نهاية الدراية في شرح الكفاية - ج1

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
426 /
7

الجزء الأول‏

مقدّمة التّحقيق:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و التسليم على نبيه المصطفى، و رسوله المجتبى، محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و على أهل بيته الأمناء المعصومين، حجج اللّه تبارك و تعالى على العالمين.

و بعد:

فإنّ من مسلّمات القول و بديهياته- لدى عموم المتشرّعة- الايمان القطعي باعتبار الشريعة الاسلامية المباركة- بأحكامها المختلفة- ذات سعة و كمال قادرين على استيعاب مطلق الأفعال الاختيارية لبني الانسان منذ خلقه و حتى وفاته و إيداعه الثرى.

و هذه السعة و الاحاطة تنبعث أساسا من اعتماد القواعد الشرعية- أو الأدلة الشرعية- التي تتلخّص بالكتاب و السنّة و الاجماع و العقل كأدوات يستفرغ الأصولي جهده في استنباط الحكم الشرعي لجميع تلك الأفعال بواسطتها، و هي مهمة شاقة تتطلّب من الفقيه احاطة بالكثير من العلوم ذات التماس المباشر بعملية الاستنباط تلك:

8

و تكمن أهمية هذه الجهود في ترجمة الصلة الموضوعية بين الانسان و الدين، أو بالاحرى بين المخلوق و خالقه، من خلال رسم الخط البياني الموضّح لمسيرة ذلك الإنسان وفق الارادة السماوية و مشيئتها، و حيث تختلط من دونها الموازين، و تتداخل أبعادها، فينحدر من خلالها ذلك المخلوق نحو الحضيض و الاضمحلال.

و لقد كان حضور المعصوم (عليه السلام)- منذ بدء الدعوة الاسلامية و حتى ابتداء الغيبة الكبرى للامام المهدي (عليه السلام)- مغنيا عن الحاجة لمثل هذه العملية الشاقة، بيد أنّ وقوع الغيبة الكبرى فرضت الحاجة الالزامية لاعتماد الأصول الشرعية من أجل استنباط الأحكام الشرعية التي تفرزها الحاجات المتجددة للمجتمع الاسلامي مع مرور الزمان.

و لا نغالي إذا قلنا بأنّ فقهاء الشيعة قد وفقوا على مدّ هذه العصور في تجاوز هذه العقبات من خلال اعتماد الأصول التي وضعها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، و اغنوا المكتبة الاسلامية ببحوثهم و مؤلّفاتهم الثرة و الغنية التي لا عدّ لها و لا احصاء.

و الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم هو ثمرة طيبة من تلك الثمار المباركة لفقهاء الطائفة الاعلام، حيث عمد فيه مؤلّفه الشيخ الاصفهاني (قدّس سرّه) إلى شرح كتاب (كفاية الأصول) (1) للشيخ الخراساني (رحمة اللّه عليه) شرحا وافيا مزج فيه بين الفلسفة و الأصول ممّا جعله من أهم الشروح الكثيرة لهذا الكتاب النفيس الذي يعد- بلا شك- من أوسع المباحث التي دارت عليها رحى الدراسات العالية الأصولية في الحوزات العلمية.

____________

(1) صدر محققا عن مؤسستنا عام (409 ه).

9

ترجمة المؤلف:

فربما يكون التعرّض لترجمة أي علم من الاعلام البارزين من الامور التي تعد بحق من الميادين الحساسة و الدقيقة التي قد يخفق الكثيرون في استيعابها و ادراك جم دقائقها رغم سعيهم و مثابرتهم في تجاوز الانزلاق في هذا الامر و السقوط في ملابساته.

و من هنا فان المرء لا يعسر عليه ان يتبين بوضوح هذه الحقائق الشاخصة من خلال مطالعته المتأنية للعديد من تلك التراجم التي ينبغي ان تكون صورة صادقة عن الشخص المترجم، و حيث يجد ذلك التعثر دعوة صادقة لا عادة النظر و تجاوز هذا القصور، و الذي تبدو ابرز علله في الفهم الخارجي، و الدراسة السطحية لتلك الشخصيات باعتماد التراجم التي تطفح بالعبارات المكررة و العامة التي لا تلامس الابعاد الذاتية الحقيقية لتلك الشخصية محل الترجمة.

نعم، و اعتمادا على هذا التشخيص السليم لهذا السرد و فهم علله المضعفة نجد ان البعض من الباحثين يركز كثيرا في كتابة و صياغة اي ترجمة على ما سطّره ابناء و تلامذة و ملاصقو تلك الشخصية، ممّن عايشوا الكثير من الآنات المختلفة، و النكات الدقيقة الخاصة التي تخفى قطعا على الكثيرين من الذين تبعد دائرة اتصالهم عن القطب محل البحث.

و من ثم فانّنا عند محاولتنا للخوض في غمار الحديث عن واحد من الشخصيات الفذة لعلمائنا الابرار، من الذين تركوا الكثير من الآثار الخالدة التي يزدان بها التراث الشيعي الكبير، و هو الآية العظمى الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) سنحاول ان نعتمد كثيرا على ما كتبه عنه تلامذته و المقرّبون اليه، مع بعض التصرف الذي يتناسب و موضع الحاجة و البحث.

قال عنه تلميذه الحجة الشيخ المظفر (رحمه اللّه تعالى) معرّفا اياه: هو

10

الشيخ محمّد حسين الاصفهاني ابن الحاج محمّد حسن بن علي اكبر بن آقا بابا ابن آقا كوچك ابن الحاج محمّد إسماعيل ابن الحاج محمّد حاتم النخجواني.

و اضاف (رحمه اللّه تعالى): ولد استاذنا الشيخ (قدّس سرّه) في ثاني محرم الحرام سنة 1296 في النجف الاشرف من ابوين كريمين، و كان ابوه (رحمه اللّه تعالى) الحاج محمّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الاتقياء الذين يشار لهم بالانامل، المحبين للعلم و العلماء، فعاش في كنفه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الكثير الذي انفقه كلّه في سبيل طلب العلم، فنشأ نشأة المعتز بنفسه، المترفّع عما في أيدي الناس، و هذا ما زاده عزّا و إباء.

و اضاف ايضا: و قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل الى تحصيل العلم فظهرت معالم النبوغ الفطري على هذا الطفل الوادع حين تعلّم الخط، فأظهر في جميع أنواعه براعة فائقة، حتى أصبح من مشاهير الخط البارعين.

و طلب العلم (رحمه اللّه تعالى) في سن مبكرة، و انتقل الى النجف الاشرف في اخريات العقد الثاني من عمره‏ (1) فحضر في الاصول و الفقه على علّامة عصره المحقق الآخوند محمّد كاظم الخراساني (رحمه اللّه تعالى) و اختص به و كان من‏

____________

(1) نقل سماحة العلّامة الحجة السيّد عبد العزيز الطباطبائي عن الحجة الشيخ محمّد الغروي نجل المصنف ان والده كانت له منذ طفولته رغبة شديدة في تحصيل العلم و الدروس الحوزوية و كان ابوه التاجر لا يأذن له في ذلك و كان ملحا على أن يتجه لأمور التجارة و يعينه عليها في غرفته للتجارة و يسلمه الامور تدريجيا و ليس له ولد غيره يقوم مقامه.

و في احد الايام كان الجد و الاب مع بعض الاصحاب في صحن الامامين الجوادين (عليهما السلام) في مدينة الكاظمية، فتوجه الابن نحو المرقد الطاهر للامام موسى بن جعفر (عليه السلام) و سأل اللّه تبارك و تعالى بجاهه لديه ان يلين من موقف والده المعارض لرغبته و توجهه، يقول ولد المؤلف ان والدي ما ان اتم توسله حتى اجاب اللّه دعاءه و فوجئ بصوت ابيه يسأله ان كان لا زال عند رغبته الأولى في التفرغ للدراسة الحوزوية، فلما رد الابن بالايجاب قال له: اذهب الى النجف اذن و ادرس.

11

مشاهير تلامذته، و حيث امتدت صحبته له ثلاثة عشر عاما (1).

منزلته العلمية:

يصف منزلته العلمية تلميذه الشيخ المظفر: كان من زمرة النوابغ القلائل الذين يضنّ بهم الزمان إلّا في الفترات المتقطعة، و من اولئك المجددين للمذهب الذين يبعث اللّه تعالى واحدا منهم في كل قرن، و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ قرون علمي الفقه و الأصول‏ (2).

و لقد كان المصنف (قدّس سرّه) محط اكبار العظماء في عصره كما يظهر من كلمة آية اللّه السيد حسن الصدر في اجازته له المثبتة في آخر مقدمة التحقيق، فقد جاء فيها: الشيخ الفقيه العلّامة المجتهد حجة الاسلام الشيخ محمّد حسين الاصفهاني الغروي الفوز بفضيلة الشركة في النظم في سلسلة اهل العصمة فكتب إلى في طلب ذلك فزاد اللّه جل جلاله في شرفه، فأجزته بكل طرقي في الرواية ... و قد حررت لك هذه الاجازة يوم الاربعاء ثامن عشر شعبان يوم ورود كتابك الشريف فأسرعت في الكتابة امتثالا لامرك الشريف رجاء الفوز بدعائك.

و احتل المصنف (قدّس سرّه) مكانة مرموقة و منزلة عظيمة «فكان نابغة الدهر و فيلسوف الزمن و فقيه الأمة» كما جاء في وصفه على لسان تلميذه الشيخ‏

____________

(1) كما ان شيخنا المترجم (رحمه اللّه تعالى) كان قد حضر فترة من الزمن دروس الفلسفة عند العلّامة الشيخ محمّد باقر الاصطهباناتي (رحمه اللّه تعالى)، و الذي كان يعد من كبار الفلاسفة في عصره.

(2) لقد كان الشيخ الاصفهاني يمتلك باعا طويلا، و احاطة واسعة في علم الأصول مكنته من التعامل مع كثير من المصطلحات و المباحث العسرة بسهولة و يسر، حتى روي عنه انه شرع في آخر دورة له في الأصول في شوال عام (1344 ه) و انهاها في عام (1359 ه) قبل وفاته بسنتين، فكانت اطول دوراته، و حيث حقق بها الكثير من المباحث الغامضة مع كتابته لجملة من الرسائل المختلفة التي يندر التعرض لها كرسالة اخذ الاجرة على الواجبات و غيرها.

12

محمّد علي الغروي الاردوبادي‏ (1).

و لو قدّر لهذا النابغة العظيم ان يمد في عمره إلى حيث تثنى له الوسادة، و يتربّع على كرسي الرئاسة العامة لقلب اسلوب البحث في الفقه و الأصول رأسا على عقب، و تغير مجرى تأريخهما بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس ان في الثريا منالا للنوابغ تقرّبه البشر إلى حيث يحسون و يلمسون.

فلسفته:

تظهر براعة الشيخ الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) في العلوم الفلسفية من خلال مطالعة آرائه و ابحاثه المختلفة، و لا غرو في ذلك، فقد أخذ هذه العلوم على الفيلسوف الشهير الميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي (رحمه اللّه تعالى)، و الذي كان يعد من كبار الفلاسفة و الحكماء العارفين.

قال عن ذلك الشيخ المظفر (رحمه اللّه تعالى): لقد استبطن كل دقائق الفلسفة، و دقق في كل مستبطناتها، و له في كل مسألة رأي محكم، و في كل بحث تنقيح رائع، و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و ابحاثه حتى في ارجوزته مع مدح النبي المختار و آله الاطهار عليهم جميعا الصلاة و السلام، و التي يقول فيها:

لقد تجلى مبدئ المبادي‏* * * من مصدر الوجود و الايجاد

من أمره الماضي على الاشياء* * * أو علمه الفعلي و القضائي‏

____________

(1) لقد بانت براعة الشيخ الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) في علميّ الفقه و الأصول في حياة استاذه الآخوند الخراساني، و في اثناء حضور درسه، حتى روي انه كتب اكثر هذه الحاشية (نهاية الدراية) آنذاك.

بل انه و بعد وفاة استاذه (رحمه اللّه تعالى) استقل بالتدريس فتوافد على درسه الكثير من فضلاء عصره فانهى عدة دورات في الفقه و اصوله.

13

رقيقة المشيئة الفعلية* * * أو الحقيقة المحمدية

أو هو نفس النفس الرحماني‏* * * بصورة بديعة المعاني‏

شعره و أدبه:

لقد تحدث معاصروا الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) عن الموهبة التي منّ اللّه تعالى عليه بها من حس مرهف، و ملكة قوية، و قدرة بينة على خوض غمار الادبين العربي و الفارسي بشكل ملفت للانظار.

قال عنه الخاقاني في معجم شعراء الغري: و الغريب ان من يشاهد هذه الشخصية لا يحسب انها وقفت على اسرار الادب الفارسي و العربي كأديب تخصص بهما، و ان القطع الشعرية التي كان ينشدها بالفارسية- و التي يصغي لها أعلام الأدب- كانت مثار الاعجاب، خاصة و انها تصدر من شخص تجرد عن المجتمع بقابلياته و ورعه، و اتصل به عن طريق تفهيمه و توجيهه.

