رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
5

فهرس المحتويات‏

مقدمة المترجم 7

المقدمة 35

الفصل الأول: صحراء السويس 37

الفصل الثاني: السويس 61

الفصل الثالث: الطور 73

الفصل الرابع: جبل سيناء 87

الفصل الخامس: البحر الأحمر 137

الفصل السادس: جدّة 169

الفصل السابع: لوحة نابضة بالحياة 197

الفصل الثامن: الأشراف و الوهابيون 219

الفصل التاسع: من جدّة إلى الطائف 265

الفصل العاشر: الطائف 295

الفصل الحادي عشر: من الطائف إلى جدّة 331

الفصل الثاني عشر: بعض التأملات 357

الفصل الثالث عشر: مغادرة جدّة 367

المصادر و المراجع العربية و الأجنبية 375

كشاف الأعلام و الأماكن المذكورة في متن الكتاب 383

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة المترجم‏

1- الكلمة الأولى:

لم يعد من المشكوك فيه أن الرحلات تعدّ مصدرا من المصادر التاريخية؛ و إن كان هناك تفاوت في مدى صحة المعلومات التي يوردها الرحالة، و تأثرها بالمهمات الموكلة إليهم، أو بالاتجاه السياسي و الرؤية الإيديولوجية للكاتب، إذا صح كل ذلك، فإن معرفة هذه المعلومات، و دراسّها، يظل من الأعمال العلمية المهمة التي ينبغي على المؤسسات الثقافية و الجامعات، و كل الجهات التي تهتم بتاريخ بلد ما أن تنشرها و تيسرها للباحثين.

لقد شهدت المملكة العربية السعودية عبر رجال الثقافة و روادها فيها اهتماما بهذا الجانب، أرهصت له ندوات و إصدارات، اهتمت بالوثائق الأجنبية و الرحلات؛ للاطلاع على رؤية الآخر لتاريخ الجزيرة العربية عموما، و المملكة العربية السعودية بأطوار نشوئها الثلاثة، خصوصا الدولة السعودية الأولى، و الثانية، ثم توحيد المملكة على يد المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود.

إن متتبع التأريخ للدولتين السعوديتين، و للمملكة يلاحظ أن الباحثين صرفوا جهودهم إلى معالجة الوثائق البريطانية، و الرحلات التي كتبت بالإنجليزية، سواء كان كتّابها بريطانيين أم لا. و لم تلق الوثائق الفرنسية، و الرحلات الفرنسية، و الأبحاث الجغرافية الفرنسية عن الجزيرة العربية عموما، و عن التاريخ السعودي بأطواره المختلفة خصوصا، اهتمام الباحثين، و ربما كان الحاجز اللغوي هو السبب، مع أن تاريخ‏

8

الوجود الفرنسي في المنطقة، مترافق مع الوجود البريطاني الذي يمكن القول: إنه في جانبه الرسمي، ركز على الجوانب السياسية بداية، و الاقتصادية لاحقا. أما الوجود الفرنسي فقد كان عسكريا و اجتماعيا و ثقافيا. نقول هذا اعتمادا على الوثائق الفرنسية التي نشرت ضمن موسوعة" الملك عبد العزيز آل سعود، سيرته و فترة حكمه في الوثائق الأجنبية" (1).

و قد تنبه الباحثون السعوديون إلى ذلك، فوجدنا الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة يقول:" ... و عالم البحث في دور المخطوطات الفرنسية، و كذلك في أرشيف البحرية عمّا فيها من وثائق تتعلق بأحداث قيام الدولة السعودية الأولى، و توسع نفوذ تلك الدولة الذي شمل معظم أنحاء الجزيرة العربية، و ما تلا ذلك من اهتمام الباحثين الفرنسيين بأحوال الجزيرة العربية حتى بعد سقوط الدولة السعودية الأولى التي أسهم الخبراء الفرنسيون العسكريون خاصة في إسقاطها أثناء عملهم في خدمة محمد علي باشا، و مشاركتهم في كثير من حملاته العسكرية، بدءا بحملة إبراهيم باشا على الدرعية عام 1233 ه/ 1818 م، و دور هؤلاء الخبراء في رسم الخرائط لطرق الحملة، و تحديد المواقع على تلك الخرائط، و كتابة تقارير مطولة عن أحوال البلاد الاقتصادية و السكانية و غيرها. فكانت تقاريرهم المادة الأولية التي استقى منها من تفرغ من الفرنسيين لكتابة تاريخ و جغرافية مصر في عهد محمد علي باشا، و ما امتد

____________

(1) أصدرتها دار الدائرة في عشرين مجلدا، ثمانية للوثائق البريطانية، و سبعة للوثائق الأمير كية، و خمسة للوثائق الفرنسية، 1420- 1421 ه/ 1999- 2000 م. انظر: مجلة: عالم الكتب السعودية، العددين الخامس و السادس، المجلد العشرين، 1420 ه/ 1999 م.

9

إليه من نفوذ من بلدان خارج مصر مثل المؤرخ مانجان‏F .Mengin ، و إدوارد جوان‏Edward Jouen ، و الجغرافي جوماردM .Jomard . و كذلك لم تخل حملة من حملات محمد علي العسكرية على عسير، التي قدرتها بعض المصادر سبع عشرة حملة، من خبراء فرنسيين إضافة إلى غيرهم من خبراء أوروبيين من جنسيات أخرى، لا يزال مع الأسف بعيدا عن اهتمام الباحث السعودي، و لم ينفض عنها الغبار حتى هذا التاريخ، و سيكون لكشفها أثر بالغ في سد ما زال ناقصا من كتابة تاريخنا الوطني، و إجلاء ما زال غامضا في بعض فتراته. كما أنه لم يترجم أي من أعمال المؤرخين، أو الجغرافيين الفرنسيين المتعلقة بالجزيرة العربية، ما عدا كتابا واحدا هو كتاب إدوارد جوان الذي جاء مشتملا على فصول ممتعة و مهمة لحملات محمد علي المبكرة على الجزيرة العربية.

لقد تم ترجمته إلى اللغة العربية، و طبع في القاهرة عام 1931 م. و لكنه أصبح في عداد الكتب النادرة" (1).

نقلت هذا النص الطويل تأكيدا لما قلته: من انصراف الباحثين في تاريخ الجزيرة العربية عن المؤلفات الفرنسية، و الوثائق الفرنسية على اختلاف أنواعها و مشاربها.

و من المفارقات اللطيفة، أن الكتاب الذي مهد الطريق لمؤلفات كثير من الغربيين عن الجزيرة العربية، و عرّفها، كتب بالفرنسية، و ترجم في وقت مبكر نسبيا إلى اللغة

____________

(1) تاميزييه، موريس، رحلة في بلاد العرب، الحملة المصرية عسير 1249 ه/ 1834 م، ترجمه و علق عليه د. محمد بن عبد اللّه آل زلفة، د. ن، الرياض 1414 ه/ 1993، ص 21- 22. و هو ترجمة للجزء الثاني من كتاب تاميزييه عن الإنجليزية بعد أن ترجم هذا الجزء إليها أحد المختصين، على حساب الدكتور آل زلفة، انظر: (ص 19). و قد كتبنا اسم تاميزييه كما يقتضيه اللفظ الفرنسي.

10

العربية، أعني كتاب جاكلين بيرين، اكتشاف جزيرة العرب، خمسة قرون من المغامرة و العلم‏ (1)، و على الرغم من ذلك، فقد ظل الاهتمام منصبا على المؤلفات المكتوبة بالإنجليزية.

و ما دمنا في سياق الحديث عن كتاب" بيرين": فإننا نقول: إنها تقدم فيه ملامح واضحة، لبداية اهتمام الفرنسيين بالبحر الأحمر، و الجزيرة العربية. و تشير إلى كثير من الرحالة الفرنسيين الذين يحتاج البحث في تاريخ الجزيرة إلى تفصيل ما أوجزته عنهم، و عن أعمالهم لما في ذلك من أهمية لا تخفى، و لنا بحث قيد الإنجاز، يفصّل ما أوجزته جاكلين بيرين، و يتّخذ من كتابها منطلقا إلى الحديث عن الرحالة الفرنسيين إلى الجزيرة العربية.

لقد ترجم إلى العربية عن الفرنسية، ناهيك عن كتاب" جوان" و" بيرين" بعض الرحلات منها: رحلة استكشافية في وسط الجزيرة العربية، لفيليب ليبنز (2)، و لكن‏

____________

(1) ترجم الكتاب قدري قلعجي عام 1383 ه/ 1963 م، و قدّم له الشيخ حمد الجاسر، و طبعته دار الكتاب العربي في بيروت.

(2) ترجمها الدكتور محمد الحناش، و راجعها و علّق عليها و حقق المواضع الدكتور فهد بن عبد اللّه السماري، و نشرتها دارة الملك عبد العزيز في الرياض 1419 ه/ 1999 م.

و قد علمت أن الدكتور الحناش ترجم كتاب: الحج إلى بيت اللّه الحرام، لناصر الدين دينييه، و أنه قيد الطبع في دارة الملك عبد العزيز، و قد قام بمراجعته الدكتور فهد السماري. و للدكتور الحناش مقالتان بعنوان" المملكة في الكتابات الفرنسية في عهد الملك عبد العزيز" و ثقناهما في مقالتنا:" قراءة في رحلة إلى الحجاز، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عنوانها: إقامة في رحاب الشريف الأكبر- شريف مكة المكرمة، تأليف شارل ديدييه، الدرعية، س 2، ع 8، 1420 ه/ 2000 م، ص 89.

و لعلّ أول اهتمام بترجمة نصوص الفرنسيين إلى العربية في المملكة العربية السعودية يعود الفضل فيه إلى الكاتب الجزائري أحمد رضا حوحو، (رحمه اللّه)، أول سكرتير لمجلة-

11

هذا غيض من فيض، فما تذكره جاكلين بيرين يوضح مدى المسؤولية الملقاة على عاتق الباحثين ممن يتقنون الفرنسية لنقل الكتب و الوثائق الفرنسية إلى العربية مترجمة بأمانة، ثم إقامة الأبحاث حول تلك الدراسات لاستجلاء حقيقة ما فيها، و اكتشاف مدى أهميتها و ما تضيفه من جديد.

و تأتي ترجمة رحلة ديدييه إسهاما في نشر الكتابات الفرنسية عن الجزيرة العربية. و نرجو أن تكون فاتحة خير لتقديم أعمال أخرى بالاشتراك مع بعض الزملاء الذين يهتمون بذلك.

و لا بد لي في ختام هذه الكلمة من أن أشكر مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية الذي اقترح علي ترجمة هذا الكتاب، و قدم لي نسخة مصورة منه، بادرت فورا عند الاطلاع عليها بالموافقة على ترجمته لما وجدته فيه من فائدة و نفع عميمين.

كما أشكر للدكتور عوض البادي، مدير إدارة البحوث و الدراسات في مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية، اهتمامه، و استقباله الأخوي، و حرصه‏

____________

" المنهل" السعودية؛ إذ نشر فيها مجموعة من المقالات بعنوان" ملاحظات مستشرق مسلم على بعض آراء المستشرقين و كتبهم المتعلقة بالعرب و الإسلام" و قد وثقنا ذلك في مقالتنا:" ناصر الدين دينيه و كتابه: الحج إلى بيت اللّه الحرام" دراسة و وثائق و ترجمة مختارة، ستظهر في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، العدد الأول من المجلد السابع، 1422 ه.

12

على الإجابة عن كل أسئلتي العلمية التي كانت تجد على الدوام إجابات شافية من علمه الغزير، و أخلاقه السمحة، و حبه للتعاون، و احترامه رأي الآخر.

أما الصديق عبد اللّه المنيف، مدير إدارة المخطوطات و النوادر في مكتبة الملك فهد الوطنية، فقرأ هذه الرحلة مخطوطة، و أفدت من ملاحظاته السديدة التي كان يبديها.

و أخيرا، فإن الصديق يوسف العتيق، الباحث في مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية، لم يأل جهدا في توفير المصادر و المراجع التي كنت أطلبها منه، و لم يبخل بمعلومة أو مساعدة لتخرج هذه الرحلة إلى الناس كما ينبغي، و ليس ذلك بغريب عليه، و قد نذر نفسه لمعاونة أهل العلم فيما يرومون.

لكل هؤلاء شكري و اعترافي بالجميل، و لعل في اجتماعنا و تعاوننا خدمة لتاريخ هذه البقعة المباركة؛ المملكة العربية السعودية خصوصا، و الجزيرة العربية عموما، لما لها من منزلة في قلب كل عربي و مسلم.

