نهاية الدراية في شرح الكفاية - ج4

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
464 /
5

الجزء الرابع‏

[مقدمه‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه منتهى الحمد و غايته، و الصلاة و التسليم على نبيّه الأمين، و رسوله المصطفى على طول الأزمنة و الدهور محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و على أهل بيته الأمناء المعصومين، حجج اللّه تبارك و تعالى على العالمين.

و بعد:

فإنّ مؤسستنا إذ تقوم بنشر هذا الكتاب القيّم- و الذي رافقت مسألة نشره فترة تأخير قهرية مبعثها حصولنا لاحقا على نسخة المؤلّف بخطّه الشريف، فاضطرّ المحقّق بعد إتمام عمله إلى مراجعته على هذه النسخة ابتغاء الحصول على النصّ الأصحّ- فإنّها تتقدّم بجزيل الشكر و الامتنان لمحقّق الكتاب سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ أبو الحسن القائمي على ما بذله من جهود صادقة و متواصلة في إنجاز هذا العمل و إخراج الكتاب بحلّته المحقّقة الجديدة.

و كذا فإنّا ندين بالعرفان لكلّ الجهود المخلصة و الكبيرة التي بذلت من قبل بعض الإخوة الأفاضل و بأشكال مختلفة في إتمام هذا العمل.

وفّق اللّه تعالى جميع العاملين في نشر و إحياء تراث العترة الطاهرة، و تقبّل أعمالهم، إنّه سميع مجيب.

مؤسسة آل البيت عليهم سلم لاحياء التّراث‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مباحث الاصول العملية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[تعريف الاصول العملية و انها داخله فى علم الاصول‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

1- قوله (قدّس سرّه): و هي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص‏

(1)

... الخ.

توصيف القواعد المزبورة بما أفاده (قدّس سرّه) لادراجها في المسائل الاصولية، و لا خراج القواعد العامة الفقهية:

أما إدراجها في المسائل الاصولية؛ فلأن مضامينها و ان كانت بنفسها أحكاما مستنبطة، كاثبات الاباحة الشرعية، أو رفع الحكم الشرعي، أو جعل الحكم المماثل لما أيقن به، أو كانت اعتبارات شرعية، أو عقلية غير منتهية إلى حكم تكليفي شرعي، كالبراءة العقلية أو رفع المؤاخذة شرعا، أو المنجزية العقلية أو الشرعية و لو بجعل اليقين السابق منجزا للحكم في اللاحق.

إلّا أنّها على أيّ تقدير لا تقع في طريق الاستنباط، فلا بد من تعميم القواعد الاصولية إلى ما يقع في طريق الاستنباط، و ما ينتهي إليه المجتهد بعد

____________

(1) كفاية الأصول/ 337.

10

الفحص عن الدليل على حكم العمل.

و أمّا إخراج القواعد الفقهية، كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، أو سائر قواعد أبواب المعاملات، أو العبادات فلأنّها قواعد لا ينتهي إليها أمر الفقيه بعد الفحص عن الدليل على حكم العمل، بل هي أحكام كلية ابتدائية للعمل، لعدم ترتبها على الشي‏ء بعنوان كونه مجهول الحكم.

و حيث إن الاصول العملية مما ينتهي إليه امر المجتهد بعد الفحص عن الدليل، فلا محالة تختص بالمجتهد، إذ ليس من شأنه الفحص عن الدليل إلّا المجتهد.

فبهذه الخصوصية تمتاز هذه القواعد عن سائر القواعد، و تختص بالمجتهد دون غيرها هذا.

و التحقيق ما مرّ في أوائل الجزء الأول من التعليقة (1)، و في أول حجّية خبر الواحد (2) أن تعميم القواعد إلى الممهدة للاستنباط، و إلى ما ينتهي إليه أمر المجتهد يقتضي فرض غرض جامع بين الغرضين، لئلا يكون علم الاصول علمين، لتعدد العلم بتعدد الغرض في المورد القابل.

مضافا إلى أن هذا التعميم، و إن كان يجدي في إدراج الاصول العملية الشرعية.

إلا أنه لا يجدي في دخول مباحث حجية الامارات سندا و دلالة في علم الاصول، لأنها ليست مما ينتهي إليه أمر المجتهد بعد الفحص عن الدليل، بل هي الأدلة على حكم العمل، و ليس العمل بمقتضياتها منوطا بعدم التمكن من تحصيل العلم.

____________

(1) نهاية الدراية 1: التعليقة 13.

(2) نهاية الدراية 3: التعليقة 91.

11

و التحقيق: أن الحجية إمّا بمعنى الوساطة في اثبات الواقع عنوانا أو اعتبارا، و إمّا بمعنى الوساطة في إثبات الواقع أثرا و تنجزا.

و المبحوث عنه في علم الاصول وساطة الخبر و نحوه بأحد الوجوه.

و المبحوث عنه في علم الفقه قيام الواسطة على إثبات الحكم لا وساطتها.

و عليه، فالعلم المأخوذ في حد الفقه- حيث قيل: إنه علم بأفعال المكلفين من حيث الاقتضاء و التخيير- أعم من العلم الوجداني و العلم التنزيلي، بل أعم من العلم بالحكم و قيام المنجز على الحكم.

نعم، فيما ليس له جهة الكاشفية و المرآتية ليس له عنوان الوساطة للاثبات، فلا بد من تعميم الحجية إلى مطلق المنجزية و المعذريّة. فيدخل البحث عن منجزية الاحتمال، و عن معذرية الجهل أيضا في المسائل الاصولية.

إلا أنه يبقى خصوص البراءة الشرعية بمعنى رفع الحكم أو ثبوت الاباحة على حاله.

اذ لا وساطة في الاثبات اصلا، و لا معذرية شرعا حتى يندرج تحت قيام الحجة على حكم العمل.

و لا بأس بالاستطراد في مثله.

و أما حديث اختصاص‏ (1) مفاد الاصول العملية بالمجتهد، لكونه ممن‏ (2) يتفحص عن الحجة على حكم العمل، دون سائر القواعد الفقهية العامة، فانها تعم المجتهد و المقلد.

فتحقيق الحال فيه أن عناوين موضوعات هذه الأحكام الكلية، و وجوب تصديق العادل، و وجوب الأخذ بالراجح من الخبرين، أو التخيير بينهما، و إن‏

____________

(1) كما عن المحقق النائيني (قده) في فوائد الاصول 3/ 4.

(2) و الصحيح: من.

12

كانت مختصة بالمجتهد، فانه الشاك في الحكم و هو المتيقن بحكم في السابق، و الشاك فيه في اللاحق و هو من أتاه النبأ، و من جاءه الحديثان المتعارضان، دون المقلد في كل ذلك، فيتوهم اختصاص تلك الأحكام به دون سائر القواعد الفقهية العامة.

إلا أن مفاد تلك الأحكام الكلية، إما جعل الحكم المماثل، أو جعل المنجزية و المعذرية، و ربما لا يكون للواقع مساس به حتى يتعلق به حكم فعلي مماثل أو يتنجز الواقع عليه على تقدير الاصابة، و يعذر عنه على تقدير الخطأ، فما معنى اختصاصه به؟

و دعوى أن فتوى المجتهد المستندة إلى حجة شرعية بمنزلة الخبر مع الواسطة، تكون حجة على ثبوت الحجة في حق المكلف.

مدفوعة: بأنها تجدي فيما إذا كانت مستندة إلى الخبر و نحوه، لا في مثل الاستصحاب المتقوم باليقين و الشك، مع أن المكلف لا يقين له و لا شك، و المجتهد لا تكليف له و إن أيقن و شك.

فالتحقيق: أن ما تضمّنه الأمارات أو الاصول العملية من التكاليف الثابتة لذات الفعل، أو له بوصف كونه مجهول الحكم حكم عملي للمكلف الذي له مساس به.

لكن المقلد حيث إنه لا يتمكن من استنباطه من دليله، أو لا يتمكن من تطبيقه على مصداقه، إذ لا يعلم كونه لا حجة عليه إلا بعد الفحص عنها ينوب عنه المجتهد بأدلة وجوب التقليد، و جواز الافتاء في أعمال رأيه و نظره في استنباط الحكم من دليله، أو في تطبيقه على مصداقه.

فالمجتهد هو الموضوع عنوانا، و المقلد هو الموضوع لبّا. و مجي‏ء الخبر إلى المجتهد منزّل منزلة مجيئه إلى المقلد، و يقينه و شكه بمنزلة يقين المقلّد و شكه، و إلّا لكان إيجاب اتباع رأيه لغوا مع عدم تحقق موضوع الحكم.

13

فالحكم المستنبط، أو الحكم الكلي الذي يراد تطبيقه على مورده لا يختص بالمجتهد، بل المقدمات المؤدية إلى استنباطه، أو إلى تطبيقه هي المختصة بالمجتهد.

فكما أن اختصاص مقدمات الاجتهاد و الاستنباط لا يوجب اختصاص الحكم المستنبط بالمجتهد، كذلك اختصاص الفحص- عن الحجة المحقق لموضوع الحكم فعلا- به لا يوجب اختصاص ذلك الحكم الكلي الذي لا ينطبق على مصداقه إلا بالفحص المحقق للمصداق بالمجتهد.

و مما ذكرنا تبين أنه لا امتياز للاصول العملية عن القواعد الفقهية، فان اختصاص تطبيقها على مصاديقها- بالفحص المحقق لمطابق موضوعها الكلي- بالمجتهد من حيث كونه أهل الخبرة بالتطبيق لا يوجب إدراج هذه المسائل في علم الاصول دون غيرها، لأن خبرة تطبيق القواعد العامة الفقهية أيضا تحتاج إلى مقدمات نظرية تختص بالمجتهد.

و قد عرفت أن هذه الخصوصية لا يوجب كون هذا الحكم الكلي العملي حكما أصوليا، لا حكما فقهيا، بل الكل بناء عليه قواعد فقهية. غاية الأمر أن هذه القواعد قواعد عامة لا تختص بباب دون باب، بخلاف تلك القواعد، فانها ربما تختص بباب الطهارة، أو بباب الصلاة أو بخصوص باب البيع، أو غيره، أو بأبواب العبادات مطلقا أو بابواب المعاملات.

و هذا التعميم و التخصيص لا يوجب خروج المسألة عن كونها فقهية، و لا دخولها في المسائل الاصولية.

نعم بناء على ما ذكرنا، فالكل من القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، إلا ما لا بأس بالاستطراد فيه، كالبراءة الشرعية بمعنى الاباحة و رفع الحكم لا بمعنى المعذرية شرعا.

14

2- قوله (قدّس سرّه): مع جريانها في كل الأبواب‏

(1)

... الخ.

شأن مسائل العلم، و ان كان كلية المبحوث عنه، حيث لا يبحث عن الجزئي في العلوم، إلا أن عمومه لجميع الأبواب غير لازم، و تخصيص القواعد الاصولية بالعامة لجميع الأبواب بلا مخصص، بل بعض مسائلها لا يجري إلا في العبادات مثلا.

و تقدم رتبة العلم الأعلى على الأدنى لا يستدعي إلّا تقدم كل جزء من الأعلى على ما يناسبه من الأدنى، لا على جميع أجزاء العلم الأدنى حتى يجب عمومه لجميع أبوابه. فتدبر.

