رحلة ديللاقالية إلى العراق

- بيترو دلاوالة المزيد...
192 /
5

الاهداء

إلى والديّ الفاضلين:

ميخائيل الشماس يوسف حداد

و نجيبة حنا قطلو،

فمنهما تعلمت: مخافة الرب‏

و محبة كل الناس‏

و التمسك بالجذور

د. بطرس حداد

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة المعرب‏

اجتاح أقطار أوربا في القرن الخامس عشر تيار «الإنسانيات» فانكبّ أدباء ذلك العصر بحثا و تنقيبا في مخلفات الأقدمين، بدءا بالأدب اليوناني ثم الأدب اللاتيني القديم، و ظهرت للنور تحقيقات مهمة و دراسات شائقة أغنت التراث البشري في هذا الميدان.

و في نهاية القرن السادس عشر انتعش تيار جديد، خاصة في إيطاليا، هو رغبة الاطلاع على الشرق الغنيّ بتراثه الفكري و حضاراته العريقة، فانتشرت الدراسات العربية و السريانية و التركية.

إن أسماء المدن الشرقية مثل بابل و نينوى و القدس و بغداد و اسطنبول- وريثة القسطنطينية- كان لها وقعها السحري في مخيلة الأوروبيين بأخبارها و أساطيرها و تراثها؛ فقصص ألف ليلة و ليلة، و ذكريات هارون الرشيد، و حروب سلاطين بني عثمان، و أسواق الشرق الغنية بكل شي‏ء، كانت تجذبهم إلى مزيد من الاطلاع و البحث.

لقد شرع الباحثون بالتعمق في تراث الحضارة العربية العريقة بمختلف ميادينها: في الطب و الرياضيات و الفلك و الفلسفة، فكانوا ينهلون من ينابيعها الغزيرة، بينما عكف غيرهم على دراسة التراث الإسلامي، بينهم من ساقه إلى ذلك حب الاطلاع، و بينهم نفر آخر كانت رغبته الجدل الديني.

لعل الدافع الأصلي لهذه الدراسات كان أدبيّا و ثقافيّا محضا، لكن سرعان ما سخرتها الدول و الحكومات لخدمة أغراضها التجارية و الاستعمارية، و انطلاقا من هذه البحوث حاولت دول أوروبا و إماراتها بكل‏

8

جهودها أن تكسب لها موضع قدم في الباب العالي و المدن المهمة التابعة لها بواسطة الاتفاقيات و التسهيلات الخاصة و غير ذلك.

صاحب الرحلة

في هذه الحقبة ولد بيترو ديللافاليه‏Pietro della valle في 11 نيسان سنة 1576 م من أبوين شريفين هما بومبيو ديللافاليه و جيوفانا البيريني، من أسرة رومانية عريقة، لا تزال تحتفظ إلى اليوم في قلب روما بشارع يحمل اسمها و كنيسة فخمة شيدها أحد أفرادها.

و قد شغف منذ نعومة أظفاره على اكتساب العلوم المختلفة، و استهوته الموسيقى، و مارس التمثيل المسرحي، و أتقن فنون الفروسية كما تتطلبها حالته الأرستقراطية.

و عند ما شب عن الطوق أحب فتاة من طبقته، لكنها لم تبادله الحب، فأصيب بخيبة أمل هزت كيانه و جرحت كرامته، فقرر الهرب من المجتمع المخملي الزائف، و الابتعاد عن وطنه و التنقل في بلاد اللّه الواسعة، ليعبر عن سخطه على الحياة و تبرمه بمحيطه الزائف، مقتديا بمغامرات الأقدمين الذين طعنوا في عواطفهم؛ فارتحل أولا إلى نابولي، و اجتمع هناك بصديقه الأديب و الشاعر ماريو سكيبانوMario Schipano أستاذ الطب في جامعة نابولي، و عرض عليه حالته النفسية و رغبته بالسفر، فشجعه في الحال، و اقترح عليه أن يجعل لسفره غاية أدبية و هدفا علميا، فيكتب مشاهداته و يسجل انطباعاته عن الأماكن التي يمر بها و الشعوب التي يختلط بها، و طلب منه أن يرسل إليه ما يكتبه بصورة «رسائل» و وعده بأنه سيجمع المعلومات الواردة في تلك الرسائل و ينقحها و يصوغها في كتاب يخلد اسمه.

أمضى ديللافاليه خمسة أعوام في نابولي و هو يستعد للرحيل و قد أغنته الأعوام بالمعارف الإنسانية، و فتحت له آفاقا جديدة باتجاه الشرق؛ و خلال تلك الفترة تجول في جنوب إيطاليا و رحل إلى جزيرة صقلية، و اشترك بحملات قصيرة ضد قراصنة البحر ليمارس الفنون العسكرية التي اكتسبها سابقا.

9

ثم عاد إلى روما و انتقل شمالا إلى البندقية ليبحر منها إلى الشرق فركب البحر في 8 حزيران 1614 و وجهته اسطنبول. و أمضى في عاصمة الخلافة فترة انهمك فيها بدراسة اللغة التركية لأنه كان معجبا بها رغم كونه يبغض الأتراك بغضا شديدا نابعا من ترسبات اجتماعية و دينية عميقة. و وضع في تلك الفترة كتابا في نحو اللغة التركية و كتب و صفا جذابا عن البلاط العثماني و الشخصيات الحاكمة، كالسلطان أحمد الثاني (1589- 1617 م) و الصدر الأعظم نصوح باشا و أسهب في وصف مصرعه المأسوي.

كان بودّ ديللافاليه التوغل شرقا انطلاقا من اسطنبول، و إذ رأى في ذلك بعض المحاذير فقد قرر تغيير وجهته، و تأجيل زيارته لبلاد فارس إلى فرصة أخرى، لذلك سافر في 15 أيلول 1615 إلى مصر حيث زار آثار الفراعنة و دخل إلى الأهرامات و صعد إلى جبل سيناء، ثم حج إلى بيت المقدس فحقق أمنية عزيزة على نفسه بأن يصبح حاجا «مقدسيا» و منذ ذلك الحين اتخذ لقب المقدسي بيترو ديللافاليه.ll Pellegrino

انتقل إلى حلب للتوغل شرقا، و هناك حدث ما غير خططه و قلب مجرى حياته، فقد التقى في الشهباء برجل إيطالي عائد من بغداد حدثه- بعد اطلاعه على حياة ديللافاليه السابقة- عن فتاة بغدادية رائعة الجمال، عالية الشمائل لائقة بالنبيل الروماني، فكتب: «كنت أنصت إليه في أول الأمر لتمضية الوقت لا غير ... حتى تولد في نفسي شوق كبير للتعرف على هذه الفتاة ... و تحول الشوق إلى حب». و هكذا قرر السفر إلى بغداد ليلتقي بتلك التي ملكت عليه مذاهبه.

و في بغداد تتحقق أمنيته، فينسى ألمه القديم، و تلتئم جراح قلبه، فيتقدم طالبا يد الفتاة العراقية «معاني بنت حبيب جان جويريدة». فيتم الزواج، و لعل أجمل صفحات الرحلة من الناحية الأدبية هي تلك التي يصف فيها حبه لمعاني و فرحه بالزواج منها.

لكن الحظ العاثر أبى أن يفارقه، فقد توفيت معاني ضحية الملاريا في 30 كانون الأول 1621 بعد خمسة سنوات من زواجهما بينما كانت تنتظر ثمرة

10

حبهما. فأوحى إليه حبه الجارف أن يحمل رفات الحبيبة إلى روما ليواريها الثرى في ضريح أجداده، فقد كانت أمنيته أن تدخل زوجته معه إلى روما و ترى المدينة العظيمة التي طالما حدثها عنها و اشتاقت لرؤيتها، فلا بأس أن تدخلها ميتة، فقرر تحنيطها بطريقة بدائية بوضع كمية كبيرة من الكافور الهندي في داخل جثمانها، و أوصى على صندوق من خشب الصندل أحكم سده بمسامير حديدية كبيرة من صنع محليّ.

أربعة أعوام و الجثة المحنطة ترافقه من مكان ألى آخر، في بلاد فارس و الهند و البحر العربي و العراق و سوريا، و لم يهدأ باله إلا بعد أن أوصلها إلى روما و أنزلها بيديه في ضريح الأسرة بين والديه، في واحدة من أجمل كنائس روما و أقدمها، كنيسة مريم العذراء، على مرتفع أراجيلي في قلب المدينة.

ألا توحي هذه الرحلة و أحداثها قصة ميلودرامية تروي تاريخ العراق في الربع الأول من القرن السابع عشر و الصراع بين العراق و فارس و محاولة هؤلاء السيطرة على العراق و موقف العراقيين ضد الأطماع الفارسية.

لم يكن ديللافاليه يسعى إلى الصفقات و الربح المادي، و لا رجل دولة، بل كان حاجّا و باحثا بكل ما في الكلمة من معنى و هو يحاول النسيان و يطلب العلم، و لم يأبه للمال فقد كان غنيّا، لهذا لم يتسرع في ترحاله لأنه يريد الاطلاع على الآثار و الاختلاط بالناس و التعرف على كبار القوم و علمائهم و الشخصيات الحاكمة. بحث عن الكتب القديمة النادرة، و تعمق في التركية و الفارسية، و ألمّ بالعربية و الكلدانية و القبطية إلى جانب معرفته السابقة باليونانية و اللاتينية.

و كما وعد صديقه الطبيب ماريو، أخذ يكتب من كل مدينة يحل بها رسالة مطولة فيها وصف مسهب للمناطق التي زارها و الناس الذين التقى بهم؛ و يدل و صفه على سعة اطلاعه و تمكنه من المصادر القديمة فهو يذكر المؤرخين السالفين مثل هيرودوتس و زينوفون و يورد أبياتا من الشعر الكلاسيكي اللاتيني و يأتي على ذكر آيات الكتاب المقدس بعهديه القديم و الجديد.

كانت الرسائل الأولى غزيرة المادة و افية الشرح ثم قصرت بعد وفاة

11

زوجته لتصبح جافة شحيحة، ثم عادت إلى ما كانت عليه؛ لكنه أكثر من الوصف الخارجي هذه المرة دون التعليق العلمي على مشاهداته.

يبلغ عدد الرسائل التي كتبها أربعا و خمسين رسالة كتب الأولى في 23 آب 1614 من اسطنبول، و الأخيرة من روما بتاريخ 1 آب 1626.

إضافة إلى هذه الرسائل المحفوظة ضمن كتاب الرحلة فإن ديللافاليه كان يراسل أشخاصا آخرين يناقشهم فيها في مختلف الأمور حسب اختصاصهم. فيكتب إلى أحدهم يسأله عن التوابل و العقاقير و أنواعها و فوائدها، و إلى آخر يناقشه في معاني بعض الكلمات و التعابير العربية. و له إلى جانب رسائله دفتر يوميات ذكره أكثر من مرة و قال عنه إنه أغزر مادة من رسائله لأنه أودع فيه معلومات كان يخشى أن يذكرها في الرسائل خوفا من و قوعها بيد الأتراك لكن هذا الدفتر فقد مع الأسف.

و كان قد اصطحب معه رساما فلمنكيا رسم لوحات عديدة نوه ببعضها في رسائله، منها: صورة الرحالة و صورة الست معاني بزيها البغدادي و لوحة لطاق كسرى، و أخرى لآثار بابل. و قد ضاعت معظم هذه اللوحات.

و كما كان ديللافاليه من أوائل الذين دخلوا إلى الأهرام و حمل معه إلى روما أثارا مصرية و مومياء فرعونية، فهو كذلك من أوائل الرحالة الأوروبيين الذين زاروا بابل و الآثار العراقية و ذكروا الكتابات المسمارية و حملوا أجرا و رقما من بلاد ما بين النهرين إلى أوروبا.

اقتنى صاحبنا خلال رحلاته مخطوطات عديدة عربية و سريانية و قبطية و تركية و فارسية ذكر بعضها في سياق كلامه. و قد آلت هذه المخطوطات بعد وفاته إلى خزانة الفاتيكان.

و في طريق عودته من الهند إلى بلاده مر بالبصرة و منها رحل إلى حلب عبر البادية، و كانت سفرة شاقة في فصل الصيف اللاهب استغرقت سبعين يوما. و من حلب إلى الاسكندرية، ثم أبحر إلى نابولي لينطلق إلى روما فوصلها في 28 آذار 1626 بعد غياب طويل و اهتم أولا بإيداع رفات زوجته في لحد الأسرة، ثم أقام نصبا تذكاريّا خاصّا بها، و لا أثر لهذا النصب حاليّا. و بعد

12

انقضاء سنة أقام احتفالا تأبينيا إكراما لها اشترك فيه أصدقاؤه و ألقيت فيه القصائد و الكلمات المناسبة فجمع ما قيل في هذه الذكرى في كتاب و نشره بالطبع.

ثم تزوج بفتاة شرقية كانت في خدمته منذ حياة زوجته معاني و قد أوصت به خيرا ورزق منها بأولاد عديدين.

