عدة الإنابة في أماكن الإجابة

- عبد الله بن إبراهيم ميرغني المزيد...
318 /
5

تقديم بين يدي الكتاب‏

للدكتور/ عبد اللطيف الصباغ‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

أحمد اللّه تعالى و أثني عليه الخير، كله و أصلي و أسلم على سيدنا محمد معلم الناس الخير، و الأمين على وحي ربّه، الذي أرسله رحمة للعالمين، و بعد:

فقد رغب إلي أخي و صديقي و زميلي العزيز الأستاذ الباحث المحقق الدكتور عبد اللّه نذير أحمد مزي، حفظه اللّه تعالى، أن أكتب كلمة مختصرة بين يدي هذا الكتاب- (كتاب عدة الإنابة في أماكن الإجابة) للعارف الفقيه السيد عبد اللّه بن إبراهيم مرغني الحسني المكي الحنفي الملقب بالمحجوب (ت 1207 ه)، الذي قام بتحقيقه و نشره في هذا الإصدار، إحياء لأثره و التماسا لإرشاد الناس إلى تعظيم شعائر اللّه سبحانه و تعالى، و الدلالة عليها في بلاد الحرمين الشريفين حماهما اللّه و حرسهما و أعلى منارهما في الخافقين.

و الكتاب يعتبر سجلا حافلا لمواطن إجابة الدعاء، و تحصيل فضيلة الذكر، و ثواب العبادة في هذه المشاعر الشريفة، في الحرم المعظم و ما حوله، و يبدو لقارئ الكتاب أن مؤلفه، (يرحمه اللّه تعالى)، فقيه حنفي متمكن، و مطلع على مذاهب الفقه الأخرى، لكن مشربه مشرب صوفي منضبط إلى حد ما بهدي السلف الصالح، و قواعد المنهج السلفي المعتدل! و هذا يظهر في بعض تعليقاته و تعقيباته.

6

و من المعلوم أن تحديد مواطن إجابة الدعاء أمر توقيفي، لا يصح و لا يقبل إلا بالأدلة الشرعية المعتبرة من: قرآن، و سنة و أثر نبوي صحيح، و لا يجوز أن يترك للظنون، و الاجتهادات، و الحكايات، و التجارب.

و لقد توسع المؤلف (رحمه اللّه تعالى) في سوق كثير من الأحاديث الضعيفة، ميلا مع القاعدة الحديثية التي ترجح الأخذ بالضعيف من الأحاديث في فضائل الأعمال، كما توسع في الاعتماد على مقصد التبرك، و تحصل البركة و الثواب، في ترجيح بعض التعيينات، و تحديد بعض الأماكن و الأوقات.

و الحق أن مواطن إجابة الدعاء، و أوقاتها، من الأمور الشرعية التي لا يجوز التساهل فيها، و التوسع فيها؛ لأن ذلك يؤدي إلى ركام من الأخبار و الممارسات البدعية، التي تشكل حجابا للدين العتيق، و العبادة المأثورة الخالصة، فلا يجوز إثباتها إلا بنص قرآني، أو حديث نبوي صحيح، أو أثر موقوف صحيح، له حكم الحديث المرفوع، و التساهل في ذلك، و لو عن حسن نية و سلامة قصد، مظنة التزيد في الدين بما لم يأذن به اللّه تعالى، و تعظيم شعائر اللّه تعالى يتجلى في الإتباع، و ترك الغلو و الابتداع، بل إنه «يتنافى مع الغلو في أداء المناسك بل هو نقيض، و هذا الغلو يظهر في التشدد و في مجاوزة الحد فيها و في البحث عن غوامضها، و التنطع في تطبيقها»، و كم حمدت لأخي الدكتور عبد اللّه تعليقاته في الهوامش على بعض البدع و التجاوزات بعلمه الواسع، و صدقه العميق في إتباع الكتاب و السنة، و كم كانت تلك التعليقات سديدة و موفقة، فجزاه اللّه خيرا و ثبته بالقول الثابت على الحق.

على أن الكتاب يبقى ذا فائدة لا شك فيها، و متعة للباحثين عن المشاعر، و المواطن الشريفة، و الآثار النبوية، و آثار الصحابة و التابعين، و أهل العلم و الصلاح، و هو يمثل ثقافة الحج الشائعة في عصر المؤلف (رحمه اللّه تعالى)،

7

و هو القرن الثاني عشر الهجري، كما يمثل معارف ذلك العصر و أحواله، و عاداته الإجتماعية.

أما أخي الدكتور عبد اللّه نذير أحمد مزي، فله مني خالص المحبة و التقدير، و هو لا يزال يحسن الظن بي رغم قصوري و ضعفي، غفر اللّه لي و له، و إني بهذه المناسبة أحب أن أعبر له و للإخوة القراء عن اهتمامي الكبير بأعماله العلمية المتتابعة، و إعجابي بهمته القسعاء و إرادته القوية، و مثابرته الصبورة و تواضعه الجمّ مع زهد و شكر للّه مولانا المنعم المتفضل الجواد.

العلم رحم بين أهله، و أسأل اللّه تعالى أن يعيننا جميعا على وصل هذه الرحم و تقويتها و إعلاء شأنها، كما أسأله سبحانه أن يعين أخي الباحث المحقق الدكتور عبد اللّه نذير و يديم توفيقه و يسدد فكره و عمله و قلمه، و أن ينفع بعلمه و عمله المسلمين بعامة و طلاب العلم و شداته بخاصة، و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

و صلى اللّه و سلم و بارك على سيدنا و إمامنا و قدوتنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

الفقير إلى رحمة ربه د. عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصبّاغ أستاذ العقيدة و الملل و النحل بقسم الدراسات الإسلامية كلية الآداب- بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

8

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه رب العالمين حمدا يوافي نعمه و يكافئ مزيده، حمدا يليق بجلال وجهه و عظيم سلطانه، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين سيدنا رسول اللّه و على آله و صحبه و من والاه.

و بعد:

فإن الدعاء عبادة للّه تعالى، و هو: «استدعاء العبد ربه عز و جل العناية، و استمداده إياه المعونة.

و حقيقته: إظهار الافتقار إليه، و التبرؤ من الحول و القوة، و هو سمة العبودية، و استشعار الذلة البشرية، و فيه معنى الثناء على اللّه عز و جل، و إضافة الجود و الكرم إليه سبحانه و تعالى.

فشأن الدعاء عظيم، و نفعه كبير لكل إنسان في هذه الحياة، فبالدعاء يستجلب الخير، و به يدرأ الشر و السوء أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: 62]، و بالدعاء يسأل الإنسان مطلبه و مبتغاه من خالقه و بارئه، و به يبلغ مناه في الدنيا و الآخرة: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ (186) [البقرة: 186]، و الدعاء ليس قاصرا على الطلب فقط- كما هو مفهوم العامة- بل إنه يتضمن توحيد اللّه سبحانه و تعالى و إفراده بالعبودية دون ما سواه، و بذل ما

9

يستحقه سبحانه و تعالى من الذل و الافتقار، و الخشوع، و الخضوع من مخلوقاته: وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ [الأعراف: 29]، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً [الأعراف: 55].

و بالجملة فإن الدعاء سبب لجلب كل خير، و دفع كل شرّ في الدنيا و الآخرة.

و قد ورد الكثير في فضائل الدعاء و ثمراته، و أسراره، فلا أطيل بذكرها هاهنا؛ و قد كتبت فيه المطولات و المختصرات.

و الإنسان مجبول بطبعه و فطرته على الطلب و الدعاء من اللّه عز و جل‏ فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ‏ (65) [العنكبوت: 65].

كما أن للدعاء شروطا و آدابا ينبغي توافرها في الداعي لاستجابة دعواته.

و ثمة أوقات و أماكن، و أحوال و أوضاع يستجاب فيها الدعاء- ذكرها المؤلف باختصار في المقدمة-، و كل هذه واردة في الأحاديث و الآثار المشتهرة على ألسنة الناس على اختلاف في مراتب الحديث المشهورة.

فموضوع الكتاب مختص بمواطن و أماكن إجابة الدعاء بمكة المكرمة، و المشاعر المقدسة بحسب ورودها في سنة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و آثار الصحابة و التابعين، و قد ضمّنها المؤلف فوائد و ملاحق من أحكام و أدعية و آثار و نحوها؛ حيث إن الكتاب في أصله شرح «على منظومة الشيخ عبد الملك العصامي»، كما ذكر المؤلف في المقدمة، و المنظومة كما أوردها السيد البكري في إعانة الطالبين بقوله:

10

قد ذكر النقاش في المناسك‏* * * و هو لعمرى عمدة للمناسك‏

أن الدعا في خمسة و عشره‏* * * في مكة يقبل ممن ذكره‏

و هي الطواف مطلقا و الملتزم‏* * * بنصف ليل فهو شرط ملتزم‏

و داخل البيت بوقت العصر* * * بين يدي جذعته فاستقر

و تحت ميزاب له وقت السحر* * * و هكذا خلف المقام المفتخر

و عند بئر زمزم شرب الفحول‏* * * إذا دنت شمس النهار للأفول‏

ثم الصفا، و مروة و المسعى‏* * * لوقت عصر فهو وقت يرعى‏

كذا منى في ليلة البدر إذا* * * ينتصف الليل فخذ ما يحتذى‏

ثم لدى الجمار، و المزدلفة* * * عند طلوع الشمس، ثم عرفة

بموقف عند مغيب الشمس قل‏* * * ثم لدى السدرة ظهرا و كمل‏

و قد روى هذا الذي قد مرّا* * * من غير تقييد بما قد مرّا

بحر العلوم الحسن البصري عن‏* * * خير الورى ذاتا و وصفا و سنن‏

صلى عليه اللّه ثم سلما* * * و آله و الصحب ما غيث هما

و قوله و قد روى هذا الذي الخ قد نظمه بعضهم كذلك و زاد عليه خمسة مواضع- فقال:

دعاء البرايا يستجاب بكعبة* * * و ملتزم الموقفين كذا الحجر

طواف و سعى مروتين و زمزم‏* * * مقام و ميزاب جمارك تعتبر

منى و يماني رؤية البيت حجره‏* * * لدى سدرة عشرون تمت بها غرر

و إذا كان الدعاء عبادة توقيفية، فكذلك أماكن إجابتها، ما لم يطلق، و الأصل فيه الإطلاق.

