمل دلالة المغامرة و الشقة حتى أصبحت كل حركة صغيرة أو كبيرة يمكن أن نطلق عليها رحلة، فتصبح الحياة رحلة و يصبح الموت (رحلة) و التاريخ رحلة و الاغتراب رحلة.

و قد تحمل دلالة الرحلة معنى السياحة و النزهة و الاستمتاع و لكنها بحسب الهدف المنشود منها، و الطرق و الوسائل التى تستعين بها يمكن أن تعطى دالات لا حصر لها حتى أنه يمكن تسمية الرحلة و وصفها بصفات و أسماء خاصة إذا عرفنا هدفها و ظروفها و وسائل تحقيقها.

فقد تعنى الشجاعة و الإقدام كرحلة الجيش أو الاكتشاف الجغرافى. و قد تعنى الهروب إذا كانت تبعد صاحبها عن تحمل المسئولية مثلا. و هكذا يمكن أن تتعدد الدلالات و المعانى لهذا المصطلح الفضفاض.

و هذا ما دعا الكتاب إلى تسمية مؤلفاتهم باستخدام مصطلح الرحلة بظلاله و هوامشه الدلالية. فنجد رحلة السندباد، رحلة ابن فطومة، رحلة إلى الغد، رحلة المستقبل الرحلة إلى الآخرين رحلة إلى الإنسان من الحنين إلى الجنان رحلة العمر، رحلة الأدب، رحلة النفس، رحلة الروح، الخ. و كلها تعنى الانتقال بين نقطتين عبر

54

الزمان أو المكان أو النفس و النفس أو شى‏ء آخر إنها تعنى (الحركة) فى النهاية أو التحول (بلا نهاية) أيضا و نجد فى لسان العرب أن (الرحل) مسكن الإنسان و ما به من أثاث و (الراحلة) ما تصلح للرحلة و الترحل- و الارتحال: (الانتقال) و هو (الرحلة، و الرحلة) (و الرحلة) اسم الارتحال و هو عكس الحلول و الترحل ارتحال فى مهلة 12 حيث أن مادة رحل و تقلباتها تدل على المسير و الانتقال مشروط بعده أو غير مشروط و أنها باستمرار (الرحلة) ضد الحل و الحلول و الاستقرار و نجد فيها أيضا (مادة رحل) دلالات التمكن و القدرة على الرحلة و لهذا نستشف من هذه المادة أن الرحلة مرتبطة بالمشقة و التعب لدى العرب الذين اشتقوا تقلبات هذه المادة.

و نجد أصداء متعددة لهذه الرحلة فى الشعر العربى الجاهلى و ما بعده فنسمع امرأ القيس قد طوف الآفاق و رحل فى كل واد يقول:-

فقد طوفت فى الآفاق حتى‏* * * رضيت من الغنيمة بالإياب‏

- و لكن شاعرا آخر يعد كل الدنيا بلاده، بل البر و البحر ملك له و لقومه و إن زدنا- و من عليها- يقول عمرو بن كلثوم فى قصيدته النونية الشهيرة:

و أنا المانعون لما أردنا و أنا* * * النازلون بحيث شينا

ملأنا البر حتى ضاق عنا* * * و ظهر البحر نملؤه سفينا

لنا الدنيا و من أضحى عليها* * * و نبطش حين نبطش قادرينا

و يعنى ذلك أن العرب لم يخافوا السفر أو الرحلة إنما عمدوا إليها فى جاهليتهم و إسلامهم بل قلدوا الطبيعة فى تقلبها و كانت الشمس نموذجهم فى هذا السبيل لأنها تمثل حركة الزمان و ما