نهاية الدراية في شرح الكفاية - ج2

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
510 /
7

الجزء الثاني‏

تتمة المقصد الأول الأوامر

فصل: مقدمة الواجب‏

في أنّ المسألة عقليّة أم لفظية

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (ثمّ الظاهر أيضا أنّ المسألة عقلية ... الخ).

ربما يشكل: جعل المسألة و أشباهها من المسائل الاصولية العقلية بأنّ الدليل العقلي- كما هو المشهور- كلّ حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعي.

و من البيّن أنّ وجوب المقدّمة نفس ما حكم به العقل، لا أنه هناك ما يتوصل به إليه، و تطبيق هذا الحكم الكلّي العقلي على موارده ليس توسيطا للاستنباط، كما لا يخفى.

و يندفع: بأنّ ما أذعن به العقل وجدانا أو برهانا هي الملازمة بين وجوب‏

8

شي‏ء و وجوب مقدمته شرعا، لا أن الوجوب الشرعي ابتداء مفاد حكم العقل، كما يكون مفاد الكتاب و السنة، بل وجوب المقدّمة شرعا نتيجة ثبوت الملازمة عقلا عند وجوب ذي المقدّمة شرعا، كما هو الحال في كلّ متلازمين عقلا، فإن دليل الملازمة عند وضع الملزوم دليل على اللازم؛ بداهة أن العلم بالنتيجة من جهة اندراجها تحت الكبرى الكلية.

فبين الدليل العقلي و الدليل الشرعي فرق و هو: أن دليلية الكتاب و السنة مثلا، بملاحظة دلالتهما على الحكم الشرعي، بخلاف الدليل العقلي، فان مفاده الابتدائي أمر واقعي، أو جعلي يكون الإذعان به موجبا للإذعان بالحكم الشرعي.

كما أنه فرق بين المسائل العقلية و سائر المسائل الاصولية و هو: أن نتائج سائر المسائل الاصولية واسطة في استنباط الحكم الشرعي من دليله، بخلاف المسائل العقلية، فان نتائجها واسطة في إثبات الحكم الشرعي من دون استنباط له من دليله على الوجه المتقدم لا ابتداء.

هذا، و يمكن دفع الاشكال أيضا- في غير ما نحن فيه من الاستلزامات الظنية-:

بأن حكم العقل و إن كان نفس الظن بالحكم الشرعي في ثاني الحال لثبوته سابقا- مثلا- إلّا أنه بمجرّده لا يكون واسطة في إثبات الحكم الشرعي، بل بما يدل على حجية الظن، فالإذعان الظنّي العقلي حكم عقلي يتوصّل به مع دليل الحجية إلى الحكم الشرعي، و كونه دليلا عقليا و حكما عقليا غير متقوّم بالحجّية؛ إذ الدليلية و الحكمية بلحاظ إذعان العقل قطعا كان أو ظنا، فلا يتقوّم بالحجية شرعا أو عقلا. نعم نفس الإذعان العقلي- قطعا كان أو ظنا- قطع بالحكم أو ظن به، لا أنه دليل عليه، و إلا لكان كل قطع بالحكم دليلا عليه،

9

بل الدليلية عقلا باعتبار تعلّق الظن أو القطع بالملازمة بين الثبوت و البقاء و نحوها.

هذا، و الإشكال الصحيح الذي يتوجّه على جعل المسألة و أشباهها من المسائل العقلية الاصولية: هو أن الموضوع لعلم الاصول- كما هو المشهور- الكتاب، و السنة، و الاجماع، و دليل العقل، و المتداول في تعريف الدليل العقلي ما سمعت: من أنه (إذعان عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي)، فلا محالة يجب أن يبحث في الفن عن لواحق القضايا العقلية المثبتة للأحكام الشرعية، لا عن ثبوت نفسها و نفيها، مع أنه ليس كذلك إلا في الاستلزامات الظنية، لا فيما نحن فيه، و جملة من المستقلّات العقلية، و الغير المستقلّات اليقينية؛ أي المتوقفة على خطاب شرعي، كباب الأمر بالشي‏ء، و اجتماع الامر و النهي، دون مسألة الحسن و القبح. فتدبّر.

و جعل الموضوع نفس العقل ليرجع البحث إلى إثبات شي‏ء له غير صحيح؛ لأن المهمّ ليس معرفة حال العقل من حيث ثبوت الاذعان له، بل المهمّ ثبوت نفس ما أذعن العقل به من الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدّمته، من غير فرق بين العقل النظري و العقل العملي، فإنّ الفرق بينهما بمجرّد تفاوت المدرك من حيث كونه من شأنه أن يعمل به فيسمّى عقلا عمليا، أو لا، بل من شأنه أن يعلمه فيسمّى عقلا نظريا، فالاعتبار دائما بالمدرك لا بثبوت الإدراك للقوة العاقلة، و عليه فيقوى في النظر وجاهة إدراجها في المبادي الأحكامية (1) المتكفّلة لبيان حال الحكم من حيث نفسه، و من حيث لوازمه، و من حيث الحاكم‏

____________

(1) قولنا: (إدراجها في المبادي الأحكامية .. إلخ).

لكنه يتغير العنوان بالبحث عن استلزام وجوب شي‏ء لوجوب مقدمته ليكون موضوع القضية موافقا للمبادي الأحكامية المبحوث فيها عن لواحق الأحكام. [منه (قدّس سرّه)‏].

10

و المحكوم، كما صنعه الحاجبي‏ (1) و شيخنا البهائي (قدّس سرّه)

سرى البرق من نجد فهيّج تذكاري‏

عهودا بحزوى و العذيب و ذي قار

(2)، و استحسنهما غير واحد من المتأخرين، إلّا أن إدراج هذه المباحث- التي تنفع نتائجها في إثبات الحكم الشرعي، كسائر المسائل الاصولية- في المبادئ و إخراجها عن المقاصد بلا وجه.

و مجرّد كون الشي‏ء من المبادئ التصديقية لمسألة، لا يقتضي أن يكون منها بقول مطلق، مع كون نتيجتها في نفسها كنتيجة تلك المسألة، و عدم شمول ما عدّ موضوعا للعلم لموضوع هذه المسألة من مفاسد ما جعل موضوعا للعلم، و قصوره عن شمول ما هو كسائر المسائل في الغرض المهمّ، لا من قصور المسألة عن كونها من مقاصد الفن و مطالبه.

____________

(1) شرح مختصر المنتهى للعضدي: حيث بدأ في صفحة (69) بالكلام عن المبادئ الاحكامية لعلم الاصول و أدرج في مباحثها مسألة (ما لا يتم الواجب إلا به) و قد بحث هذه المسألة في صفحة (90).

(2) الزبدة في الاصول: 45، عند قوله: (فصل: ما يتوقف الواجب عليه) إذ عدّ هذا الفصل من المبادئ الأحكامية التي هي المطلب الثالث من المنهاج الاول في مقدمات كتاب الزبدة في الاصول للشيخ البهائي (رحمه اللّه).

و هو شيخ الاسلام بهاء الدين محمد بن الحسين الحارثي الهمداني العاملي المعروف بالشيخ البهائي (رحمه اللّه).

ولد في بعلبك يوم الخميس (13- محرم- 953 ه)، و انتقل مع والده و هو صغير إلى اصفهان، فأخذ عن والده و غيره من جهابذة العلماء، حتى صفت له من العلم مناهله، ولي بها مشيخة الإسلام، ثم رغب في الفقر و السياحة، فترك المناصب و مال لما هو لحاله مناسب فقصد حجّ بيت اللّه الحرام و زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته الكرام (عليهم السلام) و زار بيت المقدس و مصر و الشام و حلب، فساح زائرا لأغلب البلاد ثلاثين سنة، و اجتمع بكثير من أرباب الفضل، فاستفاد منهم و أفاد.

ثم عاد إلى اصفهان في زمن الشاه عباس الصفوي، فكان لا يفارقه سفرا و لا حضرا فكان عالمه و مهندسه في البناء كما في حضرة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و مساجد اصفهان، و المشهد الرضوي، و غيرها من الأبنية الضخمة التي تدلّ على براعته في علوم الهندسة المعمارية و الحساب-

11

و يمكن أن يقال: بأن البحث هنا، و في مسألة الأمر بالشي‏ء، و في مسألة اجتماع الأمر و النهي، بحثّ عن ثبوت شي‏ء للوجوب و الحرمة- مثلا- من حيث كونهما من مداليل الكتاب و السنة. و إشكال لحوق العارض لأمر أعمّ- حيث إنه لا دخل لورودهما في الكتاب و السنة في لحوق شي‏ء من العوارض المذكورة في تلك المسائل- إشكال يعمّ نوع المسائل الاصولية؛ ضرورة أن ظهور الصيغة في الوجوب- .. و هكذا- من لواحق الصيغة بما هي، لا بما هي واردة في الكتاب و السنة. و كون البحث باعتبار اندراج الأخصّ تحته- لا باعتبار ذاك الأمر الأعم- لا يجدي شيئا بعد عدم دخله في لحوق العارض واقعا، فلا يخرج عن كونه عرضا غريبا، بل هذا الإشكال جار و لو مع قطع النظر عن حيثية المدلولية؛ لأنّ العقل يحكم بالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته مطلقا من دون اختصاص بالوجوب الشرعي، مع أنّ موضوع البحث- باعتبار أنّ نتيجته لا بدّ و أن تكون مثبتة للوجوب الشرعي- مقصور على الملازمة بين وجوب شي‏ء شرعا و وجوب مقدمته شرعا.

____________

- و الفلك فضلا عن الفلسفة و اللغة و الفقه و الاصول.

عدّ له صاحب أعيان الشيعة (19) تلميذا من علماء الشيعة، كما عدّ له ما يقارب الستين مؤلفا في جميع العلوم منها: (شرح الأربعين حديث) و (مفتاح الفلاح) في الدعاء و (الجامع العباسي) في الفقه، و (الزبدة) و (حاشية شرح العضدي) في الاصول و (الفوائد الصمدية) في النحو و (رسالة الجوهر الفرد) في الحكمة و غيرها. كما أنه (رحمه اللّه) كان شاعرا مجيدا في العربية و الفارسية، و له قصيدته المشهورة في مدح الإمام الحجة المهديّ- (عجّل اللّه فرجه الشريف)- و التي مطلعها:

سرى البرق من نجد فهيّج تذكاري‏* * * عهودا بحزوى و العذيب و ذي قار

توفّي (رحمه اللّه) في اصفهان (12- شوال- 1030 ه) و نقل إلى مشهد الامام الرضا (عليه السلام) و قبره مزار معروف ضمن الحضرة المباركة على ساكنها آلاف التحية و السلام‏

(أعيان الشيعة 9: 234- 249) بتصرف.

12

نعم فرق بين هذه الحيثية و حيثية المدلولية، فإنّ حيثية المدلولية للكتاب و السنة، كما لا دخل لها في الملازمة العقلية، كذلك لا دخل لها في النتيجة الشرعية، فإن الوجوب الشرعي- سواء كان مدلولا عليه بلفظ، أو لا- يترتّب عليه أثره، فحيثية المدلولية هنا لغو محض، فلا تقاس بحيثية الشرعية هنا، و لا بحيثية ورود صيغة (افعل) في الكتاب و السنة، كما لا يخفى.

و أما إشكال العارض لأمر أعمّ من حيث اختصاص البحث بالوجوب الشرعي، و كذلك في باب مباحث الألفاظ، فقد تقدّم الكلام فيه في أوائل التعليقة، و أما في مسألة الحسن و القبح و الملازمة بينهما و بين الوجوب و الحرمة، فنلتزم: بأنّ الاولى من المبادي العقلية للثانية، و الثانية يبحث فيها عن لواحق القضية العقلية، و هي حكم العقل بالحسن و القبح.

و الأولى أن يجعل فنّ الاصول‏ (1) عبارة عن مطالب متشتّتة تنفع في إثبات‏

____________

(1) قولنا: (و الأولى أن يجعل فن الاصول .. إلخ).

لكنه لا يجدي عدم الالتزام بموضوع جامع لإدراج القضايا المبحوث عنا في فن الاصول في مسائله و مقاصده غالبا للزوم أحد محذورين: إما الالتزام بكون محمولات قضايا الفنّ أعراضا غريبة بالنسبة إلى موضوعاتها، و إما الالتزام بكون الغرض المترقّب من هذا العلم أخصّ من المسائل المبحوث عنها؛ لأن جميع مباحث الالفاظ لا دخل لمحمولات مسائلها بورودها في الكتاب و السنة، مع أن الغرض مترتّب على الوارد منها في الكتاب و السنة، فتعميم موضوعاتها يوجب أخصّية الغرض، و تخصيص موضوعاتها يوجب غرابة العرض، و كذا العقلية من مسائلها، كمقدمة الواجب و الضد، و اجتماع الامر و النهي، فإنها أيضا كذلك من حيث لزوم أحد المحذورين، و لا يمكن جعل تلك القضايا من المبادي التصديقية لمسائل الفن بوجهين:

أحدهما- أن عقد مسألة يبحث فيها عن خصوص ما ورد في الكتاب و السنة- مثلا- يلزمه محذور غرابة العرض، فيعود المحذور.

و ثانيهما- أنّ المبادي التصديقية يتوقف عليها التصديق بثبوت محمولات قضايا العلم لموضوعاتها، و هنا ليس كذلك؛ لأنّ ظهور صيغة (افعل) الواردة في الكتاب و السنة- مثلا- من مصاديق مطلق صيغة (افعل)، فليس هناك إلا تطبيق الكلي على فرده، لا وساطة قضية-

13

الحكم الشرعي، أو ينتهي إليها أمر الفقيه في مقام العمل، من دون حاجة إلى الالتزام بموضوع جامع على تفصيل تقدّم في أوائل التعليقة (1).

[في تقسيم المقدّمة إلى داخلية و خارجية:

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و الحل أن المقدمة هي نفس الاجزاء بالأسر ... الخ)

(2)

.

توضيحه: أن ذوات الأجزاء إذا لوحظت بنحو الكلّ الافرادي لم يكن بينها تألّف و تركّب، فلم تكن هي أجزاء لشي‏ء؛ بداهة أن الكلية و الجزئية متضايفتان، و إذا لوحظت من حيث التألّف و الاجتماع- سواء كان التألّف و التركّب حقيقيا أو اعتباريا- فهنا يتحقّق أمران:

أحدهما- ذات الملحوظ من حيث الاجتماع بلا لحاظ الحيثية على نحو عدم الاعتبار، لا على نحو اعتبار العدم، بحيث تكون بالحمل الأوّلي غير مجتمعة و لا مؤتلفة، و إن كانت بالحمل الشائع مجتمعة و مؤتلفة، فهذه هي الأجزاء بالأسر.