11

و لئن كان الغالب في تلك الأحاديث الضعف، فإن أنّ الأحاديث الضعيفة مقبولة و يعمل بها في فضائل الأعمال- مع شروط- كما هو مذهب كثير من أهل العلم- و معلوم أن أهل العلم يتساهلون في قبول أحاديث فضائل الأعمال بما لا يتساهلون به في الأحاديث المتعلقة بالعقيدة و الأحكام من حلال و حرام.

قال الإمام أحمد- (رحمه اللّه)- في قبول ذلك: «إذا روينا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحلال و الحرام و السنن و الأحكام تشددنا في الأسانيد، و إذا روينا عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في فضائل الأعمال و ما لا يضع حكما و لا يرفعه تساهلنا في الأسانيد».

و قال الإمام النووي- (رحمه اللّه)- في مقدمة كتاب الأذكار: «قال العلماء من المحدثين و الفقهاء و غيرهم يجوز و يستحب العمل في الفضائل و الترغيب و الترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكون موضوعا ....- ثم قال مقررا ذلك- إنما ذكرت هذا الفصل ... فأردت أن تقرر هذه القاعدة عند مطالع هذا الكتاب ...».

هذا و قد ذكر المؤلف (رحمه اللّه تعالى)- جميع ما ذكر في السنة و الآثار من أماكن إجابة الدعاء بالكعبة المشرفة و ما حولها بداخل المسجد الحرام و هكذا في مواطن بمكة المكرمة ثم المشاعر المقدسة، مع ما قيل فيها من الأدعية المأثورة.

بل ذهب- (رحمه اللّه)- في هذا الكتاب مذهب العلماء الأوائل؛ إذ لم يكتف بذكر موضوع الكتاب (مواطن إجابة الدعاء) كما يظهر من عنوان الكتاب، بل استطرد في كل مسألة بذكر الخلاف، و ما تعلق بها من فروع بإيجاز، و إن كان‏

12

الغالب تمسكه و التزامه فيما ذكره بمذهبه (الحنفي) أصولا و فروعا؛ حيث يؤكد في المسائل الفقهية مرة بعد مرة بمثل قوله: «على مذهبنا» «لا على مذهبنا» و نحوها في أماكن كثيرة.

و من ثمّ تقيدت بالتأكيد في الأصول و الفروع على أقوال فقهاء الحنفية رحمهم اللّه، إلا إذا استطرد بذكر أقوال غيرهم.

و كذا عرض المؤلف مسائل كثيرة متعلقة بالموضوع؛ ما أثرى الكتاب و فكر القارئ بأمور مهمة مفيدة، جليلة متممة لأبحاثه، و هو واضح في ثنايا سطوره و كلماته للمتأمل و العابر، و أشار المؤلف- (رحمه اللّه)- إلى شي‏ء من ذلك في مقدمة الكتاب- حيث قال أثناء ذكر تسمية الكتاب-: «و سميت ما جمعته بالكتاب (عدة الإنابة في أماكن الإجابة)؛ لكوني أذكر في سبيل كل محل بعض ما يناسبه من مسائل فقهية و أدعية مأثورة و مروية، تتميما للفائدة و تحصيلا للعوائد».

لذا نجده ضمّن كتابه الأحكام الفقهية المتعلقة بكل موطن، كما نبّه على ما ابتدعته العامة من الأعمال و التصرفات المنافية للشرع الحنيف في بعض مواطن الإجابة؛ تنبيها و تذكيرا للحجاج و الزوّار، و لعدم الظن بأنه من الدين، و شدّد النكير على مرتكبي البدع و المنكرات مطالبا من أولياء الأمور حكاما و علماء و محتسبين المنع، و رفع هذه البدع و المنكرات الواقعة في المشاعر المقدسة بما أوتي كلّ من إمكانية زاجرة و رادعة، بل وصف المبتدع بقوله:

«فهو جاهل ضال، كيف و قد ترتبت على ذلك من المفاسد الواقعة في السبت المشهور بمنى، ما يتعين على قدرة السعي في إزالته و كف من يغترّ من العامة عن الذهاب إليه ..».

13

و قال معلقا على هذه الأحوال: «... و معاصي ذلك اليوم عامة في سائر منى، يعرف ذلك من شاهده و عاينه، فنسأل اللّه العفو و السلامة»، و قال في بدع تقع في المقام: «و أما ما أحدثه بعض الناس من إتيان المقام في وقت كراهة الصلاة و الوقوف عنده للدعاء مع استقبال القبلة أو المقام، فلا أصل له في السنة و لا رواية عن فقهاء الأمة من الأئمة الأربعة، كذا قال الملّا علي».

و قال أيضا: «مسح المقام و مسه و تقبيله ليس بسنة إنما أمرنا بالصلاة عنده».

و قال- فيما يفعله العامة من زيادة الصعود على الصفا-: «و ما زاد على ذلك من الصعود من الجدران و الالتصاق بدعة قبيحة».

و قال- في رفع اليدين عند رؤية البيت-: «و يرفع يديه حذو منكبيه بسطا للدعاء- لا كما يفعله الجهلة من معلمي الغرباء و غيرهم».

و نحو هذا الإنكار الشديد على بعض الأعمال من البدع و المنكرات كثير في كتابه، ما يظهر حرصه و اهتمامه بإقامة السنة و القضاء على البدع و الأمور المخالفة للشرع.

هذا و إنّ المؤلف (رحمه اللّه)- كما سطّر شطر كتابه في ذكر مواطن الإجابة و الفوائد المتممة و العوائد المحصلة، فقد ذكر في الشطر الثاني من الكتاب:

آثار مكة المكرمة مختصرة؛ لكثرتها و حدّد مواقعها بدقة، و للمؤلف تحقيقات و تعليقات جيدة في تحديد المواقع، و الردّ و التعقيب على القضايا المختلف فيها.

و يجد القارئ في الكتاب من المعلومات المتميزة ما لا يجده في المطولات.

14

و ذكر الكثير من الأدعية المأثورة أو الموروثة المتعارف عليها بين الناس بغض النظر عن السند (و هو ينقل عن البيئة التي عايشها).

و ذكر الأماكن الأثرية و مواقعها بمكة المكرمة محدّدة و موثقة، فالكتاب يعدّ معتبرا و مقدما على ما ذكر في كتب الآخرين؛ لكون المؤلف ابن مكة المكرمة (ولادة و نشأة)، حيث فتح عينيه و ترعرع و هو يرى أهل مكة المشرفة من كبار السن و العلماء و عامة الناس يؤكدون ذلك و تناقله الأصاغر عن الأكابر، حتى وصل إلى المؤلف، و هو بدوره نقله إلينا، و أصبحت متواترة لدى أهل مكة المشرفة.

و لأجل ذلك يقدّم قوله و شهادته على بعض ما كتب- من المجاورين لفترة، أو الوافدين للحج و العمرة- عن مآثر مكة المعظمة؛ و لهذا السبب نفسه كان المقدم، و المعول عليه في حالة الخلاف الإمام الأزرقي لدى المتقدمين، و شتان بين الشهادتين.

و قد بيّن المؤلف حدود الحرم و أنصابه، ثم استعرض فضائله، و ذكر بخاصة بعض الأمور المشكلة و المختلف عليها في الباب لدى العلماء قديما و حديثا، مثل: التفريق بين الحرم و المسجد الحرام، و كذا المضاعفة في الحسنات و جريان المضاعفة في السيئات أيضا، ثم التفصيل في التفضيل بين مكة المشرفة و المدينة المنورة، و نحوها من موضوعات مهمة في الباب.

و باختصار فإن هذا الكتاب ليس كتابا في ذكر (مواطن إجابة الدعاء) فحسب بل ذلك عقد يحاط بفوائد من الدّرر، بحمله التنوع و تعداد المباحث و المقاصد، فالكتاب جامع لموضوعات كثيرة يغني عن كثير من الأسفار الكبار. و يمكننا أن نذكر مزايا الكتاب إجمالا بما يلي:

15

أولا: يذكر مواطن إجابة الدعاء لجميع مواقع مظان الإجابة.

ثانيا: يذكر مناسك الحج، حيث ذكر المؤلف جميع أحكام الحج و العمرة عند ذكره المشاعر، و يذكر ما ينبغي للحاج أن يفعله عند كل مشعر من المشاعر المقدسة.

ثالثا: يذكر آثار مكة المكرمة و مواقعها، و بعض آثار المدينة المنورة أيضا.

رابعا: يذكر آداب زيارة القبور.

خامسا: يذكر خصائص الحرم الشريف.

سادسا: يذكر الأدعية المأثورة.

و المؤلف الفاضل ينقل الكثير من أقوال العلماء في بعض المسائل موثقا إيّاها من مصادرها، و ذاكرا قائلها بأمانة و دقة، و لا يكتفي بسرد الأقوال و نقلها، إنما يعقبها بالنقد و الدراسة و التمحيص مؤيدا أو مخالفا، مقرّا أو منكرا؛ و بخاصة في البدع و المنكرات التي كانت موجودة في زمنه بالحرم و المشاعر و غيرها.

هذا و مما تجدر الإشارة إليه أنّ المؤلف مع شدة نكيره على بدع العوام فإنه فاته الإنكار على بعض المحدثات التي لم تعرف عن السلف الصالح من القرون الفاضلة، و التي كانت موجودة في زمنه، مثل بعض مبالغات الصوفية: من اعتقاد قبول الدعاء عند بعض قبور الصالحين.

و نقل المؤلف كلّ ذلك عن كتب أسلافه من المؤلفين في أخبار مكة، أو واصفا ما رآه بنفسه عن البيئة التي عايشها في زمنه من غير أن يجد إنكارا أو تحذيرا من هذه الأعمال.

و لعل عدم الإنكار- في أمر أو أمرين مما ذكره- راجع إلى الاعتماد

16

على النقل، أو إلى أن هذه تصرفات غلبت على أهل ذلك الزمن لغلبة العادة و العرف، و تسويغ ذلك بمسوغات يرونها سائغة. و اللّه أعلم ..