اشتهرت رحلات ديللافاليه في أوروبا وزاد من شهرتها حبه للفتاة البغدادية و موتها الأليم و هما في قمة السعادة و حمله لجثمانها طيلة أعوام عديدة؛ فأعادت إلى الأذهان قصة ملكة كاستيليا «جيوفانا»jeanne la Folle الملقبة بالمعتوهة التي كانت تحمل معها دائما جثة زوجها الحبيب «فيليب الجميل»Philippe le Beau و لهذا ترجمت رحلته إلى لغات عديدة و زينت بعضها بالصور و طبعت أكثر من مرة.

و قد قال الشاعر الألماني الشهير «غوته»: «إن قراءة رحلة ديللافاليه كشفت له عن الشرق».

أصبح قصر ديللافاليه في روما بعد عودته متحفا يقصده الكثيرون للنظر إلى المؤمياء الفرعونية و الآثار التي جلبها معه و الأزياء المتعددة التي حملها من البلاد التي كان بها و المخطوطات الشرقية.

توفي السائح في روما في 21 نيسان 1652 فدفن إلى جانب الست معاني جويريدة البغدادية، و كان قبره لفترة طويلة بعد موته قبلة الزوار و المعجبين، كما ورد في حوليات الكنيسة و ما لم يرد في الدفتر أنه أصبح قبلة العشاق! و قد تحرينا عن قبره عند زيارتنا روما قبل سنوات فلم نجد له أثرا لكن الجناح الخاص بالضريح لا يزال يعرف باسم أسرته كما وجدنا في العاصمة الإيطالية شارعا يحمل اسمه ...

إننا نقرأ في سطور الرحلة إعجابا و حبّا للعرب عامة و للبدو منهم بنوع خاص، فقد لا حظ الرحالة حبهم للحرية و عدم استكانتهم لسيادة الغرباء فكرر ذلك أكثر من مرة خلال رحلته خاصة في ذكره لعرب الأحواز و أمرائهم المستقلين الذين كثيرا ما حاولت السلطات الفارسية منذ ذلك العهد السيطرة

13

عليهم و التدخل في شؤونهم و قال ذلك أيضا في مجرى كلامه عن البصرة.

في رأينا أن أهمية الرحلة تأتي بالدرجة الأولى من كونها سجلّا تاريخيا لفترة من أشد الفترات حرجا في تاريخ العراق فقد كانت تتنافس للسيطرة عليه و إخضاعه قوتان كبريان هما الدولة الفارسية و الدولة العثمانية و قد أدت لعبة «تبادل المواقع» هذه إلى إنهاك المجتمع العراقي و تفتيت روح المقاومة و التصدي لديه حيث انتقل الصراع بين القوتين المذكورتين إلى أرضه ورزى‏ء هو وحده بالمصائب و الويلات من جراء الصراع المذكور.

فلو نظرنا إلى الرحلة من هذه الزاوية لاستطعنا أن نجد للكاتب العذر عما ورد في رسائله من ملاحظات و آراء تبدو متجنية و ظالمة في بعض الأحيان فهو حينما يتحدث عن أهل المدن و المزارعين يصفهم بالكسل و الجهل و التخلف، و رغم مدحه للبدو فإنه يعود أحيانا و يصفهم بقطّاع الطرق. و قد تكون هذه الصفات هي السائدة في مجتمع يمزقه الاحتلال الأجنبي و تنهكه أوضاع اجتماعية خاصة. لكنه في كل ذلك لم يتعمد النيل من العرب و الإساءة إليهم. فلا يترتب على ملاحظاته العابرة ما يترتب على آراء بعض المؤرخين الذين يكتبون و غايتهم الإساءة إلى العرب و تشويه تاريخهم.

مؤلفات ديللافاليه‏

اهتم ديللافاليه في مطلع شبابه بالتمثيل و الموسيقى، فوضع سنة 1611 تمثيلية عن الأمانة في الحب، لحنها أحد الموسيقيين المعاصرين بأربعة أصوات.

أما بعد الرحلة فله:

- الحفلة التأبينية للست معاني، روما 1627.

- معلومات عن بلاد جورجيا، روما 1627.

- أحوال الشاه عباس الفارسي، البندقية 1628.

- بحث في الشعر، روما 1634.

14

- بحث في الموسيقى المعاصرة، روما 1640.

- كتاب الرحلة إلى الشرق، روما 1650.

و له أيضا قصيدة مطولة عنوانها «إكليل جويريدة» نوه بها في رحلته و نظن انها لم تطبع، و مختصر التعليم المسيحي، و رسالة في الدين المسيحي (بالفارسية) و له قصائد بالتركية (1) و قد آلت مؤلفاته المخطوطة إلى مكتبة الفاتيكان‏ (2).

كتاب الرحلة

ظهرت الطبعة الأولى من رحلة ديللافاليه سنة 1605 و طبعت في روما تحت عنوان طويل مفصل، ثم طبعت بأربعة أجزاء سنة 1660 في البندقية، و أضيفت إلى هذه الطبعة نبذة عن حياة صاحبها ثم طبعت في بولونيا (بإيطاليا) و تلتها طبعات أخرى و قد ترجمت إلى مختلف اللغات الغربية من أول ظهورها و لا نرى من الضرورة هنا بذكر مختلف الترجمات.

و لقد اعتمدنا في ترجمة الرحلة إلى العربية الطبعة التي ظهرت سنة 1843، و تقع في مجلدين، و تقسم إلى ثلاثة أقسام: تركيا، بلاد فارس، الهند، و هذا عنوانها بالإيطالية (3):

. cia, 3481

و قد طبعت هذه طبقا للطبعة الرومانية الأولى سنة 1650 مع اختلافات بسيطة.

____________

(1)

E. Rossi: Posesie inedite in persiano di pietro della Valle, R. S. O. 82( 3591 )p. 801- 711.

- ldem: Versi turchie altri scritti di Pietro dela Valle, R. S. O. 22( 7491 )p. 29- 89.

(2) نجد وصف مخطوطاته في كتاب فهرس مخطوطات خزانة الفاتيكان:

A. Mai, Scriptorum veterum nova collectio, lV, 1- 2, passim.

(3) يطيب لي أن أقدم شكري الجزيل لدير الآباء الكرمليين الأفاضل في بغداد الذين أعاروني نسخة الرحلة الثمينة.

15

إن لغة ديللافاليه جميلة و أسلوبه رفيع و وصفه أخاذ، فهو متضلع بلغته يجيد النثر و يبدع في النظم.

جدير بالذكر ان مجلة «نشرة الأحد» التي كانت تصدر في بغداد بإدارة الخوري عبد الأحد جرجي (1870- 1950) نشرت في سنتها الأولى (1962) موجزا لهذه الرحلة بعنوان: «قصة بطرس السائح» 1 (1922) ص 92، 302، 351، 370، 383، 626، 640.

و لم يذكر اسم المعرب، كما أنها خالية من التعليق و التحقيق و قد ذكر الأستاذ كوركيس عواد بخصوص هذه الترجمة: «إن السيد جرجس دلال، مطران الموصل الأسبق على السريان الكاثوليك المتوفى سنة 1951 نقل إلى العربية بعض ما يخص بلاد العراق [من الرحلة] .. كما ان الخوري عبد الأحد جرجي السرياني .. نشر في تلك المجلة نفسها، نبذة من رحلة هذا الرحالة بعنوان: السفر من حلب إلى بغداد» (1).

أيّا كان الأمر فإن تلك الترجمة ناقصة و المجلة المذكورة بحدّ ذاتها نادرة الوجود حاليا، و قد أشرنا إليها في الهوامش عند ترجمتنا النص الكامل.

كذلك نقل الأستاذ سعاد هادي العمري وصف بغداد حسبما جاء في هذه الرحلة (2) و نقله مختصر جدا.

نظرا للأخبار المهمة التي نجدها في هذه الرحلة عن العراق في الربع الأول من القرن السابع عشر كثورة بكر صوباشي و خيانته، و تحرشات الفرس بالبصرة، و سيادة الأحواز العربية، و غير ذلك. فقد قررنا نقلها إلى العربية كاملة، و هي ترجمة أمينة للنص الإيطالي الأصلي لم نهمل منه شيئا له علاقة بالعراق أو بالعرب بصورة عامة المجاورين للعراق.

أن العناوين هي من وضعنا و كذلك التعليقات و الهوامش و لقد توسعنا في‏

____________

(1) مجلة الأقلام 1: 1 ص 58؛ كوركيس عواد و عبد الحميد العلوجي: جمهرة المراجع البغدادية رقم 1292؛ يعقوب سركيس: مباحث عراقية 2: 336.

(2) بغداد كما وصفها السواح الأجانب في القرون الخمسة الأخيرة، بغداد 1954.

16

بعض التعليقات فصلناها و جعلناها في «ملاحق» أدرجناها في آخر الكتاب.

و تمسكا بالأصل فقد حافظنا على تسلسل الرسائل فكان أول ما ترجمناه «الرسالة السابعة عشرة» من القسم الأول من الرحلة الموجهة من بغداد.

و أخيرا وضعنا فهارس الكتاب المفصلة ليتسنى على الباحث مراجعة الرحلة و معرفة موادها.

أما الصور التي أدخلناها في هذا الكتاب فلا وجود لها في الأصل الإيطالي الذي اعتمدناه بل أخذناها من طبعة الرحلة الألمانية (1) و قد نقلنا صورة الست معاني و ختمها من مجلة الدراسات الشرقية الإيطالية (2).

و أملنا وطيد أننا بترجمتنا هذه الرحلة قد أفدنا الباحثين الكرام‏

الأب بطرس حداد

____________

(1)Pietro della Valle Reise Verschribung ,6761 .

(2)Rivista degli Studi Orientali ,3591 (R .S .O) .

17

صاحب الرحلة ديللافاليه‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

القسم الأول: في البلاد التركية

الرسالة السابعة عشرة بغداد 10- 23 كانون اللأول 1616.

«غادرنا حلب في نفس اليوم الذي كتبت فيه إلى سيادتكم، و أخبرتكم بقرب سفري إلى بابل‏ (1) و بعد أربعة أيام أو خمسة و إذ كنا في البادية العربية، تسلمت مجموعة رسائل، و من ضمنها رسالتكم، فأجبت عليها في الحال.

و أعتقد أن رسالتي هذه ستصل إليكم مع تلك الرسالة لأني بعثتها مع شخص جدير بالثقة، و إذ إننا لم نزل في السفر، و ليس هناك ما يلفت النظر و يستحق الذكر فلن تجد في رسائلي مادة دسمة.

و الآن بعد أن استقر بي المقام، أعود لأتابع روايتي، فأخبرك بكل ما حدث لي خلال رحلتي من ذلك الوقت إلى اليوم.

كان يدفعني شوق شديد منذ زمن طويل للتوغل في الشرق خاصة بعد أن وصلت إلى حلب فأزور تلك الأقطار التي طالما سمعنا عنها، و أطلع على أمور كثيرة جديرة بالاهتمام و أتمحصها بنفسي لإشباع رغبة كانت كامنة في نفسي منذ كنت في إيطاليا ..

كان محظورا على الإفرنج الذهاب إلى تلك النواحي و قد يدفعون حياتهم ثمنا لمخالفتهم، و ذلك بسبب نشوب الحرب ضد العاهل الفارسي إذ كان الترك يعتبرون الإفرنج على اتصال به و متفقين معه. و لكي أحقق رغبتي‏

____________

(1) يريد بغداد. و سنذكرها بعد باسمها الحقيقي دائما.

20

بالسفر إلى هناك فكرت في أول الأمر أن أسافر متسترا ضمن قافلة تركب الفرات في قوارب في موضع يبعد عن حلب مقدار أربعة أيام، عند بلدة تدعى «البيرة» (1) التي تعني بالعربية «البئر» و هي المذكورة في كتب الجغرافية باسم «بيرته السورية». ففاتحت بهذا الموضوع تاجرا نصرانيا اسمه على ما أتذكر يعقوب الطويل و لا يخطر ببالي أكان سوريا أم أرمنيا و وعدته بهدية مقابل ذلك. و ليكن عمله هذا ردّا للجميل للقنصل البندقي الذي كثيرا ما ساعده في أموره الخاصة. فوعدنا الرجل خيرا، قائلا إنه سيجازف في هذا العمل فيأخذني مع رفاقي الثلاثة معتبرا إيانا ضمن أتباعه و رجال قافلته، لأن من عادته أن يصطحب رجالا كثيرين نظرا لتجارته الواسعة، و ما أكثر ما اصطحب في السابق من الإفرنج. و عند ما كنا على وشك الرحيل فكر بالأمر مليا فأخلف وعده زاعما أنه لا يليق به كرجل شريف أن يقوم بعمل كهذا ضد النظام ...

و هكذا تركنا و رحل؛ و كان علينا ان نتذرع بالصبر.

بعد مرور شهر و اتتنا فرصة أخرى بوجود قافلة متجهة إلى بلاد العرب في الطريق البري الذي يقطع البادية مباشرة و لا يكاد يمر بمكان مأهول.