و ثانيهما- الأجزاء من حيث تألّفها و تركّبها الحقيقي أو الاعتباري. و من الواضح أن المعروض له نحو من التقدّم على عارضه، و نسبة الأجزاء بالأسر إلى الكلّ نسبة الماهية اللابشرط إلى الماهية بشرط شي‏ء، فلا يتوهّم أنّ الأجزاء إمّا أن‏

____________

- للتصديق بقضية أخرى، فلا مناص إلّا أن يقال: إنّ هذه المباحث مشتملة على مباد أحكامية و مباد لغوية و مباد عقلية تنفع في الفقه من حيث إنّ المحتاج إليه في الفقه مصداق من طبيعي تلك المبادي، لا إنها بعنوانها واسطة في استنباط الحكم حتى تكون من المسائل الاصولية. فافهم.

[منه (قدّس سرّه)‏] (ن، ق، ط).

(1) و ذلك في التعليقة: 109، 111.

(2) كفاية الاصول: 90/ 3.

14

تلاحظ مجتمعة أو غير مجتمعة، و الأول مناط الجزئية و الكلية، فيعود إشكال العينية، و الثاني ليس فيه مناطهما.

لكنك بعد ما عرفت أن التجريد بتعمّل من العقل- و إن كان تخليطا بالحمل الشائع- تعرف أن كون الأجزاء الملحوظة مجتمعة غير كونها ملحوظة من حيث الاجتماع، و عليه فسبق الأجزاء على الكلّ- في مقام شيئية الماهية و تقوّم الطبيعة بعلل قوامها- سبق بالتجوهر لاحتياج المركّب في تجوهر ذاته إلى الأجزاء، فمقام تجوهر ذوات الأجزاء مقدّم على مقام تجوهر ذات المركّب الحقيقي او الاعتباري، و قد يسمّى ذلك بالسبق بالماهية، و أما سبق كلّ جزء على الكلّ في الوجود فهو بالطبع؛ لأن مناط التقدّم الطبعي: أن يمكن للمتقدّم وجود و لا وجود للمتأخّر و لا عكس كالواحد بالنسبة إلى الاثنين، و من الواضح أنّ نسبة كل جزء إلى الكلّ كذلك.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (أنّه لا بدّ في اعتبار الجزئية من أخذ الشي‏ء بلا شرط ... الخ)

(1)

.

هذا ناظر إلى دفع ما أفاده بعض الأجلّة في تقريراته‏ (2) لبحث العلامة الأنصاري (قدّس سرّهما) حيث ذكر: أن للجزء اعتبارين: بأحدهما يكون متّحدا مع الكلّ، و هو اعتباره لا بشرط، و بالآخر يكون مغايرا للكلّ، و هو اعتباره بشرط لا.

و التحقيق: أن الأجزاء ما لم تلحظ بالأسر- أي مجموعا- لا يكون هناك جزئية و لا كلية أصلا، فملاحظة ذات التكبيرة لا بشرط معناها قصر النظر ذاتا

____________

(1) كفاية الاصول: 90/ 4.

(2) مطارح الانظار: 82.

15

على ذاتها، فأين الجزئية و الكلية و لو بلحاظ آخر لها؟! و ملاحظتها بشرط الانضمام إلى غيرها، معناها ملاحظة الأجزاء بالأسر التي منها التكبيرة.

و بالجملة: لا بدّ في صلاحية ذوات الأجزاء لانتزاع الجزئية و البعضية من ملاحظتها و هي منضمة، و لا ينافي ذلك عدم ملاحظة حيثية انضمامها، فالمراد من اللابشرط- من حيث الانضمام- ليس قصر النظر على ذات الجزء، بل المراد ملاحظة المنضمات من دون ملاحظة نفس الهيئة، الانضمامية العارضة عليها؛ إذ لو لم يلاحظ المنضمات لم يكن اللحاظ واردا على الجزء بل على غيره.

و لا يخفى أن الأجزاء بالأسر- بحسب الواقع- كل جزء منها منشأ لانتزاع البعضية للمجموع، و نفس المجموع منشأ لانتزاع الكلية و التمامية و لو لم تلاحظ حيثية الانضمام بنفسها. نعم، حيث إن النظر في هذه الملاحظة مقصور على ذوات الأجزاء بالأسر، لا معنى للحكم على كل واحد بالجزئية و البعضية، و على المجموع بالكلية و التمامية، بخلاف ما إذا لاحظها ثانيا بما هي منضمّة و مجتمعة، فإنه يصحّح انتزاع عنواني الكلية و الجزئية، بالفعل، و الكلية و الجزئية متضايفتان متكافئتان قوة و فعلا.

و ما سبق- من أنّ مناط سبق الأجزاء لحاظها لا بشرط، كما عليه أهله في فنّ الحكمة- فبملاحظة أن الماهية النوعية المركّبة بما هي ماهية نوعية واحدة لها جهة تأخّر عن ذات الجزءين- أي الماهية الجنسية، و الماهية الفصلية- فاذا لوحظتا بذاتهما فقد لوحظت الذاتيات، و إذا لوحظتا بما [هما وحدة] (1) واحدة فقد لوحظت الذات. و من الواضح أن حيثية لحاظهما [وحدة] (2) واحدة

____________

(1) في الاصل: بما هي واحدة. و صححت الى المثبت.

(2) في الاصل: واحدة. و صححت الى المثبت.

16

متأخّرة عن لحاظ ذاتهما، لا أنّ غرضهم: أنّ مقام انتزاع الجزئية متقدّم على مقام انتزاع الكلية؛ لئلا يكون المتضايفان متكافئين في القوة و الفعلية.

و ليعلم: أن البشرطلائية لا تنافي اللابشرطية بأيّ معنى كان، بل‏ (1) إذا قيستا و اضيفتا إلى شي‏ء واحد. و قد تقرّر في محلّه: أنّ البشرطلائية بالإضافة إلى اتحاد شي‏ء مع الشي‏ء من اعتبارات الجزء، و هو لا ينافي اللابشرطية بالإضافة إلى حيثية الانضمام، و ما هو ملاك الجزئية هو الثاني، فاعتبار زيادة غيره عليه من اعتبار الشي‏ء على ما هو عليه، فلا يكون منافيا لنفسه.

و غرض المقرر (قدّس سرّه) هو اعتبار البشرطلائية بالمعنى المعروف المعدود من اعتبارات الجزء في فن المعقول- كما لا يخفى- لا البشرطلائية عن انضمام شي‏ء إليه كي يكون منافيا للجزئية.

و حيث إن اللابشرطية- من حيث الانضمام- لا تنافي الاتّحاد مع الكلّ بملاحظة حيثية الانضمام؛ لاجتماع اللابشرط مع البشرطشي‏ء، بخلاف البشرطلائية من حيث الاتحاد، فإنها توجب المغايرة بينه و بين الكل، فيتمحض الجزء في الجزئية، فلذا جعلها المقرّر من اعتبارات الجزء حتى يمكن النزاع في وجوب الجزء بعد وجوب الكل، و سيجي‏ء (2)- ان شاء اللّه- تتمة الكلام.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و كون الأجزاء الخارجية كالهيولى و الصورة ... الخ)

(3)

.

قد عرفت في آخر مبحث المشتق‏ (4) ما هو المراد من اعتباري لا بشرط

____________

(1) اي بل فقط إذا قيستا ...

(2) التعليقة: 4.

(3) كفاية الاصول: 90/ 7.

(4) التعليقة: 131، ج 1، عند قوله: (فإن المراد من ملاحظته بشرط لا ...).

17

و بشرط لا في الأجزاء الخارجية و الحدية، و لا يكاد يتصوّر الاعتباران المذكوران، إلّا بالإضافة إلى المركّب و إلى كلّ واحد من الأجزاء، لا للاجزاء الخارجية بالإضافة إلى الأجزاء التحليلية، فانه لا معنى محصّل له إلا ما أشار إليه (رحمه اللّه) في مبحث المشتق‏ (1) من عدم ورود هذه الاعتبارات على أمر واحد، بل الغرض أن الجزء الخارجي سنخ مفهوم لا يحمل على الجزء الآخر و لا على الكل، و الجزء الحدّي التحليلي سنخ مفهوم يحمل على الجزء الآخر من الحدّ و على الكلّ كالمشتق و مبدئه عنده (قدّس سرّه)، و قد عرفت هناك أنه خلاف تصريحات أهل الفن‏ (2).

نعم قد ذكرنا هناك: أن اللابشرطية في المتغايرين في الوجود لا تصحّح الحمل المعتبر فيه الاتحاد في الوجود؛ بداهة أن المغايرة الحقيقية لا تزول بعدم ملاحظة المغايرة، بل إنما يصحّ ذلك في المركّبات الحقيقية على ما هو التحقيق من اتحاد أجزائها في الوجود، بمعنى أن المركّب الحقيقي إنما يكون كذلك إذا كان له صورة وحدانية في الخارج، فإنّ مبدأ الجنس و هي النفس الحيوانية- حيث استعدّت لإفاضة النفس الناطقة- تصوّرت بمبدإ الفصل و هي النفس الناطقة، فاذا لاحظ العقل النفس الحيوانية- من حيث وقوعها في صراط الترقّي و تلقّي الصورة النطقية- فقد لاحظها بما لها من درجة الفعلية و التحصّل، و هي بهذا الاعتبار مادة خارجية، و إذا (3) لاحظها من حيث الاتحاد في الوجود الساري من الصورة إلى المادة، و من الفصل الطبيعي إلى الجنس الطبيعي، فقد لاحظها على وجه يصحّ حملها على الجزء الآخر، لسقوط الدرجة الخاصّة له من الوجود عن‏

____________

(1) الكفاية: 55، الأمر الثاني.

(2) التعليقة: 131، ج 1، عند قوله: (فهو و إن كان صحيحا في نفسه ...).

(3) في الأصل: (و إذ لاحظها ...)، و الموافق للسياق ما أثبتناه من نسخة (ط).

18

نظر العقل، و الفرض أنهما موجودان بوجود واحد، فإنّ الفصل الأخير كل الأجناس و الفصول الطولية، و شيئية الشي‏ء و تمامه بصورته النوعية، و هذا هو المراد من اعتباري لا بشرط و بشرط لا في الأجزاء الخارجية و التحليلية.

و بالتأمل فيه يتّضح: أنه مخصوص بالمركّبات الحقيقية التي لها صورة وحدانية في الخارج، و صورة إجمالية في الذهن، لكنه ليس الغرض هنا صحة الحمل و عدمها؛ كي يقال: باختصاص الاعتبارين بالمركبات الحقيقية دون الاعتبارية، بل الغرض ملاحظة الجزء على نحو يكون غيره زائدا عليه، كما هو كذلك في الامور المتغايرة في الوجود، و إن كانت منضمّة في اللحاظ بشرط الانضمام أو لا بشرط الانضمام، و اعتبار المغايرة و إن لم يكن مقوّما لجزئية الجزء، إلا أنه من الاعتبارات الصحيحة الواردة على الجزء.

فان قلت: الإتعاب في تصحيح الاعتبار البشرطلائي غير مفيد؛ لأن الغرض إيجاب الجزء بالوجوب المقدمي، فلا بد من ملاحظة الوجه الذي به يكون الجزء في مقام شيئية الماهية مقدمة للكلّ، و هو ليس الّا الاعتبار اللابشرطي من حيث الانضمام. و أما اعتبار اللابشرطية و البشرطلائية من حيث الاتحاد، فهو من اعتبارات المركّبات الحقيقية تصحيحا للحمل و عدمه، لا للجزئية و الكلية.

قلت: ليس الغرض من اعتبار الجزء بشرط لا تصحيح المقتضي لوجوبه المقدمي، بل لأجل دفع المانع.

و توضيحه: أن الجزء المنضمّ إلى غيره جزء حقيقة و ممّا يتقوّم به الكلّ واقعا سواء لوحظ على وجه يصحّ حمله على الكلّ، أم لا، ففي المركّبات الحقيقية ملاحظته لا بشرط و بشرط لا لمكان تصحيح الحمل، و تصحيح ترتيب الأحكام المختصّة بكلّ من المادة و الصورة عليهما.

و أما في المركبات الاعتبارية فقد عرفت أن اللابشرطية لا تصحح الحمل،

19

بل الغرض من اللابشرط و البشرطلا هنا: أن الجزء المنضم إلى بقية الأجزاء إذا لوحظ بما هو بحيث توجه النظر إلى ذات هذا المنضمّ إلى الباقي كان هو غير الكلّ. فبهذا النظر يستقلّ و يتمحّض في الجزئية، فلأحد أن يقول:

بأن الجزء حينئذ- حيث إنه غير الكلّ، بل مما يتألف منه الكلّ- فوجوبه ليس عين وجوب الكلّ، بخلاف ما إذا لوحظت الأجزاء بالأسر، فإن لحاظها و ان كان لحاظ هذا الجزء ضمنا، إلا أنّ الأجزاء بالأسر عين الكلّ، لا مما يتألّف منه الكل، فالمراد من بشرط لا هو لحاظه مستقلا، و من لا بشرط لحاظه بلحاظ الأجزاء بالأسر. و أما المقتضي للوجوب الغيري فهو على أيّ حال كونه مما يتألّف منه المركّب، و هو لا يكون مؤثّرا إلّا بلحاظه استقلالا ليتمحّض في الجزئية. فافهم و استقم.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (لما عرفت من أنّ الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتا ... الخ)

(1)

.

فكما أنّ حيثية الاجتماع‏ (2) غير داخلة في المركّب بل آلة لملاحظة المركّب على وجه التركّب، و لذا لا نفسية لها، و لأجله لا ينثلم به عينية الأجزاء بالأسر مع المركّب ذاتا، لا أنه مركّب من امور خارجية و أمر ذهني، كذلك في مقام تعلّق الوجوب بالكلّ، ملحوظة على وجه المرآتية لما هو كلّ بالحمل الشائع، فلذا لا

____________

(1) كفاية الاصول: 90/ 13.

(2) قولنا: (فكما أنّ حيثية الاجتماع .. إلخ).

ينبغي توضيح القول في امور:

منها- أن الوجوب النفسي واحد أو متعدد.