و هذا لا يقدح في المؤلف و أمثاله، و جدير بأهل العلم و طلبته أن ينظروا في مثل ذلك بعينين:

عين الحق تمحيصا له، و عين الإنصاف تقديرا للجمّ من الحسنات و كثرة الصواب، و تأويلا حسنا لما ظاهره خلاف الصواب و إبداء ذلك في ثوب أدب العلماء، ثم إنّ العصمة للأنبياء (عليهم السلام) فحسب.

و أقول كما قال شاعر النيل:

إذا قيس إحسان امرئ بإساءة* * * فأربى عليها فالإساءة تغفر

و قد نبهّت على هذه القضايا القليلة في مواضعها بإيجاز، مبينا الحق مستدلا بالكتاب و السنة و عقيدة السلف الصالح في ذلك.

هذا و الكتاب- مع صغر حجمه- يعد إضافة مختصرة جديدة في فن الأدعية و أماكن إجابتها، و آثار مكة المشرفة كما سبق بيانه.

و قد اعتمدت في إخراج الكتاب على مصورة نسخة خطية وحيدة من مكتبة مكة المكرمة المعروفة و الكائنة في (مولد النبي الشريف) بجوار سقيا زمزم برقم (105425).

و كان عملي في الكتاب مقتصرا على ما يأتي:

* إخراج الكتاب و نسخه على أقرب صورة يراها المؤلف بإذن اللّه تعالى حسب قواعد الإملاء المعروفة.

17

* تفقير الكتاب، و استعمال العلامات الإملائية في ذلك، و هذا أهم عمل أرى وجوب عمله في إخراج الكتب التراثية، و لا يدرك ذلك إلّا المتخصصون.

* وضع عناوين جانبية لجميع مسائل الكتاب، و ترقيمها كذلك؛ تسهيلا و تيسيرا لوصول القارئ إلى المقصود.

* إضافة الآيات القرآنية إلى مواضعها في القرآن الكريم، بداخل النص بين معكوفتين []؛ لئلا تكثر الهوامش، كما نسخت الآيات بالرسم العثماني (مباشرة من المصحف الشريف).

* أما الأحاديث النبويّة الشريفة، و الآثار الواردة عن الصحابة و التابعين فهي كثيرة- فالمؤلف- (رحمه اللّه)- يخرّج الأحاديث من كتب السنن و المسانيد و معالجة الأحاديث غالبا- (علما بأن المؤلف دقيق و أمين في النقل)-.

فما كان من الأحاديث مخرجا من الكتب الستة: ذكرت الكتاب و رقم الحديث فقط، و ما كان منها مخرجا في غير الكتب الستة، فاكتفي بذكر رقم الجزء و الصفحة فقط، و أحيانا أنقل أقوال المحدثين في التصحيح و التضعيف إن وجدت ذلك، و إلّا أكتفي بما سبق ذكره فقط.

- تمحيص و تحرير العزو لأكثر الآراء التي ينقلها المصنف، و إرجاعها إلى مصادرها الأصلية بقدر المستطاع.

- كما أنّني أضفت أمرا مهما في الهامش: و هو تجديد و تحديث المواضع و الأماكن بقدر الإمكان كما هو معروف الآن، بالإضافة إلى بعض الصور من شبكة الانترنت.

18

- و هناك أمور يقتضيها إخراج الكتب التراثية إعانة للقراء- سوف يراها القارئ- بإذن اللّه سبحانه و تعالى.

- كما قدمت بين يدي الكتاب ترجمة موجزة للمؤلف (رحمه اللّه تعالى).

- و ذيلت الكتاب بفهارس متنوعه:

* فهرس الآيات الكريمة.

* فهرس الأحاديث النبوية الشريفة، و الآثار.

* فهرس الأماكن و المواضع.

* فهرس الموضوعات.

و بعد، فإن أصبت فمن اللّه عزّ و جلّ و توفيقه، و إن أخطأت فمني و من الشيطان- و أستغفر اللّه العظيم- و أبرأ إلى اللّه عزّ و جل من حولي و قوتي إلى حول اللّه تعالى و قوته، و رحم اللّه تعالى امرأ أهدى إليّ عيوبي و بصّرني بأخطائي و أكرم اللّه قارئا فطن لذلك، ثم أقول كما قال الإمام الشافعي (رحمه اللّه):

و عين الرّضا عن كلّ عيب كليلة* * * كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا

و لا يفوتني أن أشكر إخواني و أساتذتي الذين شجعوني لإخراج هذا الكتاب، و بخاصة أخي الكبير فضيلة الدكتور عبد اللطيف الصبّاغ حفظه اللّه، الذي أفدت الكثير من علمه الغزير، و إرشاداته القيّمة، و التي كان لها الأثر الكبير في أعمالي العلمية عامة، كما تكرم مشكورا- جزاه اللّه خيرا- بالاطلاع على الكتاب و التقديم له، و كذلك توجيهي بالتصحيح و التعليق لبعض ما ورد

19

في أصل الكتاب، فلفضيلته مني كل شكر و تقدير و امتنان و دعاء.

كما لا يفوتني أن أشكر الأخ الكريم الحبيب المحسن (و الذي يحب أن لا يذكر اسمه) صاحب الأيادي البيضاء على كثير من أعمال الخير و البر و الإحسان، حفظه اللّه و وفقه لمرضاته، و الذي تبرع بنفقة طبع و نشر هذا الكتاب و توزيعه لوجه اللّه عز و جل على طلبة العلم. فأسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يجزيه خير الجزاء، و أن يعظم له الأجر و المثوبة، و أن يطيل عمره في صحة و سعادة و تقوى، و أن يديم عليه توفيقه و فضله و إحسانه.

كما أشكر الأخ الفاضل الأستاذ غسان نويلاتي- صاحب المكتبة المكية؛ لرعايته المشروع من البداية إلى النهاية، و الشكر موصول للأخ العزيز سهيل مولوي ناسخ الكتاب و الذي قام بجهود مشكورة لإخراج الكتاب بما يليق و مكانته فلهم جميعا مني جزيل الشكر و التقدير، و دعائي لهم من اللّه تعالى بالأجر و المثوبة.

و اللّه سبحانه و تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا العمل قبولا حسنا، و أن يغفر لي و لوالديّ و لمشايخي و للمؤمنين يوم يقوم الحساب، و صلّى اللّه تعالى و سلم و بارك على سيدنا رسول اللّه و على آله و صحبه و تابعيهم بإحسان.

كتبه الفقير إلي عفو ربه عبد اللّه بن نذير أحمد بن عبد الرحمن مزي مكة المكرّمة- بحي الهجرة- في 1/ 10/ 1428 ه.

20

[1] ترجمة مختصرة للمؤلف:

هو عبد اللّه بن إبراهيم بن حسن، بن محمد أمين بن علي، ميرغني الحسني، المتقي، المكي، الطائفي، الحنفي.

الملقب: بالمحجوب (عفيف الدين، أبو السيادة) عالم، فاضل، فقيه من فقهاء الحنفية، أديب، شاعر، مشارك في أنواع العلوم.

ولد بمكة، و نشأ بها، و أخذ عن المشايخ الأجلّاء.

قال الجبرتي: «حضر دروس الشيخ أحمد النخلي و غيره».

له ميل شديد للتصوف، ألّف فيه المؤلفات العديدة.

و انتقل إلى الطائف، فسكنها في عام 1166 ه، و صنف كتبا كثيرة في العقيدة، و الحديث، و الفقه، و الآداب الدينية.

إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى) في قرية السلامة، سنة 1207 ه.

(رحمه اللّه تعالى) رحمة الأبرار، و رضي عنه، و أسكنه فسيح جناته.

قال عنه النبهاني: «أحد أكابر الأولياء العارفين، و أئمة العلماء العاملين».

و قال أيضا: «و مآثره شهيرة و مفاخره كثيرة، و كراماته كالشمس في كبد السماء، و له مؤلفات كثيرة في علوم شتى».

[2] مصادر ترجمته:

الجبرتي: عجائب الآثار 3: 147؛ الحضراوي: تاج تواريخ البشر ورقة 11 ب؛ البغدادي: هدية العارفين 1: 486؛ مرداد: المختصر

21

من نشر النور و الزهر 318- 319؛ الزركلي: 4: 64؛ كحالة: معجم المؤلفين 6: 16- 17؛ النبهاني: جامع كرامات الأولياء 2: 129؛ الهيلة: التاريخ و المؤرخون بمكة 406- 408.

[3] تصانيفه (رحمه اللّه تعالى):

1. إتحاف الحلفاء، في مناقب أول الخلفاء: رتّبه على خمسة أبواب و خاتمة (1).

2. إتحاف السعداء، بمناقب سيّد الشهداء، حمزة بن عبد المطلب: جمعها سنة 6811 ه. و رتبها على ثلاثة عقود، العقد الأول في فضله، و الثاني في إسلامه، و الثالث في ترجمته، و الخاتمة في استشهاده‏ (2).

3. الأنفاس القدسية، في مناقب الحضرة العباسية: في مناقب عبد اللّه بن عباس، ألفها سنة 1611 ه و ذكر فيها ثلاث فوائد، الأولى في فضله، و الثانية في فضل أبيه و أهله، و الثالثة في ترجمته، و الخاتمة في حكمه و نثره و نظمه‏ (3).

4. الإيضاح المبين بشرح فرائض الدين (في الفقه) (4).

5. البدر المنير (شرحه العلامة سيدي محمد الجواهري، و قرأه درسا) (5).

____________

(1) منه نسختان بجامعة الرياض رقم 1311 و رقم 1688، و نسخة بالمكتبة الوطنية بباريس رقم 1689.

(2) منه نسخة بمكتبة الحرم المكي رقم 133 تراجم دهلوي، و نسخة بمكتبة جامعة الرياض رقم 2653 (2)، و نسخة بالظاهرية برقم 3671 (71) عام.

(3) الزركلي في الأعلام 4/ 64. الهيلة: التاريخ و المؤرخون ص 407.

(4) هدية العارفين 1/ 486؛ معجم المطبوعات العربية 2/ 1828؛ الزركلي في الإعلام 4/ 64.

