الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
3

[المجلد الثانى‏]

[تتمة قسم الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و آله و صحبه و سلّم‏

محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن فرج ابن يوسف بن نصر الخزرجي‏ (1)

أمير المسلمين لهذا العهد بالأندلس، صدر الصدور، و علم الأعلام، و خليفة اللّه، و عماد الإسلام، و قدوة هذا البيت الأصيل، و نير هذا البيت الكريم، و لباب هذا المجد العظيم، و معنى الكمال، و صورة الفضل، و عنوان السّعد، و طائر اليمن، و محول الصّنع، الذي لا تبلغ الأوصاف مداه، و لا توفي العبارة حقّه، و لا يجري النظم و النثر في ميدان ثنائه، و لا تنتهي المدائح إلى عليائه.

أوّليّته: أشهر من إمتاع الضّحى، مستولية على المدى، بالغة بالسّعة بالانتساب إلى سعد بن عبادة عنان السماء، مبتجحة في جهاد العدا، بحالة من ملك جزيرة الأندلس، و حسبك بها، و هي بها في أسنى المزاين و الحلي، و قدما فيه بحسب لمن سمع و رأى.

حاله: هذا السلطان أيمن أهل بيته نقيبة، و أسعدهم ميلادا و ولاية، قد جمع اللّه له بين حسن الصورة، و استقامة البنية، و اعتدال الخلق، و صحّة الفكر، و ثقوب الذّهن، و نفوذ الإدراك، و لطافة المسائل، و حسن التأنّي؛ و جمع له من الظّرف ما لم يجمع لغيره، إلى الحلم و الأناة اللذين يحبّهما اللّه، و سلامة الصدر، التي هي من علامة الإيمان، و رقّة الحاشية، و سرعة العبرة، و التبريز في ميدان الطهارة و العفّة، إلى ضخامة التّنجّد، و استجادة الآلات، و الكلف بالجهاد، و ثبات القدم، و قوة الجأش، و مشهور البسالة، و إيثار الرّفق، و توخّي السّداد، و نجح المحاولة. زاده اللّه من فضله،

____________

(1) ترجمة الغني بالله محمد بن يوسف بن نصر في اللمحة البدرية (ص 113، 129) و أزهار الرياض (ج 4 ص 34).

4

و أبقى أمره في ولده، و أمتع المسلمين بعمره. ساق اللّه إليه الملك طواعية و اختيارا، إثر صلاة عيد الفطر على بغتة وفاة المقدّس أبيه، من عام خمسة و خمسين و سبعمائة، لمخايل الخير، و مزية السّن، و مظنّة (1) البركة، و هو يافع، قريب العهد (2) بالمراهقة، فأنبته اللّه النّبات الحسن، و سدل به السّتر، و سوّغ العافية، و هنّأ العيش؛ فلم تشحّ في مدته السماء، و لا كلب الأعداء، و لا تبدّلت الألقاب، و لا عونيت الشدائد، و لا عرف الخوف، و لا فورق الخصب، إلى أن كانت عليه الحادثة، و نابه التّمحيص الذي أكسبه الحنكة، و أفاده العبرة، فشهد بعناية اللّه في كفّ الأيدي العادية، و أخطأ ألم السّهام الرّاشقة، و تخييب الآمال المكايدة، و انسدال أروقة السّتر و العصمة، ثم العودة، الذي عرف الإسلام بدار الإسلام قدرها، و تملّأ عزّها و رجح وزنها، كما اختبر ضدّها فرصة الملك، و شاع العدل، و بعد الصيت، و انتشر الذّكر، و فاض الخير؛ و غزر القطر، فظهرت البركات، و توالت الفتوح، و تخلّدت الآثار. و سيرد من بيان هذه الجمل، ما يسعه الترتيب بحول اللّه.

ترتيب دولته الأولى: إذ هو ذو دولتين، و مسوّغ ولايتين، عزّزهما اللّه، بملك الآخرة، بعد العمر الذي يملأ صحايف البرّ، و يخلّد حسن الذّكر، و يعرف إلى الوسيلة، و يرفع في الرفيق الأعلى الدّرجة، عند اللّه خير و أبقى للذين آمنوا، و على ربّهم يتوكلون.

وزراؤه و حجّابه: انتدب إلى النّيابة عنه، و التّشمير إلى الحجابة ببابه، الشيخ القائد المعتمد بالتّجلّة، المتحول من الخدّام النّبهاء، المتسود الأبوة؛ المخصوص بالقدح المعلّى من المزية، المسلّم في خصوصيّة الملك و التربية، ظهير العلم و الأدب، و أمين الجدّ، و مولى السّلف، و مفرغ الرأي إلى هذا العهد، و عقد سفرة (3) السلطان، و بقية رجال الكمال من مشيخة (4) المماليك، و خيار الموالي، أبا النعيم رضوان، (رحمه اللّه)، فحمد الكلّ، و خلف السلطان، و أبقى الرّتب، و حفظ الألقاب، و بذل الإنصاف، و أوسع الكنف، و استدعى النّصيحة، و لم يأل جهدا في حسن السّيرة، و تظاهر المحض، و أفردني بالمزيّة و عاملني بما يرتدّ عنه جسر أطرف الموالاة و الصّحبة، و وفّى لي الكيل الذي لا يقتضيه السّن، و القربة من الاشتراك في الرتبة، و التّزحزح عن الهضبة، و الاختصاص باسم الوزارة على المشهر و الغيبة، و المحافظة على التّشيّع و القدمة، بلغ في ذلك أقصى الغايات، مدارج التخلق المأثور عن الجلّة،

____________

(1) في اللمحة البدرية (ص 113): «و مظنة الحصافة».

(2) في اللمحة: «قريب عهد بحال المراهقة».

(3) في اللمحة البدرية: «و عقدة السلطان ...».

(4) في اللمحة البدرية: «مشيخة ولاء بيتهم أبو النعيم رضوان».

5

و التودّد إليّ المرّة بعد المرّة، و اختصصت بفوت المدّة بالسلطان، فكنت المنفرد بسرّه دونه، و مفضي همّه، و شفاء نفسه، فيما ينكره من فتنة تقع في سيرته، أو تصيّر توجيه السّذاجة في معاملاته، و صلاح ما يتغيّر عليه من قلبه، إلى أن لحق بربّه.

شيخ الغزاة و رئيس الجند الغربي لأول أمره:

أقر على الغزاة شيخهم على عهد أبيه، أبا زكريا يحيى بن عمر بن رحّو بن عبد اللّه بن عبد الحق، مطمح الطّواف‏ (1)، و موفى الاختيار، و لباب القوم، و بقيّة السلف، جزما و دهاء، و تجربة و حنكة و جدّا و إدراكا، ناهيك من رجل فذّ المنازع، غريبها، مستحقّ التقديم، شجاعة و أصالة، و رأيا و مباحثة، نسّابة قبيله، و أضحى قسّهم، و كسرى ساستهم، إلى لطف السّجية، و حسن التأنّي، لغرض السلطان، و طرق التّنزل للحاجات، و رقّة غزل الشّفاعات، و إمتاع المجلس، و ثقوب الذّهن و الفهم، و حسن الهيئة. و زاده خصوصيّة ملازمته‏ (2) مجلس الرّقاع‏ (3) المعروضة، و الرسّل الواردة. و سيأتي ذكره في موضعه بحول اللّه تعالى.

كاتب سرّه: قمت لأول الأمر بين يديه بالوظيفة التي أسندها إليّ أبوه المولى المقدّس، (رحمه اللّه)، من الوقوف على رأسه، و الإمساك في التهاني و المبايعة بيده، و الكتابة و الإنشاء و العرض و الجواب، و الخلعة و المجالسة، جامعا بين خدمة القلم، و لقب الوزارة، معزّز الخطط برسم القيادة، مخصوصا بالنيابة عنه في الغيبة، على كل ما اشتمل عليه سور القلعة و الحضرة، مطلق أمور الإيالة، محكما في أشتاته تحكيم الأمانة، مطلق الراية، ظاهر الجاه و النعمة. ثم تضاعف العزّ، و تأكد الرّعي، و تمحّض القرب، فنقلني من جلسة المواجهة، إلى صفّ الوزارة؛ و عاملني بما لا مزيد عليه من العناية، و أحلّني المحل الذي لا فوقه في الخصوصيّة، كافأ اللّه فضله، و شكر رعيه، و أعلى محلّه عنده.

و أصدر لي هذا الظّهير لثاني يوم ولايته: هذا ظهير كريم، صفي شربه. و سفّرني في الرسالة عنه، إلى السلطان، الخليفة الإمام، ملك المغرب، و ما إليه من البلاد الإفريقية، أبي عنان، حسبما يأتي ذكره. ثم أعفاني في هذه المدة الأولى، عن كثير من الخدمة، و نوّه بي عن مباشرة العرض بين يديه بالجملة، فاخترت للكلّ و البدلة، و ما صان عنه في سبيل التجلّة، و إن كان منتهى أطوار الرّفعة، الفقيه أبا محمد بن‏

____________

(1) في اللمحة البدرية (ص 116): «الطرف و مرمى الاختيار».

(2) في اللمحة البدرية (ص 117): «بملازمة».

(3) في اللمحة البدرية (ص 117): «مجلس العرض و ملتقى الرسل الواردة و إجالة قداح المشورة».

6

عطية (1)، مستنزلا عن قضاه وادي آش و خطابتها، فكان يتولّى ما يكتب بنظري، و راجعا لحكمي، و متردّدا لبالي، مكفى المؤنة في سبيل الحمل الكلي، إلى وقوع الحادثة، و نفوذ المشيئة بتحويل الدولة.

قضاته: جدّد أحكام القضاء و الخطابة لقاضي أبيه الشيخ الأستاذ الشريف‏ (2)، نسيج وحده، و فريد دهره، إغرابا في الوقار، و حسن السّمت، و أصالة البيت‏ (3)، و تبحّرا في علوم اللّسان، و إجهازا في فصل القضايا، و انفرادا ببلاغة الخطبة، و سبقا في ميدان الدهاء و الرّجاحة، أبي القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني، الجانح إلى الإيالة النّصرية من مدينة سبتة (4). و سيأتي التعريف به في مكانه، إن شاء اللّه.

و توفي، (رحمه اللّه)، بين يدي حدوث الحادثة، فأرجى‏ء الأمر بمكانه، إلى قدوم متلقّف الكرة، و متعاور تلك الخطّة، الشيخ الفقيه القاضي، أبي البركات قاضي أبيه، و وليها الأحقّ بها بعده، إذ كان غايبا في السّفارة عنه، فوقع التّمحيص قبل إبرام الأمر على حال الاستنابة.

الملوك على عهده: و أوّلهم بالمغرب، السلطان، الإمام‏ (5)، أمير المسلمين، أبو عنان‏ (6) ابن أمير المسلمين أبي الحسن‏ (7) ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ، البعيد الشأو (8) في ميدان السّعادة، و المصمي أغراض السّداد، و معظّم‏ (9) الظّفر، و مخوّل الموهبة، المستولي على آماد الكمال‏ (10)، عقلا و فضلا و أبّهة و رواءا، و خطّا و بلاغة، و حفظا و ذكاء (11) و فهما و إقداما (12)، تغمّده اللّه برحمته، بعثني إلى بابه رسولا على إثر بيعته، و تمام أمره،

____________

(1) في اللمحة البدرية (ص 116): «الفقيه الكاتب أبا محمد عبد الحق بن أبي القاسم بن عطية ...»

(2) كلمة «الشريف» ساقطة في اللمحة البدرية (ص 116).

(3) قوله: «و أصالة البيت» ساقط في اللمحة البدرية (ص 116).

(4) في اللمحة البدرية (ص 116): «سبتة إلى أخريات شعبان من عام ستين و سبعمائة، و توفي (رحمه اللّه)».

(5) في اللمحة البدرية (ص 117): «الشهير».

(6) في اللمحة البدرية: «المسلمين فارس ابن ...».

(7) في اللمحة البدرية: «أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب ...».

(8) في اللمحة البدرية: «شأو السعادة، المعمى ...».

(9) في اللمحة البدرية: «مطعم».

(10) في اللمحة البدرية: «الآماد البعيدة الكمالية أبهة ...».

(11) في اللمحة البدرية (ص 117): «و إدراكا».

(12) في اللمحة البدرية: «و إقداما و شجاعة».