فلما تناهى إليّ هذا الخبر و حاولت التحقق منه فسألت هنا و هناك خاصة لدى السيد قنصل البندقية و اتفقت مع أحد رجال الكمرك بعد أن نفحته بهدية جيدة، و أنت تعلم يا سيدي: «أن الهبات تطيب للبشر و للألهة على السواء» حسب تعبير «أوفيد» (2) فوعدني الرجل مقابل ذلك أن يخرجني من حلب دون أن يثير الشبهة بل ذهب أبعد من ذلك إذ زودني بكتاب من عنده يمكن أن نطلق عليه اسم جواز سفر، اعتبرني بموجبه أحد رجاله فجنبني بذلك مختلف المضايقات التي كان من المحتمل أن تصيبني في الطريق. و بعد هذه البداية

____________

(1) بلدة على الفرات تسمى بيره جك ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان 1: 787 (ط. و ستينغيلد).

(2) من شعراء الأدب اللاتيني (43 ق. م- 16 ب. م) صديق فيرجيل و هوراس له كتاب «فن الحب» و الجملة المذكورة هي في الفصل الثالث منه.

21

الناجحة شرعت أستعد للسفر بشراء الأمتعة الضرورية من طعام و أوان للطبخ و اشتريت صندوقين مربعي الشكل، لا يزيد طولهما عن عرضهما مع شي‏ء من الارتفاع يسعان كمية كبيرة من الأمتعة، و يحملان على الجمال بسهولة إذ يتدليان على طرفي البعير، و كانا من خشب خفيف متين داخل أكياس من القماش القوي تلتف حولهما حبال متينة و بهذه الطريقة يسهل حملهما و شدّهما على الحدوج. كما اشتريت أنواعا مختلفة الأحجام من الزقاق الجلدية، فهي جيدة للأسفار، لا تتأثر بالسقوط أثناء التحميل و هي خفيفة الوزن أيضا تستعمل للماء ... و منها أشكال مختلفة فبعضها مزينة بنقوش ملونة جميلة المنظر، تعطي الماء طعما حسنا و رائحة مقبولة و تحافظ عليه. و هناك أنواع أخرى أبسط شكلا و أكبر حجما تستعمل لحمل السمن و السوائل الأخرى، و هي بسيطة لا خياطة فيها. و قد ذكرتني بزمارات القرب المصنوعة من جلود الثيران التي نوّه بها زينوفون‏ (1).

بعد هذه الاستعدادات ذهبت لأستأذن بالرحيل من السيدين القنصل الفرنسي و زميله البندقي و أودع بعض الأصدقاء المقربين و رغبة بالمزيد من السرية لم أذهب لزيارة القناصل الآخرين .. الإنكليزي و الهولندي مثلا بالرغم من إجلالي لهما؛ كما لم أخبر الأصدقاء لئلا يتجشموا عناء الخروج لتوديعي عند مغادرتي حلب فيثيرون الشبهات و يلفتون الأنظار إليّ ...

و أخيرا حلقت شعر رأسي يوم الجمعة 16 أيلول [1616] و تعممت بعمامة، و تسربلت بالزيّ السوري، و فعل أتباعي مثلي كي لا يتعرف أحد علينا و ركبت جوادا في منزل القنصل البندقي في وقت صلاة العشاء و سرت لألتحق بالقافلة التي كانت مستعدة للرحيل بعد ان تجمع أفرادها منذ أيام في قرية تبعد

____________

(1) مؤرخ يوناني و مقاتل شجاع (427- 355 ق. م) له مؤلفات عديدة منها كتابه «حملة قورش» و لقد عرب السيد يعقوب إفرام منصور قسما من الكتاب بعنوان «ما يتعلق بالعراق من كتاب الصعود لزينوفون» المورد 4 (1975) 2 ص 71- 100، ثم أصدر الكتاب كاملا في بغداد 1985 بعنوان «حملة العشرة آلاف».

22

عن المدينة ستة أميال تسمى «جبرين» و لقد رافقني إلى هناك السيد جيوفاني باتيستا كاتي و أصدقاء آخرون واحد بندقي و الآخر فلمنكي و الثالث صقلي و قد تزيوا كلهم بالزيّ المحلي ليبعدوا الأنظار عني و أمضينا تلك الليلة بمرح في خيمتي، و عند الصباح قفلوا راجعين إلى حلب بعد أن ودعوني بالدموع.

لم ترحل القافلة في ذلك اليوم إذ كانت تنتظر انضمام بعض التجار و ريثما ينتهي موظفو الكمرك من تفتيش البضائع و التحقق من عدم وجود مواد مهربة بينها. فمكثت في جبرين مع رجالي الخمسة و هم: أندريا السندري البندقي و هو رجل مهذب جدا التقيت به في حلب فأخذته لأنه خبير بتلك الأصقاع و عارف بلغاتها و معروف لدى القوم و قد كسب ثقتهم، فاتخذته دليلا لرحلتي و أمينا على أموري. ثم تومازو و الرسام و لورنسو (1) و إبراهيم شاهيتا (2) من نصارى حلب الذي أقمته على خدمتنا.

الرحيل‏

غادرت القافلة «جبرين» في 18 أيلول فوصلت إلى «ملوحة» و هي على بعد ستة أميال أو سبعة عنها و مكثنا هناك حتى ظهر العشرين منه ننتظر بعض رجال «الأمير فياض» و هو من أعراب البادية الذين يعيشون في خيام سوداء و يتنقلون في أرجاء الصحراء؛ فهم تارة هنا و تارة هناك. و هذا الأمير لا يخضع في الواقع لسلطات الأتراك لكن له بعض العلاقات مع الحكومة فهو كالسيد الإقطاعي، تشمل سلطته كل مفاوز البادية بين حلب و بابل، و تمتد إلى معظم بلاد بين النهرين و عبر الفرات. أما الرجال الذين كنا ننتظرهم فهم من بطانته يستلمون الإتاوة من كل قافلة تمر عبر أراضيه فيرسل رجلا من أمنائه إلى «ملوحة» ليتقاضى الجباية و بعد ذلك لا تتعرض القوافل إلى أذى من أحد من أتباعه لكن هؤلاء لا يكتفون عادة بالإتاوة المتفق عليها، بل يحاولون استنزاف‏

____________

(1) سيذكر الرحالة فيما بعد بتاريخ 11 تشرين الثاني أن تومازو قتل رفيقه لورنسو في بغداد لخلاف نشأ بينهما، فرميت جثة القتيل خلسة في دجلة و أعيد القاتل إلى بلاده.

(2) في نشرة الأحد ص 304 ذكر الاسم «شحطا».

23

ما يستطيعون من المال كغنيمة خاصة بهم‏ (1).

رحلنا من «ملوحة» مساء اليوم نفسه فنزلنا في قرية خربة تدعى «حقلاء» (2) هناك تلقيت رسائلك فأجبت عليها أثناء الليل و لم نرحل في اليوم التالي إذ لم تنته أمور الجباية التي استغرقت يوما كاملا.

و في هذه الأيام لم أطلع على شي‏ء جديد لكني أمعنت النظر في جماعة من التركمان الذين مروا بنا فلاحظت أنهم لا يختلفون عن الأتراك الأصليين الذين وصفهم «بيلونيو» إذ التقى بهم في الأناضول، فلغتهم هي التركية، فهم أتراك حقا يعيشون في الأرياف، متنقلين هنا و هناك و معهم خيام من مادة غليظة تختلف عن خيام الأعراب السوداء. يملكون ماشية كالغنم و ما شاكل ذلك، إلى جانب الجمال و الجياد الأصيلة. و لهم ألبسة و أشياء أخرى، و لعلهم أغنياء بالنسبة إلى الأعراب. و هم يتنقلون من مكان إلى آخر حيث يجدون أماكن الرعي.

أما الذين رآهم بيلونيو في الأناضول لا يأتون إلى بلاد العرب، فلا علاقة لهم بهؤلاء التركمان الذين رأيتهم فهؤلاء يمضون أيام الشتاء في البادية في أماكن دافئة قليلة الأمطار حيث يجدون الكلأ على ضفاف الفرات و في الصيف يرحلون إلى الجبال القريبة من منطقة «كرمانيا» (3) و لا يتعدونها. و هم يخضعون للأمير فياض، و لهم في البادية مدينة تدعى «الكعر» معروفة لدى الحكومة التركية بمستوى «سنجق» (4) أما تركمان الأناضول فهم و إن كانوا مثلهم في طريقة العيش و العادات لكن لا علاقة لهم بالأمير المذكور لأنهم يخضعون لسلطة مختلفة. لقد جمعت هذه المعلومات من امرأة تركمانية أتت‏

____________

(1) عن الأمير فياض انظر الملحق رقم (1).

(2) معجم البلدان 2: 298.

(3) هناك كرمانيا في آسيا الصغرى قاعدتها قونية و لكن من المحتمل أن السائح يشير إلى باجرمى في العراق (منطقة كركوك).

(4) في الأصل تعني بالتركية علم أما هنا فتشير إلى وحدة إدارية.

24

إلى خيمتي في أحد الأيام تطلب ماء باردا فاعتقدت في أول الأمر أنها عربية لأنها كانت حاسرة الوجه لكن زيها كان تركيّا رثّا فخاطبتها بالعربية فلم تفهمني و أجابتني بالتركية بلسان طليق لا يختلف كثيرا عن لهجة أهل المدن فقدمت لها و لا بنتها الصغيرة التي كانت معها طعاما و انتهزت الفرصة لأحدثها طويلا فأدهشتني كثيرا بأجوبتها الفصيحة، و بأدب يندر وجوده لدى امرأة تعيش في البادية، و أخبرتني أنها تملك خمسمائة رأس غنم و أشياء أخرى كثيرة لا يدل عليها لباسها المزري.

و لنعد الآن إلى رحلتنا ففي يوم الخميس 22 أيلول تركنا خرائب «حقلاء» و توغلنا في البادية حيث لا مدن و لا قرى آهلة بسكان و لا أراضي مزروعة، بل سهول قاحلة قد ينبت فيها هنا و هناك نوع من الشوك البري تلتهمه البعران لا أكثر.

فلما حل المساء أمضينا ليلتنا حيث وصلنا و لم نجد هناك ماء فشربنا مما ادخرناه في القرب. و لما كانت هذه ليلتنا الأولى في العراق و في مكان غير مأهول فقد أقمنا حراسا للقافلة خوفا من هجوم قطاع الطرق الذين يأتون من أماكن بعيدة لسرقة المسافرين و بعضهم من أتباع الأمير فياض نفسه، لكنهم من الخارجين عن طاعته.

كان عدد أفراد قافلتنا زهاء ألف و خمسمائة شخص و فيها ما ينيف على الأربعين خيمة. و كان حراس الليل يطوفون حول الخيام و يضجون بالصياح كما هي عادتهم فيحذرون المسافرين تارة و يخيفون اللصوص من الاقتراب تارة أخرى.

و لما كان قطاع الطرق يهاجمون القوافل بمجموعات كبيرة عادة فيركب كل اثنين منهم على مطية واحدة و مطاياهم هي جمال من فصيلة خفيفة الجسم و سريعة الجري. و يتسلحون عادة برماح طويلة و أقواس و أسلحة متنوعة إذ يحمل بعضهم بنادق. لهذا السبب جرى قبل النوم إحصاء عدد حملة البنادق في القافلة فكان ما يربو على الثمانين: تسعة من الإفرنجة أي خمسة من حاشيتي و الباقون تجار من أهل البندقية قدموا إلى هذه الأطراف في أمورهم الخاصة.

25

فأوكل إلى هؤلاء التسعة بتأليف مقدمة دفاعنا و لا أعلم سبب هذا الاختيار أكان إكراما لنا أم أنهم اعتبرونا أكثر مهارة من غيرنا، أم لعلهم أرادوا أن نجابه الأخطار قبل غيرنا. و كان معنا جنود إنكشاريون‏ (1) و عدد ملحوظ من الجنود الأتراك فانتظمنا جميعا نحن في المقدمة و يتبعنا رماة الرماح و هم كثيرون ثم المسلحون بالسيوف. و على هذا الترتيب تجولنا حول القافلة على عادة أهل البلاد ثم توجهنا إلى الجانب الآخر حيث كان يخشى هجوم العدو منه، فاتخذنا موقف الدفاع و كأننا في حالة معركة- و لعل ذلك لأجل تمرين المدافعين على مواقعهم- و أخذنا نطلق العيارات بجلبة عظيمة، و كان لهذه المظاهر وقع حسن في نفسي بالرغم من أني لم أفهم كل ما كانوا يتبادلون من أقوال.