2- لمحة تاريخية:

بدأ ديدييه رحلته بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 1854 م/ 1270 ه من مصر.

و يذكر ناشر الرحلة في مقدمته: أن ديدييه كان في طريق عودته إلى بلاده، عبر أثينا، و لكن رجلا إنجليزيا تعرف عليه آنذاك، اقترح عليه رحلة إلى جبل سيناء يتقاسمان تكاليفها، فرحب ديدييه بالفكرة، و قاما بالرحلة معا. و من هناك قررا السفر إلى‏

13

الحجاز، و زيارة شريف مكة المكرمة عبد المطلب بن غالب، الذي كان موجودا آنذاك في الطائف.

كان يحكم مصر إبّان زيارة ديدييه، عباس باشا بن طوسون باشا بن محمد علي (1848 م- 1854 م). و قتل عباس في يوليو (تموز) عام 1854 م؛ أي سنة قيام ديدييه بالرحلة. و يسجل ديدييه ظروف مقتل عباس الذي يلقى من ديدييه هجوما عنيفا، و انتقادا لاذعا ساخرا، شأنه شأن الكتاب و الرحالة و السياسيين، و العسكريين الفرنسيين الذين بالغوا في انتقاد عباس باشا بسبب ميله إلى البريطانيين، و استبعاده الفرنسيين من خدمته، فأقصى معظم الخبراء الذين كانوا في خدمة جده محمد علي، فتضاءل النفوذ الفرنسي في عهد عباس، و لم يعد إلى الظهور إلّا في عهد سعيد باشا.

و يندرج نقد ديدييه لعباس باشا في هذا الإطار، و إن كان ديدييه يلبسه لبوسا إنسانيا يبدو من خلاله حريصا على البلد و مواطنيه، و يردد ما ذكره الفرنسيون عن عباس مثل قول غابريل هانوتوGabriel Hanotaux ، الذي يرى أنه لم تتم في عهد عباس أي إنجازات ضخمة أو عظيمة" باستثناء بناء القصور في المناطق المنعزلة" (1).

أما في الحجاز، فقد كان شريف مكة عبد المطلب بن غالب في فترة شرافته الثانية التي امتدت من عام 1851- 1856 م/ 1267- 1273 ه، و كان عبد المطلب يقضي الصيف في الطائف، عندما نشب خلاف بينه و بين باشا جدة، و نجد فيما يقوله ديدييه، أصداء ذلك الخلاف بين الباشا و الشريف. و يقول سنوك‏

____________

(1) انظر: مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر، د. إلهام محمد علي ذهني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995 م، ص 37.

14

هورخرونيه عن سياسة عبد المطلب في هذه الفترة:" ... و عندما تسلم عبد المطلب زمام الأمور في مكة، أظهرت تصرفاته، أنه لا يحسن تقدير أولئك الأشخاص الذين كان يتملقهم في إسطنبول كلما لزم الأمر. فما إن وصل إلى مكة حتى توجه إلى بلاد حرب، حيث بنى لنفسه بعض الحصون في هذه المنطقة المحمية من هجمات الحكومة، بقصد اللجوء إليها في حالة وقوع صراع في المستقبل. و قد دخل في خلاف مع الباشا الذي حضر احتفال تنصيبه في السلطة. و تمكن بواسطة نفوذه عند الصدر الأعظم، من تغيير الباشا و تعيين باشا آخر. غير أن الصداقة بينهما لم تدم طويلا أيضا فقد انتهت بسرعة. فعندما أطلقت بعض العيارات النارية التي اخترقت طربوش الباشا، في أثناء وجوده في المثناة بالطائف التي كان يقضي الشريف فيها فترة الصيف‏ (1) لم يستطع الباشا أن يتصور أن حدوث ذلك كان صدفة، بل إنه أمر وقع بتدبير من الشريف نفسه. و مرة أخرى تم تغيير الباشا، و السبب هو شك الشريف‏

____________

(1) في هذا الصيف زاره ديدييه، و تحدث عن حادثة جرت بين حراس حرم الشريف الأكبر السلواتي كنّ في بستان يملكه الشريف في وادي المثناة و اسمه: الشريعة، و بين الباشي بوزوق الذين كانوا يرافقون والي جدة العثماني أحمد عزت باشا. و قد حاول هؤلاء الجنود دخول بستان الشريعة عنوة، و استفزوا خدم الشريف و اشتبكوا معهم و سالت دماء الجانبين، و لما وصلت الأنباء إلى البدو، سارعوا إلى المكان مسلحين، و لكن الأتراك كانوا قد غادروه. و لما وصل خبر الحادثة إلى أسماع الباشا، حل به الخوف، و هرب من الطائف على وجه السرعة خوفا من ثورة البدو عليه. و لم تفلح مساعي الشريف الأكبر و إلحاحه في ثنيه عن الذهاب إلى جدة. هذا ما يرويه ديدييه في رحلته (ص/ 257/، من الأصل الفرنسي الذي وضعنا أرقامه في الأصل بين//). و يبدو أن إطلاق النار على الباشا، تم خلال هذه الحادثة و بذلك تكتمل الصورة. انظر: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، سنوك هور خرونيه، نقله إلى العربية د. علي عودة الشيوخ، أعاد صياغته و علّق عليه د. محمد محمود السرياني و د. معراج نواب مرزا.

15

في أن الباشا كان يريد اعتقاله. لقد أخطر الشريف أصدقاؤه بأن الوالي سيحتال للإمساك به في أثناء تمرين على السلاح، كان من المفروض أن يحضره مع الباشا نفسه.

لهذا ابتعد الشريف دون أن يلحظه أحد، و توجه نحو الطائف، حيث جهز نفسه لمقاومة الهجمات المتوقعة من الدوائر التركية. و بناء على تقرير سريع من الوالي، الذي غادر إلى جدة، قدم في أكتوبر من عام 1855 م (1271 ه) مبعوث غير عادي، أرسله الباب العالي، لإعادة تعيين الشريف محمد بن عون الأمير السابق المطرود ..." (1).

أما في نجد، فقد كان الإمام فيصل بن تركي في ولايته الثانية (2) 1843- 1865 م/ 1259- 1282 ه عند ما وصل ديدييه إلى الحجاز، و قابل في جدة خالد بن سعود الذي تولى الحكم في البلاد النجدية بين عامي 1838- 1841 م/ 1254- 1257 ه، و لكنه لم يستمر في الحكم، بسبب حركة المقاومة السعودية الوطنية التي قادها الأمير السعودي عبد اللّه بن ثنيان، الذي تولى الحكم من عام 1841- 1843 م/ 1257- 1259 ه قبل أن يعود الإمام فيصل بن تركي إلى الحكم ثانية (3).

____________

(1) صفحات من تاريخ مكة المكرمة، ج 1- ص 285- 286. انظر في حواشي الرحلة: ترجمة عبد المطلب بن غالب، و محمد بن عون الذي تبادل معه الشرافة.

(2) كانت الولاية الأولى من عام 1834- 1838 م/ 1250- 1254 ه. انظر: تاريخ الدولة السعودية الثانية، 1256- 1309 ه/ 1840- 1891 م، ط 4، دار المريخ، الرياض 1411 ه/ 1991 م، ص 336.

(3) انظر في أحداث هذه السنوات: عنوان المجد في تاريخ نجد، للشيخ عثمان بن عبد اللّه بن بشر النجدي الحنبلي، حققه و علق عليه عبد اللطيف بن عبد اللّه الشيخ، ط 4، دارة الملك عبد العزيز 1403 ه/ 1983 م، مج 2، ص 140؛ و انظر: مثير الوجد في أنساب ملوك نجد، للشيخ راشد بن علي الحنبلي بن جريس، تحقيق محمد بن عمر-

16

أما على المستوى الدولي فقد كانت تركية في حرب مع روسيا، و كانت فرنسا تقف إلى جانب تركية بسبب مصالحها، و خلافها مع روسيا و ليس حبا بتركية. نجد أصداء هذا الموقف في رحلة ديدييه، الذي يبدو أنه غير راض عن هذا الموقف، و يستنكره و يقول: إن تركية لا تستحق ذلك، يقول ديدييه:" ... لقد كنت منزعجا كل الانزعاج من عدم التقدير الذي يلقاه ممثل فرنسا من ذلك التركي، في الوقت الذي تبذل فيه فرنسا دماء أبنائها، و ذهبها من أجل تركية ..." (1).

أما في فرنسا فقد كانت مرحلة ما يسمى الإمبراطورية الثانية (1808- 1873 م)la Seconde Empire ، و حكم خلالها نابليون الثالث الذي أصبح في البداية رئيس جمهورية خلفا للويس نابليون بونابرت الذي أزيح عن الرئاسة بسبب خلافه مع المجلس الوطني بعد انقلاب (2 ديسمبر 1851 م)، و قد حول نابليون الثالث الجمهورية إلى إمبراطورية وراثية (1852- 1870 م)، و اتخذ من الضغوط الخارجية وسيلة لإلهاء الناس فخاض عددا من الحروب (حرب القرم 1854- 1855 م) ضد

____________

ابن عبد الرحمن العقيل، ط. دارة الملك عبد العزيز 1419 ه/ 1999 م، ص 127- 128؛ و كتاب جبران شامية، آل سعود ماضيهم و مستقبلهم، ص 70- 71؛ و انظر: الموسوعة العربية العالمية، ج 10، ص 9، و فيها: أن خالد بن سعود توفي في مكة المكرمة 1276 ه/ 1859 م أي بعد خمس سنوات من التقائه ديدييه في جدة. أما عبد اللّه بن ثنيان فقد توفي سنة 1259 ه، و تولى بعده ابن عمه فيصل بن تركي (الولاية الثانية) بعد أن هرب من حبس مصر.

(1) انظر: الرحلة ص/ 308/ من الأصل الفرنسي. و يقول ناشر الرحلة في المقدمة:" إن هدف مؤلف الرحلة من نشرها يتحقق إذا استطاعت أن تلفت نظر العقلاء إلى الكوميديا التي تمثلها أوروبا لصالح تركية ...".

17

روسيا، مما أكسب فرنسا دورا رئيسيا في أوروبا، و لكنه خسر الحرب الفرنسية البروسية، فخلع عن العرش عام 1870 م. و كانت تحكم بريطانيا إبّان مجي‏ء ديدييه إلى الجزيرة العربية الملكة فكتوريا الأولى‏Victorial (Alexandrine) (1819- 1901 م) التي توجت في عام 1837 م و ظلت تحكم حتى ماتت عام 1901، و قد أصبحت إمبراطورة الهند من (1876- 1901 م) و اتسعت في عهدها رقعة الإمبراطورية البريطانية. أما في روسيا فقد كان يحكم القيصر نيقولا الأول (1796- 1855 م) الذي تولى الحكم في عام (1825- 1855 م) و قد عرف برجعيته الشديدة، و سحق ثورة الديسمبريين في عام (1825 م) و في عهده جرت الحرب الروسية التركية، التي تدخلت فيها فرنسا و بريطانيا لصالح الإمبراطورية العثمانية، و انتهت بتوقيع معاهدة السلام في باريس 1856 م. أما في تركية فقد كان في الحكم السلطان عبد المجيد الأول (1823- 1861 م)، الذي تولى الحكم من عام (1839- 1861 م) و قد حاول إجراء إصلاحات عرفت بالتنظيمات، و قد جرت في عهده حرب" القوم" مع روسيا، و وقعت معاهدة باريس 1856 م. تلك كانت لمحة سريعة عن الحالة السياسية التي كانت سائدة إبّان رحلة ديدييه إلى الحجاز في عام 1854 م.

