المسائل العكبرية

- الشيخ المفيد المزيد...
135 /
3

[مقدمة المحقق‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و خير الصّلاة و السّلام على رسوله المصطفى محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

و بعد: لقد أمر اللّه سبحانه و تعالى المسلمين بالسؤال عمّا لا يعلمون، فقال مكرّرا:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1). لذلك ترى المسلمين في الصدر الأوّل كانوا يسألون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عمّا لا يعلمون و عمّا يشتبه عليهم، و هذا ما نجد مصاديقه في القرآن الكريم من خلال كلمة «يسألونك»، حيث وردت هذه الصيغة في السؤال عن مختلف الظواهر، كالسؤال عن الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بالأهلّة و الإنفاق و القتال و الخمر و الميسر و اليتامى و المحيض و الأنفال:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ ... سورة البقرة (2): 189 يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ... سورة البقرة (2): 215 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... سورة البقرة (2): 217 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ... سورة البقرة (2): 219 وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ... سورة البقرة (2): 219 وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى‏ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ... سورة البقرة (2): 220

____________

(1) سورة النحل (16): 43، و سورة الأنبياء (21): 7.

4

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ... (1) سورة البقرة (2): 222 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ ... سورة الأنفال (8): 1

كما وردت الصيغة المذكورة في السؤال عن الظواهر الطبيعيّة كالجبال، و عن قصص بعض الشخصيّات الغابرة مثل ذي القرنين، و عن حقيقة الروح و عن قيام الساعة:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ... سورة طه (20): 105 يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ... سورة الكهف (18): 83 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ... سورة الإسراء (17): 85 يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ... سورة الأعراف (7): 187

و لمّا استشكل بعض الصحابة قوله تعالى‏ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏ (2)، و قالوا: أيّنا لم يظلم؟ بيّن لهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ المراد بالظلم الشرك، و استدلّ بقوله سبحانه في آية أخرى:

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ (3). (4)

و إذا تجاوزنا صدر الإسلام، نجد أنّ أهل الذكر الّذين أمر اللّه تعالى بتوجيه‏

____________

(1) اعلم انّه تعالى جمع في هذا الموضع ستّة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأولى بغير الواو، و ذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، و السبب أنّ سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة، فلم يؤت فيها بحرف العطف، لأنّ كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ و سألوا عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجي‏ء بحرف الجمع لذلك، كأنّه قيل:

يجمعون لك بين السؤال عن الخمر و الميسر و السؤال عن كذا.

(2) سورة الأنعام (6): 82.

(3) سورة لقمان (31): 13.

(4) في رحاب السنّة: 10، و في مجمع البيان (4/ 327): روي عن عبد اللّه بن مسعود، قال: لمّا نزلت هذه الآية شقّ على الناس، و قالوا: يا رسول اللّه و أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه ليس الّذي تعنون، أ لم تستمعوا إلى ما قال العبد الصالح: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

5

الأسئلة إليهم و هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، يتكفّلون بالإجابة على مختلف الأسئلة الّتي كانت ترد إليهم من الأصحاب أو من الأعداء أيضا.

و إذا انتقلنا إلى عصر الغيبة، نجد أنّ الفقهاء و المتكلّمين و هم النوّاب عن أهل الذكر يتكفّلون أيضا بالإجابة على الأسئلة الّتي تثار أمامهم، حيث ألّفوا رسائل و كتبا تتناول أسئلة الآخرين و الإجابة عليها. و قد اتّخذ تأليف هذه الرسائل و الكتب «عناوين» منتزعة من نفس المادّة المتّصلة ب (السؤال) و (الجواب) عن الأمور الشرعية و غيرها، فجاءت هذه الرسائل و الكتب تحمل عناوين مثل (السؤال و الجواب) أو (السؤالات و الجوابات) أو (الأسئلة و الأجوبة) أو غيرها.

و بامكاننا أن نلقى نظرة سريعة على موسوعة العلّامة الطهرانيّ الّتي ذكرت مصنّفات علمائنا في هذا الميدان لنجدها شاهدا على ما نقول، و في هذا الصدد يوضّح صاحب الموسوعة الملابسات الّتي تكتنف تأليف هذه الرسائل و الكتب من حيث الأسئلة و أجوبتها، فيقول:

«إذا علم ان الكتاب في جواب شخص خاصّ، أو في جواب اعتراض معين، أو أنّه جواب عن سؤال مخصوص، أو عن شبهة معلومة، أو أنّه جواب عن مسألة مخصوصة، أو عن مسائل متعدّدة كما هو الشائع من إلقاء المسألة الواحدة، أو المسائل من القرب، أو من البلاد البعيدة الى العلماء و هم يكتبون جواباتها بغير عنوان خاصّ، أو علم أنّه جواب رسالة أو كتاب، أو مكتوب، يصحّ أن يعبّر عنه بالجواب المضاف الى ما يعلم من احدى هذه الأمور» (1).

و إليك نماذج من تلك العناوين الّتي أوردها العلّامة الطهرانيّ:

(الأجوبة ...) (2).

____________

(1)- الذريعة 5/ 171.

(2)- الذريعة 1/ 267- 278.

6

(جواب ... أو جوابات ...) (1).

(السؤال و الجواب أو سؤال و جواب) (2).

(المسائل ... أو المسائل و الجوابات) (3).

(مسألة ...) (4).

حيث نرى أنّه ذكر تحت هذه العناوين مئات من الكتب، الّتي دوّن فيها المصنّف نفسه أو أمر من دوّن فيها مجموع السؤالات أو الاستفتاءات الّتي القيت إليه على الدفعات التدريجيّة و ما كتبه من جواباتها في أوقات متطاولة فإنّه بعد التدوين في مجلّد يسمّى باحد هذه العناوين. (5).

و في ضوء هذه الحقيقة الّتي ذكرناها عن المسائل و أجوبتها، نجد أنّ واحدا من أكبر فقهاء الطائفة و متكلّميها و هو الشيخ المفيد يتكفّل بالإجابة على مختلف الأسئلة، و منها أجوبة المسائل الحاجبيّة أو العكبريّة و هي أجوبة كتبها الشيخ لأحد و خمسين سؤالا سألها الحاجب أبو الليث بن سراج الأواني، الّذي دعا له الشيخ بطول البقاء و دوام التوفيق.

و أكثر ما فيها السؤال عن معاني آيات و أحاديث و توجيهها، و دفع ما ورد عند السائل حولها من شبهات. و فيها مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالنبوّة و الإمامة و شئونهما.

و يستشفّ من نمط بعض الأسئلة و كذا من جوابات الشيخ أنّ السائل كان ممّن تعمّد تنظيمها و أراد بها الإلزام، لا مجرّد الاستفسار و المعرفة. و قد تصدّى الشيخ للإجابة عنها بكلّ جلاء و قوّة، مع حسن البيان و قوّة الأداء، كما هو المعهود في أجوبته.

____________

(1)- الذريعة 5/ 172- 240.

(2)- الذريعة 12/ 241- 251.

(3)- الذريعة 20/ 329- 373.

(4)- الذريعة 20/ 382- 398.

(5)- انظر الذريعة 5/ 213.

7

الكتاب و عنوانه:

الكتاب يشتمل على إحدى و خمسين مسألة كلاميّة، عن الآيات المتشابهة و الأحاديث المشكلة، سأل الحاجب أبو الليث بن سراج شرحها و بيانها، فأجاب عنها الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ، المتوفّى سنة 413 ه و الّذي مدحه الإمام الغائب المنتظر و الحجّة الثاني عشر (عجّل اللّه فرجه الشريف) ورثا عليه بعد موته و قال:

لا صوّت الناعي لفقدك انّه‏* * * يوم على آل الرسول عظيم‏

إن كنت قد غيّبت في جدث الثرى‏* * * فالعلم و التوحيد فيك مقيم‏ (1)

و الكتاب نسب تارة إلى السائل فقيل: «المسائل الحاجبيّة» (2) و «جوابات المسائل الحاجبيّة» (3) و «أجوبة المسائل الحاجبيّة» (4) و «جوابات أبي الليث الأوانيّ» (5).

و تارة نسب إلى المسئول عنه، فقيل: «المسائل العكبرية» (6) و «جوابات المسائل العكبريّة» (7).

و تارة إلى عدد الأسئلة، فقيل: «جوابات الإحدى و الخمسين مسألة» (8) و «أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين» (9).

و قد ذكر بعض تلامذة العلّامة المجلسي و هو المولي الجليل الميرزا

____________

(1)- بحار الأنوار 110/ 165.

(2)- الذريعة 20/ 343.

(3)- الذريعة 5/ 219.

(4) النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه الحكيم و هي التي جعلناها أصلا.

(5)- رجال النجاشيّ 400، و الذريعة 5/ 198.

(6)- الذريعة 20/ 358.

(7)- الذريعة 5/ 228.

(8)- الذريعة 5/ 198.

(9) بحار الأنوار 110/ 165 و 167.

8

عبد اللّه الأفندي الأصفهانيّ صاحب «رياض العلماء و حياض الفضلاء» المتوفّى سنة 1130 ه، في رسالته إلى العلّامة المجلسي، المندرجة بعينها في آخر إجازات بحار الأنوار بعنوان: «خاتمة فيها مطالب عديدة لبعض أزكياء تلامذتنا، تناسب هذا المقام و به نختم الكلام» ما نصّه:

... إنّ فهرست الكتب التي ينبغي أن تلحق ببحار الأنوار على حسب ما أمرتم به هي هذه:

كتاب المزار ... و أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين، و جوابات المسائل السرويّة، و جوابات المسائل العكبريّة، كلّها للشيخ المفيد، ممدوح صاحب الزمان عليه صلوات الرحيم الرحمن ...

و أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين هي التي اشتريتها لكم لا زالت همّتكم عالية، و السائل عنها رجل كان يعرف بالحاجب، و كان مكتوبا في ظهرها انّها للشيخ، و لكنّكم نسبتموها إلى المفيد (ره)، و علامة تلك المسائل انّها مع كتاب شهاب الأخبار مجلّدة. و جواب المسائل السروية و العكبريّة نقلتم عنها في مواضع من البحار ... إلى آخره‏ (1).

و هذا الكلام من الأفندي صريح في أنّ «جوابات المسائل العكبريّة» غير «أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين» (2)، و هو سهو منه، و لعلّ منشأه أنّ الكتاب لم يضع له الشيخ المفيد اسما خاصّا، فانتزع الآخرون له عناوين متنوّعة- كما ذكرنا- و التبس الأمر على أمثال الأفنديّ. فإنّ كثيرا من مصنّفي الشيعة- كما قال العلّامة الطهرانيّ، قد بلغوا من تواضع النفس، و خضوع الجوانح، و خلوص النيّات، حدّا لا يرون أنفسهم شيئا قابلا للذكر و الإشارة، و لا يحسبون تصانيفهم مع كونها جيّدة قيّمة كتابا لائقا بالعنوان و التّسمية، فبقيت الكتب بعد عصر المصنّفين بغير اسم‏

____________

(1)- بحار الأنوار 110/ 165 و 167.