7

و خاطبا إثره و ودّه، مسترفدا من منحة قبوله، فألفيت بشرا مبذولا، و رفدا ممنوحا، و عزّا باذخا، يضيق الزمان عن جلالته، و تقصر الألسنة عن كنه وصفه، فكان دخولي عليه في الثامن و العشرين من شهر ذي قعدة عام خمسة و خمسين المذكور، و أنشدته بين يدي المخاطبة، و مضمن الرسالة: [المنسرح‏]

خليفة اللّه ساعد القدر* * * علاك ما لاح في الدّجى قمر

فأحسب و كفى، و احتفل و احتفى، و أفضت بين يديه كرمته، إلى الحضور معه في بعض المواضع المطلة على مورد رحب. هاج به الخدّام أسدا، أرود، شثن الكفّين، مشعر اللّبدة، حتى مرق عن تابوت خشبي كان مسجونا به، من بعد إقلاعه، من بعض كواه، و أثارته من خلفه، و استشاط و توقّد بأسا. و جلب ثور عبل الشّوى، منتصب المروى، يقدمه صوار من الجواميس، فقربت الخطى، و حميت الوغى، و بلغ الزئير و الجوار ما شاء، في موقف من ميلاد الشيم العلى يخشى الجبان مقارعة العدا، و يوطن نفسه الشجاع على ملاقاة الرّدى، و خار الأسد عن المبارزة، لما بلغ منه ثقافا عن رد المناوشة، و مضطلعا بأعباء المحاملة، فتخطاه إلى طائفة من الرّجالة، أولي عدّة، و ذوي دربة، حمل نفسه متطارحا كشهاب الرّجم، و سرك الدّجى، و أخذته رماحهم بإبادته، بعد أن أردى بعضهم، و جدّل بين يدي السلطان، متخبطا في دمه.

و عرّض بعض الحاضرين، و أغرى بالنظم في ذلك، فأنشدته: [الكامل‏]

أنعام أرضك تقهر الآسادا* * * طبعا كسا الأرواح و الأجسادا

و خصائص للّه بثّ ضروبها* * * في الخلق ساد لأجلها من سادا

إن الفضائل في حماك بضائع‏* * * لم تخش من بعد النّفاق كسادا

كان الهزبر محاربا فجزيته‏* * * بجزاء من في الأرض رام فسادا

فابغ المزيد من آلائه بشكره‏* * * و ارغم بما خوّلته الحسّادا

فاستحسن تأتّي القريحة، و إمكان البديهة، مع قيد الصّفة، و هيبة المجلس.

و كان الانصراف بأفضل ما عاد به سفير، من واد أصيل، و إمداد موهوب، و مهاداة أثيرة، و قطار مجنوب، و صامت محمول، و طعمة مسوعة. و كان الوصول في وسط محرم من عام ستة و خمسين و سبع مائة، و قد نجح السّعي، و أثمر الجهد، و صدقت المخيلة، و قد تضمّن رحلي الوجهة، و الأخرى قبلها جزء. و الحمد للّه الذي له الحمد في الأولى و الآخرة. و توفي، زعموا، بحيلة، و قيل: حتف أنفه، لمّا نهكه المرض، و شاع عنه الإرجاف، و تنازع ببابه الوزراء، و تسابق إلى بابه الأبناء. و خاف مدبّر أمره، عايدة ملامته، على توقع برئه، و كان سيفه يسبق على سوطه، و القبر أقرب إلى من‏

8

تعرض لعتبه من سجنه، فقضى موضع هذا السبيل خاتمة الملوك الجلّة، من أهل بيته. جدّد الملك، و حفظ الرسوم، و أجرى الألقاب، و أغلظ العقاب، و صيّر إيالته أضيق من الخدّ. و أمدّ الأندلس، و هزم الأضداد، و خلّد الآثار، و بنى المدارس و الزوايا، و استجلب الأعلام. و تحرّك إلى تلمسان فاستضافها إلى إيالته، ثم ألحق بها قسنطينة و بجاية، و جهز أسطوله إلى تونس، فدخلها و تملكها ثقاته في رمضان عام ثمانية و خمسين و سبعمائة، و استمرّت بها دعوته إلى ذي قعدة من العام، رحمة اللّه عليه. و كانت وفاته في الرابع عشر (1) لذي حجة من عام تسعة (2) و خمسين و سبعمائة.

و صار الأمر إلى ولده المسمى بالسّعيد، المكنى بأبي بكر، مختار وزيره ابن عمر الفدودي. و رام ضبط الإيالة المشرقية فأعياه ذلك، و بايع الجيش الموجّه إليها منصور بن سليمان‏ (3)، و لجأ الوزير و سلطانه إلى البلد الجديد، مثوى الخلافة المرينيّة، فكان أملك بها. و نازله منصور بن سليمان، ثم استفضى إليه أمر البلد لحزم الوزير و قوّة شكيمته. و غادر السلطان أبو سالم إبراهيم بن السلطان أبي الحسن‏ (4)، أخو الهالك السلطان أبي عنان، الأندلس، و قد كان استقرّ بها بإزعاج أخيه إيّاه عن المغرب، كما تقدم في اسمه، فطلع على الوطن الغربيّ بإعانة من ملك النصارى، عانى فيها هولا كثيرا، و استقرّ بآخرة بعد إخفاق شيعته المرّاكشية، بساحل طنجة، مستدعى ممن بجبال غمارة، و دخلت سبتة و طنجة في طاعته. و فرّ الناس عن منصور بن سليمان، ضربة لازب، و تقبّض عليه و على ابنه، فقتلا صبرا، نفعهما اللّه.

و تملك السلطان أبو سالم المدينة البيضاء يوم الخميس عشر لشعبان عام ستين و سبعمائة، بنزول الوزير و سلطانه عنها إليه. ثم دالت الدولة. و كان من لحاق السلطان برندة، و استعانته على ردّ ملكه ما يأتي في محلّه، و البقاء للّه سبحانه.

و بتلمسان السلطان أبو حمّو موسى بن يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمرس‏ (5) بن زيان، قريب العهد باسترجاعها، لأول أيام السعيد.

و بتونس‏ (6) الأمير إبراهيم ابن الأمير أبي بكر ابن الأمير أبي حفص ابن الأمير أبي بكر بن أبي حفص بن إبراهيم بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد، لنظر الشيخ‏

____________

(1) في اللمحة البدرية (ص 117): «الرابع و العشرين من ذي حجة عام تسعة ...».

(2) في الأصل: «تسع» و هو خطأ نحوي.

(3) في اللمحة البدرية: «منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق».

(4) في اللمحة البدرية: «أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب».

(5) في الأصل: «يغمراس» و التصويب من اللمحة البدرية (ص 119).

(6) في اللمحة البدرية: «و بإفريقية إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى أبي بكر بن أبي حفص ...».

9

رأس الدولة، و بقية الفضلاء، الشهير الذكر، الشائع الفضل، المعروف السياسة، أبي محمد عبد اللّه بن أحمد بن تافراقين، تحت مضايقة من عرب الوطن.

و من ملوك النصارى بقشتالة (1)، بطره بن ألهنشه بن هراندة بن شانجه بن ألفنش‏ (2) بن هرانده، إلى الأربعين‏ (3)، و هو كما اجتمع وجهه، تولى‏ (4) الملك على أخريات أيام أبيه في محرم عام أحد و خمسين و سبعمائة. و عقد معه سلم‏ (5) على بلاد المسلمين. ثم استمرّ ذلك بعد وفاته في دولة ولده المترجم به، و غمرت الرّوم فتنة (6) و ألقت العصا، و أغضت القضاء، و أجالت على الكثير من الكبار الرّدى، بما كان من إخافته سائر إخوانه لأبيه، من خاصّته، العجلة الغالبة على هواه، فنبذوه على سوء بعد قتلهم أمّهم، و انتزوا عليه بأقطار غرسهم فيها أبوهم قبل موته بمرعيّة أمّهم. و سلك لأول أمره سيرة أبيه في عدوله عن عهوده بمكابيه لمنصبه، إلى اختصاص عجلة، أنف بحراه كبار قومه، من أجل ضياع بذره و انقراض عقبه، فمال الخوارج عليه، و دبّروا القبض عليه، و تحصّل في أنشوطة، يقضي أمره بها إلى مطاولة عقله أو عاجل خلع، لو لا أنه أفلت و تخلّص من شرارها. فاضطره ذلك إلى صلة السّلم، و هو الآن بالحالة الموصوفة.

الأحداث في أيامه:

لم يحدث في أيامه حدث إلّا العافية المسحّة و الهدنة المتّصلة، و الأفراح المتجدّدة، و الأمنة المستحكمة، و السّلم المنعقدة. و في آخر جمادى عام ستة (7) و خمسين و سبعمائة لحق بجبل الفتح‏ (8)، فشمّم شعبته، و أبرّ مبتوته‏ (9)، كان على ثغره العزيز على المسلمين، من لدن افتتاحه، الموسوم الخطة، المخصوص بمزية تشييده، عيسى بن الحسن بن أبي منديل‏ (10)، بقيّة الشيوخ أولي الأصالة و الدّهاء، و التزيّي بزي الخير، و المثل السائر في الانسلاخ من آية السعادة، و الإغراق في سوء العقبى، و اللّه غالب على أمره، فكان أملك بمصامّه، و قرّ عينه بلقاء ولده، و التمتع منه بجواد عتيق. ملّي من خلال السياسة، أرداه سوء الحظ، و شؤم النّصبة، و اظلمّ ما بينه و بين‏

____________

(1) في اللمحة البدرية: «و بقشتالة».

(2) في اللمحة البدرية: «ألهونش».

(3) في اللمحة البدرية: «أربعين».

(4) في اللمحة البدرية: «ولي».

(5) في اللمحة البدرية: «السلم».

(6) كلمة «فتنة» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من اللمحة.

(7) في الأصل: «ست» و هو خطأ نحوي.

(8) هو جبل طارق.

(9) أي قام بتعلية أسواره و إصلاح أجزائه الخربة الهالكة. الإحاطة (ج 2 ص 23) حاشية رقم 3.

(10) في اللمحة البدرية (ص 120): «منديل العسكري».

10

سلطانه، مسوغه برداء العافية على تفه صغر، و ملبسه رداء العفّة على قدح الأمور، أبدى منها الخوف على ولده، و عرض ديسم عزمه، على ذوبان الجبل، فانحطّوا في هواه، و غرّوه بكاذب عصبة، فأظهر الامتناع سادس ذي قعدة من العام المذكور، و اتصلت الأخبار، و ساءت الظنون، و ضاقت الصدور، و نكست الرءوس لتوقّع الفاقرة، بانسداد باب الصّريخ، و انبتات سبب‏ (1) النّصرة، و انبعاث طمع العدوّ، و انحطّت الأطماع في استرجاعه و استقالته، لمكان حصانته، و سموّ الذّروة، و وفور العدّة، و وجود الطّعمة، و أخذه بتلاشي الفرصة. ثم ردفت الأخبار بخروج جيشه صحبة ولده إلى منازلة أشتبونة (2)، و إخفاق أمله فيها، و امتساك أهلها بالدعوة، و انتصافهم من الطائفة العادية؛ فبودر إليها من مالقة بالعدد. و خوطب السلطان من ملك المغرب، أيّده اللّه، بالجليّة، فتحققت المنابذة؛ و استقرّت الظنون. و في الخامس و العشرين من شهر ذي قعدة، ثار به أهل الجبل، و تبرّأ منه أشياعه، و خذلوه بالفرار، فأخذت شعابه و نقابه، فكرّ راجعا أدراجه إلى القاعدة الكبيرة، و قد أعجله الأمر، و حملته الطمأنينة على إغفال الاستعداد بها، و كوثر (3) فألقي به، و قد لحق به بعض الأساطيل بسبتة، لداعي تسوّر توطّى على إمارته، فقيّد هو و ابنه، و خيض بهما البحر للحين، و لم ينتطح فيها عنزان، (رحمه اللّه)؛ سنام فئة ألقت بركها، و أناخت بكلكلها، و قد قدّر أنها واقعة، ليس لها من دون اللّه كاشفة، فقد كان من بالجبل برموا على إيالة ذينك المرتسمين، و ألقوا أجوارها، و أعطوهما الصفقة، بما أطمعهما في الثورة، و لكل أجل كتاب. و احتمل إلى الباب السلطاني بمدينة فاس، و برز الناس إلى مباشرة إيصالهما مجلوبين في منصّة الشهرة، مرفوعين في هضبة المثلة. ثم أمضى السلطان فيهما حكم الفساد، بعد أيام الحرابة، فقتل الشيخ بخارج باب السمّارين من البلد الجديد، بأيدي قرابته، فكان كما قال الأول: [الكامل‏]

أضحت رماح بني أبيه تنوشه‏* * * للّه أرحام هناك تشقّق‏

و قطعت رجل الولد و يده، بعد طول عمل و سوء تناول، و لم ينشب أن استنقذه حمامه فأضحى عبرة في سرعة انقلاب حالهما من الأمور الحميدة، حسن طلعة، و ذياع حمد، و فضل شهرة، و استفاضة خيريّة، و نباهة بيت، و أصالة عزّ، إلى ضدّ هذه الخلال، و قانا اللّه مصارع السوء، و لا سلب عنا جلباب السّتر و العافية.

____________

(1) كلمة «سبب» ساقطة في اللمحة البدرية.