في الأيام التالية، بل و في كل أيام الرحلة لم نهتم بقطع المسافات المحددة إذ لم يكن باستطاعتنا فعل ذلك بل كان جل اهتمامنا الوصول إلى أماكن نجد فيها ماء لأنها كانت نادرة جدا في البادية. و قد نجد آبارا بين مرحلة و أخرى حفرت في الأزمنة الغابرة ثم طمرت، و قد يعمد الأعراب أنفسهم إلى طمرها من باب الدفاع عن النفس كي يبعدوا الأغراب عنهم و يمنعوا بذلك مهاجمتهم و إخضاعهم بالقوة. لقد لاحظ ذلك «ديودوروس سيكولوس» (2) (أي الصقلي) فقال ان موطن العرب صحراوي، و هو بطبيعته يفتقر إلى الماء، و لهذا السبب لم يتسلط على العرب سادة غرباء، فلا الفرس و لا المقدونيون و لا الأتراك حديثا و لا الروم قديما، و لا أية أمة أخرى مهما قويت شوكتها لم يتمكنوا من إخضاع العرب. بل كانوا ينقادون إلى أمراء من جنسهم كما ذكر ذلك «سترابون» (3) و هؤلاء الأمراء بدورهم كانوا ينتمون قديما

____________

(1) لفظة تركية الأصل تعني «الجند الجديد» و هم من المشاة.

(2) مؤرخ يوناني له كتاب «المكتبة التاريخية» بحث فيه عن التاريخ العام من أقدم العصور حتى سنى 60 ق. م.

(3) سترابون أو سترابو (58 ق. م- 25 ب. م): جغرافي يوناني وضع كتابا مهمّا في «الجغرافية» بسبعة عشرة جزءا وصف فيه الأقاليم المعروفة في ذلك العهد و منها بلاد بابل و آشور.

26

إلى إحدى الدول الشديدة البأس المجاورة لهم. فبعضهم انتموا إلى الرومان و البعض الآخر إلى الفرس و هذا ما نراه إلى اليوم. فهناك أمراء يدينون بالولاء للفرس لقربهم منهم و البعض الآخر للأتراك و من بين هؤلاء الأمير فياض.

و كما ذكرت آنفا فإن الأعراب يحاولون حماية موطنهم بسد عدد من الآبار القريبة فلا يعرف أحد محلها سواهم، فإذا حاول غيرهم ممن لا خبرة له بالصحراء الواسعة زج نفسه هناك فإنه سيتيه لا محالة و يضل، و يكون الموت مصيره. و ذلك ما حدث للكثير من الغرباء.

في كل يوم نذهب في طلب الماء، يدلنا إليه رجال من أهل المنطقة ذوو خبرة في الطرق و موارد الماء و كانوا يعرفون تلك الأماكن من مراقبتهم النجوم في الليل و من نظرهم إلى البطاح و التلال في النهار. فهم يعرفون الطرق على اختلافها: البعيدة منها و القريبة و يستدلون في سيرهم بأمور كثيرة، فالأرض عاليها و واطئها، و لون الأديم و أنواع الأعشاب النابتة. كل هذه الأمور يعتمدون عليها في سيرهم؛ إنهم يعملون كعمل ربان السفينة في عرض البحر. و ما أدهشني منهم بشكل خاص دقتهم في الوصول إلى الآبار لأنها تقع عادة في أرض منخفضة لا ترى إلا عند الوصول إليها؛ و فوهاتها كحفر عادية لا سور يحيط بها و لا علامة خاصة تدل عليها.

كنا نسير يوميا مسافة طويلة، و قد نقطع المسافة المقررة على مرحلة أو على مرحلتين، و قد نسير في اليوم الواحد 13- 14 ساعة و أحيانا ست عشرة ساعة. و أتعس ما في الأمر أننا نسير ليلا في ضوء القمر فكانت تتغير من جراء ذلك أوقات أكلنا و نومنا بانزعاج شديد. لكن لا بد من التحلي بقليل من الصبر.

رأيت يوم الجمعة التالية عند ينبوع لا يصلح ماؤه للشرب ينابيع أخرى تتدفق من الأرض مياهها حارة يطلق عليها العرب اسم «الحمام».

شاهدت نهار السبت عند جملة آبار أخرى مياهها جيدة آثار مدينة كبيرة لا يرى منها إلا الأسس و بعض الأعمدة، و تيجان الأعمدة من الرخام كانت مبعثرة، و بقايا أسوار كثيرة من الحجر الأسود الضخم ذات أسس عريضة جدا. و يحكم الناظر من محيط المدينة أنها كانت ذات شأن و قد أهملت‏

27

لانتشار الجفاف هناك فآلت إلى الخراب. و يسميها العرب «سيريا أو سريا» و يقولون إن سكانها القدماء كانوا نصارى. و هناك طلل كبير يزعمون أنه بقايا كنيسة و لكني لم أعرف عنها شيئا لأن ما بيدي من كتب لا تذكر شيئا عنها و لم تسعفني الذاكرة لأتحقق من قدمها.

أما يوم الأحد فلم نشاهد سوى الصحراء القاحلة، و كلما كنا نتوغل فيها كانت تقل الأعشاب.

وصلنا يوم الإثنين عند الظهر إلى موضع مأهول بالسكان و مسوّر يطلقون عليه اسم «مدينة طيبة» و الحقيقة ان الاسم يطابق المسمى ففي صحراء قاحلة يفتقر إلى أي نوع من المؤن يجد المسافر فيها كل ما يحتاجه من مؤن:

كالدجاج و البيض و الرقي و القثاء و غير ذلك من خيرات كنا حرمنا منها منذ أن بارحنا حلب. فأقمنا ذلك اليوم في «طيبة» و انتهزت فرصة وجودنا هناك فدخلت إلى البلدة لألقي نظرة عليها، فرأيت آثارا قديمة في المسجد، و الأثر هو برج ناقوس مشيد بالطابوق من حجم متوسط كان لكنيسة، و بعض الأعمدة التي أدخلها المسلمون في البناء و هو من اللبن، و رأيت في داخل المسجد حجرا قديما مربع الشكل بني في الجدار و هو محط تكريم الأهالي و عليه كتابة يونانية و تحتها سطران محفوران بأحرف غريبة علي، شبيهة بالحرف العبري أو السومري، فنقلت الكتابة و احتفظت بها. و لما علقت عليها بعض الشروح أمام الحاضرين البسطاء اعتبروني رجل علم و قالوا إنه لم يستطع أحد من الذين نظروا إلى اللوحة من قبلي قراءة سطورها و شرح فحواها.

رحلنا يوم الثلاثاء ليلا و بعد أن قطعنا أميالا عديدة وجدنا في مكان آخر مدينة لها قلعة و أسوار مشيدة بحجارة ضخمة حسنة الصنعة لكنها متهدمة، و يسميها العرب «الحير» (1) و يزعمون أنها كانت مدينة سكنها اليهود على عهد الملك سليمان، و اللّه أعلم. لأنه من يبني رأيا على أقوال و تقاليد بدو أميين؟

و أي استنتاج يمكن أن يستخرج من اختلاف الأسماء القديمة عن الحديثة خاصة

____________

(1) يعود السائح إلى وصف «الحير» في طريق عودته إلى وطنه في رسالة لاحقة.

28

بالنسبة إليّ و أنا هنا أملك بيدي مرجعا جغرافيا أستعين به.

يوم الأربعاء شاهدنا قبورا حديثة العهد في أماكن مرتفعة و هي لبعض التركمان المار ذكرهم و لعرب البادية. ان هؤلاء الناس يدفنون حيثما يلاقون حتفهم و يكتفي القوم بوضع حجر على القبر كعلامة على وجوده لا غير.

يوم الخميس لم نشاهد شيئا يستحق الذكر.

يوم الجمعة مساء رأينا عن بعد على الفرات قلعة تدعى «الرحبة» و قيل أنه يوجد ثمة آثار قديمة، و لا عجب في ذلك لأن مدنا كثيرة مهمة قامت قديما على ضفاف هذا النهر. و لم نذهب لمشاهدتها عن قرب لئلا يطول بنا الطريق.

يوم السبت و كان الأول من تشرين الأول [1616] وصلنا عند الضحى إلى بعض التلال التي يجري من تحتها نهر الفرات، و هو النهر الذائع الصيت في العالم؛ فشربت براحتي من مياهه العذبة، و نصبنا هناك خيامنا و أمضينا النهار كله بالاستراحة من تعب سفر الليلة السابقة.

و بعد أن أخذت نصيبا من النوم، لم أشأ إضاعة الوقت، فبدأت أتجول في تلك المنطقة. فرأيت بعض الآكام، أما سائر الأرض فكانت منبسطة كالصحراء التي قطعناها. و نظرا لرطوبة البقعة القريبة من النهر فقد نجمت أنواع عديدة من النباتات، و من جملتها الخرنوب البري و نبات لا أعلم كيف أصفه أهو السرو البري أم العرعر، فهو أشبه ما يكون بأرز لبنان لكنه أصغر حجما منه. كما وجدت النبات الذي يستخرج منه الرماد الضروري لصنع البلور النقي في البندقية و غير ذلك من أجناس النباتات التي لم أشاهدها من قبل، فجمعت منها شيئا قليلا و حفظتها باعتناء ضمن أغلفة مختلفة لأحملها إلى سيادتكم عملا بتوصياتكم.

لقد لا حظت أن كل الروابي التي على كتف النهر و الأرض المستوية كانت مغطاة بمعادن بيضاء اللون ترسل لمعانا، و لم أعرف ماهيتها أهي النطرون أم الطلق‏ (1) أو ما أشبه ذلك فأتيت بنماذج منها أيضا و شرحت في‏

____________

(1) النطرون بالفتح البورق الأرمني (القاموس المحيط) الطلق حجر براق يتشظى إذا دق‏

29

«كتاب يومياتي» تفاصيل مشاهداتي بكل دقة.

استأنفنا سفرنا في الليلة التالية بعد بزوغ القمر سائرين مع مجرى النهر عادة إلا عند ما كان النهر يبتعد بتعرجاته فكنا نقطع الطريق مباشرة.

يوم الأحد لم نشاهد شيئا يستحق الذكر، اللهم امرأة سوداء اللون قالت إنها من أسرة ابن الأمير و تدعى صبحة ... و قد أتت من جهة النهر الثانية.

و جدير بالذكر هنا أن كل مرة كنا نحط راحلتنا عند الماء كانت تتقاطر علينا جماعات من البدو رجالا و نساء يعبرون النهر من الجهة الثانية أو من الجزر العديدة المأهولة المنتشرة في النهر، و يأتون سباحة على زقاق (الجراب) ينفخونها و لا يربطونها بل يلقونها تحت صدورهم و يعبرون النهر على هذه الطريقة بكل مهارة حتى ضد مجرى الماء. فمنهم من يأتي لإلقاء نظرة فقط، و منهم من يأتي ليبيع السلع على المسافرين. إنه و الحق يقال منظر جميل للغاية، و قد أعجبت بمهاراتهم في السباحة و مجابهتهم تيار الماء.

يلبس الأعراب عادة قميصا بسيطا ملونا .. و يرتدون أحيانا فوق قمصانهم هذه رداء فوقانيا من صوف خشن مفتوحا من الأمام و لا أكمام له و يسميه الأعراب عباءة، و هم يلبسون هذه العباءة و خاصة أولئك الذين يريدون أن يظهروا بمظهر الأناقة بإلقائها على الأكتاف على هيئة الفيرايولو (1) و منهم من يخلع ألبسته عند عبوره النهر و يجعلها كصرة يلقيها فوق رأسه كي لا تبتل فيعبر النهر عاريا ثم يلبسها ناشفة، و منهم من لا يهتم كثيرا فيعبر النهر دون خلعها.

يوم الإثنين رأينا عند ضفة النهر مساحات من الأرض مزروعة بالدخن في الأكثر لأن الأعراب يفضلونه على الشعير و الحنطة. و في المساء شاع في‏

____________

- صفائح و شظايا (المرجع نفسه) انظر: نخب الذخائر لابن الأكفاني تحقيق الأب انستاس الكرملي ص 91: للمزيد من المعلومات انظر: تكملة المعاجم العربية، تأليف ر. دوزي، ترجمة د. محمد سعيد النعيمي، بغداد 1992، 7: 72.

(1) كساء يستعمل في نابولي يشبه الفرجيه. دوزي: المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب، ترجمة د. اكرم فاضل، ص 242، 265.

30

منظر القافلة القافلة خبر مفاده أن البدو يزمعون الهجوم علينا و لا أعلم مصدر هذه الإشاعة أكانت من الحراس أم أنهم اكتشفوا حقيقة وجود جماعة عن بعد و قد علمنا بعد ذلك أن لا صحة للخبر.

31

في اليوم التالي لم نلاحظ شيئا جديرا بالذكر. و لكن في اليوم الخامس من تشرين الأول نزلنا عند بلدة تسمى «مسجد علي» و جدير بالذكر أن أماكن عديدة في تلك المنطقة تحمل هذا الاسم لأن القوم يعتزون بإطلاق هذا الاسم تيمنا بأمير المؤمنين الخليفة علي و يروى- نقلا عن الفرس- إن الخليفة علي مر في هذه النواحي عند ما خرج للقتال فترك قسما من جماعته في بعض تلك الأماكن و لذا فقد أطلقوا اسمه على أكثر من مكان في تلك المناطق تخليدا لذكرى مروره بها و إقامته الصلاة فيها (1).