3- صاحب الرحلة:

شارل ديدييه‏Charles Didier ، أديب، و شاعر و صحفي سويسري من أصل فرنسي، ولد في جنيف عام 1805 م، و كانت أسرته البروتستانتيّة قد هربت إليها طلبا للحرية الدينية، درس ديدييه في جنيف، القانون، و علم النبات، و الرياضيات، ثم‏

18

عاد إلى باريس و استقر فيها، و اكتشف ميله إلى الرحلات. و نشر أولى قصائده الشعرية (1) في جنيف عام 1825 م، و في عام 1848 م أرسلته حكومته في مهمة رسمية إلى بولندا، فأصبح خبيرا بشؤون تلك البلاد، و كذلك ألمانيا و ما جاورها. و عمل في الصحافة (2)، و أدار جريدة سياسية و أدبية اسمهاLe Courrier du eman " لوكورييه دو لومان"، و كانت له صلاته مع مشاهير عصره، و خصوصا الروائية الفرنسية التي برعت في تصوير الحياة الريفية جورج صاندGeorge Sand (1804 م- 1876 م)، و تعاون معها، لإصدار جريدة" العالمين"Les Deux Mondes ، و في عام 1849 م أصدر كتيبا عنوانه: زيارة لدوق بوردوUne Visite M .le Duc de Bordeaux أحدث ضجة و طبع خمس عشرة طبعة خلال أسبوعين. و كان المغرب أول بلد عربي يزورها في عام 1833 م. ثم ذهب بعد ذلك إلى إيطاليا و إسبانيا، و عندما أصابه الإجهاد و الإحباط من عمله، و من مجموعة من المشكلات العامة و الخاصة كما تشير مقدمة ناشر الرحلة، قرر القيام بمجموعة من الرحلات إلى إسبانيا، و مراكش، و الجزيرة العربية، و سنار، و مصر. و نستنتج مما ورد في الرحلة/ 274 و 305/ (من الأصل الفرنسي) أن المؤلف كان على وشك أن يفقد بصره إبّان الرحلة، و قد شكا في غير موضع منها ضعفه، يقول في/ 274/:" ... أرخيت العنان لبصري، ليجول في قبة السماء الواسعة المتلألئة، التي لم تكن قد انطفأت بعد في نظري كما هي الحال عليه‏

____________

(1) بعنوان: القيثارة الإلفيتيكية (السويسرية)La Harpe Helvetique ، ثم نشر في باريس عام 1828 م أشعارا أخرى بعنوان: نغمات إلفيتيكية.Melodies Helvetique

(2) في مقدمة الترجمة الإنجليزية لرحلته إشارة إلى الصحف الجمهورية التي عمل فيها، و قد أسس في عام 1843 م صحيفةL`Etat .

19

اليوم"؛ و هذا يعني أن المؤلف كان في عام 1856 م قد فقد بصره لأن هذا التاريخ (20 أكتوبر (تشرين الأول) 1856 م) هو تاريخ مقدمة الناشر، و يبدو أن ديدييه فقد بصره قبل هذا التاريخ، و أملى رحلته إملاء. و يقول في (ص/ 305/): إن فقدان بصره منعه من الذهاب إلى بغداد عبر دمشق و حلب و صحراء الرافدين الواسعة، ليصل بعد ذلك إلى إستانبول، و لم ينجز من ذلك إلّا مرحلة صغيرة.

و قد تلقى رسالة من أسرة محمد علي شمس الدين في 15 فبراير (شباط) 1855 م، و كان قد نزل في بيت أسرة شمس في الطائف، و ظل على علاقة بهم، و أثبت ترجمة الرسالة (إلى الفرنسية بالطبع) في نهاية الفصل الأول الذي تحدث فيه عن الطائف (ص/ 265- 266/). و جاء في ترجمته في معجم لاروس‏ (1) القرن العشرين أنه مات منتحرا في 13 مارس (آذار) في باريس عام 1864 م بعد أن أصيب بالعمى. و له كتب عديدة؛ منها عدد من قصص رحلاته و أشهرها: سنة في إسبانيا (طبع في بروكسل عام 1837 م)، حملة على روما (1842 م)، جولة في المغرب (1844 م)، و رحلته هذه (1857 م)، و خمسون يوما في الصحراء (2) (1857 م)،

____________

(1)Larousse du xxe Siecle ,Tome 2 ,9291 ,P .458

(2) في معجم لاروس ورد العنوان: خمسون يوما في الصحراء، و كذلك في كتاب: مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر، د. إلهام محمد علي ذهني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995 م، ص 111، و أعلن في أول رحلته التي نترجمها أنه سيصدر للكاتب نفسه قريبا، و في دار النشر نفسها كتاب بعنوان: أربعون يوما في الصحراءQuarante Jours au Desert ، و انظر: كتاب: مصر في كتابات ...، موثق أعلاه، ص 137.

20

و خمسمائة فرسخ على النيل (1857 م)، و ليالي القاهرة (1860 م) و غير ذلك‏ (1).

و قد راجعنا كتب رحلات ديدييه غير المترجمة فوجدناه كما يقول كاريه في كتابه عن الرحالة و الكتاب الفرنسيين في مصر: لا يهتم بوصف الآثار و القصور، و إنما يركز على البشر و الجوانب الاجتماعية، و خصوصا في كتابه" خمسمائة فرسخ على النيل"، الذي‏

____________

(1) انظر ترجمة ديدييه في:

L- Carre, Jean Marie: Voyageurs et ecrivains Francais en Egypte, Le Caire, T. 2, 0691, P. 842.

La Rousse du XXe Siecle, Paris, 9291, Tome 2, P. 458.

و كتاب: مصرى في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر، د. إلهام محمد علي ذهني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1995، ص 111- 112. و كتاب:

التراث الشعبي في أدب الرحلات، د. أحمد عبد الرحيم نصر، الدوحة 1995، ص 6.

و قد ترجمت رحلته إلى الإنجليزية بعنوان:

Sojourn With the Grand Sarif of Makkah, Didier Charles; Translated by Richard Boulindi; With an Introductory Note by Philip Ward. Cambridge: Oleander Press, 5891. X, PP. 751. 32 Cm. ISBNO- 276609- 11- 2.

و قدم لها المترجم بحديث عن ديدييه: حياته و آثاره. انظر مقالة بعنوان: أدب الرحلات إلى المملكة العربية السعودية (القسم الإنجليزي)، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج 4، ع 2، رجب- ذو الحجة 1419 ه/ نوفمبر 1998 م- أبريل 1999 م.

و تحدث عنه الأستاذ فائز بن موسى الحربي و ترجم بعض المواضع من رحلة ديدييه مما له علاقة برجالات الدولة السعودية الأولى و الدعوة الوهابية في مقالة بعنوان: مع كتاب:

رحالة غربيون في بلادنا، ديديير رحالة أنصف السعوديين و تجاهلناه، صحيفة الرياض، ع 10840، 1 ذو القعدة 1418 ه/ 27 فبراير (شباط) 1998 م. و ذكر د. محمد بن عبد اللّه آل زلفة في القسم الثاني من مقالاته المعنونة: الطائف في كتب الرحالة الأوروبيين (2/ 6)، الجزيرة، ع 10158، 19 ربيع الآخر 1421 ه/ 21 يوليو (تموز) 2000 م أنه نشر البحث عن ديدييه في: المجلة التاريخية للعهد الحديث و المعاصر، السنة العاشرة، ع 29- 30، يوليو (تموز) 1983 م، و أعيد نشره في كتابه: دراسات من تاريخ عسير الحديث، مطابع الشريف، الرياض، 1412 ه/ 1991 م.

21

يتحدث فيه عن مشاهداته على ضفاف النيل، و عن زيارته للخرطوم، و سنار و مقابلته رفاعة الطهطاوي‏ (1). و له رواية سماها: روما تحت الأرض (1833 م)Rome Souterraine ، قدم فيها صورة حية و طريفة عن الحياة الاجتماعية و السياسية في إيطاليا، و عن الحركة الثورية، و هي في مجلدين صدرت لها طبعة معدلة عام 1841 و 1848 م.

لقد التقى ديدييه خلال رحلته من القاهرة إلى السويس بالرحالة الإنجليزي المشهور ريتشارد بيرتون (1821- 1890 م)Richard Burton الذي كتب رحلته بعنوان: قصة رحلة شخصية للحج إلى مكة و المدينة، و ترجم ألف ليلة و ليلة و غيرها إلى اللغة الإنجليزية (2)، و لما طبعت رحلة بيرتون لم يشر هذا الأخير إلى ديدييه إلّا في حاشية علمنا منها اسم الإنجليزي الذي كان يرافق ديدييه، الذي لم يذكر اسمه أبدا،

____________

(1) انظر كتاب: مصر في كتابات ...، موثق سابقا، ص 112. و ذكرت في ص 137 من هذا الكتاب أسماء كتب ديدييه بالفرنسية و نذكرها هنا مقرونة بسنة الطبع:

1. Quarante Jours au Desert( 7581 )

2. Cinq Cent Lieues sur le Nil( 8581 )

3. Les Nuits du Caire( 0681 )

4. Campagne de Rom( 2481 )

و له كتب أخرى عن صقلية خصوصا و إيطاليا عموما تراجع في مقدمة الترجمة الإنجليزية لرحلته.

(2) انظر: رحلة ديدييه، ص/ 13/، و يشير ديدييه في حاشية إلى أن المجلة البريطانية نشرت قطعا من رحلة بيرتون، و يدلي بشهادته حول مطابقة ما في الرحلة للواقع. و قد حمل ديدييه رسالة من بيرتون إلى القنصل البريطاني في جدة السيد كول‏M .Cole ، انظر النص الأصلي لرحلة ديدييه (ص/ 144/).

22

و لكنه تحدث عنه فقال‏ (1):" ... يتحدث العربية، و يكتبها عند الحاجة، و كان يتجول منذ عدة سنين في الشرق ..." ثم أعاد الحديث عنه باستفاضة في الفصل الذي خصصه للطائف، لأنه كان منزعجا من تصرفاته و استعلائه‏ (2).

4- أهمية الرحلة و مصادرها:

وصف ديدييه في كتابه مسار الرحلة من القاهرة إلى السويس، و جبل سيناء، و دير سانت كاترين، و مدينة الطور، ثم تحدث عن البحر الأحمر، و ينبع، و جدة، و الطائف التي قابل فيها شريف مكة المكرمة عبد المطلب بن غالب، ثم وصف طريق جدة- الطائف، و الطائف- جدة، لأنه عاد من طريق أخرى تختلف عن طريق الذهاب، و تحدث عن مغادرته جدة إلى سواكن عبر البحر الأحمر، و تضمنت الرحلة فصلا عن الأشراف و الوهابيين تحدث فيه عن الأشراف و تاريخهم و علاقاتهم بالدعوة الوهابية، و أنحى باللائمة على الشريف غالب، الذي أسهم في رأيه بانتصار محمد علي باشا على الدولة السعودية الأولى التي كانت، كما يقول ديدييه، وحدها قادرة على‏

____________

(1) و علمنا من حاشية بيرتون في كتابه: قصة رحلة شخصية للحج إلى مكة و المدينة، (النص الإنجليزي)، مج 1، ص 78- 179، ط 1964، الحاشية (4) أن اسم الإنجليزي مرافق ديدييه هو القس هاملتون‏Abbe Hamilton ، و أنهما دفعا 1000 قرش ما يعادل (10 جنيهات استرلينية) أجرة السنبوك من السويس إلى جدة، و يقول بيرتون:

إلهما من علية القوم و إنه رافقهما من القاهرة إلى السويس، انظر رحلة ديدييه، ص/ 32- 33/.

(2) انظر النص الأصلي لرحلة ديدييه ص/ 262- 263/.

23

الوقوف في وجه السيطرة التركية. و تتضمن الرحلة فصلا آخر، سماه" لوحة نابضة بالحياة" تحدث فيه عن الأشخاص الذين قابلهم في جدة، خصوصا مثل الوالي العثماني، و خالد بن سعود، و غيرهم من العسكر و التجار. و نجده في فصل آخر سماه" بعض التأملات" يتحدث عن رحلته، و صدقه في حكاية الأحداث، و عرض لبعض المقارنات بين العرب و الأتراك، و قال: إن الأمة العربية يحقّ لها الطموح إلى التخلص من الأتراك، كما هو شأن كل الشعوب التي تخضع لسلطتهم. يحتوي الكتاب على ذكريات ديدييه الشخصية، و ملاحظاته التي كان يدونها يوميا في أثناء الرحلة بكل أمانة و إخلاص، و على الرغم من أهمية الرحلة في معرفة أحوال الحجاز في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإننا لا نجد له ذكرا في الكتب التي تحدثت عن الرحالة في الجزيرة العربية و خصوصا كتاب مواطنته‏ (1) جاكلين بيرين: اكتشاف الجزيرة العربيةLa Dcouverte de L Arabie (1959 م). و قد رأينا أن بيرتون لم يشر إليه إلّا في حاشية صغيرة. و قد وجدت ناصر الدين دينيه في كتابه: الحج إلى بيت اللّه الحرام، يذكر ديدييه في الفصل الذي خصصه للحديث عن الوهابيين، الذي وضع له عنوانا كلمة الملك عبد العزيز آل سعود، يرحمه اللّه،" لسنا أصحاب مذهب‏

____________

(1) انظر: مقدمة الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 8. و لم يشر إليه هو غارث‏Hoggarth (1904 م)، و لا بدول‏Bidwell (1976 م)، و خصص له بيلي و ندرR .Bayly Winder في كتابه:Saudi Arabia in the Nineteenth Century (1977 م) المملكة العربية السعودية في القرن التاسع عشر، فقرة قصيرة. و أشار إليه توماس ل.