(2) أشتبونة بالإسبانيةEsTepona : و هي بلدة تقع على البحر المتوسط، و شمال جبل طارق.

الإحاطة (ج 2 ص 24) حاشية رقم 3.

(3) أي كثر خصومه.

11

و سدّ السلطان ثغر الجبل بآخر من ولده اسمه السعيد، و كنيته أبو بكر، فلحق به في العشر الأول من المحرم من عام سبعة و خمسين و سبعمائة، و رتّب له بطانته، و قدّر له أمره، و سوّغه رزقا رغدا، و عيشا خفضا. و بادر السلطان المترجم له، إلى توجيه رسوله؛ قاضيا حقّه، مقرّر السّرور بجواره، و أتبع ذلك ما يليق من الحال من برّ و مهاداة و نزل، و تعقبت بعد أيام المكافات، فاستحكم الودّ، و تحسنت الألفة إلى هذا العهد، و اللّه وليّ توفيقهم و مسني الخير و الخيرة على أيديهم.

الحادثة التي جرت عليه:

و استمرت أيامه كأحسن أيام الدول، خفض عيش، و توالي خصب، و شياع أمن، إلّا أنّ شيخ الدولة القائد أبا النعيم، (رحمه اللّه)، أضاع الحزم. و إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه و قدره، سلب ذوي العقول عقولهم، بما كان من أمنه جانب القصر الملزم دار سكناه، من علية فيها أخو السلطان، بتهاونه، يحيل أمّه المداخلة في تحويل الأمر إليه، جملة من الأشرار، دار أمرهم على زوج ابنتها الرئيس محمد بن إسماعيل بن فرج من القرابة الأخلاف، و إبراهيم بن أبي الفتح، و الدليل الموروري، و أمدّته بالمال، فداخل القوم جملة من فرسان القيود، و عمرة السّجون، و قلاميد الأسوار.

و كانت تتردّد إليه في سبيل زيارة بنتها الساكنة في عصمة هذا الخبيث، المنزوع العصمة، خارج القلعة حتى تمّ يوم الأربعاء الثامن و العشرين لرمضان من العام، اجتمعوا و قد خفي أمرهم، و قد تألّفوا عددا يناهز المائة بالقوس الداخل من وادي هدارّه إلى البلد، لصق الجناح الصاعد منه إلى الحمراء، و كان بسورها ثلم، لم يتمّ ما شرعوا فيه من إصلاحه؛ فنصبوا سلما أعدّ لذلك، و صعدوا منه. و لمّا استوفوا، قصدوا الباب المضاع المسلحة، للثقة بما قبله؛ فلمّا تجاوزوه أعلنوا بالصياح، و استغلظوا بالتهويل، و راعوا الناس بالاستكثار من مشاعل الخلفاء، فقصدت طائفة منهم دار الشيخ القائد أبي النّعيم؛ فاقتحمته غلابا و كسرت أبوابه؛ و قتلته في مضجعه؛ و بين أهله و ولده، و انتهبت ما وجدت به. و قصدت الأخرى دار الأمير، الذي قامت بدعوته، فاستنجزته و استولت على الأمر. و كان السلطان متحوّلا بأهله إلى سكنى «جنّة العريف» خارج القلعة، فلمّا طرقه النبأ؛ و قرعت سمعه الطبول سدّده اللّه؛ و ساند أمره في حال الحيرة، إلى امتطاء جواد كان مرتبطا عنده في ثياب تبذّله و مصاحبا لأفراد من ناسه؛ و طار على وجهه، فلحق بوادي آش قبل سبوق نكبته، و طرق مكانه بأثر ذلك، فلم يلف فيه، و اتّبع فأعيا المتبع. و من الغد، استقام الأمر لأولي الثورة، و استكملوا لصاحبهم أمر البيعة، و خاطبوا البلاد فألقت إلى صاحبهم بالأزمّة، و أرسلوا إلى ملك النصارى في عقد الصلح. و شرعوا في منازلة وادي آش، بعد أن ثبت أهلها مع‏

12

المعتصم بها، فلازمته المحلات و ولي عليه التضييق، و خيف فوات البدر و نفاد القوة، فشرع السلطان في النظر لنفسه، و خاطب السلطان أبا سالم ملك المغرب في شأن القدوم عليه، فتلقاه بالقبول و بعث من يمهد الحديث في شأنه، فتمّ ذلك ثاني يوم عيد النّحر من العام. و كنت عند الحادثة على السلطان، ساكنّا بجنتي المنسوبة إليّ من الحضرة، منتقلا إليها بجملتي، عادة المترفين، إذ ذاك من مثلي، فتخطاني الحتف، و نالتني النكبة، فاستأصلت النعمة العريضة، و الجدة الشهيرة، فما ابتقت طارفا و لا تليدا، و لا ذرت قديما و لا حديثا، و الحمد للّه مخفّف الحساب، و موقظ أولي الألباب، و لطف اللّه بأن تعطّف السلطان بالمغرب إلى شفاعة بي بخطّه، و جعل أمري من فصول قصده. ففكّت عني أصابع الأعداء، و استخلصت من أنيابهم، و لحقت بالسلطان بوادي آش، فذهب البأس، و اجتمع الشّمل. و كان رحيل الجميع ثاني عيد النحر المذكور، فكان النزول بفحص ألفنت، ثم الانتقال إلى لوشة، ثم إلى أنتقيره، ثم إلى ذكوان، ثم إلى مربلّة، يضم أهل كلّ محل من هذه مأتما للحسرة، و مناحة للفرقة. و كان ركوب البحر صحوة الرابع و العشرين من الشهر، و الاستقرار بمدينة سبتة، و كفى بالسلامة غنما، و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين.

و كان الرحيل إلى باب السلطان، تحت برّ لا تسعه العبارة، و لقاؤنا إياه بظاهر البلد الجديد لإلمام ألمّ عاقه عن الإصحار و التغنّي على البعد، يوم الخميس السادس لمحرم من عام أحد و ستين بعده، في مركب هائل، و احتفال رائع رائق، فعورض فيه النزول عن الصّهوات، و البرّ اللائق بمناصب الملوك، و الوصول إلى الدار السلطانية، و الطعام الجامع للطبقات و شيوخ القبيل. و قمت يومئذ فوق رأس السلطان و بين يدي مؤمّله، فأنشدته مغريا بنصره، كالوسيلة بقولي‏ (1): [الطويل‏]

سلا هل لديها من مخبّرة ذكر؟* * * و هل أعشب الوادي و نمّ به الزّهر؟

فهاج الامتعاض، و سالت العبرات، و كان يوما مشهودا، و موقفا مشهورا، طال به الحديث، و عمرت به النوادي، و توزّعتنا النزائل على الأمل، شكر اللّه ذلك و كتبه لأهله، يوم الافتقار إلى رحمته. و استمرّت الأيام، و دالت الدولة للرئيس بالأندلس، و السلطان تغلبه المواعيد، و تونسه الآمال، و الأسباب تتوفّر، و البواعث تتأكّد. و إذا أراد اللّه أمرا هيّأ أسبابه، و استقرّت بي الدار بمدينة سلا، مرابطا، مستمتعا بالغيبة، تحت نعمة كبيرة، و إعفاء من التكليف.

____________

(1) البيت مطلع قصيدة من 75 بيتا وردت في الكتيبة الكامنة (ص 122- 125) و كتاب العبر (م 7 ص 638- 642) و نفح الطيب (ج 7 ص 80- 84) و أزهار الرياض (ج 1 ص 196- 200).

13

و في اليوم السابع لشوال من عام التاريخ، قعد السلطان بقبّة العرض بظاهر جنّة المصارة لتشييعه‏ (1)، بعد اتخاذ ما يصلح لذلك؛ من آلة و حلية، و قد برز الخلق، لمشاهدة ذلك الموقف المسيل للدموع، الباعث للرّقّة، المتبع بالدّعوات، لما قذف اللّه في القلوب من الرحمة، و صحبه به في التغرّب من العناية، فلم تنب عنه عين، و لا خمل له موكب، و لا تقلّصت عنه هيبة، و لا فارقته حشمة، كان اللّه له في الدنيا و الآخرة. و أجاز، و اضطربت الأحوال، بما كان من هلاك معينه السلطان أبي سالم، و غدر الخبيث المؤتمن على قلعته به، عمر بن عبد اللّه بن علي، صعّر اللّه حزبه، و خلّد خزيه، و سقط في يده، إلّا أنّه ثبتت في رندة من إيالة الأندلس، الراجعة إلى إيالة المغرب، قدمه، فتعلّل بها، و ارتاش بسببها، إلى أن فتح اللّه عليه، و سدّد عزمه، و أراه لمّا ضعفت الحيل صنعه، فتحرّك إلى برّ مالقة، و قد فغر عليها العدوّ فمه، ثم أقبل على مالقة، مستميتا دونها، فسهّل اللّه الصّعب، و أنجح القصد، و استولى عليها، و انثالت عليه لحينها البلاد، و بدا الريّس المتوثّب على الحضرة، بعد أن استوعب الذّخيرة و العدّة، في جملة ضخمة ممن خاف على نفسه، لو وفّى بذمّة الغادر و عهده، و استقرّ بنادي صاحب قشتالة، فأخذه بجريرته‏ (2)، و حكّم الحيلة في جنايته و غدره، و ألحق به من شاركه في التّسوّر من شيعته، و وجّه إلى السلطان برءوسهم تبع رأسه. و حثّ السلطان أسعده اللّه خطاه إلى الحضرة، يتلقّاه الناس، مستبشرين، و تتزاحم عليه أفواجهم مستقبلين مستغفرين، و أحقّ اللّه الحقّ بكلماته، و قطع دابر الكافرين.

و كان دخول السلطان دار ملكه، و عوده إلى أريكة سلطانه، و حلوله بمجلس أبيه و جدّه، زوال يوم السبت الموفي عشرين لجمادى الثانية من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة، جعلنا اللّه من همّ الدنيا على حذر، و ألهمنا لما يخلص عنده من قول و عمل. و تخلّف الأمير و ولده بكره، أسعده اللّه، بمدينة فاس فيمن معه من جملة، و خلّفه من حاشية ولد المستولي على ملك المغرب في إمساكه إلى أن يسترجع رندة في معارضة هدفه. ثم إن اللّه جمع لأبيه بجمع شمله، و تمّم المقاصد بما عمّه من سعده. و كان وصولي إليه معه، في محمل اليمن و العافية، و على كسر التّيسير من اللّه و العناية يوم السبت الموفي عشرين شعبان عام ثلاثة و ستين و سبعمائة.

____________

(1) أي لتشييع سلطان غرناطة المخلوع.

(2) الجريرة: الذنب و الجناية. لسان العرب (جرر).

14

ترتيب الدولة الثانية السعيدة الدور إلى بيعة الكور:

هنّأ المسلمين ببركتها الوافرة، و مزاياها المتكاثرة، السلطان، أيّده اللّه، قد مرّ ذكره، و يسّر اللّه من ذلك ما تيسّر.

وزراؤه: اقتضى حزمه إغفال هذا الرّسم جملة، مع ضرورته في السياسة، و عظم الدخول، حذرا من انبعاث المكروه له من قبله، و إن كان قدّم بهذا اللقب في طريق منصرفه إلى الأندلس، و أيّاما من مقامه برندة، فنحله عن كره، علي بن يوسف بن كماشة، من عتاق خدّامه و خدّام أبيه، مستصحبا إيّاه، مسدول التّجمّل على باطن نفرة، مختوم الجرم، على شوكه، في حطبه في حبل المتغلب، و إقراضه السيئة من الحسنة، و المنزل الخشن، إلى الإنفاق منه على الخلال الذّميمة، ترأسها خاصّة الشّوم، علاوة على حمل الشيخ الغريب الأخبار، و الطّمع في أرزاق الدور، و الاسترابة بمودّة الأب، و ضيق العطن، و قصر الباب، و عيّ اللّسان، و مشهور الجبن. و لمّا وقع القبض، و ساء الظنّ، بعثه من رندة إلى الباب المريني ليخلي منه جنده، و يجسّ مرض الأيام، بعد أن نقل من الخطة كعبه، فتيسّر بعد منصرفه الأمر، و تسنّى الفتح.