(5) البغدادي هدية العارفين 1/ 486؛ مرداد في مختصر نشر النور ص 318.

22

6. التوسلات الإلهية في الخلوات السمرية و الجلوات السحرية (1).

7. الجواهر اللمعة في فضائل الجمعة (2).

8. الجوهرة الشفافية، في بعض مناقب السيدة الصّدّيقية: في مناقب أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق‏ (3).

9. الدرة اليتيمة، في بعض فضائل السيدة العظيمة، فاطمة الزهراء: ألّفها سنة 1164 ه (4).

10. الرسائل الميرغنية (في التصوف) (5).

11. رفع الحجاب عن الكوكب الثاقب (شرح للكوكب الثاقب) (6).

12. السر العجيب في مدح الحبيب (من ديوان شعره) (7).

13. السهم الراحض في نحر الروافض‏ (8).

14. سواد العينين، في شرف النسبين‏ (9).

____________

(1) هدية العارفين 1/ 486.

(2) الزركلي في الأعلام 4/ 64، ذكره مرداد في مختصر نشر النور ص 319.

(3) منها نسخة بالمكتبة الظاهرية رقم 4134 (42) عام. كتبت سنة 1179 ه، و نسخة بجامعة برنستن، مجموعةGarrett رقم 2058 (5).

ذكرها الهيلة في التاريخ و المؤرخون بمكة ص 407.

(4) ذكرها البغدادي في إيضاح المكنون 1: 462.

(5) ذكرها الزركلي 4/ 64.

(6) شرح الكوكب الثاقب البغدادي: هدية العارفين 1/ 486، مرداد مختصر نشر النور ص 318.

(7) هدية العارفين 1/ 486.

(8) هدية العارفين 1/ 486.

(9) ذكره البغدادي في إيضاح المكنون 2/ 30؛ هدية العارفين 1/ 486؛ منه نسخة بمكتبة جامعة الرياض برقم 1171.

23

15. شرح صيغة القطب ابن مشيش‏ (1).

16. عدة الإنابة، في أماكن الإجابة (و هو الكتاب الذي أقدمه للقراء) (2).

17. عقد الجواهر في نظم الفاجر (ديوان شعره) (3).

18. العقد المنظم على حروف المعجم (ديوان شعره) (4).

19. الفتح المبين (شرح فروض الدين) (5).

20. فرائض الدين و واجبات الإسلام لعامة المؤمنين.

21. الفروع الجوهرية، في الأئمة الاثني عشرية (6).

22. كنز الفوائد (7).

23. كنوز الحقائق في الحديث‏ (8).

24. الكوكب الثاقب‏ (9).

25. اللآلئ المفردات في أذكار عرفات.

____________

(1) هدية العارفين 1/ 486.

(2) الهيلة في التاريخ و المؤرخون بمكة ص 408.

و ذكره البغدادي باسم (اتحاف الإبانة في مواضع الإجابة) هدية العارفين 1/ 487.

(3) البغدادي، هدية العارفين 1/ 486، و مرداد في مختصر نشر النور، ص 318.

ترتيب معجم المطبوعات العربية 1828، الزركلي في الأعلام 4/ 64.

(4) البغدادي: هدية العارفين 1/ 486، و مرداد في مختصر نشر النور ص 318.

(5) ذكره مرداد في مختصر نشر النور ص 318.

(6) ذكره مرداد في مختصر نشر النور ص 318.

(7) ذكره مرداد في مختصر نشر النور ص 318.

(8) هدية العارفين 1/ 487، مختصر نشر النور ص 318.

(9) مختصر نشر النور ص 318.

24

26. مشارق الأنوار في الصلاة و السلام على النبي المختار (1).

27. المعجم الوجيز في أحاديث النبي العزيز (صلى اللّه عليه و سلم) (اختصره من الجامع و ذيله) (2).

28. النفحة العنبرية شرح آداب المعية (3).

29. المقاصد الفحرى، في بعض مناقب السيدة خديجة الكبرى:

جمعها سنة 1168 ه، و ذكر فيه فضلها و نسبها و اسمها و لقبها و موتها و أولادها (4).

30. مناقب عثمان بن عفان‏ (5).

31. منتهى السّير في الاختصار (6).

____________

(1) البغدادي، هداية العارفين 1/ 487، مردادي مختصر نشر النور 318.

(2) له نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة (65 حديث)، هدية العارفين 1/ 478، و مرداد في مختصر نشر النور ص 318، و سركيس معجم المطبوعات 1828، الزركلي في الأعلام 4/ 64.

(3) ذكره مرداد في مختصر نشر النور ص 319.

(4) الهيلة: التاريخ و المؤرخون بمكة ص 408.

(5) ذكره مرداد في مختصر نشر النور 318.

(6) ذكره البغدادي في إيضاح المكنون 2/ 573.

25

هذه عدة الإنابة في أماكن الإجابة للعارف باللّه تعالى و الدال عليه مولانا السيد عبد اللّه ابن المرحوم السيد إبراهيم مرغني (ت 1207 ه) رحمهما اللّه تعالى و نفعنا و المسلمين بعلومهما آمين‏

26

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه الذي أسكننا في معدن أماكن الإجابة، و منّ علينا بطلب الدعاء و وعدنا بالاستجابة، و جعلنا خير أمة و أنزل علينا كتابه.

و الصلاة و السلام على عبده و نبيه الذي أسكنه طابة، و على إخوانه النبيين و الآل و الصحابة، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة عبد يرجو منه الإنابة، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله شهادة مقر بالرسالة و الإجابة، صلى اللّه و سلم عليه و على آله عدد ما أحاط به علمه و ما أمطرت سحابة.

و بعد: فيقول الفقير إلى مولاه الغني، المتحلي بالتقصير و الخلق الدني، عبد اللّه بن إبراهيم بن حسن مير غني، الحسيني الحنفي،- عامل اللّه الكل بلطفه الخفي، و جعلهم ممن سما و اصطفى- لما طالعت بعض شرح العالم العلامة الشيخ إدريس الشماع الشافعي، على منظومة الشيخ عبد الملك العصامي- رحمهما اللّه تعالى- المسمى بالإنابة في أماكن الإجابة، و كانت تلك المنظومة مقيدة بأوقات معينة، كما ذكره الشيخ الإمام أبو بكر بن محمد بن الحسن بن النقاش (رحمه اللّه تعالى)، و قد ذكرها كثير من علمائنا غير مقيدة، كما رواه الشيخ الجليل سيد التابعين الحسن البصري رضي اللّه عنه، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، كما ذكره الشيخ عبد الملك في آخر نظمه، و قد كنت رأيت بيتين في ذلك غير مقيدين للشيخ الإمام و العالم الهمام عمر بن إبراهيم بن نجيم، صاحب النهر الفائق شرح كنز الدقائق، خطر لي أن أجمع عليهما بعض الفوائد، و أذكر كل فائدة في محلها اللائق بها؛ ليسهل به إدراكها و حفظها، لكني رأيت عدة ما فيها خمسة عشر موضعا، و قد أنهاها غيره من علمائنا إلى عشرين، فنظمت الزيادة في بيت، و ألحقته بهما

27

و شرحت الكل، و البيتان و الزيادة هما هذان:

و ملتزم، و الموقفين، كذا الحجر* * *دعاء البرايا يستجاب بكعبة

مقام، و ميزاب جمارك تعتبر* * *طواف، و سعي، مروتين، و زمزم‏

لدى سدرة عشرون تمت بها غرر* * *منى، و يمان، رؤية البيت، حجره‏

و سميت ما جمعته بالكتابة: عدة الإنابة في أماكن الإجابة، لكوني أذكر في سبيل (كل) محل بعض ما يناسبه من مسائل فقهية، و أدعية مأثورة و مروية، تتميما للفوائد و تحصيلا للعوائد.

____________

(1) و ألحق ابن عابدين بالبيتين ثالثا- على نحو ما فعل المؤلف-: و هو قوله:

و رؤية بيت ثمّ حجر و سدرة* * * و ركن يمان مع منى ليلة القمر

حاشية ابن عابدين 7/ 100 (النسخة المحققة).

و الأصل في رعاية و تحري هذه الأماكن في الدعاء قول الإمام الحسن البصري (رحمه اللّه): «و ما على وجه الأرض بلدة يستجاب فيها الدعاء في خمسة عشر موضعا إلا مكة: أولها: جوف الكعبة الدعاء فيه مستجاب، و الدعاء عند الركن اليماني مستجاب، و الدعاء عند الحجر مستجاب، و الدعاء خلف المقام مستجاب، و الدعاء في الملتزم مستجاب، و الدعاء عند باب بئر زمزم مستجاب، و الدعاء على الصفا و المروة مستجاب، و الدعاء بين الصفا و المروة مستجاب، و الدعاء بين الركن و المقام مستجاب، و الدعا بمنى مستجاب، و الدعاء بجمع مستجاب، و الدعاء بعرفات مستجاب، و الدعاء في المشعر الحرام مستجاب.

فهذه يا أخي خمسة عشر موضعا، فاغتنم الدعاء فيها، فإنها المواضع التي لا يرد فيها الدعاء، و هي المشاهد العظام التي ترجى فيها المغفرة، فاجتهد يا أخي في الدعاء عند هذه المشاهد العظام» و سوف يأتي الحديث بالتفصيل عن هذا الحديث في (مستند أماكن إجابة الدعاء عامة).

رسالة الحسن البصري إلى أهل مكة ص 24، 25 (ضمن كتاب قرة العينين في فضائل الحرمين) الطبعة الثانية- 1427 ه- مكة المكرمة.

28

مقدمة

[32] [الدعاء و أحكامه‏]:

اعلم أن المقصود من بيان هذه الأماكن: الدعاء فيها، فيحتاج إلى بيان:

1- حقيقته. 2- و فضيلته. 3- و سببه.

4- و ركنه. 5- و شرطه. 6- و سننه.

7- و آدابه. 8- و محرمه. 9- و مكروهه.

10- و حكمه. 11- و الحكمة.