[و] أ منها- أن الوجوب النفسي الواحد المتعلّق بالأجزاء بالأسر هل متعلق بكل جزء-

(أ) أضفنا (الواو) في هذه المواضع الثلاثة لاقتضاء السياق.

20

تكون تلك الحيثية واجبة- لا جزء و لا شرطا- فالمركب و الأجزاء بالأسر أحدهما عين الآخر في الوجوب، كما هو كذلك في الوجود.

____________

- بالذات أو بالعرض أ؟

[و] ب منها- أن كلّ جزء مع انبساط الأمر النفسي عليه يقبل وجوبا آخر غيريا أم لا؟

[و] ج منها- أن الشرط الشرعي المتقيّد به المأمور به هل هو كالجزء، فيكون مقدمة داخلية بالمعنى الأعم د، أو لا؟ فنقول:

اما وحدة الوجوب النفسي و تعدده فقد تعرضنا له في المتن.

و أما كونه بالذات أو بالعرض، فملخّص القول فيه: أنّ الوجوب إذا كان على و زان الوجود الذهني، فكما أنّ الامور المجموعة في اللحاظ كل منها ملحوظ حقيقة بعين هذا اللحاظ، لا أنّ الملحوظ ما وراء هذه الامور، و هي متّحدة معه، فلا محالة ليس هناك موجود بالذات غيرها؛ حتى يكون كل واحد من تلك الامور موجودا بالعرض، فكذلك الوجوب متعلّق حقيقة بنهج الوحدة بهذه الأجزاء، فليس متعلقه ما وراء هذه الأجزاء؛ ليكون وجوب كل واحد بالعرض، و كل ما بالعرض يحتاج إلى ما بالذات. و قياسه بالمطلق و المقيّد مع الفارق؛ إذ المقيّد- بما هو- إذا كان معروض الوجوب، فهو كما إذا كان معروض الوجود، فليس التقييد في عرض ذات المقيد؛ ليكون تعلّق الوجوب و الوجود بهما على حدّ سواء.

و أما قبول الجزء للوجوب الغيري و عدمه فقد تعرضنا له في الحواشي الآتية ه.

و أما كون الشرط كالجزء مقدمة داخلية فمختصر الكلام فيه: أنه تقدم و أن التقيّد إن كان داخلا في المأمور به كان مرجعه إلى أن الخاص واجب، و أن الخاصّ جزء، و لا فرق بين جزء و جزء؛ إذ ليس كلّ خصوصية شرطا أو جزء- خصوصا ز مورد البحث- بل الشرط حيث-

(أ) كما ذهب إليه المحقّق صاحب الدرر، و هو الشيخ عبد الكريم الحائري (قده) في درر الفوائد: 1: 91 في المقدمات الداخلية عند قوله: (فمتعلّق الأمر النفسي ...) إلى قوله: (نعم يمكن استناد الأمر إليها بالعرض).

(ب) أضفنا (الواو) في هذه المواضع الثلاثة لاقتضاء السياق.

(ج) أضفنا (الواو) في هذه المواضع الثلاثة لاقتضاء السياق.

(د) ذهب إليه المحقق النائيني (قده) على ما في أجود التقريرات 1: 215 فما بعدها.

(ه) كما في التعليقة: 9 من هذا الجزء.

(و) التعليقة: 71، 87، ج 1.

(ز) في الأصل: مخصوص‏

21

فإن قلت: الوجوب على وزان الوجود، فكما أن الآحاد بالأسر موجودات بوجودات متعدّدة، كذلك يجب أن تكون واجبة بوجوبات متعدّدة خصوصا مع ملاحظة أن الإرادة التشريعية لا تفارق التكوينية، إلا بتعلّق الاولى بفعل الغير، و تعلق الثانية بفعل المريد، مع أنّ الإرادة التكوينية المحرّكة للعضلات نحو التكبيرة- مثلا- غير الإرادة المحركة لها نحو القراءة، فاللازم الالتزام بتعدّد الوجوب النفسي بعدد الأجزاء.

قلت: المركّب الاعتباري و إن لم يكن له وجود حقيقة غير وجودات الآحاد- و الهيئة التركيبية الاجتماعية من الاعتبارات العقلية- إلّا ان الملحوظ- في حال الحكم عليه و تعلّق الشوق به- هي الآحاد من حيث الاجتماع و الانضمام، فوزان الإرادة و الإيجاب في تعلقهما بالآحاد وزان العلم و الوجود الذهني، لا وزان الوجود العيني، فيلاحظ الآحاد بوجودها الانضمامي- لا بنحو التفرق- فيشتاقه أو يبعث نحوه، فكما ان الآحاد في هذه الملاحظة ملحوظة بلحاظ واحد، كذلك مرادة بإرادة واحدة، و نفس الشوق الأكيد المتعلّق بالآحاد على هذا الوجه محرّك للعضلات نحوها، كما أنها كذلك في إرادتها من الغير نظير الإرادة المتعلّقة بالامور المتصلة التدريجية (1)، فإن الإرادة واحدة، و إن كان بين‏

____________

- إنه دخيل في فعلية الغرض، فأخذه في المأمور به لا يوجب كون المقيّد واجبا، بل الشرط حيث إنه دخيل في فعلية الغرض، فأخذه في المأمور به لا يوجب كون المقيّد واجبا، بل يوجب تقييد الواجب، مضافا إلى أن دخول التقيّد في الواجب لا يوجب كون الشرط مقدمة داخلية، فإنّ وجود الطهارة خارجا يوجب حصول تقيّد الصلاة بها، فتكون مقدّمة خارجية كمقدّمات وجود الأجزاء، فالجزء و التقيّد مقدّمة داخلية، لا مقدمات وجود الأجزاء و حصول التقيد. فتدبر.

[منه (قدّس سرّه)‏].

(1) و التحقيق: أنّ الإرادة المتعلّقة بالامور المتّصلة التدريجية ينبعث منها إرادات جزئية بالإضافة إلى جزئيات الحركات، بخلاف الإرادة التشريعية، فإنّ المنبعث منها هو البعث، و قد عرفت صحّة البعث نحو مجموع امور لوحظت بنحو الوحدة. [منه (قدّس سرّه)‏].

22

المركب الاعتباري و الأمر التدريجي فرق ظاهر من حيث إن الوحدة في الأول اعتبارية، و في الثاني اتصالية، لكنه غير فارق بعد لحاظ الوحدة في عالم تعلّق الإرادة.

و لا فرق- أيضا- فيما ذكر بين وحدة الأثر و تعدّده، فإن الأثر الحاصل من عدة امور متفرقة في الوجود، و إن لم يمكن وحدته حقيقة، إلا أن الغرض أيضا مجموع آثار الآحاد، فهو الداعي لإرادتها، لا كلّ واحد واحد من أشخاص الآثار. فافهم و استقم، و لا تغفل.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (لامتناع اجتماع المثلين ... الخ)

(1)

.

لا يذهب عليك‏ (2) أن التماثل و التضادّ من الأحوال الخارجية للموجودات الخارجية بحسب وقوعها في ظرف الخارج، كما حقّق في محلّه.

____________

(1) كفاية الاصول: 90/ 15.

(2) قولنا: لا يذهب عليك أنّ التماثل .. إلخ).

ربما يقال أ: إنّ إشكال التماثل يندفع بالتأكّد كما إذا كان واجب نفسي مقدمة لغيره، فإنّه يتأكّد الوجوب.

أقول: الإرادة و إن كانت قابلة للشدة و الضعف، و قابلة للاشتداد و الخروج من حدّ إلى حدّ، إلّا أنّ وجود إرادة شديدة ابتداء أو اشتدادها و الخروج من حدّ الضعف إلى الشدة إنما يعقل إذا كان في متعلّقها مصلحة أكيدة أو مصلحتان، و أما إذا كان مصلحة قائمة بمجموع الأجزاء و مصالح أخر قائمة بكلّ من تلك الأجزاء- كما في ما نحن فيه- فلا يعقل اقتضاء إرادة شديدة بمجموع الأجزاء و لا اشتداد الإرادة المتعلّقة بنفس المجموع، و إلّا لكان من باب المعلول بلا علة؛ إذ كلّ مصلحة تقتضي انبعاث الإرادة نحو ما فيه المصلحة، و فرض مصلحة في الجزء دون-

(أ) القائل المحقق النائيني (قده)- على ما جاء في هامش (ن) و (ق)- راجع أجود التقريرات 1: 216 و 218.

23

و من الواضح أن الفعل بما هو موجود خارجي- أي بعد مصداقيته لعنوان الموجود- لا يتّصف بالوجوب لبداهة سقوط الوجوب بعد الوجود، بل بما هو وجود عنواني مطابقه و معنونه الوجود الخارجي الذي حيثية ذاته حيثية طرد العدم، مضافا إلى أنّ الوجوب و الحرمة أمران اعتباريان عقلائيان، لا من المقولات التي لها نحو من الوجود في الخارج، فلا العارض من الأحوال الخارجية، و لا المعروض من الامور العينية.

و إن اريد الإرادة و الكراهة من الإيجاب و التحريم، فهما و إن كانا من الصفات الخارجية و المقولات الحقيقية، إلّا أن الاجتماع الممتنع لا يخلو من أن يكون: إما بلحاظ قيامهما بالنفس، أو قيامهما بالفعل من حيث التعلّق:

فان كان بلحاظ قيامهما بالنفس، فمن الواضح عند الخبير أنّ موضوع التماثل و التضادّ هو الجسم و الجسماني- أي الواحد بالعدد- لا مثل النفس من البسائط المجرّدة، فليس النفس كالجسم حتى يقوم البياض بجزء منه و السواد بجزء آخر منه، و لذا لا شبهة في قيام إرادتين أو إرادة و كراهة بها بالنسبة إلى فعلين، فيعلم منه أنّ المانع- لو كان- فإنّما هو من حيث التعلّق بشي‏ء، لا من حيث القيام بموضوع النفس، فإنّ النفس لتجرّدها و بساطتها قابلة لقيام إرادات و كراهات بها في زمان واحد.

و إن كان بلحاظ قيامهما بالفعل من حيث التعلّق فقد عرفت: أن المحال قيام المتماثلين أو المتضادّين بالموجود الخارجي، مع أن وجود الفعل يسقط الطلب.

____________

- المجموع يقتضي تعلّق الإرادة بالجزء دون المجموع، و ليست التعلّقات التحليلية- الناشئة من تعلّق إرادة واحدة بالمجموع- قابلة للاشتداد أو منبعثة عن مصالح قائمة بالأجزاء.

هذا في الإرادة القابلة في نفسها للاشتداد، و أما البعث فهو أمر اعتباري لا شدّة فيه و لا اشتداد، مع أن امره في اعتبار بعث شديد كالإرادة. فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏]. (ن، ق، ط).

24

مضافا إلى أن موضوع الإرادة و الكراهة و سائر الكيفيات النفسانية هي النفس، فلا يعقل قيامهما بشي‏ء غير النفس، و تعلقهما بوجود الطبيعة بنحو العنوانية لا مانع منه بعد عدم كونه في مرتبة تعلّقهما به من الموجودات الخارجية، و لذا لا شبهة في تعلّق الإرادات بوجود الطبيعة بما هي في أزمنة متفاوتة، أو بالنسبة إلى أشخاص مختلفة، فيعلم منه قبول وجود الطبيعة بما هي للمعروضية للإرادات و الكراهات.

و إن اريد أنّ الفعل في مرتبة تعلّق الإرادة به في النفس لا يقبل تعلق‏ (1) إرادة اخرى به بحده؛ بداهة أنّ نشخّص الإرادة بالمراد، كالعلم بالمعلوم، فهو صحيح، إلا أنه من باب لزوم ما لا يلزم لحصول الغرض بإرادة وجود الصلاة مرتين، أو إرادته تارة و كراهته اخرى، من غير لزوم تعلّق الإرادة به في مرتبة تعلّق إرادة اخرى به؛ لوضوح أن الكلام في عدم تعلّق وجوبين بالفعل الواحد بأيّ نحو من التعلّق.

و التحقيق: أن الامتناع ليس بملاك اجتماع المتماثلين و المتضادّين- كما هو المشهور عند الجمهور- بل لأن الإرادة علّة للحركة نحو المراد، فان كان الغرض الداعي إلى الإرادة واحدا فانبعاث الإرادتين منه في قوّة صدور المعلولين عن علّة واحدة، و هو محال. و إن كان الغرض متعدّدا لزم صدور الحركة عن علّتين مستقلّتين، و هو محال.

لا يقال: هذا في الإرادة التكوينية دون التشريعية.

لأنا نقول: لا فرق بينهما إلا بكون الاولى علّة تامّة للحركة نحو المقصود، و الثانية علّة ناقصة، و لازمها التأثير بانضمام إرادة المكلّف، فيلزم صدور الواحد عن الكثير أيضا.

____________

(1) في الأصل: (لا يقبل لتعلّق ...).

25

و منه يتضح: أن الإيجاب بمعنى البعث و التحريك أيضا كذلك، فإنّ البعث لجعل الداعي. و من الواضح أن جعل ما يمكن أن يكون داعيا غير قابل للتعدّد مع وحدة المدعوّ إليه؛ إذ لازمه الخروج من حدّ الإمكان إلى الوجوب عند تمكين المكلف من الامتثال، فيلزم صدور الواحد عن إرادتين و داعيين مستقلين.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (لعدم تعددها هاهنا ... الخ)

(1)

.

سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- في محلّه: أن الوجه المبحوث عنه هو الوجه الواقعي، لا الوجه اللفظي.

و من الواضح أن المقدّمة لا تجب بما لها من العنوان الذاتي، بل بما لها من حيثية المقدّمية، و هي حيثية واقعية ربّما لا توجد في غيرها.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (بوجوب واحد نفسي لسبقه ... الخ)

(2)

.

لا يخفى عليك أنّ السبق المتصوّر هنا: إما سبق زماني، أو سبق بالعلية، أو سبق بالطبع.

أما السبق الزماني: فلا وجه له؛ لأنّ ترشّح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي لا يستدعي سبقا زمانيا، بل في العلّة البسيطة أو الجزء الأخير من المركبة يستحيل السبق الزماني؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن العلة، و لو في آن.

و اما السبق بالعلية: فمن الواضح أن الوجوب النفسي إنما يتّصف بالسبق بالعلية إذا اتصف بالعلية للوجوب الغيري، و المفروض هنا استحالة الوجوب الغيري مع الوجوب النفسي، فكيف يعلّل وجود الوجوب النفسي دون الغيري بما يتوقّف على وجود الوجوب الغيري الموجب لاستحالة وجوده؟! أم‏

____________

(1) كفاية الاصول: 90/ 16.