(2)- راجع الذريعة 5/ 198.

9

خاصّ يدعى به، فمسّت الحاجة الى أن يشار إليها بعنوان ينطبق عليها (1).

و ممّا يدلّل على وحدة الكتاب ما ذكره العلّامة الخوانساري: و كذا كتاب «أجوبة المسائل الاحدى و الخمسين» فإنّ المراد به هو كتابه المعروف ب «المسائل الحاجبية» و هو في أجوبة اشكالات و شبهات في معاني بعض الآيات و الروايات المتشابهات على عدد الاحدى و الخمسين، عرضها عليه و سأله عنها حاجب خليفة ذلك العصر، كما يستفاد من ديباجة ذلك الكتاب، و فيه فوائد لا تحصى، و غلط من نسبه الى سيّدنا المرتضى (رحمه اللّه) فليتفطّن و لا يغفل‏ (2).

منهج التحقيق:

أ- مقابلة النسخ:

قد حقّقناها اعتمادا على النسخ التالية:

1- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه الحكيم العامّة، ضمن المجموعة 436 بخطّ محمّد بن الشيخ طاهر السماوي، مكتوبة في سنة 1335 ه، تقع في 31 ورقة. و هي نسخة كاملة، مقروّة الخط، خالية من الأخطاء و السقط تقريبا، و لذلك جعلناها «الأصل».

2- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه الحكيم العامّة أيضا، ضمن المجموعة 1087، بخطّ حاجى آقا شيرازى نمازى، مكتوبة في سنة 1327 ه و هي نسخة كاملة، حسنة الخطّ، قليلة الخطأ، نادرة السقط.

رمزها: حش‏

3- النسخة المحفوظة في المكتبة الرضوية- مشهد، برقم 7722، بخطّ محمّد حسين بن زين العابدين الارمويّ، مكتوبة في سنة 1352 ه، و هي نسخة

____________

(1)- الذريعة 5/ 171.

(2)- روضات الجنّات 6/ 155.

10

كاملة، جيّدة الخطّ، قليلة الأخطاء، و السقط.

رمزها: ر ض‏

4- النسخة المحفوظة بالمكتبة الوطنية- طهران، ضمن المجموعة 1927/ ع مكتوبة في سنة 1116 ه. و هي نسخة جيّدة، إلّا أنّه سقط منها أربع عشر مسألة، من المسألة السابعة و الثلاثين إلى المسألة الحادية و الخمسين.

رمزها: مل‏

5- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه المرعشيّ- قم، برقم 4 ضمن المجموعة 3694، مكتوبة في سنة 1056 ه. و هي نسخة ناقصة، كثيرة السقط و الغلط. رمزها: مر

6- النسخة المحفوظة بالمكتبة الرضوية- مشهد، برقم 2428، و هي نسخة ناقصة، كثيرة السقط و الخطأ.

رمزها: ر ض 2

و بعد مراجعة هذه النسخ و مقابلتها، فقد جعلنا النسخة الأولى أصلا، لأنّها تمتاز على بقيّة النسخ بالكمال، و قلّة الأخطاء و السقط، و اعتمدنا عليها في عملنا، و أشرنا إلى اختلاف النسخ في الهامش، إلّا إذا كان الموجود في الأصل لا يتلاءم مع النصّ أو السياق، و العبارة الأخرى أقرب إلى الصحّة، ففي هذه الحالة جعلنا العبارة الصحيحة في المتن، مع الإشارة في الهامش إلى ما كان موجدا في الأصل.

كما ملأنا موارد السقط من هذه النسخة- على قلّتها- بما جاء في باقي النسخ أو بعضها، مع الإشارة إلى ذلك في الهامش.

و أمّا ما حدث من سقط في بعض النسخ- و هو كثير- فلم نشر في الهامش، إلّا إلى ما ينبغي الإشارة إليه. كما لم نشر إلى كلّ ما وقع من الأخطاء ففي باقي النسخ، إلّا في موارد قليلة.

و قد اهملنا الإشارة إلى ما اختلفت فيه النسخ في تذكير الكلمة و تأنيثها، أو تعريفها و تنكيرها و أمثال ذلك و ما تضمّنته من الأخطاء اللغويّة و الإعرابية و

11

الإملائيّة، إلّا في موارد نادرة. فأوردنا النصّ مطابقا لما تقتضيه القواعد الأدبيّة و الإملائيّة، المعمول بها حاليّا.

كما أشرنا في نهاية كل صفحة من المخطوطة إلى رقم الورقة، و رمزنا إلى وجه الورقة بالحرف (و) و إلى ظهرها بالحرف (ظ)، مثل [2 و] [2 ظ] حيث انّ العدد يشير إلى رقم ورقة المخطوطة، و الحرف (و) إلى وجه الورقة، الحرف (ظ) يشير إلى ظهر الورقة.

و بعد الانتهاء من التصحيح و التحقيق ظفرنا بثلاث نسخ من هذا الكتاب، نرجو أن نفيد منها في المستقبل، و هي كما يلي:

1- النسخة المحفوظة بالمكتبة الآستانة المعصوميّة- قم، ضمن المجموعة 87، الرسالة السادسة، مكتوبة في سنة 1319 ه، بخطّ مهدي بن علي رضا القمّيّ.

2- النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة طهران، ضمن المجموعة 2319، الرسالة الثانية.

3- النسخة المحفوظة بالمكتبة الرضوية- مشهد، ضمن المجموعة 12851، الرسالة الرابعة، مكتوبة في سنة 1126 ه، و هي نسخة ناقصة.

ب: تخريج الآيات القرآنية، و إثبات رقمها و اسم السورة و رقمها في الهامش.

ج: تخريج الأحاديث و الآثار التي أوردها المصنّف، من مصادر الفريقين المعتبرة فثبتنا الأحاديث كما وردت فيها- لا كما وردت في نسخ الكتاب- في الهامش، نظرا إلى أنّ هذه الكتب قد طبعت غالبا بتحقيق العلماء، فهي أقرب إلى الصواب.

د: وضعنا قائمة المصادر التي اعتمدناها في تحقيق الكتاب و هي كما يلي:

12

مصادر التحقيق:

- القرآن الكريم.

- الاحتجاج، لأحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ، تحقيق السيّد محمّد باقر الخرسان، افست على الطبعة الأولى، نشر المرتضى- مشهد، 1403 ه.

- الاختصاص، المنسوب إلى الشيخ المفيد أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه، تصحيح علي أكبر الغفّاري منشورات مؤسّسة الأعلمي، بيروت، 1402 ه.

- الإرشاد، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه تصحيح السيّد كاظم الموسويّ، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1377 ه.

- بحار الأنوار الجامعة لدرر اخبار الأئمة الأطهار (ع)، للعلّامة المحدّث محمّد باقر بن محمّد تقيّ المجلسي، المتوفّى سنة 1110 ه، دار الكتب الإسلامية، طهران.

- البداية و النهاية، لأبي الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة 774 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة 1408 ه.

- بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ع)، للمحدّث الجليل أبي جعفر محمّد بن الحسن الصفّار، المتوفّى سنة 290 ه، من أصحاب الإمام العسكريّ (عليه السلام)، الطبعة الثانية، تصحيح العلامة ميرزا محسن كوچه باغى.

- تاريخ الرسل و الملوك، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، المتوفّى سنة 310 ه، مكتبة خيّاط، بيروت في خمسة عشر مجلدا، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1358 ه.

- تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه، تقديم و تعليق العلّامة السيّد هبة الدين الشهرستاني، منشورات الرضي، قم، 1363 ه.

- تفسير البرهان، للعلامة السيّد هاشم بن السيّد سليمان البحرانيّ، المتوفّى سنة 1107 ه، الطبعة الثانية على نفقة السالك.

13

- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، للفخر الرازيّ المتوفّى سنة 606 ه، الطبعة الثالثة دار إحياء التراث العربي بيروت.

- تفسير الكشّاف، لأبي القاسم جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، المتوفّى سنة 538 ه، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1397 ه.

- تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب، للعلامة الشيخ محمّد بن محمّد رضا القمّيّ المشهديّ، من أعلام القرن الثاني عشر، تحقيق حسين درگاهي، مؤسّسة الطبع و النشر، ايران، الطبعة الأولى 1366 ه. ش.

- تفسير القمّيّ، لأبي الحسن عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تصحيح السيّد طيّب الموسوي الجزائريّ، منشورات مكتبة الهدى، النجف الأشرف، 1387 ه.

- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام)، تحقيق و نشر مدرسة الإمام المهديّ (عليه السلام)، قم المقدّسة، الطبعة الأولى، 1409 ه.

- تفسير نور الثقلين، للعلّامة الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي الحويزي، المتوفّى سنة 1112 ه، تحقيق و تصحيح السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، الطبعة الثانية، 1383 ه.

- الدّر المنثور في التفسير بالمأثور، للعلّامة جلال الدين عبد الرحمن، السيوطي، المتوفّى سنة 911 ه، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشيّ، قم، 1404 ه

- حلية الأولياء و طبقات الأصفياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصبهانيّ، المتوفّى سنة 430 ه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، 1407 ه.

- ديوان حسّان بن ثابت، تقديم و تعليق عبدا مهنّا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 ه.

- الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للعلّامة الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ، المتوفّى سنة 1389 ه، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403 ه.

- رجال النجاشيّ، للشيخ الجليل أبي العبّاس أحمد بن عليّ بن أحمد بن العبّاس النجاشيّ الأسدي الكوفيّ، المتوفّى سنة 450 ه، مؤسّسة النشر الإسلامي‏

14

التابعة لجماعة المدرّسين بقم، 1407 ه.

- سفينة البحار و مدينة الحكم و الآثار، للمحدث المتبحر الشيخ عبّاس القمّيّ، المتوفّى سنة 1359 ه، انتشارات كتابخانه سنائى.

- سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الاشعث السجستانيّ، المتوفّى سنة 275 ه، دار إحياء السنّة النبويّة.

- السنن الكبرى، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 ه، دار المعرفة، بيروت.

- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، المتوفّى سنة 656 ه، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1399 ه.

- صحيح البخاريّ، لأبي عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري، المتوفّى سنة 256 ه.، دار المعرفة، بيروت.

- الطبقات الكبرى، لمحمّد بن سعد، المتوفّى سنة 230 ه، دار صادر، بيروت.

- علل الشرائع للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، المتوفّى سنة 381 ه، تقديم العلّامة السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة في النجف، 1385 ه.