ولي‏Thomas L .Wolley في تمهيده للطبعة الأولى من رحلة بيرتون.

24

جديد" (1). و قد أشار إلى ديدييه جورج رينتزGeorge Snavely Rentz في مصادر رسالته المعنونة: محمد بن عبد الوهاب و بداية امبراطورية الموحدين في شبه الجزيرة العربية (2).

و يبدو أن نوال سراج ششة هي أول من أشار بالعربية إلى رحلة ديدييه و وصوله إلى جدة في عام 1854 م، و ذلك في كتابها: جدة في مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي‏ (3)، ثم أشار إليه و ترجم مقاطع من رحلته (عن الإنجليزية) الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر في كتابه: التراث الشعبي في أدب الرحلات‏ (4)، و أشارت إليه، و ترجمت له و تحدثت عن بعض أحداث حياته، و عن كتبه التي لها علاقة بمصر الدكتورة إلهام محمد علي ذهني في كتابها: مصر في كتابات الفرنسيين في القرن التاسع عشر (5).

____________

(1) انظر: الحج إلى بيت اللّه الحرام، ناصر الدين دينيه و الحاج إبراهيم باعامر، (النص الفرنسي)، دار نشر هاشيت، باريس 1930، ص 199. و كلمة الملك عبد العزيز آل سعود المقتبسة من خطبته التي ألقاها عام 1929 م، خلال العشاء الذي أقامه على شرف وجهاء الحجاج في ذلك العام، انظر مقالنا: ناصر الدين دينيه و كتابه: الحج إلى بيت اللّه الحرام، الذي سيصدر في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية.

(2) انظر القسم المنشور من هذه الرسالة في كتاب: الحركة الوهابية في عيون الرحالة الأجانب، ترجمة و تعليق أ. د. عبد اللّه بن ناصر الوليعي، الرياض، 1417 ه/ 1997 م، ص 172.

(3) كتابها المنشور في مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، العزيزية 1406 ه/ 1986 م، ص 139، و قد سمته (شارلز ديدير) و هو خطأ و الصواب: شارل ديدييه كما أثبتنا.

(4) المطبوع في الدوحة، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 1995 م، ص 63- 69 و سماه: (تشالز ديديه) و هذا خطأ أيضا.

(5) المطبوع في الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995 م، ص 111- 112، و انظر: ص 137 و قد سمته (شارل ديديه) و الصواب (ديدييه).

25

إن أهمية هذه الرحلة تكمن في أنها تقدم صورة واضحة عن الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و هي فترة تقل مصادرها، و نحتاج إلى مثل هذه النصوص، لزيادة معرفتنا بها. و للرحلة أهمية لا تنكر في مجال المعلومات الجغرافية و الاجتماعية و الاقتصادية عن الأماكن التي مرّ بها ديدييه انطلاقا من السويس حتى الطور، و جبل سيناء، و البحر الأحمر، و ينبع، و جدة، و الطائف؛ إذ نجده يصف الأماكن و الأسواق و المياه و الأشجار، و يركز على البشر بطباعهم و لباسهم و مساكنهم، و سيجد علماء الانثروبولوجيا (الإناسة)، و علماء الاجتماع، و الجغرافيون فائدة جلّى في رحلة ديدييه.

لقد التقى ديدييه بأشخاص من الطراز الأول إبّان رحلته مثل: خالد بن سعود، و عبد المطلب بن غالب شريف مكة المكرمة، و غيرهما من الأشراف، و بالقنصل الفرنسي في جدة روشيه ديريكورRochet D`HEricourt ، و القنصل البريطاني فيها السيد كول‏M .Cole ، و الوالي العثماني أحمد عزت باشا، و كرد عثمان باشا، أحد القادة العسكريين الأتراك. و غيرهم من التجار من ذوي الأصول الهندية و الأوروبية، و يجد القارئ في الرحلة تحليلا سلوكيا رائعا لكل تلك الشخصيات المختلفة في أخلاقها و طبائعها و الحضارات التي تنتمي إليها. إن المعلومات التي يقدمها ديدييه، بأسلوب رائع، و مقدرة على الوصف هائلة، تذكرنا بالكاتب الفرنسي الكبير إميل زولا، الذي كان يبلغ من العمر (14) عاما عندما قام ديدييه برحلته، و كان عمره (17) عاما عندما نشرت رحلة ديدييه، فهل قرأ زولا ما كتب ديدييه؟ و قد ضمن ديدييه رحلته كثيرا من معالم‏

26

ثقافته، و هو الشاعر الذي بدأ نشر قصائده في سن مبكرة. لقد قرأ ديدييه كما يبدو من رحلته الكتاب المقدس بعهديه القديم و الجديد، و قرأ روايات الأدباء اللاتينيين و اليونان، و أشعار شعراء الأمتين، و اطلع على الفنون التشكيلية لهما، و أتقن الأدب الفرنسي، و قرأ كتب المفكرين و الفلاسفة في عصره، كل ذلك يجده القارئ في هذه الرحلة.

أما بخصوص العرب، فهو بلا شك قرأ ألف ليلة و ليلة (1) مترجمة، و اطلع على كتب الرحلات، خصوصا رحلات بوركهارت، الذي يستشهد به ديدييه في مكان واحد من رحلته‏ (2)، و لكنه اعتمد عليه كلية في الفصل الذي كتبه عن" الأشراف و الوهابيين". و قد وضحنا كل ذلك في حواشي الترجمة. لقد كان ديدييه مطلعا على رحلة تاميزييه‏ (3)، و على رحلة روشيه ديريكور، الذي توفي في جدة يوم 9 آذار

____________

(1) أشار إليها ديدييه في مواضع من رحلته ص/ 24/ و ص/ 150/ و ص/ 238/ و ص/ 294/ و يدل أحد هذه الأماكن على الأقل على أنه قرأها و يتذكر تفاصيل حكاياتها.

(2) انظر النص الأصلي لرحلة ديدييه ص/ 118/؛ إذ ينقل عن بور كهارت: أن نوعا من النسور الجريئة التي تختطف الطعام من صحون الحجاج، تعيش في جبال الحجاز الممتدة بين المدينة المنورة و مكة المكرمة. انظر: رحلات في شبه الجزيرة العربية، جون لويس بوركهارت، ترجمة د. عبد العزيز الهلابي و د. عبد الرحمن الشيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1413 ه/ 1992 م، ص 372.

(3) استنتحنا ذلك بالاعتماد على معلومات أوردها ديدييه و وجدناها عند تاميزييه في كتابه:

رحلة في بلاد العرب، انظر نص ديدييه بالفرنسية، ص/ 220/ و تعليقنا عليه. و يبدو أن ديدييه قد اطلع على أخبار الرحلات الفاشلة التي جرت لسبر القارة الإفريقية، انظر: ص/ 36/ من الأصل الفرنسي.

27

(مارس) 1854 م و شارك ديدييه في دفنه. و تظهر الفقرات التي تحدث فيها عن الأمة العربية أنه مطلع على تاريخ الحضارة العربية و إنجازاتها الأدبية و العلمية فهو يقول:" إنها أمة عالمة و مثقفة، نبغت في العلوم قدر ما نبغت في الفن و الحروب. لقد كانت خلال أمد طويل، أمة مبتكرة حيثما قادها حماسها الديني، لقد كان لها مدارس تزدهر فيها دراسة الطب و العمارة و الرياضيات و الفلك. و في هذه المدارس تعلم الغرب، و أبدعت روائع أدبية ما زالت حتى اليوم متعة العقول المثقفة كلها" (1).

تنوعت مصادر ديدييه التي استخدمها أحسن استخدام، فأغنت ملاحظاته الشخصية، و مدوّناته اليومية، و كان مآل ذلك كله هذه الرحلة الممتعة.

5- ملابسات الرحلة (2):

يكرر ديدييه في غير موضع من رحلته، أنه ليس في مهمة رسمية، و أن رحلته ليس لها أي هدف سياسي، و أن المصادفة وحدها هي التي قادته إلى الجزيرة العربية، و أنه، نفسه، اعترته الدهشة من الاستقبال الحافل الذي لقيه من الشريف الأكبر، يقول على سبيل المثال:" ... إن وجود بريطاني و فرنسي يجوبان الحجاز في هذه الفترة السياسية السائدة فيه، مدعاة للشك، مما يجعل الناس يظنون أن حكومة كلّ منهما أرسلت مواطنها لدراسة الأوضاع في الحجاز، و استطلاع مدى ارتباطه بالباب العالي،

____________

(1) انظر: النص الأصلي لرحلة ديدييه ص/ 300/.

(2) نشكر للأستاذ الدكتور أحمد خالد البدلي ملاحظاته التي دعتنا إلى إعادة النظر فيما كنا قد كتبناه عن الرحلة في مقالنا في مجلة" الدرعية".

28

و موقفه منه. و على الرغم من أن ذلك غير صحيح، و لكنه غير مستبعد، و لا مبالغ فيه، و إن شك الشريف الأكبر في ذلك، جعله يعاملنا تلك المعاملة اللائقة ..." (1).

يمكن أن يصدّق المرء للوهلة الأولى ما يدعيه ديدييه، و لكن حياة الرجل، و اطلاعه على الأحداث الدولية، و اهتماماته السياسية، و إرتباطه القوي بهويته المسيحية، و كرهه الشديد للإمبراطورية العثمانية، و لكل من يرتبط بها (محمد علي و أتباعه)، و انعكاس ذلك الكره الذي ينقلب في بعض الأحيان إلى عنصرية، كل ذلك يجعلنا نتساءل، عمّا سميناه ملابسات الرحلة.

لقد سبق لديدييه أن تولى مهمات سياسية لصالح بلده كما رأينا في أطوار حياته، و ليس بالغريب أن تسند إليه مهمات أخرى!

إن تدخل القنصل البريطاني السيد كول، و مرافقة المترجم في القنصلية الفرنسية و موثق العقود فيها السيد دوكيه‏M .Dequie لديدييه و رفيقه البريطاني، و الاستقبال الحافل الذي لقياه في الطائف، و الحراسة التي أرسلها الشريف، كل ذلك يدفعنا إلى طرح سؤال ربما يجد إجابة في أبحاث لاحقة ليس مكانها هنا. يتحدث ديدييه عن أحداث هامة على المستوى الفرنسي المحلي (انقلاب الثاني من ديسمبر 1851 م)، و عن موقف فرنسا من الإمبراطورية العثمانية الذي يصفه بأنه (كوميديا) (2)، ثم يتحدث عن حرب (القرم) بين تركية و روسيا التي جرت بين عامي (1853 م- 1856 م)،

____________

(1) الأصل الفرنسي ص/ 295/.

(2) انظر ما ذكرناه في الحاشية (رقم 1، ص 16) من هذه المقدمة.

29

و وقوف بريطانيا و فرنسا إلى جانب تركية لا حبا بها، و إنما للوقوف في وجه روسيا.

و يخيّل إليه من خلال حديثه مع الشريف عبد المطلب؛ أن هذا الأخير يميل إلى دعم روسيا (1) لا حبا بها أيضا، و إنما لأنه في رأي ديدييه لا يمكن لعربي أن يتمنى انتصار تركية التي تستعمر الأمة العربية، و تعامل العرب أسوأ معاملة: إن هذه الإشارات التي تصدر عن ديدييه تجعل السؤال التالي مشروعا: هل كان ديدييه في عام (1854 م) مع القس هاملتون‏Abbe Hamilton رفيقه في الرحلة في مهمة لاستطلاع آراء الشريف و الشخصيات الأخرى في الحجاز في الدولة العثمانية، و مدى ارتباط الشعب بتلك الدولة التي كانت على وشك السقوط أمام الزحف الروسي؟ فقد أكدت الأحداث اللاحقة أن فرنسا و بريطانيا تدخلتا لصالح تركية طمعا في اقتسام تركتها بعد ذلك، و إبعاد روسيا عن مناطق نفوذهما، و دفعتا روسيا قسرا إلى توقيع معاهدة باريس (1856 م)، ناهيك عن أن سياسة نابليون الثالث (الإمبراطورية الثانية) كانت تقوم على إيجاد ضغوط خارجية للاستمرار في الحكم، و كان ديدييه كما يقول هو نفسه شاهد عيان على انقلاب (2 ديسمبر 1851 م) في فرنسا. فهل كان ديدييه مبعوث نابليون الثالث لاستكشاف منطقة الحجاز؟ و الإجابة تحتاج إلى مكان أوسع، و دراسة نترك للمختصين القيام بها، و نكتفي بطرح القضية هنا، و نختم بالإشارة إلى ما

____________

(1) يقول الدكتور آل زلفة في مقالته الرابعة من المقالات المذكورة في الحاشية (1، ص 31) من هذه المقدمة:" أما موقف الشريف عبد المطلب من الحرب الروسية التركية فربما يلمح المؤلف من خلاله، تأييده لروسيا. هذا رأي المؤلف، و ربما كان للشريف رأي آخر".