و صلاته بالادب العربي لا تقلّ عن سابقه، فقد ابقى لنا آثارا دلّت على تمكنه من هذه الصناعة التي لا يتقنها إلا ابناؤها ممّن مارسوها. انتهى.

ثم اورد بعض ذلك نماذج من اشعاره تلك نورد قسما منها:

فمن قوله في مولد الرسول الاكرم محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

أشرق كالشمس بغير حاجب‏* * * من مشرق الوجود نور الواجب‏

أو من سماء عالم الاسماء* * * نور المحمدية البيضاء

و قوله في وصف القرآن الكريم:

دلائل الاعجاز في آياته‏* * * بذاته مصدّق لذاته‏

يزداد في مرّ الدهور نورا* * * و زاده خفاؤه ظهورا

و فيه من جواهر الاسرار* * * ما لا تمسه يد الافكار

14

و قوله في الامام علي (عليه السلام):

عيد الغدير اعظم الاعياد* * * كم فيه للّه من الأيادي‏

أكمل فيه دينه المبينا* * * ثمّ ارتضى الاسلام فيه دينا

بنعمة و هي أتمّ نعمه‏* * * منا على الناس به الائمة

بنعمة الإمرة و الولاية* * * أقام للدين الحنيف راية (1)

وفاته:

ابتلي الشيخ الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) في أواخر حياته بمرض ألمّ به، و استمر يعاني منه لمدة عام توفي في آخره في فجر اليوم الخامس من شهر ذي الحجة عام (1361 ه) بعد حياة كريمة أمضاها في خدمة هذا الدين الحنيف و اعلاء شأنه، جزاه اللّه تعالى عن الاسلام و اهله خير الجزاء و اجزل العطاء، و اسكنه فسيح جنانه انه نعم المولى و نعم النصير.

مؤلّفاته:

خلّف الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (رحمه اللّه تعالى) جملة متعددة من الكتب القيمة الدالة على علو شأنه و عظم منزلته العلمية، لا سيما اذا عرفنا بان معاصريه و تلامذته ينقلون عنه انه كان ذو قلم سيال، دقيق الكلمة، رصين العبارة لم يعرف عنه انه كتب كتابا فاتخذ مسودات له يراجعها و يعيد ترتيبها و نظمها و تشذيبها، بل كان ما يخرج منه من المؤلّفات المختلفة يكون تاما و نهائيا و جاهزا، و تلك نعمة لا حدود لها.

و الحق يقال: ان العمر لو امتد به لأغنى المكتبة الاسلامية بالكثير من‏

____________

(1) شعراء الغري 8: 186- 189.

15

المؤلّفات القيمة، و لا سيّما في علم الأصول، و لكن المنية عاجلته و انطفأ ذلك السراج الوهّاج المبارك بعد سني متواصلة من الكتابة و البحث و التأليف.

و من مؤلّفاته التي تم حصرها و تعدادها:

1- تعليقة على كتاب المكاسب للشيخ الانصاري (رحمه اللّه تعالى) (طبع في طهران).

2- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الانصاري ايضا.

3- رسالة في الاجتهاد و التقليد (مطبوع).

4- و رسالة في العدالة (مطبوع).

5- رسالة في موضوع العلم.

6- رسالة في الطهارة.

7- رسالة في صلاة الجماعة (مطبوع).

8- رسالة في صلاة المسافر (مطبوع).

9- حاشية على كتاب الكفاية و الموسومة بنهاية الدراية، و هو الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم.

10- رسالة في الصحيح و الاعم.

11- رسالة في الطلب و الارادة.

12- رسالة في أخذ الاجرة على الواجبات.

13- منظومة في الاعتكاف.

14- منظومة في الصوم.

15- منظومة تحفة الحكيم، في الفلسفة العالية (مطبوع).

16- رسالتان في المشتق.

17- رسالة في تحقيق الحق و الحكم (مطبوع).

18- الانوار القدسية، و هي اراجيز في مدح و رثاء أهل البيت عليهم‏

16

السلام (طبع لاكثر من مرة).

19- ديوان شعر باللغة الفارسية و هو مختص بمدح و رثاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته المعصومين (عليهم السلام).

20- رسالة في الحروف.

21- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و اصالة الصحة و اليد.

22- رسالة في تقسيم الوضع إلى الشخصي و النوعي.

23- رسالة في اطلاق الامر.

و غير ذلك فراجع التراجم الخاصة به و المفصلة لهذا الموضوع.

17

منهجية التحقيق:

اعتمدنا في تحقيقنا لهذا السفر الأصولي المهم على جملة من النسخ الحجرية و الحروفية المهمة، و هي:

أ- النسخة المطبوعة على الحجر بتاريخ 1343 ه، و هي بخط محمود علي شمس الكتّاب، و التي رمزنا لها بالحرف «ن»، و هي نسخة نفيسة تمكن أهميتها بكونها مزدانة بتصحيحات المصنّف (قدّس سرّه) و حواشيه عليها، و بضمنها قصاصات بقلمه الشريف اضيفت في مواضعها.

ب- النسخة المطبوعة عام 1344 ه بالتصوير على الأولى و رمز لها بحرف «ق».

ج- النسخة الحروفية المطبوعة عام 1379 ه في المطبعة العلمية قم و هي على ما ذكر في مقدمتها مقابلة و مصححة على نسخة مصححة على نسخة مقابلة على نسخة المصنف (رحمه اللّه) و رمز لها بحرف «ط».

هذا و قد بذلنا غاية جهدنا في تنفيذ المراحل التحقيقية المختلفة لهذا الكتاب.

ثم إنّنا أضفنا ما وجدناه ضروريا لضبط النص بين معقوفين، دون الاشارة إلى ذلك لمعلوميته.

و نحن إذ نقدّم هذا الكتاب الجليل إلى القارئ الكريم معتذرين عمّا رافقته من فترة تأخير قهرية مبعثها:

حرصنا على إخراج الكتاب بالشكل الذي يتناسب و أهميته العلمية الكبيرة و الحاجة إليه.

و تفضّل سماحة حجة الاسلام الشيخ محمّد الغروي نجل المصنف (قدّس سرّه) مشكورا بالنسخة الأولى و التي تقدّم التعريف بها بعد أن كنّا قد انهينا

18

المراحل التحقيقية و أغلب المراحل الفنية، فأعدنا مراجعة عملنا عليها من الأول. فله شكرنا و دعائنا.

و أخيرا فإنّا لا يسعنا إلّا أن نتوجّه بالشكر الجزيل لجميع الجهود التي ساهمت في انجاز هذا العمل، و نخصّ بالذكر منهم حجج الاسلام الشيخ رمضان علي العزيزي، و الشيخ سامي الخفاجي، اذ قاما بتقويم نص الجزءين الأول و الثاني، فللّه درّهما و عليه أجرهما.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

مؤسسة آل البيت (ع) لاحياء للتراث‏

19

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه و سيد رسله محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و عترته الطيبين الطاهرين.

[مقدمه و هى امور]

موضوع العلم‏

1- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (موضوع كل علم- و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؛ أي بلا واسطة في العروض- ... الخ)

(1)

.

تعريف الموضوع بذلك، و تفسير العرض الذاتي بما فسّره- مدّ ظله- هو المعروف المنقول عن أهالي فن المعقول، فإنه المناسب لمحمولات قضايا العلم، دون العرض الذاتي المنتزع عن مقام الذات، فإن التخصيص به بلا موجب- كما هو واضح- مع أنهم صرحوا أيضا: بأن العارض للشي‏ء بواسطة أمر أخصّ أو أعمّ- داخليا كان، أو خارجيا- عرض غريب، و الأخص و الأعم واسطة في العروض.

فيشكل حينئذ: بأن أغلب محمولات العلوم عارضة لأنواع موضوعاتها؛

____________

(1) الكفاية: 7/ 3- تحقيق مؤسستنا-.

20

فتكون أعراضا غريبة لها، كما أنّ جلّ مباحث هذا العلم يبحث فيها عما يعرض لأمر أعمّ من موضوع هذا العلم، كما لا يخفى.

و قد ذهب القوم في التفصّي عن هذه العويصة يمينا و شمالا، و لم يأت أحد منهم بما يشفي العليل، و يروي الغليل.

و أجود ما افيد في دفع الاشكال ما أفاده بعض الأكابر (1) في جملة من كتبه، و هو: أن الأعراض الذاتية للأنواع و ما بمنزلتها ربما تكون أعراضا ذاتية للأجناس و ما بحكمها، و ربما لا تكون، بل تكون غريبة عنها.

____________

(1) صدر المحققين في الأسفار 1: 33.

هو المولى صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي القوامي المشهور على لسان الناس ب (الملا صدرا)، و على لسان تلامذة مدرسته- (صدر المتألّهين) و (صدر المحققين).

و هو من عظماء الفلاسفة الإلهيين الذين لا يجود بهم الزمن إلا في فترات متباعدة من القرون و هو المدرس الأوّل لمدرسة الفلسفة الإلهية في القرون الثلاثة الأخيرة في البلاد الإسلامية الإمامية، و الوارث الأخير للفلسفة اليونانية و الإسلامية و الشارح لهما و الكاشف عن أسرارهما و لا تزال الدراسة عندنا تعتمد على كتبه لا سيما (الأسفار) الذي هو قمة في كتب الفلسفة قديمها و حديثها.

و قد نقل السيد المحسن العاملي (رحمه اللّه) في أعيانه أنه سمع المحقق الحجة الشيخ محمد حسين الاصفهاني (1296 ه- 1366 ه)- صاحب كتابنا هذا- يقول: (لو أعلم أحدا يفهم أسرار كتاب الأسفار لشددت إليه الرحال للتلمذة عليه و إن كان في أقصى الديار).

و كأنه يريد أن يفتخر أنه وحده بلغ درجة فهم أسراره، أو أنه بلغ درجة من المعرفة أدرك فيها عجزه عن اكتناه مقاصده العالية.

ولد صدر الدين (رحمة اللّه) في شيراز، و لم تعلم سنة ولادته.

و انتقل إلى أصفهان، و حضر على الشيخ بهاء الدين العاملي (رحمه اللّه)، و انقطع إلى درس فيلسوف عصره السيد الداماد (رحمه اللّه)، و انتقل إلى قم، له مصنفات كثيرة.

و قد توفي سنة (1050 ه) في طريقه للحج في البصرة، و دفن فيها.

(أعيان الشيعة 9: 321.) بتصرف.

21

و وجّهه‏ (1) بعض المحققين‏ (2) لمرامه، و الشارحين لكلامه: بأخذ الجنس لا بشرط، فأعراض أنواعه أعراضه حقيقة، و بشرط لا فأعراض أنواعه غريبة عنه.

و هو منه غريب؛ إذ كون التعجب و الضحك، عرضا غريبا للحيوان مبني على اللابشرطية، و إلا فيكون الحيوان مباينا لمعروضهما، و لا يكونان عارضين له أصلا؛ إذ المباينة تعاند العروض.

بل الوجه فيه ما أفاده المجيب في مواضع عديدة من كتبه‏ (3)، و هو: أنّ‏

[ميزان العرض الذاتي‏]

أن لا يتوقف لحوقه لموضوع العلم على صيرورة الموضوع نوعا متهيّئ الاستعداد لقبوله، لا أن لا يتوقف لحوقه له على سبق اتصافه بوصف‏

____________

(1) قولنا: (و وجّهه ... الخ).

قال (قدّس سرّه): في حاشية الشواهد الربوبيّة: (كون ذاتي النوع الجنس أو غريب الجنس باعتبار أخذ الجنس بالنسبة إلى النوع لا بشرط و بشرط لا). (منه عفي عنه).

(2) هو الحكيم السبزواري (رحمه اللّه) في حاشية الشواهد الربوبية: 410.

و هو الشيخ هادي بن المهدي السبزواري.

ولد سنة 1212 ه و توفّي 28 جمادى الأولى سنة 1289 ه و دفن خارج سبزوار جنب الطريق الذاهب إلى مشهد الرضا (عليه السلام) و بني على قبره قبّة.

و هو الحكيم الفيلسوف العارف الورع الفقيه الزاهد الشاعر بالعربية و الفارسية.

حضر درس الكلباسي و الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية و حضر على الآخوند ملا اسماعيل و على المولى النوري و أحمد الأحسائي.

له مؤلفات كثيرة منها منظومته المشهورة في الحكمة و المنطق، و قد شرحها و كشف عن غوامضها و حلّ ألغازها هو نفسه (رحمه اللّه)، و قد قام كثير من العلماء بمجاراتها منهم المحقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني النجفي (رحمه اللّه)- صاحب كتابنا هذا-.

(أعيان الشيعة 10: 234) بتصرف.