- الغدير في الكتاب و السنّة و الأدب للعلّامة عبد الحسين احمد الأميني، المتوفّى سنة 1390 ه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1379 ه.

- فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين و الأئمة من ذريتهم (عليهم السلام)، للشيخ المحدث إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن عبد اللّه بن علي بن محمّد الجويني الخراسانيّ، المتوفّى سنة 730 ه، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسّسة المحمودي للطباعة و النشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1398 ه

- في رحاب السنة الكتب الصحاح الستة للدكتور محمّد محمّد أبو شهبة، مجموع البحوث الإسلامية، الأزهر 1389 ه.

- قرب الإسناد للشيخ الجليل أبي العباس بن جعفر الحميري من أعلام القرن‏

15

الثالث الهجري، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1413 ه.

- الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، المتوفّى سنة 329 ه، تصحيح علي أكبر الغفاري، الطبعة الرابعة، دار صعب، بيروت، 1401 ه.

- كنز العمّال في سنن الأقوال و الأفعال، للعلّامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، المتوفّى سنة 975 ه، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1409 ه.

- لسان العرب، للعلّامة ابن منظور، المتوفّى سنة 711 ه، تنسيق علي شيرى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 ه.

- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، لخاتمة المحدّثين الحاجّ ميرزا حسين النوريّ الطبرسيّ، المتوفّى سنة 1320 ه، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1407 ه.

- المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد اللّه الحاكم النيشابوري، اشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت.

- معاني الأخبار، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، المتوفّى سنة 381 ه، تصحيح علي أكبر الغفّاري، مكتبة الصدوق، 1379 ه

- نهج البلاغة، و هو مجموع ما اختاره الشريف أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، شرح الشيخ محمّد عبده المكتبة التجاريّة الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة.

- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للفقيه المحدّث محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ، المتوفّى سنة 1104 ه، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1409 ه.

- ينابيع المودة، للحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفّى سنة 1294 ه، تقديم العلّامة السيّد محمّد مهدي الخرسان، الطبعة السابعة، المطبعة الحيدريّة في النجف، 1384 ه.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

أجوبة المسائل الحاجبية (1)

المقدمة

للشيخ المفيد رضي الله عنه‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد لله الذي يؤيد بالتوفيق من يتمم‏ (2) هداه و يخذل من عدل عن سبيله و اتبع هواه و صلى الله على نبيه الذي استخلفه‏ (3) و اجتباه و اصطفاه من كافة بريته و ارتضاه و على البررة من أهل بيته المقتدين به في طاعته لربه و تقواه و سلم كثيرا و بعد فقد وقفت أطال الله بقاء الحاجب في عز طاعته و أدام توفيقه و حرسه بعصمته على المسائل التي أنفذها إلي و سأل الإجابة عنها بما يزيل الشبهات‏

____________

(1)- رض: هذه مسائل سألها الحاجب عن الشيخ أبي عبد اللّه المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثىّ البغداديّ (قدّس اللّه سرّه).

مر: جواب المسائل الواردة من الحاجب ابى الليث بن سراج (رض) تعرف ب «المسائل العكبريّة» املاء الشيخ المفيد أبي عبد اللّه محمّد بن النعمان (قدّس اللّه روحه) و نضّر وجهه و ألحقه بمواليه الطاهرين (عليهم السلام).

اقول: المسائل الحاجبيّة هي إحدى و خمسون مسألة كلامية عن آيات متشابهة و أحاديث مشكلة، سأل الحاجب أبو الليث بن سراج شرحها و بيانها فنسبت إليه.

(2)- مر: يتمّ.

(3)- رض، مر: استخلصه.

26

المعترضة في معانيها و تأملت ما تضمنه‏ (1) و ليس منها سؤال إلا و قد سلف لي فيه أجوبة (2) و ثبت في معناه عني كلام يزول به عن‏ (3) فهمه الارتياب و الأمر في جميع ذلك بمن الله‏ (4) قريب و أنا بمشيئة (5) الله و عونه أثبت له أيده الله‏ (6) الأجوبة كما سأل و أعتمد الإيجاز (7) فيها و الاختصار إذ كان استقصاء القول في ذلك مما ينتشر (8) به الخطاب و يتسع به الكلام و يطول به الكتاب و الله‏ (9) الموفق للصواب.

[بيان معنى آية التطهير]

(المسألة الأولى) عن قول الله تعالى‏ (10) إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (11) قال السائل و إذا كانت أشباحهم قديمة و هم في الأصل طاهرون فأي رجس أذهب عنهم قال و أخرى‏ (12) أنه لا يذهب بالشي‏ء إلا بعد كونه قال و نحن مجمعون على أنهم‏ (13) لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم ع.

الجواب عما تضمنه هذه الأسئلة (14) أن الخبر عن إرادة الله تعالى إذهاب الرجس عن أهل البيت ع و التطهير لهم‏ (15) لا يفيد إرادة عزيمة أو ضميرا

____________

(1)- رض، مل: تضمّنته.

(2)- مر: جواب.

(3)- رض 2: عمّن.

(4)- رض، مل: بمنّة اللّه. مر: للّه تعالى و أنا.

(5)- رض، مل، مر: بمشيّة.

(6)- ليس في مر.

(7)- مر: الأخبار.

(8)- مل، مر: ينشر.

(9)- مر:+ تعالى.

(10)- رض، مل: عن قوله تعالى. مر: ما قوله- أدام اللّه توفيقه- في قول اللّه سبحانه.

(11)- سورة الأحزاب (33): 33.

(12)- رض: قال السائل: و أخرى. مر: و قال: و شي‏ء آخر.

(13)- حش، مل: و نحن مجمعون أنّهم، و رض:+ (عليهم السلام).

(14)- رض: تضمّنته هذه المسألة.

(15)- أثبتناه عن سائر النسخ.

27

أو قصدا على ما يظنه جماعة ضلوا عن السبيل في معنى إرادة الله عز اسمه و إنما يفيد إيقاع الفعل الذي يذهب الرجس و هو العصمة في الدين أو التوفيق‏ (1) للطاعة التي يقرب العبد بها من رب العالمين‏ (2) و ليس يقتضي الإذهاب للرجس وجوده من قبل كما ظنه السائل بل قد يذهب بما كان موجودا و يذهب بما لم يحصل له وجود للمنع منه و الإذهاب عبارة عن الصرف و قد يصرف عن الإنسان ما لم يعتره كما يصرف ما اعتراه أ لا ترى أنه يقال في الدعاء صرف الله عنك السوء فيقصد إلى المسألة منه تعالى عصمته من السوء دون أن يراد بذلك الخبر عن سوء به و المسألة في صرفه عنه‏ (3).

و إذا كان الإذهاب و الصرف بمعنى واحد فقد بطل ما توهمه السائل فيه و ثبت أنه قد يذهب بالرجس عمن لم يعتره قط الرجس على معنى العصمة له منه‏ (3) و التوفيق لما يبعده من حصوله به فكان تقدير الآية حينئذ إنما يذهب الله عنكم الرجس الذي قد (3) اعترى سواكم بعصمتكم منه و يطهركم أهل البيت من تعلقه بكم‏ (4) على ما بيناه.

و أما القول بأن أشباحهم ع قديمة فهو منكر لا يطلق و القديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل و كل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أول و القول بأنهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم‏ (5) كالأول في الخطإ و لا يقال لبشر إنه لم يزل قديما.

____________

(1)- سائر النسخ: و التوفيق.

(2)- روى الحافظ القندوزى الحنفيّ عن الحسن بن عليّ (سلام اللّه عليهما) انّه قال في خطبته: إنّا أهل بيت أكرمنا اللّه، و اختارنا و اصطفانا، و أذهب عنّا الرجس و طهّرنا تطهيرا. (ينابيع المودّة 576).

(3)- أثبتناه عن سائر النسخ.

(4)- و يؤيّد هذا المعنى ما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة- الّتى علّمها الإمام عليّ بن محمّد الهادى (عليهما السلام) موسى بن عبد اللّه النخعيّ-: عصمكم اللّه من الزلل، و آمنكم من الفتن، و طهّركم من الدنس، و أذهب عنكم الرجس، و طهّركم تطهيرا. (فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين 2/ 181).

(5)- رض، مل، مر:+ (عليه السلام).

28

و إن قيل إن أشباح آل محمد ع سبق وجودها وجود آدم‏ (1) فالمراد بذلك أن أمثلتهم‏ (2) في الصور كانت في العرش فرآها آدم‏ (3) ع و سأل عنها فأخبره الله‏ (4) أنها أمثال صور من ذريته‏ (5) شرفهم بذلك و عظمهم به فأما أن يكون‏ (6) ذواتهم ع كانت قبل آدم موجودة فذلك باطل بعيد من الحق لا يعتقده محصل و لا يدين به عالم و إنما قال به طوائف من الغلاة الجهال و الحشوية من الشيعة الذين لا بصر (7) لهم بمعاني الأشياء و لا حقيقة الكلام.

و قد قيل إن الله تعالى كان قد كتب أسماءهم على العرش‏ (8) فرآها آدم‏

____________

(1)- رض، مر، رض 2:+ (عليه السلام).

(2)- مر، رض 2: مثلهم.

(3)- رض، مر:+ (عليه السلام).

(4)- رض:+ تعالى. مر:+ عزّ و جلّ.

(5)- قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): حدّثني أبى، عن أبيه، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [قال:] قال: يا عباد اللّه إنّ آدم لمّا رأى النور ساطعا من صلبه- إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش الى ظهره- رأى النور و لم يتبيّن الاشباح. فقال: يا ربّ ما هذه الأنوار؟ قال اللّه عزّ و جلّ: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشى إلى ظهرك، و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك، إذ كنت وعاء لتلك الأشباح. فقال آدم: يا ربّ لو بيّنتها لي؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: انظر يا آدم إلى ذروة العرش. فنظر آدم، و وقع (رفع- ن خ) نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا الّتى في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا. فقال يا ربّ ما هذه الاشباح؟ قال اللّه تعالى: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقى و بريّاتى: هذا محمّد و أنا المحمود الحميد في أفعالى، شققت له اسما من اسمى. و هذا عليّ، و أنا العلىّ العظيم، شققت له اسما من اسمى.

و هذه فاطمة و أنا فاطر السماوات و الأرض، فاطم اعدائى عن رحمتى يوم فصل قضائى، و فاطم أوليائى عمّا يعرّ و يسيئهم (يعتريهم و يشينهم- البحار) فشققت لها اسما من اسمى. و هذان الحسن و الحسين، و أنا المحسن المجمل، شققت اسميهما من اسمى. هؤلاء خيار خليقتى و كرام بريّتى، بهم آخذ و بهم اعطى، و بهم اعاقب و بهم اثيب، فتوسّل إلىّ بهم. يا آدم و إذا دهتك داهية فاجعلهم إلىّ شفعاءك، فإنّى آليت على نفسى قسما حقّا [أن‏] لا اخيّب بهم آملا، و لا أردّ بهم سائلا. (التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ- تحقيق و نشر مدرسة الإمام المهدىّ ص 219، و بحار الأنوار 26/ 327).