[33] [حقيقة الدعاء]:

أما حقيقته في اللغة: الرغبة إلى اللّه تعالى، و في الاصطلاح: رفع الحاجات إلى رافع الدرجات، و هو مشروع بالكتاب، و السنة، و الإجماع.

[34] [فضل الدعاء]:

و أما فضيلته: فقال (صلى اللّه عليه و سلم): (الدعاء هو العبادة) (1) ثم تلا: وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ [غافر: 60]، و قال:

(الدعاء مخ العبادة) (2).

____________

(1) أخرجه أبو داود (1479)؛ الترمذي (2969) «و قال: حديث حسن صحيح»، ابن ماجه (3828).

(2) الدعاء. أخرجه الترمذي (3371) و قال: «حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة».

29

و قال: (الدعاء: مفتاح الرحمة، و الوضوء: مفتاح الصلاة، و الصلاة:

مفتاح الجنة) (1).

و قال: (الدعاء سلاح المؤمن، و عماد الدين، و نور السموات و الأرض) (2). و قال: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، و لا يزيد في العمر إلا البر) (3). و قال: (لا يغني حذر من قدر، و الدعاء ينفع مما نزل، و مما لم ينزل، و إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة) (4). و قال: (الدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل، فعليكم عباد اللّه بالدعاء) (5). و قال: (ليس شي‏ء أكرم على اللّه تعالى من الدعاء) (6)، و قال:

(من لم يسأل اللّه يغضب عليه) (7). و قال: (من لم يدع اللّه غضب عليه) (8).

و قال: (لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد). و قال: (من سره أن يستجيب اللّه تعالى له عند الشدائد و الكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء) (9).

____________

(1) أخرجه الديلمي في الفردوس 2/ 224؛ فيض القدير 3/ 540 «عن ابن عباس بإسناد ضعيف».

. (2) أورده صاحب المجمع عن حديث علي رضي اللّه عنه، و قال: «رواه أبو يعلى و فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد و هو متروك» 10/ 147.

(3) أخرجه الترمذي (2139) و في: «حديث حسن غريب و حديث سلمان ..».

(4) أورده الهيثمي في المجمع و قال: «رواه البزار، و فيه إبراهيم بن خيثم و هو متروك» 7/ 209.

(5) أخرجه الترمذي (3548) و في «حديث غريب»، و أورده الهيثمي.

(6) أخرجه الترمذي (3770) و قال: «حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث عمران القطان ..» و ابن حبان في موارد الظمآن 1/ 595؛ و ابن ماجه (3829).

(7) أخرجه الترمذي (3373).

(8) أخرجه ابن حبان في الصحيح 3/ 152، و في الأحاديث المختارة 5/ 137.

(9) أخرجه الترمذي (3382) و قال: «حديث غريب».

30

[35] [سبب الدعاء و ركنه‏]:

و أما سببه: فكمال الافتقار إلى الواحد القهار.

و أما ركنه: فتوجه القلب إلى اللّه تعالى: بالصدق و الإخلاص.

[36] [شرط الدعاء و قبوله‏]:

و أما شرطه: فالنية و التمييز.

و أما شرط قبوله و إجابته: فما نظمه البدر بن جماعة في قوله:

شروط الدعاء المستجاب لنا* * * عشر بها بشر الداعي بإفلاح‏

طهارة و صلاح معهما ندم‏* * * وقت خشوع و حسن الظن يا صاح‏

و حلّ قوت و لا يدعى بمعصية* * * و اسم يناسب مقرون بإلحاح‏

[37] [سنن الدعاء]:

و أما سننه: فرفع اليدين حذاء الصدر، و بسط الكفين نحو السماء، يفرج بينهما كما في (الدر المختار)، و قال الملّا علي في شرح الحصن الحصين:

و الظاهر أن من الأدب أيضا ضم اليدين و توجيه أصابعهما مع انضمامها نحو القبلة، و قد اختلفت الروايات في كيفية الرفع عنه (صلى اللّه عليه و سلم)(1)، و ذلك لاختلاف الحال. و في البحر: الدعاء أربعة:

1- دعاء رغبة يفعل كما مر.

2- و دعاء رهبة يجعل كفيه لوجهيه كالمستغيب عن الشي‏ء.

____________

(1) انظر الأذكار للنووي، ص 64 و ما بعدها؛ تحفة الذاكرين للشوكاني، ص 47 و ما بعدها.

31

3- و دعاء تضرع بعقد الخنصر و البنصر و يحلق و يشير بمسبحته.

4- و دعاء الخفية ما يفعله في نفسه.

و بدأته بالحمد و الثناء و الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و ختمه بها، و مسح اليدين على الوجه بعد الفراغ منه.

[38] [آداب الدعاء]:

و أما آدابه فكثيرة، منها: تحرّي الأوقات الفاضلة- كالسجود في النفل، و عند الأذان و الإقامة، و تقديم الوضوء، و الصلاة- و استقبال القبلة، و الجثو على الركب، و تقديم التوبة و الاعتراف بالذنب، و اجتناب الحرام مأكلا و مشربا و ملبسا، و التأدب، و الخشوع، و التمسكن، و الخضوع، و أن لا يرفع بصره إلى السماء، و كشف يديه، و تجنب السجع و تكلفه، و أن لا يتغنى به، و خفض الصوت، و السؤال بالأسماء الحسنى و الأدعية المأثورة، و التوسل بالأنبياء و الصالحين‏ (1)، و جعل الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أوله و وسطه و آخره، و الختم بآمين و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (182) [الصافات‏]، و يتخير الدعاء الجامع، و لا يخص نفسه بالدعاء، و يسأل بعزم و رغبة، و لا

____________

(1) التوسل بالأنبياء و الصالحين بعد موتهم لم يكن مشهورا عند الصحابة و التابعين، و مذهب أبي حنيفة و أصحابه و غيرهم من العلماء: أنه لا يجوز أن يسأل اللّه تعالى بمخلوق: لا بحق الأنبياء و لا غير ذلك. «و لهذا قال أبو حنيفة و صاحباه رضي اللّه عنهم: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك و رسلك، و بحق البيت الحرام، و المشعر الحرام، و نحو ذلك ..». ا ه. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 233.

«و كذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به و طاعته و محبته و موالاته، أو التوسل بدعائه و شفاعته؛ فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا و هذا». فتاوى ابن تيمية (1/ 321) و انظر 1/ 222.

32

يستبطئ الإجابة، و الإلحاح في الدعاء، مع رجاء الإجابة و عدم القنوط. قال (صلى اللّه عليه و سلم): (ادعوا اللّه و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل) (1) و قال (صلى اللّه عليه و سلم): (إن اللّه حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراوين) (2) و في رواية:

(خائبتين).

و قال سفيان بن عيينة: لا يمنعك من الدعاء ما تعلم من نفسك فإن اللّه أجاب شر الخلق إبليس إذ قال: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي* [الحجر: 36].

و البداية بنفسه ثم أبويه، و مشايخه، و المؤمنين.

[39] [ما لا ينبغي من الدعاء]:

و أما محرمه: فالدعاء بغير العربية في الصلاة، و سؤال العافية مدى الدهر، و خير الدارين، و دفع شرهما، و المستحيلات العادية كنزول المائدة.

قيل: و الشرعية، و ألحق حرمة الدعاء بالمغفرة للكافر، لا لكل المؤمنين كل ذنوبهم، و الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو بأمر فرغ منه أو ما في معناه. كما في الدر المختار.

[40] [مكروهات الدعاء]:

و أما مكروهه: فترك سننه، و فعل ما لا يليق به‏ (3).

____________

(1) أخرجه الترمذي (3479) و زاد (لاه) و قال: «حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه ..»؛ و أورده الهيثمي في المجمع و قال: «رواه أحمد و إسناده حسن» 10/ 148.

(2) أخرجه أبو داود (1488)؛ و ابن حبان في صحيحه 3/ 160.

(3) انظر بالتفصيل هذه الشروط و الآداب: الإحياء للغزالي، 328؛ الأذكار للنووي (مع الدليل لكل) ص 640 و ما بعدها، (الدعاء لمحمد الحمد، ص 26 و ما بعدها).

33

[41] [حكم الدعاء]:

و أما حكمه: فالإجابة إذا وجدت شروطها، قال في المدارك: ثم إجابة الدعاء وعد صدق من اللّه لا خلف فيه، غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة، فإجابة الدعوة أن يقول العبد: يا رب، فيقول اللّه: لبيك عبدي، و هذا موعود لكل موجود مؤمن، و قضاء الحاجة إعطاء المراد، و ذا قد يكون ناجزا، و قد يكون بعد مدة، و قد يكون في الآخرة، و قد تكون الخيرة له في غيره. أ ه.

قال (صلى اللّه عليه و سلم): (ما من مسلم ينصب وجهه للّه تعالى في مسألة إلا أعطاها إياه إما أن يعجلها له و إما أن يؤخّرها له) (1) و في حديث مناجاة السيد موسى (عليه السلام): (و إن دعوني أستجبت لهم، فإمّا أن يردها عاجلا، و إمّا أن أصرف عنهم سوءا، و إمّا أن أدخره لهم)، و قد يكون تأخيرها لمحبّته تعالى لصوته، أو ليداوم على الدعاء.

و ذكر مكي: أن المدة بين دعاء زكريا (عليه السلام) بطلب الولد و البشارة أربعون سنة، و مثله: ابن عطية عن ابن جريح و محمد بن الضحاك: إن دعوة موسى على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة (2)، و لذا قال (صلى اللّه عليه و سلم): (يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل يقول: دعوت اللّه فلم يستجب لي) رواه الستة إلّا النسائي‏ (3).

____________

(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (9784)؛ و قال الهيثمي «رجاله ثقات». المجمع 10/ 148.

(2) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) في تفسير آية (89 سورة يونس) ص 923. ط دار ابن حزم.

(3) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (2735) بلفظ آخر، و غيره.

34

و حكى الغزالي عن بعض العارفين أنه قال: إني أسأل اللّه تعالى منذ عشرين سنة حاجة و ما أجابني و إني لأرجو الإجابة.

[42] [حكم الدعاء]:

و أما حكمه: فكونه شرع سببا يتوصل به إلى السعادة الأبدية، و النجاة السرمدية.