بلدة عنة

في السادس منه وصلنا إلى «عنة» و هي مدينة رئيسة في البادية و لم أتذكر اسمها القديم‏ (2) تقع على الفرات فيشقها إلى شطرين الشطر الواحد في جهة البادية و الشطر الآخر جهة ما بين النهرين و ليس فيها جسر، بل يعبرون من جانب إلى جانب بالزوارق الموجودة بكثرة. و لها شارع واحد في كل جانب و هي ليست بلدة صغيرة و تميل إلى الطول فيبلغ طولها خمسة أميال و بيوتها من اللبن كسائر مدن تلك الأطراف، و هي حسنة البناء لطيفة المنظر، و للبيوت بساتين عامرة بالأشجار المثمرة من مختلف الأنواع. فهناك النخيل و البرتقال و الليمون و التين و الزيتون و الرمان و بكلمة واحدة جميع أنواع الأشجار و لقد رأيت أيضا أشجار الرند البري ذات الأوراق الكبيرة. إن وجود كل ذلك في وسط الصحراء لهو منظر رائع حقا.

و في النهر جزر كثيرة غرست فيها الأشجار و لو أحسن الأهلون الاعتناء بها و تنظيمها لكانت أجمل شي‏ء على وجه البسيطة. و قد حولوا إحدى تلك‏

____________

(1) يسمى أيضا «مقام علي» ذكره هر تسفيلد و ساره و غير هما، انظر: فرحان احمد سعيد:

مشهد ابي ريشة، مجلة التراث الشعبي 9 (1979) ص 87.

(2) مدينة عريقة جدّا عرفت في الكتابات المسمارية باسم خانات و في المراجع اليونانية باسم اناثا و في الكتابات التدمرية باسم عنة و بالسريانية عانات و المرجح أن اسمها آرامي الأصل و معناه بيت الماعز. دائرة المعارف الإسلامية (مادة: عنة).

32

الجزر إلى قلعة لتوسطها الجزر الأخرى و لموقعها الوعر لكن لا قيمة دفاعية لها أمام هجوم قوي. و ليس للمدينة- أي عنة- سور فالنهر يقوم مقامه من الجهة الواحدة و سلسلة تلال صخرية تنتهي في البساتين من الجهة الأخرى.

و ليس للمدينة مجال للتوسع عرضا و لا يمكن الدخول إليها إلا من مداخل ضيقة من طرفيها. إن الطبيعة أحكمت تحصينها!

الأمير فياض أبو ريشة

إن الأمير فياض هو سيد هذه المدينة، و له فيها بيت لعله أجمل بيوت المنطقة و قلما يسكن هناك لأنه يتنقل على مدار السنة في البادية متفقدا شؤونها ليحميها من كل طارى‏ء من الخارج، و يتقاضى الضرائب في كل المناطق الخاضعة له و التي تقع في أطراف البادية لأن البلدان في قلب البادية نادرة جدا. و هو لا يكتفي باستيفاء الضرائب من العشائر الخاضعة له بل يجمعها من أماكن أخرى تخضع للسلطان و لأمراء آخرين، فيؤدونها له تخلصا من شره و شر غزوات أتباعه. و كثيرا ما يطلقون عليه اسم «الملك» تعظيما فهو سيد مطلق يحكم في بلاده و يأخذ الضرائب من المناطق المجاورة حتى تلك الخاضعة للسلطان مباشرة، و قد يستعمل القسوة أحيانا، و مع تمتعه بالحرية المطلقة في البادية إلا أنه يبدي بعض الطاعة للحكومة التركية فإذا دعي إلى حرب لبى الدعوة و ذهب على رأس جيشه أو في الأقل أرسل رجاله للاشتراك في الحرب. إنه يعمل بما يأمره السلطان أو الولاة و هو مخير في طاعته بحسب ميوله فهو الذي يقرر متى و كيف يطيع، كما يفعل بعض الأسياد الإقطاعيين في بلادنا ... لأنه في الواقع في موضع حصين لا تطاله الأيدي‏ (1).

الأمير فياض رجل مستقيم، و قد حظي بخضوع الآخرين بأدبه، و طهر بلاده من رجال السوء، فهو لا يتوانى عند الحاجة عن إنزال العقاب الصارم حتى بذوي قرباه و لهذا السبب تسير القوافل في أراضيه بأمان، و تعيش المدن‏

____________

(1) لونكريك: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص 56- 57.

33

و القرى المتاخمة بهدوء فلا يسمع عنها أخبار أو حوادث النهب و الغزو كما كانت على عهد الأمراء السابقين الذين عاثوا في الأرض فسادا، و لم تسلم الحواضر المهمة مثل دمشق و حلب من أذاهم، و كذلك المدن الأخرى الخاضعة للسلطان.

لقد أسهبت في الكلام عن هذا الأمير و لا بد أن أضيف بأنه يلقب باسم «أبو ريش» و هذا هو لقب أسرته القديم ... و يدعي أن نسبه يتصل بسيدنا نوح و لو صح هذا الادعاء الذي لم أقتنع به شخصيا فلا ريب أن عشائر البادية رغم خشونة حياتها هي أشرف شعوب الأرض قاطبة.

من المؤكد- حسب رأيي- أنه: إذا كانت هناك أمة لها حق الادعاء بالقدم و بشرف الأصل عبر الأجيال فهي الأمة العربية، فالعرب يعشقون الحياة الحرة في الصحارى رغم خشونتها، و لا تطيب لهم حياة المدن، إذ يرفضون الخضوع للغريب و هم منذ أقدم العصور لم يختلطوا و لم يتصاهروا مع الغرباء أبدا بل يتزوجون من بعضهم فحافظوا بذلك على نقاء دمائهم.

طبيب الأمير

يعيش عند الأمير فياض رجل مسيحي اسكتلندي الأصل يدعى «جورج ستراكان» و هو رجل علم و أدب كان سابقا في حلب فانتقل منها و قصد الأمير فياض رغبة منه في إتقان اللغة العربية، و أخذ يمارس عنده مهنة الطب مع أنه لم يكن طبيبا بل أخذ شيئا من هذا العلم عن طبيب فلمنكي في حلب كانت تربط بينهما صداقة فتعلم بعض الوصفات الطبية و لأنه رجل علم و محب للمطالعة كان يمارس هذه المهنة بشكل مرض بين ذلك الشعب البسيط. و قد ساعده حسن الطالع حين وصوله إلى خدمة الأمير إذ شفاه من انحراف طرأ على صحته فاكتسب بذلك ثقته التامة و أصبح صاحب نفوذ لديه و حصل على ثروة طائلة. ثم اكتسب ثقة زوجة الأمير لأنه كان يمنع الأمير من الاقتران بنساء أخريات بحجة أنه سيضر بصحته. و لقد طبقت شهرته البادية كلها و نال احترام القوم و إعجابهم، و قد تحققت بنفسي من احترام الأمير له فقبل مدة

34

كان الأمير في نواحي حلب ففارقه الطبيب ستراكان لأمر له في المدينة و بالرغم من أن الأمير كان مقررا الرحيل لكنه لبث ينتظره خمسة عشر يوما ثم اضطر إلى السفر فترك أحد أمنائه على رأس مئة فارس ليرافقوا ستراكان عند عودته لئلا يسافر وحده في الفلاة أو يهرب منهم و لو أنه لم يفكر في ذلك.

و خلاصة القول أن الأمير يحترمه جدا و يغدق عليه الهبات و هو ما يريده الطبيب، لكني لا أعتقد أنه سيبقى معه، لأنه لا بد أن يغادر بعد أن يجمع مبالغ طائلة، فحياة البادية صعبة.

لقد أتقن ستراكان اللغة العربية حتى لا يمكن تمييزه عن العرب لهجة و نطقا و لباسا و أصبح بدويا بكل ما في الكلمة من معنى. هذا ما قيل لي عنه لأني لم ألتق به قط (1).

التقسيم الاجتماعي للعرب‏

إن لفظة بدوي مشتقة من البادية و هي الصحراء، و العرب أربعة أقسام أو فئات أشرفها البدو ثم المعدان أي المتشردون الذين ليس لهم مقر ثابت و هم معنيون بتربية الجاموس و بيع الحليب و يقيمون تارة في البادية و أخرى في المدن؛ و أقلهم شأنا في نظرهم الحضر الذين يعيشون في المدن بصورة دائمة ثم الفلاحون الذين يزرعون الأرض، فالعرب ينتمون في آخر الأمر إلى إحدى هذه الطبقات.

لنأخذ على سبيل المثال أهل بلدة «عنه» لا شك في ان رجالها هم من جماعة الفلاحين لكن لهجتهم و زيهم و عادات نسائهم و موقع بلدتهم في وسط البادية تجعلهم بدوا حقيقيين لا بل أكثر البدو تمدنا في العالم لأن لباسهم و منظرهم علاوة على أنه محترم جدّا فهو أيضا فريد للغاية. إذ أن عددا كبيرا منهم يلبسون الحرير الرائع و عباءاتهم نادرة الألوان و هي عادة مخططة بلونين‏

____________

(1) التقى السائح بهذا الطبيب الاسكتلندي بعد سنوات كما سيذكر فيما بعد و اطلع على المخطوطات التي جمعها و تداولا في مشروع ترجمة كتاب القاموس المحيط ثم ترك الصحراء فذهب إلى بغداد و منها رحل إلى أصفهان (الرحلة الجزء 2: 437).

35

متوازيين هما الأبيض و الأسود أو الأبيض و البني، و أشكال أخرى مختلفة لا تخطر على بال كما يقول الأتراك، إضافة إلى العقال و الشرابات المتهدلة و الأحزمة و الأسلحة و أغطية الرأس أي الكوافي و أشياء أخرى ظريفة جدا راقت لي كثيرا منذ أن وقع نظري عليها حتى عزمت أن ألبس مثلهم و أظن أن زيهم هو أجمل و أثمن لباس عرفته، و سترى يا سيدي صدق قولي عند ما أعود بإذن اللّه إلى إيطاليا فهناك سألبس هذا الزيّ في حفلة تنكرية أو في أية حفلة ظريفة أخرى و سأكون دون شك موضع إعجاب الحاضرين.

أقمنا في عنة خمسة أيام مخيمين خارج البلدة غير بعيدين عنها لأن أكثر الجمالة هم من أبنائها. و قد قرب عيدهم و هو عيد الفطر، فأرادوا أن يقضوه وسط عيالهم لأنهم يمضون أكثر أيامهم بعيدين عنهم.

خلال هذه الفترة التقطت من أهالي البلدة بعض الأخبار التي أكدها أحد الجمالين و كان برفقتي، إذ قال إن في البلدة طائفة تعيش في ظهرانيهم تعتقد سرا خلاف معتقد المسلمين، و هي جماعة غريبة في بابها، إذ لا يؤمن أتباعها بالآخرة و لعلهم لا يؤمنون بوجود اللّه إذ لا صيام عندهم و لا صلاة و لا يقيمون شعائر العبادة للّه و لا يأخذون القرابة الدموية بعين الاعتبار عند تزوجهم بل يجوز عندهم الزواج بالأقربين كالأمهات بأولادهن و الإخوة بأخواتهم دون خجل من الحرام، أو تبكيت ضمير لا بهذا الأمر و لا بسواه. و يعتقد- محدثي- أنهم يعبدون الشمس لأنهم ينحنون لها صباحا عند شروقها و يحيونها بالتمتمات و الرموز الخاصة و يفعلون ذلك سرا لأنهم إذا أظهروا جهارا يعرضون أنفسهم إلى أشد العقوبات. لأن المسلمين يرذلون هذه الفرقة و هي أثيمة في نظرهم، و قد وجدوا مرة كتابا خاصّا بهذا المعتقد فأحرقوه علنا بأمر من الأمير مع النخلة التي علق عليها. فعبادة الشمس و الاقتران المشين بالأقارب الأقربين و قرب المكان من بلاد فارس جعلني أعتبر هذه الطائفة من بقايا المجوس القدماء، و دين المجوس يرجع بالأصل إلى زرادشت‏ (1) و قد دخله على مر

____________

(1) ولد في مادي نحو 660- 583 ق. م مصلح الديانة القديمة في فارس و منشى‏ء المجوسية.

36

الأيام تأثير المانويين‏ (1) كما نوه بذلك أكاثياس‏ (2) و كما نقرأ في كتب الأقدمين عن قوم كانوا يتزوجون بغباء على هذه الصورة كالأمهات بالأبناء و أمور أخرى شبيهة بالتي حدثني عنها أهل عنة عن هؤلاء الساكنين بين ظهرانيهم‏ (3).

كان شباب عنة و صبيانها يتقاطرون إلى خيامنا في تلك الفترة و هم ينشدون الأغاني العربية و يعزفون على آلات الطرب و يرقصون و قد ارتدوا مختلف الأزياء- و كأنهم في حفلة تنكرية- و يمثلون أمامنا بعض الحوادث و ذلك بمناسبة قرب حلول عيدهم فكنت أتحفهم بالهدايا و كانوا بدورهم يكررون ألعابهم و يرددون أغانيهم الجميلة. و نظرا لغرابة هذه الأمور عني فقد أكثرت من كتابة الملاحظات الدقيقة في دفتر يومياتي.