30

ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل في تعليقه على رحلة بلجريف‏ (1)" ... و لما كان نابليون الثالث إمبراطور فرنسا مهتما بكشف خبر جزيرة العرب، و بحاجة إلى شراء خيول من أصول عربية لجنوده، عثر هذا على بلجريف الذي كان يرغب في القيام برحلة إلى بلاد العرب ليكشف عن حقيقة الوضع فيها ... و قد قيل: إن بلجريف كان يمثل نابليون الثالث الذي كان مهتما اهتماما خاصا بمصر و الشام، و ربما كان قد وجه اهتمامه إلى نجد لعلاقتها بموضوع قناة السويس الذي كان قد تم اقتراحه آنذاك بالفعل".

و إذا علمنا أن بلجريف جاء إلى الرياض حسب ما يدعي في عام 1863 م/ 1280 ه) أي بعد تسع سنوات من رحلة ديدييه الذي لم يذهب إلى نجد، فهل كانت رحلة بلجريف، إن صحت، امتدادا لاهتمام نابليون الثالث بأوضاع الجزيرة العربية و القوى السياسية فيها؟

____________

(1) مسائل في تاريخ الجزيرة العربية، ألفها و حققها أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، منشورات مؤسسة دار الأصالة للثقافة و النشر و الإعلام، الرياض، ط 1، 1413 ه/ 1993 م، ص 206، 208؛ و انظر: دراسات في تاريخ الجزيرة العربية الحديث و المعاصر، د. عبد الفتاح حسن أبو علية، دار المريخ، الرياض، 1406 ه/ 1986 م، ص 125- 144. و نضيف إلى ما ذكره الشيخ أبو عقيل من أدلة على كذب بلجريف و عدم إنصافه، ما أورده ناصر الدين دينيه في كتابه: الحج إلى بيت اللّه الحرام، إذ يقول:" ... و لكننا لا نولي ما يورده هذا الرحالة ثقة كبيرة؛ لأنه يكره الإسلام كرها مسعورا ..." انظر مقالنا: ناصر الدين دينيه و كتابه الحج إلى بيت اللّه الحرام، موثق سابقا.

31

6- عملي في الترجمة (1):

إذا كانت الترجمة هي نقل المعلومات من نظام لغوي إلى نظام لغوي آخر، فهي تمثّل لثقافة النص المترجم و ثقافة النص المترجم إليه أيضا، ناهيك عن عمليات أخرى معقدة تترافق مع الانتقال من نظام لغوي إلى نظام لغوي آخر، لأن اللغة في واقع الأمر هي كالموقع الأثري تجد فيها عند التنقيب أخبار مستخدميها، و تاريخهم، و معتقداتهم، و عاداتهم، و تقاليدهم مما ينبغي الانتباه إليه إذا أردنا ترجمة نصوص تنتمي إليها.

كان كل ذلك يجول في خاطري و أنا أقرأ نص ديدييه، و حاولت في أثناء الترجمة أن أنقّب في نصه عما يريد قوله، و كنت أنقب في العربية أيضا لأجد مقابلات نص ديدييه، لكي لا يكون الفتى العربي في الترجمة غريب الوجه و اليد و اللسان.

____________

(1) نشر الأستاذ الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة، مجموعة من المقالات بعنوان: الطائف في كتب الرحالة الأوروبيين، شارلز ديديه‏Charles Didier نموذجا (شارل ديدييه)، في صحيفة" الجزيرة"، تحدث فيها عن الرحالة الأوروبيين الذين زاروا الطائف، و توقف عند ديدييه في المقالة الثانية، ع 10158، 19 ربيع الآخر 1421 ه/ 21 يوليو (تموز) 2000 م، ص 7، و بدأ في المقالة الثالثة المنشورة في العدد 10162، 23 ربيع الآخر 1421 ه/ 25 يوليو (تموز) 2000 م، ص 12، و المقالة الرابعة المنشورة في العدد 10165، 26 ربيع الآخر 1421 ه/ 28 يوليو (تموز) 2000 م، ص 6، و الخامسة في العدد 10172، 4 جمادى الأولى 1421 ه/ 4 أغسطس (آب) 2000 م، ص 6، و السادسة في العدد 10179، 11 جمادى الأولى 1421 ه/ 11 أغسطس (آب) 2000 م، ص 8، بنشر الفصل الذي خصصه ديدييه للحديث عن الطائف. و يبدو أنه يترجم عن الإنجليزية، و قد استفدنا من ترجمته و تعليقاته.

32

لم أكتف بالترجمة، و إنما علّقت عليها بما يزيدها وضوحا؛ فعرّفت بأشخاص الرحلة، و ما غمض من أمكنتها و حوادثها، و وثقت النصوص قدر الطاقة من كتب الرحالة الآخرين، و أحلت إلى القرآن الكريم في الموضوعات الدينية لتتضح الحقيقة في كتاب اللّه. و رأيت من المناسب أن أثبت في متن النص العربي صفحات الأصل الفرنسي للرحلة فوضعتها بين// لتسهل المقابلة بالأصل، و ليسهل اختبار دقة الترجمة على من أراد.

كتبت الأسماء الأجنبية بالعربية، و بلغتها الأصلية عند أول ورود لها، و تحققت من أسماء الأماكن بالاعتماد على المعاجم الجغرافية، و قد لقيت من ذلك عنتا سببه أن ديدييه لم يكن يحسن العربية، و كان يكتب الأسماء كما يسمعها من أصحابها الذين كانوا لا يراعون في الغالب النطق الفصيح فالسكارى يكتبهاAl -Sakara و المهر يكتبهاAl -Mahr . أما الحروف الحلقية فيتخبط في كتابتها تخبطا كبيرا. و قد أشار هو نفسه إلى صعوبة كتابتها (1)، ناهيك عن الأخطاء المطبعية عند ما يتحول: صبح، إلى‏Loubh ، و لقيم، إلى‏Goum ، و العباسي إلى العباري‏Al -Abbari . و قد أثبت في الحواشي الأسماء كما كتبها ديدييه لأن بعضها استعصى عليّ بسبب تغير أسماء المواضع أو بسبب خطأ الكتابة (2). لقد اجتهدت في قراءة ما استعصى علي ثم تركته في الأصل مكتوبا كما ورد.

____________

(1) انظر: ص/ 104/ من النص الأصلي حيث يقول:" ... ليس من السهل نقل الحروف الحلقية في العربية إلى الحروف الفرنسية، و خصوصا إذا كنا لم نرها مكتوبة أبدا".

(2) الصلاة على النبي، و الترضي على الصحابة، و وصف مكة بالمكرمة و المدينة بالمنورة لا وجود له في النص الأصلي، لذا أضفنا ذلك. و ما هو بين قوسين () زيادة من المترجم للإيضاح.

33

و حرصت على أن يكون للرحلة فهرس يتضمن أسماء الأعلام و الأماكن المذكورة في الرحلة لكي تزيد الفائدة منها بإذن اللّه.

إن هذه الرحلة إسهام في تاريخ الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و كل ما نأمله أن يجد القارئ فيها المتعة و الفائدة، و أن نكون قد أفلحنا في تقديم نص يدفع بالمعرفة خطوة إلى الأمام؛ و إلّا فإن" مبلغ نفس عذرها مثل منجح"، و اللّه من وراء القصد.

د. محمد خير البقاعي الرياض 27/ 4/ 1421 ه 29/ 7/ 2000 م‏

34

نصّ الرّحلة

35

المقدمة

لقد ذهب مؤلف الرحلة إلى الشرق بحثا عن الطمأنينة و النسيان، بعد أن كره باريس، و فرنسا، و أوروبا كلها، بسبب ظروف خاصة و عامة لا جدوى من ذكرها، و ليس بالإمكان التعرض لها في هذا المكان. و بعد أن أمضى في القاهرة شتاء لا يدانيه شي‏ء في الروعة، و ظلت ذكراه متمكنة في نفسه، كان يستعد للعودة إلى أوروبا. و كان قد مهر جواز سفره بتأشيرة إلى أثينا، عندما عرض عليه أحد البريطانيين الذين ربطته به علاقات اجتماعية محدودة، أن يقوما برحلة يقتسمان تكاليفها إلى جبل سيناء، مع إمكانية متابعة الرحلة من هناك إلى مدينة جدة في الجزيرة العربية؛ بهدف زيارة الشريف الأكبر- شريف مكة المكرمة الذي كان حينئذ يقيم في الطائف.

لقد طلب المؤلف مهلة أربع و عشرين ساعة للتفكير، و لكن ميوله إلى الترحال/VI / دفعته إلى اتخاذ قرار عاجل: فلم تمض ساعة حتى كان موافقا على ما عرضه البريطانيّ عليه. و عمدا في الحال إلى إعداد لوازم الرحلة، و حدد موعد الانطلاق بعد يومين، 16 يناير (كانون الثاني) 1854 م؛ و بذلك وجد المؤلف نفسه منطلقا إلى الجزيرة العربية، بدلا من الذهاب إلى اليونان.

و هو ينشر هنا قصة تلك الرحلة أملا في أن تجد بعض الاهتمام، إذا كان هناك عدا المال شي‏ء يهتم به الناس اليوم.

36

لا يدعي المؤلف أنه يقدم لوحة تاريخية، و لا لوحة صغيرة، و إنما يقدم مجرد رسم بسيط لأحداث الرحلة، و يعلن بصراحة، مخلصا بذلك لما اعتاده فيما سبق، أنه لم يسمح لنفسه، و هو يرسم الأشخاص و الأشياء، باستخدام أي تجميل، و لا تعديل، إن لم يكن متوافقا مع الواقع. لقد استطاع بذلك أن يبتعد عن كل ما يغري الجهلة أو المنحرفين، و عزاؤه في ذلك، أنه يعتقد اعتقادا راسخا أن الرحلة المتخيلة أسوأ الروايات كلها.

و مهما يكن من أمر، فإنه يستطيع القول مع مونتيني‏ (1)Montaigne : إن هذا كتاب صادق، و إنه، بحالته الراهنة، كتابه. لم يؤلفه مستعينا بكتب أخرى، و لا بحسب انطباعات الآخرين، و لكنه يحتوي على ذكريات شخصية، و على ملاحظات سجّلت يوما/VII / بيوم في أماكن حدوثها.

و لكي يطمئن القارئ (نقول): إن الهدف من نشر هذه الرحلة يتحقق إذا استطاعت الأحداث التي تتضمنها أن تجعل بعض الأذكياء يطلعون على المهزلة التي تقوم بها أوروبا لصالح تركية.

باريس، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1856 م‏

____________

(1)Michel Eyquem de Montaigne - ميشيل إيكيم دو مونتيني (1533- 1592 م):

أديب و مربّ فرنسي. اشتهر كتابه" مقالات‏Essais ".

37

الفصل الأول صحراء السويس‏

يفصل القاهرة عن السويس صحراء مساحتها 100 ميل. كان الناس في الماضي يخشونها؛ إما بسبب انعدام الماء فيها بتاتا، و إما بسبب البدو الذين كانوا ينهبون القوافل فيها. و لكن مظاهر الحضارة دخلت الصحراء، فلم يعد من المناسب معه إطلاق اسم الصحراء عليها؛ فقد قامت حكومة محمد علي الحازمة بتطهيرها من اللصوص الذين كانوا ينتشرون فيها، و انتشر الأمن فيها انتشاره في طريق باريس في فرساي، بل ربما أصبحت أكثر أمنا منها. ثم إن إدارة العبور (الترانزيت) المكلفة نقل الأمتعة و الركاب إلى الهند عبر مصر أنشأت لهذا الغرض طريقا/ 2/ و سيّرت عليه عربات، و أقامت محطات (مراكز) بريدية بلغ عددها خمسة عشر مركزا، زودتها بماء النيل الذي يباع بأسعار مرتفعة، و أهم تلك المراكز: هي الرابع، و الثامن، و الثاني عشر، و الثاني على وجه الخصوص. و تعدّ تلك المراكز مجموعة من النزل، نعم، أيها القارئ، إنها نزل في قلب الصحراء، و سيكون التحوّل في هذه المنطقة جذريا عند الانتهاء من أعمال سكة الحديد التي يجري العمل فيها لإتمام السكة المقامة بين الإسكندرية و القاهرة، و التي تسير القطر عليها منذ زمن. و ستربط السكة الجديدة البحر الأحمر بالبحر المتوسط بانتظار أن يأخذ شق القناة في المستقبل بيد مصر القديمة إلى مصير جديد.