(6)- رض، مل، مر: تكون.

(7)- مر، رض 2: لا نظر.

(8)- عن ابى جعفر (عليه السلام): ... و إنّ اسمه لمكتوب على العرش: محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ... (بحار الأنوار 16/ 98).

29

ع و عرفهم بذلك و علم أن شأنهم به عند الله العظيم عظيم‏ (1) و أما القول بأن ذواتهم كانت موجودة قبل آدم ع فالقول في بطلانه على ما قدمناه‏ (2).

[رسول الله ص أفضل أم إبراهيم الخليل ع‏]

(المسألة الثانية) قال السائل قد أجمعنا (3) أن محمدا و آله ص‏ (4) أفضل من إبراهيم و آله ع قال و نحن نسأل الله في الصلاة على ما ورد به الأثر أن يصلي على محمد و آله كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم‏ (5) فكأنا نسأله الحطيطة عن منزلتهم إذ كنا قد أجمعنا على أنهم أفضل من إبراهيم‏ (6) و آله قال و إذا صح أن الأنوار قديمة فما بال إبراهيم قال‏ رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ‏ (7) و شدد (8) ذلك‏

ما ورد به الخبر

أنه قيل يا رسول الله ما بدء أمرك قال دعوة إبراهيم‏

(9)

. و الجواب و بالله التوفيق أنه ليس في مسألتنا الله تعالى أن يصلي على محمد و آله كما صلى على إبراهيم‏ (10) و آل إبراهيم ما يقتضي الرغبة إليه في إلحاقهم بدرجة إبراهيم و آل إبراهيم و أنهم محطوطون عن تلك الدرجة و إنا نسأله التفضل عليهم برفعهم إليها كما ظنه السائل و أشباهه ممن لا علم لهم بمعاني الكلام و إنما المراد بذلك الرغبة إلى الله‏ (11) في أن يفعل بهم المستحق لهم من التعظيم و الإجلال كما فعل بإبراهيم و آله ما استحقوه من ذلك فالسؤال يقتضي‏

____________

(1)- «العظيم» ليس في سائر النسخ.

(2)- مر، رض 2: بيّنّاه.

(3)- رض: قد ثبت. مل: قال السائل إنّ محمّدا. مر: فصل مسألة قد أجمعنا.

(4)- حش:+ أجمعين.

(5)- «و آل إبراهيم» ليس في حش. رض، مل، مر: و آله.

(6)- حش، مل:+ (عليه السلام).

(7)- سورة البقرة (2)، 129.

(8)- مر، رض 2: شيد. رض: شذ.

(9)- حش، مل:+ (عليه السلام). رض:+ الخليل (عليه السلام).

(10)- رض:+ (عليهم السلام).

(11)- مل:+ تعالى.

30

تنجيز (1) المستحق لهم منه‏ (2) تعالى و إن كان أفضل مما استحقه إبراهيم و آله و لهذا نظير من الكلام في المتعارف‏ (3) و هو أن يقول القائل لمن كسي عبده في ماضي الدهر (4) و أحسن إليه اكس ولدك الآن كما كسوت عبدك و أحسن إليه كما أحسنت إلى عبدك من قبل و لا يريد مسألة إلحاق الولد برتبة العبد في الإكرام و لا التسوية بينهما في ماهية (5) الكسوة و الإحسان و مماثلتهما في القدر بل يريد به الجمع بينهما في الفعلية و الوجود (6) و لو أن رجلا استأجر إنسانا بدرهم أعطاه إياه عند فراغه من عمله ثم عمل له أجير من بعد عملا يساوي أجرته دينارا لصح أن يقال عند فراغ الإنسان من العمل أعط هذا الإنسان أجره كما أعطيت فلانا أجره أو يقول الأجير نفسه وفني أجرتي كما وفيت أجيرك بالأمس أجرته‏ (7) و لا يقصد (8) التمثيل بين الأجيرين في قدرهما و لا السؤال في إلحاق الثاني برتبة الأول على وجه الحط (9) عن منزلته و النقص له من حقه فهكذا القول في مسألتنا الله سبحانه الصلاة على محمد و آله ع كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم‏ (10) حسب ما بيناه و شرحناه.

(فصل) فأما تكرار القول بأنه قد صح أنهم أنوار فقد قلنا فيه ما يكفى‏ (11) و بينا

____________

(1)- في الأصل وحش: بتحيز. مل، مر، رض 2: تنجز، و لعلّ الصواب ما أثبتناه عن رض.

(2)- رض: من اللّه.

(3)- مل، مر، رض 2: التعارف.

(4)- مر، رض 2: لمن كسا عبده أو ولده: «افعل مع هذا كما فعلت مع فلان، و إن لم يكن الأوّل أفضل من الآخر و يكون الآخر مستحقّا أكثر». و من هنا إلى المسألة الرابعة سقط في هاتين النسختين.

(5)- رض، مل: مائية.

(6)- رض، مل: و الوجوب.

(7)- رض، حش: اجره.

(8)- رض، مل:+ بذلك.

(9)- رض، مل:+ له.

(10)- «كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم» غير موجودة في رض و مل و حش.

(11)- حش، رض، مل: كفى.

31

أنه مذهب مردود (1) و وصفنا الذاهب إليه من الناس بما ذكره‏ (2) من الغلو و التقليد بغير بيان و أما الخبر الثابت‏

عن النبي ع‏ (3)

أنا دعوة إبراهيم‏

(4)

فلم يأت بأنه كان جوابا عن المسألة له عن بدء أمره و لو سئل عن بدء أمره لما كان لقوله أنا دعوة إبراهيم محصول‏ (5) لأنه إن أراد بالبدء الإرسال فلم يكن عن‏ (6) دعوة إبراهيم و إن أراد الذكر فقد كان ذلك قبل إبراهيم حين ذكره الله لنبيه آدم ع و في الخبر أنه مذكور (7) للملائكة (8) قبل آدم ع‏ (9) و بالجملة (10) فإنا غير مصححين لقدم الأنوار التي ذكرها السائل و قد قلنا في ذلك ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى.

[كيف قال يعقوب ع أخاف أن يأكله الذئب مع أن لحوم الأنبياء محرمة على الوحوش‏]

(المسألة الثالثة) و سأل السائل أيضا عن قول يعقوب ع لما رأى يوسف‏ (11) المنام فقال‏ وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى‏ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ‏ (12) و قوله بعد ذلك لإخوته‏ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏ (13) و قد علم أنه يكون نبيا و أنه‏

____________

(1)- رض، مل: مرذول.

(2)- رض، مل: بما ذكرناه.

(3)- رض، مل:+ أنّه قال.

(4)- عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول اللّه! ما كان بدء أمرك؟ قال: دعوة أبى إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمّى أنّه خرج منها شي‏ء أضاءت منه قصور الشام. (تفسير نور الثقلين 1/ 130).

(5)- رض: معنى محصّل.

(6)- رض، مل: عند.

(7)- رض: كان مذكورا.

(8)- عن أبي ذرّ الغفارىّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في خبر طويل في وصف المعراج ساقه إلى أن قال: قلت: يا ملائكة ربّى هل تعرفونا حقّ معرفتنا؟ فقالوا: يا نبىّ اللّه و كيف لا نعرفكم و أنتم اوّل ما خلق اللّه؟ خلقكم اشباح نور من نوره ... ثمّ خلق الملائكة من بدء ما أراد من أنوار شتّى، و كنّا نمرّ بكم و أنتم تسبّحون و تحمدون و تهلّلون و تكبّرون و تمجّدون و تقدّسون، فنسبّح و نقدّس و نمجّد و نكبّر و نهلّل بتسبيحكم و تحميدكم و تهليلكم و تكبيركم و تقديسكم و تمجيدكم ... الخ. (بحار الأنوار 15/ 8).

(9)- «و في الخبر ... (عليه السلام)» غير موجودة في مل.

(10)- رض، مل: و في الجملة.

(11)- حش، رض، مل:+ (عليه السلام).

(12)- سورة يوسف (12): 6.

(13)- سورة يوسف (12): 13. «وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» غير موجودة في رض و مل.

32

لا يجوز أن يأكله الذئب‏ (1) مع إجماعنا على أن لحوم الأنبياء محرمة على الوحش الجواب و بالله التوفيق أن يعقوب ع تأول رؤيا يوسف ع على حكم رؤيا البشر التي يصح منها و يبطل و يكون التأويل لها مشترطا بالمشيئة (2) و لم يكن يوسف ع‏ (3) في تلك الحال‏ (4) نبيا يوحى إليه في المنام فيكون تأويلها على القطع و الثبات فلذلك لم يجزم على ما اقتضته من التأويل و خاف عليه أكل الذئب عند إخراجه مع إخوته في الوجه الذي التمسوا إخراجه معهم فيه و ليس ذلك بأعجب من رؤيا إبراهيم ع في المنام و هو نبي مرسل و خليل للرحمن‏ (5) مصطفى مفضل أنه يذبح ابنه ثم صرفه الله تعالى عن ذبحه و فداه منه بنص التنزيل مع أن رؤيا المنام أيضا على شرط صحة تأويلها و وقوعه لا محالة ليس بخاص لا يحتمل الوجوه‏ (6) بل هو جاري مجرى القول الظاهر المصروف بالدليل عن حقيقته إلى المجاز و كالعموم الذي يصرف عن ظاهره إلى الخصوص بقرائنه من البرهان و إذا كان‏ (7) على ما وصفناه أمكن أن يخاف يعقوب‏ (8) على يوسف ع من العطب قبل البلوغ و إن كانت رؤياه تقتضي على ظاهر حكمها بلوغه و نيله النبوة و سلامته من الآفات و هذا بين لمن تأمله و الله الموفق للصواب.

[كيف تسجد النجوم و الشمس و القمر و الجبال كما ورد في القرآن‏]

(المسألة الرابعة) و سأل هذا السائل‏ (9) عن قوله تعالى‏ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ‏ (10) و قوله‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي‏ (11) الْأَرْضِ‏

____________

(1)- «و قد علم أنّه ... أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» غير موجودة في رض و مل.

(2)- رض، مل: بالمشيّة.

(3)- حش، رض، مل:+ (عليه السلام).

(4)- «فى تلك الحال» غير موجودة في رض.

(5)- حش، رض، مل: خليل الرحمن.

(6)- حش: الوجوب.

(7)- رض، مل:+ الامر.

(8)- رض، مل:+ (عليه السلام).