و في هامش الكتاب لشيخنا العلامة (رفع اللّه مقامه) في بيان توهّم خروج قاعدة الطهارة مطلقا عن المسائل الاصولية وجه آخر مع جوابه منه (قدّس سرّه).

قال (قدّس سرّه): لا يقال: إن قاعدة الطهارة مطلقا تكون قاعدة في الشبهة الموضوعية، فان الطهارة و النجاسة من الموضوعات الخارجية التي يكشف عنها الشرع.

فإنه يقال: أولا نمنع ذلك، بل إنهما من الأحكام الوضعية الشرعية، و لذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما كما لا يخفى.

و ثانيا: أنهما لو كانا كذلك فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على إحداهما كانت حكمية؛ فانه لا مرجع لرفعهما إلا الشارع، و ما كانت كذلك ليست إلا حكمية، انتهت عباراته (قدّس سرّه).

قلت: أما الجواب الأول، فتقريبه أن ما يقابل الطهارة من النجاسة

____________

(1) كفاية الاصول/ 337.

15

و الحدث، لو كان أمرا واقعيا خارجيا لكان من جملة المقولات الواقعية.

و ما يحتمل منها ليس إلا مقولة الكيف القائم بالجسم في النجاسة، و الكيف القائم بالنفس في الحدث، لما هو المعروف بينهم من أنه حالة معنوية، و ليس بعد الجسم محل يقوم به الحدث إلا النفس، و كلاهما مشكل.

أما الكيف القائم بالجسم، فمن الواضح أن المتنجّس ينجس بالذات على ما هو عليه من جواهره و أعراضه، من دون عروض كيف حقيقي عليه، ليكون مطابق ماهية النجاسة، و ليس من شرط الملاقاة أن يستصحب أجزاء من النجس بالذات، أو عرضه القائم به، و لو فرض لحوق شي‏ء منه، فزواله محسوس بغير الماء أيضا، فلا معنى لبقاء أمر عيني في المحل.

و أما النجس بالذات من الأعيان المعروفة من البول و الغائط و الميتة و الكافر و غيرها، فهي مع ما يشاكلها من الأعيان الطاهرة في الصورة النوعية و الشخصية و الاعراض القائمة بهما على حد سواء.

فالدم مما له نفس سائلة، و ما ليس له نفس سائلة، و الميتة منهما، و البول و الغائط من مأكول اللحم، و غيره، و بدون الكافر، و المسلم كلها في جواهرها و أعراضها حسّا و عيانا على حد سواء، فما ذلك الكيف القائم بالجسم المختص بالنجس، أو المتنجس.

و أما الكيف النفساني القائم بالنفس في الحدث، فالأمور القائمة بالنفس:

تارة من الصور العلمية من الاعتقادات الصحيحة التي هي كمال النفس او الاعتقادات الفاسدة التي هي نقصها، أو غيرهما مما ليس كمالا و نقصا بهذا المعنى، و ان كان فعلية التعقل بمعنى آخر كمال الجوهر العاقل.

و اخرى من الملكات الفاضلة و الاخلاق الرذيلة

و ثالثة من مبادئ صدور الفعل الاختياري.

و الحدث ليس شي‏ء منها جزما؛ إذ المحتمل هو كونه حالة رذيلة توجب‏

16

البعد.

مع أن الجنابة حالة تحصل للنبي و الوصي و المؤمن، و حاشاهم من اتصاف نفوسهم الكاملة بصفة نقص أو خلق رذيل. مع ان خروج المني، أو مس الميت، أو النوم لا يوجب حدوث خلق رذيل في النفس، بل ربما تقع هذه الأمور على وجه العبادية المكملة للنفس.

مع أن الملكة الرذيلة النفسانية لا تزول بالغسل و الوضوء، بل بضد تلك الحالة، و لعله لذا ورد عنهم (عليهم السلام) إن المؤمن لا ينجس، و إن الوضوء و الغسل من حدود اللّه تعالى‏ (1).

و عليه فيدور الأمر في الطهارة و ما يقابلها بين أن يكونا حكمين تكليفيين، أو أمرين انتزاعيين من الحكم التكليفي، أو من غيره، أو اعتبارين وضعيين شرعيين، على ما نراه من اعتبار معنى مقوليّ أو غير مقولي، كما في اعتبار الملكية، أو اعتبار الوضع و الارتباط بين اللفظ و المعنى.

و قد ذكرنا في غير مقام: أن مفاهيم هذه الألفاظ غير مفاهيم وجوب شي‏ء و إباحة شي‏ء، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى بالحمل الذاتي و لا بالحمل الشائع، فلا وجه لجعلهما عين الحكم التكليفي، و أن قيام الأمر الانتزاعي بمنشئه يصحح حمل العنوان المأخوذ منه عليه، على حد قيام شي‏ء بشي‏ء انضماما.

مع أنه لا يصح حمل العنوان المأخوذ من الطهارة و ما يقابلها على الحكم، بل على متعلق الحكم، كما لا يصح انتزاعهما من الأسباب للوجه المزبور، و أما انتزاعهما عن الأعيان أو عن البدن أو النفس، فقد عرفت ما فيه آنفا.

____________

(1) المحاسن 1: 133، باب خلق المؤمن من طينة الانبياء، و عنه بحار الانوار 80/ 127، و إليك نص الرواية: عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه، و إنّ المؤمن لا ينجسه شي‏ء، إنّما يكفيه مثل الدهن.

17

فلم يبق إلا اعتبار الطهارة و النجاسة و الحدث في عين أو شخص، على حدّ اعتبار المالكية و المملوكية لمصلحة تدعو الى اعتبارها.

و يمكن أن يقال: إن النجس و ما يساوقه مفهوما- كالرجس و الدنس و القذر- ما يوجب تنفّر الطبع في قبال الطاهر الذي ليس فيه ما يوجب تنفر الطبع، و تنفر الطبع ليس إلا بلحاظ عدم الملاءمة لقوة من القوى، فما فيه رائحة منتنة غير ملائم للشامة، و ما كان كريه المنظر غير ملائم للباصرة، و ما كان مرّا للذائقة، و ما كان خشنا للامسة، و هكذا بالاضافة إلى القوى الباطنة.

و اقتضاء شي‏ء لتنفر الطبع السليم أمر واقعي لا يزيد في الوجود على المقتضي، بل هو ذاتي المقتضي إذا قلنا بأن خصوصية الفاعلية و الاقتضاء في الفاعل و المقتضي ليست من الكيفيات الاستعدادية بل ذاتي العلة، كما عليه بعض الأكابر (1)، و إلا كانت داخلة في الكيفيات الاستعدادية.

و من الواضح أن اقتضاءات الاعيان الخارجية المحسوسة لآثار موجبة لتنفر الطبع تختلف بالاضافة إلى الأشخاص علما و جهلا.

فالجاهل و إن لم يتنفر طبعه لتقوّمه وجدانا بالادراك، لكن عدم فعلية تنفر الطبع لا ينافي وجود الاقتضاء واقعا.

و حيث إن الطهارة و ما يقابلها بهذا المعنى، فهما من المعاني العامة التي لا تختص بالاعيان الخاصة.

بل القلب المشحون بالعقائد الباطلة نجس خبيث، فيوجب تنفر الطبع السليم و العقل المستقيم، فانها نقص للنفس، و هو مما يتنفر منه الطبع، و ازالتها

____________

(1) الأسفار الأربعة 2/ 226.

18

بضدها تطهيرها.

و كذلك اتصاف النفس بالملكات الرذيلة، و كذا اتصاف الشخص بالأعمال القبيحة.

و لعله إلى كل ذلك يشير قوله تعالى‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) فإن الغرض أرجاس الجهالة و الملكات الرذيلة و الاعمال القبيحة، و كذا ما في الزيارة (لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها) (2)، و كذا ما في الخبر (بئس العبد القاذورة) (3) أي الذي موصوف بأنجاس الاعمال القبيحة.

و هكذا و بهذا الاعتبار تكون التوبة مطهرة للعاصي، و إجراء الحد مطهرا للزاني مثلا، كما أطلق عليهما التطهير.

و عليه فلا استبعاد في اقتضاء الأعيان المعروفة بالنجاسة لآثار توجب تنفر الطبع عند الالتفات اليها.

و حيث إنها توجب مباشرتها باعيانها تأثرا نوعا بما يوجب تنفر الطبع، فطريق تطهيرها إزالتها بالماء و نحوه، فلذا اختصت من بين سائر الموجبات للتنفر بعنوان النجاسة، و تعرضوا لها في الفقه.

نعم لا نضايق من كونها اعتبارية في بعض الموارد، كما في ملاقاة بدن الكافر، حيث يدعى القطع بعدم اقتضاء نوعيّ لبدنه أثرا خاصا، إلا أن معاشرته حيث توجب اكتسابات توجب تنفر الطبع، فتأكيدا للزجر عن معاشرته اعتبرت النجاسة في مباشرته لحكمة نوعية، لا لتأثير من بدنه في بدن‏

____________

(1) الاحزاب: 33.

(2) الكافي 6: 439 ح 6، مصباح المتجهد: 664.

(3) وسائل الشيعة 5: 6/ 6.

19

الغير. هذا كله في الطهارة و النجاسة.

و أما الطهارة و الحدث، فالكلام فيهما من حيث كونهما وجوديين أو أحدهما وجوديا و الآخر عدميا، و معنى كون (الطهارة نورا و الحدث ظلمة) يحتاج إلى مجال واسع، ربما يخرج تفصيل القول فيه عن وضع التعليقة.

و أما الجواب الثاني، فهو تام ربما نتكلم فيه في موضع مناسب له.

***

20

[أصالة البراءة]

3- قوله (قدّس سرّه): لو شك في وجوب شي‏ء أو حرمته و لم تنهض‏

(1)

... الخ.

ذكر (قدّس سرّه) في هامش الكتاب في وجه الجمع بين هذه المسائل في مسألة واحدة ما محصّله: أنه لا حاجة إلى عقد مسائل متعددة بعد الاتحاد في ما هو الملاك، و ما هو العمدة من الدليل على المهم إلى آخر ما أفاده (قدّس سرّه).

و ليعلم أن المسائل عبارة عن القضايا المشتركة في غرض واحد دوّن لأجله العلم، و تعدد القضايا بما هي بتعددها موضوعا أو محمولا أو هما معا.

و الواسطة في الثبوت و الواسطة في الاثبات لا دخل لهما بالقضية، فلا يكون وحدتهما و تعددهما موجبا لوحدة القضايا و تعددها.

و غرضه (قدّس سرّه) ليس وحدة الواسطة ثبوتا و إثباتا، بل وحدة الجهة التقييدية المقومة لموضوعية الموضوع بحسب الدليل المتكفل لهذا الحكم المجعول.

بيانه: أن كل محمول ثابت لموضوع: إما يكون من الأمور الواقعية الغير المتوقفة على جعل جاعل، كالمحمولات المبحوث عنها في علم المعقول من إمكان شي‏ء، أو امتناعه، أو وجوبه، و من جوهرية شي‏ء أو عرضيته، و أشباه ذلك، فالموضوع لتلك المحمولات واقعي، لا بجعل جاعل.