(3) الأسفار 1: 33.

22

مطلقا، و لو كان سبقا ذاتيا رتبيا.

توضيحه: أن الموضوع في علم المعقول- مثلا- هو الموجود أو الوجود، و هو ينقسم أولا: إلى الواجب، و الممكن.

ثم الممكن: إلى الجوهر، و المقولات العرضية.

ثم الجوهر: إلى عقل، و نفس، و جسم.

ثم العرض كل مقولة منه إلى أنواع.

و الكل من مطالب ذلك العلم و من لواحقه الذاتية، مع أن ما عدا التقسيم الأول يتوقف على تخصص الموضوع بخصوصية أو خصوصيات، إلّا أنّ جميع تلك الخصوصيات مجعولة بجعل واحد، و موجودة بوجود فارد، فليس هناك سبق في الوجود لواحد بالإضافة إلى الآخر؛ كي يتوقف لحوق الآخر على سبق استعداد و تهيّؤ للموضوع بلحوق ذلك الواحد المفروض تقدمه رتبة، فإنّ الموجود لا يكون ممكنا أوّلا، ثم يوجد له وصف الجوهرية أو العرضية، بل إمكانه بعين جوهريته و عرضيته، كما أن جوهريته بعين العقلية أو النفسية أو الجسمية، ففي الحقيقة لا واسطة في العروض، و الحمل الذي هو الاتحاد في الوجود- بل الامكان- يتحد مع الوجود بعين اتحاد الجوهر العقلي أو النفسي أو الجسماني في الوجود، فليس هناك عروضان حتى يكون أحدهما بالذات، و الآخر بالعرض، بخلاف لحوق الكتابة و الضحك للحيوان، فانه يتوقف على صيرورة الحيوان متخصّصا بالنفس الإنسانية تخصّصا وجوديا حتى يعرضه الضحك و الكتابة، و ليس الضحك و الكتابة بالإضافة إلى الإنسان كالعقلية و النفسية بالإضافة إلى الجوهر؛ بداهة أنّ إنسانية الإنسان ليست بضاحكيته و كاتبيّته.

نعم تجرّد النفس و ما يماثله- مما يكون تحققه بتحقق النفس الانسانية- من الأعراض الذاتية للحيوان كالنفس.

23

فإن قلت: ليس مناط العروض هو العروض بحسب الوجود حتى يقال بأنه: لا تعدد للعوارض في الوجود ليلزم توسط بعضها لبعض، بل مفاد الكون الرابط، المتعدد بتعدّد العوارض التحليلية، و حيث إنها مترتبة- و المفروض عدم ترتبها بما هي؛ حيث إنه لا ترتب في الطبائع بما هي، و عدم الترتب العلّي و المعلولي- فلا محالة يكون الترتب بلحاظ العروض على الموضوع، فلا يمكن فرض جوهرية الموجود، إلّا بعد فرض كونه ممكنا، و إلا فلا ينقسم الموجود- بما هو- إلى الجوهر و العرض، و إنما هو تقسيم للموجود الإمكاني.

قلت: نعم، المراد من العروض مفاد الكون الرابط، إلا أنه كما أن العوارض التحليلية- بحسب الوجود الخارجي- كونها النفسي واحد، و كونها الرابط لموضوعها و معروضها واحد، كذلك بحسب الفرض، فان فرض إمكان الموجود فرض جوهريته و جسميته مثلا، كما أن فرض البياض لموضوع فرض ثبوت اللون و المفرقية للبصر بفرض واحد، و إن كان بين الجزءين- بل بين كل جزء و الكلّ- سبق و لحوق بالتجوهر في مرحلة الماهية، و سبق و لحوق بالطبع في مرتبة الوجود، و منه علم أن فرض الجوهر يستلزم فرض الامكان بفرضه، لا بفرض قبله، فتأمّل جيّدا.

و مما ذكرنا تعرف: أن الأعمّ و الأخصّ- سواء كانا داخليين أو خارجيين- على نهج واحد، فلا بد من ملاحظة العارض و عارضه من حيث اتحادهما في الوجود، لا العارض و معروضه الأوّلي، كما مال إليه بعض الأعلام ممن قارب عصرنا (ره) (1)، فجعل ملاك الذاتية كون العارض و المعروض الأوّلي متحدين في‏

____________

(1) المحقق الرشتي في بدائع الاصول: 31.

و هو الشيخ الميرزا حبيب اللّه بن الميرزا محمد علي خان القوجاني الرشتي، أصل عائلته من-

24

الوجود حتى يكون العارض الثاني عارضا لكليهما، و لذا التجأ إلى الالتزام بكون الضاحك مثلا عرضا ذاتيّا للحيوان؛ لأن معروضه- و هو الانسان- متحد الوجود مع الحيوان، و لم يبال بتسالم القوم على كونه عرضا غريبا للحيوان قائلا: إن الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز، و هو كما ترى.

و هذا الجواب و إن كان أجود ما في الباب، إلا أنه وجيه بالنسبة إلى علم المعقول، و تطبيقه على سائر الموضوعات للعلوم لا يخلو عن تكلّف، فان موضوع علم الفقه هو فعل المكلف، و موضوعات مسائله الصلاة و الصوم و الحج إلى غير ذلك، و هذه العناوين نسبتها إلى موضوع العلم كنسبة الأنواع إلى الجنس، و هي و إن كانت لواحق ذاتية له، إلا أنه لا يبحث عن ثبوتها له، و الحكم‏

____________

- قوجان، ثمّ نزلت رشت، و ولد فيها عام (1234 ه)، ثم نزل قزوين للدراسة، ثم النجف الأشرف.

حضر درس صاحب الجواهر يوما، فعرضت له شبهة، فعرضها و لم يسمع جوابا فقال له أحد الطلبة: كشف شبهاتك عند الشيخ المرتضى الأنصاري، فقصده و عرضها عليه فأجابه الشيخ، و أبان له الفرق بين الحكومة و الورود، فبهت و استغرب الاصطلاح، فقال له الشيخ المرتضى:

إن إشكالك لا يرتفع إلا بالحضور عندي مدة أقلها شهرين، فأخذ يغترف من بحار علومه.

و مما يؤثر عنه قوله: (ما فاتني بحث من أبحاث الشيخ منذ حضرت بحثه إلى يوم تشييعه مع أني كنت مستغنيا عن الحضور قبل وفاته بسبع سنين).

و لما توفي الشيخ الانصاري (رحمه اللّه) انتهى أمر التدريس الى الشيخ الرشتي (رحمه اللّه)، لكنه لم يرض أن يقلده أحد لشدّة تورّعه في الفتوى، فكانت المرجعية لمعاصره و شريكه في الدرس عند الشيخ الأنصاري، و هو الميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي (قدّس سرّه) نزيل سامراء.

و الشيخ الرشتي (رحمه اللّه) له تصانيف كثيرة منها (بدائع الاصول) و (كشف الظلام في علم الكلام) و (شرح الشرائع) و غيرها، توفي ليلة الخميس (14/ ج 2/ 1312)، و دفن في النجف الأشرف.

(طبقات أعلام الشيعة- نقباء البشر 1: 357 رقم 719) بتصرف.

25

الشرعي ليس بالاضافة إليها كالعقلية بالإضافة إلى الجوهرية، بل هما موجودان متباينان، و كذا الأمر في النحو و الصرف.

و يمكن الجواب عن موضوعات سائر العلوم بما محصله: أن الموضوع لعلم الفقه ليس فعل المكلف بما هو، بل من حيث الاقتضاء و التخيير، و كذا موضوع علم النحو ليس الكلمة و الكلام بما هما، بل من حيث الإعراب و البناء.

و الحيثيات المذكورة لا يمكن أن تكون عبارة عن الحيثيات اللاحقة لموضوعات المسائل؛ لما سيجي‏ء (1)- إن شاء اللّه-: أنّ مبدأ محمول المسألة لا يمكن أن يكون قيدا لموضوع العلم، و إلّا لزم عروض الشي‏ء لنفسه، بل المراد استعداد ذات الموضوع لورود المحمول، و هذه حيثية سابقة لا لاحقة، فالكلمة من حيث الفاعلية- مثلا- مستعدة للحوق المرفوعية، و من حيث المفعولية للمنصوبية، و هكذا، و فعل المكلف من حيث الصلاتية و الصومية- مثلا- مستعد للحوق التكليف الاقتضائي أو التخييري، و إلا فنفس الاقتضائية و التخييرية لا يمكن أن تكون قيدا لموضوع العلم، و لا لموضوع المسألة، كما عرفت.

إذا عرفت ذلك تعرف:

[أن فعل المكلف- المتحيث بالحيثيات المتقدمة- عنوان انتزاعي‏]

من الصلاة و الصوم و غيرهما، لا أنه كلّي يتخصص في مراتب تنزّله بخصوصيات تكون واسطة في عروض لواحقه له. و من الواضح أن المحمولات الطلبية و الاباحية تحمل على معنون هذا العنوان الانتزاعي بلا توسط شي‏ء في اللحوق و الصدق.

و مما ذكرنا تعرف: أن الأمر في موضوعات سائر العلوم أهون من موضوع علم الحكمة؛ حيث لا تخصص لموضوعاتها من قبل موضوعات مسائلها أصلا،

____________

(1) التعليقة: 4 من هذا الجزء.

26

بخلاف موضوع علم الحكمة، فلذا لا يتوقّف دفع الإشكال عنها على مئونة إثبات اتحاد العارض لموضوع العلم مع العارض لموضوع المسألة، على نحو ما عرفته في موضوع علم الحكمة.

هذا، و التحقيق: أنّ الالتزام بعدم الواسطة في العروض من رأس من باب لزوم ما لا يلزم، و السر فيه: أن حقيقة كل علم عبارة عن مجموع قضايا متفرقة يجمعها الاشتراك في ترتب غرض خاص، و نفس تلك القضايا مسائل العلم، و من الواضح أن محمولات هذه المسائل أعراض ذاتية لموضوعاتها، و بهذا يتم أمر العلم، و لا يبحث عن ثبوت شي‏ء للموضوع الجامع دائما في نفس العلم، فلا ملزم بما ذكروا: من كون محمولات القضايا أعراضا ذاتية للموضوع الجامع.

نعم، ربما يبحث عن ثبوت شي‏ء للموضوع الجامع أحيانا، و لذا قالوا: إن موضوع المسألة: تارة يكون عين موضوع العلم، و اخرى نوعا منه. إلا أنه في مثله يكون المبحوث عنه عرضا ذاتيا له كسائر المسائل، لكنه لمّا أرادوا أن يكون الطالب للعلم على بصيرة من أمره من أوّل أمره، انتزعوا جامعا قريبا من موضوعات مسائله، كالكلمة و الكلام في النحو مثلا؛ ليكون مميّزا له عن غيره من العلوم، و إلّا فما يترتب عليه غرض مخترع العلم و مدوّنه نفس مجموع القضايا المشتركة في ترتّب الغرض المهم، فاللازم ان تصدق محمولات القضايا على موضوع العلم صدقا حقيقيا بلا مجاز، لا أن تكون الأعراض أعراضا ذاتية بالمعنى المصطلح، بل بحيث لا يرى اللاحق لا حقا لغيره، و إن كان بالنظر الدقيق ذا واسطة في العروض.

و بعبارة اخرى: يكون الوصف وصفا له بحال نفسه- لا بحال متعلّقه- بالنظر العرفي المسامحي. فافهم و اغتنم.

ثم اعلم: أنّ جعل الموضوع- بحيث تكون أعراض موضوعات المسائل أعراضا له- لا يتوقف على جعل الكلي بنحو الماهية المهملة عن حيثية

27

الاطلاق و اللابشرطية؛ نظرا إلى أنه لو لوحظ بنحو الاطلاق لا يكون- بما هو مطلق- معروضا لحكم من الأحكام، بخلاف الماهية المهملة، فإنها متحدة مع الفرد، فيعرضها ما يعرضه. و أنت خبير بأن اللابشرط القسمي و إن كان- بحسب التعيّن في ظرف اللحاظ- مغايرا للبشرط شي‏ء، إلا أن ملاحظة الماهية مطلقة ليس لأجل دخل الاطلاق في موضوعيته، بل لتسرية حكم الماهية إلى أفرادها، كما هو كذلك في (اعتق رقبة)، و إلا لم تصدق الرقبة المطلقة- بما هي- على فرد من الرقبة، مضافا إلى أنه لا بدّ من ذلك، و إلا فالمهملة في قوة الجزئية، فلا موجب لاندراج جميع موضوعات المسائل تحتها، و لا ملزم بعروض أعراضها عليها.

و أما ما ربما يقال أيضا: من أن ملاحظة الكلي بنحو السريان توجب أن تكون نسبته إلى موضوعات المسائل نسبة الكل إلى أجزائه، و أعراض أجزائه أعراضه، كما في علم الطب، فانه يبحث فيه عن أعراض أجزاء البدن.