يوم الأحد 9 تشرين الأول: عبرت القافلة النهر بالقوارب إذ لا بد من عبوره من أجل الوصول إلى بغداد أو أي بلد آخر؛ و قد لا حظت أمرا غريبا في تلك القوارب إذ إن دفتها غير ملتصقة بها كما في سائر البلاد بل بعيدة عن القارب نحو قصبتين‏ (4)، و تدار بواسطة خشبة طويلة تمتد إلى داخل القارب بقدر بعد الدفة و لم أفهم غاية هذا الترتيب و لكن لا بد أن القوم رأوه صالحا نتيجة الخبرة الطويلة.

بعد عبورنا النهر نصبنا خيامنا على جانب «بين النهرين» و لا حظت الأرض هنا صحراوية لا تختلف عن بادية العرب فهي قاحلة مستوية تنبت فيها نفس الأعشاب.

____________

(1) نسبة إلى ماني (215- 276) القائل بمبدأين في الوجود: الخير و الشر، النور و الظلام.

(2) أكاثياس شاعر و مؤرخ يوناني من ابناء المئة السادسة له كتاب «تاريخ ملك يستينيانس».

(3) المقصود بهذا الكلام «النصيرية» و نرى أن السائح أو محدثه نسب إليها أمورا لا يمكن التثبت منها لا سيما في موضوع الزواج. انظر عن النصيرية مجلة لغة العرب 5 (1927) ص 368. 9 (1931) ص 467.

(4) القصبة واسطة للقياس عند الأقدمين تساوي ما بين متر و 71 سم إلى مترين و 98 سم حسب أنواعها (قاموس لاروس).

37

توقفنا هناك ذلك اليوم و كان الجمالون يرغبون بالاحتفال في بيوتهم بالعيد لكن بعض الأتراك ألحوا عليهم بمتابعة السفر فرحلنا في اليوم الحادي عشر من الشهر و كنا نسير بمحاذاة النهر كما كنا نفعل و نحن في الجانب الآخر، و مساء ذلك اليوم أمطرت السماء للمرة الأولى رذاذا خفيفا صحبته عاصفة شديدة قلبت خيامنا لكنها لم تدم إلا سويعة من الزمن.

احتفل المسلمون بعيدهم في الثالث عشر من الشهر و بعد تناول الفطور تابعنا سيرنا تاركين النهر وراءنا متجهين شرقا فتوغلنا في الصحراء قاطعين أرض بين النهرين بخط مستقيم. و لم نفعل ذلك رغبة باختصار الطريق بل إرضاء للتجار ليتسنى لهم تهريب الأموال الكثيرة التي كانت بحوزتهم و التخلص من دفع رسوم المكوس في بغداد. لقد فعلوا ذلك رغم صعوبة الطريق و فقدان وسائل التموين و احتمال وجود قطاع الطرق هناك بينما يمر الطريق المحاذي للنهر بأماكن مأهولة يجد فيها المسافر مؤونة. لقد سلكوا ذلك الطريق ليدخلوا إلى المدينة من الجهة الثانية لأنها مفتوحة و لا يوجد هناك سور، فمتى دخلوا المدينة لا يستطيع رجال المكوس تفتيشهم و وضع اليد على المهربات.

من عادة رجال الحكومة الخروج إلى ضواحي المدينة للتفتيش و حين يبلغهم خبر قدوم القوافل يذهبون أمامهم مسيرة أيام ليباغتوا التجار و يضبطوا رسم أموالهم و نقودهم.

لقد أرغمنا التجار على السير في هذه الطريق الصحراوية الشاقة حيث لا وجود للزاد و الماء و إذا عثرنا على ماء فإنه لا يصلح للشرب أو الطبخ لملوحته العالية و مرارته ... لعن اللّه الطمع و الطامعين! و لم يكتف أولئك الخبثاء بهذا كله بل جعلونا نمضي أياما جهنمية بسبب الخوف الشديد من قطاع الطرق.

و لذا كانوا يحثوننا على الإسراع و لم يمنحونا فرصة لالتقاط أنفاسنا. لقد تمنيت الموت شنقا ألف مرة و فضلته على عذاب تلك الأيام!

أما الجمالون فقد ركبهم شيطان الغضب لأن مطاياهم كانت تتعذب جدا و قد نفق بعضها من الإرهاق الشديد و بالرغم من هذا كله حاولت التحلي بالهدوء و الصبر و سليت نفسي بمراقبة النباتات الغريبة و الأرض.

38

لقد كنا في حالة استنفار دائم، فعندما تسرح الجمال لترعى- إذ ليس من عاداتهم علف حيواناتهم- يذهب رجال مسلحون لحمايتهم لأنه في أحد الأيام كادت تسرق جميع حيوانات القافلة و لم يجسر أحد على الابتعاد لحظة واحدة عن القافلة بدون سلاح .. حتى عند الذهاب لقضاء الحاجة الطبيعية! ..

ينتابني الضحك و أنا أتصور نفسي قاعدا و بيدي البندقية و هي معدة للإطلاق! و بعد مسيرة سبعة أيام على هذا الحال من المشقة و الأخطار وصلنا يوم الأربعاء 19 تشرين الأول إلى ساحل نهر دجلة الشهير و هو بلا ريب أكبر من الفرات لكنه لم يكن في ذلك المكان سريع الجريان كما هو مشهور عنه، لا بل كان الفرات أسرع جريانا في تلك المنطقة؛ و لإعطاء فكرة عن النهرين أقول؛ إن الفرات أعرض من نهر «التيبر» (1)، و دجلة أعرض من الفرات و يلتقي النهران بقرب البصرة فيدعى النهر المتكون من التقائهما باسم «شط العرب».

سرنا بمحاذاة جانب دجلة الغربي كما كنا نصنع و نحن عند الفرات و شاهدنا في هذا المكان آثار خطوات الأسود (2) إذ هي كثيرة في تلك البقاع، و لا تختلف الأرض هناك عما رأينا في القسم الذي قطعناه سابقا.

الكاظمية

وصلنا بعد الظهر إلى مكان يدعى «الإمام موسى» [الكاظم‏] و هو مزار يكرمه المسلمون و تكثر النساء خاصة من زيارته يوم الجمعة، و يأتيه المؤمنون من بغداد، و هو يبعد عن المدينة المذكورة مسيرة ساعة، كما يقصده الزوار من بلاد بعيدة خاصة من إيران لأنه يضم ضريح الإمام المذكور.

توقفنا عند هذه البلدة منتظرين رجال المكوس و أمضينا ليلتنا هناك فأقبل رجال الحكومة ليستوفوا الرسوم من القافلة لكنهم لم يجدوا فيها ما يجديهم‏

____________

(1) نهر معروف يمر بمدينة روما.

(2) كانت الأسود كثيرة في العراق كما يظهر في المنحوتات الأشورية القديمة و قد بقيت إلى القرون الأخيرة فنوّه بها رحالون عديدون أمثال تافرنييه و سبستياني (القرن 17) و صاحبنا. أما الآن فلا نسمع بوجودها.

39

نفعا، لأن التجار المحتالين كانوا قد هربوا النقود إلى مدينة بغداد أثناء الليلة السابقة و قسما كبيرا من الأموال داخل أحمال من الحشيش و القصب و ما شاكل ذلك فوصل إلى المدينة، و لم يتركوا إلا شيئا يسيرا لإبعاد الشبهات عنهم لأنهم كانوا من التجار المعروفين بالغنى.

حدث لنا في هذا المكان أمر طريف فإننا حين ألفينا أنفسنا قريبين من المدينة و محاطين بعسكريين كثيرين أتوا مع رجال المكوس لاستيفاء الرسوم ظننا أننا في أمان فتركنا خيامنا مفتوحة الأطراف و استسلمنا لنعاس لذيذ، فانتهز الفرصة بعض اللصوص و دخلوا خيام المسافرين، و راق لهم زيارة خيمتي أيضا فأخذوا كيس ثيابي و لم أشعر بهم إلا في الصباح. و علمت حينئذ أن مسافرا إيطاليّا آخر سرقت بندقيته من تحت رأسه و فرحت لأنهم أبقوا لي صندوق كتبي و أوراقي و هو كنزي الصغير العزيز، فحمدت اللّه على هذه المنة و إلا لكنت وقعت في حيرة و فقدت صبري. لقد كان الصندوق إلى جانب الألبسة و لحسن حظي لم يأخذوه رغم شكله و طريقة ربطه إذ يدلان على أنه كنز ثمين.

في اليوم التالي المصادف 20 تشرين الأول عند الظهر تركنا منطقة «الإمام موسى» و سرنا باتجاه بغداد و نزلت في دار أعدت لي، و لم تكن الدار في جانب بين النهرين (يريد الكرخ) بل في الجانب الآخر و هو القسم الأكبر من بغداد و الأكثر أهمية فأخذنا نصيبنا من الراحة بعد ذلك السفر الشاق للغاية (1).

____________

(1) إلى هنا تتوقف الترجمة العربية للرحلة في «نشرة الأحد».

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

بغداد سنة 1616 م‏

لا بأس أن أبدأ الآن بالتحدث عن هذه المدينة التي مكثت فيها فترة طويلة و اطلعت عليها جيدا فزرت معالمها و طفت بضواحيها.

ملاحظتي الأولى أوجهها إلى الذين يخلطون بين بابل القديمة و بغداد و يظنون أنهما شي‏ء واحد كما يعتقد العوام. إن بابل القديمة كما ذكر الأقدمون تقع على الفرات و ليست على دجلة حيث تقوم بغداد.

الملاحظة الثانية ان بناء بغداد و طراز عمارتها و الكتابات العربية التي تقرأ في مواضع عديدة (1) منها محفورة و منها بارزة تدل على أنها مدينة حديثة و هي من بناء العرب المسلمين دون أدنى شك يؤكد ذلك ما جاء من أخبار عنها في كتب تاريخهم.

و لعل سبب اعتقاد البعض أن بغداد هي بابل هو وجود كميات كبيرة من الآجر بحالة جيدة يعود بالأصل إلى بابل القديمة و من بنايات كثيرة كانت قائمة و قد زالت معظم معالمها و لم يبق إلا بعض الآثار و الجدران و الحقيقة أنه لو حفر في أي موضع فيها و لمساحات كبيرة لعثر على كميات وافرة من الآجر الجيد و الأسوار القديمة. من هنا تولدت القصة التي يرددها المسلمون إلى اليوم فيقولون إن البلاد كانت عامرة من بغداد إلى البصرة دون انقطاع، فحدث ان ديكا فرّ من بغداد فعثر عليه في البصرة التي تبعد عن الأولى مسيرة 12 يوما و كان يقفز فوق السطوح من بيت إلى آخر حتى وصل إلى البصرة التي تقع على الخليج!!

____________

(1) نوه بوجود الكتابات لكنه مع الأسف لم ينقلها إلينا ليته فعل.

42

من جهة أخرى ظن البعض أن بغداد هي سلوقية أو طيسفون نظرا لوجود الآثار الكثيرة في البلاد، و القناة التي تبدأ من الفرات لتصب في دجلة عند بغداد (1) و قد توهم هؤلاء أيضا لأن سلوقية و طيسفون حسب رأيي الذي يستند على معلومات أكيدة كانتا في موضع آخر كما سأوضح ذلك عن قريب في وصف آثارهما الباقية.

يطلق الجميع- من عرب و أتراك و فرس- على المدينة اسم بغداد، إلا الجهلة فقد دعوها بغدات و هذا خطأ واضح؛ أما العوام في أوساطنا فقد سموها بابل كما أسلفنا.

كانت بغداد قاعدة الخلفاء. ذكرها ماركو بولو البندقي‏ (2) و هايتون الأرمني‏ (3) لكنهما شوها لفظ اسمها فقالا «بلداك» و حورها شاعرنا بترارك‏ (4) إلى «بلداكو».

و تقوم المدينة كما أسلفت على نهر دجلة و تقسم إلى قسمين: الأول على ضفة النهر الغربية أي من جهة بين النهرين و هو غير مسور، أما الشطر الأكبر فيقع على ضفة النهر الشرقية و يحيط به سور.

بناء بغداد في كلا الطرفين من الطابوق القديم الجيد المشيد بدون ملاط و لكن بالطين كعادة الأتراك. لذا فعمارات المدينة ضعيفة لا تقاوم تأثيرات الزمن. و أكثر البيوت واطئة تكاد تكون بمستوى الطرقات أو أوطأ منها، و قد عمد القوم إلى هذه الطريقة في البناء تفاديا للحر الشديد خلال فصل الصيف، و للسبب عينه جعلوا غرف البيوت مظلمة فلم يضعوا فيها نوافذ بل اكتفوا بكوة صغيرة في كل غرفة. أما الهواء الطلق فلا يوجد إلا في الأفنية و في غرف‏

____________

(1) أظن أنه يشير إلى نهر عيسى.

(2) سائح إيطالي (1254- 1323) رحل إلى الشرق و وجهته الصين و قد مر بالعراق له كتاب روى فيه أخبار رحلته و هي منشورة.