و اما يكون من الامور الجعلية، كوضع مادة كذائية لمعنى خاص أو هيئة كذائية لمعنى خاص، فان الموضوع هي المادة الشخصية أو الهيئة النوعية بحسب ما جعله الواضع، و كالاحكام الكلية المترتبة على الموضوعات الخاصة بحسب جعل الشارع، فان المحمول حيث إنه شرعي، فالاعتبار بما جعله‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 338.

21

موضوعا لحكمه بحسب لسان الدليل، مثلا الموضوع للحكم الاستصحابي مع اختلاف السنة أدلته، حيث إن التعبير عنه وقع تارة بقوله (لا تنقض اليقين بالشك) (1)، و أخرى (لا يدخل الشك في اليقين) (2)، و ثالثة (يمضي على يقينه) (3) و هكذا ليس إلا ما أيقن به سابقا، و حكمه الحكم المماثل لما أيقن به، أو لحكم ما أيقن به.

و هكذا بالاضافة إلى حجية الخبر مع اختلاف الادلة عنوانا ليس موضوعها إلا ما أخبر به العادل، أو الثقة، و محمولها الحكم المماثل لما أخبر به، و تعدد المتيقن في الأول، و تعدد المخبر به في الثاني لا يوجب تعدّد الجهة التقييدية العنوانية المأخوذة من الأدلة، فلا يوجب تعدد المسألة.

فكذا فيما نحن فيه، فان أدلة البراءة الشرعية و إن اختلفت من حيث رفع ما لا يعلمون تارة، و وضع المحجوب أخرى، و كون الناس في سعة مما لا يعلمون ثالثة و هكذا: إلا أن الموضوع الجامع بين الكل لبّا ليس إلا ما لم يعلم حكمه، و محموله رفع ذلك الحكم، و تعدد مصاديق ما لم يعلم حكمه من حيث الوجوب، أو الحرمة، أو الالزام المطلق، فضلا عن تعدد اسباب الجهل بالحكم، لا يوجب تعدد الجهة التقييدية العنوانية لموضوع الحكم الشرعي المأخوذ من الشارع بحسب لسان دليله.

إلا أن عذر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في عقد مسائل متعددة أنه لم يقع نزاع في رفع الحكم مطلقا و عدمه مطلقا، بل النزاع وقع في خصوصيات ربما يكون المخالف في إحداها موافقا في الأخرى، كما عن الاخباريين في الشبهة

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 216/ 3، عن الكافي 3/ 352.

(2) وسائل الشيعة 8: 216/ 3، عن الكافي 3/ 352.

(3) وسائل الشيعة 1: 246/ 6، عن الخصال 2/ 19.

22

التحريمية، فانهم يقولون بالاحتياط فيها، دون الشبهة الوجوبية، بل ربما يوجد التفصيل في كل منهما بين ما لا نص فيه، أو ما أجمل فيه النص.

و إلا فلو بنينا على ملاحظة الميزان المزبور الموافق لتدوين مسائل العلم، لزم جعل البراءة الشرعية مطلقا مسألة مستقلة، من دون فرق بين الشبهات البدوية، أو المقرونة بالعلم الاجمالي، سواء كان الترديد بين المتباينين، أو الأقل و الأكثر، بأن يقال: هل الحكم المجهول مرفوع مطلقا، سواء كان وجوبا، أو تحريما، نفسيا أو غيريا أو منتزعا من الوجوب النفسي، كالجزئية و الشرطية في باب الأقل و الأكثر، و سواء كان الجهل مقرونا بالعلم الاجمالي أم لا.

فمن يختار البراءة في الجميع يقول برفع الحكم مطلقا، و من لا يقول بها في الجميع يقول بعدم رفع الحكم مطلقا، و من يختار البراءة في بعض دون بعض لأي وجه، سواء كان من جهة قصور الدليل عن الشمول أو لورود الدليل على خلافه، يكون مفصلا في المسألة. فتوجد حينئذ تفاصيل كثيرة، كما في مسألة الاستصحاب، و اللّه أعلم بالصواب.

***

23

[الاستدلال بالكتاب على البراءة في الشبهات الحكمية]

4- قوله (قدّس سرّه): و فيه أن نفي التعذيب قبل إتمام‏

(1)

... الخ.

يمكن أن يقال: إن الآيات و الروايات الدالة على الثواب و العقاب ظاهرة في الاقتضاء، لا الفعلية، فكذلك ما دل على النفي ظاهر في الاقتضاء بقرينة المقابلة. كما أن الأمر كذلك في جميع القضايا الواردة في بيان الخواص و الآثار، فقولهم السم قاتل، و السنا مسهل، و النار محرقة، و أشباه ذلك كلها في مقام إفادة الاقتضاء، و الحكم بثبوت محمولاتها لموضوعاتها اقتضاء لا فعلا، فيكون دليلا على الاستحقاق و على عدم الاستحقاق في مثل ما نحن فيه.

لا يقال: لا منّة في رفع العذاب مع عدم الاستحقاق.

لأنّا نقول: اولا: لم يعلم أن الآية في مقام إظهار المنة، بل لعلها في مقام إظهار العدل و أنه تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة.

و ثانيا: أن جعل العقاب إذا كان من الشارع، فعدم جعله بعدم جعل الاحتمال منجزا فيه كمال المنة.

و التحقيق: أن ظاهر القضية الحكم بثبوت المحمول للموضوع فعلا، و إنما نقول بكون القضايا المثبتة للخواص و الآثار اقتضائية لا فعلية، إذ قلما يوجد في العالم ما يكون علة تامة لثبوت شي‏ء، بل لا محالة له شرط أو مانع، و لو من حيث قبول القابل، و إن فرض أن الفاعل تام الفاعلية بخلاف طرف النفي، فان العدم فعلي على أي حال سواء كان بعدم مقتضيه، أو بعدم شرطه‏

____________

(1) كفاية الأصول/ 339.

24

أو بوجود مانعة، فلا موجب للحمل على الاقتضاء دون الفعلية كما في طرف الاثبات، و ليس العدم بالاقتضاء حتى يتوهم كونه نظير ثبوت المقتضى بثبوت المقتضي.

فظهر أنه لا موجب لحمل القضايا النافية على غير الفعلية، لا ثبوتا و لا إثباتا.

و عليه فعدم شي‏ء إذا كان مترتبا على عدم شي‏ء آخر، فلا محالة [عدم‏] (1) ذلك الآخر، إما عدم مقتضيه أو عدم شرطه، و إذا كان مترتبا على وجود شي‏ء، فلا محالة ذلك الشي‏ء مانعة.

و حيث إن الوجود لا يقتضي العدم، فعدمه من باب الشرط، فترتب العدم عليه من باب ترتب عدم المشروط على عدم شرطه.

و على أي تقدير، فترتب عدم شي‏ء على وجود شي‏ء أو عدم شي‏ء لا يكشف عن ثبوت المقتضي، و لا عن عدمه.

نعم إذا كان المترتب عليه عدم شرطه أو وجود مانعة، فربما يكون كاشفا عن وجود المقتضي له، و إلا لكان استناده إلى عدم المقتضي أولى من الاستناد إلى عدم شرطه، أو وجود مانعة.

5- قوله (قدّس سرّه): لما صح الاستدلال بها إلا جدلا

(2)

... الخ.

و عن بعض الأجلة (3) (قدّس سرّهم) دعوى إمكان جعله برهانا، نظرا إلى الاجماع على عدم الاستحقاق على تقدير عدم الفعلية في هذه المسألة.

____________

(1) في الأصل فلا محالة ذلك الآخر و لكن الصحيح عدم ذلك الآخر كما أثبتناه بين المعقوفين.

(2) كفاية الأصول/ 339.

(3) لم نعرفه و لعل المراد هو هذا الفقيه اليزدي (قده) في تعليقته على فرائد الأصول.

25

و هو على فرض صحته أجنبي عن الاجماع المصطلح، لأن الاستحقاق:

إن كان عقليا، فملازمته للعقاب في الآخرة و عدمها واقعيان، لا جعليان تشريعيان، فان أحد الطرفين مجعول عقلائي و الآخر مجعول تكويني، و الملازمة و عدمها ليسا بتشريعيين حتى يكون الاجماع على أمر تعبدي و مجعول تشريعي.

و إن كان الاستحقاق شرعيا، فهو و إن كان قابلا شرعا للاناطة بشي‏ء، فتكون الملازمة جعلية شرعية، إلا أن إناطته بفعلية نفس العقاب في الآخرة غير معقولة حتى بنحو الشرط المتأخر، لأنّ فعلية العقاب مترتبة على استحقاقه، فترتب استحقاقه على فعليته دوريّ، للزوم كون الشي‏ء شرطا لنفسه.

نعم، إناطة الاستحقاق- بعدم ما يمنع عن فعلية العقاب- معقولة، فيرجع الأمر إلى إناطة الاستحقاق بالبيان بالاجماع، فهو استدلال على عدم الاستحقاق مع الجهل بالاجماع من دون حاجة إلى الآية حتى يصح الاستدلال المفيد للقطع بالمركب من الآية و الاجماع، كما هو المقصود في محل النزاع، فتدبّر جيّدا.

6- قوله (قدّس سرّه): مع وضوح منعه ضرورة أن ما شك‏

(1)

... الخ.

ملخصه منع اعتراف الخصم بالملازمة بين عدم الفعلية و عدم الاستحقاق، فان مجهول الحكم ليس بأعظم من معلومه، و أدلة الاحتياط ليست بأقوى من أدلة الواجبات و المحرمات الواقعية بعناوينها، مع أن عدم فعلية العقاب هناك لا يلازم عنده عدم الاستحقاق، فكيف يقول بها هنا؟

و صرح (قدّس سرّه) في تعليقته‏ (2) الأنيقة على رسالة البراءة بوجهه، و هو أن الاخبار بالعقوبة من باب الاخبار بالشي‏ء لقيام ما يقتضيه.

____________

(1) كفاية الاصول/ 339.

(2) التعليقة على فرائد الاصول/ 114.

26

و على ما أفاده (قدّس سرّه) لا يلازم وجود المقتضي وجود مقتضاه، لا مكان وجود المانع من توبة، أو فعل حسنة مذهبة للسيّئة، أو شفاعة.

مع ان المانع ليس شأنه إلا مزاحمة المقتضي في تأثيره فعلا، لا في وجوده، و لا في اقتضائه.

لا يقال: لعل همّ القائل بالبراءة هو الأمن من فعلية العقاب، فتكفيه الآية الدالة على نفي فعلية العقاب، و لو لم تدل على عدم الاستحقاق.

لأنا نقول: القواعد الاصولية- التي هي مقدمة قريبة لعلم الفقه- هي القواعد المنتهية إلى حكم عملي إثباتا أو نفيا، أو منجزيته أو المعذورية عنه شرعا.

و أما أن العقاب يتحقق في الآخرة أولا لوجود مانع، فهو أجنبي عن العلمين، و لا معنى لأن يكون همّ المجتهد المدوّن للقواعد الأصولية ذلك.

مع أن المجتهد إنما يذهب إلى البراءة نظرا إلى أنه غير عامل للحرام الفعلي، و غير فاعل لما يستحق عليه الذم و العقاب، لا و لو كان فاعلا للحرام الفعلي، و ما هو موجب للذم و العقاب.