و نفعه مما نزل و مما لم ينزل، و رده للقضاء، و تفريجه للهمّ و الكرب، و ما أحسن ما قيل:

ما ضاق حال بعبد فاستعد له‏* * * عبادة اللّه إلّا جاءه الفرج‏

و لا أناخ بباب اللّه راحلة* * * إلا تدحرج عنه الهم و الحرج‏

و لابن الجوزي (رحمه اللّه تعالى):

إذا كثرت منك الذنوب فداوها* * * برفع يد في الليل و الليل مظلم‏

و لا تقنطن من رحمة اللّه إنما* * * قنوطك منها من خطاياك أعظم‏

فرحمته للمذنبين كرامة* * * و غفرانه للمسرفين تكرم‏

و هو سلاح المؤمن: يهلك به عدوه، و يحمي به صديقه.

و مما يعزى للإمام الشافعي (رحمه اللّه تعالى):

أتهزأ بالدعاء و تزدريه‏* * * و ما تدرى بما صنع الدعاء

سهام الليل لا تخطي و لكن‏* * * لها أمد و للأمد انقضاء

فيمسكها إذا ما شاء ربي‏* * * و يرسلها إذا نزل القضاء

35

[43] [التفضيل بين الدعاء و تركه‏]:

فائدة: هل الدعاء أفضل، أم تركه رضا بالقسمة الأزلية؟.

مال كثير من العلماء إلى الأول، و مال آخرون إلى الثاني، و فرّق بعضهم، فقال: إن كان القلب منطلقا بالدعاء و منشرحا له و مستهرا به، فالدعاء أفضل، و إن كان منقبضا عنه، فالتّرك أفضل، و اختاره المحققون، و يدلّ عليه قوله (صلى اللّه عليه و سلم): (من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الإجابة). و في رواية: (أبواب الجنة)، و في أخرى (أبواب الرحمة) (1).

[44] [الجهر و السر في الدعاء]:

و هل الأفضل الدعاء بالجهر أم بالسر؟ الصحيح الثاني، قال تعالى:

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏ (55) [الأعراف‏]، المجاوزين ما أمروا به في كل شي‏ء من الدعاء و غيره، و عن ابن جريج: الرافعين أصواتهم بالدعاء، و عنه: الصياح في الدعاء مكروه و بدعة، و قيل: هو الإسهاب في الدعاء، و قال (صلى اللّه عليه و سلم)- فيمن جهر بالذكر و الدعاء-: (إنكم لا تدعون أصم و لا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا، إنه معكم أينما كنتم) (2).

و عن الحسن: بين دعوة السر و العلانية سبعون ضعفا.

____________

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك برواية (الجنة) 1/ 675 و صححه؛ و الترمذي برواية (الرحمة) (3548) و قال: «حديث غريب».

(2) أخرجه البخاري (2830)، و مسلم (2704).

36

[45] [أوقات إجابة الدعاء]:

تتمة: الإجابة لها أوقات، و أحوال، و أشخاص، و أماكن.

فمن أوقاتها: ليلة القدر، و يوم عرفة، و شهر رمضان، و يوم الجمعة، و عند جلوس الإمام على المنبر إلى أن يتم الصلاة- و هو الصحيح- و وقت العصر منها و إليه ذهب المشايخ، (تتارخانية). و قيل: اليوم كله و ليلتها كلها، و قيل: من حين تقام الصلاة إلى السلام، و قيل: آخر ساعة منه، و قيل: بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، و قيل: بعد طلوع الشمس، و ذهب أبو ذر رضي اللّه عنه إلى أنها: بعد زيغ الشمس بيسير، و قيل: وقت قراءة الإمام الفاتحة إلى أن يقول: آمين، و قيل: غير ذلك إلى أزيد من ثلاثين قولا ذكرها القسطلاني في (لوامع الأنوار) (1)، و نصف الليل الثاني، و ثلثه الأول، و ثلثه الأخير و جوفه، و وقت السحر، و ساعة الجمعة أرجى ذلك، كذا قال ابن الجوزي.

و قال الملّا علي: و فيه نظر إذ لا دليل يظهر أنها أرجى من ليلة القدر، و كذا من يوم عرفة بعرفة.

و من أحوالها: دبر الصلاة المكتوبة، و في السجود، و ينبغي أن يحمل عندنا على النفل‏ (2) و عقب تلاوة القرآن لا سيما الختم، أي: من القرآن خصوصا من القارئ، و عند النداء بالصلاة، و بين الأذان و الإقامة، و بعد الحيعلتين‏

____________

(1) انظر الحديث الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ذكر يوم الجمعة، فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يصلّي يسأل اللّه تعالى شيئا إلّا أعطاه إيّاه و أشار بيده يقللها) البخاري (935) و مسلم (852)، انظر بالتفصيل ذلك في فتح الباري.

(2) أي الحنفية، فإنهم لا يرون الزيادة في الفريضة على (سبحان ربي الأعلى) انظر مختصر القدوري (مع التصحيح على القدوري) ص 730.

37

لمن نزل به كرب أو شدة، و عند الصف في سبيل اللّه، و عند التحام الحرب، و عند شرب ماء زمزم، و الحضور عند الميت، و صياح الديكة، و اجتماع المسلمين، و مجالس الذكر، و عند قول الإمام: و لا الضآلين، و عند تغميض الميت، و إقامة الصلاة، و نزول الغيث، و رؤية الكعبة، و بين الجلالتين في سورة الأنعام‏ (1).

[46] [من يرجى قبول دعائه‏]:

و من الأشخاص: المضطر، و المظلوم و لو كان فاجرا أو كافرا، و الوالد إذا كان محقا، و الولد البار بوالديه، و المريض، و المسافر، و الصائم حتى يفطر، و حين يفطر، و الإمام العادل، و الرجل الصالح، و المسلم لأخيه بظهر الغيب، و المسلم ما لم يدع بظلم أو قطيعة رحم، أو يقول: دعوت فلم أجب، و للّه عز و جل عتقاء في كل يوم و ليلة لكل عبد منهم دعوة مستجابة، و دعوة الحاج لا ترد حتى يصدر أي يرجع.

[47] [الدعاء باسم اللّه الأعظم‏]:

و من قال: «لا إله ألا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» جاء أنه اسم اللّه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى.

و جاء هو: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللّه لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا

____________

(1) و المراد بها الآية: جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى‏ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ‏ (124) الأنعام.

38

أحد) (1). و جاء أنه: (اللهم إني أسألك بأنك أنت اللّه الأحد ... إلى آخره‏ (2)).

و جاء أيضا هو: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، الحنان المنان، بديع السموات و الأرض، يا ذا الجلال و الإكرام، يا حي يا قيوم) (3).

و جاء: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‏ (163) [البقرة]، و الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ (2) [آل عمران‏] (4).

و جاء هو: اسم اللّه الأعظم في ثلاث: البقرة، و آل عمران، و طه. قال القاسم: فالتمستها أنه الحي القيوم‏ (5).

____________

(1) أخرجه الترمذي (3475) و قال: «حديث حسن غريب»؛ و أخرجه النسائي في الكبرى (7666)؛ و ابن حبان في موارد الظمآن 1/ 532، قال ابن حجر: «إن هذا الحديث أرجح ما ورد من حيث السند» كما نقل الشوكاني في التحفة ص 52.

(2) كما في رواية الترمذي، و البيهقي في الدعوات الكبير 1/ 145، انظر بالتفصيل: تحفة الذاكرين للشوكاني، ص 51 و ما بعدها.

(3) أخرجه أبو داود (1495)، و النسائي في الكبرى (1223)، و ابن ماجه (3858)، و أورده الهيثمي في المجمع و قال: «رواه أحمد و الطبراني في الصغير و رجال أحمد ثقات إلّا أن ابن إسحاق مدلس و إن كان ثقة» 10/ 156.

(4) هذا حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا (اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين ...) و ذكر الآيتين المذكورتين.

كما رواه أبو داود (1496)؛ و الترمذي و حسنه (4378)؛ و ابن ماجه (3855).

(5) و يعني به حديث أبي أمامة الباهلي الذي رواه ابن ماجه ... و ذكر الحديث، ثم قال أبو أمامة فالتمستها فوجدت في البقرة في آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ و في آل عمران‏ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ و في طه‏ وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ‏. ابن ماجه (3856) و الحاكم في المستدرك و الطبراني في الكبير، كما ذكر الشوكاني في تحفة الذاكرين ص 51.

39

و جاء أنه في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏ [آل عمران: 26] الآية.

[48] [الاختلاف في الاسم الأعظم‏]:

و قد اختلف العلماء في الاسم الأعظم هل هو معين أو لا؟ فقيل: غير معين بل ما دعوته به حال تعظيمك له و انقطاع قلبك إليه، فما دعوت به في هذه الحالة استجيب لك، لظاهر قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‏ [النمل: 62] و المشهور: أنه اسم معين يعلمه اللّه تعالى و يلهمه من يشاء من خواص عباده، ثم اختلف القائلون بتعينه بحسب النظر، و الأخذ بالأثر، و بحسب الكشف و الإلهام فقيل: إنه (اللّه) و هو قول الجمهور، و نسبه بعضهم لأكثر أهل العلم، لكن كما قال القطب الرباني السيد عبد القادر الجيلاني: بشرط أن تقول: اللّه و ليس في قلبك سواه. و قيل: إنه الحي القيّوم. و قيل: هو العليّ العظيم الحليم العليم؛ و قيل: هو لا إله إلا اللّه، أو لا إله إلا هو. و قيل: الحق. و قيل: ذو الجلال و الإكرام. و قيل:

أرحم الراحمين. و قيل ربّنا. و قيل: الوهّاب. و قيل: القريب. و قيل: السميع البصير. و قيل: سميع الدعاء. و قيل: خير الوارثين. و قيل: حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و قيل غير ذلك و اللّه تعالى أعلم. و أيّا كان فالداعي به ممن يستجاب دعاءه.