(2) كفاية الاصول: 91/ 4.

26

كيف يعلّل عدم الوجوب الغيري بما يتوقّف على وجوده؟! ضرورة أنّ السبق و اللحوق متضايفان كالعلية و المعلولية، و المتضايفان متكافئان في القوة و الفعلية.

و منه علم حال السبق بالطبع، فإن الوجوب النفسي إنما يوصف بالسبق بالطبع مع اتصاف الوجوب الغيري بالتأخّر الطبعي، و هو هنا محال.

و السبق و التأخر متضايفان، و كون الوجوب النفسي في نفسه كذلك إذا اضيف إلى الوجوب الغيري لا يجدي إذا لم يكن كذلك بالفعل، بل الوجه لاتصافه بالوجوب النفسي دون الغيري: هو أنّ الوجوب الغيري وجوب معلولي متقوّم بالوجوب النفسي، فوجوده بلا وجوده محال، و هما معا أيضا كذلك لما عرفت، بخلاف الوجوب النفسي فقط فإنه لا مانع منه.

و بعبارة اخرى: تأثير ملاك الوجوب الغيري مشروط بتأثير ملاك الوجوب النفسي دون العكس، و ما كان تأثيره منوطا بشي‏ء لا يعقل أن يمنع عن تأثيره.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فتأمّل ... الخ)

(1)

.

قد أفاد (قدّس سرّه) في وجهه في الحاشية (2) ما لفظه: (وجهه أنه لا يكون فيه أيضا ملاك الوجوب الغيري حيث إنه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكلّ؛ ليتوقف‏ (3) على وجوده، و بدونه لا وجه لكونه مقدّمة كي يجب بوجوبه أصلا ... الخ).

و لا يخفى عليك أنّ مقدّمية الأجزاء: إما بلحاظ شيئية الماهية، أو الوجود، و الأجزاء- بالاعتبار الأوّل- علل القوام، و لها السبق بالماهية و التجوهر، و بالاعتبار الثاني علل الوجود، غاية الأمر أنها علل ناقصة، و الملاك في هذا

____________

(1) كفاية الاصول: 91/ 4.

(2) أي في حاشية المصنف (قده) على كفايته: 91.

(3) في الكفاية- تحقيق مؤسستنا-: يتوقف.

27

التقدم هو إمكان الوجود بمعنى أنّ الجزء له إمكان الوجود و لا وجود للكل، بخلاف الكلّ فإنه ليس له إمكان الوجود و لا وجود للجزء، كما في الواحد و الاثنين، و هذا هو التقدّم بالطبع، و لا ينافي معية المتقدّم و المتأخّر الطبعيين بالزمان.

و منه ظهر أنّ نفي المقدّمية عن وجود الجزء غير خال عن المناقشة؛ إذ لا نعني بالمقدّمة إلّا أنه لولاها لما حصل ذوها، و الجزء كذلك- كما عرفت- بل قد سمعت أنه كذلك وجودا و قواما. نعم، ينبغي أن يقيّد ملاك الوجوب المقدّمي بالمقدّمة المغايرة لذيها في الوجود، لا كلّ مقدّمة.

لا يقال: الاقتضاء لا ينافي وجود المانع، و ليس الملاك إلّا ما هو مناط الشي‏ء في نفسه، فلا وجه لنفي الملاك عن مطلق المقدمة.

لأنا نقول: اقتضاء المحال محال، و قد عرفت انحصار المقتضي في الوجوب الغيري بلا وجوب نفسي، أو معه، و كلاهما محال، فوجود الاقتضاء فيما نحن فيه محال، و إلّا آل الأمر إلى إمكان المحال في ذاته. و الكلام في ثبوت ملاك الوجوب الغيري في ما نحن فيه، لا في معنى كلي لا ينطبق عليه.

و التحقيق: ثبوت ملاك الوجوب الغيري في حدّ ذاته هنا أيضا، لكن يستحيل فعلية مقتضاه؛ لأن ملاك الوجوب الغيري لا يؤثّر إلّا إذا أثّر ملاك الوجوب النفسي، فتأثير ملاك الوجوب النفسي شرط في نفسه لتأثير ملاك الوجوب الغيري، و هنا مانع عن تأثيره‏ (1) لوحدة المحلّ، فعدم تأثير ملاك‏

____________

(1) قولنا: (و هنا مانع عن تأثيره ... إلخ).

لأن ملاك المانعية- و هو كون الشي‏ء مقتضيا لما ينافي مقتضى الآخر؛ لعدم قبول المحلّ لهما معا- موجود هنا، إلّا أنّ عدم الوجوب الغيري هنا لا يمكن أن يستند إلى وجود المانع المزبور، و إلّا لكان عدمه شرطا لتأثيره مع أن وجوده شرط لتأثيره، بل عدم الوجوب الغيري هنا لأجل انتفاء الشرط- و هو قابلية المحلّ- فعدمه مع عدم الملاك المؤثّر في الوجوب النفسي لعدم الشرط؛ و عدمه مع عدم وجوده المؤثر هنا لعدم شرط آخر، و منه يتضح النظر في ما ذكرناه:

من أن عدمه تارة لعدم الشرط، و اخرى لوجود المانع. [منه (قدّس سرّه)‏]. (ق، ط)

28

الوجوب الغيري مع عدم تأثير الملاك النفسي لعدم الشرط، و مع تأثيره لوجود المانع، فالمقتضي على أيّ حال موجود، و ليس المقتضي إلا الوجوب الغيري لا مقيدا بالنفسي و لا بعدمه؛ كي يستحيل الاقتضاء.

[في تقسيم المقدمة الى عقلية و شرعية و عادية]

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (منها تقسيمها إلى العقلية و الشرعية ... الخ)

(1)

.

إن كان هذا التقسيم بلحاظ الحاكم بالمقدّمية، فهو غير مستقيم في العادية؛ بداهة أن العادة- هنا- ليست هو العرف- كما هو أحد إطلاقاتها في غير مقام- بل المراد منها كون التوقف بالنظر إلى طبع الشي‏ء و ذاته لا بقسر قاسر، و إن كان التقسيم بلحاظ التوقّف في حدّ نفسه، فهو سقيم بما في المتن، و الظاهر في نظري القاصر هو الثاني.

بيان ذلك: أنّ التوقّف: إما واقعي أو جعلي؛ بمعنى أن الواجب بما هو:

إما متقيّد بوجود المسمّى بالمقدّمة واقعا- مع قطع النظر عن الأنظار و وجوه الاعتبار- فالتوقّف واقعي، و إما متقيّد به بحسب جعل الجاعل و اعتبار المعتبر، فالتوقّف جعلي كالصلاة، فإنها- بما هي حركات خاصة وقعت موقع الوجوب- لا توقّف لها وجودا- مع قطع النظر عن جعل الشارع- على الطهارة، بل الشارع جعلها مقيّدة بها بالأمر بالصلاة عن طهارة، و التقسيم بلحاظ مقدّمة الواجب، لا بلحاظ مقدّمة وجود المصلحة الواقعية، مع أن المصالح- أيضا- ربما تختلف بالاعتبار.

____________

(1) كفاية الاصول: 91/ 9.

29

و أما توقّف الصلاة عن طهارة على الطهارة، فهو من باب الضرورة اللاحقة، لا الضرورة السابقة، و مناط الوجوب الذاتي و الامتناع الذاتي و الإمكان الذاتي، ملاحظة مقام الذات كما لا يخفى.

لا يقال: فلا وجه لجعل العادية مقدمة؛ لأن استحالة الصعود بلا نصب السلم- مثلا- من باب استحالة وجود الشي‏ء مع عدم علته؛ حيث إنه لا يمكن الطيران لعدم الجناح، و لعدم القوة الخارقة للعادة.

لأنا نقول: فرق بين الامتناع بالغير و الامتناع بالقياس إلى الغير، و ما هو من قبيل الضرورة اللاحقة هو الأول، و ما هو مناط الاستحالة العادية هو الثاني، بمعنى أنّ الصعود بلا نصب السلم بالقياس إلى من ليس له قوة عمالة متصرّفة محال، من حيث إن عدم القوة يأبى ذلك، لا من حيث إن المعلول ممتنع بعدم علته. فتدبّر، فإنه حقيق به.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فهي أيضا راجعة إلى العقلية ... الخ)

(1)

.

مقابلة العادية للعقلية مع اشتراكهما في الاستحالة الواقعية بملاحظة أنّ استحالة الكون على السطح بلا طيّ المسافة محال؛ لاستحالة الطفرة برهانا، و استحالته بلا نصب السلم ليست لاستحالة الطيران برهانا، بل لأن الجسم الثقيل بالطبع ليس له الطيران، بل بقاسر من جناح، أو قوة خارقة للعادة، مع إمكان الطيران ذاتا، فمنشأ الاستحالة في الأول أمر برهاني عقلي، و في الثاني أمر طبعي عادي، و إن كان بالقياس إلى عدم القوة- أو مع وصف انعدامها فعلا- محالا عقلا.

و بالجملة: أصل طيّ المسافة مقدمة، و نصب السلم كذلك، إلّا أنّ الأوّل‏

____________

(1) كفاية الاصول: 92/ 3.

30

مقدّمة لاقتضاء حكم العقل، و الثاني مقدّمة لاقتضاء طبع الجسم بما هو، من دون قاسر.

و بعبارة اخرى: امتناع كون شي‏ء بدون شي‏ء تارة امتناع ذاتي، و اخرى وقوعي، كامتناع الكون على السطح بلا طيّ المسافة، فإنه يلزم من وقوعه محال، و هي الطفرة المستحيلة عقلا، و ثالثة لا يكون الامتناع كذلك، كالكون على السطح بلا نصب السلم، فإنه لا يلزم من فرض وقوع الطيران أو القوة الإلهية الخارقة للعادة محال لعدم استحالتهما، و إنما يستحيل بلا نصب السلم بالقياس إلى عادم الجناح و عادم القوة الخارقة، فيسمّى الممتنع بالامتناع الذاتي و الوقوعي بالمحال العقلي، و يسمّى الممتنع بالامتناع القياسي بالمحال العادي، و باعتبارهما يكون التوقف الواقعي عقليا تارة، و عاديا اخرى.

نعم، حقيقة المقدّمة هي الجامعة بين الطيران و نصب السلم، إلّا أنه ينحصر الجامع في الثاني لعدم ما يتمكّن معه من الطيران، فهو واجب بالعرض لا بالذات، فالتوقّف بالنسبة إلى هذا الواجب بالعرض عاديّ، لا بالإضافة إلى الجامع، فإنه عقلي كأصل طي المسافة.

و الكلام في المقدمة القابلة للاتصاف بالوجوب فعلا، و التقسيم إلى الثلاثة بهذه الملاحظة، كما أن المأمور به لو كان هو التسخين الإرادي أو التبريد كذلك، فعدم التمكّن من التسخين و التبريد بمجرّد إرادتهما مع إمكانهما ذاتا يوجب مقدّمية مسخّن أو مبرّد خارجي، فالوجوب هناك عرضي، و أصل المقدّمة ذاتي، و هنا مقدّمية المقدّمة بالعرض، إلّا أنّ ذلك لا يوجب عدم المقابلة بين المقدّمة العقلية و العادية، كما أن رجوع الثانية إلى الاولى- بعد ملاحظة الامتناع بالقياس إلى الغير أو بالغير- لا ينافي المقابلة بينهما بالذات.

31

[في تقسيم المقدّمة الى مقدمة وجوب و صحّة و وجود]

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و بداهة عدم اتصافها بالوجوب ... الخ)

(1)

.

فإنه ما لم تتحقّق المقدّمة لا وجوب لذيها، و مع تحقّقها لا مجال لإيجابها، فإنه طلب الحاصل، هذا هو المعروف في بيان الوجه لخروجها عن محلّ البحث.

و فيه بحث: إذ لو كانت الشرطية على نحو الشرط المتأخّر كان وجوب ذيها قبل وجودها زمانا، فلا يلزم من ترشّح الوجوب إليها طلب الحاصل. نعم، يلزم علية كل منهما (2) للآخر؛ إذ المقدّمة من أجزاء علّة وجوب ذيها، و وجوب ذيها علة وجوبها، و وجوبها من أجزاء علّة وجودها.

____________

(1) كفاية الاصول: 92/ 10.

(2) قولنا: (نعم يلزم علّية كلّ منهما .. إلخ).

بل ليس محذور فيه أيضا، فان فعلية وجوب ذي المقدمة، و إن كانت منوطة بفعلية المقدّمة و فعلية وجوب المقدمة و إن كانت منوطة بفعلية وجوب ذيها، إلا أن وجود المقدّمة ليس معلولا لوجوبها بنحو وجودها الخارجي، بل بنحو وجودها في افق الدعوة، و هي النفس، و قد مرّ مرارا:

أنه لا توقّف للمعلوم بالذات على المعلوم بالعرض، بل بينهما الموازنة و التطابق.

و اعلم أن إخراج المقدمة الوجوبية عن مورد البحث يقتضي إخراج بعض أفراد مقدّمة الصحّة على مبناه (قدّس سرّه) عن محلّ البحث.

توضيحه: أن إرجاع مقدّمة الصحة إلى مقدمة الوجود، تارة لأجل الاختصار، و إمكان التعبير بجامع بأن يراد من مقدمة الوجود مقدمة الوجود المطلق، الذي يعمّ وجود الصحيح و غيره، فالأمر سهل. و اخرى لأجل عدم الفرق بينهما واقعا، فهو غير وجيه، لا لأجل أن المقدّمات العقلية و العادية مقدمات خارجية يتوقف عليها وجود ذيها، و المقدمات الشرعية مقدمات داخلية يتوقف عليها الامتثال لفرض دخول التقيد في المأمور به، و ذلك لأن هذا الوجه يوجب عدم الميز بين الطائفتين؛ إذ كما أن المقدمات العقلية و العادية مقدمات لوجود ذات المقيد،-

32

مضافا إلى لزوم تعليق وجوبها على اختيار المكلف لعلمه بأنه لو لم يأت بها لا وجوب لذيها سابقا.

[في المقدّمة المتقدّمة و المقارنة و المتأخّرة]

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و حيث إنها كانت من أجزاء العلة ... الخ)

(1)

.

لا يخفى عليك أنّ العلّة الحقيقية اصطلاحا و إن كانت ما يحتاج إليه الشي‏ء صدورا أو قواما، و الشرط حينئذ بنفسه ليس كذلك، و لذا قسّموا العلل إلى الاربع لا غير.