و التحقيق في أصل الملازمة- إثباتا و نفيا- أن استحقاق العقاب على المعصية، إما لعلاقة لزومية بينهما، أو بمجرد جعل العقلاء، أو جعل الشارع، مع عدم علاقة لزومية بينهما:

فإن قلنا بالأول، و أن العقاب من لوازم الأعمال، و توابع الملكات الرذيلة الحاصلة من القبائح المتكررة، فالعمل مادة مستعدة لأن يتصور بصورة العذاب في النشأة الآخرة.

و معنى الاستحقاق قبول المادة الدنيوية لافاضة الصورة الأخروية عليها.

و المانع حينئذ ما يكون عدمه شرطا لأن يتصور تلك المادة بتلك الصورة.

و الشرط إما مصحح فاعلية الفاعل، أو متمم قابلية القابل. و المبدأ

27

المفيض للصور على المواد القابلة تام الفاعلية، لا نقص في فاعليته، حتى يخرج من القوة إلى الفعل بما يصحح فاعليته فلا محالة يكون الشرط بمعنى متمم قابلية القابل.

فالمانع إذا كان مقارنا لذات المادة، فلا توجد المادة قابلة مستعدة لافاضة الصورة عليها كعدم البيان المقارن للعمل.

و إذا كان لاحقا لها فهو مسقط لها عن القابلية و الاستعداد لإفاضة الصورة عليها، كالتوبة و الحسنة المكفرة للسيئة، و لا نعني بالاستحقاق و عدمه إلا استعداد المادة لافاضة صورة العذاب عليها و عدمه.

و عليه فعدم الفعلية ملازم لعدم الاستحقاق، و تمامية القبول و الاستعداد إما حدوثا كما فيما نحن فيه، و إما بقاء كما في الموانع المتأخرة عن العمل.

و ان قلنا بالثاني فان كان استحقاق العقاب بحكم العقلاء، فمعناه- على ما مر (1) في بيان الأحكام العقلية المبنية على التحسين و التقبيح العقلائيين- كون الفعل بحيث يصح ذم فاعله عليه، و ذم الشارع عقابه، و معنى استحقاق الثواب كونه بحيث يحسن مدح فاعله عليه، و مدح الشارع ثوابه، فمع وجود المانع عن الذم و العقاب لا يصح الذم، فليس كون الفعل فعلا بحيث يحسن ذم فاعله عليه إما حدوثا، كما فيما نحن فيه و إما بقاء، كما في الموانع المتأخرة عن الفعل.

فإن قلت: إذا كان عدم البيان مانعا عن فعلية الذم كان مساوقا لعدم الاستحقاق، و عدم صحة الذم و العقوبة.

و أما إن كان عدم فعلية الذم منة منه تعالى على الفاعل، فلا ينافي صحة الذم، و إنما لا يذمه فضلا منه تعالى، و امتنانا على العبد.

____________

(1) راجع تعليقته ذيل قول المصنف قده لقاعدة الملازمة، حيث قال فيها: و أما إمكان الحكم المولوي ... الخ نهاية الدراية 3: التعليقة 145.

28

قلت: الارادة الجزافية التي يقول بها الأشاعرة مستحيلة عندنا، لرجوعها إلى جواز الترجح بلا مرجح، و هو مساوق لوجود المعلول بلا علة، فلا محالة تكون الارادة منبعثة عن خصوصية موجبة للامتنان على العبد، و لو كانت تلك الخصوصية موجبة للجواد الكريم و الرءوف الرحيم دون غيره فلا يحسن الذم منه، و إن حسن من غيره.

و العبرة- في باب استحقاق الذم و العقاب- باستحقاقهما من الشارع، فان التمسك بالاستحقاق عند العقلاء لأجل أن الشارع رئيس العقلاء و واهب العقل، و إلا فالاعتبار بحسن الذم و العقاب منه تعالى.

و لا منافاة بين حسن الذم منه بما هو عاقل، و عدم حسن الذم منه تعالى بما هو جواد كريم، فافهم و تدبر. هذا كله إن كان الاستحقاق بحكم العقلاء.

و إن كان بجعل الشارع، فمعناه الوعد على الفعل بالثواب، و التوعيد عليه بالعقاب، و فعليتهما عبارة عن إيفائه بوعده، و تصديقه لتوعيده، و إذا وجد هناك مانع عن تصديقه لوعيده من توبة، أو حسنة مكفرة للسيئة، فلا محالة يمنع من بقاء توعيده، و يكون محددا لا يعاده بالعقاب بما إذا لم يحصل منه توبة مطهرة أو حسنة مكفرة.

و كذا الأمر في المانع البدوي عن تصديقه لوعيده، فانه مخصص لتوعيده بما إذا قام عليه البيان، و بلّغه الرسول مثلا، فليس الفعل هنا موعدا عليه بالعقاب حدوثا، و في غيره بقاء. فتدبر جيدا.

ثم إنه ربما يورد (1) على أصل الاستدلال بالآية، بأن سياقها يقتضي إرادة العذاب الدنيوي دون الأخروي، و نفي أحدهما قبل اتمام الحجة لا يلازم نفي الآخر.

____________

(1) لم نجد المورد فيما بايدينا من الكتب.

29

و فيه: إن أريد أصل العذاب الدنيوي، فالعذاب الأخروي منفي بالأولوية، فانه أعظم و أدوم، و توقف الأخف على إتمام الحجة يقتضي توقف الأشد بالأولوية.

و ان اريد المعاجلة بالعقوبات الدنيوية، فلا مجرى لها في العقوبة الأخروية، حيث لا يتصور فيها المعاجلة، لكونها في حد ذاتها مؤجلة.

إلا أن الآية بناء على تسليم إرادة العذاب الدنيوي ناظرة إلى أصله، لا إلى المعاجلة به، فتدبر.

كما أنه ربما يورد (1) على الاستدلال بها بأن ظاهرها عدم وقوع التعذيب منه سابقا قبل البعث، فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السالفة.

و فيه: أن مساقها ظاهر في أنه سنة اللّه تعالى في عباده.

و هذه الأمة المرحومة أولى بالعناية و الرعاية.

و من حيث العقوبة الدنيوية قد عرفت ما فيها من الأولوية.

و أما ما عن شيخنا العلامة (قدّس سرّه) في الجواب من أن الأفعال المنسوبة إليه تعالى منسلخة غالبا عن الزمان‏ (2).

فقد حققنا في مبحث المشتق من أن الفعل الزماني لا يكون إلا لفاعل زماني، و مع ذلك فالافعال المنسوبة إليه تعالى كالأفعال المنسوبة إلى غيره من حيث الدلالة على الزمان، إما بمعيّته القيوميّة مع الزمان، فمع السابق سابق، و مع اللاحق لا حق، و إما بلحاظ سبقه بملاك السبق الزماني، و هو عدم مجامعة المتأخر مع المتقدم في الوجود، و إما بوجه آخر، فراجع مبحث المشتق‏ (3)، و تدبر.

____________

(1) المورد هو الشيخ الأعظم قده فرائد الاصول المحشى 2/ 8.

(2) التعليقة على فرائد الأصول/ 114.

(3) نهاية الدراية 1: التعليقة 106.

30

[الاستدلال بحديث الرفع على البراءة في الشبهات الحكمية]

7- قوله (قدّس سرّه): فالالزام المجهول مما لا يعلمون ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى عليك أن المناسب للرفع عن الأمة تعلقه بأمر ثقيل عليهم، فالموصول إذا كان كناية عن الموضوع- أعني الفعل أو الترك- فاتصافه بكونه ثقيلا، إما بلحاظ ترتب المؤاخذة عليه، و إما بلحاظ كون المكلف مقهورا عليه فعلا، أو تركا.

فان كان بلحاظ المؤاخذة، فالموصوف به في الحقيقة نفس مخالفة التكليف الايجابي أو التحريمي، دون الايجاب و التحريم، و دخلهما في ترتب المؤاخذة على المخالفة على حد دخل الشرط في تحقق عنوان محكوم عليه باستحقاق العقوبة.

و شرط اتصاف الشي‏ء بكونه ثقيلا لا يوصف بكونه ثقيلا حتى يناسبه تعلق الرفع به؛ لما حقق في محله أن السبب لا يوصف بمسببه، فضلا عن الشرط بمشروطه، لأن القيام به يصحح صدق الوصف المأخوذ من المبدأ الذي له القيام، لا القيام عنه، فسبب بياض الجسم مثلا لا يوصف بالبياض، بل الأبيض عنوان ما يقوم به البياض، لا ما يصدر عنه البياض، فضلا عما هو شرط لتحققه.

و إن كان بلحاظ المقهورية في الفعل و الترك.

فتارة: يراد من المقهورية كون المكلف بسبب التكليف اللزومي بالفعل مسلوب القدرة عن الترك من قبل المولى، بعد أن كانت قدرته بالاضافة إلى الفعل و الترك متساوية، فكونه مكلفا بالفعل- الموجب لتخصص قدرته بالفعل؛ لأنه جعل للداعي نحو الفعل، فيجب إعمال قدرته في تحصيل الفعل- غير كونه‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 339.

31

مسلوب القدرة عن الترك، بل ملازم له.

فالفعل هو الواجب و مورد التكليف، و الترك هو مورد انسلاب القدرة عنه، فيكون مقهورا في الفعل، لانسلاب قدرته من ناحية التكليف عن الترك، و قد مر أن السبب لا يوصف بمسببه، فلا يوصف التكليف بانه ثقيل، بل سبب لثقل الفعل بتلك الملاحظة.

و أخرى: يراد من المقهورية نفس كون الفعل مما لا بد منه شرعا، فاللابدية عين التكليف اللزومي بالفعل مثلا، فاللابدية نفس ثقل الفعل لا أنها موصوفة بكونها ثقيلة، و الظاهر من (ما لا يعلمون) حينئذ أنهم لا يعلمون الثقيل لا أنهم لا يعلمون ثقله.

و بالجملة: المحمول على المكلف هو الثقيل عليه، و الفعل هو المحمول، و التكليف تحميله عليه، فالفعل هو الثقيل، و التكليف تثقيله، و جعله ثقيلا، فالايجاب تثقيل، و الوجوب ثقل، و الفعل ثقيل، فما يتعلق به الرفع إذا كان هو الثقيل، فالفعل هو المرفوع.

بل يمكن أن يقال: إن ايجاب الفعل هو حمله على المكلف، و وضعه على عاتقه، و الرفع بديل الوضع، فيرد على ما يرد عليه الوضع، لا أنه يرد على الوضع.

و التحقيق: أن الرفع عن المكلف و إن كان يستدعي الثقل في المرفوع، إلا أن غاية ما يقتضيه تعلقه بما له مساس بالثقل، سواء كان ثقيلا، أو ثقلا، أو موجبا للثقل، فلا حاجة إلى اتصاف التكليف بكونه ثقيلا، و يشهد له قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) (1) فانه إما قلم التكليف، أو قلم‏

____________

(1) لعله قده نقل الرواية بالمعنى و إلّا فليس في كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) العبارة المزبورة و إنما الذي ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيته لعلي (عليه السلام) قال: يا علي لا رضاع بعد فطام و لا-

32

المؤاخذة، فهو موجب للثقل بواسطة أو أكثر.