و حمله الجشع الفاضح، و الهوى المتّبع، على التشطّط لنفسه، و الكدح لخويصته بما أقطعه الجفوة، و عسر عليه العودة على السلطان بولده، إلى أن بلغ الخبر برجوع أمره، و دخول البلاد في طاعته، فألقى ما تعيّن إليه، و أهوى به الطمع البالغ في عرش الدولة، و يرتاش في ريق انتقامها. و تحرّك و راية الإخفاق خافقة على رأسه، قطب مخلصه، و جؤجوة عوده، من شيخ تدور بين فتكه رحى جعجعة، و تثور بين أضلاعه حيّة مكيدة، و ينعق فوق مساعيه غراب شوم و طيرة. و حدّث حرفاؤه صرفا من مداخلة سلطان قشتالة، أيام هذه المجاورة، فبلغ أمنيته من ضرب وعد؛ و اقتناء عهد، و اتخاذ مدد، و ترصيد دار قرار، موهما نفسه البقاء و التعمير و التملّي، و انفساح المدة و الأمر، و قيادة الدّجن‏ (1) عند تحوّل الموطن لملّة الكفر، يسمح لذلك، لنقصان عقله، و قلّة حيائه و ضعف غيرته. و طوى المراحل، و قيّض حمّى تزلزل لها فكّاه، أضلّها الحسرة، و انتزاء الخبائث. و تلقّاه بمالقة، إيعاز السلطان بالإقامة بها، لما يتّصل به من سوء تصريفه، ثم أطلع شافع الحياء في استقامة وطنه طوق عتبه، و صرفه إلى منزله، ناظرا في علاج مرضه. ثم لمّا أفاق وقفه دون حدّه، و لم يسند إليه شيئا من أموره، فشرع في ديدنه من الفساد عليه، و تمرّس سلطان قشتالة، شاكيا إليه بثّه، و أضجر لسكنى باديته بالثّغر، فراب السلطان أمره، و أهمّه شأنه، فتقبّض عليه و على ولده، و صرفا في‏

____________

(1) يقصد بهم المدجنين و هم المسلمون الأندلسيون الذين بقوا في أرضهم التي افتتحها النصارى.

15

جملة من دائرة السّوء ممن ثقلت وطأته، فغرّبوا إلى تونس، أوائل شهر رمضان من عام ثلاثة و ستين. ثم لما قفل من الحجّ، و استقرّ ببجاية يريد المغرب، حنّ إلى جوار النّصرانية، التي ريم سلفه العبوديّة إليها، فعبر البحر إلى برجلونة (1)، ينفض عناء طريق الحجّ على الصّلبان، و يقفو على آثار تقبيل الحجر الأسود، تقبيل أيدي الكفّار.

ثم قصد باب المغرب رسولا عن طاغية برجلونه في سبيل فساد على المسلمين، فلم ينجح فيه قصده، فتقاعد لمّا خسر فيه ضمانه، و صرف و كره إلى الاتصال بصاحب قشتالة، و عنّ على كتب إليه بخطّه، يتنفّق عنده و يغريه بالمسلمين، فتقبّض عليه، و سجن بفاس مع أرباب الجرائم. و على ذلك استقرّ حاله إلى اليوم، و أبرأ إلى اللّه من التّجاوز في أمره. و من يضلل اللّه فما له من هاد.

و لمّا وفدت على السلطان بولده، و قرّت عيني بلقائه، تحت سداده و عزّه، و فوق أريكة ملكه، و أدّيت ما يجب من حقّه؛ عرضت عليه غرضي، و نفضت له خزانة سرّي، و كاشفته ضميري بما عقدت مع اللّه عهدي، و صرفت إلى التّشريق‏ (2) وجهي، فعلقت بي لركومه علوق الكرامة، و لاطفني بما عاملت البرّ بين الدّعر و الضّنانة، و يضرب الآماد، و خرج لي عن الضرورة، و أراني أن مؤازرته أبرّ القرب، و راكنني إلى عهد بخطّه، فسح فيه لعامين أمد الثواء، و اقتدى بشعيب، (صلوات اللّه عليه)، في طلب الزّيادة على تلك النّسبة، و أشهد من حضر من العلية، ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه، و حكّم عقلي في اختيار عقله، و غطّى من جفائي بحلمه، و حثا في وجوه شهواته تراب زجري، و وقف القبول على وعظي، و صرف هواه في التحول ثانيا و قصدي، و اعترف بقبول نصحي، فاستعنت بالله، و عاملت وجهه فيه. و صادقني مقارضة الحقّ بالجهاد، و رمى إليّ بدنياه، و حكّمني فيما ملكته يداه، و غلّبني على أمره لهذا العهد، و اللّه غالب على أمره. فأكمل المقام ببابه إلى هذا التاريخ مدّة أجرى اللّه فيها، من يمن النّقيبة، و اطّراد السّداد، و طرد الهوى، و رفض الزّور، و استشعار الجدّ، و نصح الدّين، و سدّ الثغور، و صون الجباية، و إنصاف المرتزقة، و محاولة العدوّ، و قرع الأسماع بلسان الصّدق، و إيقاظ العيون من نوم الغفلة، و قدح زناد الرّجولة، ما هو معلوم، يعضّد دعواه، و للّه المنّة، سجية السّذاجة، و رفع التّسمّت، و تكوّر المنسأة، و تفويت العقار في سبيل القربة، و الزّهد في الزّبرج‏ (3)، و بثّ حبال الآمال، و التّعزيز بالله عن الغنيمة، و جعل الثوب غطاء الليل، و مقعد المطالعة فراش‏

____________

(1) هي برشلونة.

(2) يريد أنه قصد مكة لقضاء فريضة الحجّ.

(3) الزّبرج: الزينة من وشي أو جوهر و نحو ذلك، و الذهب. محيط المحيط (زبرج).

16

النّوم، و الشغل لمصلحة الإسلام، لريم الأنفاس، فأثمر هذا الكرخ، و أثبج هذا المسعى مناقب الدولة، بلغت أعنان السماء (1)، و آثارا خالدة ما بقيت الخضراء على الغبراء، و أخبارا تنقل و تروى، إن عاندها الحاسد، فضحه الصّباح المنير، و كاثره القطر المنثال، و أعياه السّيل المتدافع.

فما يختص من ذلك بالسلطان، فخامة الرتبة، و نباهة الألقاب، و تجمّل الرياش، و تربع الشريعة، و ارتفاع التّشاجر ببابه، و المنافسة و الاغتباط منه، بمجالس التنبيه و المذاكرة، و بدار الدموع في حال الرّقة، و الإشادة باحتقار الدنيا بين الخاصة، و تعيين الصدقات في الأوقات العديدة، و القعود لمباشرة المظالم ستة عشر يوما في كل شهر من شهور الأهلّة، يصل إليه فيها اليتيم و الأرملة، فيفرح الضعيف، و ينتظر حضور الزمن، و يتغمّد هفوة الجاهل، و يتأثر لشكوى المصاب، و يعاقب الوزعة على الأغلاط، إلى إحسان الملكة في الأسرى، و الإغراب في باب الحلم، و الإعياء في ترك الحظ، و التبرّي من سجيّة الانتقام، و الكلف بارتباط الخيل، و اقتناء أنواع السلاح، و مباشرة الجهاد، و الوقار في الهيعات‏ (2)، و إرسال سجيّة الإيمان، و كساد سوق المكيدة، و التصامم عن السعاية؛ هذا مع الشباب الغضّ، و الفاحم الجعد، و تعدّد حبائل الشيطان في مسالك العمر، و مطاردة قانص اللّذات في ظلّ السّلم، و مغازلة عيون الشهوات من ثنايا الملوك. و أيم اللّه الذي به تستخلص الحقوق، و تيسّر السّتور، و تستوثق العهود، و لا تطمئن القلوب إلّا به؛ ما كاذبته، و لا راضيت في الهوادة طوله، و لا سامحته في نقيض هذه الخلال. و لقد كنت أعجب من نفاق أسواق الذّكرى لديه، و انتظام أقيسة النصح عنده، و إيقاع نبات الرّشد فيه نصيحة، و أقول: بارك اللّه فيها من سجيّة، و هنّأ المسلمين بها من نفس زكيّة. و سيأتي بيان هذه النتائج، و تفسير مجمل هذه الفضائل بحول من لا حول إلّا به سبحانه.

و الحال متصلة على عهده الوثير من إعانته بالوسوع و الخروج له عن هذه العهدة، و التسليم له في البقيّة، إرهافا لسيف جهاده، و جلاء لمرآة نصحه، و تسوية لميزان عدله، و إهابة لمحمد رشده، شدّ العقدة، عقدة و غيرة على حرمة ماله و عرضه، و رعاية للسان العلم المنبئ عن شأنه، و نيابة عنه في معقل ملكه، و مستودع ماله و ذخيرته، و محافظة على سرّه و علانيته لحرمه و ولده، و عمرانا للجوانح بتفضيله و حبّه، معاملة أخلص اللّه قصدها لوجهه، و أمحضها من أجله، ترفعه عن جراية

____________

(1) كلمة «السماء» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليكتمل المعنى و السجعة معا.

(2) الهيعات: جمع هيعة و هي كل ما أفزعك من صوت أو فاحشة تشاع. محيط المحيط (هيع).

17

رحل هلالها، و إقطاع تنجع قدرته، أو فصلة تعبث البنان بنشيرها، و خطّة تشدّ إليه على منشورها. و اللّه يرجح ميزاني عنده، و يحظى وسيلتي لديه، و يحرّك مكافأة سعيي في خواطر حجّه، و ينبّه لتبليغ أملي من حجّ بيت اللّه، و زيارة رسول اللّه، بمنّه و كرمه، فما على استحثاث الأجل من قرار، و لا بعد الشّيب من إعذار، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

أولاده‏ (1): كمل له في هذا الوقت من الولد أربعة؛ ثلاثتهم ذكور، يوسف بكره، و أراه يتلوه سعد، ثم نصر، غلمة روقة، قد أفرغهم اللّه في قالب الكمال، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا، فسح اللّه لهم أمد السعادة، و جعل مساعيهم جانحة إلى حسنى العقبى، سالكا بهم سبيل الاهتداء بفضل اللّه و رحمته.

قضاته‏ (2): قدّم لأول قدومه، الفقيه القاضي، الحسيب، الخيّر، أبا جعفر بن أحمد بن جزي، شاكرا بلاءه بمالقة، إذ كان قد ألقاه قاضيا بها للمتغلّب، فلم يأل جهدا في الإجلاب على من اعتصم بقصبتها، و التحريض على استنزالهم، فاتّخذ زلفة لديه، فأجرى الأحكام، و توخّى السّداد. ثم قدّم‏ (3) إليها الفقيه القاضي الحسيب، أبا الحسن علي بن عبد اللّه بن الحسن، عين الأعيان ببلده مالقة، و المخصوص برسم التّجلّة، و القيام بوظيفة (4) العقد و الحلّ بها (5) في الدولة الأولى، و أصالة البيت، و الانقطاع إليه، و مصاحبة ركابه في طلب الملك، و متسوّر المشاق من أجله، و أولى الناس باستدرار خلف دولته، فسدّد و قارب، و حمل الكلّ‏ (6)، و أحسن فصاحة (7) الخطبة و الخطّة، و أكرم المشيخة و أرضى، و استشعر النّزاهة، و لم يقف في حسن التأنّي عند (8) غاية، و اشتمل معها لفق الخطابة، فأبرز و أعلم، تسمّيا و حفظا و جهوريّة، فاتّفق في ذلك على رجاحته، و استصحب نظره على الأحباس، فلم يقف في النصح عند غاية، أعانه اللّه.

____________

(1) في اللمحة البدرية (ص 115): «ولده: ولد له إلى هذا العهد ولد ذكر اسمه يوسف على اسم أبيه».

(2) تحت عنوان «قضاته» ذكر ابن الخطيب في اللمحة البدرية (ص 116) قاضيا واحدا هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني، و قال: إن الغني بالله جدّد له أحكام القضاء و الخطابة إلى أخريات شعبان من عام 760 ه.

(3) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 116).

(4) في النفح: «و القيام بالعقد و الحلّ».

(5) من هنا حتى قوله: «باستدرار خلف دولته» غير وارد في النفح.

(6) الكلّ، بفتح الكاف و تشديد اللام: الضعيف. لسان العرب (كلل).

(7) في النفح: «مصاحبة».

(8) في النفح: «على».

18

كتّابه‏ (1): أسند الكتابة إلى الفقيه المدرك، المبرّز في كثير من الخلال، ملازمه أيضا في طلب الملك، و مطاردة قنص الحظّ، أبي عبد اللّه بن زمرك، و يأتي التعريف بجميعهم.