(9)- مر، رض 2: مسألة من الأول و سأل.

(10)- سورة الرحمن (55): 6.

(11)- «من في» ساقطة من الأصل و حش و مل.

33

وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ (1) و قال هذه كلها جمادات لا حياة لها (2) فكيف تكون ساجدة لله و ما معنى سجودها المذكور.

و الجواب و بالله التوفيق أن السجود في اللغة التذلل‏ (3) و الخضوع و منه سمي المطيع لله ساجدا لتذلله بالطاعة لمن أطاعه و سمي واضع جبهته على الأرض ساجدا لمن وضعها له لأنه تذلل بذلك له و خضع و الجمادات و إن فارقت الحيوانات بالجمادية فهي متذللة لله عز و جل من حيث لم تمتنع من تدبيره لها و أفعاله فيها و العرب تصف الجمادات بالسجود و تقصد بذلك‏ (4) ما شرحناه في معناه أ لا ترى إلى قول الشاعر و هو زيد الخيل.

بجمع تضل البلق في حجراته‏* * * ترى الأكم فيه سجدا للحوافر

أراد أن الأكم الصلاب في الأرض لا تمتنع من هدم حوافر الخيل لها و انخفاضها بها بعد الارتفاع و قال سويد الشاعر

ساجد المنخر لا يرفعه‏* * * خاشع الطرف أصم المستمع‏

و التذلل بالاضطرار و الاختيار لله عز اسمه يعم الجماد و الحيوان الناطق و المستبهم معا فالمتذلل لله تعالى بالاختيار و الفعل من نفسه‏ (5) هو الحي العاقل المكلف المطيع و المتذلل له بالاضطرار هو الحي المستبهم و الناطق الناقص عن حد التكليف و الكامل الكافر أيضا.

و الجمادات جميعهم مصرف بتدبير الله تعالى و غير ممتنع من أفعاله به و آثاره فيه فالكل إذا سجد لله جل اسمه متذلل له خاضع على ما بيناه و هذا ما لا يختل معناه على من له فهم باللسان.

____________

(1)- سورة الحجّ (22): 18.

(2)- مر، رض 2:+ و لا نطق.

(3)- رض: هو التذلّل و الخشوع. مل، مر، رض 2: هو التذلّل.

(4)- «بذلك» ساقطة من رض.

(5)- مر، رض 2: باختيار و عقل.

34

[كيف أصبح موسى ع تلميذ الخضر ع رغم أن موسى ع أرفع مرتبة منه‏]

(المسألة الخامسة) قال السائل و الأنبياء عندنا معصومون كاملون فما بال موسى ع كان‏ (1) تلميذا للخضر (2) و هو أعلى منه ثم أنكر على الخضر (3) فعله و الحق فيه.

الجواب و بالله التوفيق أن موسى ع‏ (4) اتبع الخضر قبل أن ينبأ و يبعث و هو إذ ذاك يطلب العلم و يلتمس الفضل فيه فلما كلمه الله و انتهى من الفضل في العبادة و العلم إلى الغاية التي بلغها بعثه الله تعالى رسولا و اختاره كليما نبيا و ليس في اتباع الأنبياء العلماء قبل نبوتهم قدح فيهم و لا منفر (5) عنهم و لا شين لهم و لا مانع من بعثتهم و اصطفائهم و لو كان موسى ع اتبع الخضر (6) بعد بعثته لم يكن ذلك أيضا قادحا في نبوته لأنه لم يتبعه لاستفادته منه علم شريعته و إنما اتبعه ليعرف باطن أحكامه التي لا يخل فقد علمه بها بكماله‏ (7) في علم ديانته و ليس من شرط الأنبياء ع أن يحيطوا بكل علم و لا أن يقفوا على باطن كل ظاهر و قد كان نبينا محمد ص‏ (8) أفضل النبيين و أعلم المرسلين و لم يكن محيطا بعلم النجوم و لا متعرضا لذلك و لا يتأتى منه قول الشعر و لا ينبغي له و كان أميا بنص التنزيل و لم يتعاط معرفة الصنائع‏ (9) و لما أراد المدينة (10) استأجر دليلا على سنن الطريق و كان يسأل عن الأخبار و يخفى عليه منها ما لم يأت به إليه صادق من الناس فكيف‏ (11) ينكر أن يتبع‏

____________

(1)- اثبتناها عن رض لاقتضاء السياق.

(2)- رض:+ (عليه السلام).

(3)- «على الخضر» ساقطة من رض.

(4)- رض، مل:+ (عليه السلام).

(5)- رض، مل: تنفير.

(6)- رض:+ (عليه السلام).

(7)- رض، مل: فقد علمه بكماله.

(8)- حش: عليه و آله الصلاة و السلام. رض: عليه و آله السلام.

(9)- رض، مل:+ و المهن.

(10)- رض، مل: اللّه، هو تصحيف من الناسخ.

(11)- رض، مل: فلا.

35

موسى‏ (1) ع الخضر (2) بعد نبوته ليعرف بواطن الأمور فيما (3) كان يعلمه مما أورده الله سبحانه بعلمه من كون ملك يغصب السفن و كنز في موضع‏ (4) من الأرض و طفل إن بلغ كفر و أفسد (5) و ليس عدم العلم بذلك نقصا و لا شينا و لا موجبا لانخفاض عن رتبة نبوته‏ (6) و إرسال و أما إنكاره ع خرق السفينة و قتل الطفل فلم ينكره على كل حال و إنما أنكر الظاهر منه ليعلم باطن الحال منه و قد كان منكرا في ظاهر الحال و ذلك جار مجرى قبول الأنبياء ع شهادات العدول في الظاهر و إن كانوا كذبه في الباطن و عند الله و إقامة الحدود بالشهادات و إن كان المحدودون براء في الباطن و عند الله و هذا أيضا مما لا يلتبس‏ (7) الأمر فيه على متأمل له من العقلاء.

[معنى قول علي ع اللهم أبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني‏]

(المسألة السادسة) و سئل عن‏

قول أمير المؤمنين ع في دعائه على القاعدين عن نصرته من جنده‏

اللهم أبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني‏

(8)

فقال ما وجه هذا الكلام و لم يكن ع شريرا و لا كانوا هم أخيارا و كيف يسأل الله أن يبدلهم به شريرا و الشر ليس من الله.

الجواب و بالله التوفيق أن العرب تصف الإنسان بما يعتقده في نفسه و إن كان اعتقاده ذلك باطلا و تذكر أنفسها بما هي على خلافه لاعتقاد المخاطب فيها (9) ذلك و لما ذكرناه نظائر في القرآن و أشعار العرب الفصحاء.

____________

(1)- حش، مل:+ (عليه السلام).

(2)- رض:+ (عليه السلام).

(3)- في الأصل و حش: فما صحّحناها عن رض و مل.

(4)- «فى موضع» ساقطة من رض و مل.

(5)- حش: فسد

(6)- رض: لانخفاض رتبته عن نبوّة.

(7)- رض، مل: لا يلبس.

(8)- نهج البلاغة، الخطبة 25: اللّهمّ إنّي قد مللتهم و ملّونى و سئمتهم و سئمونى، فأبدلنى بهم خيرا منهم و أبدلهم بى شرّا منّى.

(9)- رض، مل: فيه.

36

قال الله عز اسمه‏ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ‏ (1) و لم يكن كذلك بل كان ذليلا لئيما فوصفه بضد ما هو عليه لاعتقاده ذلك في نفسه و اعتقاد من اعتقد فيه ذلك‏ (2).

و قال حكاية عن موسى ع فيما خاطب به السامري‏ وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً (3) و لم يرد إلهه في الحقيقة الذي هو الله عز و جل و إنما أراد إلهه في اعتقاده و قال حسان بن ثابت يرد على أبي سفيان فيما هجا به النبي ص‏

أ تهجوه و لست له بند* * * فشركما لخيركما الفداء (4)

و لم يكن في النبي ص‏ (5) شر و لا كان ص‏ (6) شريرا حاشاه من ذلك و إنما أراد حسان بما أورده من لفظ الدعاء في البيت الذي أثبتناه عنه ما قدمناه من تعلق الصفة باعتقاد المخاطب أو تقديرها على ما يمكن من اعتقاد الخطإ في ذلك حسب ما شرحناه و في معنى ذلك قوله تعالى‏ أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ‏ (7) و معلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم‏ (8) على حال و نظائر ذلك كثيرة.

____________

(1)- سورة الدخان (44): 49.

(2)- حش، رض، مل: ذلك فيه.

(3)- سورة طه (20): 97.

(4)- ديوان حسّان بن ثابت ص 20:

هجوت محمّدا فأجبت عنه‏* * * و عند اللّه في ذاك الجزاء

أ تهجوه و لست له بكف‏ء* * * فشرّكما لخيركما الفداء

هجوت مباركا برّا حنيفا* * * أمين اللّه شيمته الوفاء

(5)- حش، مل: عليه و آله السلام.

(6)- حش، مل: (صلوات اللّه عليه)

(7)- سورة الصافّات (37): 62

(8)- «و معلوم انه لا خير في شجرة الزقوم» ساقطة من رض و مل.

37

(فصل) فأما قول السائل إن أمير المؤمنين ع سأل الله إبدالهم به شرا منه و التمس منه الشر مع أنه تعالى لا يفعل الشر (1) فالوجه فيه على خلاف ما ظنه و هو أنه ع لم‏ (2) يسأل الله سبحانه أن يفعل بخلقه شرا و لا أن ينصب عليهم شريرا لكنه سأله التخلية بين الأشرار من خلقه و بينهم عقوبة لهم و امتحانا و سأله أيضا أن لا يعصمهم من فتنة الظالمين بما قدمت أيديهم مما يستحقون به العذاب المهين و نظير ذلك في معناه قوله تعالى‏ وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏ (3) و قوله‏ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (4) و قوله تعالى‏ وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها (5) و لم يرد بذلك البعثة التي هي بعثة الرسل و لا الأمر بذلك‏ (6) و الترغيب فيه و إنما أراد التخلية و التمكين و ترك الحيلولة بينهم و بين المذكور (7) و هذا بين و الله المحمود.

____________

(1)- رض: لا يفعله.

(2)- ساقطة من الأصل و حش، و أثبتناها عن رض و مل لما يقتضيه المعنى.

(3)- سورة الأعراف (7): 167.

(4)- سورة مريم (19): 83.

(5)- سورة الأنعام (6): 123.

(6)- مل، مر، رض 2:+ و لا الأمر لفعله. حش+ و لا الامر بفعله.

(7)- مر، رض 2: المذكورين.