مع أن الفعل بلحاظ ترتب المؤاخذة عليه أيضا لا قيام للمؤاخذة به ذلك النحو من القيام المصحح لصدق وصف الثقيل، بل المؤاخذة هي الثقيلة على المكلف.

نعم العقاب بمعنى ظهور العمل بصورة العذاب في الآخرة يوجب كون العمل ثقيلا، بنفسه معنى كما لا يخفى.

مضافا إلى كثرة اتصاف الشي‏ء بكونه ثقيلا بسبب الاشتمال و التضمن لما هو ثقيل، كما في قوله تعالى: وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (1) لوقوع الأهوال الثقال فيه.

و قوله تعالى: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (2) بناء على إرادة القرآن المتضمن للتكاليف، أو إرادة التكليف بقيام الليل، كما تشهد له الآية المتصلة به.

و أما بناء على إرادة الوحي المغيّر لحاله (صلّى اللّه عليه و آله) فهو الثقيل بالحقيقة.

و الغرض أن الاتصاف بالثقيل بتلك الملاحظة ليس فيه كثير عناية حتى بكون توصيفه من باب التوصيف بحال المتعلق بالنظر العرفي، و إن كان كذلك بالنظر الدقيق العقلي.

و أما حديث تبادل الرفع و الوضع، و تعلقهما بالفعل، فتوضيح الحال فيه أن كون شي‏ء على شي‏ء، و إن كان من أعراض ذلك الشي‏ء، و حيثية الاستعلاء

____________

- يتم بعد احتلام. الفقيه 4: 260.

نعم عن علي (عليه السلام) أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم.

الحديث، الخصال 94.

(1) الانسان: 27.

(2) المزمل: 5.

33

مقومة لذلك الكون العارض، و منوعة له، فيكون نوعا من مقولة الأين، له نسبه خاصة إلى المكان، و ليس لهذا النوع من العرض كون استعلائي على ذلك المستعلى عليه، بل هو عين الكون الاستعلائي للغير، فثبوت الفعل على المكلف الذي هو عين وجوبه عليه و ان كان حينئذ متقوما اعتبارا بما ينوعه و يجعله نوعا خاصا من العرض الاعتباري، لكنه ليس له كون استعلائي بالاعتبار، بل هو عين الكون الاستعلائي للفعل بالاعتبار.

إلا أن الفعل الذي يتعلق به التكليف حيث إنه في مرتبة تعلق التكليف مقوّم للتكليف و ثابت بنحو ثبوته. فالفعل في مرتبة الارادة، و هي الشوق الأكيد النفساني مقوم للارادة، حيث إن الشوق المطلق لا يوجد، و يستحيل أن يكون موجود فعلي مقوما لفعلي آخر و مشخصا له، لاستحالة اتحاد الفعليين.

فلا محالة يكون ثبوت الفعل في مرتبة الشوق بثبوت شوقي، و في مرتبة البعث الاعتباري كذلك ثابتا بنحو ثبوت البعث.

فالثابت بالحقيقة هو الشوق، أو البعث، فهو المجعول و الموضوع على المكلف، و الفعل مجعول بجعله، و موضوع بوضعه، فهو مرفوع برفعه.

و لذا لا ريب في صحة نسبة الوضع إلى نفس التكليف، كما فيما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى من حيث الحجب، فان المحجب علمه الموضوع عن المكلف ليس إلّا التكليف، فهو الموضوع عليه إذا كان غير محجوب، فتدبره، فانه حقيق به.

و مما ذكرنا تبين أنه لا مانع من تعلق الرفع بنفس الحكم، لا من حيث تعلقه بالأمر الثقيل، و لا من حيث كونه بديلا للوضع، بل قد عرفت أنه لا بد أن يتعلق في الحقيقة، و بلا عناية بنفس الحكم، و سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى بقية

34

الكلام‏ (1).

8- قوله (قدّس سرّه): فهو مرفوع فعلا و ان كان ثابتا واقعا

(2)

... الخ.

هذا بناء على ما سلكه (قدّس سرّه) في تعليقته المباركة (3) من مراتب الحكم، و أن الحكم الواقعي حكم إنشائي، لا فعلي.

و أما على ما سلكه (قدّس سرّه) في مبحث جعل الطريق‏ (4) من كون الحكم الواقعي فعليا من وجه، فلا حاجة إلى رفع الحكم الفعلي؛ فان رفعه إما بلحاظ أثره و هي المؤاخذة، أو بلحاظ المضادة بين الحكم الواقعي و الظاهري.

مع أن المؤاخذة أثر التكليف المنجز عقلا، لا أثر التكليف الفعلي، و لو لم ينجز حتى بايجاب الاحتياط.

كما أن الحكم الفعلي من وجه لا ينافي الفعلي من جميع الوجوه عنده (رحمه اللّه)، فلا موجب لرفع الحكم الفعلي.

و أما حمله على إرادة رفع الفعلية المطلقة، و ثبوت مطلق الفعلية.

فهو مناف لظاهر العبارة، فان ظاهرها المقابلة بين الفعلية و الثبوت الواقعي فتدبر.

و التحقيق- على ما مر (5) مرارا- أن الانشاء بلا داع محال، و الانشاء بداع من الدواعي ليست فعليته، إلا فعلية ذلك الداعي.

ففعلية الانشاء بداع الارشاد إرشاد فعلي، و بداع البعث بعث فعلي،

____________

(1) التعليقة 12.

(2) كفاية الاصول/ 339.

(3) التعليقة على فرائد الأصول/ 5- 34.

(4) كفاية الاصول/ 278.

(5) منها ما تقدم في مبحث حجية القطع التعليقة 29، و منها في مبحث حجية الظن التعليقة 66 نهاية الدراية 3.

35

و يستحيل أن يكون الانشاء بداع في صراط الفعلية بداع آخر، و قياسه معه.

فلا محالة ليس الانشاء الواقعي المترقب منه فعلية البعث و الزجر، إلا الانشاء بداعي جعل الداعي فعلا أو تركا.

و قد مرّ- منّا (1) مرارا- أن فعلية كل داع متقومة بالوصول، فالانشاء بداع الارشاد قبل وصوله لا يكون إرشادا فعلا إلى ما هو خير العبد و رشده، و الانشاء بداع البعث و التحريك قبل وصوله ليس قابلا فعلا للتحريك. و انقداح الداعي على أي تقدير في نفس المكلف.

و عليه، فعدم فعليّته البعثيّة بعدم الوصول عقلي لا جعلي.

كما أن ما هو أمره بيد المولى- و هو تمام ما هو الفعلي من قبله- هو نفس الانشاء بداع البعث، و بوصوله يكون مصداقا للبعث الحقيقي، فكأن ما هو بعث بالقوة يخرج من حد القوة إلى الفعل.

و ليكن المراد من الفعلي من وجه نفس ما هو فعلي من قبل المولى.

و الفعلي بقول مطلق ما هو بحيث يكون مصداقا للبعث فعلا.

ثم إن الوصول التعبدي:

تارة: بجعل الحكم المماثل على طبقه بعنوان تصديق العادل بلسان أنه الواقع، فثبوت الحكم المماثل ثبوت الواقع تنزيلا، و وصوله وصول الواقع عرضا، و تنجزه تنجز الواقع اعتبارا، و إلّا فالواقع على ما هو عليه لم يخرج من حد إلى حد حقيقة.

و أخرى: بايصال الواقع بأثره، بجعل الخبر مثلا منجزا له، إذ ليس أثر الواقع الواصل إلا فعليته المساوقة لتنجزه، فجعل الخبر منجزا له شرعا يخرج‏

____________

(1) منها في التعليقة 66 من مبحث حجية الظن، و منها في مبحث حجية القطع التعليقة 41 نهاية الدراية 3.

36

الانشاء الواقعي من حد القوة إلى حد الفعلية عند مصادفة الخبر للواقع.

و كذا الأمر فيما نحن فيه، فانه كما سيأتي منه (قدّس سرّه) يكون إيجاب الاحتياط بداعي تنجيز الواقع، فانه إيصال للواقع المحتمل بأثره، فيرجع الى جعل احتماله منجزا له على تقدير ثبوته، فيصير فعليا منجزا على تقدير المصادفة، كما في الامارة المعتبرة بهذا الوجه.

و قد عرفت أن عدم فعلية الواقع بعدم ايصاله بجميع أنحائه، و عدم الفعلية بعدم جعل الحكم المماثل، أو بعدم جعل الخبر، أو الاحتمال منجزا ليس مجعولا حتى يكون معنى رفع الفعلية رفعها بعدم جعل الاحتياط.

بل العدم المجعول المعدود من الأحكام المجعولة ما كان كالوجود مجعولا، فعدم الوجوب بعدم المقتضي ليس مجعولا شرعيا، بل قوله: لا يجب إنشاء جعل للعدم تسبيبا.

فاذا كان قوله (عليه السلام) رفع على حد قوله (عليه السلام) (كل شي‏ء لك حلال) جعلا لعدم التكليف كالجعل للاباحة. فلا محالة يكون إيصالا لعدم التكليف في موارد الجهل بعبارة جامعة لها، فيكون مفاده فعلية عدم التكليف ظاهرا، لا عدم فعلية التكليف، لما عرفت أن عدم فعلية التكليف بعدم الوصول عقلي لا جعلي.

نعم لازم إيصال عدم التكليف فعلا عدم فعلية التكليف، لاستحالة ثبوت المتنافين من حيث الفعلية.

و حينئذ ففائدة إيصال عدم التكليف و جعل عدمه فعليا بايصاله دلالته على عدم وجوب الاحتياط، المبلغ للحكم الواقعي إلى مرتبة الفعلية و التنجز.

بل حيث إن لسانه عدم التكليف، فهو وارد على دليل الاحتياط، فانه في مورد ثبوت الواقع احتمالا، و هذا ناف لموضوعه، لأنّ لسانه فعلية العدم، لا مجرد عدم فعلية التكليف.

37

و منه تبين أن مثل إيصال عدم التكليف بقوله (رفع) الذي مفاده أنه لا يجب و لا يحرم جعلا و انشاء رافع لموضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فان موضوعه عدم وصول التكليف.

و كما أنه مع وصوله لا موضوع للقاعدة، كذلك مع وصول عدمه، فان عدم الوصول حينئذ بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

و نكتة إيصال العدم- مع كفاية عدم الوصول في رفع الفعلية، و أثرها (1)- التنبيه على عدم وجوب الاحتياط، بحيث يكون دليلا على عدمه بعدم موضوعه، لا مجرد كشف عدم الفعلية عن عدم وجوب الاحتياط.

و من جميع ما ذكرنا تبين أن حديث الرفع إذا كان متكفلا لأمر مجعول تشريعي، فهو عدم التكليف، بحيث يكون العدم فعليا جعليا، لا عدم فعلية التكليف الواقعي، فان مثله غير مجعول، و ان عدم فعلية التكليف مستند إلى عدم وجوب الاحتياط، فيكشف عنه كشف المعلول عن العلة، بخلاف فعلية عدم التكليف، فانه يستند إليه عدم وجوب الاحتياط، فيكشف عنه كشف العلة عن المعلول، فتدبره، فانه حقيق به.