فمدفوع: بأنّ الكلّي الساري واحد وجودا و ماهية، لا أنه عبارة عن مجموع وجودات الكلي بما هي متكثرة، و إلا فلا سريان؛ فانه فرع الوحدة، غاية الأمر أن قطع النظر عن الكثرات، و لحاظ نفس الطبيعة التي هي واحدة ذاتا، و إضافة وجود واحد إليها يوجب أن يكون كل واحد من الكثرات متشعبا منه تشعب الفرد من الكلي، لا الجزء من الكل؛ و لذا لم يتوهم أحد: أن الحصة جزء الكلي بأيّ لحاظ كان، بل مما يصدق عليها الكلي، و ملاحظة الطبيعة سارية مساوقة لملاحظتها لا بشرط قسميا لا مقسميا، و إن كان اعتبار السريان اعتبار بشرط شي‏ء، فإنّه لا منافاة بينه و بين كل لا بشرط. فتدبّر.

2- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فلذا قد يتداخل بعض العلوم ... الخ)

(1)

.

____________

(1) الكفاية: 7/ 7.

28

وجه الترتّب: أن امتياز مسائل علم عن مسائل علم آخر لو كان بنفسها لما صح التداخل؛ حيث لا اثنينية، بخلاف ما لو كان الامتياز بالغرض الذي لأجله دوّن العلم، فإن الاثنينية محفوظة، و الامتياز ثابت، و يصح التداخل.

و الغرض‏ (1) من هذا البيان دفع الاشكال على جعل علم الاصول علما برأسه بتوهم اشتراك مسائله مع مسائل سائر العلوم، و سيجي‏ء- إن شاء اللّه- تحقيقه‏ (2).

3- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (مضافا إلى بعد ذلك مع‏

(3)

امتناعه عادة ... الخ)

(4)

.

[كون العلمين مشتركين في تمام المسائل‏]

و ان كان بعيدا، إلا أن اشتراك علم واحد مع جملة من العلوم- كما في علم الاصول بالنسبة الى جملة من العلوم- غير بعيد، بل لعل الأمر كذلك بالإضافة إلى جل مباحث علم الاصول، و مع ترتب‏

____________

(1) كتب المحشي هنا في الحاشية: العلمان إن كان موضوعهما متباينين بالذات كانا متباينين، و ان كان موضوع أحدهما أعم- كالطبيعي بالاضافة إلى الطب- كانا متداخلين، و إن كان موضوعهما متشاركين في امر ذاتي أو عرضي كانا متناسبين، و عليه فدخول مسألة واحدة في علمين إنما يكون من تداخل العلمين إذا كان موضوع أحدهما أعم، و بحسبه كان موضوع المسألة مندرجا تحته، كاندراج موضوع العلم الأخص، بل حقيقة التداخل في المسائل اندراج موضوع المسألة تحت موضوع مسألة اخرى كما في تداخل العلمين من حيث الموضوع. و أما إذا كان باعتبار تشارك موضوع العلمين في ذاتي ينطبق على موضوع المسألة، او عرضي كذلك كانطباقهما على موضوعي العلمين، فليس من باب تداخل العلمين، بل من باب التناسب، هذا بحسب الاصطلاح، و لعل المراد هنا غيره على غير الاصطلاح. مضافا الى أن الامتياز ثابت، و لو لم يتعدد الغرض، فان المتحد هي المسألة لا العلم، و المركب الاعتباري في كل منهما مباين للمركب الاعتباري في الآخر، و الاعتبار في العلمية بالمجموع لا بالمسألة. فتدبر. (منه عفي عنه).

(2) و ذلك في التعليقة التالية: 3.

(3) في الكفاية- تحقيق مؤسستنا-: بل امتناعه ..

(4) الكفاية: 7/ 13.

29

الغرض على تدوينها قهرا- و إن لم يكن المدوّن بصدده- لا يبقى مجال لتدوين علم الاصول، فإنه تحصيل للحاصل، و الالتزام بالاستطراد في جلّ المسائل باطل.

و قد ذكرنا وجه التفصّي عن الاشكال في أوائل مسألة اجتماع الأمر و النهي، فراجع‏ (1).

و أما امتناعه- عادة- فلعل الوجه فيه: إما أن القضايا المتحدة موضوعا و محمولا لا يترتب عليها غرضان متلازمان؛ للزوم تأثير الواحد أثرين متباينين، أو لأنّ العلوم المدوّنة متكفّلة لأيّة (2) جهة كانت، و لا شي‏ء من العلوم بحيث يترتب عليه غرضان، فالبحث عن جهة اخرى مجرد فرض يمتنع وقوعه عادة؛ حيث إنّه لا مجال لجهة غير تلك الجهات المبحوث عنها، إلّا أنّ الوجه الأوّل غير تام- كما سيجي‏ء (3) إن شاء اللّه-، و على فرض التمامية فهو امتناع عقلي.

و الوجه الثاني يناسب الامتناع العادي إلا أنّ عهدته على مدّعيه، فإن الجهات المبحوث عنها و ان كانت مستوفاة، فلا جهة اخرى، إلا أن فروعها غير مستوفاة، فلعله يمكن فرض جهة اخرى تكون من جزئيات إحدى تلك الجهات. فتدبر.

4- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و قد انقدح بما ذكرنا: أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الاغراض ... الخ)

(4)

.

[المشهور: أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات‏]

و لو بالحيثيات؛ بمعنى أن موضوعي العلمين قد يتغايران بالذات، و قد يتغايران بالاعتبار.

____________

(1) التعليقة: 153 من الجزء الثاني.

(2) تكرّر من المصنف (رحمه اللّه) تعدية (التكفّل) إلى معموله باللام، مع أنه يتعدّى بالباء، فتقول:

(أنا متكفّل بالأمر). نعم قد تقول: أنا متكفّل بكذا لك، لكن ما في المتن من الأوّل كما لا يخفى.

(3) التعليقة: 6 من هذا الجزء.

(4) الكفاية: 8/ 1.

30

و ليس الغرض من تحيّث الموضوع- كالكلمة و الكلام بحيثية الاعراب و البناء في النحو، و بحيثية الصحة و الاعتلال في الصرف- أن تكون الحيثيات المزبورة حيثية تقييدية لموضوع العلم؛ إذ مبدأ محمول المسألة لا يعقل أن يكون حيثية تقييدية لموضوعها، و لا لموضوع العلم، و إلا لزم عروض الشي‏ء لنفسه، و لا يجدي جعل التحيث داخلا و الحيثية خارجة؛ لوضوح أن التحيث و التقيد لا يكونان إلا بملاحظة الحيثية و القيد، فيعود المحذور.

بل الغرض من أخذ الحيثيات- كما عن جملة من المحققين من أهل المعقول- هو حيثية استعداد ذات الموضوع لورود المحمول عليه؛ مثلا الموضوع في الطبيعيات هو الجسم الطبيعي لا من حيث الحركة و السكون. كيف؟ و يبحث عنهما فيها، بل من حيث استعداده لورودهما عليه؛ لمكان اعتبار الهيولى فيه، و في النحو و الصرف الموضوع هي الكلمة- مثلا- من حيث الفاعلية المصححة لورود الرفع عليها، و من حيث المفعولية المعدة لورود النصب عليها، أو من حيث هيئة كذا المصححة لورود الصحة أو الاعتلال عليها، و جميع هذه الحيثيات سابقة- لا لاحقة- بالإضافة إلى الحركات الاعرابية و البنائية و نحوهما.

و أما ما عن بعض المدققين من المعاصرين‏

جاور في الخلد إمام الهدى‏* * * و هادي الامّة للحسنين‏

و استوطن الخلد فأرّخته: * * * طابت جنان الخلد للهاديين‏

(1)- من أن الموضوع في النحو هو المعرب و المبني، و في الصرف هو الصحيح و المعتل- فقد عرفت ما فيه فإن‏

____________

(1) صاحب محجة العلماء في كتابه المذكور، كما في هامش الأصل، و انظر: 18 منه.

و هو الشيخ هادي بن الحاج ملا محمد أمين الواعظ الطهراني النجفي المعروف بالشيخ هادي الطهراني.

ولد في 20 من شهر رمضان سنة 1253 ه، و هو الاستاذ المحقق صاحب الآثار المشهورة و المطالب المأثورة أحد المؤسسين في الفنون الشرعية و خصوصا الاصول، خرج إلى أصفهان فأخذ عن السيد حسن المدرس و السيد محمد الشاهشهاني و الفيلسوف الملا علي النوري، ثم هاجر الى العراق، فأخذ عن الشيخ عبد الحسين الطهراني في كربلاء و الشيخ مرتضى الأنصاري ثم الميرزا الشيرازي في النجف.-

31

المعرب- بما هو معرب- لا يعقل أن تعرض عليه الحركات الاعرابية، و هكذا.

هذا هو المشهور في تمايز العلوم، و قد يشكل- كما في المتن- بلزوم كون كل باب من أبواب علم واحد- بل كل مسألة منه- علما برأسه لتمايز موضوعاتها.

و لا يندفع بما في الفصول‏ (1): من جعل الحيثية قيدا للبحث (و هي عند

____________

- و تصدّى للتدريس، فتهافت عليه الطلاب غير أنه كان معتدّا ببنات أفكاره، جريئا في نقد آراء غيره من العلماء المتقدّمين و المتأخّرين؛ لذا تعرّض له الكثير من أهل زمانه بالنقد الشديد، و كان من جرّاء ذلك أن لم يحضر درسه إلا نزر قليل.

و توفّي بالنجف، و دفن في حجرة صاحب مفتاح الكرامة من جهة القبلة. و أرخ بعضهم عام وفاته بقوله:

جاور في الخلد إمام الهدى‏* * * و هادي الامّة للحسنين‏

و استوطن الخلد فأرّخته:* * * طابت جنان الخلد للهاديين‏

(و مجموع حروف عجز البيت الثاني 1321 و هو عام وفاته).

(أعيان الشيعة 10: 233) بتصرف.

(1) الفصول: 11 حيث قال (رحمه اللّه): (... فهم و إن أصابوا في اعتبار الحيثية للتمايز بين العلوم، لكنهم أخطئوا في أخذها قيدا للموضوع، و الصواب أخذها قيدا للبحث، و هي عند التحقيق ...).

و هو الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم الطهراني الحائري، ولد في (ايوان كيف)، أخذ مقدمات العلوم في طهران، ثم اكتسب من شقيقه الحجة الشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب (هداية المسترشدين) في أصفهان، ثم هاجر الى العراق، فسكن كربلاء، و كان يقيم الجماعة في الحرم المطهّر من جهة الرأس الشريف، فيأتمّ به خيار الطلبة و الصلحاء و عامّة الناس.

و كان في كربلاء يومذاك فريق من الشيخية، و كان المرحوم كثير التشنيع عليهم حتى ضعّف نفوذهم و كسر شوكتهم؛ إذ كان مرجعا عامّا في التدريس و التقليد، و قد تخرّج من معهده جمع من كبار العلماء، و له آثار أشهرها (الفصول الغروية).

أجاب داعي ربه سنة (1254 ه)، و دفن في الصحن الصغير في الحجرة الواقعة على يمين الداخل، سبقه فيها صاحب الرياض (رحمه اللّه).

(طبقات أعلام الشيعة الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة 1: 390 رقم 975) بتصرف.

32

التحقيق عنوان إجمالي للمسائل التي تقرر في العلم)- انتهى- إذ مراده من البحث معناه المفعولي، لا المصدري، و من المسائل محمولات قضايا العلم، لا نفس القضايا، و إلا فلا معنى محصل له، فيرجع الأمر إلى أن تمايز العلوم: إما بتمايز الموضوعات، أو بتمايز المحمولات الجامعة لمحمولات العلم.

فيرد عليه عين ما أورد على جعل التمايز بتمايز الموضوعات: من لزوم كون كل باب- بل كل مسألة- علما على حدة لتغاير محمولاتها، و لذا جعل- دام ظله- ملاك التعدد و الوحدة تعدد الغرض و وحدته، مع أنك قد عرفت الإشكال عليه في الحاشية السابقة بالنسبة إلى فن الاصول.

[و التحقيق: أن العلم عبارة عن مركّب اعتباري‏]

من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد، و تمايز كل مركب اعتباري عن مركب اعتباري آخر بالموضوع الجامع في مقام المعرفية- كما عرفت سابقا- فلا ينافي كون معرفة باب و امتيازه عن باب آخر كذلك، كما أن كون وحدة الموضوع الجامع موجبة لوحدة القضايا ذاتا- في قبال الوحدة العرضية الناشئة من وحدة الغرض؛ حيث إنه خارج عن ذات القضية- لا ينافي كون وحدة الموضوع في الأبواب موجبة لوحدة قضايا الباب ذاتا، لكن تسمية بعض المركبات الاعتبارية علما دون مركب اعتباري آخر- كباب من علم واحد- بملاحظة تعدد الغرض و وحدته.