38

[كيف تصل الأوامر و النواه الإلهية إلى الأئمة ع‏]

(المسألة السابعة) و سأل فقال إذا كان الله تعالى لا تعلم‏ (1) هيئته و لا يحس و لا يدرك كيفيته و لا يشبه خلقه و لا تحسه الأوهام و الخواطر و لا يحويه مكان و لا حيث‏ (2) و لا أوان فكيف صدر الأمر و النهي عنه إلى الحجج ع و كيف هيئة ذلك هذا سؤال السائل بألفاظه مع اختلاطها و فسادها.

و الجواب و بالله التوفيق إن الله تعالى‏ (3) عن أن يكون له هيئة أو كيفية أو يشبه شيئا من خلقه أو يتصور في الأوهام أو يصح خطور ذلك‏ (4) على الصحة لأحد ببال و تعالى‏ (5) أيضا عن المكان و الزمان و حصول الأمر منه و النهي للحجج ع و السفراء ثابت معقول لا يشتبه معناه على الألباء (6) و هو أن يحدث سبحانه كلاما في محل يقوم به الكلام كالهواء و غيره من الأجسام يخاطب به المؤهل للرسالة و يدله على أنه كلامه سبحانه‏ (7) دون من سواه بأنه لا يقدر عليها أحد من الخلق على كل حال‏ (8) فيعلم المخاطب بذلك أنه كلام الله لما قد ثبت في العقول من حكمته تعالى‏ (9) و أنه لا يلبس على العباد و لا يصدق كاذبا عليه و لا يعضد باطلا ببرهان.

و نظير ذلك إرساله لموسى ع و تكليمه‏ (10) إياه و وحيه إليه في البعثة له‏

____________

(1)- رض، مل، مر، رض 2: لا يعلم.

(2)- في الأصل و حش: بحيث. صحّحناها عن رض و مر و رض 2.

(3)- رض، مل: يتعالى.

(4)- رض: حضور ذاته. مل: حضور ذلك.

(5)- رض، مل: و يتعالى.

(6)- رض، مل: الأولياء.

(7)- أثبتناها عن حش و رض و مر.

(8)- حش، رض، مل، مر، رض 2: على حال.

(9)- أثبتناها عن حش و رض و مل. مر: حكمة اللّه تعالى.

(10)- رض، مل، رض 2: كلامه.

39

و الإرسال فأحدث كلاما في الشجرة التي رام موسى منها اقتباس النار أو فيما يتصل بالشجرة من الهواء (1) و دله على أنه كلامه تعالى‏ (2) دون من سواه بجعل يده بيضاء من غير سوء و قلب عصاه ثعبانا حيا يسعى في الحال فعلم موسى ع بهذين المعجزين أن المكلم‏ (3) له إذ ذاك هو الله جل اسمه الذي لا يقدر على مثل صنيعه‏ (4) باليد و العصا أحد من الخلق‏ (5).

ثم قد يكون الكلام من الله تعالى في معنى الإرسال بخاطب‏ (6) المرسل نفسه من غير واسطة بينه و بينه من السفراء و قد يكون بخطاب ملك يتوسط في السفارة بينه و بين المبعوث من البشر و يعضد كلامه للملك بمثل ما عضد كلامه لموسى ع من الآيات و هذا بين لا إشكال فيه و المنة لله‏ (7)

[معنى قول النبي ص أن يحيى ع سيد و لم يسم غيره أنه سيكون أفضل الأنبياء]

(المسألة الثامنة) و سأل فقال قد ورد الخبر

أن النبي ص قال‏

ما منا إلا من هم أو عصى إلا يحيى بن زكريا فإنه ما هم و لا عصى‏

(8)

قال و قد سماه الله سيدا

(9)

و لم يسم غيره‏

و إذا صح ذلك فهو خير الأنبياء.

____________

(1)- في الأصل: فيما يتّصل من الهواء بالشجرة، اخترناها وفاقا لسائر النسخ.

(2)- باقى النسخ: سبحانه.

(3)- رض، مل، مر، رض 2: المتكلّم.

(4)- رض 2: صنعته. مر: صفته.

(5)- مر، رض 2:+ و العباد.

(6)- رض: يخاطب.

(7)- رض:+ تعالى.

(8)- ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام) (ص 659): لكنّه ما من عبد عبد اللّه عزّ و جلّ إلّا و قد أخطأ أو همّ بخطإ، ما خلا يحيى بن زكريّا، فانّه لم يذنب، و لم يهمّ بذنب. و نقلها العلّامة المجلسيّ في البحار 14/ 186.

و في الدرّ المنثور (4/ 262): أخرج أحمد و الحكيم الترمذي في نوادر الأصول و الحاكم و ابن مردويه عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: ما من أحد من ولد آدم إلّا و قد أخطأ أو همّ بخطيئة إلّا يحيى بن زكريّا لم يهمّ بخطيئة و لم يعملها. راجع أيضا المستدرك على الصحيحين- للحاكم النيشابورى- 2/ 591.

(9)- اشارة إلى قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏- سورة آل عمران (3): 39.

40

و الجواب و بالله التوفيق أن هذا الخبر غير ثابت عن النبي ص و لو ثبت لما وجب أن يكون يحيى أفضل الأنبياء (1) إذ كان من هم و عصى قد تزيد (2) تكاليفه على من لم يهم و لم يعص و تكون طاعاته و قربه أكبر (3) و أعماله أشق‏ (4) و أكثر صلاحا للخلق و أنفع لا سيما و هم‏ (5) الأنبياء (6) و معاصيهم على مذهب من جوز ذلك عليهم من أهل العدل صغائر مغفورة.

فأما وصف الله تعالى ليحيى ع‏ (7) بأنه سيد فذلك أيضا مما لا يوجب تفضيله على الأنبياء ع لأنه لم يوصف بالسيادة و الفضل عليهم و إنما وصف بسيادة قومه و التقدم‏ (8) على أتباعه و أهل عصره و ذلك غير مقتض لسيادته على النبيين‏ (9) و تقدمه في الفضل على كافة المرسلين حسبما ذكرناه.

[كيف أطلق على المعدوم شي‏ء و وجه الخطاب له‏]

(المسألة التاسعة) و سئل عن قوله تعالى‏ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (10) فسمي المعدوم شيئا و المعدوم ليس بشي‏ء و خاطب المعدوم و المخاطب لا يكون إلا لموجود (11).

و الجواب و بالله التوفيق أن العرب‏ (12) تطلق على المعدوم ما لا يستحقه من‏

____________

(1)- حش، مل:+ (عليهم السلام).

(2)- رض، مل: يزيد.

(3)- رض، مل: أكثر.

(4)- رض: و أشق أعمالا.

(5)- رض، مل: و همّة.

(6)- حش، مل:+ (عليهم السلام).

(7)- حش، رض، مل:+ (عليه السلام).

(8)- في الأصل: و التقديم، صحّحناها على باقى النسخ.

(9)- مل: لسيادته النبيّين.

(10)- سورة النحل (16): 40.

(11)- مل: بموجود.

(12)- مر، رض 2: إنّ القرآن نزل بلسان العرب و العرب ...

41

السمة (1) على الحقيقة إلا عند الوجود توسعا و مجازا أ لا ترى أنهم يقولون فلان مستطيع للحج فيطلقون على ما لم‏ (2) يقع من الفعل الذي إذا وجد كان حجا اسم الحج و يقولون تريد (3) في هذه السنة الجهاد فيسمون ما لم يقع بالجهاد و هو لا يستحق السمة (1) بذلك إلا بعد الوجود و زيد في نفسه خصومة عمرو و صلح خالد و خطاب عبد الله و مناظرة بكر و الخصومة و الصلح و الخطاب و المناظرة لا تكون في الحقيقة إلا بأفعال موجودة و قد أطلقوا عليها السمة قبل الوجود و في حال عدمها و قبل كونها على ما وصفناه و قد قال الله تعالى مخبرا عن المسيح ع أنه قال‏ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (4) فسماه رسولا قبل وجوده و الرسول لا يكون رسولا في حال عدمه و لا يستحق هذه السمة إلا بعد وجوده و بعثته.

(فصل) (5) فأما قوله إن الخطاب لا يتوجه إلا إلى موجود و لا يصح توجهه إلى المعدوم فالأمر كذلك و لم يخبر الله تعالى بأنه خاطب معدوما و لا كلم غير موجود و إنما أخبر أن الأفعال غير متعذرة عليه و أنه مهما أراد إيجاده‏ (6) منها وجد كما أراد و العرب تتوسع بمثل ذلك في الكلام فيقول القائل منهم في الخبر عمن يريد ذكره باتساع القدرة و نفوذ الأمر و قوة السلطان فلان إذا أراد شيئا و قال له كن فكان و هو لا يقصد بذلك الخبر عن كلامه لمعدوم و إنما يخبر عن قدرته و تيسر الأمر (7) له حسبما بيناه.

____________

(1)- رض 2: التسمية.

(2)- ساقطة من الأصل و حش، أثبتناها عن سائر النسخ لما يقتضيه السياق.

(3)- رض، رض 2: يريد. مل، مر: نريد.

(4)- سورة الصف (61): 6.

(5)- أثبتناها عن مر و رض 2.

(6)- رض: ايجاد شي‏ء.

(7)- رض، مل، مر، رض 2: عليه.

42

[كيف يكون الخطاب للمعدوم بعد فناء الخلق‏]

(المسألة العاشرة) و سئل عن قوله تعالى‏ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏ (1) فقال هذا خطاب منه لمعدوم لأنه يقوله عند فناء الخلق ثم يجيب نفسه فيقول‏ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ و كلام المعدوم سفه لا يقع من حكيم و جوابه لنفسه عن سؤاله المعدوم أو تقريره إياه خلاف للحكمة و العقول‏ (2).

و الجواب و بالله التوفيق أن الآية غير متضمنة (3) للخبر عن خطاب معدوم و لا تقرير لغير موجود بل فيها ما يوضح الخبر عن تقرير لموجود و هو قوله عز و جل‏ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ (4) و يوم التلاق هو يوم الحشر عند التقاء الأرواح و الأجساد و تلاقي الخلق بالاجتماع في الصعيد الواحد و قوله‏ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ‏ يؤكد ذلك إذ كان البروز (5) لا يكون إلا لموجود و المعدوم لا يوصف بظهور و لا بروز فدل ذلك على أن قوله تعالى‏ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏ خطاب للموجود (6) و تقرير لفاعل ثابت العين غير معدوم ثم ليس في الآية أن الله تعالى هو القائل ذلك بل فيها قول غير مضاف إلى قائل بعينه فيحتمل أن يكون القائل ملكا أمر بالنداء فأجابه أهل الموقف و يحتمل أن يكون الله تعالى هو القائل مقررا غير مستخبر و المجيبون هم البشر المبعوثون أو الملائكة الحاضرون أو الجميع مع الجان و سائر المكلفين غير أنه ليس في ظاهر الآية و لا باطنها ما يدل على أن الكلام لمعدوم على ما ظنه السائل و أقدم على القول به من غير بصيرة و لا يقين‏ (7).