إلّا أنّ التحقيق: أنّ الشرط إما من متمّمات فاعلية الفاعل، أو من مصحّحات قبول القابل، و توصيف توقّف المعلول به من باب الوصف بحال متعلّقه، و إلّا فلا حاجة له بنفسه في مقام الصدور إلّا إلى الفاعل، فحصول الإحراق في الخارج يتوقّف على ما منه الإحراق، أو ما به الإحراق- على‏

____________

- كذلك المقدّمات الشرعية مقدّمات لحصول التقيد، فكلتاهما مقدمة لوجود المأمور به، بل لأنّ الشرائط الشرعية حيث إنها توجب تقيد الواجب في مقام تأثيره في الغرض، كما هو حقيقة الشرطية، فلا محالة ليست هي مقدمة لوجود الواجب، و لا لصحته بمعنى مطابقة المأتيّ به للمأمور به، بل مقدمة لفعلية الغرض من الواجب، و بهذا الوجه يصحّ التقابل بين مقدّمة الوجود و مقدمة الصحة، و حينئذ ينبغي إخراج مثل قصد القربة و الوجه ممّا هو مقدّمة لفعلية الغرض، مع عدم إمكان أخذه في الواجب، و عدم إمكان تقييد الواجب به، بل عدم إمكانه بوجوب آخر نفسيا أو مقدميا. فتدبر. [منه (قدّس سرّه)‏]. (ن، ق، ط).

(1) كفاية الاصول: 92/ 16.

33

اختلاف النظر في النار- إلّا أنّ النار لا تؤثّر إلّا إذا كانت بوصف كذا، كما أنّ الجسم لا يقبل الاحتراق إلّا إذا كان بوصف كذا.

فتحقق: أنّ معنى شرطية الوضع و المحاذاة أو يبوسة المحلّ و نحو ذلك:

إما كون الفاعل لا يتم فاعليته، أو المادة لا تتم قابليتها إلّا مقترنا بهذه الخصوصية.

و عليه يصحّ لحاظ شرطية الطهارة للصلاة؛ فإنّ معنى شرطيتها لها ليس توقّف وجودها على وجودها، بل توقّفها في الفاعلية و تمامية التأثير عليها، كما في الفواعل الحقيقية الطبيعية و شرائطها، و لم نجعل الطهارة شرطا للأثر، ليقال: إنّها بحسب لسان أدلّتها شرط للصلاة، بل هي من مصحّحات فاعلية الصلاة للأثر المرتّب عليها، أو من متمّمات قبول النفس- مثلا- للأثر الآتي من قبل الصلاة.

و منه يظهر: أنّ كون شرطية الطهارة- مثلا- للصلاة بمعنى تقييدها بها شرعا لا ينافي كونها من متمّمات فاعلية الصلاة في نظر الشارع، و لذا قيّدها بها خطابا لتقيّدها بها واقعا في فاعليتها، فمجرّد كون الشرطية شرعا بمعنى التقيّد (1) لا يوجب التفصّي عن الإشكال، و لا عدم كون الشرط الشرعي‏

____________

(1) قولنا: (فمجرّد كون الشرطيّة بمعنى التقيد .. إلخ).

و ربما يقال: بأن حال التقيّد بالمتأخّر حال المركّب التدريجي الذي يحصل الامتثال بتمامه، فإنه في المتقيد يحصل الامتثال بحصول القيد المتأخر فإنه عنده يحصل المتقيد بما هو متقيد و فيه:

أولا: ان التقيد لا يكون إلّا بنحو من الاقتران حتى ينتزع منه تقيّد أحدهما بالآخر، فالصلاة بلحاظ صدورها من المستجمع للطهارة و التستر و الاستقبال مثلا تكون مقترنة بها و أما الأمر المتقدّم المتصرّم الذي لا بقاء له و لا لأثره، أو المتأخّر الذي بعد لم يوجد، فلا معنى لاقتران الصلاة مثلا به لينتزع تقيّدها به، و تلحظ متقيّدة به في مقام الأمر بها، إلا أن يرجع إلى معنى آخر مقترن بالصلاة كالصلاة المسبوقة بكذا، او الملحوقة بكذا، و يكون اللحوق أو السبق المقترن بالصلاة قيدا لها، دون ذات السابق أو اللاحق كما هو المفروض.

و ثانيا: أن بناء تمامية الامتثال على حصول القيد تنظيرا بالمركّب التدريجي خروج عن-

34

كالشرط العقلي، بل الأمر فيهما على حدّ واحد، و هكذا بالإضافة إلى الشرطية الجعلية المنتزعة من مقام الطلب، فإنه لو لا الأمر بالصلاة عن طهارة لما صحّ انتزاع الشرطية من الطهارة، و هذه الشرطية الجعلية أيضا على حدّ الشرائط الواقعية: إمّا من مصحّحات الفاعل، أو من متممات القابل، فانه لو لا ملاحظة الصلاة مقترنة بالطهارة لا تكون الصلاة قابلة لانتزاع المطلوبية منها، كما إنه لو لا صدورها عن طهارة خارجا لما كانت قابلة لانتزاع مطابقتها للمطلوب، و وقوعها على صفة المطلوبية.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و لا بدّ من تقدّمها بجميع أجزائها ... الخ)

(1)

.

لا يخفى عليك أن العلة: إما ناقصة، أو تامة، و ملاك التقدّم في الاولى هو الوجود، و في الثانية هو الوجوب، بمعنى أن المعلول في الاولى لا يمكن له الوجود إلا و العلّة موجودة، و لا عكس. كما أنّ المعلول في الثانية لا يجب إلّا و العلّة قد وجبت. و على أيّ حال لا يعقل وجود المعلول- و ضرورة وجوده- إلّا إذا وجدت العلة و وجبت، و لازم هذا المعنى في الموجودات الزمانية أن لا يتقدّم‏

____________

- فرض الشرط المتأخّر، و يكون كالنقل في الإجازة، مع أنه أمر معقول في الإجازة، دون الغسل في الليلة المستقبلة، فإن القابل للانتساب بالإجازة إلى المجيز، و المحكوم عليه بالوفاء هو العقد المعنوي الذي يتسبّب إليه بالعقد اللفظي، و إلّا فاللفظ لا قرار له حتى ينسب فعلا إلى المجيز و يؤثّر في الملك، أو يحكم عليه بالوفاء و الحل، بخلاف الصوم، فإن الإمساك قد تصرّم، و تخلّل بينه و بين الغسل العدم، فما الأمر الباقي المقترن بالغسل و الطهارة ليكون متقيّدا بهما، حتى يحصل الامتثال بإتيان المقيد، إلا أن يتكلّف و يجعل أثر الصوم أمرا باقيا إلى أن يحصل الغسل، و يكون المأمور به و المطلوب بقاء ذلك الأثر بالغسل؛ بحيث لو لم يحصل لزال ذلك الأمر، فكأنه لم يأت بشي‏ء لفرض مطلوبية وجوده الباقي بالغسل، و كلّ ذلك تكلّف واضح. [منه (قدّس سرّه)‏].

(ن. ق. ط).

(1) كفاية الاصول: 92 16

35

المعلول على علّته زمانا، و إلّا لم يكن بنحو وجوده تابعا لوجودها، لا تقدّمها عليه زمانا، و تقدّمها الطبعي أو العلّي أجنبي عن إشكال تأخّر العلّة زمانا.

و أما المعية الزمانية للمعلول بالنسبة إلى علّته فمختلفة بالإضافة إلى العلّة التامّة و الناقصة.

و ما ذكرنا- أن مقتضى العلية هي التبعية في نحو وجود المعلول لوجود علته زمانا- ليس لأجل لزوم الخلف، أو الجمع بين النقيضين؛ نظرا إلى أنّ نتيجة تأخّر العلّة أنّها دخيلة و غير دخيلة، و موقوف عليه و غير موقوف عليه، و لا لأجل أنه في قوة المعلول بلا علة؛ لوضوح اندفاع الجميع حسب الفرض، فإنّ المفروض كون المتأخّر علة، فالفرض فرض كون المعلول ذا علّة، و حيث إنّ الفرض فرض الاستناد إلى المتأخّر، فلا يلزم من تأخّره عدم كونه دخيلا، بل لا بدّ من إقامة البرهان على عدم إمكان دخله، و هو لزوم تأثير المعدوم في الموجود، فإن الموجود في ظرفه معدوم بالفعل، و الأثر موجود بالفعل، و لا يمكن أن يترشّح موجود بالفعل عن معدوم بالفعل.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا ... الخ)

(1)

.

العلّة: إمّا أن تكون مؤثّرة، أو مقرّبة للأثر، و الثانية هو المعدّ، و شأنه أن يقرّب المعلول إلى حيث يمكن صدوره عن العلة، و مثله لا يعتبر مقارنته مع المعلول في الزمان، بخلاف المؤثرة بما يعتبر في فعلية المؤثّريّة، أو تأثّر المادّة، فإنه يستحيل عدم المقارنة زمانا، فإنّ العلّة الناقصة و إن أمكن أن توجد و لا وجود لمعلولها، إلا أنها لا تؤثّر إلّا و هي مع أثرها زمانا في الزمانيات، فما كان من الشرائط شرطا للتأثير، كان حاله حال ذات المؤثّر، و ما كان شرطا لتقريب الأثر

____________

(1) كفاية الاصول: 92/ 21.

36

كان حاله حال المعدّ. و من الواضح أن الالتزام بكون جميع الأسباب و الشرائط الشرعية معدّات جزاف.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و بالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية ... الخ)

(1)

.

لا يذهب عليك: أنّ الإرادة حيث إنها من الكيفيات النفسية، فلا بدّ من تحقّق مباديها في مرتبتها حتى ينبعث منها شوق متأكّد نفساني، سواء كان الشوق متعلّقا بفعل الغير- و هي الإرادة التشريعية- أو متعلّقة بفعل نفسه، سواء كان تحريكه للغير أو غير ذلك، و هي الإرادة التكوينية.

و من الواضح أنّ مبادي الإرادة- بما هي إرادة- لا تختلف باختلاف المرادات، و ليست مباديها مختلفة بالتقدّم و التأخّر و التقارن، فهي خارجة عن محلّ البحث.

و أمّا البعث و التحريك الاعتباريان- اللذان هما من أفعال الآمر- فهما- أيضا باعتبار تعلّق الإرادة بهما- كسائر المرادات، و أمّا باعتبار نفسهما- كما هو محلّ الكلام- فالإشكال فيهما على حاله؛ إذ لو توقّف اتصاف البعث الحقيقي بعنوان حسن على وجود شي‏ء خارجا، فلا محالة لا يصير مصداقا لذلك العنوان إلّا بعد تحقّق مصحّح انتزاعه خارجا.

و مثله الكلام في شرط الوضع، فإنّ الشي‏ء إذا كان شرطا للانتزاع بما هو فعل النفس، أو تصديق العقل، فلا محالة يكون شرطا بنحو وجوده النفساني المناسب لمشروطه، و شرط الانتزاع- بما هو انتزاع- ليس من محلّ النزاع، بل الكلام في شرطية شي‏ء للمنتزع، و هي الملكية- مثلا- و الإشكال فيه على حاله لعدم معقولية دخل أمر متأخّر في ثبوت أمر متقدّم، و المفروض أن الإجازة

____________

(1) كفاية الاصول: 93/ 9.

37

بوجودها الخارجي شرط لحصول الملكية الحقيقية من حين العقد.

فاتّضح: أن رجوع الأمر إلى المقارن ليس إلّا في ما هو خارج عن محلّ النزاع، كنفس الإرادة و الانتزاع.

و التحقيق: أنه يمكن دفع الإشكال عن الملكية- و شبهها من الامور الوضعية الشرعية أو العرفية- بما تقدّم منا في تحقيق حقيقة الوضع في أوائل التعليقة، و لا بأس بالإعادة، فلعلّها لا تخلو عن الإفادة، و لنحرّر الكلام في الملكية، فيعلم منها حال غيرها.

فنقول: ليست الملكية الشرعية و العرفية من المقولات الحقيقية، و إن كان مفهومها من المفاهيم الاضافية، و ذلك لأن المقولات أجناس عالية للموجودات الامكانية، و هي إمّا ذات مطابق في الأعيان، أو من حيثيات ما له مطابق فيها.

و المقولة إنّما تقال على شي‏ء، و تصدق عليه خارجا، إذا كان هناك مع قطع النظر عن ذهن ذاهن أو اعتبار معتبر أمر يصدق عليه حدّ المقولة.

و من الواضح: أنه بعد الإيجاب و القبول لم يتحقّق خارجا ما له صورة في الأعيان، و لا قام بالمالك و المملوك حيثية عينية، بل هما على ما هما عليه من الجواهر و الاعراض من غير تفاوت أصلا.

لا يقال: منشأ انتزاع الملكية هو العقد، و قد حصل بعد ما لم يكن.

لأنا نقول: الأمر الانتزاعي يحمل العنوان المأخوذ منه على منشئه، كما أنّ عنوان الفوق يحمل على نفس الجسم الكائن في الحيّز الخاصّ. و من البيّن أن الملكية لا تحمل على العقد، بل تحمل بمعناها الفاعلي على ذات المالك، و بمعناها المفعولي على ذات المملوك، و نسبة العقد إليها نسبة السبب إلى المسبّب، لا نسبة الموضوع إلى عرضه.

لا يقال: نحن لا نقول: بأن الملكية حيثية قائمة بالعقد؛ ليرد الإشكال المزبور، بل نقول: بأن العقد منزّل منزلة الملكية، فهي إحاطة تنزيلية قائمة

38

بالعاقد.

لأنا نقول أوّلا: إنّ العقد اللفظي بما له من المعنى، قائم بالعاقد لا بالمالك، و كونه وكيلا عنه يوجب أن يكون العاقد مالكا حقيقة، و ذات المالك مالكا تنزيلا.

و ثانيا: بأنّ المالكية و المملوكية متضايفتان، و ليس هناك صفة عينية قائمة بالمملوك كقيام العقد المنزّل منزلة الملكية بالعاقد، و العين الخارجية هي المملوكة حقيقة، لا المقوّم للإحاطة التنزيلية ليكون حال المالك و المملوك حال العالم و المعلوم بالذات.

و ثالثا: الكلام في كون الملكية مقولة واقعية، و العقد اللفظي الموجود في الخارج من مقولة الكيف المسموع، و المقولات متباينات، و بقيّة الكلام في محلّه.