(3) لم أجد ذكرا لهذا الكاتب في المراجع المتيسرة لديّ.

(4) شاعر إيطالي واسع الثقافة (1304- 1374) يعد أبا الشعراء الإيطاليين.

43

الديوان و هي الغرف المفتوحة على شاكلة الغرف الاسطنبولية. تتألف معظم البيوت من طابق واحد هو الطابق الأرضي و قد يكون في بعضها مرقاة في الفناء أو غرفة في طابق علوي لكنها ليست للسكنى. لهم في بيوتهم غرف تحتانية هي السراديب حيث يمضي أهل الدار في فصل الصيف معظم ساعات النهار.

في المدينة جوامع عديدة مشيدة على طراز خاص بها، أما القصور فلا وجود لها.

يسكن الوالي في القلعة و هي بناء، كبير جدا يقع في نهاية المدينة عند السور و تطل القلعة على النهر من جهته الشرقية و هي قلعة مكينة بالنسبة لهذه البلاد لكنها- حسب رأيي- لا تصمد للهجمات النارية في حالة نشوب حرب بمعناها الصحيح.

هناك أسواق تجارية عامرة، و هي مغطاة كعادة معظم المدن التركية بعضها حسنة البناء تجد فيها بضائع كثيرة خاصة الأقمشة الحريرية لأنها تصنع في البلاد نفسها، و هي للاستعمال المحلي لكني لم أجد في هذه الأسواق شيئا غريبا جديرا بالإعجاب.

تجد داخل أسوار المدينة مساحات كبيرة من الأراضي غير المشيدة، و تنتشر البساتين بين البيوت و فيها أشجار مختلفة كالنخيل و الرمان الجيد الكبير الحجم و الليمون. كما يزرعون في بساتينهم الفجل و بعض الخضروات الأخرى. و يعتني بعضهم بزراعة نباتات غريبة و يعتزون بأشياء لا نهتم بها نحن كالأفيون و بعض النباتات المخدرة الأخرى (كذا!).

أرض المدينة مستوية فإذا لم تفلح و تسقى و يعتنى بها فهي لا تختلف عن أرض الصحراء، أما إذا أهملت فترة فإنها تنبت في الحال نباتات برية كالخروب و غيره.

إن الأهالي يتعبون كثيرا بطريقة سحب الماء من النهر لأنهم لم يعرفوا طريقة الدواليب الكبيرة (النواعير) التي يعمل بها الفلاحون المصريون،

44

فطريقتهم البدائية تتطلب عددا من الحيوانات و جهدا كبيرا (1).

هواء المدينة نقي لكنه حار، فتصور يا سيدي اننا الآن في شهر كانون الأول و لا يزال عدد كبير من الأهالي ينام في غرف الديوان المفتوحة.

في هذا الموسم نجد هنا البطيخ الفاخر لكنه ليس من إنتاج بغداد بل يجلب من الموصل القريبة من نينوى يحمل فوق نهر دجلة مع بضائع كثيرة على أرماث ليست من الخشب كالقوارب لكنها تصنع من مجموعة من الأحطاب المربوطة إلى بعضها فوق أجربة منفوخة بالهواء يطلق عليها اسم الكلك و مزية الزقاق أي الأجرية أنها تطوف فوق المياه مهما كانت ضحلة و لا تنكسر الأحطاب إذا ارتطمت بمواضع صخرية في النهر بعكس الأخشاب و استعمال الأكلاك في دجلة منتشر جدا شمال بغداد، و هي تحمل بضائع مختلفة غالية القيمة قد يبلغ ثمنها أكثر من مئة ألف سكودو (2) علاوة على المسافرين، لكن الأكلاك لا تسير عكس التيار لذا فبعد ان تصل إلى بغداد تحل الأجربة و تعاد إلى الموصل عن طريق البر أو تباع في السوق لتستعمل في أغراض أخرى مختلفة.

لقد ذكر «زينوفون» (3) في تاريخه أن جنديا من رودس اقترح على قائده استعمال الزقاق أو الأجربة المربوطة ربطا محكما إلى بعضها و شد الأحطاب عليها لعبور جماعته فوق دجلة، فراقت الفكرة في عيني قائد الحملة لكنه لم يطبقها لأسباب حالت دون ذلك. كما ورد ذكر الأكلاك في مؤلفات الأقدمين ..

يمر نهر دجلة بالمدينة فيشطرها إلى شطرين كما ألمحت، و يقوم على النهر جسر واحد مكوّن من مجموعة من القوارب العريضة يبلغ عددها 29- 30 قاربا، و عند ما يرتفع مستوى الماء فإنهم يضيفون عددا من القوارب.

____________

(1) المعروف أن واسطة الري عند أهل بغداد كانت الكرود (جمع كرد) و كانت كثيرة منتشرة في مختلف أطراف بغداد على نهر دجلة انظر: كاظم سعد الدين: الكرود، مجلة التراث الشعبي 10 (1979) عدد 11 ص 89.

(2) تعني لفظة سكودو في الأصل الترس و قد أطلقت على الدينار الذي فيه صورة الترس منذ عهد الرومان انظر: الكرملي: النقود ص 148.

(3) انظر مجلة المورد 4 (1975) 2: ص 148؛ حملة العشرة آلاف ص 165.

45

و توجد مسافة بقدر عرض القارب الواحد تفصل بين قارب و آخر لكن الجسر مربوط ربطا محكما بسلسلة حديد. فالجسر ثابت و في موضعين أو ثلاثة منه توجد أقسام متحركة غايتها قطع الجسر في الليل ليتوقف العبور بين الضفتين كعمل وقائي ضد الشائعات المنتشرة عن قرب هجوم الفرس من جهة، و الأعراب من الجهة الأخرى. فكم من دواه تتمخض عنها الليالي!

أما القسم الآخر من بغداد فلا سور له (يعني الكرخ) لذا فإن قطع الجسر في الليل يؤمن لأهالي ذلك القسم الاطمئنان. و في وسط الجسر فتحة غايتها تقسيم الجسر إلى قسمين و سحبه عند الحاجة بحيث لا يبقى له أثر؛ و هذا ما يحدث عند هبوب العواصف الهوجاء أو عند ارتفاع منسوب المياه خوفا من انجرافه مع التيار فالفيضانات تتكرر في هذه البلاد كما تحدث في مصر. و قد شقوا بعض الترع لنقل المياه إلى الأراضي المجاورة لأن الأمطار قليلة في تلك النواحي.

يحدث الفيضان مرة واحدة في السنة في شهر آب كما في مصر (1).

و ذلك لذوبان الثلوج في الجبال. هذه الفيضانات الجارفة هي في رأيي السبب المباشر الذي حال دون إقامة جسور حجرية ثابتة على نهري دجلة و الفرات، لأنها بغزارتها تغمر الجسور، و بقوتها تجرفها أحيانا. و لهذا يكتفي القوم في بغداد و في غيرها من المدن بهذا النوع من الجسور المتحركة.

سكان بغداد مسلمون من مختلف الميول لذا يتوجب على واليها أن يحكم باعتدال كبير. و للباشا مجموعة من العساكر من أهل البلاد يسوسها بالعقل أكثر مما بالقوة.

هناك أمور عديدة لن أكتبها الآن و سأحدثك عنها فيما بعد.

لم أجد في بغداد أبنية جديرة بالاهتمام ..

[يروي السائح في الصفحات 374- 376 حادثا مشؤوما و هو الخلاف بين اثنين من رجاله أدى إلى مقتل أحدهما في 11 تشرين الثاني فاستطاع‏

____________

(1) كلامه غريب، لأن الفيضان يحدث عندنا اعتياديا في آذار أو نيسان، لكننا نقلناه كما هو.

46

صاحبنا ان يتلافى الأمر بالرشوة و بمساعدة جندي تركي أن يهرّب القاتل إلى أوروبا و أن يتخلص من جثة القتيل برميها في دجلة].

لم يكن في بغداد كنائس، و حيث وجدت في البلاد التركية كان محرما دفن الأموات فيها، فدفن الأموات داخل المدن كان ممنوعا إلا لذوي الشأن، و كانت مقابر المسلمين في ضواحي المدينة كما كان للنصارى مقابرهم الخاصة حسب طوائفهم و طقوسهم. لأن المسيحيين و فدوا إلى بغداد منذ سنوات قليلة هربا من الحروب و القلاقل في البلاد الأخرى، و لا توجد حتى الآن كنيسة خاصة بهم و لا يسمح لهم بإقامة الشعائر الدينية لذلك فعند ما يريدون إقامة القداس يجتمعون سرا في بيت خصص لهذه الغاية و يقام القداس حسبما فهمت من دون مذبح خوفا من السلطات التركية أن تعثر عليه فتكون العاقبة و خيمة، و عوضا عنه يبسط أحد الكهنة أو الشمامسة يديه فتغطيان بقماش نظيف يقوم مقام المذبح‏ (1).

____________

(1) هذه الفقرة مقتبسة من رسالة أخرى بعثها في وقت لا حق أدخلتها هنا لعلاقتها ببغداد ..

و أضيف: كان في بغداد كنائس عامرة في العهد العباسي، مثل بيعة درتا و بيعة السيدة في درب دينار أو سوق الثلاثاء و بيعة مار توما في المحول و بيعة دار الروم و غيرها لكنها زالت تدريجيا منها بسبب الفيضانات العاتية المستمرة، و منها بفعل عوامل الزمن أو لأسباب أخرى لا مجال هنا لذكرها فمن شاء فليرجع إلى كتابنا:

كنائس بغداد و دياراتها؛ بغداد 1994؛ كما أن المسيحيين الذين كانوا يسكنون بغداد بأعداد معقولة و يمارسون مختلف الأعمال كما يذكر ذلك المؤرخون، و كما يشير إلى ذلك الجاحظ في رسالته الموسومة «الرد على النصارى» فإنهم رحلوا عنها تدريجيا بسبب الحروب و الفتن في نهاية العهد المغولي بحثا عن أماكن آمنة في شمالي العراق و زال وجودهم في زمن الاحتلال الصفوي، و لم يعودوا إلى بغداد إلا في مطلع القرن السابع عشر. أما الكنائس القائمة اليوم في أرجاء بغداد فأقدمها يرجع إلى القرن 19 إذ شيدت في منطقة الشورجة حتى عرفت باسم «عقد النصارى»، و الكنائس الأخرى شيدت في النصف الثاني من القرن 20.

الأب بطرس حداد: كنائس بغداد و دياراتها، ص 139- 140؛ و مقالنا: السائح العاشق، مجلة بين النهرين 6 (2000) ص 528- 532

47

رحلة إلى بابل‏

منذ أيام و أنا أشتاق للخروج و السفر إلى بابل، الواقعة على الفرات مسيرة يومين عن بغداد حيث كان برج نمرود و الآثار الكثيرة التي قيل لي إنها لا تزال تشاهد هناك. لكني لم أذهب لأنه كانت قد انتشرت في تلك النواحي أخبار قطع الطرق و القتل من قبل الأعراب التابعين «لمبارك» (1).

يحكم مبارك حكما مطلقا في المناطق الواقعة ما بين بغداد و بادية العرب حتى الخليج و لا يخضع للسلطان العثماني بل يميل بالأحرى إلى الفرس لأنه أقرب إليهم و يرهب شوكتهم، و لأنه يجري في أراضيه نهر ينبع من الأراضي الفارسية يخاف أن يقطعوه عنه و بالرغم من أن اسمه «مبارك» و لقبه سلطان أي الأمير الحر لكنه عند ما يسك نقوده الخاصة فإنه يضع شعار الشاه عليها إلى جانب شعاره و يفعل ذلك- حسب اعتقادي- تقربا لا إكراها.

الحرب بين الفرس و العثمانيين و شيكة الوقوع الآن، و علاقات مبارك مع ولاة بغداد ليس على ما يرام، لذا نراه يحاول نشر الرعب في البلاد و يعيث في الأرض فسادا. و يستعد والي بغداد (2) هذه الأيام للخروج على رأس حملة قوامها سبعة آلاف جندي و لا تعرف إلى اليوم غاية الحملة و وجهتها، أهي ضد الفرس المجاورين أم لتأديب مبارك. ففي الأشهر الماضية كان قد أرسل أحد ابنائه ليحكم البصرة فكسر شوكة الأتراك.

____________

(1) هو المولى مبارك بين عبد المطلب من أبرز المشعشعين الحاكمين آنذاك في منطقة الحويزة العربية راجع الملحق (2).

(2) هو الوالي يوسف باشا (1616- 1621 م).

48

لهذه الأسباب لم أذهب إلى بابل في تلك الأيام، إذ كان عليّ أن أجد ما لا يقل عن مئة اعرابي لمرافقتي، و لم يرق لي الخروج بحماية جنود انكشاريين. ثم بلغني فيما بعد أن شيئا من الهدوء قد عمّ تلك الجهات فقررت السفر.

غادرت بغداد في التاسع عشر من تشرين الثاني (1616) مصطحبا خمسة من حملة البنادق الماهرين بالرمي و هم: السيد السندري البندقي و الرسام و ابراهيم الحلبي مع جنديين من أتباع صديقي التركي. و رافقنا ثلاثة من الجمالين الماهرين برمي النبال من الأقواس مع مختلف أنواع الأسلحة الأخرى.