و وجه آخر و هو أن قوله عز و جل‏ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏ يفيد وقوعه في حال إنزال‏ (8)

____________

(1)- سورة غافر (40): 16.

(2)- رض، مل، مر، رض 2: فى العقول.

(3)- رض، مل: غير مضمنة.

(4)- سورة غافر (40): 15- 16.

(5)- رض 2: إذ البروز.

(6)- سائر النسخ: لموجود.

(7)- حش: و لا تبيين.

(8)- باقى النسخ: إنزاله.

43

الآية دون المستقبل أ لا ترى إلى قوله لنبيه ص‏ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏ يعني اليوم الذي تقدم ذكره ثم قال‏ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فكان قوله‏ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏ تنبيها على أن الملك لله تعالى وحده يومئذ و لم يقصد به إلى تقرير و لا استخبار و قوله تعالى‏ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ تأكيد (1) للتنبيه و الدلالة على تفرده تعالى بالملك دون من سواه و يكون تقدير الآية كقول‏ (2) القائل يوم كذا و كذا لمن الأمر في اليوم المذكور أ ليس هو لفلان أو فلان و لم يقصد بذلك تقريرا و لا استخبارا و لا إخبارا (3) و إنما قصد الدلالة على حال المذكور في اليوم الموصوف و هذا ما لا شبهة فيه و الله المحمود.

[كيف كلم الله‏ (4) موسى ع‏]

(المسألة الحادية عشرة) و سئل عن كلام الله لموسى ع بأي شي‏ء كان ذلك و قد علمنا أن النطق لا يخرج إلا عن‏ (5) مكيف تعالى الله عن ذلك فما هذا النطق و ما ورد فيه.

و الجواب و بالله التوفيق أن الله تعالى كلم موسى ع بأن فعل كلاما له في الشجرة التي سمعه منها أو في الهواء المتصل بها (6) و الكلام غير محتاج إلى كيفية المتكلم‏ (7) به و إنما يحتاج إلى محل يقوم به سواء كان لفاعله كيفية أم لم يكن‏ (8) له و كذلك ما عدا (9) الكلام من الأعراض كلها يحتاج إلى كيفية (10)

____________

(1)- رض، رض 2: تاكيدا.

(2)- مر، رض 2: على قول. رض، مل: قول.

(3)- مر، رض 2: و لا يقصد بذلك تقرير و لا استخبار و لا إخبار.

(4)- باقى النسخ:+ تعالى.

(5)- سائر النسخ: من.

(6)- رض، مل، مر، رض 2: به.

(7)- حش، رض، مر: للمتكلّم.

(8)- رض، مل: لم تكن.

(9)- أثبتناها عن رض و مل. و في مر و رض 2: ما سوى.

(10)- رض، مل، مر، رض 2: إلى محلّ يقوم به.

44

و لا يفتقر في صحة العقل‏ (1) لها إلى كيفية الفاعل‏ (2) و لم يكن الفاعل فاعلا من حيث كانت له كيفية و لا ذلك من حده و حقيقته و لا من شرط كونه فاعلا بل حقيقة الفاعل خروج مقدوره إلى الوجود و هو معناه و كل فاعل خارج مقدوره إلى الوجود فهو فاعل فأما كون الشي‏ء جسما أو جوهرا فليس من حدود الفاعلين و لا من حقائقهم و لا من‏ (3) شروطهم على ما ذكرناه.

و الذي يدل على ذلك أنه قد يعرف الفاعل فاعلا من لا يعتقده جسما و لا جوهرا و لا يعرفه بذلك و يعرف الجسم جسما و الجوهر جوهرا من لا يعتقده فاعلا و لا يعلمه كذلك و لا يجوز الفعلية منه فيعلم أن المتكلم لا يحتاج في كونه متكلما إلى كيفيته‏ (4) إذ كان معنى المتكلم و حقيقته من فعل الكلام بدلالة أن كل من عرف شيئا فاعلا للكلام عرفه متكلما و كل من عرفه متكلما علمه فاعلا للكلام و من اشتبه الأمر في فعله للكلام اشتبه في كونه متكلما و هذا واضح لمن تأمله إن شاء الله.

(فصل) (5) فأما الوصف لكلام الله تعالى بأنه نطق فمنكر من القول و لا يجوز وصف الباري تعالى بالنطق و إن وصف بالكلام إذ ليس معنى النطق معنى الكلام بل هما مختلفان في لسان العرب غير متفقين إذ كان المتكلم عندهم من فعل الكلام على ما بيناه و الناطق ما كانت له أصوات تختص بآلته المنبثة (6) في جملة جسمه و إن لم تكن تلك الأصوات كلاما مفهوما على ما ذكرناه و لو لم يكن به شرع و لا تضمنه القرآن و لا أطلقه أحد من أئمة أهل الإيمان لكفى فكيف و القول فيه ما ذكرناه.

____________

(1)- رض، مر، رض 2: الفعل.

(2)- حش، رض، مل: للفاعل.

(3)- «من» ليس في باقى النسخ.

(4)- رض، مل، مر، رض 2: كيفيّة.

(5)- أثبتناها عن مر و رض 2.

(6)- حش: المثبتة. رض 2: بآلة منبثّة.

45

[هل في القرآن نص على خلافة أمير المؤمنين ع و هل النص مقدم على الانتخاب‏]

(المسألة الثانية عشر) و سأل فقال إن قال المخالف أوجدونا النص على علي ع في القرآن و أن النص أوجب من الاختيار بدليل عقل و شرع و بطلان الخبر المروي في الاستخلاف على الصلاة و أنه لو صح لم يجز خلافه به و الجواب و بالله التوفيق‏ (1) هذه ثلاث مسائل متباينات في المعاني و الألفاظ و قد أمليت في كل واحدة منها كلاما محفوظا عند أصحابنا و أوضحت فيها ما يحتاج إليه المسترشد من البيان فأنا (2) أرسم في كل واحدة منها جملة من القول كافية في هذا المكان إن شاء الله. (3) (فصل) أما قوله‏ (4) أوجدونا النص على أمير المؤمنين ع في القرآن فإنا نقول إن ذلك ثابت في مجملة (5) دون التفصيل منه و الظاهر الذي يخرج عن الاحتمال و لو كان ظاهرا في القرآن على التفصيل و البيان لما وقع فيه تنازع و اختلاف و ليس وجوده في المحتمل من الكلام بمانع من قيام الحجة به على الأنام كما كان النص على رسول الله ص بالنبوة و البشارة به في مجمل كلام الله سبحانه من التوراة و الإنجيل و لم يكن‏ (6) ذلك مانعا من قيام الحجة به على الأنام و كما ثبت عند المخالف لنا إمامة أئمتهم‏ (7) و إن لم يكن عليها نص جلي من القرآن و ثبت أنهم في الجنة (8) على قولهم‏ (9) بالنص‏ (10) عن‏

____________

(1)- «و الجواب و باللّه التوفيق» ليست في رض و مل و مر و رض 2. و الموجود في الثلاث الأخيرة:

فصل.

(2)- رض، مل: فأنا.

(3)- رض، رض 2:+ تعالى.

(4)- رض، مل: أمّا قولهم. مر، رض 2: فامّا قولهم.

(5)- مر: فى الجملة. رض: فى محله.

(6)- رض، مل، رض 2: لم يك.

(7)- باقى النسخ: ائمته.

(8)- في الأصل: بالجنّة، اخترناها عن سائر النسخ.

(9)- حش، رض، مل: على قوله.

(10)- في الأصل: فى النصّ، اخترناها عن باقى النسخ.

46

النبي ص و إن لم يكن ذلك موجودا في نصوص القرآن و كما ثبت النص‏ (1) على النصاب في المال الذي‏ (2) فيه الزكاة و صفة الصلاة و كيفيتها و صفة الصيام و مناسك الحج و إن لم يكن ذلك كله منصوصا في‏ (3) القرآن و ثبتت معجزات النبي‏ (4) ص و قامت حجتها على الخلق و إن لم تكن منصوصة في ظاهر القرآن فكذلك ثبتت‏ (5) إمامة أمير المؤمنين ع بالنص من رسول الله ص‏ (6) و إن لم يكن ذلك مودعا في صريح القرآن.

(فصل) فمن المواضع التي‏ (7) ثبت فيها النص على إمامة أمير المؤمنين ع من مجمل القرآن قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (8) ففرض طاعة أولياء الأمر كفرض طاعة نفسه و نبيه ص‏ (9) و أمير المؤمنين ع من أولياء الأمر بغير إشكال‏ (10) إذ كان للناس في معنى هذه الآية أقوال أحدها أن أولياء الأمر العلماء الثاني‏ (11) هم أمراء السرايا الثالث‏ (12) أنهم الأئمة للأنام و قد حصل لأمير المؤمنين ع جميع هذه الأوصاف فكان من جملة العلماء باتفاق و كان من وجوه أمراء السرايا للنبي‏ (13) ص‏

____________

(1)- أثبتناها عن رض، مل، مر و رض 2.

(2)- مل:+ تزكو. مر، رض 2:+ يجب.

(3)- رض، مل، مر، رض 2:+ ظاهر.

(4)- رض، مل: للرسول. مر: الرسول. رض 2: النبيّ الرسول.

(5)- رض 2: ثبّتنا.

(6)- حش: (عليهم السلام). مر: (عليهما السلام). رض 2: عليه و آله السلام.

(7)- في الأصل: الّذى، صحّحناها على باقى النسخ.

(8)- سورة النساء (4): 59.

(9)- رض 2: عليه و آله السلام.

(10)- رض: بلا إشكال.

(11)- باقى النسخ: و الثاني.

(12)- باقى النسخ: و الثالث.

(13)- رض: سرايا النبيّ.

47

بغير اختلاف و كانت له الإمامة بعده في حال على الاجتماع‏ (1) في ذلك و عدم التنازع فيه بين جمهور العلماء فوجب أن يكون معينا بالآية على ما بيناه و إذا كانت الآية مفيدة لفرض طاعته على حسب إفادتها طاعة النبي ص‏ (2) ثبت بذلك‏ (3) إمامته في تنزيل القرآن. (4) (فصل) و من ذلك قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (5) و قد ثبت أن المنادى به غير المنادى إليه و أن المأمور بالاتباع غير المدعو إلى اتباعه فدل ذلك على أن‏ (6) المأمورين باتباع الصادقين ليسوا هم الأمة بأجمعها و إنما هم طوائف منها و أن المأمور باتباعه غير المأمور بالاتباع‏ (7) و لا بد من تمييز الفريقين بالنص و إلا وقع الالتباس‏ (8) و كان فيه تكليف ما لا يطاق فلما بحثنا عن المأمور باتباعه وجدنا القرآن دالا عليه بقوله تعالى‏ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ (9) فذكر سبحانه خصالا تقتضي لصاحبها بمجموعها التصديق و الصدق و دل على أنه عنى بالصادقين الذين‏

____________

(1)- رض 2: الإجماع.