و مما ذكرنا يتّضح: أنها لا تنتزع عن الحكم التكليفي بجواز التصرّف أيضا، بتوهم: أن السلطنة ليست إلا كون زمام أمر شي‏ء بيد الشخص، و كونه تحت اختياره، و هو عبارة اخرى عن إباحة أنحاء التصرفات فيه، فإنك قد عرفت لزوم حمل العنوان المأخوذ من المنتزع على المنتزع عنه، مع أنه لا يقال:

جواز التصرف مالك أو مملوك، و كون الملكية نفس جواز التصرف رجوع عن دعوى انتزاع الحكم الوضعي عن الحكم التكليفي، بل هو عين الحكم التكليفي، و الحال أن مفهوم الملكية بجميع معانيها لا ربط له بمفهوم جواز التصرف، مع أن الملكية الشرعية لا تدور مدار جواز التصرّفات- كما في موارد الحجر- فيلزم إما بقاء المنتزع بلا منشأ، و هو محال، أو كون الملكية- مثلا- للوليّ، لكون المنشأ- و هو جواز التصرف له‏ (1)- و هو مما لا يلتزم به أحد.

لا يقال: منشأ انتزاع الملكية مطلقا تمكّن المالك خارجا من التصرّفات النافذة- كالبيع و نحوه- فالملكية بمعنى السلطنة المنتزعة من تمكّنه الخارجي من‏

____________

(1) كذا في الاصل. و لعله هكذا: لكون المنشأ هو جواز التصرف له، و هو ....

39

التصرّفات النافذة.

لأنا نقول: حقيقة التمكّن إنما هي بالإضافة إلى أفعاله التسبيبية التي لا مساس لها خارجا بالعين المملوكة، و المفروض أن طرف الملكية هي العين المملوكة شرعا، فالسلطنة الحقيقية الخارجية- التي لا تتفاوت بتفاوت الأنظار- إنما تكون للقاهر على العين خارجا و لو غصبا، و هذا بنفسه شاهد على أنّ الملكية الشرعية ليست من المقولات الواقعية، فإنها لا تختلف باختلاف الأنظار و أنحاء الاعتبار، مع أن شخصا واحدا بالنسبة إلى عين واحدة ربما يكون مالكا في نظر الشرع دون العرف، و بالعكس.

لا يقال: كيف؟ و حدّ الإضافة المقولية صادق على الملكية، فإن ملاكها تكرّر النسبة، و هو موجود فيها، غاية الأمر أنها من الإضافات المتشابهة الأطراف كالاخوّة و الجوار.

لأنا نقول: نعم، الملكية- مفهوما- من المفاهيم الإضافية، لكن مجرّد كون المفهوم كذلك لا يقتضي أن يكون مطابقه من المقولات، كيف؟ و يصدق العالمية و القادرية و غيرهما من العناوين الإضافية عليه- تعالى- مع عدم اندراجه تحت العرض و العرضي لمنافاته لوجوب الوجود، بل كون المطابق مقولة حقيقية أم لا إنّما يعلم من الخارج.

و منه يظهر للمتفطّن: أنّ سنخ ملكيته- تعالى- أيضا ليس سنخ ملكية العباد، و إن كانت فيهم مقولة، بل مالكيته باعتبار إحاطته في مقام فعله؛ بداهة إحاطة الوجود الانبساطي على جميع ما في دار الوجود، فالمطابق الحقيقي للملك فيه- تعالى- هو الوجود المنبسط، فالمفهوم إضافة عنوانية، و المصداق إضافة إشراقية.

فان قلت: إذا لم يكن مطابق الملكية الشرعية من المقولات الحقيقية حتى الانتزاعية، فقد خرج بذلك عن موجودات عالم الإمكان لانحصارها فيها، كما

40

حقّق في محلّه‏ (1).

قلت: التحقيق في الملكية- و غيرها من الوضعيات الشرعية و العرفية- أنها موجودة بالاعتبار لا بالحقيقة، فكما أن الأسد له نحو من الوجود الحقيقي، و هو الحيوان المفترس، و الاعتباري، و هو الشجاع، كذلك الملكية ربما توجد بوجودها الحقيقي الذي يعدّ من الأعراض الخارجية و المقولات الواقعية، كما في المحيط على العين و الواجد المحتوي لها خارجا- و إن كان غاصبا- فهو باعتبار نفس الإحاطة الخارجية من مقولة الجدة، و باعتبار تكرّر نفس النسبة- أعني المالكية و المملوكية- من مقولة الإضافة، و ربما توجد بوجودها الاعتباري، فالموجود بالحقيقة نفس الاعتبار القائم بالمعتبر، و إنما ينسب هذا الوجود إلى الملكية لكونها طرف هذا الاعتبار. و كما أنّ مصحّح اعتبار الرجل الشجاع أسدا هي الجرأة و الشجاعة كذلك مصحّح اعتبار المتعاملين مالكا و العين مملوكا (2) هي المصلحة القائمة بالسبب الحادث الباعثة على هذا الاعتبار.

و من هذه المرحلة تختلف الانظار، فالملكية من المعاني التي لو وجدت في الخارج لكان مطابقها عرضا، لكنها لم توجد حقيقة هنا، بل اعتبرها الشارع أو العرف لما دعاهم إليه. و حيث إن حقيقتها شرعا أو عرفا عين الاعتبار، فلا مانع من اعتبارها بلحاظ أمر متقدّم متصرّم أو أمر مقارن أو متأخر، و لعل نظر من جعل العلل الشرعية معرّفات إلى ذلك، فإنّ المتقدّم أو المقارن أو المتأخّر يكشف‏

____________

(1) منطق السفاء 1: 70، 82 المقالة الثانية من الفن الثاني الفصل الرابع و الخامس، و الجوهر النضيد: 23، في المقولات العشر 30 في مقولة الملك و الاسفار لصدر المتألهين (رحمه اللّه) 4: 6 عند قوله: أنه لا مقولة خارجة عن هذه العشرة، و كذا 4: 223، الفصل: 6، في الجدة؛ إذ قال:

(و قد يعبّر عن الملك بمقولة (له) فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، و منه اعتباري خارجي ككون الفرس لزيد، ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح، فإن هذا من مقولة المضاف لا غير).

(2) المقصود: ... اعتبار المتعاملين مالكين و العين مملوكة ...

41

عن دخول الشخص في عالم اعتبار الشارع، كما أن سببيتها لهذا الوجود الاعتباري- مع قيام الاعتبار بالمعتبر- بملاحظة أن الشارع بعد ما جعل اعتباره منوطا بهذا الأمر، فالموجد له متسبب به إلى إيجاد اعتبار الشارع، فاعتبار الملكية فعل مباشري للمعتبر، و أمر تسبيبي للمتعاملين.

فإن قلت: المعنى المعتبر و إن لم يوجد بوجوده الحقيقي إلا أنّ الاعتبار موجود بالحقيقة لا بالاعتبار، و اقتضاء الأمر المتقدّم المتصرّم أو المتأخّر لأمر موجود قول بوجود المعلول بلا علة مقارنة له وجودا، فعاد الإشكال. و ليس الكلام في مبادي الاعتبار- بما هو اعتبار- حتى يكتفى بوجودها اللحاظي المسانخ له، بل في مبادي الشي‏ء بوجودها الاعتباري، و هي الجهة المصحّحة المخرجة له عن مجرّد فرض الفارض و أنياب الأغوال.

قلت: اقتضاء العقد- مثلا- لاعتبار الملكية ليس على حدّ اقتضاء الفاعل، بل على حدّ اقتضاء الغاية.

و من البين: أن الغاية الداعية إلى الاعتبار لا يجب أن تكون مقارنة له وجودا، فكما أنّ امرا موجودا فعليا فيه مصلحة تدعو الشارع إلى اعتبار الملكية لزيد- مثلا-، كذلك الإيجاب المتصرّم أو الإجازة المتأخّرة فيهما ما يدعو الشارع إلى اعتبار الملكية فعلا لمن حصل أو يحصل له سبب الاعتبار، كما لا يخفى على اولي الأبصار.

و فيه أن المصلحة الداعية إلى شي‏ء لا بدّ من أن تكون قائمة بذلك الشي‏ء، فالمصلحة الداعية إلى اعتبار الملكية قائمة بنفس اعتبار الملكية، و مترتبة عليه لا على السبب، و لا محالة للسبب دخل في صيرورة الاعتبار ذا مصلحة فيعود محذور الشرط المتأخّر.

42

و يمكن أن يقال: إن مصلحة (1) اعتبار الملك و الاختصاص قائمة به في موطن الاعتبار، و لا يعقل أن يكون الخارج عن افق الاعتبار قائما به، كما لا يعقل أن يكون العقد الخارجي سببا و مقتضيا للاعتبار، بل السبب الفاعلي نفس المعتبر.

و كذا لا يعقل أن يكون العقد شرطا لوجود الاعتبار و لا لمصلحته القائمة به في موطنه؛ لعدم الاقتران المصحّح لفاعلية الفاعل و المتمّم لقابلية القابل، خصوصا مع كون الاعتبار قائما بغير من يقوم به العقد، بل مصلحة اعتبار الاختصاص انحفاظ نظام المعيشة بعدم تصرّف كلّ أحد فيما اختصّ بغيره قهرا

____________

(1) قولنا: (يمكن أن يقال: إن مصلحة .. إلخ).

توضيحه: ان تصحيح الشرط المتأخّر في الاعتبارات مبني على مقدّمات ثلاث:

إحداها- عدم دخل الإجازة- مثلا- بوجودها الخارجي في وجود الاعتبار، و لا في وجود المصلحة خارجا بنحو السببية و الشرطية، كما أوضحناه في المتن.

ثانيتها- كون تأثير الاعتبار في المصلحة القائمة به تأثيرا تشريعيا لا تكوينيا، فكما أنّ الأثر المترقّب من الإيجاب كونه داعيا من قبل الشارع في ذاته، لا تحقّق الدعوة الخارجية، و كذا الأثر المرغوب من التحريم كونه رادعا من قبل الشارع في نفسه، لا تحقّق الردع خارجا، كذلك الأثر المرغوب من اعتبار الملكية لشخص خاصّ انحفاظ نظام المعيشة به تشريعا؛ بحيث يمنع الغير عن التصرّف في ملكه بدون رضاه تشريعا لا خارجا.

ثالثتها- أنّ اعتبار الملكية- القائم به المصلحة المزبورة- يتقوّم بطرف خاصّ في افق الاعتبار؛ لاستحالة اعتبار الملكية المطلقة الغير المضافة إلى طرف، فالطرف له دخل في تحقّق اعتبار الملكية من حيث أصله على حدّ دخل ذات المعلوم في العلم، و ذات المشتاق إليه في الشوق، و من حيث خصوصيته لأجل كون الاعتبار الذي له المصلحة تشريعا في هذا الفرض بالخصوص، و لكنه كالشوق و كالبعث لا بدّ من ملاحظة المشتاق إليه و المبعوث نحوه بنحو فناء العنوان في المعنون، فحينئذ يكون اعتبار مالكية المتعاقدين- تسبيبا أو مباشرة أو إمضاء- ذا مصلحة فلا بدّ من حصول العقد المنسوب إلى الشخص خارجا بأحد هذه الوجوه، و أخرى يكون اعتبار مالكية من عقد له- بحيث يمضيه فيما بعد- ذا مصلحة في قبال مالكية من عقد له و لا يمضيه فيما بعد، فإذا كان خصوصية الطرف بهذا المقدار، فلا محالة لا يتوقف إلّا على فعلية ما يطابق الطرف عنوانا بذلك المقدار. [منه (قدّس سرّه)‏] (ن، ق، ط).

43

عليه بنحو اقتضاء الأمر للدعوة، فان اعتبار اختصاص شي‏ء بشخص خاصّ يمنع عن التصرّف فيه قهرا عليه منعا تشريعا.

و حيث إن اعتبار الاختصاص لكل أحد لغو لا يترتب عليه الأثر المرغوب، و اعتباره لبعض دون بعض تخصيص بلا مخصّص، فلا محالة لا مصحّح له إلّا ما جعله الشارع أو العرف موجبا للاختصاص، و هو التعاقد و التراضي، فيكون اعتبار الاختصاص- لمن حصل بالنسبة إليه تعاقد و تراض إمضاء لما تعاقدا عليه- صحيحا موجبا لانحفاظ النظام.

و إذا كانت الإجازة المتأخّرة إمضاء للعقد السابق، فمقتضى اعتبار الاختصاص بعنوان الإمضاء، اختصاص الشي‏ء على حدّ تخصيص المتعاقدين الممضى من حينه على الفرض، و تأخّر الإمضاء عن العقد الممضى تأخّر بالطبع لا بالزمان، كتأخّر العلم عن المعلوم، فلا ينافي تقدّم العقد أو تأخّره، كما لا يجب مقارنتهما. فتدبّر جيّدا.

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (فكون شي‏ء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات ... الخ)

(1)

.

يمكن تقريب اقتضاء طرفية المتقدّم أو المتأخّر لإضافة موجبة لحسن المأمور به بأحد وجهين:

الأوّل- أنّ المتأخّر معنون بعنوان إضافي يستلزم تعنون المتقدّم بعنوان إضافي آخر، كما هو شأن العناوين الإضافية المقتضية لتكرّر النسبة، و معنى شرطية المتأخّر كونه ملازما لعنوان في المأمور به المتقدّم، فوجود الشرط في الزمان المتأخّر كاشف عن تعنون المتقدّم بعنوان إضافي، و عدمه في الزمان اللاحق عن عدمه في السابق، كما هو شأن المتضايفين.

____________

(1) كفاية الاصول: 93/ 18.

44

فإن قلت: هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن لمقولة الإضافة وجود في الخارج، و إلّا فلا بدّ لهذا الموجود في السابق [من‏] علّة وجودية؛ حيث إنه لم يتحقّق من المكلّف مثلا، إلّا الصوم في السابق، و الاغسال‏ (1) في اللاحق، و دخل المتأخّر في وجود المتقدّم يوجب عود الإشكال.

قلت: مقولة الإضافة و إن كانت موجودة في الخارج، و ليست من الاعتبارات الذهنية كالكلّية و الجزئية و الجنسية و النوعية- كما هو الحقّ المحقّق في محله‏ (2)- لكن غاية ما يقتضيه البرهان و كلمات الأعيان أنّها موجودة في الخارج، أما استقلالا فلا.