فقولهم: (تمايز العلوم بتمايز الموضوعات) (1) إنما هو في مقام امتياز مركب اعتباري عن مركب اعتباري آخر في مقام التعريف. كما أنّ تعدّد الغرض و وحدته إنّما هو في مقام إفراد مركب اعتباري عن غيره، و جعله فنا و علما برأسه، دون مركب اعتباري آخر كباب واحد من علم واحد.

و من الواضح أنّ فنّ الاصول بنفسه يمتاز عن سائر الفنون لامتياز كل‏

____________

(1) كما جاء ذلك في عبارات علماء المنطق. راجع الشمسية: 5.

33

مركب عن مركب آخر بنفسه، و بموضوعهما الجامع في مقام التعريف للجاهل، لكن كون المجموع فنا واحدا- دون فنون متعددة- لوحدة الغرض.

و منه ظهر أن تعدد الغرض إنما يوجب تعدد العلم في مورد قابل كمركبين اعتباريين لا مركب واحد.

بل يمكن أن يقال- بناء على مذاق القوم في كون محمولات القضايا أعراضا ذاتية للموضوع- ما محصله:

أن الموضوع الجامع- كما هو معرّف للعلم و موجب لوحدة القضايا ذاتا- كذلك موجب لكونها فنا واحدا منفردا عن غيره من الفنون؛ إذ ليس مناط موضوعية الموضوع مجرد جامعيته لجملة من الموضوعات، بل بحيث لا يندرج تحت جامع آخر تكون محمولات القضايا أعراضا ذاتية له، فخرج بهذا القيد موضوعات الأبواب لاندراجها تحت جامع تكون المحمولات أعراضا ذاتية له، و دخل به موضوعا العلمين لعدم اندراجهما تحت جامع كذلك؛ و إن اندرجا تحت جامع مطلق كعلمي النحو و الصرف، فإنّ موضوعهما و إن اندرجا تحت الكيف المسموع، لكن محمولات قضايا العلمين ليست أعراضا ذاتية للكيف المسموع، بل للكلمة و الكلام بما لهما من الحيثية المتقدّمة، فافهم و استقم.

5- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (كما لا يكون وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد ... الخ)

(1)

.

كبابين من علمين إذا كانا متحدي الموضوع و المحمول، فان هذه الوحدة لا تجعل البابين من علم واحد؛ لتعدد الغرض الموجب لاندراجهما في علمين، و إلّا فالمركّب الاعتباري المترتب عليه غرضان لا يصح أن يدون علمين، و يسمى باسمين كما صرح- مد ظله- به.

____________

(1) الكفاية: 8/ 5.

34

و في قوله دام ظلّه: (من الواحد) إشارة إلى أن فرض الكلام ما ذكرنا، فلا تغفل.

6- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (ثم إنه ربما لا يكون لموضوع العلم، و هو الكلي ... الخ)

(1)

.

قد عرفت سابقا: أن العلم عبارة عن مجموع قضايا متشتتة يجمعها الاشتراك في غرض خاص دوّن لأجله علم مخصوص، فلا محالة ينتهي الأمر إلى جهة جامعة بين تلك القضايا موضوعا و محمولا، و الموضوع الجامع لموضوعات القضايا موضوع العلم، و المحمول الجامع لمحمولاتها محموله.

و قد عرفت سابقا أيضا: أن أمر العلم يتم بتدوين جملة من القضايا المتحدة في الغرض، و لا يتوقف حقيقته على تعيين حقيقة الموضوع، إلا أنه لا برهان على اقتضاء وحدة الغرض لوحدة القضايا موضوعا و محمولا، إلّا أنّ الامور المتباينة لا تؤثر أثرا واحدا بالسنخ، و أنّ وحدة الموضوع أو وحدة المحمول تقتضي وحدة الجزء الآخر.

مع أن البرهان المزبور لا يجري إلا في الواحد بالحقيقة، لا الواحد بالعنوان، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، بداهة أن صون اللسان عن الخطأ في المقال- في علم النحو مثلا- ليس واحدا بالحقيقة و الذات، بل بالعنوان، فلا يكشف عن جهة وحدة ذاتية حقيقية.

كما أن اقتضاء القضايا للغرض و اقتضاء الموضوعات لمحمولاتها، ليس على حد اقتضاء المقتضي لمقتضاه و السبب لمسببه؛ حتى تكون وحدة أحدهما كاشفة عن وحدة الآخر، بل في الاولى من قبيل اقتضاء الشرط لمشروطه؛ حيث‏

____________

(1) الكفاية: 8/ 6.

35

إن المريد للتكلم على طبق القانون لا يتمكن منه إلا بمعرفته له، فمعرفة القانون شرط في تأثير الإرادة في التكلم على طبق القانون.

و في الثانية من قبيل اقتضاء الغاية الداعية لما تدعو إليه، فاقتضاء الصلاة لوجوبها باعتبار ما فيها من الغاية الداعية اليه، فلا يكون الوجوب أثرا للصلاة؛ ليكشف وحدة الوجوب في الصوم و الصلاة عن وحدتهما.

مضافا إلى: أن فائدة التعيين أن يكون الطالب على بصيرة من أمره من أول الأمر، فعدم كون الجامع معلوم الاسم و العنوان‏ (1)، مع كونه محققا بالبرهان، و إن لم يوجب كون العلم بلا موضوع، أو عدم وحدة الفن، إلا أن الفائدة المترقبة من الموضوع لا تكاد توجد إلا إذا كان معلوم الاسم و العنوان، و لا يكفي العلم بوجوده بحسب البرهان.

و جعل‏

[الموضوع لعلم الاصول خصوص الأدلّة الأربعة،]

و إن لم يكن فيه محذور من حيث عدم وحدة الفن؛ لانحفاظ وحدته بوحدة الغرض، لكن إذا جعل الموضوع أعم منها، كي يعم الظنّ الانسدادي على الكشف- بل على الحكومة- و الشهرة، و الاصول العملية- من العقلية و الشرعية- الى غير ذلك من دون جامع يعبر به عنها، فانتفاء الفائدة واضح.

7- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع، و ما هو مفاد كان التامة ... الخ)

(2)

.

إرجاع البحث إلى ما ذكر و ان كان غير صحيح، كما سيتضح- إن شاء اللّه- إلا أنه يمكن دفع الايراد المزبور بدعوى: أنّ المراد وساطة الخبر ثبوتا أو إثباتا، ضرورة أن الغرض ليس الحكم بثبوت السنة خارجا، بل ثبوتها بالخبر، و وساطة الخبر- إثباتا أو ثبوتا- لا تنافي الفراغ عن ثبوت السنة:

____________

(1) العبارة في النسخ المتداولة هكذا: (فعدم كون الجامع غير معلوم ..)، و لا يخفى خطوها.

(2) الكفاية: 8/ 18.

36

أما وساطة الخبر إثباتا، فمعنى ذلك انكشاف السنة بالخبر، كما تنكشف بالمحفوف بالقرينة و بالتواتر، و أين التصديق بانكشاف شي‏ء بشي‏ء من التصديق بثبوت الشي‏ء، و ما هو اللازم في الهليّة المركبة هو الثاني دون الأول؛ بداهة أن انكشاف شي‏ء بشي‏ء لا ينافي الفراغ عن ثبوته، و انكشاف السنة- المفروغ عن ثبوتها- من لواحقها و عوارضها بعد ثبوتها.

و أما وساطة الخبر ثبوتا، فمرجعها إلى معلولية السنة للخبر، و من البين أن الكلام في معلولية شي‏ء لشي‏ء و كونه ذا مبدأ لا ينافي الفراغ عن أصل تحققه و ثبوته؛ أ لا ترى أنّ الموضوع في علم الحكمة هو الوجود أو الموجود، مع أن البحث عن كونه ذا مبدأ من أهمّ مسائله و أعظم مقاصده؛ فالبحث عن معلولية السنة لشي‏ء- يكون ذلك الشي‏ء واسطة في ثبوتها واقعا- بحث عن ثبوت شي‏ء لها، لا عن ثبوتها.

فاتضح: أن إرادة الثبوت الواقعي على أي تقدير لا تنافي كون البحث عنه من المسائل.

نعم أصل ثبوت السنة بالخبر، و كون الخبر واسطة في ثبوتها أو إثباتها واقعا غير معقول؛ إذ ليس الخبر واقعا في سلسلة علل السنة، بل يستحيل وقوعه في سلسلة عللها؛ لأن حكاية الشي‏ء متفرعة عليه، فلا يعقل أن تكون من مباديه، فيستحيل وساطة الخبر ثبوتا. كما أن الخبر- بما هو خبر- يحتمل الصدق و الكذب، فلا يعقل انكشاف السنة به واقعا، فيستحيل وساطة الخبر إثباتا. فإرادة الثبوت الواقعي بأيّ معنى كان غير معقولة، لا أن البحث عن ثبوتها بشي‏ء ليس من المسائل. فافهم جيّدا.

8- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (نعم لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكي لها ... الخ)

(1)

.

____________

(1) الكفاية: 9/ 2.

37

يمكن أن يقال: إن حجية الخبر- على المشهور- و ان كان مرجعها إلى إنشاء الحكم على طبق الخبر- و هو من عوارضه- إلا أنه بعناية أنه وجود تنزيلي للسنة، و هذا المعنى كما أن له مساسا بالخبر، كذلك بالسنة.

فحاصل البحث: إثبات وجود تنزيلي للسنة، و بهذا الاعتبار يقال بثبوت السنة تعبدا، و إلا فالحكم على طبق المحكي له ثبوت تحقيقي لا تعبدي، و كونه عين التعبّد لا يقتضي أن يكون تعبّديا، بل هو كنفس المحكي له ثبوت تحقيقي فتأمل.

و ربما يتخيل: إمكان جعل الموضوع نفس السنة الواقعية، بالبحث عن تنجزها بالخبر، لكنه كالثبوت التعبدي إشكالا و جوابا، من حيث إن المنجزية- و هي صفة جعلية- قد اعتبرت في الخبر، فهي من حيثيات الخبر، لا من حيثيات السنة الواقعية، و من حيث أن المنجزية و المتنجزية متضايفتان، فجعل الخبر منجزا يلازم جعل السنة متنجزة به، فيصح البحث عن كل منهما، بل الثبوت التعبدي أكثر مساسا بالسنة من التنجز؛ حيث إن اعتبار الثبوت هو اعتبار كون الخبر وجود السنة، فيكون بالاضافة إلى السنة كالوجود بالنسبة إلى الماهية، بخلاف التنجز فإنه وصف زائد على السنة، مجعول تبعا بجعل المنجزية للخبر استقلالا، فهو أشد ارتباطا بالخبر من السنة. فتدبر جيدا.

9- قوله [(قدّس سرّه)‏]

:

[ (المراد من السنة]

ما يعمّ حكايتها ... الخ)

(1)

.

بأن يراد من السنة- الواقعة في كلماتهم- طبيعي السنة بوجودها العيني أو الحكائي، فإن الشي‏ء له انحاء من الوجود بالذات و بالعرض، و منها وجودها في الحكاية، أو أن يراد الأعمّ بغير ذلك.

____________

(1) الكفاية: 9/ 7.

38

10- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (إلّا أنّ البحث في غير واحد من مسائلها كمباحث الألفاظ ... الخ)

(1)

.

إن كان الغرض- كما هو ظاهر سياق الكلام- أعمّية موضوعات المباحث المزبورة من الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة، فيمكن دفعه: بأن قرينة المقام شاهدة على إرادة خصوص ما ورد في الكتاب و السنة.

و إن كان الغرض: أنّ عوارض هذه الموضوعات الخاصة تلحقها بواسطة أمر أعمّ- و هو كون صيغة (افعل) مثلا من دون دخل لورودها في الكتاب و السنة- فالاشكال في محلّه.

و لا يندفع: بأنّ البحث ليس باعتبار نفس الأمر الأعم، بل بلحاظ اندراج الأخصّ تحته. و ذلك لأن هذا الاعتبار إن لم يكن دخيلا في عروض العارض، لم يكن لحاظه مخرجا له عن كونه عرضا غريبا.

كما أن الالتزام بكون موضوع العلم أعم من الادلة بالمعنى الأعم مع قيام الغرض بخصوصها بلا وجه، و هو من القضايا التي قياساتها معها.

كما لا يندفع الاشكال بما ذكرناه- في تصحيح العارض لأمر أخصّ أو أعمّ- من: أن مجرد الصدق- بلا تجوز عرفا- كاف في كون العرض ذاتيا، و لا يتوقف على عدم الواسطة في العروض حقيقة و دقة. و ذلك لأنا و إن قلنا بعدم اعتبار كون العرض ذاتيا لموضوع العلم حقيقة، إلا أنه لا بد من كونه عرضا ذاتيا لموضوع المسألة عقلا.

و مع تخصيص موضوع المسألة بحيثية الورود في الكتاب و السنة- حتى لا يلزم إشكال اندراج الأعم تحت الأخص- يلزم كون العرض غريبا عن موضوع المسألة.