38

أمّا عربات النقل فهي علب بشعة، مطلية باللون الأبيض، لتعكس أشعة الشمس و يتقاضى أصحابها 9 جنيهات وسطيا من كل راكب، و تحمل كل عربة ستة ركاب في مكان لا يكاد يتسع لأربعة، يقود العربة أحصنة يرخى لها العنان فتقطع مسافة 100 ميل في تسع ساعات، و لا يحتاج البريد المحمول على الحصان لقطع تلك المسافة ست ساعات، و يمكن أن تتقلص إلى خمس. و سيكون الفارق الزمني بينها و بين القطار ضئيلا كما هو واضح. تلك هي أحوال الذين هم في عجلة من أمرهم.

لم أكن في عجلة من أمري، و لم يكن هدفي من الرحلة قطع أطول مسافة في أقصر زمن ممكن، لذلك لم ألجأ إلى أيّ من وسيلتي النقل اللتين ذكرتهما، بل عمدت إلى وسيلة أكثر بطئا، و لكنها أكثر إثارة و تثقيفا، لقد رافقت السكان الأصليين، نصبت خيمتي على الطريق، و قضيت فيها ثلاث ليال/ 3/، و استغرقت الرحلة مني زمنا يزيد على وقت العربات بثماني مرات. غادرت القاهرة ثالث اثنين على ظهر واحد من تلك الحمير الجميلة التي تكثر في مصر، و التي ليس لها ما تشترك به مع الحمير الأوروبية إلا الاسم؛ هذا الحيوان المعذّب الذي يحتقره الفلاحون بغير حق، و يعاملونه معاملة قاسية. إن المسلمين أكثر رفقا بالحيوان من النصارى. إن لون الحمار المصري أسمر داكن، و هو رشيق، حسن الهيئة، ممراح، قدماه دقيقتان، و أذناه مستقيمتان مدببتان، ذلك مظهره، أما مخبره فهو حيوان لا يقف شي‏ء في وجه شجاعته، و لا ينال التعب من همته، أمّا قناعتة بالمأكل و المشرب فهي مضرب المثل؛ فهو يكتفي بقبضة من الفول في اليوم، و يمكن أن يسير ثلاثة أيام دون أن يشرب في جو ترتفع فيه درجة الحرارة ما

39

بين 35 و 40 درجة، و لا يمكن لأي حصان أن يقارعه، و هو ينافس في ذلك الجمل نفسه. و إن لهذه الحمير القوية قيمة مادية كبيرة، و إن أحد الأطباء من أصدقائي تلقى هدية من أحد نواب الملك (في مصر) حمارا أبيض اللون قدّر ثمنه من 1200 إلى 1500 فرنك.

تجتمع آلاف من هذا الحيوان الأثير في الساحات و الشوارع، كما تجتمع الفياكر في مدن أوروبا، و الأحصنة في إستانبول: يستخدمه كل الناس دون حرج، و ليس لسيدات المجتمع من ذوات الخدم و الحشم من ركوب سواه. و مع أن برادع تلك الحمير قاسية، و تشبه كل الشبه/ 4/ البردعة المستخدمة في أوروبا، إلا أن لها سمات خاصة بها، و لا نشعر بالضيق و نحن نجلس فوقها. و تنتشر التزيينات الأنيقة فوق السجاد ذي الطرر الذهبية، التي يكون لها وقع في النفوس عجيب. و أضيف في هذا السياق أن مكاري القاهرة هم أطفال حيويون و أذكياء، و لكنهم يصبحون في سنوات قليلة بلهاء: إذ إن ضربا من الطيش المبكر هو الذي يجعلهم يتحولون هذا التحول المؤسف.

كانت قافلتنا الصغيرة تتألف من أربعة من الأعيار، و من عشرة جمال لازمة لنقل خدمنا و عددهم خمسة، و كانت أمتعتنا ذات حجم مقبول؛ لأننا مقدمون على رحلة طويلة، و ينبغي أن نحمل معنا كل لوازمها من خيام و أسرة، و سجاد، و مؤن من كل الأنواع، و النبيذ حتى الماء، كان ينبغي أن نحمل كل شي‏ء حتى آنية الطعام و أدواتها و لوازم الطبخ.

40

كان قصر العباسية، آخر مكان مسكون تراه بعد مغادرة القاهرة، و العباسية قصر فخم، رهيب، بناه الخديوي عباس باشا (1) على حدود الصحراء ليكون سكنا له. إن هذا القصر بالنسبة إلى عباس باشا هو كجزيرة كابري‏ (2)Capree بالنسبة إلى تيبيريوس‏ (3)Tibere ، و عباس ليس إلا نسخة مصغرة عن تيبيريوس و هو نصف نمر و نصف ضبع، لا يحد من وحشيته إلا الخوف.

____________

(1) عباس باشا بن طوسون باشا بن محمد علي باشا (1849- 1854) م تولى حكم مصر في عام 1848 بعد وفاة والده طوسون في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 1848 م. و توفي في يوليو (تموز) 1854 م، و قد كثرت الروايات عن وفاته، و قد نال نصيبا وافرا من انتقادات الرحالة، و يبدو أنه كان يكره القناصل الأجانب و يؤثر عنه قوله:" إذا كان يتحتم علي الخضوع لأحد ما، فإنني أفضل الخضوع للخليفة، لا للمسيحيين الذين أكرههم". و قد حاول إخراج مصر من دائرة النفوذ الفرنسي، فصبّ عليه الرحالة و السياسيون الفرنسيون جام غضبهم. اقتنى عباس باشا الحيوانات، و خصوصا الجمال القوية التي حصل عليها من الحجاز، و لم يكن يأذن لأحد بزيارة حظائره لأنه كان يخشى شر العين الحسود على الجياد و لذلك أصدر أوامره بإلقاء القبض على كل من يقترب من الاصطبلات و الحظائر، و كذلك من أبراج الحمام، لأنها كانت تحوي أجمل و أندر الأنواع. لقد أقام عباس في المناطق البعيدة النائية حيث الهواء النقي، فبنى القصور في العباسية، و عند جبل المقطم، فكان محل إقامته أشبه بالقلعة، يعسكر فيها مع موظفيه بعيدا عن دسائس القناصل. انظر بخصوص فترة عباس باشا كتاب: مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر، د. إلهام محمد علي الذهني، سلسلة مصر النهضة رقم (51)، مركز وثائق و تاريخ مصر المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص 157- 162. و سنشير إليه من الآن فصاعدا ب" مصر في كتابات ..."

(2)capree جزيرة إيطالية كانت مستوطنة يونانية ثم أصبحت أيام الرومان متنزّها، و سكنها الإمبراطور أغسطس، أما الإمبراطور تيبيريوس فبنى هناك عدة مبان أو مساكن.

(3)Tibre أوTiberius (42 ق. م- 37 م): إمبراطور روماني حكم بين (14- 37 م) سلك في الحكم سبيل التعقل في البداية، ثم أطلق العنان لنزواته و شهواته.

41

كان هذا الجحر الغامض و المنيع، في أثناء حياة الخديوي عباس، مسرحا لمفاسد لا تصدق، و لجرائم لا تغتفر. و إن آخر جرائمه التي عاقبه اللّه عليها لأنه أهلك شابين من المماليك كانا يسهران على ملذاته؛ فاشتراك الشابان اللذان خلفاهما،/ 5/ خوفا من أن يلقيا المصير نفسه، بخنق سيدهما في ظروف شنيعة لا يستطيع تصويرها إلا قلم بيترون‏ (1)Petrone أو مارسيال‏ (2)Martial ؛ هذه المأساة الفظيعة التي لا نجد مثيلا لها إلا في سدوم‏ (3) وقعت في بلدة بنها- العسل في وجه مصر البحري، و قد اختفى القاتلان فترة من الزمن، ثم عادا للظهور، و يعلم الناس كلهم أنهما اليوم موظفان في القلعة؛ باعتبار أن الأطباء الشرعيين أفادوا في تقاريرهم الرائعة أن سمّوه‏

____________

(1) بيترون، (بيترونيوس، الحكم)Petronius Arbiter كاتب و شاعر لاتيني من القرن الميلادي الأول (20؟- 66 م) كان بارعا في وصف المشاهد المأساوية و أشهر أعماله: رواية ساتيريكون‏Satyricon . انظر الحاشية رقم (191).

(2) مارسيال أو ماركوس فالوريوس مارسياليس‏Marcus Valerius Martialis شاعر لاتيني ولد في بيلبيليس‏Bilbilis في شمال إسبانيا حوالي سنة (40 م) و مات حوالي سنة (104 م)، سكن روما بين عامي (64- 98 م).

(3) سدوم: مدينة في سهل الأردن تذكر عادة مقرونة بأخرى هي عمورة ورد ذكرهما في الكتاب المقدس (العهد القديم) دمرهما يهوه إله اليهود بالنار و الحجارة الكبريتية بسبب اللواط. انظر: معجم ديانات و أساطير العالم، د. إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، د. ت، مج 3، ص 264- 266 و سنشير إليه ب" معجم الديانات ...". و قد تحدث القرآن الكريم عما أصاب قوم لوط فقال تعالى في سورة هود الآيات 82- 83:* فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83).

42

قضى بنزيف دماغي‏ (1) (سكتة دماغية). و قد كان من آخر ما قام به في حياته، بل ربما كان آخر أعماله، أنه أخاط شفتي خادم مسكين من خدم حريمه ارتكب خطأ بسيطا، و لم ينقذ موت ذلك الحاكم الفظ الخادم المسكين الذي قضى نحبه هو الآخر جوعا بعد ساعات من موت سيده، و قد كان قبل ذلك بفترة وجيزة قد أمر خدمه بذبح أحد المساكين أمام عينيه؛ لأنه كان يجري قرب سيارته ليسلمه عريضة؛ لأن عباسا كان يخاف من كل شي‏ء، و يشك في كل الناس. لقد شاهدنا على طريقنا قبل مغادرة الأراضي المصرية أثرا آخر من آثار ذلك الأمير الإفريقي الذي لم يترك وراءه إلّا أسوأ الذكريات؛ إذ أقيم قرب القصر مسجد كان يحتفل فيه بعيد أحد الأولياء المسلمين/ 6/، و كان ينطلق منه الصراخ و الأغاني، و ضرب من الموسيقى البشعة.

إن الشعب المصري، و أهل القاهرة على وجه الخصوص، يعشقون الاحتفالات بكل أنواعها: دينية أم دنيوية، عامة أم خاصة، و يسمونها جميعا دون تمييز باسم" فنتازيا (2)" و هي كلمة لاتني تتردد على الأفواه، و هم يطلقونها على كل شي‏ء.

و هناك عدد من السواقي التي تنقل من النيل الماء البارد و الصافي الذي لم أر مثله، منذ زمن طويل، إلى هذا المكان، و يصب ذلك الماء في خزانات من الحجارة.

____________

(1) انظر: مصر في كتابات ...، موثق سابقا، ص 159- 161.

(2)Fantasia ، و تنطقها العامة في مصر بالطاء: الفنطظة أو الفنطظية بالمعنى الذي أشار إليه ديدييه، و سبقه إليه بيرتون في رحلته، موثق سابقا، ج 1، ص 104، و انظر تعليق المترجم.

43

ارتوت الحمير و الجمال من ذلك الماء ما يكفي لثلاثة أيام، ثم ولجنا الصحراء أخيرا.

سرنا مدة ساعات دون حوادث و دون معوقات، على أرض صلبة متعرجة.

و لمّا كان انطلاقنا قد تأخر، فقد ضربنا الخيام في نهاية النهار قرب المحطة رقم 3 على ست مراحل فقط من القاهرة، و بالتحديد تحت برج اللاسلكي الذي أنشئ في هذه المنطقة بالإضافة إلى عربات النقل، و ورديات النقل، و الفنادق و وسائل أخرى من وسائل الحضارة الغربية التي تجعلك تحس بالغربة، و التي تزيل بهاء صحراء السويس.