توضيحه: أن للوجود- كما هو المقرّر في مقرّه- درجات و مراتب من البروز و الظهور، مختلفة في الشدة و الضعف:

فمنها مرتبة وجود الواجب- عزّ اسمه- الذي هو صرف حقيقة الوجود الغير المحدود إلى أن تنتهي المراتب إلى وجود الأعراض التي نحو وجودها هو وجودها لموضوعاتها. و الأعراض أيضا مختلفة في الشدّة و الضعف:

فمنها كالكيفيات النفسانية مثل العلم و الإرادة، و دونها في المرتبة السواد و البياض و ما شابههما من الأعراض إلى أن ينتهي العرض في ضعف الوجود إلى حدّ يكون نحو وجوده عبارة عن كون الشي‏ء في الخارج بحيث إذا عقل عقل معه معنى آخر.

فوجود الإضافة- نظير وجود المحمولات الاشتقاقية- بوجود موضوعاتها فكما أنّ وجود- زيد المتلبس بصفة العلم وجود للماهية الشخصية الزيدية، و وجود لعنوان العالم في الخارج دون الذهن، فكذلك وجود الفوقية

____________

(1) كذا في الأصل، و الأوفق بالسياق: و الاغتسال ..

(2) منطق الشفاء 1: 161 في مقولة الإضافة. و الأسفار 4: 200، الفصل الخامس و السادس في الإضافة.

45

للسماء، فانها موجودة بوجودها، لا بوجود منفرد له صورة خارجية و مطابق عيني، بخلاف الكلية للإنسان، فإن معروضها أمر ذهني، فهي من الاعتبارات الذهنية دون الخارجية. و بقية الكلام تطلب من غير المقام.

إذا عرفت معنى وجود الإضافة في الخارج، فاعلم أن وجود العنوان الإضافي ربما يتوقّف على وجود صفة حقيقية من الطرفين، كالعاشقية و المعشوقية (1)، فإنّ في العاشق صفة نفسانية، و في المعشوق كمال صوري أو معنوي، و ربما يتوقف على وجود صفة في أحد الطرفين كالعالمية و المعلومية، فإن ما له وجود حقيقي- و هو العلم- قائم بالعالم لا بالمعلوم، و ربما لا يتوقّف على وجود صفة حقيقية في أحد الطرفين، كالمتيامن و المتياسر و المتقدّم و المتأخر، و كون الشي‏ء ثاني الاثنين و ثالث الثلاثة إلى غير ذلك من الموارد التي لا يتوقّف حصول العنوان الإضافي [فيها] على حصول صفة حقيقية ذات مطابق عيني، فليكن ما نحن فيه من هذا القسم الأخير، فنفس الأمر المتقدّم- حيث إنه يلحقه الأمر المتأخّر في ظرفه- منشأ لعنوان إضافي يكشف عنه مضايفه المتأخّر. و معنى وجود العنوان الإضافي في المتقدّم و المتأخّر كون السابق و اللاحق بحيث إذا عقلا عقل معهما عنوانان متضايفان. فافهم و اغتنم.

و التحقيق: عدم سلامة هذا الطريق في دفع الإشكال لما تقرّر في محلّه: من أن المتضايفين متكافئان في القوة و الفعلية، فلا يعقل فعلية أحدهما و شأنية الآخر، و عليه يستحيل تحقّق العنوان الإضافي في الصوم لعدم تحقّق عنوان الاغسال الآتية

____________

(1) هكذا ذكره الشيخ الرئيس أ، و في القسم الأوّل نظر؛ لأنّ مضايف العاشق هو المعشوق بالذات لا المعشوق بالعرض، و الأول لا يتوقف على وجود صفة حقيقية في المعشوق كالعالم و المعلوم بالذات. (منه عفي عنه).

(أ) كتاب التعليقات: 13.

46

بعدم معنونه، و إلا لزم عدم تكافؤ المتضايفين.

فإن قلت: كما أن المتقدّم و المتأخّر عنوانان إضافيان، مع أن المفروض عدم وجود المتأخر عند وجود المتقدم، فأحدهما فعلي و الآخر بالقوة، فليكن العنوانان الإضافيان في ما نحن فيه كذلك.

قلت: هذا الإشكال إنما يرد على المتقدّم و المتأخّر بالزمان- و هما اللذان لا يجتمعان في زمان واحد- دون سائر أنحاء التقدّم و التأخّر، و التكافؤ في المثال المزبور ثابت بوجه يخصّ الزمان، و الوجه فيه:

إما ما أفاده الشيخ الرئيس في الشفاء (1)، و ملخّصه: أنّ عدم استقرار أجزاء الزمان إنما هو في الخارج- لا بحسب وجودها العقلي- فالجزءان من الزمان لهما المعية في الذهن، فيحضرهما العقل في ظرف الذهن، و بحكم بتقدّم أحدهما على الآخر.

و إما ما أفاده صدر المحققين‏ (2)، و هو: أنّ معيّة أجزاء الزمان في الوجود اتصالها في الوجود الوحداني التدريجي، و جمعية هذا الوجود الغير القارّ عين الافتراق.

و هذان الوجهان غير جاريين فيما نحن فيه:

أما الأوّل- فلأنّ المعنون بعنوان حسن امر به هو الصوم- مثلا- بوجوده الخارجي لا بوجوده العلمي. و هذا الجواب من مثل الشيخ الرئيس و إن كان عجيبا- لأنّ الزمان بوجوده العيني متقدّم و متأخّر، و التكافؤ يعتبر في ظرف الاتصاف لا غير- إلّا أنّ الغرض أنّ صحته على الفرض لا تجدي هنا؛ إذ الصوم بوجوده الخارجي مأمور به، فحسنه بحسب نحو آخر من الوجود لا

____________

(1) الطبيعيات من كتاب الشفاء 1: 148- 150- الفصل العاشر: في الزمان.

(2) كتاب الأسفار 3: 115- 117، الفصل الثلاثون: في الزمان.

47

يقتضي الأمر به بحسب وجود آخر.

و أما الثاني- فالأمر فيه أوضح؛ إذ لا اتصال بين الصوم و الأغسال في الوجود الوحداني على حدّ اتصال الامور التدريجية؛ ليكون العنوانان متكافئين باتصال المعنونين في الوجود.

فاتضح: أن قاعدة التكافؤ مسلّمة غير منثلمة. هذا تمام الكلام في التقريب الأول.

و الثاني- و هو الموافق لظاهر كلامه- زيد في علوّ مقامه- و المناسب لترشّح الوجوب المقدّمي إليه: أن المتأخّر ذو دخل في منشئية المتقدّم لعنوان حسن، كدخل الغد في منشئية اليوم لعنوان المتقدم؛ إذ لولاه لما اتّصف اليوم بالتقدّم قطعا، كما أنه لو لا اليوم لما اتصف الغد بالتأخّر جزما، فمعنى شرطية المتأخّر دخله في منشئية المتقدّم لعنوان حسن بسببه امر به، و هو بمكان من المعقولية، كما عرفت نظيره.

و فيه: أنّ دخل شي‏ء في منشئية شي‏ء لعنوان انتزاعي ليس جزافا، بل لدخله: تارة في تألّف ماهية ذلك العنوان، و كونه من علل قوامه؛ بحيث لو لم يكن لا معنى للحيثية التي يتحيّث بها منشأ الانتزاع، و اخرى لدخله في وجود ذات منشأ الانتزاع و وجود الحيثية فيه. فالمتأخّر إن كان بوجوده العيني دخيلا في المنشئية، فهو بوجوده الخاص من علل القوام أو من علل الوجود، فما لم يتحقّق ما شأنه كذلك لا يعقل تحقّق الأمر الانتزاعي.

و أما النقض بالمتقدّم و المتأخّر بالزمان فباطل؛ لأنّ ما به التقدّم و ما به التأخر في الزمان ذاتي له، فبعض أجزاء الزمان بذاته متقدّم على بعضها الآخر، و بعضها بذاته متأخّر عن الآخر، من دون دخل للمتأخّر في منشئية الجزء المتقدّم للتقدّم، و لا للمتقدم في منشئية الجزء المتأخر للتأخر. نعم، حيث إن عنواني التقدّم و التأخّر من العناوين الإضافية المعقولة بالقياس إلى الغير، فلا بدّ من ملاحظة

48

الطرف الآخر لكون المعنى معقولا بالقياس إلى الغير، لا لكون الطرف الآخر دخيلا في منشئية طرفه لما هو ذاتي له.

و المراد من الذاتي هو الذاتي في كتاب البرهان- لا الذاتي في باب الكليات- بمعنى أنّ وضع نفس الشي‏ء كاف في انتزاع المعنى، بخلاف الابوّة- مثلا- فإنها لا تنتزع من ذات الأب، بل فيما إذا انعقد من نطفته شخص آخر.

و أما الزمانيات: فإنّما ينتزع منها التقدّم و التأخّر بالعرض بمعنى أن الزمان هو الموصوف بالحقيقة بالوصفين؛ لا الزمانيات، و إن صحّ توصيفها بهما بالعرض فلا نقض أصلا. هذا في مثل تقدّم زيد على عمرو بالزمان.

و أما الحركات- التي حقيقتها متدرّجة الوجود- فحالها حال أجزاء الزمان.

فان قلت: و إن لم يتصف المتقدّم بعنوان حسن من قبل المتأخّر، إلّا أنّ له الإضافة فعلا بمن يأتي بالمتأخّر، فللصوم إضافة بمن تغتسل في الليلة المستقبلة، و كونها ممن تغتسل فعلي لا استقباليّ، و كذلك كون العقد بحيث يجيزه المالك.

قلت: كون المرأة تغتسل، و كون المالك يجيز فيما بعد، ليس من العناوين الانتزاعية الموجودة في المرأة أو المالك، بل قولك: (تغتسل، و يجيز) إخبار منك بالاغتسال و الإجازة في الاستقبال، و إلّا فليس في من يضاف إليه الصوم أو العقد صفة فعلية- و لو انتزاعية- فيرجع الأمر إلى استقلال الصوم و العقد في التأثير.

و غاية ما يمكن أن يوجّه به موارد النقض هو: أنّ دخل المتأخّر أو المتقدّم في أمر عيني أو انتزاعي محال، لكن دخله في أمر جعلي لا موجب لاستحالته.

و من الواضح: أن أنحاء التعظيمات و التذلّلات و الاحترامات متفاوتة في الرسوم و العادات، فيمكن أن يكون الفعل المسبوق بكذا أو الملحوق بكذا تعظيما و احتراما عند الشارع، دون ما إذا تجرّد عنهما. فافهم و استقم‏

49

[في التعريف اللفظي و الشرح الاسمي‏]

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (تعريفات لفظية لشرح الاسم ... الخ)

(1)

.

قد تكرر منه- (قدّس سرّه)- في الكتاب و غيره- كما عن بعض أهل المعقول- مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم، و مساوقته لمطلب (ما) الشارحة، و مقابلته للحد و الرسم، و هو مخالف لاصطلاح الحكماء، و لا مقابلة بينهما، بل الحد و الرسم: تارة على نحو الحقيقة، و يعبّر عنه بمطلب (ما) الحقيقية، و اخرى على نحو شرح الاسم، و يعبر عنه بمطلب (ما) الشارحة، بل المقابلة بين التعريف اللفظي و الحدّ و الرسم.

قال الشيخ الرئيس في الإشارات‏ (2): (و منها مطلب ما هو الشي‏ء، و قد يطلب به ماهية ذات الشي‏ء، و قد يطلب به ماهية مفهوم الاسم المستعمل).

و قال شارحها المحقق الطوسي (قدّس سرّه): (ذات الشي‏ء حقيقته و لا يطلق على غير الموجود). إلى أن قال: (و الطالب بما الثاني هو السائل عن ماهية مفهوم الاسم كقولنا: ما الخلاء؟ و إنّما لم نقل: عن مفهوم الاسم؛ لأن السؤال بذلك يصير لغويا، بل هو السائل عن تفصيل ما دلّ عليه الاسم إجمالا.

فإن اجيب بجميع ما دخل في ذلك المفهوم بالذات- و دلّ عليه الاسم بالمطابقة و التضمّن- كان الجواب حدّا بحسب الاسم.

و إن اجيب بما يشتمل على شي‏ء خارج عن المفهوم دالّ عليه بحسب‏

____________

(1) كفاية الاصول: 95/ 2.

(2) منطق الاشارات 1: 67 فما بعدها.

50

الالتزام على سبيل التجوّز، كان رسما بحسب الاسم).

و قال (قدّس سرّه) في شرح كلام الشيخ أيضا: (إنا إذا قلنا- في جواب من يقول: ما المثلث المتساوي الأضلاع؟-: إنه شكل يحيط به خطوط ثلاثة متساوية كان حدّا بحسب الاسم.

ثم إنه إذا بيّنّا أنه الشكل الأوّل من كتاب (اقليدس) صار قولنا الأوّل بعينه حدّا بحسب الذات). انتهى و نحوه ما عن شارح حكمة الإشراق‏ (1).

و الفرق حينئذ بين (ما) الشارحة و (ما) الحقيقية: أن السؤال في الثانية بعد معرفة وجود المسئول عنه دون الاولى؛ إذ الحقيقة و الذات- اصطلاحا- هي الماهية الموجودة.

و بالجملة: المعروف عندهم أنّ الحدود قبل الهليات البسيطة حدود اسمية، و هي بأعيانها بعد الهليات تنقلب حدودا حقيقية. فلا تغفل.

و ليس الغرض مما ذكرنا أن شرح الاسم لا يساوق التعريف اللفظي أحيانا، بل الغرض ان شرح الاسم المرادف لمطلب (ما) الشارحة لا يساوق التعريف اللفظي، كما هو صريح الحكيم المحقق السبزواري في شرح منظومتي المنطق و الحكمة (2).

و كما هو صريح شيخنا العلامة الاستاذ (قدّس سرّه) في أول مبحث العام و الخاص‏ (3)، فإن كلامهما صريح في مرادفة التعريف اللفظي و شرح الاسم‏

____________

(1) حكمة الاشراق: 59 فما بعدها.

(2) شرح المنظومة- المنطق-: 32 قال (رحمه اللّه): (.. و في مقابله [اي في مقابل التعريف الحقيقي‏] تعريف اسمي هو شرح الاسم و ايضاح حقيقة اللفظ). و كذا في شرح المنظومة- فلسفة و فن الحكمة-: 8- 9 (غرر في بداهة الوجود)، فراجع ثمة.