شيخ غزاته: متولي ذلك في الدولة الأولى، الشيخ أبو زكريا يحيى بن عمر بن رحّو بن عبد اللّه بن عبد الحق‏ (2)، قدّمه إليها معتبا إياه، طاويا بساط العدوّ بالجملة، قدّموها بابنه عثمان على الخاصّة يومئذ، لمظاهرته في الوجهة، و سعيه في عودة الدّولة، و استمرّت الحال إلى اليوم الثالث عشر لشهر رمضان من عام أربعة و ستين و سبعمائة، و كان القبض على جملتهم، و أجلى هذا البيت من سفرة السياسة مدّة، مجتزيا فيه بنظره على رسمه في الوزارة من قبيله. ثم قدّم إليها موعوده بها القديم الخدمة، و سالف الأدمة، لمّا لجأ إلى وادي آش مفلتا من وبقة الحادثة، الشيخ أبا الحسن علي بن بدر الدين بن موسى بن رحّو بن عبد اللّه بن عبد الحق، حلف السّداد أيامه، و المقاربة و الفضل و الدّماثة، المخصوص على اختصار بيمن النّقيبة، و استمرّت أيامه إلى نقبة القفول عن غزوة جيّان أخريات محرم من عام تسعة و ستين، و توفي، (رحمه اللّه)، حتف أنفه، فاحتفل لمواراته، و إقرابه من تأبّيه، و استغفاره، و الاعتراف بصدق موالاته، و تفجيعه لفقده، و ما أعرب به من وفاء نجده، و قدّم لها عهدا طرف اختياره، الأمين، الشّهم، البهمة، خدن الشّهرة، و المشار إليه بالبسالة، و فرع الملك و الأصالة، عبد الرحمن ابن الأمير أبي الحسن علي بن السلطان أبي علي عمر ابن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، إذ كان قد لحق به، بعد ظهور أتيح له بوطنه من المغرب، استقرّ مبايعا بعمالة سجلماسة و ما إليها، وطن جدّه، و ميراث سلفه، ففسح له جانب قبوله، و أحلّه من قربه محلّ مثله، و أنزله بين ثغر الاغتباط و نحره، ثم استظهر به على هذا الأمر، فأحسن الاختيار، و أعزّ الخطة، و هو القائم عليها لهذا العهد، و إلى اللّه أسباب توفيقه.

ظرف السلطان و حسن توقيعه:

بذّ في هذا الباب من تقدّمه، و كثرة وقوعه، بحيث لا يعدّ نادره، و قليل الشي‏ء يدلّ على كثيره. مرّ بي يوما و معي ولده، يروم اتخاذ حذق القرآن، فقلت له: أيّدك‏

____________

(1) في عنوان: «كتابه» ذكر ابن الخطيب في اللمحة البدرية (ص 116) أنه هو الذي أجرى للغني بالله رسم العرض و الإنشاء، ثم هو نفسه قد استخدم في أخريات أيام الغني بالله كاتب الدولة التونسية الفقيه الكاتب أبا محمد عبد الحق بن أبي القاسم بن عطية.

(2) كذا ذكره ابن الخطيب في اللمحة البدرية (ص 116) و قال إن الغني بالله أقرّه على الغزاة على عهد أبيه.

19

اللّه، الأمير يريد كذا، و لا بدّ له من ذلك، و أنا وكيله عليك في هذا، فقال: حسبنا اللّه و نعم الوكيل. و لا خفاء ببراعة هذا التوقيع، و غرابة مقاصده، و مجالسه على الأيام معمورة بهذا و مثله.

الملوك على عهده: بالمغرب‏ (1) السلطان الجليل إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. تولّى ملك المغرب حسبما تقدم في اسمه‏ (2)، و ألقى إليه بالمقاليد، و استوسقت له الطاعة، و بحسب ما بثّ اللّه من اشرباب‏ (3) الخلق إليه، و تعطّشهم إلى لقائه، و رغبتهم في إنهاضه إلى ملك أبيه، كان انقلابهم إلى ضد هذه الخلال، شرقا بأيامه و إحصاء لسقطاته، و ولعا باغتيابه و تربصا لمكروه به، إذ أخفقت فيه الآمال، و استولت الأيدي من خدّامه على ملكه. و قيّض اللّه لإبادة أمره، و تغيّر حاله و هدّ ركنه، الخائن الغادر نسمة السوء و قذار ناقة الملك، و صاعقة الوطن و حرد السّيد عمر بن عبد اللّه بن علي‏ (4) مؤتمنة على البلد الجديد، دار ملكه و مستودع ماله و ذخيرته، فسدّ الباب دونه، و جهر بخلعانه. و فض في اتّباع الناعق المشؤوم سور ماله، و أقام الدّعوة باسم أخيه أبي عمر، ذي اللّوثة، الميؤوس من إفاقته، و ذلك ضحوة اليوم الثامن عشر لشوال من عام اثنين و ستين و سبعمائة. و بادر السلطان أبو سالم البيعة من متحول سكناه بقصر البلد القديم‏ (5)، و صابر الأمر عامة اليوم. و لمّا جنّ الليل، فرّ لوجهة، و أسلم وزراءه و خاصّته، و قيّدت خطاه الخيريّة، فأوى إلى بعض البيوت، و به تلاحق متبوعه، فقيد إلى مصرعه السّوء بظاهر بلده، و حز رأسه، و أوتي به إلى الغادر. و كان ما بين انفصال السلطان عنه مودّعا إلى الأندلس بإعانته، و مطوّق فضل تلقيه و قفوله و حسن كفالته، ثمانية أشهر و يوم واحد. و استمرّت دعوة أخيه المموّه به إلى الرابع و العشرين من صفر من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة،

____________

(1) ضمن العنوان نفسه جاء في اللمحة البدرية (ص 117): أن سلطان المغرب في عهد الغني بالله هو أبو عنان فارس بن أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، و ولي بعده ولده السعيد أبو بكر.

(2) المراد إبراهيم بن أبي الحسن بن أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، و قد تقدمت ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة.

(3) الاشرباب: المحبة؛ يقال: أشرب فلان حبّ فلانة، أي خالط قلبه. و أشرب قلبه محبة هذا:

أي حلّ محلّ الشراب. لسان العرب (شرب).

(4) في اللمحة البدرية (ص 118- 119): «عمر ابن الوزير عبد اللّه بن علي البيّاني».

(5) البلد القديم هو مدينة فاس القديمة، و البلد الجديد هو ضاحية أنشأها بنو مرين بجوار مدينة فاس.

20

و استدعي من باب قشتالة الأمير محمد أبو زيّان ابن الأمير أبي زيد بن عبد الرحمن ابن السلطان المعظّم أبي الحسن. و قد استقرّ نازعا إليه أيام عمّه السلطان أبي سالم، وقع عليه اختيار هذا الوزير الغادر، إذ وافق شنّ تغلّبه طبق ضعفه‏ (1)، و أعمل الحيلة في استجلابه، فوصل حسب غرضه، و أجريت الأمور باسمه، و أعيد أخوه المعتوه إلى مكانه، و استمرّت أيام هذا الأمير مغلوبا عليه، مغرى بالشراب على فيه و بين الصّحب إلى أن ساءت حاله، و امتلأت بالموجدة على الوزير نفسه، فعاجله بحتفه، و باشر اغتياله، و أوعز إلى خدامه بخنقه، و طرحه بحاله في بعض سواقي قصره، متبعا ببعض أواني خمره، يوهم بذلك قاتله، تردّيه سكرا، و هويه طفوحا.

و وقف عليه بالعدول عند استخراجه، و ندب النّاس إلى مواراته، و بايع يومه ذلك أبا فارس عبد العزيز وارث ملك أبيه السلطان أبي الحسن، المنفرد به، و خاطب الجهات بدعوته، و هو صبيّ ظاهر النبل و الإدراك، مشهور الصّون، و أعمل الحيلة لأول أمره، على هذا الوزير مخيف أريكة ملكه، و مظنّة البدا في أمره، فطوّقه الحمام و استأصل ما زراه من مال و ذخيرة، شكر اللّه على الدولة صنيعة، و في ذلك يقول: [الطويل‏]

لقد كان كالحجاج في فتكاته‏* * * تحاذره البرّاء دوما و تخشاه‏

تغدّى به عبد العزيز مبادرا* * * و عاجله من قبل أن يتعشّاه‏

و كان بعده وليّه الحق و نصيره لا إله إلّا هو. و هو اليوم ملك المغرب، مزاحما بابن أخيه، السلطان أبي سالم، المعقود البيعة بمرّاكش و ما إليها، جمع اللّه شتات الإسلام، و رفع عن البلاد و العباد مضرّة الفتنة.

و بتلمسان السلطان أبو حمو موسى ابن الأمير أبي يعقوب يوسف‏ (2) بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان. حسبما كان في الدولة الأولى، متفقها منه على خلال الكرم و الحزم، مضطلعا بأمره و القيام على ما بيده.

و بتونس‏ (3)، الأمير أبو سالم إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى بن أبي حفص، حسبما تقدم ذكره.

____________

(1) أخذه من المثل: «وافق شنّ طبقة». و شنّ هو رجل من دهاة العرب، و طبقة بنته، يضرب للمتوافقين. مجمع الأمثال (ج 2 ص 359).

(2) في اللمحة البدرية (ص 119): «يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن».

(3) في اللمحة البدرية (ص 119): «و بإفريقية إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى أبي بكر بن أبي حفص بن إسحاق ابن الأمير أبي زكرياء».

21

و من ملوك النصارى:

فبقشتالة سلطانها المتقدم الذكر في الدولة الأولى، بطره ابن السلطان ألهنشة (1) بن هراندة بن شانجه بن ألهنشة (2) بن هراندة، متأكّدة بينهما السلم الجمّة، و الهدنة المبرمة، بما سلف من مظاهرته إيّاه، و الحرص على ما استحانه من المغرب في أسطوله، و بعثه إليه برأس عدوّه المتوثّب على ملكه، و رؤوس أشياعه، الظالمين الغدرة، و أتباعه الفجرة، مستمرّة أيامه إلى وسط شعبان عام سبعة و ستين، صارفا وجهه إلى محاربة صاحب برجلونة (3)، مستوليا على كثير من قواعده الشهيرة، و قلاعه المنيعة، لما أسلفه به من إجازته، أخيه أندريق المدعوّ بالقند، و مظاهرته حتى ساءت أحواله و أحوال عدوّه، و أوهنت الحركات قوى جيشه، و أضعف الاحتشاد عمرة أرضه، و اشرأبّت القلوب إلى الانحراف عن دعوته، و مالت النفوس إلى أخيه، و قامت البلاد بدعوته، و تلاحقت الوجوه بجهته، و رام التمسّك بإشبيلية دار ملكه، فثار أهلها به في عام سبعة و ستين. فخرج فارّا عنها ... (4) به و السلاح يهشّ إليه، و بعد أن استظهر بخويصته، و أحمل ما قدر عليه من ذخيرة، و رفع من له من ولد و حرمة، رأى سخنة العين من انتهاب قصوره، و تشعيث منازله، و عياث الأيدي في خزائنه، و أسمعه الناس من محض التأنيب و أعراض الشمّات، ما لا مزيد عليه، و لاذ بصاحب برتغال، فنأى عنه جانبه لما يجنيه أبواه من مخالفة رأي الأمّة فيه، فقصد بلاد غليسية، و تلاحق أخوه أندريق بحضرة إشبيلية، فاستوى على الملك و طاعت لأمره البلاد، و عاجله المسلمون لأول أمره، فاستولوا على كثير من الثغور، و الحمد للّه.

و لمّا توسّد له الأمر تحوّل لاستئصال شأفة المخلوع، فأجلى عن غليسية في البحر، و استقرّ ببلد بيونة، ممّا وراء دروب قشتالة، و انتبذ عن الخطّة القشتالية و أمر نفسه، و لجأ إلى ابن صاحب الأنتكيرة (5)، و هو المعروف ببرقسين أبي الأمير، و بين أول أرضه و بين قشتالة؛ ثمانية أيام، فقبله ولد السلطان المذكور، الساكن بأول ما تلقّاه من تلك الأرض، و سفر بينه و بين أبيه فأنكر الأب استئذانه إياه، و المراجعة في نصره، حميّة له، و امتعاضا للواقع. و حال هذه الأمة غريبة في الحماية الممزوجة بالوفاء و الرقّة، و الاستهانة بالنفوس في سبيل الحمد، و بين يدي العشائق، عادة العرب الأول. و أخبارهم في القتال غريبة، من الاسترجال و الزحف على الأقدام، أميرهم و مأمورهم، و الجثوّ في الأرض، أو دفن ببعض الأرض في التّراب، و الاستظهار في‏

____________

(1) في اللمحة البدرية: «ألهونش».

(2) في اللمحة البدرية: «ألهونش».

(3) هي مدينة برشلونة.

(4) بياض في الأصل.

(5) الأنتكيرة: هي إنكلترا.