إلّا أنه، و على الرغم من هذه المظاهر المزعجة، و من وجود المحطة؛ لم يكن هناك أحد لتعكير صفو العزلة، و كان الصمت مطبقا. أما سلسلة المقطم الحجرية التي تسير الطريق على امتداده بمحاذاتها، و التي تمتد على يمينه من النيل إلى البحر الأحمر، فإنها كانت بلونها الأسود متباينة كل التباين مع الخلفية المضيئة لغروب متلألئ.

كان/ 7/ رمل الصحراء زهري اللون، و كان هدوء المساء يعلن بجلال نهاية يوم هادئ، و يرهص بليلة لن تكون أقل هدوءا، إلا أن الهواء كان باردا، باردا حتى إنني وجدت نفسي مدفوعا إلى ارتداء البرنس الصوفي الفضفاض الذي كنت اشتريته صباح ذلك اليوم من سوق القاهرة، و ليس ذلك بغريب فقد كنّا في يوم 16 يناير (كانون الثاني).

نصبت الخيام بعد قليل، و قدّم طعام العشاء، دون أن ننسى تقديم العشاء للحيوانات؛ إذ تلقت الجمال المناخة حول المعسكر، و الحمير الواقفة على عراقيبها الفولاذية حصتها البسيطة من الفول أو الذرة، دون أن يقدم لها قطرة واحدة من الماء.

44

ثم نام المكارون و الجمّالة بعد ذلك مختلطين بحيواناتهم، يلتحفون السماء المزدانة بالنجوم، و مرت ليلتي الأولى تحت الخيمة دون أحداث تذكر، يحرسني رجال الصحراء المهرة، الذين اعتادوا الأسفار.

نهضت في اليوم الثاني مبكرا، و كان أول ما وقع تحت ناظري بعد خروجي من الخيمة برج التلغراف: الذي نصب على أكمة كثيرة الحصى، كان ينتصب أمامي كأنه شبح مخيف في لون الغسق الشاحب. لقد سررت بوجوده في هذه اللحظة، و بالمصير الذي حمله إلى هذا المكان بفضل الأثر الرائع الذي كان يضفيه على المنظر الطبيعي.

بزغت الشمس بعد أن أرهص بها فجر/ 8/ بهي، بزغت، و هي لامعة كما كانت عند الغروب، تعد بيوم أكثر جمالا من سابقه، و قد وفت بما وعدت.

بدأنا برفع الأحمال على الجمال، و ذلك عمل يقوم به الجمّالة برشاقة و خفة عندما يوافق ذلك هواهم، و لكنهم اعتادوا أن يقوموا به متثاقلين لأنهم يكرهون الرحيل في الصباح الباكر. إذا كان الوقت متأخرا عندما أصبحت القافلة جاهزة للمسير.

لقد لفت نظري في المحطة التالية بيوت منخفضة، نصفها غائر في الأرض، يسكنها بعض الفلاحين الفقراء، القابعين بهذه الجحور كأنهم ثعالب مع إناثهم و صغارهم، يمارسون مهنة لست أدري ما كنهها؟ و لست أدري كيف يعيشون؟

و أترك حل هذه المسألة لمن هم أكثر تبصرا. كانت إحدى نسائهم المحجبات، كما هي حال كل النساء، تجلس القرفصاء على قارعة الطريق كأنها طائر العنقاء، و أمامها

45

سلة مملوءة بالبرتقال الذي تبيعه للمارة بقليل من البارات‏ (1)، و إنه لمن المشكوك فيه أن تجني تلك البائعة البائسة ثروة من ذلك، لأن المارة قلة نادرة، و لأنه ينبغي العلم أن ثمانية من تلك البارات الهزيلة التي تتلهف للحصول عليها، لا تكاد تساوي فلسا من العملة الفرنسية.

إن أي حدث يعدّ في الصحراء ظاهرة، أقل حدث في السماء أو الأرض يخطف الأبصار و يأسر النظر،/ 9/ انطلاقا من الجنبةArbuste المنفردة التي تأخذ على البعد حجم شجرة عملاقة، حتى السحب التي تمر فوق الشمس، و التي ينساب ظلها الخفيف كأنه كائن حي على صفحة الرمال المستوية و المتوهجة. ما زالت أذكر ذلك الأثر الآسر الذي أحدثته في ذلك اليوم رؤية بدوي يمتطي جمله بجلال، و يتدلى من رحله العالي المغطى بسجادة و جرابان لهما حشفات طويلة و كبيرة من الحرير الأحمر، و كانت تتأرجح بانتظام حسب خطوات الحيوان المنتظمة و كأنها رقاص ساعة

____________

(1) جمع بارة و هي جزء من الريال العثماني و من النحاس، و عرفت بين الناس بالبارات المجيدية نسبة إلى السلطان عبد المجيد خان الذي عاش في الفترة ما بين 1823- 1861 م، و ولي الحكم منذ عام 1839 حتى وفاته و كانت تحمل غالبا في الوجه الطغرى باسم السلطان العثماني عبد المجيد، و سنة الجلوس على العرش، أما الظهر فكان يحوي تاريخ السك و مكانه و تاريخ تولي السلطان. انظر: تطور النقود في المملكة العربية السعودية، موثق سابقا، ص 21. و تشكل الجزء الأربعين من القرش التركي، و قال بوركهارت إنها أصغر عملة معدنية تركية (تسمى هنا ديواني)، متداولة في كل أنحاء الحجاز، و يطلبها الناس بكثرة بسبب أن سعرها الحقيقي أكثر من القرش المصري. انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 49.

46

الحائط. و قد رأيت في اللحظة التي تليها منظرا مناقضا و كأنه رسم كاريكاتوري (ساخر) للوحة الرائعة الأولى: رأيت جملا هزيلا يجر متثاقلا عربة قديمة؛ لكأنني كنت أرى علائم الدهشة بادية على ذلك الجمل المسكين بسبب عمله الذي لم يعتده! لم تكن عجلتا العربة ذواتي شكل دائري بل كانتا بيضاويتين، و تصدران جلبة و صريرا تحت الجازع. لقد كانت تلك الآلة البشعة، و هي تقليد غير متقن لعربات النقل، تحتك بقائمتي ذلك الحيوان المسكين، و تعيق حرية الحركة لديه حتى إنه لم يكن يتمكن من السير إلا بصعوبة و بارتباك يبعث على الضحك. ما أوسع الشقة بين هذا التجديد البربري و الغبي، و بين المظهر الرائع الذي يبدو عليه الجمل و قد علاه الأعرابي حسب وظيفته المعتادة في الطبيعة./ 10/

كان هناك أيضا منظر أكثر إثارة للاشمئزاز، إنه منظر جيف الجمال المنتشرة على الطريق، بعضها أكلت الحيوانات اللاحمة نصفها، و بعضها الآخر أفسدته الشمس. عندما يصل الجمل إلى مرحلة الإرهاق يسقط بما يحمله، و لا تستطيع قوة إنسانية أن تجعله يقف على قدميه ثانية؛ عندئذ يوزّع حمله على الجمال الأخرى التي ما زالت تحتفظ بقوتها، و يترك الجمل لمصيره المحتوم: يموت من الجوع في المكان الذي سقط فيه، و يصبح بعد موته بقليل طعاما للضباع و النسور.

تلك هي النهاية الحتمية لذلك الحيوان الأثير الذي يصلح كل الصلاحية للمكان الذي ولد فيه. و بعد أن رأيت هدوءه و شجاعته و خضوعه فإنني أسميه بكل طيبة خاطر: شهيد الصحراء و ليس سفينة الصحراء.

47

لقد صادفنا في ذلك اليوم، و في الأيام التي تلته عددا من القوافل القادمة من الحجاز و هي تحمل الصمغ و التمر الهندي و الرقيق الذي يؤتى به ليباع في سوق القاهرة؛ و كان هؤلاء المساكين مربوطين مثنى مثنى على الرحال، و كانوا في ميعة الصبا، و لونهم أسود يتفاوت في شدة السواد؛ و قد جي‏ء بهم من حدود دارفور، و من الحبشة، و كان التجار الذين يسمون (جلاب) يأتون بهم أولا إلى جدة عبر سواكن و البحر الأحمر، و لا يحملون إلى مصر إلا أولئك الذين لم يستطيعوا بيعهم بسعر رابح في الجزيرة العربية.

و كان في إحدى تلك القوافل/ 11/ امرأة من سكان مكة المكرمة كانت ترتدي ثيابها الفاخرة التقليدية؛ كانت على ظهر جملها تعلو عن الأرض سبعة أقدام، و تحميها من الشمس مظلة بيضاء كبيرة، و كانت محجبة بإحكام كما ينبغي على أية مسلمة ملتزمة. و مع أنها جاءت من مكة المكرمة، و ولدت فيها، فإنها لم تجد حرجا من الكشف بإدلال عن وجهها عندما مرت بنا، لقد كانت جميلة و شابة. لقد كان فيما فعلته مخالفة دينية، و لكن ما يغفر لها ذلك هو أننا من (الجاورين‏Giaours ) الكفار.

و لا بد من الإشارة، لكي تكتمل لائحة المقابلات في ذلك اليوم، إلى عمّال البريد الذين كانوا ينهبون الطرق تاركين العنان لخيولهم التي كانوا يستبدلونها بسرعة في كل محطة، و كانوا يقطعون المسافات بينها بسرعة، كانوا يسبقوننا أو يمرون بقربنا بسرعة البرق فلا نكاد نراهم حتى يختفوا عن الأبصار. تسير الجمال بسرعة أقل و لكن إلى مسافات أطول.

48

كانت أعيارنا القوية تسبق الجمال التي لا تقطع إلا ميلين أو ميلين و نصفا في الساعة؛ لذلك توقفنا في منتصف النهار لمدة ساعتين للاستراحة و انتظار القافلة، لقد بدأنا و نحن مستلقون على الرمال على قارعة الطريق الرئيسي بالإعداد لتناول غداء تقشفي، كان يعتمد أساسا على البرتقال الذي اشتريناه من البائعة المسكينة في المحطة رقم (4)./ 12/ و كانت أسراب الغربان و الصقور الآتية من المقطم تحوم فوق رؤوسنا، مستعدة كل الاستعداد و قد نفد صبرها، لكي تنقض على فضلات طعامنا، مع أنها قليلة، و كانت في هذه الأثناء بعض القبرات التي لا تكاد ترى تغني بنغمة فرحة في طبقات الهواء العليا، و كان القطا، عصفور الصحراء الذي سمي بذلك محاكاة لصوته الرتيب الذي يشبه النواح، و هو خاص به، و يكرره آلاف المرات و هو يتطاير من حولنا.

كان الجو جميلا، و الهواء عليلا حتى إننا لم نستطع أنا و أحد رفاق الرحلة مقاومة الرغبة في السير؛ و قد كان ذلك رغبة في التسلية، و لإعطاء حميرنا استراحة هي بالتأكيد مستحقة كل الاستحقاق لها. لقد تمكنا من السير لأن الطريق كانت صلبة، و كان بالإمكان أن تنقلب تلك التسلية إلى تعب لا يحتمل، لو أننا كنا نسير على الرمال المتحركة. لقد سرنا لأميال عدة دون أن نلحظ ذلك، و نحن نتجاذب أطراف الحديث. لقد كان رفيقي يحب المشي شأنه شأني، و كان رحالة مجربا، إنجليزيا و ضابطا في جيش بومباي، و اشتهر في بريطانيا بكتبه عن الشرق؛ أحدها عن الصيد بالصقور في سورية. و كان عائدا إلى فرقته العسكرية بعد عطلة عدة أشهر

49

خصصها لأداء الحج إلى مكة المكرمة شأنه شأن أي مؤمن حقيقي، كان يتكلم العربية بإتقان، و يحفظ القرآن،/ 13/ و كان يرتدي بسهولة عجيبة الزي التقليدي، و لا يخلعه أبدا، إنه باختصار تمثّل أخلاق هذه البلاد و عاداتها حتى إنه أصبح ذا سحنة شرقية، و أصبح من المستحيل على أيّ كان أن يقول: إنه أوروبي، و كان العلماء و الأئمة في مكة المكرمة يظنون من هيئته أنه أحد الهنود المسلمين.