(2)- رض 2: عليه و آله السلام.

(3)- حش: ذكر.

(4)- مر:+ على ما بيّنّاه.

(5)- سورة التوبة (9): 119.

(6)- رض، مل:+ المؤمنين. حش، مر، رض 2:+ أمير المؤمنين، و هو تصحيف من الناسخ كما انّه في حش قد شطب عليها.

(7)- رض: و أنّ المأمور بالاتّباع غير المأمور باتّباعه.

(8)- رض، مل، رض 2: الإلباس.

(9)- سورة البقرة (2): 177.

48

أمروا (1) باتباعهم من جمع الخلال التي عددناها دون غيره‏ (2) و صح بذلك التمييز (3) بين المأمور بالاتباع و المدعو إلى اتباعه و لم نجد أحدا كملت له هذه الخصال المذكورة في القرآن من أصحاب النبي ص سوى أمير المؤمنين ع‏ (4) بتواتر الأخبار و دلائل معاني القرآن أ لا ترى أنه‏ (5) أعظم‏ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ و أجلهم و أرفعهم قدرا إذ كان أولهم إيمانا و كان مشهودا له بالإيمان بالله و اليوم الآخر وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ‏ و كان ع ممن‏ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏ ... وَ فِي الرِّقابِ‏ و قد شهد بذلك له القرآن في قوله تعالى‏ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (6) و كان هو المعني بذلك في هذه الآية على اتفاق العلماء (7) بتأويل القرآن و كان ع ممن‏ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ و قد نطق القرآن بذلك فيه‏ (8) على الخصوص و الإفراد حيث يقول سبحانه‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (9) فكانت هذه الآية على ما جاء به الثبت‏ (10) في تفسير القرآن و طابق اللفظ باللفظ في الاثنين‏ (11) معا على البيان و كان ع من الموفين لله بالعهد إذ لم يول الدبر في حرب قط و لا انهزم في مقام من المقامات عن الأعداء و لا عصى نبي الله تعالى‏ (12) في شي‏ء

____________

(1)- رض، مل، مر، رض 2: أمر.

(2)- في الأصل: غير، صحّحناها على باقى النسخ.

(3)- رض، رض 2: التميّز.

(4)- مل: (صلوات اللّه عليه).

(5)- رض، مل، مر، رض 2:+ من.

(6)- سورة الإنسان (76): 8.

(7)- رض 2: و كان المعنىّ في هذه الآية عليّ باتّفاق العلماء.

(8)- حش، رض، مر، رض 2: فيه بذلك.

(9)- سورة المائدة (5): 55.

(10)- حش: السبب. مر، رض 2: الاثر.

(11)- حش، رض، مل: الآيتين. رض 2: التلفظ اللفظ في الاثنين.

(12)- رض 2: عليه و آله السلام.

49

و لا فرط في عهد له عليه و عقد على حال‏ (1) و كان ع من‏ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ‏ بظاهر شجاعته‏ (2) و ثبوته في كل هول من غير جزع و لا خور له معروف‏ (3) على حال و ليس يمكن القطع باجتماع هذه الخلال لأحد سواه من الصحابة و غيرهم من الناس فثبت أنه هو الذي عناه الله تعالى بقوله‏ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (4) و هذا نص على فرض اتباعه و الطاعة له و الإيمان‏ (5) به في الدين من معنى المنزل في القرآن.

(فصل) و من ذلك قوله تعالى‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (6) فواجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء و جعل علامة المنادي إليه إيتاءه‏ (7) الزكاة في حال الركوع بقوله سبحانه‏ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ و لا خلاف عند أهل اللغة أن قول القائل‏ (8) جاءني زيد راكبا و جاءني زيد في حال ركوبه و رأيت عمرا و هو قائم و رأيته في حال قيامه كل واحد (9) من هذه الألفاظ يقوم مقام صاحبه و يفيد مفاده و إذا ثبت أن الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزكاة في حال ركوعه و لم يدع أحد من أهل القبلة لأحد أنه آتى الزكاة في حال ركوعه سوى أمير المؤمنين ع وجب أنه المعني بقوله‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (10) و إذا ثبت ولايته حسب ولاية الله و رسوله ص وجبت له بذلك الإمامة

____________

(1)- مل: كلّ حال.

(2)- حش، مل، مر، رض 2:+ (عليه السلام).

(3)- حش، رض، مل: و لا خور معروف له. مر، رض 2: و لا جاوز معروفا له.

(4)- سورة التوبة (9): 119.

(5)- باقى النسخ: الايتمام.

(6)- سورة المائدة (5): 55.

(7)- في الأصل و حش و مل: إتيانه، صحّحناها على رض، و في مر و رض 2: بايتاء.

(8)- رض، مل:+ «جاءنى زيد و هو راكب» يفيد مفاد قوله: «جاءنى زيد راكبا».

(9)- رض: واحدة.

(10)- أثبتناها من رض، مل، رض 2 و مر.

50

إذ كانت ولاية الله و رسوله ص للخلق إنما هي فرض الطاعة التي تجب للرعية و هذا كاف في معنى الآية عن إطالة خطب ينتشر به الكلام.

(فصل) مع أن الولاية في اللغة و إن كانت تكون بمعنى المودة فإنها في هذا الموضع غير متوجهة إلا إلى معنى فرض الطاعة لأن قوله تعالى‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ‏ جار مجرى قوله لا ولي لكم إلا الله‏ (1) و محال أن يقصد بالولاية هاهنا المحبة و المودة و لأنه‏ (2) قد أخبر في آية أخرى أن المؤمنين‏ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ‏ فدل على أن الولاية بهذه‏ (3) الآية خاصة لأمير المؤمنين‏ (4) ع بمعنى يزيد على المودة و لا وجه لما زاد على معنى المودة إلا ما ذكرناه من فرض الطاعة المقتضي لصاحبه من الخلق التقدم بالإمامة (5) على من عداه من الأنام و في هذا القدر مع إيجازه غناء (6) عما سواه و الإبانة (7) عما ذكرناه من تضمن الآية النص على أمير المؤمنين ع بالإمامة حسب ما قدمناه.

(فصل) و قد اشتبه على ضعفه من مخالفينا اختصاص أمير المؤمنين ع بالولاية المذكورة في القرآن لظاهر لفظ العموم في قوله‏ (8) وَ الَّذِينَ آمَنُوا فأنكروا لذلك أن يكون المعني بها أمير المؤمنين ع و هو واحد و هذا بعد منهم عن اللغة إذ كانت قد أتت بمثله في مواضع كثيرة من القرآن كقوله تعالى‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ (9) و هو لفظ عموم اختص بالبارئ وحده تعالى‏ (10)

____________

(1)- في الأصل و حش: الأولى لكم اللّه. صحّحناها على رض و مل.

(2)- رض، مل: لأنّه.

(3)- حش، رض، مل: فى هذه.

(4)- حش: بأمير المؤمنين.

(5)- رض، مل: بالإمام.

(6)- رض، مل: غنى.

(7)- رض، مل: و في الإبانة.

(8)- رض:+ تعالى.

(9)- سورة الحجر (15): 9.

(10)- رض: خصّ بالبارى تعالى وحده.

51

و كذلك قوله‏ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ‏ (1) و قوله عز و جل‏ وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (2) و قوله‏ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ (3) و قوله‏ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ‏ (4) و المخاطب به رسول واحد و قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَ‏ (5) فواجه‏ (6) تعالى بلفظ التوحيد ثم اتبع الكلام بلفظ الجمع و قال المفسرون في قوله تعالى‏ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ‏ (7) إن الناس هاهنا واحد و قوله‏ (8) تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ (9) نزلت في واحد بعينه نادى النبي ص فقال يا محمد إن مدحي زين و إن شتمي شين.

و قد جنى مخالفونا في هذا الباب على أنفسهم‏ (10) جناية واضحة و ذلك لقولهم أن المعني بقوله‏ وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ (11) نزلت في واحد بعينه و هو أبو بكر بن أبي قحافة على قولهم فكيف جاز أن يعبر عن أبي بكر بلفظ الجمع‏ (12) و فسد أن يعبر عن أمير المؤمنين‏ (13) بذلك لو لا الخزي‏ (14) و الخذلان نعوذ بالله من عدم التوفيق‏

____________

(1)- سورة نوح (71): 1.

(2)- سورة الذاريات (51): 47.

(3)- سورة الغاشية (88): 25- 26.

(4)- سورة المؤمنون (23): 51.

(5)- سورة الطلاق (65): 1.

(6)- حش، رض، مل: فواجهه.

(7)- سورة البقرة (2): 199.

(8)- رض، مل: و قالوا في قوله.

(9)- سورة الحجرات (49): 4.

(10)- رض، مل: على أنفسهم في هذا الباب.

(11)- سورة الزمر (39): 33.

(12)- رض، مل: الجماعة.

(13)- حش، رض، مل:+ (عليه السلام).

(14)- في الأصل و حش: الحين، صحّحناها على رض.

52

(فصل) و أما مسألتهم‏ (1) من أين صار النص أولى من الاختيار فالجواب‏ (2) أنه كان كذلك لأن من شرط الإمام أنه الأفضل عند الله و الأعلم الأشجع الأصلح و ذلك مما لا يعلم المستحق له على التعيين بالعقل و لا بالحدس‏ (3) فثبت أنه لا طريق إليه إلا بالنص من العالم بالسرائر و التوقيف منه عليه.

و أيضا فإن الإمام يجب أن يكون معصوما كعصمة النبي ص و لا طريق إلى العلم بالعصمة إلا من جهة النص من صادق عن الله أو علم معجز خارق للعادات.

و أيضا فإن الاختيار طريقه السمع دون العقول و ليس في الشرع فرض الاختيار و لا إباحته فبطلت الدعوى له في الإمامة و في بطلانها ثبوت النص و التوقيف.

(فصل) و أما سؤالهم‏ (4) في الخبر المروي عن النبي ص أنه استخلف أبا بكر على الصلاة فالجواب‏ (5) أن ذلك من أخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا و ما كان هذا سبيله لم تثبت‏ (6) به حجة في الدين و لأن الخبر بذلك جاء مختلفا في لفظه و معناه اختلافا يتناقض و القصة واحدة فدل على فساده بحسب ما ذكرناه.

____________

(1)- حش، رض، مل: و الجواب عن مسألتهم.

(2)- حش، رض، مل: فإنّه كان.

(3)- حش، رض، مل: بالحسّ.

(4)- حش، رض، مل: و الجواب عن سؤالهم.

(5)- حش، رض، مل: فإنّ ذلك من أخبار ...

(6)- حش، رض، مل: لم يثبت.