22

حال المحاربة ببعض الألحان المهيّجة، و رماتهم قسيّهم غريبة جافية، و كلّهم في دروع، و الإحجام عندهم، و التقهقر مقدار الشّبر ذنب عظيم، و عار شنيع، و رماتهم يثبتون للخيل في الطّراد، و حالهم في باب التّحليّ بالجواهر، و كثرة آلات الفضة، غريب. و بعد انقضاء سبعة عشر يوما كان رجوعه و رجوع البرنس المذكور معه مصاحبا بأمراء كثيرين من خترانه‏ (1) و قرابته، و بعد أن أسلفوه مالا كثيرا، و اختصّ منه صاحب الأنتكيرة، بمائتي ألف دينار من الذهب إلى ما اختصّ به غيره، و ارتهنوا فيه ولده و ذخيرته. و كان ينفق على نفسه و جيشه بحسب دينار واحد من الذهب للفارس في ثلاثة أيام. و كان تأليف الجيوش في بنبلونة في أزيد من ثلاثين ألفا، و عسر عليهم المجاز على فحص أحدونيه، لبلاد تمسك لطاعة القند أخيه؛ فصالح القوم صاحب نبارّه‏ (2) على الإفراج لهم، و نزلت المحلّات في فحص نبارّة، ما بين حدود أرض نبارّة و قشتالة، و نزل المتصيّر إليه أمر قشتاله، القند بإزائها في جموع لم تنتظم لمثله، إلّا أنه لشهامته و اغتراره، أجاز خندقا كان بين يديه، و عبر جسرا نشب فيه عند الجولة. و كان اللقاء بين الفريقين يوم السبت سادس إبريل العجمي، و بموافقة شعبان من عام ثمانية و ستين. و كان هذا الجمع الإفرنجي الآتي من الأرض الكبيرة (3) في صفوف ثلاثة، مرتبة بعضها خلف بعض، ليس فيهم فارس واحد، إنما هم رجّالة، سواء أميرهم و مأمورهم، في أيديهم عصي جافية في غلظ المعاصم؛ يشرعونها أمامهم، بعد إثبات زجاجها (4) فيما خلفهم من الأرض، يستقبلون منها وجوه عدوّهم، و نحور خيله، و يجعلونها دعائم و تكآت لبناء مصافّهم، فلم تقلقهم المحلات، و بين أيديهم من الرّماه النّاشبة الدّارعة، ما لا يحصيهم إلّا اللّه عزّ و جلّ. و سايرهم السلطان، مستدعى نصرهم راجلا أميالا برأيهم؛ إلى أن أعيا بعد ميلين منها فأركبوه بغلة حملوه بينهم عليها، إلى موقف اللقاء و القند، و كان على مقدمة القوم الدك أخو البرنس، و البرنس مع السلطان مستجيره في القلب، و القند المعروف بقند أرمانيان، و كثير من الأمراء؛ ردى و سيفه دونهم، و من خلف الجميع الخيل بجنبها ساستهم و غلمانهم و خدّامهم، و وراءها دوابّ الظّهر و أبغالهم، و في أثناء هذه العبيّة من البنود و آلات الحرب و الطرب و الأبواق ما يطول ذكره. و كان في مقدمة القند المستأثر بملك قشتالة؛ أخوه شانجه في رجل قشتالة، قد ملأ السّهل و الجبل، و من خلفهم أولو

____________

(1) الختران: جمع خاتر أو ختّار، و هو المخادع، لسان العرب (ختر).

(2) نبارّه: بالإسبانيةNavarra و هي بلاد البشكنس، و عاصمتها بنبلونة.

(3) المراد بالأرض الكبيرة فرنسا.

(4) الزّجاج: جمع زجّ و هو الحديدة التي في أسفل الرمح. محيط المحيط (زجج).

23

الخيل الجافية القبيلية، المسبغة الدّروع، من رأس إلى حافر، في نحو ألف و خمسمائة، و في القلب أخوه الآخر دنطية في جمهور الزّعماء و الفرسان و الدّرق، و هو الأكثر من رجال الجيش اليوم، و من ورائهم السلطان أندريق في لفيف من الناس. و لما حمل بعضهم على بعض أقدم رماة الفرنج، ثقة بدروعهم، فعظم أثرهم فيمن بإزائهم من رماة عدوهم و رجالهم، لكونهم كشفاء، فكشفوا إياهم.

و حملت خيل قشتالة الدّارعة، فزحزحت كرّ المصافّ الإفرنجي، و اتصل الحرب بالبرنس، و هو مطلّ عليهم في ربوة، فصاح بهم بحيث أسمع، و تناول شيئا من التراب فاستفه، و كسر ثلاث عصيي، و فعل من معه مثل فعله، و هي عادتهم عند الغضب، و علامة الإقدام الذي لا نكوص بعده. و وجّه إلى أخيه في المقدمة، يقول له: إن وجدت في نفسك ضعفا، فاذكر أنك ولد صاحب الأنتكيرة. و حمل الكلّ حملة رجل واحد، فلم تجد الخيل الدّارعة سبيلا، و قامت في نحورها تلك الأسنّة، فولّوا منهزمين.

و لمّا رأى القند هزيمة أخيه، تقدّم بنفسه بمن معه من مدد الأمة الرّغونية (1)، و هو ينادي: يا أهل قشتالة، يا موالي، إياكم و العار، ها أنذا، فلم يثبت أمره، و تراجع فلّه. فعند ذلك فرّ في أربعة من أولي ثقته، و استولى القتل و الأسر على خاصّته، و تردّى المنهزمون في الوادي خلفهم، فكان ذلك أعون الأسباب على هلكهم، فأناف عدد من هلك في هذه الوقيعة، حسبما اشتهر، خمسين ألفا. و امتلأت أيدي هذه الأمة من الأسلحة و الأموال و الأمتعة و الأسرى الذين يفادونهم بمال عظيم، و اتصل القند المنهزم بأرض رغون، ثم نجم من البلاد الفرنسية، و دخل أخوه بهذه الأمة أوائل البلاد معترفا بحميد سعيهم، و عزيز نصرهم، و قد رابه استيلاؤهم، و أوجسه تغلبهم، و ساءه في الأرض الرّعّادة عياثهم فاستأذنهم في اللّحوق بقواعد أرضه، و قبض الأموال التي تجبي منها نفقاتهم، و قبض منها ديونهم قبله. و حثّ السّير، فوصل طليطلة، لا يصدّق بالنجاة، و خاطب السلطان المترجم به، و قدر ودّه، و حذّره سورة هذه الأمة التي فاض بحرها و أعيا أمرها، و أنهى إليه شرّها، و شره إلى استئصال المسلمين، و حدّ له مواعدها التي جعلت لذلك. و وصل إشبيليّة؛ و انثالت البلاد عليه، و عادت الإيالة إلى حكمه، ثم شرع في جعل الضرائب، و فرض الأموال، و أخاف الناس بالطّلب و التّبعات، فعاد نفورهم عنه جزعا، و امتنعوا من الغرم، و طردوا العمّال، و أحسّ‏

____________

(1) نسبة إلى رغون، و هي مملكة أراجون‏Aragon في الثغر الأعلى- إلى الجنوب الشرقي من سرقسطة.

24

بالشّرّ، فتحصّن بإشبيلية و جهاتها على نفسه، و طال على الأمة الواصلة في سبيل نصره الأمر. فرجعت إلى بلادها، و وقيت نفرة الفرسان، و أولي الأتباع، و أظهروا الخلاف، و كشفت جيّان وجهها في خلعانه، و الرّجوع إلى دعوة أخيه المتصرّف، فتحرّك إليها السلطان المترجم به، بعد أن احتشد المسلمين، فكان من دخولها عنوة، و استباحة المسلمين إياها و تخريبها، ما هو مذكور في موضعه. ثم ألحقت بها مدينة أبّدة، الذاهبة في مخالفة مذاهبها و الحمد للّه. و خالفت عليه قرطبة، و استقرّ بها من الكبار جملة، كاتبوا أخاه، و استعجلوا، فتعرّف في هذه الأيام، أنه قد بلغ أرض برغش، و نار الفتنة بينهم، و يد الإسلام لهذا العهد، و المنية للّه، وحده غالبة.

و إنما مددنا القول في ذكر هذه الأحوال الرّومية، لغرابة تاريخها، و ليستشعر الحذر، و يؤخذ من الأمة المذكورة و غيرها، و اللّه وليّ نصر المؤمنين بفضله.

و بأرض رغون سلطانها الكائن على الدولة الأولى.

بعض مناقب الدولة لهذا العهد:

و أولا ما يرجع إلى مناقب الحلم و الكظم من مآزق الجهاد الأكبر، و هو جهاد النفس.

فمن ذلك أن السلطان لمّا جرت الحادثة، وعظه التمحيص، و ألجأ إلى وادي آش، لا يملك إلّا نفسه في خبر طويل، بادر إلى مخاطبة ثقته بقصبة ألمريّة، قلعة الملك، و مظنّة الامتناع، و مهاد السّلامة، و مخزن الجباية و العدّة، و قد أصبح محلّ استقراره، بينها، و بين المنتزى سدّا، و بيعة أهلها لم ينسخ الشرع منها حكما يناشده اللّه في رمقه، و يتملّقه في رعي ذمّته، و الوفاء له، و إبراء غربته، و تمسّكه من أمانته، فردّ عليه أسوأ الردّ، و سجن رسوله في المطبق، و خرج منها لعدوّه، و ناصح بعد في البغي عليه. فلمّا ردّ اللّه الأمر، و جبر الحق، أعتب و أجرى عليه الرّزق. و لمّا ثار في الدولة الثانية الدليل البركي‏ (1)، هاتفا بالدعوة لبعض القرابة، و أكذبه اللّه، و عقّه الشيطان بعد نشر راية الخلاف، و جعل للدولة، علوّ اليد، و حسن العاقبة، و تمكّن من المذكور، أبقى عليه، و غلّب حكم المصلحة العامة في استحيائه، و هو من مغربات الحلم المبني على أساس الدين، و ابتغاء وجه اللّه.

و لمّا أجلى عن الترشيح من القرابة، بعد تقرّب التهمة، و غمس الأيدي في المعصية، صرفوا إلى المغرب صرف العافية، و أجرى على من تخلّفوه عوائد

____________

(1) الدليل البركي: هو أحد وزراء سلطان غرناطة الغني بالله.

25

الأرزاق، و مرافق المواسم، و وعد ضعفاءهم بالإرفاد، و تجوفي عمّا يرجع للجميع من عقار و رباع، و أسعفت آمالهم في لحاق ذويهم من أهل و ولد.

و ممّا يرجع إلى عوائد الرّفق، و مرافق العدل من مأزق في جهاد النفس، وقوف وكيل الدولة، مع من يجاور مستخلص‏ (1) السلطان من العامرين‏ (2) و مما ولي الفلاحة، و قد ادّعوا أضرارا، يجرّه الحوار بين يدي القاضي بالحضرة، حتى بعد منقطع الحقّ، على ما يخصّ السلطان من الأصول التي جرّها الميراث عن كريم السّلف. و لا كقضية التاجر المعروف بالحاج اللبّاس، من أهل مدينة وادي آش، و قد تحصّلت في داره، من قبل التاجر المذكور جارية من بنات الروم، في سبيل تفوّت الذّمم، و مستهلك المتولات، و ترقّت إلى تربية ولده، و أصبحت بعض الأظآر (3) لأمرائه، و اتّصل بها كلفه، و زاد هيمانه، و غشي مدافن الصّالحين من أجلها، و أنهيت إليه خبره و بثّه، و قرّرت عنده شجوه، و ألمعت بما ينقل في هذا الباب عن الملوك قبله، فبادر إلى إخراجها من القصر بنفسه، و انتزاعها من أيدي الغبطة، انتزاع القهر، بحاله في جميل الزّي، فمكّنت منها يد عاشقها الذّاهل، و قد خفّت نفسه، و سكن حسّه، و كاد لقاؤه إيّاها أن يقضي عليه. و نظائر هذا الباب متعددة.

و من مواقف الصّدق و الإحسان من خارق جهاد النفس، بناء المارستان الأعظم، حسنة هذه التخوّم القصوى، و مزيّة المدينة الفضلى. لم يهتد إليه غيره من الفتح الأول، مع توفّر الضرورة، و ظهور الحاجة، فأغرى به همّة الدّين، و نفس التقوى، فأبرزه موقف الأخدان‏ (4)، و رحلة الأندلس، و فذلكة الحسنات، فخامة بيت، و تعدّد مساكن، و رحب ساحة، و درور مياه، و صحّة هواء، و تعدّد خزائن و متوضآت، و انطلاق جراية، و حسن ترتيب، أبرّ على مارستان مصر (5)، بالسّاحة العريضة، و الأهوية الطيّبة، و تدفّق المياه من فورات المرمل، و أسود الصخر، و تموّج البحر، و انسدال الأشجار، إلى موافقته إياي، و تسويغه ما اخترعته بإذنه، و أجريته بطيب نفسه، من اتخاذ المدرسة و الزاوية، و تعيين التّربة، مغيرا في ذلك كله على مقاصد

____________

(1) المراد بمستخلص السلطان: الأملاك السلطانية الخاصة.

(2) العامريون: هم الذين يفلحون الأرض و يعمرونها. لسان العرب (عمر).

(3) الأظآر: جمع ظئر، و الظئر: المرضعة غير ولدها، و ظئر الرجل: ابنه من الرضاع. لسان العرب (ظأر).

(4) الأخدان: جمع خدن و هو الصاحب و الرفيق و الصديق. محيط المحيط (خدن).