ثم إن مفاد حديث الرفع- سواء كان رفع فعلية التكليف بدوا، أو جعل عدم التكليف فعلا- فهو بحسب لسانه رفع، و في اللبّ دفع، فانه بحسب لسانه حيث إنه رفع الإلزام المجهول المفروض ثبوته، فهو رافع له، و قاطع لاستمراره، و بحسب اللبّ حيث إن إعدام الحكم الواقعي المجهول غير معقول، فهو دافع لفعليته مع وجود المقتضي لجعله فعليا بايصاله بجعل الاحتياط.

و لا يخفى عليك أن مانعية شي‏ء عن تأثير شي‏ء، و إن لم تكن متقومة بسبق وجود أثر ذلك الشي‏ء، و لا بعدمه.

____________

(1) و الصحيح و أثره فان مرجع الضمير إيصال العدم.

38

إلا ان صدق عنوان الرافع و الدافع منوط بوجود الاثر في الأول و عدمه في الثاني.

كما في عنوان الحدوث و البقاء، فان وجود شي‏ء في زمان غير منوط بوجوده في السابق، و لا بعدمه فيه، إلا أن عنوان الحدوث و البقاء منوط بسبق العدم في الاول و سبق الوجود في الثاني.

فتوهم عدم الفرق بين الرافع و الدافع، و صحة استعمال كل منهما مكان الآخر، لعدم تفاوت المانعية فاسد لما عرفت.

و لعل نسبة الرفع دون الدفع بلحاظ تعلقه في مرحلة الاسناد الكلامي بما هو مفروض الثبوت. و اللازم في باب مراعاة إسناد مفهوم إلى ما يناسبه ملاحظة مقام الاسناد الكلامي، فان طرف الاسناد في ظرف اسناد المفهوم مناسب له قطعا.

و يمكن أن يقال: إن الظاهر من الخبر ثبوت هذه الأحكام في الشريعة الالهية سابقا، فنسبة الرفع و هو العدم بعد الوجود بلحاظ أصل ثبوته حقيقة في الشريعة الالهية، فرفع عن هذه الأمّة لا بملاحظة وجود المقتضي لفعليته في هذه الأمّة حتى يكون متمحضا في الدفع، و اللّه العالم.

9- قوله (قدّس سرّه): لا يقال ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية

(1)

... الخ.

الاشكال في المؤاخذة من وجهين:

أحدهما: ما تعرض (قدّس سرّه) له صريحا، و هو أن المؤاخذة ليست من الآثار الشرعية، بل استحقاقها عقلي، لا جعلي شرعي.

____________

(1) كفاية الاصول/ 339.

39

و نفس المؤاخذة و إن كانت جعلية لكنها تكوينية لا تشريعية، فلا معنى للتعبد بها نفيا و اثباتا، لا بلا واسطة، كمن يقول بتعلق الرفع بالمؤاخذة، و لا مع الواسطة، كمن يقول بالتعبد برفعها برفع الحكم الفعلي، و لو برفع ايجاب الاحتياط.

ثانيهما: أن المؤاخذة من آثار التكليف الفعلي المنجز، و لا عقاب عقلا على ما لم يتنجز، فليس للواقع المجهول هذا الأثر كي يرفع برفعه.

و يندفع الأول بما أفاده (قدّس سرّه) في المتن و في الهامش، و جامعهما أن رفع المؤاخذة ليس بعنوان التعبد برفعها حتى لا يعقل التعبد بها نفيا أو اثباتا، بل بعنوان تحقيق موضوعها، فان الاستحقاق مترتب على التكليف الفعلي الواقعي أو الظاهري، فعدمه مترتب على عدمهما، سواء كان بعدم التكليف ظاهرا، كما هو مفاد جواب الهامش، أو بعدم فعلية التكليف بجعل الاحتياط، كما هو مفاد جواب المتن.

و بالجملة مخالفة التكليف الواصل- واقعيا كان أو ظاهريا- موضوع استحقاق العقاب.

و عدم الاستحقاق تارة، بعدم مخالفة التكليف الواصل و أخرى- بعدم التكليف، و ثالثة- بعدم وصوله.

فعدم التكليف ظاهرا محقق لموضوع عدم الاستحقاق حقيقة.

كما أن عدم فعلية التكليف بعدم جعل الاحتياط المبلغ له إلى مرتبة الفعلية المطلقة أيضا محقق لموضوع عدم الاستحقاق.

فلا تعبد حقيقة إلا بعدم التكليف، أو بعدم فعليته بعدم ايجاب الاحتياط،

و يندفع الاشكال الثاني بما يظهر من جوابه (قدّس سرّه) في المتن، من أن رفع المؤاخذة ليس برفع التكليف المجهول بما هو- حتى يقال: إنها ليست من آثار الواقع، بل من آثار التكليف المنجز- و إنما هي من آثار الواقع بالواسطة

40

فان التكليف الواقعي يقتضي جعله فعليا بايجاب الاحتياط المصحح للمؤاخذة فهي أثر الأثر.

فالتعبد برفع الواقع تعبد بأثره و مقتضاه، و هو عدم ايجاب الاحتياط، و هو موضوع الاستحقاق هذا.

لكنك قد عرفت‏ (1) في مباحث القطع و الظن، أن استحقاق العقاب بحكم العقل موضوعه مخالفة التكليف الواصل المنطبق عليها الظلم، لكونها خروجا عن زيّ الرقية و رسم العبودية.

و ليست نفس المخالفة مقتضية للاستحقاق و وصول التكليف شرطا، إذ الحكم بالاستحقاق بالاضافة إلى مخالفة التكليف الواصل المنطبق عليها الظلم حكم بالاضافة إلى موضوعه.

و قد مرّ (2) مرارا أن الحكم لا يترشح من مقام ذات موضوعه، بل سببه الفاعلي هو الحاكم.

و معنى كون الحكم باقتضاء موضوعه، أن الفائدة المترقبة من موضوعه غاية داعية للحاكم، لا بمعنى المقتضي الذي يترشح منه مقتضاه حتى يعقل اشتراط تأثيره بشي‏ء.

و من الواضح أن الغاية الداعية للعقلاء الى البناء على مدح فاعل بعض الأفعال و ذم فاعل بعضها الآخر، كون العدل مثلا بعنوانه مما ينحفظ به النظام، و كون الظلم بعنوانه مما يختل به النظام، و انحفاظ النظام هي الفائدة المترقبة من العدل، و اختلال النظام هي المفسدة المترتبة على الظلم.

____________

(1) مبحث حجية القطع: التعليقة 10 و مبحث حجية الظن: التعليقة 119. نهاية الدراية 3.

(2) منها في مبحث حجية القطع: التعليقة 41 و 45. و مبحث الانسداد التعليقة 145. نهاية الدراية 3.

41

ثم إن وصول التكليف الواقعي- الذي يوجب كون مخالفته هتكا لحرمة المولى و ظلما عليه- ليس بمجرد الانشاء بداعي تنجيز الواقع، فان هذا الانشاء الطريقي كنفس التكليف الحقيقي ليس وجوده الواقعي موجبا للفعلية و التنجز، إذ لو كفى وجوده الواقعي لكفى نفس التكليف الواقعي في فعلية نفسه و تنجزه، بل لا بد من وصوله حتى يكون وصولا للواقع بأثره.

فايجاب الاحتياط واقعا لا ينجز الواقع، بل الايجاب الواصل.

إذا عرفت هذه المقدمة تعرف أن كون التكليف الواقعي مقتضيا لايجاب الاحتياط، و ايجاب الاحتياط مقتضيا لاستحقاق المؤاخذة غير صحيح.

إذ موضوع استحقاق العقاب مخالفة التكليف الواصل بايجاب الاحتياط الواصل.

و مع عدم وصول ايجاب الاحتياط، أو عدم ايجابه، و إن لم يتحقق موضوع الاستحقاق، إلّا أن استحقاق المؤاخذة لا مرفوع و لا مدفوع:

أما الأول فواضح؛ إذ لم يثبت الاستحقاق حتى يكون عدمه بعد ثبوته رفعا له.

و أما الثاني، فلأنّه لم يثبت مقتضي الاستحقاق حتى يكون عدمه مع مقتضي الثبوت دفعا له.

لما عرفت من أن مقتضي الاستحقاق بالمعنى المعروف من المقتضي لا يعقل، و بمعنى الغاية الداعية لا يثبت إلا مع وصول التكليف، و لو بوصول ما ينجزه.

فمع عدمهما و إن لم يكن استحقاق، لكنه غير مدفوع أيضا.

إذ ليس كل عدم دفعا، كما لا يكون كل عدم رفعا.

نعم هذا الاشكال شديد الورود على من يرفع المؤاخذة بدوا، فانه لا رفع و لا دفع.

42

و أما من يرفع التكليف فهو في سعة من هذا الاشكال، إذ لا يجب عليه رفع المؤاخذة أو دفعها، بل يكفيه عدمها المرتب على عدم مقتضيها بعدم التكليف الفعلي، و لو بعدم ايجاب الاحتياط الواصل من دون حاجة إلى عنوان رفع المؤاخذة أو دفعها.

اللهم إلا أن يكتفي في نسبة الدفع إلى ثبوت مقتضي المقتضي، فان ثبوت التكليف الواقعي أو الغرض الباعث إليه مقتض لإيصاله بايجاب الاحتياط الواصل. فتدبر جيدا.

10- قوله (قدّس سرّه): لا يقال: لا يكاد يكون ايجابه مستتبعا

(1)

... الخ.

توضيحه أن ايجاب الاحتياط، إما مقدمي، و إما إرشادي، و إما نفسي.

و الكل غير صحيح:

أما الأول، فلان الوجوب المقدمي وجوب معلولي لوجوب ذي المقدمة فيتبعه ثبوتا، و فعلية، و تنجزا، فكيف يعقل أن يكون تنجز وجوب ذي المقدمة من قبله؟.

مع أن الاحتياط عنوان ما تعلق به التكليف المجهول، و لا اثنينية بينهما وجودا، ليكون مقدمة وجودية له حتى تجب بوجوبه.

و أما الثاني، فلأن الارشاد الى ترتب العقاب على الواقع فرع تنجز الواقع، و المفروض أنه لا منجز له إلا الأمر الارشادي بالاحتياط.

و أما الارشاد إلى غير العقاب، فلا يجدي في ما هو المهم في هذا الباب، و هو واضح.

و أما الثالث، فلان مقتضى النفسية تنجز نفسه بوصوله دون الواقع، و هو

____________

(1) كفاية الاصول/ 339.

43

خلف.

مع أن الاحتياط في محتمل الوجوب مثلا بفعل الواجب. و لا يعقل عروض وجوبين نفسيين على واحد خصوصا إذا كان متعلق أحدهما معنون متعلق الآخر.

مضافا إلى ما يقال: من أن ايجاب الاحتياط لا يوجب تنجز الواقع لبقاء الجهل على حاله، فملاك عدم تنجز الخطاب الواقعي و هو الجهل به، حيث إنه لم يرتفع، فكيف يتنجز؟

و أجاب عنه شيخنا العلامة (1) (رفع اللّه مقامه) بأن ايجاب الاحتياط سنخ آخر من الايجاب، و هو الانشاء بداعي تنجيز الواقع، و ملاك عدم التنجز ليس الجهل بما هو، بل عدم قيام الحجة، و مع الانشاء بداعي تنجيز الواقع يصح له الاحتجاج به على العبد، و لا يكون معذورا من قبل مولاه مع أنه جعله غير معذور عن قبل ما أقام عليه الحجة من قبله.