____________

(1) الكفاية: 9/ 8.

39

و منه تبين عدم المناص عن أحد المحاذير الثلاثة:

إما لزوم اندراج الأعم تحت الأخص لو أبقينا موضوع العلم على خصوصه و موضوع المسألة على عمومه، و إما لزوم كون العرض غريبا إذا خصّصنا موضوع المسألة، و إما لزوم أخصية الغرض إذا عمّمنا موضوع العلم، بحيث يعم موضوعات مسائله العامة.

و لا يخفى أن عدم الالتزام بموضوع جامع يدفع المحذورين الأوّلين- دون الأخير- كما هو واضح.

11- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و جملة من غيرها ... الخ)

(1)

.

كالمسائل الاصولية العقلية، فإنّ الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته- مثلا- لا اختصاص لها بالوجوب الشرعي، و لا بما يقع في طريق الاستنباط.

[و الدليل العقلي- الواقع موضوعا للعلم-]

هي القضية العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي- دون الأعم- مع أنّ العقل يحكم بالملازمة لا من هذه الحيثية.

12- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و يؤيد ذلك تعريف الاصول ... الخ)

(2)

.

وجه التأييد ظاهر؛ حيث لم يقيد القواعد الممهدة بكونها باحثة عن الأدلّة، و قولهم في تتمّة التعريف: (عن أدلّتها) غير مناف لذلك كما يتخيل؛ إذ كون المستنبط منه هي الأدلّة، لا ربط له بكون القواعد باحثة عن الأدلة.

____________

(1) الكفاية: 9/ 9.

(2) الكفاية: 9/ 11.

40

13- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و إن كان الأولى تعريفه:

[تعريف علم الأصول‏]

بأنه صناعة يعرف بها القواعد ... الخ)

(1)

.

الأولويّة من وجوه:

منها: تبديل تخصيص القواعد بكونها واسطة في الاستنباط- كما عن القوم- بتعميمها لما لا تقع في طريق الاستنباط، بل ينتهي إليه الأمر في مقام العمل.

[وجه الأولوية: أنّ لازم التخصيص خروج جملة]

من المسائل المدوّنة في الاصول عن كونها كذلك، و لزوم كونها استطرادية؛ مثل الظن الانسدادي على الحكومة؛ لأنه لا ينتهي إلى حكم شرعي، بل ظن به أبدا، و إنما يستحق العقاب على مخالفته عقلا كالقطع. و مثل الاصول العملية في الشبهات الحكمية؛ فإنّ مضامينها بأنفسها أحكام شرعية، لا أنها واسطة في استنباطها في الشرعية منها.

و أما العقلية فلا تنتهي إلى حكم شرعي أبدا.

فهذه المسائل بين ما تكون مضامينها أحكاما شرعية، و بين ما لا تنتهي إلى حكم شرعي، و جامعها عدم إمكان وقوعها في طريق الاستنباط و ما يرى من إعمال الاصول الشرعية في الموارد الخاصة، إنما هو من باب التطبيق. لا التوسيط. بل يمكن الاشكال في جلّ مسائل الاصول، فان الامارات الغير العلمية- سندا أو دلالة- يتطرق فيها هذا الاشكال، و هو أن مرجع حجيتها:

إمّا إلى الحكم الشرعي، أو غير منته إليه أبدا، و على أيّ تقدير ليس فيها توسيط للاستنباط.

توضيحه: أن مفاد دليل اعتبار الامارات الغير العملية سندا- كخبر الواحد- إما إنشاء أحكام مماثلة لما أخبر به العادل من ايجاب أو تحريم، فنتيجة البحث عن حجيّتها حكم شرعي، أو جعلها منجزة للواقع بحيث يستحق‏

____________

(1) الكفاية: 9/ 12.

41

العقاب على مخالفتها للواقع، فحينئذ لا ينتهي إلى حكم شرعي أصلا.

و مفاد دليل اعتبار الامارة الغير العلمية دلالة- كظواهر الألفاظ- كذلك، بل يتعين فيها الوجه الثاني، فان دليل حجية الظواهر بناء العقلاء، و من البيّن أنّ بناءهم في اتباعهم على مجرد الكاشفية و الطريقية، فالظاهر حجة عندهم؛ أي مما يصحّ للمولى أن يؤاخذ به عبده على مخالفته لمراده، لا أنّ هناك حكما من العقلاء مماثلا لما دل عليه ظاهر اللفظ؛ حتى يكون إمضاء الشارع أيضا كذلك.

و أما مباحث الألفاظ فهي و إن كانت نتائجها غير مربوطة ابتداء بهذا المعنى، لكن‏ (1) جعل تلك النتائج في طريق الاستنباط لا يكاد يكون إلا بتوسط حجية الظهور، و قد عرفت حالها، فلا ينتهي الأمر من هذه الجهة إلى حكم شرعي أبدا، فلا مناص من التوسعة و التعميم؛ بحيث يعم موضوع فن الاصول ما يمكن أن يقع في طريق الاستنباط، و ما ينتهي إليه أمر المجتهد في مقام العمل.

[و الغرض من تدوين فن الاصول‏]

لا بد من أن يجعل أعم- لا بأن يجعل الغرض الانتفاع بقواعدها في مقام الاستنباط و في مقام العمل؛ فإنّ تعدّد الغرض يوجب تعدّد العلم في المورد القابل؛ حيث إن القواعد التي ينتفع بها في مقام الاستنباط غير القواعد التي ينتهي إليها الأمر في مقام العمل- بل بأن يجعل الغرض أعمّ من الغرضين؛ ليرتفع التعدد من البين؛ لئلا يلزم كون فن الاصول علمين، إلا أن يوجه مباحث الامارات الغير العلمية- بناء على إنشاء الحكم المماثل- بأن الأمر بتصديق العادل- مثلا- ليس عين وجوب ما أخبر بوجوبه العادل، بل لازمه ذلك. كما أن حرمة نقض اليقين بالشك ليست عين‏

____________

(1) و ليس هذه المباحث بالاضافة إلى حجية الظاهر- بناء على أنها إنشاء حكم مماثل- واسطة في الاستنباط؛ لأنها مثبتة لموضوعه، لا أنها واسطة في الاستنباط من دليله، فتدبر. [منه (قدّس سرّه)‏].

42

وجوب ما أيقن بوجوبه سابقا، بل لازمه ذلك. و المبحوث عنه في الاصول بيان هذا المعنى الذي لازمه الحكم المماثل، و اللازم و الملزوم متنافيان، و هذا القدر كاف في التوسيط في مرحلة الاستنباط. بل يمكن التوجيه- بناء على كون الحجية بمعنى تنجيز الواقع- بدعوى: أن الاستنباط لا يتوقف على احراز الحكم الشرعي، بل يكفي الحجة عليه في استنباطه؛ إذ ليس حقيقة الاستنباط و الاجتهاد إلا تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، و من الواضح دخل حجيّة الأمارات- بأي معنى كان- في إقامة الحجة على حكم العمل في علم الفقه.

و عليه فعلم الاصول: ما يبحث فيه عن القواعد الممهّدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، من دون لزوم التعميم إلا بالإضافة إلى ما لا بأس بخروجه؛ كالبراءة الشرعية التي معناها حلية مشكوك الحرمة و الحلية، لا ملزومها، و لا المعذّر عن الحرمة الواقعية.

و أما الالتزام بالتعميم على ما في المتن ففيه محذوران:

أحدهما: لزوم فرض غرض جامع بين الغرضين لئلا يكون فن الاصول فنين.

ثانيهما: أنّ مباحث حجية الخبر و أمثاله ليست مما يرجع إليها بعد الفحص و اليأس عن الدليل على الحكم العمل؛ إذ لا يناط حجية الامارات بالفحص و اليأس عن الدليل القطعي على حكم الواقعة، نظير حلية المشكوك؛ حيث إنها لا يرجع إليها إلا بعد الفحص و اليأس عن الدليل على حرمة شرب التتن. و أما جعلها مرجعا- من دون تقييد بالفحص و اليأس- فيدخل فيها جميع القواعد العامة الفقهية؛ فإنها المرجع في جزئياتها كما لا يخفى.

ثم لا يخفى عليك: أنّ الالتزام بأعمّية الغرض إنما يجدي بالإضافة إلى ما لا يقع في طريق الاستنباط، و كان ينتهي إليه الأمر في مقام العمل، لا بالنسبة إلى ما كان بنفسه حكما مستنبطا- من غير مرجعية للمجتهد بعد الفحص‏

43

و اليأس عن الحجية على حكم العمل- فانه داخل في القواعد الفقهية الباحثة عن عوارض أفعال المكلفين. و اختصاصها أحيانا بالمجتهد ليس من حيث كونها واسطة في الاستنباط المختص بالمجتهد. كيف؟ و المفروض كونها أحكاما مستنبطة، بل من حيث إن تطبيق القواعد الكلية على مواردها موقوف على الخبرة بالتطبيق.

14- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (في الشبهات الحكمية ... الخ)

(1)

.

لأنها القابلة للمرجعية بعد الفحص و اليأس عن الدليل، دون الجارية في الشبهة الموضوعية؛ فان مفادها حكم عملي محض، و حال المجتهد فيها و المقلد على السوية.

____________

(1) الكفاية: 9/ 15.

44

الوضع‏

15- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (الوضع: هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى، و ارتباط خاص ... الخ)

(1)

.

لا ريب في ارتباط اللفظ بالمعنى و اختصاصه به، و إنما الإشكال في حقيقة هذا الاختصاص و الارتباط، و أنه معنى مقولي، أو أمر اعتباري.

و تحقيق الكلام فيه: أن حقيقة العلقة الوضعية لا يعقل أن تكون من المقولات الواقعية- لا ما له مطابق في الأعيان، و لا ما كان من حيثيات ما له مطابق في الأعيان- لأن المقولات العرضية- سواء كانت ذات مطابق في الخارج، أو ذات منشأ لانتزاعها واقعا- مما تحتاج إلى موضوع محقق في الخارج؛ بداهة لزومه في العرض، مع أنّ طرفي الاختصاص و الارتباط- و هما اللفظ و المعنى- ليسا كذلك، فإنّ الموضوع و الموضوع له طبيعي اللفظ و المعنى، دون الموجود منهما، فإنّ طبيعيّ لفظ الماء موضوع لطبيعي ذلك الجسم السيال، و هذا الارتباط ثابت حقيقة، و لو لم يتلفظ بلفظ الماء، و لم يوجد مفهومه في ذهن أحد.

و منه يظهر: أنه ليس من الامور الاعتبارية الذهنية؛ لأن معروضها ذهني، بخلاف الاختصاص الوضعي، فان معروضه نفس الطبيعي، لا بما هو موجود ذهنا كالكلية، و الجزئية، و النوعية، و الجنسية، و لا بما هو موجود خارجا كالمقولات العرضية، فتدبر.

و توهم: أن صيغة (وضعت) منشأ للانتزاع، فقد وجد الاختصاص و الارتباط بوجود المنشأ، نظير ثبوت الملكية- مثلا- بالعقد أو المعاطاة.

____________

(1) الكفاية: 9/ 18. و فيه: نحو اختصاص للفظ.

45

مدفوع: بأن الأمر الانتزاعي مما يحمل العنوان المأخوذ منه على منشئه، و الحال أن الاختصاص و الارتباط بنحو الاشتقاق لا يحملان على صيغة (وضعت)، كما لا يحمل الملك بالمعنى الفاعلي أو المفعولي على صيغة (بعت)، بل اللفظ هو المختص بالمعنى، و أحدهما مربوط بالآخر، كما أن الملك بالمعنى الفاعلي يحمل على المالك، و بالمعنى المفعولي يحمل على المملوك، فلا وجه لدعوى: أن الانشاء في الملك و في الوضع و غيرهما منشأ الانتزاع.

و مما يشهد لما ذكرنا- من عدم كون الاختصاص معنى مقوليا- أن المقولات امور واقعية لا تختلف باختلاف الأنظار، و لا تتفاوت بتفاوت الاعتبار، و مع أنه لا يرتاب أحد في أن طائفة يرون الارتباط بين لفظ خاصّ و معنى مخصوص، و لا يرونه بينهما طائفة اخرى، بل يرونه بين لفظ آخر و ذلك المعنى.

و مما يؤكد ذلك أيضا: أن المقولات الحقيقة أجناس عالية للماهيات، و لا تصدق المقولة صدقا خارجيا إلا إذا تحققت تلك الماهية في الخارج. و قد عرفت:

أن وجود معنى مقولي في الخارج لا يكون إلا إذا كان له مطابق فيه، أو كان‏ (1) حيثية وجودية لما كان له مطابق فيه، و يسمى بالأمر الانتزاعي، و من الواضح أن مفهوم الاختصاص- بعد عمل الواضع- لم يوجد له مطابق في الخارج، و لم يختلف اللفظ و المعنى حالهما، بل هما على ما كانا عليه من الذاتيات و الأعراض، و ما لم ينضمّ إلى اللفظ- مثلا- حيثية عينية لا يعقل الحكم بوجود الاختصاص فيه و قيامه عينا به قيام العرض بموضوعه.