[49] [معنى الأعظم‏]:

هذا و قد اختلف العلماء في معنى الأعظم هل هو بمعنى أفعل التفضيل أو بمعنى العظيم؟

فمال بعضهم إلى الأول، و فضلوا بعض أسمائه تعالى على بعض، و مال‏

40

آخرون إلى الثاني، و قالوا: لا يجوز التفضيل؛ لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، و أوّلوا ما ورد في ذلك على أن المراد بالأعظم:

العظيم؛ إذ أسماؤه كلها عظيمة.

41

[أماكن الإجابة]

و أما الأماكن فسيأتي الكلام عليها في النظم، و هو ما قال (رحمه اللّه تعالى)-: دعاء البرايا، أي: طلب حاجاتهم من اللّه تعالى، و البرايا: الخلائق جمع برية، بمعنى الخليقة، أي: المخلوقة، يستجاب، أي: يقبل و يجاب بفضل الملك الوهاب، قال تعالى:

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏ [البقرة: 186]، و قال تعالى:

ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ [غافر: 60]، و قال: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام: 41]، و الإجابة تكون بطرق، و تقدم بيانها.

[50] [علامات الإجابة]:

و من علاماتها: الخشية و البكاء، و ربما تحصل الرعدة و الغيبة عن الوجود.

[51] [المستند في أماكن إجابة الدعاء عامة]:

و اعلم أن الحسن- رضي اللّه عنه- ذكر الإجابة في هذه الأماكن، و الظّاهر أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف؛ لأنه تابعي جليل بل سيد التابعين.

و قال الشيخ محمد بن علي علان في شرح الأذكار: عن جده عبد الملك بن علي، إن الحسن البصري، رفع ذلك إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن ثبت ذلك فيكفي في العمل به، و لعلّه ثبت عند الشيخ‏

42

عبد الملك العصامي أيضا؛ لأنه ذكره في آخر نظمه المشهور، و له شواهد فإن بعضها مذكور في أحاديث مرفوعة، و قد ذكرها مطلقة عن الأوقات، و تبعه في ذلك أكثر من ذكرها من مشايخنا، و عليه جرى الناظم، و قال الملّا علي قاري: و الظاهر أن هذه الأماكن الشريفة موضع إجابة الدعوات المنيفة، في الأزمنة و الأحوال المخصوصة، و يمكن حملها على عمومها. و اللّه سبحانه أعلم، و قيد النقّاش البعض، و مشى عليه الشافعية، و فضل اللّه لا يحصى، و سأذكر ذلك كلما قيده بقيد، تتميما للفائدة و تحصيلا للأكمل.

43

[52] 1- [وقت الإجابة في الكعبة]

بكعبة، أي: بيت اللّه الحرام زاده اللّه شرفا و تعظيما، أي: داخلها من غير قيد على قول الحسن، و هو من فضل اللّه تعالى؛ إذ هو الممكن في العادة، و بقيد وقت العصر، و كونه بين جذعته على ما ذكره النقّاش، و هو غير مشير عادة؛ إذا العادة في فتحه بكرة النهار، و في شرح الشيخ إدريس معناه: و يمكن ذلك في دخول الحجر؛ لأنه كله من البيت أو ستة أذرع أو شي‏ء منه، لكن يرده شرط كونه بين جذعته، و سيأتي أن الحجر مما يستجاب فيه الدعاء أيضا، و البيت أعظم أماكن الإجابة و أفضلها، و فضله لا يحصى، فإنه سرّ اللّه في أرضه، و وجهته لعباده، و قبلة العالم بأسره، و بقعته أفضل البقاع، ما عدا ما ضم أعضاءه الشريفة بالإجماع‏ (1)، و لذا قال سبحانه‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏ [آل عمران: 96] الآية.

[53] [وضع اللّه البيت‏]:

قال في المدارك: و الواضع هو اللّه عز و جل، و المعنى: وضع اللّه بيتا للناس، أنه جعله متعبدا لهم، فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة، و في الحديث: أن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة، قيل أول‏

____________

(1) قال القاضي عياض: «و لا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض»، و نقل المحقق (البجاوي) في الهامش: «قال السبكي: الإجماع على أن قبره (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل البقاع و هو مستثنى من تفضيل مكة على المدينة». انظر: الشفاء للقاضي عياض، 2/ 682 (طبعة الحلبي).

44

من بناه إبراهيم، و قيل: هو أول بيت حجّ بعد الطوفان، و قيل: هو أول بيت ظهر للناس على وجه الماء، عند خلق السماء و الأرض، و قيل: هو أول بيت بناه آدم (عليه السلام) في الأرض، و قيل: أول بيت بنته الملائكة.

رسم توضيحي للكعبة المشرفة

1- الحجر الأسود 2- باب الكعبة 3- الميزاب (ميزاب الرحمة) 4- الشاذوران 5- حجر إسماعيل (الحطيم) 6- اللتزم 7- مقام سيدنا إبراهيم 8- ركن الحجر الأسود 9- الركن اليماني 10- الركن الشامي 11- الركن العراقي 12- ستار الكعبة 13- خط المرمر البني‏

45

الكعبة المشرفة و جانب من الحرم العثماني و السعودي‏

[54] [المراد بأول بيت وضع‏]:

و عن علي رضي اللّه عنه أنه سئل أ هو أول بيت وضع؟ فقال: كان قبله بيوت و لكنه أول معبد (1)، و هو عين القول الأول.

و قال تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً [البقرة: 125] أي مآبة و مرجعا للحجاج يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، و قال تعالى: وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ‏ الآية [البقرة: 125]: من الأوثان و الأنجاس و الخبائث كلها (2).

____________

(1) انظر تفسير المحرر الوجيز لابن عطية، في تفسير قوله‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ ..... ص 330.

(2) انظر المصدر السابق في تفسير الآية، ص 133.

46

و ناهيك بهذه الإضافة المنوهة بذكره المعظمة لشأنه الرافعة لقدره، و كفاه ذلك شرفا و فخرا، و بها على سائر البقاع عظمة و قدرا.

رسم مقطعي لداخل الكعبة المشرفة

الأعمدة الثلاثة بداخل الكعبة المشرفة

47

[55] [شرف البيت‏]:

و ما أحسن ما قيل في هذا المعنى:

كفى شرفا أني مضاف إليكم‏* * * و أني بكم أدعى و أرعى و أعرف‏

و هي من السر في إقبال العالمين عليه، و عكوفهم لديه، قال تعالى:

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ [البقرة: 144]. أي: الكعبة أو وجهتها.

[56] [جعل البيت قياما]:

و قال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏ [المائدة: 97]. أي:

قواما لهم في أمر دينهم و دنياهم، و روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية ثم قال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت و استقبلوا القبلة، و قيل:

لو تركوه عاما لم ينظروا و لم يؤخروا، و قال تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (29) [الحج‏].

[57] [الطواف بالبيت‏]:

المراد: طواف الزيارة الذي هو ركن باتفاق الأربعة (1)، قيل: هو مطاف أهل الغبراء، كما أن العرش مطاف أهل السماء، و قال (صلى اللّه عليه و سلم):

(إن هذا البيت دعامة الإسلام، و من خرج يؤمّ هذا البيت من حاج أو معتمر و زائر كان مضمونا على اللّه إن ردّه ردّه بأجر و غنيمة، و إن قبضه أن يدخله الجنة) (2). و قال عليه الصلاة و السلام: (لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا

____________

(1) انظر زبدة الأحكام في مذاهب الأئمة الأربعة ص 160.

(2) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية 6/ 339؛ و الأزرقي في أخبار مكة 2/ 3؛ و الديلمي-

48

هذه الحرمة حق تعظيمها) (1) يعني الكعبة. و إذا ضيعوا ذلك هلكوا.

[58] [حرمة البيت‏]:

و لما نظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الكعبة قال: (مرحبا بك من بيت، ما أعظمك و أعظم حرمتك! و للمؤمن أعظم عند اللّه منك) رواه البيهقي‏ (2).

[59] [زفّ الكعبة]:

و عن جابر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): (إذا كان يوم القيامة زفت الكعبة البيت الحرام إلى قبري، فتقول: السلام عليك يا محمد، فأقول: و عليك السلام يا بيت اللّه ما صنع بك أمتي؟ فتقول: يا محمد من أتاني فأنا أكفيه و أكون له شفيعا، و من لم يأتني فأنت تكفيه فتكون له شفيعا) أخرجه ابن مردويه و الأصبهاني في الترغيب‏ (3).

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم): (وعد اللّه تعالى هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملهم بالملائكة، و إن الكعبة تحشر كالعروسة المزفوفة، من حجها تعلق بأستارها حتى تدخلهم الجنة) (4) ذكره ابن جماعة في منسكه.

____________

في الفردوس 4/ 332؛ و قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الأوسط و فيه محمد بن عبد اللّه بن عبيد و هو متروك». المجمع 3/ 209.

(1) أخرجه ابن ماجه (3110)؛ و الإمام أحمد في المسند (19072).

(2) أورده الهيثمي و قال: «رواه الطبراني في الأوسط، و فيه محمد بن محصن و هو كذاب يضع الحديث». المجمع 1/ 82؛ و قال المناوي في الفيض: «لكن تعدد الطرق دل على أن للحديث أصلا» 50/ 366.

(3) أخرجه الديلمي في الفردوس 2/ 295.

(4) أورده الملا علي في الأسرار المرفوعة و قال: «كذا في الإحياء، و قال العراقي: لم أجد أصلا» 1/ 126؛ و ابن جماعة في هداية السالك، 1/ 41.

49

و عن عمر رضي اللّه عنه: من أتى البيت لا ينهزه، أي: لا يحمله غير صلاة فيه رجع كيوم ولدته أمه‏ (1).

[60] [زيارة الملائكة الكعبة]:

و يروى أن الملك إذا نزل إلى الأرض في بعض أمور اللّه تعالى، فأول ما يأمره اللّه تعالى بزيارة البيت، فينفض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف بالبيت سبعا و يركع ركعتين، ثم يمضي لما أمر به‏ (2) و قيل: لمّا خلق اللّه السموات و الأرض قال لهما: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ [فصلت: 11]، خلق فيهما كلاما و نطقا، فنطق من الأرض موضع الكعبة، و من السماء ما بحيالها، و ظاهره النطق بلسان المقال، و قيل ينزّل الطاعة منها منزلة القول.