(5) أغلب الظن أنه المارستان المنصوري الكبير الذي أنشأه السلطان المنصور بن قلاوون سنة 683 ه.

26

الملوك، نقشا عليه، بطيب اسمه في المزيد، و تخليد في الجدرات للذّكر، و صونا للمدافن غير المعتادة، في قلب بلده بالمقاصر و الأصونة، و ترتيل التلاوة، آناء الليل‏ (1)، و أطراف النهار. و كل ذلك إنما ينسب إلى صدقاته، و علوّ همّته. و يشهد بما ينبّه الحسّ إلى المنقبة العظمى، في هذا الباب، من إمداد جبل الفتح، مع كونه في إيالة غيره، و خارج عن ملكة حكمه، و ما كان من إعانته، و سدّ ثغره، فانهار إليه على خطر السّرى، و الظهر البعيد المسعى، ما ملأ الأهواء، و قطع طمع العداة، أنفقت عليه الأموال، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، بودر بذلك، بين يدي التفاؤل، بنزول العدوّ إياه، فكان الكرى‏ (2) على إيصال الطعام إليه، بحساب درهم واحد و ربع درهم للرّطل من الطعام، منفعة فذّة، و حسنة كبرى، و بدعا من بدع الفتوى.

و في موقف الاستعداد لعدوّ الإسلام، من خارق جهاد النفس، إطلاق البنى‏ (3)، للمدّة القريبة، و الزمان الضيق، باثنين و عشرين ثغرا من البلاد المجاورة للعدوّ، و المشتركة الحدود، مع أراضيه، المترامية النيران لقرب جوابه، منها ثغر أرجدونة (4)، المستولي عليه الخراب، أنفق في تجديد قصبته؛ و اتخاذ جبّه، ما يناهز عشرين ألفا من الذهب، فهو اليوم شجى العدو، و معتصم المسلمين، و حصن أشر، و ما كان من تحصين جبله بالأسوار و الأبراج، على بعد أقطاره، و اتخاذ جباب الماء به، و احتفار السانية (5) الهايلة بربضه، ترك بها من الآثار ما يشهد بالقوة للّه، و العناية بالإسلام. ثم ختم ذلك بنديد حصن الحمراء، رأس الحضرة، و معقل الإسلام، و مفزع الملك، و معقد الأيدي، و صوان المال و الذّخيرة، بعد أن صار قاعا صفصفا، و خرابا بلقعا، فهو اليوم عروس يجلي المهضب، و يغازل الشهب، سكن لمكانه الإرجاف، و ذوت نجوم الأطماع، و نقل إليه مال الجباية، المتفضّل لهذا العهد، بحسب التدبير، و نفّد الخراج، و صوّن الألقاب، و قمع الخزانة بما لم يتقدّم به عهد، من ثمانين سنة، و الحمد للّه، و تجديد أساطيل الإسلام، و إزاحة علل جيوش المرج، و عساكر البحر، فهي لهذا العهد، ملس الأديم، شارعة الشّبا، منقضّة جفاتها إلى مساواة الأعداء، راكبة ظهور المحاسن، قلقة الموافق، قدما إلى الجهاد، قد تعدّد إغزاؤها، و جاست‏

____________

(1) آناء الليل: ساعاته.

(2) الكرى: الأجر.

(3) البنى: جمع بناء.

(4) أرجدونة و أرشذونة، بالإسبانيةArchidona : قاعدة كورة ريّه، و هي بقبليّ قرطبة، و من مدنها مالقة، و تبعد عنها ثمانية و عشرين ميلا. الروض المعطار (ص 25).

(5) السانية: الساقية.

27

البحر سوابحها، و تعرّفت بركتها، و الحمد للّه، و أنصاب جيش الجهاد، استغرق الشهور المستقبلة، لرود الصفراء و البيضاء الأهلّة إلى أكفّ أهلها، على الدوام، بعد أن كانت يتحيّفها المطل، و ينقصها المطال، و الحمد للّه.

و في مواقف الجهاد الحسّي، و بيع النّفوس من اللّه، و هو ثمرة الجهاد الأول، ما لا يحتاج عليه إلى دليل، من الجوف‏ (1) إلى حصن أشر، قبل الثغر، و الجارح المطلّ على الإسلام، و العزم على افتتاحه، و قد غاب الناس من مساورته، و أعيا عليهم فتحه، فلزمه السلطان بنفسه، بياض يوم القيظ، محرضا للمقاتلة، مواسيا لهم، خالطا نفسه بالمستنفرة، يصابر لهيب النار، و وقع السلاح، و تعميم الدّخان، مفديا للكلمات، محرّضا لذوي الجراح، مباشرا الصلاة على الشهداء، إلى أن فتحه اللّه على يده، بعزمه و صبره، فباشر رمّ سوره بيده، و تحصين عورته بنفسه، ينقل إليه الصّخر، و ينال الطّين، و يخالط الفعلة، لقرب محلّ الطاغية، و توقع المفاجأة. ثم كان هذا العمل قانونا مطّردا في غيره، و ديدنا في سواه، حسبما نذكر في باب الجهاد.

و في باب النصيحة للمسلمين من مآزق الجهاد الأكبر، ما صدر في هذه الدولة، من مخاطبة الكافة، بلسان الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، صدعت بذلك الخطباء من فوق أعواد المنابر، و أسمعت آذان المحافل، ما لم يتقدم به عهد في الزمان الغابر.

نص الكتاب: و لمّا صحّت الأخبار بخروج الأمة الإفرنسية إلى استئصال هذه البقيعة، و اللّه متمّ نوره، و لو كره الكافرون، صدر من مخاطبة الجمهور في باب التحريض بما نصّه:

«من أمير المسلمين عبد اللّه محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد نصر، أيّده اللّه و نصره، و أوى أمره، و خلّد مآثره، إلى أوليائنا الذين نوقظ من الغفلة أحلامهم، و ندعوهم لما يطهّر من الارتياب إيمانهم، و يخلص للّه أسرارهم و إعلانهم، يرثي لعدم إحسانهم، و خيبة قياسهم، و يغار من استيلاء الغفلات على أنواعهم و أجناسهم، و نسأل اللّه لهم و لنا إقالة العثرات، و تخفيض الشدائد المعتورات، و كفّ أكفّ العوادي المبتدرات. إلى أهل فلانة، دافع اللّه عن فئتهم الغريبة، و عرّفهم في الذراري و الحرم عوارف اللطائف القريبة، و تداركهم بالصنائع العجيبة، سلام عليكم أجمعين، و رحمة اللّه و بركاته.

____________

(1) الجوف في اصطلاح المغاربة الجهة المقابلة للقبلة، أي الشمال. اللمحة البدرية (ص 22، حاشية 3).

28

أما بعد حمد اللّه الذي لا نشرك به أحدا، و لا نجد من دونه ملتحدا، مبتلي قلوب المؤمنين أيها أقوى جلدا، و أبعد في الصبر مدى، ليزيد الذين اهتدوا هدى، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الذي أنقذ من الردى، و تكفل الشفاعة لمن غدا، ضاربا هام العدا، و مجاهدا من اتخذ مع اللّه ولدا، و الرضى عن آله الذين كانوا لسماء ملّته عمدا، فلم ترعهم الكتائب الوافرة و كانوا لهم أقل عددا، و لا هالتهم أمم الكفر و إن كانت أظهر جمعا و أكثر عددا، صلاة لا تنقطع أبدا، و رضى لا يبلغ مدى. فإنا كتبنا إليكم، كتبكم اللّه فيمن امتلأ قلبه غضبا لأعدائه و حميّة، و رمى بفكره غرض السّداد، فلم يخط منه هدفا و لا رمية. و قد (1) اتصل بنا الخبر الذي يوجب نصح الإسلام، و رعي الجوار و الذّمام، و ما جعل اللّه تعالى‏ (2) للمأموم على الإمام، فوجب علينا (3) إيقاظكم من مراقدكم المستغرقة، و جمع أهوائكم المفترقة (4)، و تهييئكم إلى مصادمة الشدائد المرعدة المبرقة، و هو أنّ كبير (5) النصرانية، الذي إليه ينقادون، و في مرضاته يصادقون و يعادون، و عند رؤية صليبه يبكون‏ (6) و يسجدون، لما رأى الفتن قد أكلتهم خضما و قضما (7)، و أوسعتهم هضما فلم تبق لهم‏ (8) عصبا و لا عظما، و نثرت ما كان نظما، أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق، و يرفع ما طرق، و يرفو (9) ما مزّق الشّتات و خرق، فرمى الإسلام بأمة عددها كالقطر (10) المنثال، و الجراد الذي تضرب به الأمثال، و عاهدهم و قد حضر التمثال، و أمرهم و شأنهم الامتثال، أن يدمنوا (11) لمن ارتضاه‏ (12) الطاعة، و يجمعوا من‏ (13) ملّته الجماعة، و يطلع الكلّ على هذه الفئة القليلة الغريبة بغتة كقيام السّاعة، و أقطعهم، قطع اللّه بهم، العباد و البلاد، و الطّارف و التّلاد (14)، و سوّغهم الحريم المستضعف‏ (15) و الأولاد، و بالله نستدفع ما لا نطيقه، و منه نسأل عادة الفرج، فما سدّت لديه طريقة، إلّا أنّا رأينا غفلة الناس مع‏

____________

(1) من هنا حتى الآية الكريمة (إحدى الحسنيين) ورد في نفح الطيب (ج 6 ص 204- 205).

(2) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(3) قوله: «فوجب علينا» ساقط في النفح.

(4) في النفح: «المتفرقة».

(5) في المصدر نفسه: «كبير دين النصرانية».

(6) في المصدر نفسه: «يكبرون».

(7) خضم الطعام: قطعه و أكله. و القضم: التقطيع بأطراف الأسنان. لسان العرب (خضم) و (قضم).

(8) كلمة «لهم» ساقطة في النفح.

(9) في الأصل: «و يرفى» و التصويب من النفح. و يرفو: يرقع. لسان العرب (رفا).

(10) في النفح: «القطر».

(11) في النفح: «يدمثوا».

(12) في النفح: «ارتضاه من أمته الطاعة».

(13) في النفح: «في».

(14) الطارف: الجديد المستحدث. التّلاد: القديم الموروث. لسان العرب (طرف) و (تلد).

(15) كلمة «المستضعف» ساقطة في النفح.

29

تصميمهم مؤذنة بالبوار (1)، و أشفقنا للذين‏ (2) من وراء البحار، و قد أصبح معظمهم‏ (3) في لهوات الكفّار، و أردنا أن نهزّهم‏ (4) بالموعظة التي تكحل البصائر بميل الاستبصار، و تلهمكم الاستنصار بالله عند عدم الانتصار، فإن جبر اللّه الخواطر بالضراعة إليه، و الانكسار، و نسخ الإعسار بالإيسار، و أنجد اليمين بانتهاء اليسار، و إلا فقد تعيّن في الدنيا و الآخرة حظّ الخسار، فإنّ من ظهر عليه عدوّ دينه‏ (5)، و هو عن‏ (6) اللّه مصروف، و بالباطل مشغوف، و بغير العرف معروف، و على الحطام المسلوب ملهوف‏ (7)، فقد تلّه‏ (8) الشيطان للجبين، و خسر (9) الدنيا و الآخرة، و ذلك‏ (10) هو الخسران المبين. و من نفذ فيه قدر اللّه عن أداء الواجب و بذل المجهود، و آجر (11) بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود، و وطّن النفس عن‏ (12) الشهوات الموبقة في دار الخلود، العائدة بالحياة الدّائمة و الوجود، أو الظّهور على عدوّه المحشور إليه المحشود (13)، صبرا على المقام المحمود، و بيعا (14) تكون الملائكة فيه من‏ (15) الشهود، حتى تعيث‏ (16) يد اللّه في ذلك البناء المهدوم، بقوة اللّه المحمود، و السّواد الأعظم الممدود، كان على أمر ربّه‏ (17) بالحياء المردود: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ‏ (52) (18). فاللّه‏ (19) اللّه في الهمم، فقد خبت‏ (20) ريحها. و اللّه اللّه في العقائد، فقد خفتت‏ (21) مصابيحها. و اللّه اللّه في الرّجولة (22)، فقد فلّ حدّها. و اللّه اللّه في الغيرة، فقد نعس‏ (23) جدّها، و اللّه اللّه في الدّين، فقد طمع‏

____________

(1) في النفح: «البوار». و البوار: الهلاك. لسان العرب (بور).

(2) في النفح: «للدين المنقطع من ...».

(3) في النفح: «مضغة».

(4) في النفح: «نهزّكم».

(5) في النفح: «عدو دين اللّه تعالى».

(6) في النفح: «من».

(7) في النفح: «عنه ملهوف».

(8) تلّه: صرعه، و تلّه للجبين: صرعه، و منه قول اللّه تعالى: وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ‏ سورة الصافات 37، الآية 103. و انظر محيط المحيط (تلل).