(3) كفاية الاصول: 215/ المقصد الرابع في العام و الخاص.

51

لمطلب (ما) الشارحة.

[في الواجب المطلق و المشروط]

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (و إلّا لم يكد يوجد واجب مطلق ... الخ)

(1)

.

لا يقال: البعث إلى الواجد للشرائط العامة مطلق، فإنّ مناط فعلية الإطلاق و الاشتراط فعلية اتصاف البعث المنشأ بأحد الوصفين، لا ملاحظة أنه لو لا وجدان الشرائط لكان المنشأ بعثا شرطيا.

لأنا نقول: حيث إن البعث الحقيقي في صورة الاشتراط (2) غير موجود عنده (قدّس سرّه)، فلا محالة لا يتّصف إلّا بالوجود و العدم، و المتّصف بالإطلاق و الاشتراط هو البعث في حد ذاته، لا بوجوده الحقيقي؛ بمعنى أن البعث إذا

____________

(1) كفاية الاصول: 95/ 6.

(2) قولنا: (حيث إنّ البعث الحقيقي ... إلخ).

بيانه: أن الإطلاق و الاشتراط متقابلان بتقابل العدم و الملكة، فما لم يقبل الإناطة و التعليق لا يكون مطلقا. و البعث المحقّق لا يعقل تعليقه على شي‏ء للزوم الخلف، فلا يقبل العدم، فالموجود من البعث لا مطلق و لا مشروط، و لا منافاة بينه و بين ما يقال من أن الوجوب الشرطي لا يخرج عن كونه كذلك بتحقّق الشرط، و إذا لم يقبل الاشتراط حدوثا لا يقبله بقاء.

وجه عدم المنافاة: أن الموجود إذا لم يوصف بالاشتراط، فلا يوصف بالإطلاق، فالموجود من الوجوب بعد حصول الشرط لا مطلق و لا مشروط، فلا معنى لخروجه عن الاشتراط الى الإطلاق.

نعم، بالاعتبار الذي كان مشروطا فوجوده وجود المنوط بشي‏ء، لا وجود غيره، ففعليته فعلية الوجوب المنوط بشي‏ء شرعا لا فعلية غيره، لا أنه ينقلب من الاشتراط إلى الإطلاق. و بقية الكلام في محله. [منه (قدّس سرّه)‏].

52

لوحظ في حدّ ذاته بالإضافة إلى شي‏ء أما أن يتوقّف وجوده عليه، أولا، و من الواضح أنّ البعث الذي لا يتوقّف على شي‏ء حتى الشرائط العامّة غير معقول‏

- قوله [(قدّس سرّه)‏]: (ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه ... الخ)

(1)

.

توضيح المقام: أنا لو قلنا بما ذهب إليه علماء الميزان- من أنّ أداة الشرط لمجرّد إفادة التعليق و الملازمة، و أنّ المقدّم و التالي منسلخان عن الحكم و أنهما يخرجان بذلك عن مقتضيات القضية من صحّة السكوت عليها، و احتمالها للصدق و الكذب- فلا ريب حينئذ في ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من عدم البعث الفعليّ إلّا بعد تحقّق ما علّق عليه. و الوجه فيما ذهبوا اليه‏ (2):

____________

(1) كفاية الاصول: 95/ 6.

(2) قولنا: (و الوجه فيما ذهبوا إليه ... إلخ).

إلّا أنه كالمصادرة على المطلوب، و ذلك لأنّ التعليق و الاستلزام: إن كان ملحوظا بالاستقلال، و كان صحة السكوت باعتبار الحكاية عنه أو جعله، كان طرفاه كما قيل خارجين عن مورد الحكم، إلا أن القضية الشرطية ليست كذلك لوضوح أن أجزاء القضية في المقدّم و التالي لا تتكفّل لعنوان التعليق و الاستلزام اسميا حتى يكون موردا للحكم، بل الأداة تتكفل وقوع مدخولها موقع الفرض و التقدير، و ما بعدها يتكفل نسبة الطلوع الى الشمس- مثلا- و الترتيب أو الفاء يدلّ على الاستلزام الحرفي و وقوع المقدّم موقع الإناطة و التعليق، و قضية التالي تتكفّل نسبة الوجود إلى النهار.

فما في كلمات جملة من علماء الميزان أ- [من‏] أنّ مفاد هذه القضية أنّ طلوع الشمس مستلزم لوجود النهار- صحيح من وجه دون آخر، فإنها تدلّ على الاستلزام الحرفي، لا على حمل الاستلزام؛ ليكون موردا للحكم و مصحّحا للسكوت، بل ظاهر الحكم باتّحاد عنوان المحمول في التالية لموضوعه في فرض اتحاد عنوان المحمول في المقدّم في الحرفية: لموضوعه. فتدبّره جيّدا [منه (قدّس سرّه)‏]. (ن، ق، ط).

(أ) منطق الإشارات 1: 139.

53

أن الحكم بالتعليق بين الطرفين‏ (1)، لا يجتمع مع الحكم بالطرفين؛ إذ الطرف بما هو متعلّق للنسبة الحكمية، لا يعقل أن يعتبر فيه حكم. و اشتهر بينهم‏ (2): أن صدق الشرطية بصدق الملازمة، لا بصدق الطرفين، و لذا صحّ أن يقال: إن كان زيد حمارا كان ناهقا، مع أنه لا يصحّ الحكم بناهقيته و لو مقيدة بحماريته؛ إذ النسبة إذا كانت مستحيلة الوقوع- و لو باستحالة قيدها- كانت كاذبة لا محالة؛ حيث لا مطابق لها أصلا؛ نظير ما إذا قيل: زيد قائم في نهار لا ليل له- مثلا-.

و أما إذا قلنا بما نسب إلى علماء الادبية: من أنّ القضية الشرطية تفيد ثبوت المحمول في التالي لموضوعه على تقدير المقدّم، فربّما يتوهّم حينئذ أن البعث فعلي في المقام.

و تحقيقه: أنّ أداة الشرط- كما يساعده الوجدان و ملاحظة مرادفها بالفارسية- تفيد أنّ مدخولها- المسمّى بالشرط و المقدّم- واقع موقع الفرض و التقدير، و أن الملازمة و التعليق و أشباه ذلك، تستفاد من ترتيب الجزاء و التالي على أمر مقدّر الوجود مفروض الثبوت؛ لأن طبع المرتب على مفروض الثبوت على حسب طبع المرتب عليه، فيكون وجوده دائرا مدار وجوده إن مقدرا فمقدرا، و إن محقّقا فمحقّقا، و لذا قالوا: إن (لو) حرف الامتناع؛ لأن مدخوله بحسب أصله الماضي، و تقدير أمر في الماضي يدلّ على أن المحقّق عدمه، و إلّا لما احتاج وجوده إلى الفرض و التقدير.

____________

(1) إلّا أنّ التعليق و الإناطة و الملازمة و أشباهها في القضايا الشرطية ملحوظة على الوجه الحرفي، فلا تكون طرفا للحكم، فالحق ما ذهب اليه علماء الادبية. (منه عفي عنه).

(2) الجوهر النضيد: 43، في مناط الصدق في القضايا الشرطية.

54

و من الواضح أنّ وجود ما تحقّق عدمه محال، فالمقدّر محال، و ما رتّب عليه كذلك، و المراد من وقوع المدخول موقع الفرض و التقدير، نظير ما اشتهر في علم الميزان في القضية الحقيقية: من أن موضوعها ينطبق على الأفراد المحقّقة و المقدّرة، فاذا قيل: (كلّ إنسان ضاحك) لا يختصّ الموضوع بما صدق عليه الإنسان محققا في أحد الأزمنة؛ لعدم اختصاص المحمول به، بل يعمّ كلّ ما لو وجد كان إنسانا، فكلّ ما فرضه و قدّره العقل مصداقا لطبيعة الإنسان يراه مصداقا لعنوان الضاحك، فليس المفروض بما هو مصداق الموضوع، بل الفرض فرض مصداق الموضوع؛ إذ الموضوع الحقيقي كلّ ما هو إنسان بالحمل الشائع، و هو كما يكون محقّقا يكون مقدّرا؛ إذ كما للعقل قوّة لحاظ الشي‏ء بالحمل الأوّلي، له قوّة لحاظ الشي‏ء بالحمل الشائع بنحو المحاكاة لما في الخارج فعلا، أو بنحو الفرض و التقدير.

و مما ذكرنا يظهر للمتأمل: أن المحكوم عليه ليس هو الأمر الذهني، بل الأمر الخارجي المفروض، و كذا الحال في القضايا الشرطية، فإنّ الملازمة حيث لم تكن مختصّة بطرفين موجودين تحقيقا، فلذا جعل المقدّم واقعا موقع الفرض و التقدير؛ كي يعلم أنه كلما فرض المقدّم كان التالي ثابتا، لكنه بنحو من الثبوت المناسب لثبوت المقدّم؛ بمعنى أن فرض ثبوت طلوع الشمس فرض ثبوت لازمه، و هو وجود النهار، كما أن ثبوته المحقّق سبب لثبوت لازمه كذلك.

و منه تبيّن: اندفاع توهم أن ثبوت التالي في فرض ثبوت المقدّم فعلي؛ إذ بعد الفرض لا حالة منتظرة لثبوته فعلا، فإنّا لا ندّعي أنّ ثبوته فعلا يحتاج إلى فرض أمر آخر كي يكون خلفا، بل نقول: إنّ تقدير وجود المقدّم تقديره بلوازمه، فيكون وجوده على حسب وجود مقدمه، و إلّا فمن البيّن أنّ النسبة الحقيقية لا تقوم بوجود تحقيقي و وجود تقديري.

55

و من الواضح أن وجود النهار تحقيقا يلازم طلوع الشمس تحقيقا لا تقديرا، و ليس مفاد القضية الشرطية إلّا إثبات هذه الملازمة كشفا و حكاية، إمّا استقلالا كما عند علماء الميزان، أو تبعا للحكم بثبوت المحمول لموضوع التالي على فرض المقدّم كما عند غيرهم.

فان قلت: إن الملازمة و التعليق عبارة عن إناطة البعث بما هو موجود في لحاظ الآمر و لو بنحو المرآتية لما في الخارج، فينتزع التقيّد و التعليق و الملازمة، لا بمعنى فرض الوهم، بل المولى يلاحظ المجي‏ء الخارجي، و يقدّر وجوده في لحاظه و اعتباره‏ (1)، و في هذا الفرض يبعث حقيقة نحو الإكرام مثلا، فمن البعث نحو الإكرام في فرض مجي‏ء زيد- الذي لا وجود له إلّا في ظرف اللحاظ و الاعتبار- ينتزع التقيّد و الارتباط الحاصلان جعلا بإيجاد البعث في هذا الفرض.

توضيحه: أنّ دخل المجي‏ء في مصلحة البعث الحقيقي و إن كان واقعيا، إلّا أنّ ملازمته للبعث جعلية؛ ضرورة أنه لو لا الإنشاء بداعي البعث لم يكن وجود المجي‏ء ملازما لوجود البعث، بل المولى حيث إنه جعل البعث المرتب على مجي‏ء زيد كان ذلك منه جعلا للملازمة، و الملازمة الفعلية تستدعي طرفين فعليين في ظرف الملازمة، فلا بدّ من القول بالبعث الفعليّ حال جعل الملازمة و الالتزام بقيدية المجي‏ء المقدر وجوده.

قلت: إن كان المجي‏ء- المقدّر وجوده- ملحوظا بنفسه و قيدا بشخصه، فلا

____________

(1) و لا يخفى أنّ ما ذكرناه- من أنّ مدخول أداة الشرط واقع موقع الفرض و التقدير- لا دخل له بفرض أ المولى و المتكلّم لمجي‏ء زيد و البعث حاله، كما لا يخفى. [منه (قدّس سرّه)‏].

(أ) في الاصل: (لا دخل له لفرض ...).

56

محالة يتحقق البعث الحقيقي، و لا دخالة للمجي‏ء في البعث إلّا بوجوده اللحاظي بما هو كذلك، فلا موجب لترقّب وجود المجي‏ء خارجا، لا في وجود البعث تحقيقا، و لا في ترتب آثاره عليه؛ إذ لا حالة منتظرة لشي‏ء هناك، و إن كان المفروض وجوده ملحوظا بنحو المرآتية لما في الخارج، فلا محالة يكون القيد الحقيقي هو المجي‏ء الخارجي، و لا معنى حينئذ لتحقّق المقيّد بلا قيده، غاية الأمر أنّ القيد الخارجي قد يوجد بنحو وجوده التحقيقي، فيوجد المقيّد بهذا النحو من الوجود، و قد يفرض وجوده الخارجي، فيلزمه ثبوت لازمه ثبوتا مناسبا لثبوت ملزومه، و معنى جعل الملازمة جعل الإنشاء الخاصّ بحيث لا ينفكّ اتصافه بالبعث الحقيقي عن المجي‏ء خارجا، فالمحقّق فعلا هي هذه الحيثية، و أما عدم الانفكاك الفعلي، فإنما هو في الخارج بين الطرفين كما في العلّية و المعلولية.

و التحقيق: أن الاشتراط و الإناطة و إن كان إلى الآخر للبعث الحقيقي بوجود الشرط عنوانا؛ لاستحالة إناطة ما سنخ وجوده اعتباري بأمر خارج عن افق الاعتبار، و كيف يعقل أن يكون للبعث الإنشائي بداعي البعث الحقيقي اقتران بمجي‏ء زيد خارجا حتى يكون مشروطا به؟ مع أنّ الشرط: إما مصحّح فاعلية الفاعل، أو متمّم قابلية القابل، فهو من شئون الفاعل أو القابل، فالإنشاء بداعي جعل الداعي، إنما يكون مقترنا بوجود الشرط عنوانا في افق الاعتبار لا بوجوده خارجا، لكنه حيث إنّ الشرط لوحظ بنحو فناء العنوان في المعنون، فلا محالة ما لم ينطبق على مطابقه لا يكون لما انيط به فعلية، كما في العنوان المأخوذ في المكلف، فإنّ الحكم و إن كان متعلّقا به بعنوانه لا بمعنونه لقيام الحكم بالحاكم لا بالمحكوم، لكنه ما لم يصل العنوان إلى حدّ ينطبق على معنونه فعلا لا يكن للحكم فعلية.

و سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- أنّ فعلية الحكم مساوقة لفاعليته، فتوهّم:

- أنه لوجوده الفعلي مقام، و لتأثيره مقام آخر- باطل، بل حقيقة الإنشاء بداعي‏