[61] [خلق الكعبة]:

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: الكعبة خلقت قبل الأرض بألفي عام، قيل: و كيف خلقت قبل الأرض و هي من الأرض؟ قال لأنه كان عليها ملكان يسبحان اللّه بالليل و النهار ألفي سنة، فلما أراد اللّه أن يخلق الأرض دحاها من تحت الكعبة (3).

و قال الثعلبي: خلق اللّه جوهرة خضراء ثم نظر اللّه إليها بالهيبة فصارت ماء، فخلق الأرض من زبده، و السماء من بخاره، فكان أول ظاهر على وجه الأرض مكة. زاد غيره: ثم المدينة، ثم بيت المقدس، ثم دحى الأرض منها طبقا واحدا، ثم فتقها بعد ذلك، و كذلك السماء (4).

____________

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، 3/ 120.

(2) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة، 1/ 39.

(3) روى ابن الجوزي في المنتظم نحوه 1/ 128.

(4) انظر: فيض القدير 1/ 68.

50

[62] [موضع البيت‏]:

و عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- قال: «لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق السموات و الأرض بعث اللّه تعالى ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبه، فدحى اللّه الأرضين من تحتها، فمادت ثم ماءت فأوتدها بالجبال، و كان أول جبل وضع فيها أبو قبيس؛ فلذلك سميت أم القرى» (1)، أي: أصلها، و الخشفة- بالخاء و الشين المعجمتين و الفاء- واحدة من الخشف، و هي: حجارة تنبت في الأرض نباتا، و روي بالعين عوضا عن الفاء، أي: أكمة لاطئة بالأرض، و قيل: هو ما غلب عليه السهولة و ليس بحجر و لا طين، و كل هذا دال على فضلها و الكلام فيه يطول، و لو لم يكن من فضلها إلا خلق سيد الخلائق فيها عليه الصلاة و السلام لكفى.

[63] [أصل طينة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)‏]:

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: «أصل طينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من سرة الأرض بمكة»، يعني: الكعبة، و هو لا ينافي أنه أخذ طينته من قبره الشريف (صلى اللّه عليه و سلم)؛ لأن الماء لما تموج، رمى بالزبد إلى النواحي، فغرقت جوهرة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ما يحاذي تربته بالمدينة.

[64] [حصول الأمن‏]:

و له فضائل كثيرة و كرامات شهيرة، في فضائله: حصول الأمن بدخوله أو دخول فنائه بدعوة إبراهيم (عليه السلام)، حيث قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة: 126] على ما قيل أو من منذ خلق اللّه السماء و الأرض، و هو الصحيح،

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي 1/ 32.

51

و قال تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً [البقرة: 125]، و قال: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] (1).

و عن عمر رضي اللّه عنه: لو ظفرت بقاتل الخطّاب ما مسسته حتى يخرج منه‏ (2). و معنى الأمن عندنا: أن من دخله من الصيد، و من [كان‏] متهما بقتل بقود، أو ردّة، أو زنا في الحل، ثم التجأ إليه، لم يتعرض له؛ لأنه لا يؤوى و لا يطعم و لا يسقى، حتى يضطر إلى الخروج، و أما إذا فعل ذلك فيه أقيم عليه حدّه، و قيل: معناه الأمن من النّار لقوله عليه الصلاة و السلام: (من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا (3)).

و يحكى عن بعض العبّاد رضي اللّه عنه أنه قال: كنت أطوف، فقلت:

يا ربّ! إنك قلت: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، أين الأمن؟ فسمعت ملكا يكلمني و يقول: من النّار.

[65] [من حجّ ثلاث حجج‏]:

و يحكى أن قوما أتوا سعدون الخولاني رضي اللّه عنه بالمنستير، فأعلموه أن كتامة- و هي قبيلة بالبربر- قتلوا رجلا، و أضرموا عليه النار طول الليل، فلم تعمل فيه النار، و بقي أبيض البدن. فقال: لعله حج ثلاث حجج؟ قالوا:

نعم. قال: حدّثت أن من حج حجة أدى فرضه، و من حج ثانية داين ربه، و من حج ثلاث حجج حرم اللّه سبحانه و تعالى شعره و بشره على النار (4).

____________

(1) انظر تفسير ابن عطية في تفسير الآية، ص 332.

(2) رواه الأزرقي في أخبار مكة 2/ 140.

(3) أورده الهيثمي في المجمع و قال: «رواه الطبراني في الصغير و الأوسط» و فيه موسى بن عبد الرحمن وثقه ابن حبان، و فيه عبد اللّه بن المؤمل وثقه ابن حبان و غيره، و ضعفه أحمد و غيره، و إسناده حسن» 2/ 319.

(4) أورده الدمشقي في توضيح المشتبه 8/ 285.

52

و كانت العرب يغير بعضها على بعض و يختطفون الناس بالقتل، و أخذ الأموال، و أنواع المظالم إلا في الحرم.

[66] [تضعيف الثواب‏]:

و منها تضعيف الثواب فيه و في بنائه، و منها حصول الأجر العظيم بالطواف به، و النظر إليه، و الجلوس حوله.

[67] [كراماته و تعظيمه في قلوب الناس‏]:

و منها كراماته: كما هو مجرب أن مفتاح بابها إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام تكلم سريعا (1).

و منها بقاء بنائها المدد المتطاولة مع توالي الأمطار و الأهوية.

و منها: هيبتها و تعظيمها في قلوب الناس، و كفّ الجبابرة عنها على مرّ الدهور و الأعصار، و إذعان نفوس العرب لتوقيرها بدون ناه و لا زاجر.

[68] [عقوبة منتهكي حرمة البيت‏]:

روي أن الحجاج بن يوسف الثقفي لما نصب المنجنيق على [جبل‏] أبي قبيس، و النيران، و اشعلت النار في أستار الكعبة، جاءت سحابة نحو جدة يسمع فيها الرعد، و يرى البرق، فمطرت، فلم يجاوز مطرها الكعبة و المطاف، فأطفات النّار فأرسل اللّه عليهم صاعقة، فأحرقت منجنيقهم فتداركوه. قال عكرمة: أحسب أنها احترقت تحته أربعة رجال، فقال الحجاج: لا يهولنّكم‏

____________

(1) هذه القصة تناقلها المؤلفون في (فضائل مكة) فذكرها الفاكهي، و عنه الفاسي في الشفاء 1/ 301؛ و ابن ظهيرة في الجامع اللطيف ص 51.

53

هذا فإنها أرض صواعق؛ فأرسل اللّه صاعقة أخرى، فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا (1). و هذا كان مع عدم قصد الحجّاج للبيت؛ لأن قصده إخراج ابن الزبير حيث تخفى به. فكيف بمن قصده أو رامه بسوء!! و قد وقع له ما هو أعظم من ذلك، كقصة تبّع، و أصحاب الفيل.

[69] [هيبة البيت‏]:

و من هيبته: أن الطير لا توقع عليه إلا للاستشفاء، و لا تعلوه، حتى إذا طارت فوقة و حاذت الكعبة انفرقت فرقتين كما حكاه كثير.

و ذكر بعضهم: أن الطير إذا نزل على الكعبة: إما أن يشفى، و إما أن يموت لحينه، و هذا كان سابقا و أما الآن فلا، ذكره غير واحد، و كان ذلك لاختلاف الزمان و قرب الساعة، كما هو مشاهد في أحوال بني آدم حولها من قلة الأدب، و عدم الخشية.

[70] [إنجاح مقاصد الملتجئ إليها]:

و منها إنجاح مقاصد من التجأ إليها، و دفع الشر عنه، و تفريج كربه، و ذلك كثير لا يحصى.

و حكي أن امرأة لاذت بظالم، فجاء و مدّ يده إليها فصار أشلّ، و هذا سرعة عقاب من لم يتأدب في حضرتها. و يحكى أن رجلا كان في الطواف فبرق له ساعد امرأة فوضع ساعده عليه متلذذا به، فلصق ساعدهما، فقال له بعض الصالحين: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه، فعاهد ربّ البيت أن لا تعود بإخلاص و صدق نية! ففعل فخلي عنه، و انفصل ساعده‏ (2).

____________

(1) أورد الهيثمي في المجمع نحوها، انظر 3/ 291.

(2) انظر: القرى لقاصد أم القرى ص (272).

54

و يحكى: أن رجلا نظر إلى شخص في الطواف و استحسنه، فسالت عينه على خده. و قال ابن حجر المكي- (رحمه اللّه تعالى): أخبرت عن بعض من كان يحضر درسي و عليه من لوائح النّجابة و حفظ المسائل الغريبة، ما كان الأمل فيه أن ينتج و يرتقي إلى مرتبة إفتاء أو تدريس، أنّه عند تقبيل الحجر زاحمته امرأة لتقبّل فقبلها، فابتلاه اللّه تعالى بحالة قطعته أولا عن العلم بالكلية، ثم صيّر مسخرة و ضحكة لكل من يراه؛ بحيث يقضي كل من عرف حاله أولا و آخرا بالعجب العجاب من ذلك؛ لجهلهم بهذا الفعل الصادر منه الذي كان سببا لمقته، و ذهاب لبّه، و دناسة ثيابه، و خبل عقله و اختلاط كلامه، و وصوله إلى حالة المبرسمين و مرافقته للمسرفين. أعاذنا اللّه من غضبه، و فتنته و بلائه و محنه، بمنّه و كرمه! آمين.

[71] [دوام الطواف‏]:

و فيها أنه منذ خلقه اللّه تعالى ما خلا من طائف يطوف به من إنس أو جنّ أو ملك أو غير ذلك. و قال بعض أهل السلف: خرجت يوما في هاجرة ذات سموم، و قلت: إن خلا البيت عن طائف ففي هذا الحين، و رأيت المطاف خاليا، فدنوت فرأيت حية عظيمة رفعت رأسها و هي تطوف حولها.

[72] [طواف الحيوانات‏]:

و ذكر أنه يوم قتل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما بمكة اشتد الحرب و اشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالبيت إلا جمل يطوف بها.