و لكنك قد عرفت‏ (2) في مبحث جعل الطريق أن الانشاء بهذا الداعي لا يخلو عن إشكال هو أن الانشاء بأي داع كان هو مصداق ذلك الداعي بالاضافة إلى ما يرد عليه مفاد الهيئة.

فالانشاء بداعي البعث الى الصلاة مصداق حقيقة للبعث نحو الصلاة، و بداعي الامتحان مصداق للامتحان بالمادة التي تعلقت به الهيئة. و هكذا.

و من الواضح أن القابل للتنجز هو التكليف، و للتنجيز هو الخبر، او أمارة اخرى أو اليقين السابق في الاستصحاب، أو احتمال التكليف في باب الاحتياط، و ما تعلق به مفاد الهيئة الموصوف بأنه تنجيز نفس مادة الاحتياط.

____________

(1) في تعليقته على فرائد الأصول/ 117.

(2) نهاية الدراية 3/ 58.

44

فما هو قابل لتعلق البعث الانشائي به غير قابل للتنجز و لا للتنجيز، و ما هو قابل للمنجزية و المتنجزية و هو الاحتمال و التكليف غير قابل لتعلق البعث الانشائي به.

فالايجاب بداعي تنجيز التكليف الواقعي في جميع الموارد غير معقول، لا أن تنجز الواقع بالخبر و نحوه غير معقول و قد تقدم بعض الكلام في مبحث جعل الطريق.

و يمكن أن يقال: إن ايجاب تصديق العادل أو ايجاب الاحتياط، ايجاب حقيقي بداعي جعل الداعي، و منبعث عن المصلحة الواقعية على حد التكليف الواقعي.

لكن التكليف الواقعي متعلق بالفعل بذاته، و ايجاب التصديق و ايجاب الاحتياط متعلق به بعنوانه، ايصالا للواقع في الأوّل، و تحفظا عليه في الثاني.

و ايجاب الشي‏ء بمعرّف أو معرفات إذا كان منبعثا عن غرض واحد بداعي جعل الداعي لا يوجب تعدد الايجاب الحقيقي.

لما عرفت‏ (1) في محله أن التماثل و التضاد بين الحكمين الفعليين، لا بين الفعلي و الانشائي بداعي جعل الداعي الذي لم يتصف بفعلية الدعوة لعدم وصوله.

فايجاب الاحتياط ايجاب حقيقي نفسي بعنوان آخر غير نفس عنوان الفعل.

و حيث إنه منبعث عن الغرض الواقعي، فلذا يكون مقصورا على صورة الموافقة مع الواقع، فلا يستحق إلا عقوبة واحدة.

و حيث إنه بعنوان التحفظ على الواقع، فوصوله وصول الواقع و تنجزه‏

____________

(1) مبحث حجية الظن التعليقة 55 و 56 نهاية الدراية 3.

45

تنجز الواقع.

و جميع تعاريف الواجب النفسي منطبقة عليه، فانه منبعث عن غرض في نفسه أي ما هو بالحمل الشائع احتياط، لفرض كونه معرفا لنفس الواجب الواقعي. و هو واجب لا لواجب آخر، حيث إن وجوبه غير منبعث عن وجوب آخر، كالواجب المقدمي. فافهم جيدا.

11- قوله (قدّس سرّه): بما هو قضيته من ايجاب الاحتياط فرفعه‏

(1)

... الخ.

ظاهره هنا كصريحه (رحمه اللّه) في العبارة السابقة أن وجوب الاحتياط من مقتضيات التكليف الواقعي و آثاره، فلذا حكم (قدّس سرّه) بأن التعبد برفع التكليف الواقعي تعبد برفع أثره و مقتضاه، و هو ايجاب الاحتياط.

و لكن لا يخفى عليك أن ايجاب الاحتياط ليس من مقتضيات التكليف بوجه من الوجوه:

لا المقتضى بمعنى المسبب بالاضافة إلى سببه.

لما (2) مرّ مرارا أن المقتضي لكل حكم بمعنى سببه الفاعلي هو الحاكم.

و لا المقتضى بمعنى ذي الغاية بالاضافة إلى الغاية الداعية اليه، لان التكليف الواقعي ليس من الفوائد القائمة بوجوب الاحتياط، حتى يكون اقتضائه له بهذا النحو من الاقتضاء.

و لا المقتضى بمعنى مطلق الأثر الشامل للحكم بالاضافة إلى موضوعه، لأن ايجاب الاحتياط ليس حكما متعلقا بالتكليف الواقعي، بل لا يعقل أن يكون كذلك.

____________

(1) كفاية الأصول/ 340.

(2) مبحث حجية القطع التعليقة 41 و 45 نهاية الدراية 3.

46

و مجرد تأخر رتبة وجوب الاحتياط عن التكليف الواقعي، لكونه حكما في مرتبة الجهل بالتكليف الواقعي، لا يقتضي أن يكون من مقتضياته و معلولاته.

بل المعروف استحالة اقتضاء التكليف شيئا في مرتبة الجهل به ثبوتا و إثباتا، للزوم أخذ الشي‏ء في مرتبة نفسه، و كون الشي‏ء مقتضيا لنفسه.

بل المعقول ما أشرنا اليه في مطاوي كلماتنا من أن الغرض الباعث على التكليف، كما يدعو إلى جعل التكليف، كذلك يدعو الى ايصاله بايجاب الاحتياط الواصل المبلّغ له إلى مرتبة الفعلية و التنجز، حتى يكون المكلف مقهورا في ايجاده، و غير معذور في تركه.

فكلا الايجابين من مقتضيات الموضوع، لا أن أحدهما من مقتضيات الآخر، حتى يكون من باب التعبد بالأثر عند التعبد بما يترتب عليه.

بل هما بحسب الغرض الداعي متلازمان، و لا يصحح التعبد بأحدهما التعبد بالآخر.

نعم لو أريد الموضوع من الموصول لصح أن يكون التعبد به تعبدا بكلا الأثرين، و هذا أحد الوجوه المصححة لارادة الموضوع من الموصول.

12- قوله (قدّس سرّه): فان ما لم يعلم من التكليف مطلقا

(1)

... الخ.

تعميم ما لا يعلمون للشبهة الحكمية و الموضوعية بوجوه:

منها: ما في المتن، و هو إرادة التكليف المجهول مطلقا، سواء كان سبب الجهل به فقد النص، أو إجماله، أو تعارض النصين، أو الامور الخارجية، فالمراد من الموصول خصوص التكليف مع التعميم من حيث أسباب الجهل به.

و يمكن أن يقال: إن الظاهر من التكليف الذي لا يعلمونه، أنه بنفسه غير معلوم، لا أن انطباقه على المورد غير معلوم بسبب الجهل بانطباق موضوعه‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 340.

47

الكلي، فان من لم يعلم بخمرية مائع لا يقال: إنه غير عالم بحرمة الخمر و المائع- بما هو- لا حكم له واقعا ليقال: إن حرمة هذا المائع غير معلومة، بل المائع بما هو خمر حرام، و حرمة الخمر معلومة، و كون المائع خمرا غير معلوم، فالانطباق غير معلوم.

و لا منافاة بين ظهور التكليف الذي لا يعلمونه في كونه بنفسه غير معلوم، و القول بانحلال النهي، لدوران فعليته مدار فعلية موضوعه عقلا.

و التحقيق: أن فعلية التكليف في المورد مساوقة لتحققه بحقيقته التي لها الاطاعة و العصيان، لا أمر زائد على حقيقته، و الحرام ليس إلا شرب ما هو خمر بالحمل الشائع.

فحرمة هذا المائع بما هو خمر غير معلومة، و ليس هذا من باب الوصف بحال المتعلق، فان الجهل بخمريته سبب حقيقة للجهل بحرمته حقيقة بما هو خمر.

منها: إرادة الفعل من الموصول، لكنه بما هو واجب و حرام، لأنه بهذا العنوان ثقيل على المكلف، إما بنفسه، أو بلحاظ ترتب المؤاخذة عليه بما هو فعل حرام، أو ترك واجب، مع التعميم من حيث أسباب الجهل بالواجب و الحرام.

و فيه أنه مناف لظاهر سائر الفقرات، فان الموصول فيها عبارة عن الأفعال بعناوينها، لا بعنوان الواجب و الحرام.

فالمراد مما اكرهوا عليه ذات الفعل الذي اكره عليه، لا الحرام الذي اكره عليه، فان الاكراه على الفعل بما هو شرب الخمر، لا عليه بما هو حرام.

و كذا فيما اضطروا إليه، و هكذا.

و التحقيق: أن المشتقات غير موجودة بالذات، و لذا لا تدخل تحت المقولات، بل الموجود بالذات نفس ذات الموضوع، و مبدأ المحمول.

48

فالمجهول بالذات، إما نفس ذات الموضوع كالجهل بالخمر، و إما مبدأ المحمول كالجهل بالحرمة، و إما الجهل بالفعل المعنون بعنوان الحرام، فليس أمرا ما وراء أحد النحوين من الجهل بالذات.

بل العنوان كما أنه موجود بالعرض كذلك مجهول بالعرض بنحو وساطة أحد النحوين من الجهل لعروضه، لا وساطتهما لثبوته كوساطة الجهل بالموضوع لثبوت الجهل بالحكم.

و من الواضح أن المراد (مما لا يعلمون) الشي‏ء الذي لا يعلمونه حقيقة، لا ما لا يعلمونه عرضا من حيث نسبة الجهل بشي‏ء حقيقة إليه عرضا.

منها: إرادة الفعل بما هو من الموصول، لكنه مع تعميم الجهل به، من حيث الجهل به بنفسه، أو بوصفه و هو حكمه.

و فيه أنه مناف لظاهر الوصف، فان إرادة الجهل به بوصفه من باب الوصف بحال المتعلق، فان الظاهر مما لا يعلمون الشي‏ء الذي لا يعلمونه لا الشي‏ء الذي لا يعلمون حكمه.

فان قلت: عدم العلم التصديقي كنفس العلم التصديقي يتعلق بثبوت شي‏ء لشي‏ء، و لا فرق حينئذ بين ثبوت الخمرية للمائع، أو ثبوت الحرمة لشرب التتن من حيث كون العنوان مجهولا.

غاية الأمر أن عنوان الخمرية للمائع ذاتي، و عنوان الحرمة للشرب عرضي.

فالمجهول دائما عنوان ذات الفعل، و إلا فالفعل بذاته لا جهل به، لعدم تعلق الجهل المقابل للعلم التصديقي- بتقابل العدم و الملكة- بالمفردات.

قلت: إذا كان المراد من الموصول هو الفعل، فلا محالة ليس إلا موضوع الحكم، فانه الذي يكون رفع الحكم برفعه، دون الفعل الذي ليس موضوعا للحكم.

49

فشرب المائع ليس موضوعا للحكم، حتى يقال: إن شرب المائع حيث لم يعلم عنوانه، و هو كونه خمرا، فهو مرفوع.