لقد استطاع بفضل تنكره المتقن أن يتمّ دون خطر مشروعه المحفوف بالمخاطر؛ لأننا نعلم أن مكة المكرمة و المدينة المنورة لا يدخلهما- حتى اليوم- غير المسلمين، و إن دخلوها فهم يعرضون أنفسهم لعقوبة الموت أو التخلي عن دينهم، و اتباع الإسلام.

نشر السيد بيرتون‏ (1)Burton رحلته بالإنجليزية، و لم أقرأها، و لكن ما حدثني به عنها يجعل منها مصدرا في غاية الأهمية، و إنني على صحة ما ورد فيها

____________

(1)Richard Francis Burton - رتشار فرانسيس بيرتون (1821 م- 1890 م). ولد بيرتون عام 1821 م و ادعت أمه أنها منحدرة من سلالة أحد الأولاد غير الشرعيين للملك لويس الرابع عشر، و مع أن أباه كان ضابطا في الجيش، لكنه كثيرا ما قيل: إنه من أصل غجري، و تعلم عددا من اللغات المحلية، و التحق بالجيش البريطاني في بومباي (الهند) برتبة نقيب في القوات المسلحة لشركة الهند الشرقية، و قد برع كل البراعة في إتقان اللغات الأجنبية حتى إنه كان في أواخر حياته يستطيع أن يتكلم تسعا و عشرين لغة، و ما لا يقل عن اثنتي عشرة لهجة مختلفة. قام بأسفار عديدة. وزار الجزيرة العربية متنكرا بزي حاج مسلم عام 1269 ه/ 1853 م و ألف كتابا بعنوان: مناجم الذهب في مدين و المدن الأثرية و ذلك بعد رحلته الثانية إلى مدين عام 1877 م، و إن قائمة مؤلفاته لتغطي أكثر من 300 صفحة. ترجم إلى الإنجليزية: ألف ليلة و ليلة،-

50

لشهيد (1). لقد قام بيرتون بعد فترة من زمن رحلته و لقائي به بزيارة القبائل المتعصبة التي تقطن حول مدينة عدن، و قد كان منذ وقت قريب يفكر في محاولة العبور من شاطئ زنجبار إلى النيل الأبيض عبر خط الاستواء. و هو مشروع كان يشغل حيزا كبيرا من تفكيره منذ أن لقيته.

كنا ذات مساء نخيم قرب المحطة رقم (8) بعد يوم من السير قطعنا فيه عشر مراحل، و كانت مشاهد الغروب تتكرر متطابقة في التفاصيل؛ فالشرق،/ 14/ كما نعلم ليس بلد التنوع، ما فعلناه البارحة سنفعله غدا و بعد غد، و هكذا دواليك في كل‏

____________

و الروض العاطر و وضع شروحات لها تضمنت عصارة أفكاره و تجاربه، و منح لقب" فارس" في عام 1886 م قبل أن يتوفى في عام 1890 م. و قد طبعت رحلة بيرتون في مجلدين في لندن 1893، و أعيد طبعها جزئيا في نيويورك‏Dover Publication ، عام 1964. و قد ترجمت رحلة بيرتون إلى مصر و الحجاز، ترجمة و تحقيق د. عبد الرحمن عبد اللّه الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1، 1994 م، ج 2، 1995 م. و انظر في حياة بيرتون كتاب: الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، لروبن بدول ترجمة د.

عبد اللّه نصيف، الرياض 1409 ه/ 1989 م، ص 54- 66، و كتاب التراث الشعبي في أدب الرحلات، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، الدوحة 1995 م، ص 31- 60. و انظر حديث ناصر الدين دينيه عن رحلة بيرتون في كتابه: الحج إلى بيت اللّه الحرام، و قد ترجمنا الفصل المخصص للحديث عن رحلات الغربيين في كتاب دينيه و سيظهر مضمنا في مقالنا: ناصر الدين دينيه و كتابه" الحج إلى بيت اللّه الحرام" الذي سينشر في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية.

(1) نشرت المجلة البريطانية، كما علمت، بذلك قطعا من هذه الرحلة (المؤلف).

51

يوم حتى آخر الزمن. كان الليل صافيا صفاء لا نجده إلا في سماء مصر، كانت النجوم تلتمع كأنها جواهر مرصعة باللازورد، و كأنها رمز شعار بيزنطة القديم قبل أن يؤول إلى العثمانيين في إستانبول. كان القمر هلالا يتطاول بجلال إلى قبة السماء. و كان عواء الكلاب في وسط الظلمات يدل على وجود مضارب بدو في الجوار، و إن مثل ذلك الجوار كان يثير قلقا و خوفا مسوغين في الماضي، و هو اليوم بلا أدنى خطورة؛ مما جعلني أنام في خيمتي دون أي قلق، و لم يزعجني إبان نومي أي عارض مقلق.

و لم تكن القافلة في اليوم التالي جاهزة للمسير إلا في وقت متأخر عن اليوم السابق، و كانت الشمس قد ارتفعت عندما لاحظت إلى يساري قصر دار البيضاء كان محاطا بالأبراج و لا يختلف بقليل أو كثير عن القصير الصغير الذي كان يبنيه الإقطاعيون في القرون الوسطى (في أوروبا). إن قصر العزلة هذا، هو أيضا أحد أمكنة إقامة عباس باشا؛ ذلك التركي المتوحش، و المتعصب الذي كان يمقت المدن و خصوصا تلك التي يقيم بها القناصل الذين كانوا في رأيه أناسا مزعجين، و كان يهرب منهم بقدر ما كان جده محمد علي يتقرب منهم، و مع ذلك فإنه كان يظن أنه ليس بعيدا عنهم بقدر كاف. و لذلك كان يمقت الإسكندرية مقتا كبيرا، و لا أظن/ 15/ أنه زارها مرة واحدة خلال فترة حكمه: و كان يقول لكي يسوغ غيابه عنها: إنه" يرى فيها كثيرا من القبعات".

و كانت القاهرة نفسها تبدو له موبوءة بالطاعون الأوروبي، و لكي يتلافى العدوى قام بإنشاء قصر العباسية على حدود الصحراء، و كنا قد رأيناه، خلال مرورنا،

52

و لكن ذلك القصر المنعزل سيبدو له بعد قليل شديد الاقتراب من القاهرة، و انتهى به الأمر إلى الالتجاء إلى حضن الصحراء. كان يعيش هنا مع أكثر المقربين إليه، و يا للمقربين! كان على الدوام يؤجل أكثر الأعمال المستعجلة، و لا يسمح للقناصل بمقابلته إلا عندما لا يجد دفعا لذلك؛ و يكون مجبرا على ذلك بسبب الخوف.

كان مفرطا في الريبة، تلاحقه الشكوك الدائمة حتى هنا، و كان لا يثق بأحد حتى إنه لم يكن يشرب إلا الماء الذي كانت ترسله من القاهرة أمه في زجاجات مختومة. و كانت تسليته المفضلة هي أن يملأ حظائره بالحيوانات ذات الأسعار المرتفعة، كان بالطبع بخيلا، و لكن أعظم التضحيات لم تكن تعني له شيئا عندما يتعلق الأمر بتحقيق رغباته التي تسيطر عليه. كان له في كل مكان، و في أمكنة بعيدة في بعض الأحيان، عملاء مكلفون بأن يشتروا له أجمل الخيول و الجمال و أغلاها، و قد وصل سعر عدد منها إلى عشرة آلاف فرنك، و لكنه لم يكن يسمح لأحد برؤيتها/ 16/ خوفا عليها من العين، لقد كان تطيره يوازي حذره.

كان الموضع الذي أقيم عليه قصره يسمى قديما الدار الحمراء؛ و هو اسم يطلقه العرب على جهنم بسبب ألسنة اللهب التي يعتقدون أنها أبدية الاشتعال. و قد سمي هذا المكان بهذا الاسم المخيف لكآبته.

و قد وافق المقام كل الموافقة ظهور بعض النكت الماكرة، و لم يعدم الشعب أبدا أن يخلط عبر جناس مناسب و جيد بين القصر و جهنم، و بين جهنم و القصر. و قد بلغت تلك الطرفة أسماع عباس فأسرع إلى تغيير ذلك الاسم المزعج: فتحول اسم‏

53

الدار الحمراء بأمر عباس إلى الدار البيضاء، و لكنه لم يزدد في أذهان العامة إلا سوادا و شيطانية.

تقع المحطة رقم (8) قرب الدار البيضاء، و تكتسب من هذا الجوار بعض الأهمية، فقد كان الأشخاص الذين لهم علاقة بنائب الملك المتوفى، أو بأحد ضباطه يسكنون في المحطة، و يقضون هناك أسابيع و أشهرا كاملة، لأن أقل الأشياء تحتاج كثيرا من الوقت. إن المسافرين الذين يمرون بالمحطة يفضلون، كما فعلنا نحن، وسائل النقل القديمة على عربات السفر السريعة (الترانزيت) لأنهم مع الأولى يستطيعون التمتع بهذه المحطات على الأقل، و لكن يشرط عليهم في القاهرة الحصول على بطاقة دخول تباع بسعر غال، و دون هذا الإجراء/ 17/ تظل المحطات مغلقة في وجوههم، و يمكن أن يموتوا عطشا على الباب دون أن يفتح لهم. توجد غير بعيد عن المحطة رقم (8) في نصف الطريق بين القاهرة و السويس شجرة الحجاج.

يكنّ العرب للأشجار احتراما كبيرا، و لما كانوا لا يرون إلّا قليلا منها في صحرائهم فإنها بالنسبة إليهم شي‏ء نادر و جديد. و قد وعدهم القرآن بجنان رائعة في الحياة الآخرة [...].

و ناهيك عن حب العرب للأشجار، فإن هناك بعض الأشجار المباركة التي تلقى معاملة خاصة: إنها الأشجار التي تنبت قرب ضريح أحد الأولياء، أو في أي مكان آخر يكرسه الدين أو التطير. فهم يحرصون في أثناء مرورهم بهذه الأشجار،

54

على تعليق شي‏ء يملكونه عليها لكي يدفعوا عنهم مصائب الدهر؛ و هذا الشي‏ء هو عادة قطعة من قماش ثيابهم. تلك هي حالة الشجرة التي تحدثت عنها، و قد اكتسبت اسمها من الحجاج المتوجهين إلى الحج، و الذين لا يفوّت أحد منهم أن يقوم بهذه الممارسة الطقوسية: لذلك تبدو هذه الشجرة مملوءة بالخرق الوسخة من كل الأشكال، و من كل الألوان، بدلا من أن تحمل أزهارا و ثمارا، بل أوراقا (1). إنه ضرب من النذور غريب!

____________

(1) تحدث سنوك هورخرونيه في كتابه: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، ترجمة د. علي عودة الشيخ و أعاد صياغته و علّق عليه د. محمد محمود السرياني، و د. معراج نواب مرزا، ط. دارة الملك عبد العزيز، الرياض 1419 ه/ 1999 م، ج 2، ص 376- 377 عن شجرة مماثلة فقال:" و على الطريق المؤدي من جدة إلى مكة المكرمة، توجد هناك شجرة يقدسها أهالي المنطقة المجاورة، التي تحوي كل أنواع الخرق الملونة.

و من المعلوم أن عبادة الأشجار و تقديسها عادة جاهلية قديمة في الجزيرة العربية. و السؤال هو: لماذا كل هذه الخرق البالية على هذه الشجرة؟ و الجواب عن ذلك يأخذ صورا عديدة، فبعض الناس يقولون: إن هناك شيخا مدفونا تحت هذه الشجرة، و إن ذلك من قبيل تبجيله. و في رواية أخرى: أن هذه الشجرة هي شجرة الرضوان التي تمت تحتها بيعة الرضوان سنة 628 م (ذي القعدة 6 ه). و هناك تفسير ثالث: هو أن الرسول الكريم قد نشبت عمامته في الشجرة، فتمزق بعضها و علق في الشجرة، و لهذا فإن الناس يعلقون هذه الخرق كذكرى لما حدث مع الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و سلّم)" و علق مخرجا الكتاب بالقول في ص (377) الحاشية: من المستحيل أن تكون الشجرة المذكورة هي شجرة الرضوان؛ لأن الثابت تاريخيا أن هذه الشجرة قد قطعها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه؛ دفعا لهذه البدع. غير أن الناس لم يتورعوا عن ذلك فيما بعد فاتخذوا لهم شجرة ربما كانت في المنطقة المجاورة للشجرة القديمة. و لكن الشجرة التي يتحدث عنها ديدييه تقع على الطريق بين القاهرة و السويس و لعلها عند مقام ضريح أحد الأولياء الذين يكثرون في تلك المناطق.