لم أشأ سلوك الطريق القصير المباشر عبر البادية بل حبا بالأمان توجهت إلى أقرب نقطة من الفرات لأسير بمحاذاته و أكون قريبا من الأماكن المأهولة فأنتقل من قرية إلى أخرى و كان معي بالإضافة إلى الجياد ثلاثة جمال لحمل الخيام و الأفرشة و المؤونة و محفة فيها سيدة نبيلة طاب لها المجي‏ء معي و لم تبال بأخطار الطريق و لم أشأ تركها وحيدة في المدينة و سأتكلم عنها فيما بعد.

رافقنا كذلك ثلاثة من المكارين يحملون الأقواس و مختلف أنواع الأسلحة و أمضينا الليلة الأولى في قرية صديقي المسلم حيث استقبلنا رجاله.

في اليوم التالي مررنا بقرية «الرضوانية» ثم قضينا ليلتنا في قرية أخرى غير مسورة و بيوتها متناثرة لكنا كبيرة تستحق أن تسمى بلدة. جدير بالذكر أنه في البلاد التركية يطلق اسم قرية على كل المواقع التي ليست مدنا فإذا قرأت- يا سيدي- أسماء كثيرة في رسالتي فلا تعتقد بأنها كلها قرى صغيرة قليلة السكان لأن بعضها- في الواقع- واسعة مأهولة بعدد كبير من الناس و عامرة بالبضائع رغم أن بيوتها الحقيرة مشيدة باللبن و أشبه ما تكون بالأكواخ.

تعود هذه القرية الكبيرة إلى «محمود باشا» الذي تسنم ولاية بغداد مرتين‏ (1) فانتهز الفرصة و كون لنفسه أملاكا كثيرة لذا لقبوه باسم «جيكال‏

____________

(1) لونكريك: أربعة قرون، ص 53؛ و في «دليل خارطة بغداد» للاستاذين د. مصطفى‏

49

أوغلي» أي ابن الصرصور (1) و هو ابن ذلك الصرصور اللعين الذي كان قبطان البحر. و تسمى هذه البلدة «المحمودية» نسبة إلى محمود باشا؛ و يفضل البعض تسميتها «الجديدة» لحداثة بنائها (2).

مررنا في اليوم الثالث بقرية خربة اسمها «زوبية»(Zeobia) و بعد منتصف النهار وصلنا إلى نهر الفرات فأخذنا نسير بمحاذاته هناك ظهرت أمامنا جماعة من المسلمين بالبنادق و الأقواس و غير ذلك كانوا نحو ثمانية أشخاص أو عشرة و كانوا ممتطين صهوات جيادهم و إذا بهم يتجهون صوبنا فتهيأنا للقتال إذ ليس من الفطنة في هذه النواحي الانتظار للتحقق من غاية القادمين، فأشعلنا فتائل البندقيات و جمعنا العباءات و العمائم الكبيرة و غير ذلك من الألبسة الفضفاضة فوضعناها تحت أنظار السيدة المرافقة لنا التي أظهرت روحا قتالية عالية أعجبتني كثيرا فهي لم تخف البتة بل وقفت تراقبنا عند المحنة دون رهبة. أما الحيوانات فقد جمعت وراءنا و اصطف حملة البنادق و استعد أصحاب الأقواس أمامهم و هكذا تحركنا لمناجزة القادمين. فلما اقتربنا قليلا جرى حوار بيننا فعلمنا أنهم جنود من بغداد فزال الغضب و التحفز و تبادلنا أطراف الحديث و استمعنا إلى آخر الأنباء ثم قالوا إنهم اعتقدوا أننا من أتباع مبارك حين رؤيتهم ألبسة الرسام و جمال القافلة لأن أولئك يسافرون دائما على الجمال. ثم افترقنا فسارت كل جماعة في طريقها. و أمضينا تلك الليلة في خان عند النهر يدعى «خان المسيب» كان بناؤه جيدا و له جدران عالية أشبه بالقلعة و قد شيد في وسط البادية لراحة المسافرين فهو مكان أمين.

____________

جواد و د. أحمد سوسه: ذكر توليه مرة واحدة ص 288؛ و لم يرد اسمه في كتاب «بغداد مدينة السلام» لكوك، ترجمة د. مصطفى جواد و فؤاد جميل 2: 246 (انظر الملحق 3 من هذا الكتاب).

(1) جيكال تعني: زيز، جدجد، صرار الليل و هو على شاكلة الصرصور يقف على الأشجار في ليالي الصيف و يصدر صوتا خاصا: دوزي: تكملة المعاجم العربية نقله إلى العربية و علق عليه د. محمد سليم النعيمي 5: 399.

(2) العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين 4: 163.

50

معاني تحرس ألبسة الرجال أثناء المعركة لا يعطى المسافر في الخان إلا غرفة خالية، و قد لا يعثر على غرفة فتبقى أمام المسافر أروقة الخان لا غير، المهم أنه تحت سقف. و لا يدفع المسافرون‏

51

أجرة لقاء النزول في الخان لأنه شيد من قبل الحكام لراحة المسافرين، أو حبا للخير و لوجه اللّه من قبل بعض الأفراد. أما خانات المدينة و هي كثيرة فإنها تستوفي أجرا بسيطا و يعطى في بعضها للبواب شي‏ء يسير عند تسليمه مفتاح الغرفة. و على المسافر النازل في الخان أن يجهز نفسه للطعام و الأفرشة و غير ذلك إذ لا وجود للمطاعم في تلك البلاد، و لا أعلم سببا لذلك. لكني أعتقد أن الناس في هذه الأطراف يقنعون بالقليل و المسافرون هم عادة فقراء يكتفون بالخبز و التمر و ما شابه ذلك و يفترشون الأرض و يلتحفون بألبستهم نفسها أما المسافرون الأغنياء فإنهم يعدون «البلاو» (1) و هو الرز و يضيفون إليه اللحم إذا أمكنهم الحصول عليه فإن لم يجدوه أضافوا قليلا من السمن إليه و زيادة إلى ذلك يشربون القهوة و يدخنون التبغ‏ (2) و يحملون فراشا بسيطا و بعض الأواني للطبخ و خيمة و يشدون كل ذلك على حمار صغير يسير أمامهم فهم يختلفون عنا نحن الإفرنج إذ أننا ننشد الراحة في الأسفار و الفراش الوثير و الألبسة المتنوعة و يطيب لنا أكل الدجاج و البيض و الفواكه لدى توفرها رغم أن هذه الأمتعة الكثيرة تتطلب مزيدا من الدواب لحملها. و عند النزول في مكان ما أرسل بعض رجالي إلى القرى المجاورة للبحث عن الطعام و ما أشبه و الحياة رخيصة جدا فمبلغ يسير يكفي لحياة رغيدة. لقد استهوتني هذه الحياة و العيش في الخيام فهي أفضل بكثير من تناول الطعام في مطاعمنا حيث يقوم على الخدمة أناس قذرون يقدمون الأكل في آنية و سخة تتقزز منها النفس، أما طبخهم و فراشهم فاللّه وحده يعرف حالتها، و أما صياح المكارين عندنا و صراخ المسافرين فيجعلون النوم مستحيلا و رهين إرادة الآخرين كما أن التكاليف عندنا أكثر بكثير مما هي عليه في هذه البلاد.

دعنا من هذا الكلام و لنعد إلى موضوع رحلتنا ففي اليوم التالي غادرنا «خان المسيب» منذ الصباح الباكر و عند منتصف النهار رأينا من بعيد عن يسارنا

____________

(1) هو الرز المطبوخ و لا يزال بعض المتقدمين في السن يستعملون هذه اللفظة.

(2) هذا أقدم ذكر لاستعمال التبغ في العراق انظر: يعقوب سركيس: مباحث عراقية 2: 145.

52

من مناظر الرحلة بلدة فيها مسجد يقال له «أبو القاسم» فهو مدفون هناك و لذا يحظى المكان بإكرام المسلمين و هو من أقارب علي و سمي الموضع باسمه.

53

ثم عرجنا على خان للنزول فيه و يقع قرب قلعة مهملة تسمى «خان البير» في اليوم التالي و هو 23 تشرين الثاني رحلنا مع الفجر فوصلنا إلى خرائب بابل قبل منتصف النهار بساعة فنصبنا الخيام و جلسنا لتناول الغداء بهدوء قبل زيارة الأطلال.

وصف آثار بابل‏

تجولت بين الآثار و طفت بها من مختلف أطرافها، و صعدت فوق أعلى موقع، و دخلت في كل مكان و نظرت كل شي‏ء و أعدت النظر. و هذه هي انطباعاتي عن مشاهداتي:

في وسط سهل واسع جدا على بعد نصف ميل من الفرات الذي يجري غربا في ذلك الموضع نرى إلى اليوم فوق سطح الأرض بقايا بناء عظيم آل إلى الخراب يكوّن مجموعة هائلة، لا يظهر أكان هكذا منذ الأول كما أظن شخصيا أم أن الخراب جعله هكذا فبان بصورة تل. مهما يكن فهو لا يشير إلى شي‏ء.

إنه مربع الشكل له مظهر البرج أو الهرم، أوجهه تقابل جهات الأرض الأربع.

و يبدو لي أن القسم الممتد من الشمال إلى الجنوب هو أطول قليلا من القسم الآخر الممتد من الشرق إلى الغرب، و لعل الخراب فعل ذلك. يبلغ طول محيطه الكلي نحو ألف و خمسمائة خطوة تقريبا أي ما يقارب النصف ميل.

إن هذا القياس إضافة إلى الموقع و شكل البناء يتفق مع ما كتبه «سترابون» في وصف الهرم المشيد على ضريح «بيلوس» و مع ما ورد في الكتاب المقدس‏ (1) باسم «أرض نمرود» في بلاد بابل كما يطلق عليها إلى الآن.

كيف كان هذا البناء الجميل في وقته؟

إن هيرودوتس‏ (2) الكاتب و المؤرخ القديم يصفه بدقة فيقول، إن البناء

____________

(1) يعتمد صاحبنا في كثير من أخباره على التوراة، و هنا ينوه بما جاء في سفر التكوين 10 و 11.

(2) مؤرخ يوناني شهير (نحو 480- 425 ق. م) يلقب بأبي التاريخ.

54

كان فيه ثمانية أبراج الواحد فوق الآخر و هو بناء متراص تحيط به مرقاة خارجية للصعود (1).

أما «سترابون» فإنه لا يذكر المرقاة، و لا يتوقف لوصف جمال البناء لأنه يضيف بأن البناء قد خرب قبل عهد «أحشويرش» (2) و لما قدم «الإسكندر الكبير» (3) قرر إعادة البناء لكن موته المفاجى‏ء حال دون تحقيق رغبته‏ (4).

يلاحظ أن تلول الخرائب الظاهرة حاليا لا تقدم أية إشارة إلى بناء سابق أو مدينة كبيرة كانت قائمة، كل ما هنا لك بعض الأسس و الجدران المائلة التي تشاهد على بعد خمسين أو ستين خطوة من التل. أما البقية فهي أرض مستوية و لا توجد بقايا أبنية فوق الأرض ما عدا التل الكبير، بالرغم من أننا نعرف كم كانت عظيمة أبنية بابل ... مهما يكن فهذا تأثير الزمن الذي يخرب كل شي‏ء.

فقد مضى على بناء المدينة أربعة آلاف سنة أو أقل من ذلك قليلا. و ما يظهر الآن على قلّته أدهشني فعلا. ألم يذكر «ديودورس الصقلي» و هو مؤرخ قديم أن الآثار الماثلة على عهده كانت نزرة جدا؟

إن ارتفاع التل الأثري عن سطح الأرض يختلف هنا و هناك لكنه أعلى من أي قصر من قصور نابولي و ليس له شكل محدد خاص لأنه خراب ففيه قسم مرتفع و آخر بالعكس و فيه قسم منحدر و آخر منبسط و بالإمكان الصعود إليه.

كما تظهر عليه آثار انحدار مياه الأمطار، و لا أثر فيه لمرقاة للصعود أو باب للدخول، و إذا ما تسلقت إليه تجد بعض الكهوف المنهارة التي لا تفصح على أصلها و هي حسب اعتقادي تختلف عما كانت عليه بالأصل و لعل هذه المغارات من عمل أهل البادية حفروها للالتجاء إليها، و بالرغم من أن البدو يهابون المكان و لا يقتربون منه لاعتقادهم بوجود «هاروت و ماروت» فيه‏ (5)، و هذان- في‏

____________

(1) انظر الوصف في كتاب «مقدمة في تاريخ الحضارة القديمة» تأليف طه باقر، ص 570.

(2) ملك الفرس (485- 465 ق. م) ابن داريوس.

(3) الاسكندر المقدوني (356- 323 ق. م) من أشهر القادة و الفاتحين.

(4) قدم الاسكندر إلى بابل سنة 331 ق. م.

(5) سورة البقرة 102.