فان قلت: لا ريب في صدق حدّ مقولة الاضافة على الملكية (2)

____________

(1) في الأصل: (أو كانت ...) و الصحيح ما أثبتناه.

(2) هذا اعتبار الملكية بالمعنى الفاعلي و المفعولي، و أما نفس المبدأ فقد أوضحنا حاله في مبحث الأحكام الوضعية من الاستصحاب من الجزء الثاني من الكتاب. (منه عفي عنه).

46

و الاختصاص و نحوهما من النسب المتكررة.

قلت: فرق بين كون المفهوم من المفاهيم الاضافية، و بين صدق حد مقولة الإضافة على شي‏ء، و المسلّم هو الأول، و النافع للخصم هو الثاني.

و من الواضح: أن كون المفهوم من المفاهيم الإضافية لا يستدعي وجود مطابق له في الخارج بحيث يصدق عليه حد المقولة، و الشي‏ء لا يعقل أن يكون فردا من المقولة و مصداقا لها، إلا إذا وجد في الخارج على نحو ما يقتضيه طبع تلك المقولة؛ أ لا ترى صدق العالمية و القادرية عليه تعالى، مع تقدس وجوده عن الاندراج في العرض و العرضي؛ لمنافاة العروض مع وجوب الوجود، بل تلك الإضافات إضافات عنوانية لا إضافات مقولية، فكذا الملكية و الاختصاص، فان مفهومهما من المفاهيم الاضافية المتشابهة الأطراف؛ بحيث لو وجدا في الخارج حقيقة كانا من حيثيات ما له مطابق في الأعيان.

فالتحقيق‏ (1) في أمثال هذه المفاهيم أنها غير موجودة في المقام و أشباهه بوجودها الحقيقي، بل بوجودها الاعتباري بمعنى: أنّ الشارع أو العرف أو طائفة خاصة يعتبرون هذا المعنى لشي‏ء أو لشخص؛ لمصلحة دعتهم إلى ذلك، كما في التنزيلات، و الحقيقة الادعائية. أما نفس الاعتبار فهو أمر واقعي قائم بالمعتبر، و أما المعنى المعتبر فهو على حدّ مفهوميته و طبيعته، و لم يوجد في الخارج، و إنما وجد بمعنى صيرورته طرفا لاعتبار المعتبر، فينسب إليه الوجود، فالموجب و القابل- مثلا- ما لكان، و العوضان مملوكان في عالم اعتبار الشارع أو العرف، لا في الخارج مع قطع النظر عن اعتبارهما.

ثم إن هذا المعنى: قد يكون من الامور التسبيبية، فيتسبب المتعاقدان‏

____________

(1) و تفصيل القول فيه في مقدمة الواجب في البحث عن الشرط المتأخر. [منه (قدّس سرّه)‏].

47

بالإيجاب و القبول اللّذين جعلهما الشارع سببا يتوصل به إلى اعتبار الشارع للملكية. فالملكية توجد بوجودها الاعتباري من الشارع بالمباشرة، و من المتعاقدين بالتسبيب.

و قد لا يكون المعنى المعتبر تسبيبيا؛ كالاختصاص الوضعي، فإنّه لا حاجة في وجوده إلا إلى اعتبار من الواضع. و من الواضح أن اعتبار كل معتبر قائم به بالمباشرة، لا بالتسبيب كي يتسبب إلى اعتبار نفسه بقوله: (وضعت) و نحوه، فتخصيص الواضع ليس إلا اعتباره الارتباط و الاختصاص بين لفظ خاص و معنى خاص.

[ثم إنه لا شبهة في اتحاد حيثية دلالة اللفظ على معناه‏]

، و كونه بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه، مع حيثية دلالة سائر الدوالّ، كالعلم المنصوب على رأس الفرسخ، فإنه أيضا ينتقل من النظر إليه إلى أن هذا الموضع رأس الفرسخ، غاية الأمر أن الوضع فيه حقيقي، و في اللفظ اعتباري.

بمعنى: أن كون العلم موضوعا على رأس الفرسخ خارجي ليس باعتبار معتبر، بخلاف اللفظ فانه كأنّه وضع على المعنى ليكون علامة عليه، فشأن الواضع اعتبار وضع لفظ خاص على معنى خاص.

و منه ظهر: أن الاختصاص و الارتباط من لوازم الوضع، لا عينه.

و حيث عرفت اتحاد حيثية دلالة اللفظ مع حيثية دلالة سائر الدوالّ تعرف: أنه لا حاجة إلى الالتزام بأن حقيقة الوضع تعهد ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى- كما عن بعض أجلة العصر (1)- فانك قد عرفت: أن كيفية الدلالة و الانتقال في اللفظ و سائر الدوالّ على نهج واحد بلا إشكال، فهل ترى تعهدا من‏

____________

(1) الملّا علي النهاوندي- (رحمه اللّه)- (صاحب تشريح الاصول): 26، 29.-

48

ناصب العلم على رأس الفرسخ. بل ليس هناك إلّا وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، فكذلك فيما نحن فيه، غاية الأمر أن الوضع هناك حقيقي و هنا اعتباري.

و لا يخفى عليك:

[أن من يجعل الوضع عبارة عن التعهد]

، لا يدعي أنه عين الارادة المقومة لتفهيم المعنى باللفظ؛ حتى يتخيل أنها إرادة مقدمية توصلية، فلا يعقل أن تتعلق بما لا يكون مقدمة لتفهيم المعنى إلا بنفس هذه الارادة.

[بل المراد من التعهد هو:]

الالتزام و البناء الكلي على ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى به في مرحلة الاستعمال، و تلك الارادة الاستعمالية و ان كانت تتوقف على سبق العلم بالوضع من المخاطب، إلا أن هذا التوقف ليس من خصوصيات التعهد، بل الوضع- بأي معنى كان- لا بد فيه من العلم به في مرحلة انفهام المعنى من اللفظ، فالارادة المفهمة المقومة للاستعمال و إن كانت تتوقف على سبق الوضع و العلم به، إلّا أن ذلك التعهد و الالتزام غير موقوف على كون اللفظ مفهما فعلا؛ حيث إنه لم تتعلّق الإرادة الفعلية بالتفهيم به.

فالتعهّد- المعبّر عنه في كلام مدّعيه بالإرادة الكلية- قد تعلق بأمر مقدور في موطنه و إن كان التعهّد و العلم به دخيلا في إمكانه. فتدبّر جيّدا.

16- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و بهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني‏

____________

- و هو الشيخ علي بن المولى فتح اللّه النهاوندي النجفي، علامة كبير و محقق جليل من أكابر العلماء و أجلّاء الفقهاء و أحد أساطين الدين و العلم البارزين، و كان بحثه من أبحاث النجف المعدودة و من دروسها المحترمة. و من تلامذته: الميرزا حبيب اللّه الرشتي، و المولى كاظم المرندي، و السيد محمد الخلخالي، و شيخ الشريعة الأصفهاني.

توفّي في غرّة ربيع الآخر سنة 1322 ه عن عمر ناهز الثمانين، و دفن في وادي السلام في مقبرته الخاصّة المعروفة. من آثاره كتابا تشريح الاصول الصغير و الكبير.

(طبقات أعلام الشيعة- نقباء البشر في القرن الرابع عشر 4: 1497) بتصرف.

49

و التعيني ... الخ)

(1)

.

و أما على ما ذكرنا- من أن حقيقة الوضع اعتبار الواضع- فلا جامع بينهما، بل الوضع التعيني يشترك مع التعييني في نتيجة الأمر؛ إذ كما أن اعتبار الواضع يوجب الملازمة بين اللفظ و المعنى من حيث الانتقال من سماع اللفظ إلى المعنى، كذلك كثرة الاستعمال توجب استيناس أذهان أهل المحاورة بالانتقال من سماع اللفظ إلى المعنى، فلا حاجة إلى دعوى اعتبار أهل المحاورة على حد اعتبار الواضع فانه لغو بعد حصول النتيجة.

17- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (الملحوظ حال الوضع إما يكون ... الخ)

(2)

.

لا يخفى عليك: أن الغرض من الملحوظ حال الوضع ما لا بد من لحاظه؛ حيث إن العلقة الوضعية نسبة بين طرفيها، فلا بد من ملاحظة طرفيها إما بالكنه و الحقيقة، أو بالوجه و العنوان.

و منه يظهر فساد القسم الرابع؛ لأن الوضع للكلي لا يحتاج إلا إلى ملاحظته، بخلاف الوضع للأفراد الغير المتناهية، فان لحاظ الغير المتناهي غير معقول، فلا بد من لحاظها بجامع يجمع شتاتها، و يشمل متفرّقاتها، و هو الكلي المنطبق عليها، فان لحاظها (3) بالوجه لحاظها بوجه.

فما أفاده بعض الأعلام (قده) (4): من معقولية القسم الرابع؛ نظرا إلى أنه كالمنصوص العلة، فان الموضوع للحكم فيه شخصي، و مع ذلك يسري الى كل ما فيه العلة. و كذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة، فان الوضع‏

____________

(1) الكفاية: 9/ 19.

(2) الكفاية: 10/ 1.

(3) المراد ملاحظة الكلي بما هو كلي كما في المحصورة، لا نفس الطبيعي و لو مهملة. و من البديهي أن لحاظ ما لا يمتنع صدقه على كثيرين ليس لحاظ الكثيرين، بل لا بد من أن يكون بحيث يصدق فعلا على الكثيرين حتى يكون لحاظه لحاظ الكثيرين. فتدبر. [منه (قدّس سرّه)‏].

(4) المحقق الرشتي- (قدّس سرّه)- في بدائعه: 40.

50

يسري إلى كل ما فيه تلك الفائدة، فيكون الموضوع له عامّا، مع كون آلة الملاحظة خاصا.

مدفوع: بأنّ اللحاظ الذي لا بد منه و لا مناص عنه في الوضع للكلّي لحاظ نفسه، و لحاظ الفرد من حيث فرديته أو لحاظ الكلّي الموجود فيه لا دخل له بلحاظ الكلي بما هو كلّي.

و ربما يتخيّل انقسام الوضع العام و الموضوع له العام إلى قسمين؛ نظرا إلى أن الواضع ربما يلاحظ المعنى العام مستقلا، فيضع اللفظ بإزائه، و ربما يلاحظ المعنى المنتزع عن الجهة المشتركة بين الأفراد الذهنية، فيضع اللفظ بمرآتية العنوان المنتزع لمنشئه، و هي الجهة المشتركة بين الافراد الذهنية؛ لبداهة أن الأفراد الذهنية- كالأفراد الخارجية- ذات جهة جامعة مشتركة لكل فرد منها حصة متقررة في مرتبة ذاتها. و يترتب على هذا القسم من الوضع: أن إفادة الجهة المشتركة بنفس الدالّ عليها غير ممكن؛ لأن الايجاد الذهني للطبيعة- كالخارجي- بايجاد فردها، فالخصوصية المفرّدة لا بد من إحضارها بما يدل عليها؛ حتى يعقل إحضار الجهة المشتركة بإحضارها.

و هو تخيل فاسد من حيث المبنى و البناء:

أمّا من حيث المبنى: فان الموجودات- خارجية كانت، أو ذهنية- ليس فيها بما هي موجودات، جهة واحدة مشتركة، إلا بناء على وجود الطبيعي بوجود واحد عادى، يتوارد عليه المشخصات، و هو بديهي البطلان، فاعتبار الاشتراك و الكلية ليس للمعنى بما هو هو؛ لأنّ الماهية في حد ذاتها غير واجدة إلا لذاتها و ذاتياتها، و لا لها بما هي موجودة خارجا أو ذهنا؛ إذ هي بهذا القيد شخص لا كلي و لا جزئي، فان مقسمهما المعنى، لا الموجود بما هو موجود، بل الكلية و الاشتراك من اعتبارات الماهية حين كونها في الذهن، فاذا كان النظر مقصورا عليها، و لوحظت مضافة إلى الافراد الخارجية أو الذهنية، و كانت غير آبية عن الصدق‏

51

عليها، يقال: إنها جهة جامعة مشتركة، فالمنتزع عن الأفراد هي الجهة المشتركة، و هي واحدة بوحدة طبيعية، لا بوحدة وجودية عددية.

و صحة انتزاع هذا الواحد من كل واحد من الوجودات هو معنى وجود الطبيعي بالعرض في الخارج- بناء على أصالة الوجود- و هو معنى أن الطبيعي كالآباء بالإضافة إلى الأبناء، في قبال القائل: بأنه واحد عددي، فإنه كالأب الواحد، و المشخصات كالأبناء.