بل شرب الخمر هو الموضوع، و هو المرفوع إذا كان مجهولا، و حينئذ، فالمراد من الجهل به هو الجهل بتحققه.

فالموضوع تارة: يكون معلوم الوجود، فيترتب عليه حكمه.

و أخرى: مجهول الوجود، فحكمه مرفوع، و لم يلزم حينئذ تعلق الجهل بالمفرد، بل بكونه موجودا.

منها: إرادة الحكم و الموضوع معا من الموصول، بلحاظ عموم الموصول من حيث انطباقه عليهما، فالمراد رفع كل ما كان مجهولا، حكما كان أو موضوعا.

و أورد عليه شيخنا العلامة (رفع اللّه مقامه) في تعليقته‏ (1) بعدم إمكانه.

لأن إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له، و اسناده الى الموضوع إسناد إلى غير ما هو له، و الجامع بين الاسنادين غير معقول.

و الجواب: أن الحاجة إلى الاسناد الجامع بين الاسنادين إنما تثبت إذا كان اتصاف الاسناد الواحد- بكونه إلى ما هو له، و إلى غير ما هو له- من باب اتصاف الواحد بوصفين متقابلين، و هو محال، فلا بد من تعقل إسناد جامع، و هو أيضا محال، لعدم خروج الطرف عن كونه ما هو له، أو غير ما هو له، و إلا فلا إسناد.

مع أن اتصاف الاسناد الواحد بوصفين متقابلين- إذا كانا اعتباريين- معقول، لتعقل اعتبارين في واحد، بلحاظ كل منهما له اعتبار مغاير لاعتبار آخر، نظير ما ذكرنا (2) في باب استعمال اللفظ في معنييه: الحقيقي و المجازي، في‏

____________

(1) التعليقة على فرائد الاصول/ 114 و 115.

(2) نهاية الدراية/ 1. التعليقة 96.

50

دفع شبهة استلزام اجتماع المتقابلين، و لو كان الاستعمال في أكثر من معنى ممكنا.

و حاصل الدفع: أن اللفظ من حيث استعماله فيما وضع له موصوف بالحقيقة، و من حيث استعماله في غير ما وضع له موصوف بالمجازية، فهناك وصفان بلحاظ حيثيتين واقعيتين.

فكذلك هنا نقول: إن الشي‏ء بشيئيته لا مرفوع، و لا غير مرفوع، بل بلحاظ انطباقه على الحكم و الموضوع.

فهذا الاسناد الواحد إلى الشي‏ء من حيث انطباقه على الحكم إسناد إلى ما هو له، و من حيث انطباقه على الموضوع إسناد الى غير ما هو له، فلهذا الإسناد الجدي وصفان اعتباريان بلحاظ حيثيتين حقيقيتين، و هي حيثية الانطباق على الحكم، و حيثية الانطباق على الموضوع.

ثم اعلم أنه لا بد من هذا التصحيح لمن يريد شمول الخبر للشبهة الحكمية لا بلحاظ التفكيك بين السياق، إذا حمل الموصول في (ما لا يعلمون) على الحكم، و في غيره على الموضوع.

بل لأن صدر الخبر نسب فيه الرفع إلى التسعة بقوله (عليه السلام): (رفع عن أمتي تسعة أشياء)، فان هذا الاسناد الواحد الذي طرفه التسعة بالاضافة إلى بعضها إسناد إلى ما هو له، و بالاضافة إلى بعضها الآخر إسناد إلى غير ما هو له، و ليس كالاسناد إلى الموصول المتعدد، ليكون الاسناد الكلامي متعددا حقيقة.

و لكن لا يخفى عليك أن اتصاف الاسناد الواحد بوصفين، و إن كان معقولا، إلا أن مخالفته للظاهر- لعدم تمحضه في الاسناد إلى ما هو له- باقية على حالها، و سيأتي‏ (1) إن شاء اللّه دفعها.

____________

(1) في الوجه الذي يذكره بقوله: و منها ارادة الموضوع الخ.

51

و منها- إرادة الموضوع من الموصول في (ما لا يعلمون) كما في سائر الفقرات، إلّا أن الموضوع ليس هو المائع المردّد خارجا، إذ متعلق الحكم و موضوعه ما يتقوم به الحكم في أفق الاعتبار، لا الشي‏ء الخارجي كما بيناه‏ (1) في اجتماع الأمر و النهي، بل الموضوع الكلي المقوم للحكم، و جعل الموضوع بهذا المعنى بعين جعل الحكم، فان البعث المطلق لا يوجد بنحو وجوده الاعتباري، إلا متعلقا بمتعلقه، و موضوعه.

فالموضوع الكلي المقوم للحكم موجود بعين الوجود الاعتباري المحقق للحكم.

و وساطة الحكم لعروض الوجود للموضوع وساطة دقيقة برهانية كوساطة الوجود لموجودية الماهية مع أن صدق الموجود على الماهية المتحدة مع الوجود عرفا مما لا شك فيه بلا عناية و لا مسامحة.

و منه يظهر أن رفع الموضوع الكلي تشريعا مساوق لرفع الحكم، كما أن وضعه بعين وضعه.

فالاسناد إلى الجميع إسناد إلى ما هو له عرفا مع انحفاظ وحدة السياق في الجميع.

و عليه، فرفع الموضوع الكلي في (ما لا يعلمون) أعم من رفع الموضوع المجهول نفسا، و من المجهول تطبيقا، فشرب التتن المجهول كونه موضوعا مرفوع، و شرب الخمر المجهول كونه موضوعا تطبيقا أيضا مرفوع.

13- قوله (قدّس سرّه): بعد وضوح أن المقدّر فى غير واحد غيرها

(2)

... الخ.

____________

(1) نهاية الدراية 2: التعليقة 62.

(2) كفاية الاصول/ 340.

52

ما يتعين أن يكون المقدّر فيه غير المؤاخذة ليس إلا الثلاثة الأخيرة، و هي الحسد، و الطيرة، و الوسوسة، فانها غير محرمة، لا أنها محرمة معفو عنها.

إلا أن عدم حرمتها لا يوجب عدم تقدير المؤاخذة فيها. بل يقدر المؤاخذة في الكل بجامع عدم التكليف المصحح للمؤاخذة، مع وجود المقتضي لما يصحح المؤاخذة حتى يصح نسبة الرفع، و لو بمعنى الدفع إلى الكل، و يصح اختصاص رفعها بهذه الأمة دون سائر الأمم، و إن امتاز بعض التسعة عن بعضها الآخر بثبوت التكليف الواقعي، و عدمه.

ثم إن ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) (1) في المقام أن تقدير المؤاخذة يوجب إرادة الفعل من الموصول حتى في (ما لا يعلمون). إذ لا مؤاخذة على التكليف، بل على الفعل أو الترك.

بخلاف تقدير الآثار؛ فانه لا يأبى عن إرادة التكليف من (ما لا يعلمون) حتى مع شمول الآثار للمؤاخذة.

و توجيهه: أن عنوان المؤاخذة لا تضاف إلى التكليف، فتقديرها بعنوانها يأبى عن إرادة التكليف من الموصول، بخلاف عنوان الآثار، فانها بمعنى مقتضيات الموضوع و الحكم، و المؤاخذة من مقتضيات التكليف، و ان لم تكن على التكليف.

و حينئذ فارادة خصوص المؤاخذة في الجميع مع إرادة التكليف من (ما لا يعلمون) معقولة، لكنه لا بعنوانها، بل بعنوان مقتضى التكليف، كما هو واضح.

ثم إن لزوم التقدير- إما لخصوص المؤاخذة لتيقنها، أو لمطلق الآثار لكونه أقرب إلى نفي الحقيقة، أو الأثر الظاهر في كل مورد بحسبه، لكونه المتيقن في مقام التخاطب-، إنما يتوجه بناء على عدم توجه الرفع الى نفس‏

____________

(1) فرائد الاصول المحشى 2/ 10.

53

التكليف.

و أما إذا أريد من (ما لا يعلمون) نفس التكليف، فمقتضى عموم الموصول ارتفاع كل تكليف مجهول.

نعم لزوم التقدير إنما يكون في غير (ما لا يعلمون) مما يتعين فيه ارادة الفعل من الموصول.

14- قوله (قدّس سرّه): كما استشهد الامام (عليه السلام) بمثل هذا الخبر

(1)

... الخ.

لا يخفى عليك أن ظاهر السؤال و الجواب عن لزوم الحلف على المذكورات، لا عن الأحكام التكليفية المترتبة على الطلاق، و العتق، و الصدقة، أو المؤاخذة.

فما عن غير واحد، منهم شيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته‏ (2) من أن إرادة رفع المؤاخذة معقولة، غاية الأمر أن المؤاخذة: تارة على ذات الفعل. و أخرى على مخالفة التكليف المنبعث عن الوضع.

فلا دلالة له على رفع الوضع فيما لا يترتب عليه حكم تكليفي مصحح للمؤاخذة.

أجنبي عن مورد الرواية سؤالا و جوابا.

ثم إن الحلف على المذكورات و إن كان باطلا حتى مع الاختيار أيضا، إلا أن استدلال الامام (عليه السلام) في مقام الالزام لا يصح إلا مع دلالة رفع الاكراه على رفع أثره الوضعي.

نعم إذا احتمل أنه من باب الالزام بما يراه المخالف ظاهرا في رفع الوضع‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 340- 341.

(2) التعليقة على فرائد الاصول/ 116.

54

و إن لم يكن كذلك لصح الالزام بما تسالم عليه الخصم.

و حيث إنه (عليه السلام) في مقام الالزام و الافحام على الخصم، لا في مقام بيان الحكم الحقيقي من قبل الاكراه، لم يكن الاحتمال المزبور بعيدا. و له نظائر في كلماتهم (عليهم السلام).

15- قوله (قدّس سرّه): أن المرفوع في ما اضطروا اليه و غيره‏

(1)

... الخ.

توضيحه أنه قد أورد على (حديث الرفع) كما في الرسائل‏ (2) بأنه موهون إذا أريد منه رفع جميع الآثار للزوم التخصيص الكثير فيه، لأن آثار الخطأ و النسيان غير مرتفعة.

و أجاب عنه الشيخ الاعظم‏ (3) (قدّس سرّه) بأن الخبر لا يرفع آثار الخطأ و النسيان بما هما.

بل الآثار المترتبة على ذات الفعل لا بشرط العمد و الخطأ مرفوعة بالخبر إذا صدر عن الخطأ قائلا: بأنه لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتبة على الخطأ و السهو من حيث هذين العنوانين.

و لعله بملاحظة أن رفع ما فرض ثبوته في هذه الشريعة تناقض، فان معناه حينئذ أن الآثار الثابتة لهذه العناوين في هذه الشريعة غير ثابتة في هذه الشريعة، و هو تناقض واضح.

مع أن الرفع إذا كان بمعناه الحقيقي كانت هذه المناقضة ثابتة فيما إذا

____________

(1) كفاية الاصول/ 341.

(2) فرائد الاصول المحشى 2: 11.

(3) قال قده: فاعلم أنه إذا بنينا على عموم رفع الآثار فليس المراد بها الآثار المترتبة على هذه العنوانات من حيث هي إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتبة على الخطأ و السهو من حيث الخ‏

فرائد الاصول المحشى 2: 11- 12.