و أما من حيث البناء: فلأن مفرد الجامع في الذهن هو الوجود الذهني، فايجاده في الذهن باللفظ عين تفريده و جعله فردا، و المفروض عدم الاختصاص في المفردات، و منها وجوده في ذهن المخاطب. فافهم و لا تغفل.

18- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فقد توهم أنه وضع الحروف و ما الحق بها من الأسماء ... الخ)

(1)

.

[تحقيق المقام يتوقف على تحقيق المعاني الحرفية]

و المفهومات الأدويّة، و بيان المراد من عدم استقلالها في المفهومية، فنقول: الذي ينساق اليه النظر الدقيق بعد الفحص و التدقيق: أن المعنى الحرفي و الاسمى متباينان بالذات لا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد.

و البرهان على ذلك هو: أن الاسم و الحرف لو كانا متحدي المعنى، و كان الفرق بمجرد اللحاظ الاستقلالي و الآلي، لكان طبيعي المعنى الوحداني قابلا لأن يوجد في الخارج على نحوين كما يوجد في الذهن على طورين، مع أن المعنى الحرفي- كأنحاء النسب و الروابط- لا يوجد في الخارج إلا على نحو واحد، و هو الوجود لا في نفسه، و لا يعقل أن توجد النسبة في الخارج بوجود نفسي‏ (2)، فإن‏

____________

(1) الكفاية: 10/ 19.

(2) و إلا لم يكن ثبوت شي‏ء لشي‏ء، بل ثبوت أشياء ثلاثة، فتحتاج إلى رابطة اخرى. [منه (قدّس سرّه)‏].

52

القابل لهذا النحو من الوجود ما كان له ماهية تامة ملحوظة في العقل كالجواهر و الاعراض، غاية الأمر أنّ الجوهر يوجد في نفسه لنفسه، و العرض يوجد في نفسه لغيره.

[و منه ظهر: أن تنظير المعنى الاسمي و الحرفي بالجوهر و العرض، غير وجيه،]

فان العرض موجود في نفسه لغيره. و الصحيح تنظيرهما بالوجود المحمولي و الوجود الرابط- لا الرابطي- كما لا يخفى على العارف بالاصطلاح المرسوم في تقسيم الوجود. فراجع.

و بالجملة: لا شبهة في أن النسبة لا يعقل أن توجد في الخارج إلا بوجود رابط لا في نفسه، مع أن طبيعي معناها لو كان قابلا للّحاظ الاستقلالي، لكان من الماهيات التامة في اللحاظ، و هي قابلة للوجود النفسي.

فعدم قابلية الربط و النسبة للوجود النفسي المحمولي كاشف عن انه لا يتصور أن يكون للنسبة في حد ذاتها قبول اللحاظ الاستقلالي، و إلا كان في تلك الحال ماهية تامة في اللحاظ و مثلها إذا كان قابلا للوجود العيني كان قابلا للوجود النفسي.

و قد عرفت آنفا: أن مجرّد لزوم القيام بالغير لا ينافي الوجود النفسي، كيف؟ و العرض من أنحاء الموجود في نفسه، مع أن وجوده في نفسه عين وجوده لغيره، فكون النسبة حقيقة أمرا قائما بالمنتسبين- لو لم يكن نقصان في حد ذاتها- لم يكن مانعا عن وجودها في نفسها، مع أنّ من البديهي أن حقيقة النسبة لا توجد في الخارج إلّا بتبع وجود المنتسبين من دون نفسية و استقلال أصلا، فهي متقومة في ذاتها بالمنتسبين، لا في وجودها فقط. بخلاف العرض، فان ذاته غير متقومة بموضوعه، بل لزوم القيام بموضوعه ذاتي وجوده، فان وجوده في نفسه وجوده لموضوعه.

53

و إذا كانت النسبة بذاتها و حقيقتها متقومة بالطرفين، فلا محالة يستحيل اختلافها باختلاف الوجودين من الذهن و العين.

و منه ظهر: أن الأمر كذلك في جميع أنحاء النسب، سواء كان بمعنى ثبوت شي‏ء لشي‏ء، كما في الوجود الرابط المختص بمفاد الهليات المركبة الايجابية، أو بمعنى (كون هذا ذاك) الثابت حتى في مفاد الهلية البسيطة، و هو ثبوت الشي‏ء، أو كان من النسب الخاصة المقومة للأعراض النسبية، ككون الشي‏ء في المكان، أو في الزمان أو غير ذلك.

فإن قلت: إذا لم يكن بين الاسم و الحرف قدر جامع، فما المحكيّ عنه بلفظ الربط و النسبة و الظرفية و أشباهها من المعاني الاسمية؟

قلت: ليس المحكي عنه‏ (1) بتلك الألفاظ إلا مفاهيم و عناوين، لا حقيقة الربط و النسبة، كما في لفظ العدم، فانه لا يحكي إلا عن عنوان موجود في ظرف الذهن، لا عما هو بالحمل الشائع عدم، و ليس العدم كالماهية يوجد بنحوين من الوجود، بل و كذلك الأمر في لفظ الوجود بناء على أصالة الوجود، فان حقيقة الوجود ليست كالماهية؛ حتى توجد تارة في الذهن، و اخرى في العين.

و بالجملة: مفاهيم هذه الالفاظ ما هو ربط و نسبة و عدم و وجود بالحمل الأوّلي، لا بالحمل الشائع، و إلا فهي غير ربط و لا نسبة بالحمل الشائع. و ما هو ربط و نسبة بالحمل الشائع نفس ذلك الأمر المتقوّم بالمنتسبين المحكيّ عنه بالأدوات و الحروف.

و أما الظرفية و الاستعلاء و الابتداء فهي معان اسمية، و ليس معنونها معنى حرفيا، بل كلمة (في)- مثلا- معنى رابطة للظرف و المظروف، و كلمة (على) رابطة

____________

(1) و بالجملة: المعاني على قسمين- بالاضافة إلى ما في الخارج-: فتارة من قبيل الطبيعي و فرده، فالجامع بين الموجود الذهني و الخارج متحقق، و اخرى من قبيل العنوان و المعنون، و العنوان لا يتعدى عن مرحلة الذهن، و هو غير المعنون ذاتا و وجودا. (منه عفي عنه).

54

للمستعلي و المستعلى عليه، و كلمة (من) رابطة للمبتدا به و المبتدأ من عنده، و هكذا، لا أن الظرفية مشتركة مع أداتها في معنى، أو أحدهما (1) عنوان و الآخر معنون كمفهوم الرابطة و مصداقها. فتدبره، فانه حقيق به.

و ما ذكرناه في تحقيق المعاني الحرفية و المفاهيم الأدويّة، هو الذي صرّح به أهل التحقيق و الأكابر من أهل فن المعقول.

[نعم بعض المعاني الاسمية ربما يكون آلة لتعقّل حال الغير، و حينئذ يكون كالمعنى الحرفي في عدم الاستقلال‏]

في القصد و اللحاظ، فيتخيل أن مجرد عدم الاستقلال في اللحاظ ملاك الحرفية و مناط الأدويّة، مثلا الإمكان و الوجوب و الامتناع معان اسمية، إلّا أنّا إذا حكمنا على الانسان بالإمكان فالمحكوم به معنون هذا العنوان لا نفسه، فمفهوم الامكان- مع كونه بحسب الاستعمال ملحوظا بالاستقلال- مقصود بالتبع، و كالآلة للقوة العاقلة يتعرف بها حال الانسان، فهو ملحوظ بالاستقلال في مرتبة الاستعمال، و ملحوظ آلي في مرحلة الحكم، فيكون كالمعنى الحرفي. و قد يلاحظ الإمكان بماله من العنوان، و هو ليس من أحوال الماهيات الإمكانية حقيقة، بل هو موجود من الموجودات الذهنية.

فحقيقة الامكان لها وجود رابط للانسان، و عنوانه له وجود محمولي رابطي؛ حيث إنه موجود في الذهن، و العرض وجود في نفسه وجوده لموضوعه، و هو معنى كونه رابطيا.

و أما حقيقة المعنى الحرفي و المفهوم الأدويّ فهو: ما كان في حدّ ذاته غير استقلالي بأيّ وجود فرض.

فعدم استقلاله باللحاظ كعدم استقلاله في الوجود العيني، من جهة

____________

(1) لأن الظرفية- مثلا- مفهوم إضافي مستقل باللحاظ له نحو من الوجود في الخارج كسائر أنحاء مقولة الإضافة، فليس كالنسبة الحقيقية التي لا استقلال و لا نفسية لوجودها الحقيقي.

[منه (قدّس سرّه)‏].

55

نقصان ذاته عن قبول الوجود النفسي في أي وعاء كان، لا أن اتصافه بعدم الاستقلال بلحاظ اللحاظ؛ حتى يكون الوصف المذكور وصفا له بحال متعلقه لا بحال نفسه.

و تفاوت المعاني ليس أمرا مستنكرا، و الوجود مبرز و مظهر لما هي عليه، لا أن المعنى في حد ذاته كسائر المعاني، و يعرضه الآلية و الاستقلال في مرحلة اللحاظ و الاستعمال.

فان قلت: ما برهنت عليه و ركنت اليه- من أنّ النسبة غير قابلة للوجود النفسي- غير مسلّم، كيف؟ و الأعراض النسبية- كمقولة الأين و متى و الوضع و أشباهها- من انحاء النسب، مع أنها موجودات في نفسها، و ان كان وجودها لموضوعاتها.

قلت: التحقيق كما عليه أهله: أن الأعراض النسبية ليست نفس النسب، بل هيئات و أكوان خاصة ذات نسبة، فمقولة الأين ليست نسبة الشي‏ء في المكان، بل الهيئة القائمة بالكائن في المكان، غاية الأمر أن الأعراض النسبية أضعف وجودا من غيرها، كما أن مقولة الاضافة أضعفها جميعا؛ حيث إن وجودها في الخارج ليس إلا كون الشي‏ء في الخارج بحيث إذا عقل عقل شي‏ء آخر معه، إلا أن هذه الحيثية زائدة على نفس الشي‏ء؛ إذ ذات الأب له وجود غير متحيث بتلك الحيثية، و له وجود متحيث بالحيثية، و منشأ هذا التفاوت ليس إلا أمر وجوديّ.

و أما النسب و الروابط الصرفة، فوجوداتها أضعف جميع مراتب الوجود، حيث لا يمكن وجودها- لا في الخارج، و لا في الذهن- من حيث هي هي مع قطع النظر عن الطرفين، فلذا لا تندرج تحت مقولة من المقولات؛ لأن المقولة لا بد من أن تكون طبيعية محمولة.

إذا عرفت ما حققناه- في حقيقة المعنى الحرفي- تعرف: أنه لا يعقل‏

56

الوضع لها- من حيث هي هي- إلا بتوسط العناوين الاسمية، كالابتداء الآلي و نحوه.

[و ميزان عموم الوضع و خصوص الموضوع له‏]

، ليس الوضع للجزئيات الحقيقية؛ حتى يورد علينا: بأن مجرد الوضع لحقيقة الابتداء النسبي بتوسط عنوان الابتداء الآلي، لا يوجب خصوص الموضوع له؛ لبقاء المعنون على كليته و شموله الذاتي، بل الميزان في العموم و الخصوص: أن نسبة الموضوع له و الملحوظ حال الوضع: إن كانت نسبة الاتحاد و العينية- كما إذا لاحظ أمرا عامّا أو خاصّا، فوضع اللفظ بازاء نفس ذلك الملحوظ- كان الوضع و الموضوع له عامين أو خاصين. و إن كان الموضوع له غير الملحوظ حال الوضع- بأن كان الملحوظ ما هو ابتداء آلي بالحمل الأوّليّ، و الموضوع له ما هو ابتداء نسبي بالحمل الشائع- فلا محالة يكون نسبة الموضوع له إلى الملحوظ حال الوضع نسبة الأخص إلى الأعم، و سرّه أن أنحاء النسب ليس لها جامع ذاتي، بل جامع عنواني، و هذا شأن كل أمر تعلّق في حد ذاته.

لا يقال: الابتداء النسبي الملحوظ بتبع لحاظ طرفيه، يصدق على الابتداءات الخاصة النسبية الخارجية، فهي كلي ذاتي يصدق على أفراده.

لأنا نقول: قد عرفت سابقا أن الابتداء معنى اسمي من مقولة الإضافة، و ما هو معنى حرفي هو نسبة المبتدأ به بالمبتدإ (1) منه، كما أن الظرفية و المظروفية أيضا كذلك. و نسبة الكون في المكان- المقومة لمقولة الأين تارة، و لمقولة الاضافة اخرى- معنى حرفي، و نسبة شي‏ء إلى شي‏ء ليست شيئا من الأشياء، و لا مطابق لها في الخارج، بل ثبوتها الخارجي على حد ثبوت المقبول بثبوت القابل على نهج القوة لا الفعل. و هكذا ثبوتها الذهني، فلا ثبوت فعلي‏

____________

(1) لعله: الى المبتدأ.