(9) في النفح: «و قد خسر».

(10) في النفح: «ذلك».

(11) في النفح: «و أفرد».

(12) في النفح: «على الشهادة المبوئة دار ...».

(13) في الأصل: «عدوه المحشود إليه ...»، و التصويب من النفح.

(14) في النفح: «و بيعا من اللّه تكون».

(15) كلمة «من» ساقطة في النفح.

(16) في النفح: «تعين».

(17) في النفح: «أمريه».

(18) سورة التوبة 9، الآية 52. و هنا ينتهي النص في نفح الطيب.

(19) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 232).

(20) في النفح: «خمدت».

(21) في النفح: «خبت».

(22) في النفح: «الرجولية».

(23) في النفح: «تعسّر».

30

العدوّ في تحويله. و اللّه اللّه في الحريم، فقد مدّ إلى استرقاقه يد تأميله. و اللّه اللّه في المساكن التي زحف لسكناها، و اللّه اللّه في الملّة التي يريد إطفاء نورها و سناها (1)، و قد كمل فضلها و تناهى، و اللّه اللّه في القرآن العظيم‏ (2). و اللّه اللّه في الجيران. و اللّه اللّه في الطّارف و التّالد، و اللّه اللّه في الوطن الذي توارثه الولد عن الوالد. اليوم تستأسد النفوس المهينة، اليوم يستنزل الصبر و السكينة. اليوم‏ (3) تحتاج الهمم أن ترعى هذه النفوس الكريمة الذّمم، اليوم يسلك سبيل العزم و الحزم و الشدة و الشّمم، اليوم يرجع إلى اللّه تعالى المصرّون، اليوم يفيق من نومه الغافلون‏ (4) و المغترون، قبل أن يتفاقم الهول، و يحقّ القول، و يسدّ الباب، و يحيق العذاب، و يسترق بالكفر (5) و الرّقاب، فالنساء تقي بأنفسهنّ أولادهنّ الصغار، و الطّيور ترفرف لتحمي الأوكار (6)، إذا أحست العياث‏ (7) بأفراخها و الإضرار. تمرّ الأيام عليكم مرّ السحاب، و ذهاب الليالي لكم ذهاب، فلا خبر يفضي إلى العين، و لا حديث في اللّه تعالى يسمع بين اثنين، و لا كدّ إلّا لزينة يحلّى بها نحر وجيد، و لا سعي إلّا في‏ (8) متاع لا يغني في الشدائد و لا يفيد. و بالأمس ندبتم إلى التماس رحمى أو رضى‏ (9) مسخّر السحاب، و استقالة كاشف العذاب، و سؤال مرسل الدّيمة، و محيي البشر و البهيمة، و قد أمسكت عنكم رحمة السماء؛ و اغبرّت جوانبكم المخضرّة احتياجا إلى بلالة الماء وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ‏ (22) (10) و إليها الأكفّ تمدّون، و أبوابها بالدعاء تقصدون، فلم يصحر (11) منكم عدد معتبر، و لا ظهر للإنابة و لا للصدقة (12) خبر، و تتوقّون عن‏ (13) إعادة الرغبة إلى الغني‏ (14) الحميد، و الولي الذي‏ إِنْ يَشَأْ (15) يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16).

و أيم اللّه لو كان لهوا لارتقبت الساعات، و ضاقت المتّسعات، و تزاحمت على جماله و غصّت الجماعات‏ (17). أ تعزّزا على اللّه و هو القوي العزيز؟ و تلبيسا (18) على اللّه و هو

____________

(1) في النفح: «إطفاء سناها».

(2) كلمة «العظيم» ساقطة في النفح.

(3) في النفح: «اليوم ترعى لهذه المساجد الكرام الذّمم».

(4) في المصدر نفسه: «الغفلة المغترّون».

(5) في المصدر نفسه: «الكفر الرقاب».

(6) الأوكار: جمع و كر و هو عش الطائر. لسان العرب (و كر).

(7) في النفح: «العيث».

(8) كلمة «في» ساقطة في النفح.

(9) قوله: «أو رضى» ساقط في النفح.

(10) سورة الذاريات 51، الآية 22.

(11) يصحر: يسير في الصحراء. لسان العرب (صحر).

(12) في النفح: «و لا الصدقة».

(13) في النفح: «من».

(14) في النفح: «الوليّ الحميد و الغنيّ الدني ...».

(15) في الأصل: «شاء».

(16) سورة إبراهيم 14، الآية 19.

(17) في الأصل: «و تزاحمت على أنديته الجماعات».

(18) في الأصل: «أتلبيسا».

31

الذي يميّز الخبيث من الطيب و الشّبه من الإبريز؟ أ منابذة و النواصي بيده‏ (1)؟ أغرورا في الشدائد (2) بالأمل و الرجوع بعد إليه؟. من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ ثم‏ (3) ينزل الرزق و يفيده؟ من يرجع إليه في الملمّات؟ من يرجّى في الشدائد و الأزمات؟ من يوجد في المحيا و الممات؟ أفي اللّه شكّ يختلج القلوب؟ أم‏ (4) غير اللّه يدفع المكروه، و ييسّر المطلوب؟ تفضلون على اللجإ إليه في الشدائد، بواسم الجهل‏ (5)، و ثرّة الأهل‏ (6) و طائفة منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته، تمدّ إليه الأيدي و الرقاب، و تستكشف بالخضوع لعزته‏ (7) العقاب، و تستعجل إلى مواعد (8) إجابته الارتقاب، و كأنكم أنتم‏ (9) عن كرمه قد استغنيتم، أو على الامتناع من الرجوع إليه بنيتم. أما تعلمون كيف كان نبيّكم (صلوات اللّه و سلامه عليه) من التبلغ باليسير، و الاستعداد إلى دار الرحيل‏ (10) الحقّ و المسير، و مداومة الجوع، و هجر الهجوع، و العمل على الإياب إلى اللّه و الرجوع؛ دخلت عليه‏ (11) فاطمة، رضي اللّه عنها، و بيدها كسرة شعير، فقال: ما هذه‏ (12) يا فاطمة؟ فقالت: يا رسول اللّه، خبزت قرصة، و أحببت أن تأكل منها.

فقال: يا فاطمة، أما أنه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث؟ و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يستغفر في اليوم سبعين مرة، يلتمس رحماه، و يقوم و هو المغفور له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، حتى تورّمت‏ (13) قدماه، و كان شأنه الجهاد، و دأبه الجدّ و الاجتهاد، و مواقف صبره تعرفها الرّبى و الوهاد. فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟ و إذا لم تهتدوا بهديه‏ (14) فبمن تهتدون؟ و إذا لم ترضوه باتّباعكم فكيف تعتزون‏ (15) إليه و تنتسبون؟ و إذا لم ترغبوا في الاتّصاف بصفاته غضبا للّه تعالى و جهادا، و تقللا من العرض الأدنى و سهادا، ففيم ترغبون؟ فابتروا حبال الآمال، فكلّ آت قريب، و اعتبروا بمثلات ما دهم‏ (16) من تقدم من أهل البلاد و القواعد، فذهولكم عنها غريب، و تفكّروا في منابرها التي كان‏ (17) يعلوها واعظ أو خطيب، و مطيل و مطيب، و مساجدها المتعدّدة الصفوف، و الجماعات‏

____________

(1) في النفح: «في يديه».

(2) قوله: «في الشدائد» ساقط في النفح.

(3) في النفح: «من».

(4) في النفح: «أثمّ».

(5) في النفح: «إليه موائد الفضل، و نزه الجهل».

(6) قوله: «و ثرة الأهل» ساقطة في النفح.

(7) في النفح: «لعظمته».

(8) في النفح: «مواعيد».

(9) كلمة «أنتم» ساقطة في النفح.

(10) في النفح: «و الاستعداد للرحيل إلى دار الحق ...».

(11) كلمة «عليه» ساقطة في النفح.

(12) في النفح: «هذا».

(13) في النفح: «و رمت».

(14) في النفح: «به».

(15) تعتزون: تنتسبون إليه. لسان العرب (عزا).

(16) قوله: «ما دهم» ساقط في النفح.

(17) في النفح: «التي يعلو عليها واعظ و خطيب».

32

المعمورة بأنواع الطّاعات‏ (1)، و كيف أخذ اللّه فيها بذنب المترفين من دونهم، و عاقب الجمهور بما أغمضوا (2) عيونهم، و ساءت بالغفلة عن اللّه عقبى جميعهم، و ذهبت النقمات بعاصيهم، و من داهن في أمره من مطيعهم، و أصبحت مساجدهم مناصب للصلبان، و استبدلت مآذنهم بالنواقيس من الأذان. هذا و الناس ناس، و الزمان زمان.

فما هذه الغفلة عن من إليه الرّجعى و إليه المصير؟ و إلى متى التّساهل في حقوقه و هو السميع البصير؟ و حتى متى مدّ الأمل في الزمن القصير؟ و إلى متى نسيان اللّجإ إلى الولي النصير؟ قد تداعت الصلبان مجلبة (3) عليكم، و تحرّكت الطواغيت من كلّ جهة إليكم. أفيخذلكم الشيطان و كتاب اللّه قائم فيكم؟ و ألسنة الآيات تناديكم؟ لم تمح سطورها، و لا احتجب نورها، و أنتم بقايا من افتتحها (4) من عدد قليل، و صابر فيها كلّ خطب جليل، فواللّه لو تمحّض الإيمان، و رضي الرحمن، ما ظهر التّثليث في هذه الجزيرة على التوحيد، و لا عدم الإسلام فيها عزم‏ (5) التأييد. و لكن شمل الداء، و صمّ النداء، و عميت الأبصار، فكيف الاهتداء و الباب مفتوح، و الفضل ممنوح؟ فتعالوا نستغفر اللّه جميعا، فهو الغفور الرحيم، و نستقبل مقيل العثرات‏ (6)، فهو الرّءوف الحليم، و نصرف الوجوه إلى الاعتراف بما قدّمت أيدينا، فقبول المعاذير من شأن الكريم. سدّت الأبواب، و ضعفت الأسباب، و انقطعت الآمال إلّا منك يا كريم‏ (7)، يا فتّاح، يا وهّاب‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ‏ (7) (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏ (123) (9) وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (139) (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (200) (11). أعدّوا الخيل و ارتبطوها، و روّضوا النفوس على الشهادة و اغبطوها (12)، فمن خاف الموت رضي بالدنيّة، و لا بدّ على كلّ حال من المنيّة، و الحياة مع الذلّ ليست من شيم‏ (13) أهل العقول و النفوس السّنيّة، و اقتنوا السلاح و العدّة، و تعرّفوا إلى اللّه في الرّخاء يعرفكم في الشدّة، و استشعروا القوة بالله تعالى على أعدائه و أعدائكم، و استميتوا من دون أبنائكم، و كونوا كالبنيان‏ (14) المرصوص‏

____________

(1) في النفح: «الطاعة».

(2) في النفح: «أغضوا عنه عيونهم».

(3) في النفح: «متراكمة».

(4) في النفح: «فتحها».

(5) في النفح: «عادة».

(6) في النفح: «العثار».

(7) قوله: «يا كريم» ساقط في النفح.

(8) سورة محمد 47، الآية 7.

(9) سورة التوبة 9، الآية 123.

(10) سورة آل عمران 3، الآية 139.

(11) سورة آل عمران 3، الآية 200.

(12) في النفح: «و غبّطوها».

(13) في النفح: «شيم النفوس السنيّة».

(14) في النفح: «كالبناء».

33

لحملات العدو (1) النازل بفنائكم، و حطّوا (2) بالتعويل على اللّه وحدة بلادكم، و اشتروا من اللّه جلّ جلاله أبناءكم‏ (3).

ذكروا أنّ امرأة احتمل السبع ولدها، و شكت إلى بعض الصالحين، فأشار عليها بالصدقة فتصدّقت برغيف، فأطلق السبع ولدها. و سمعت النداء: يا هذه، لقمة بلقمة، و إنّا لما استودعناه لحافظون. اهجروا (4) الشهوات، و استدركوا الباقيات‏ (5) من قبل الفوات، و أفضلوا (6) لمساكينكم من الأقوات، و اخشعوا لما أنزل اللّه تعالى من الآيات، و خذوا نفوسكم بالصّبر على الأزمات، و المواساة في المهمّات، و أيقظوا جفونكم من السّنات. و اعلموا أنكم رضّع‏ (7) ثدي كلمة التوحيد، و جيران البلد الغريب، و الدّين الوحيد، و حزب التمحيص، و نفر المرام العويص‏ (8)، فتفقّدوا معاملتكم‏ (9) مع اللّه تعالى، فمهما رأيتم‏ (10) الصّدق غالبا، و القلب للمولى الكريم مراقبا، و شهاب اليقين‏ (11) ثاقبا، فثقوا بعناية اللّه التي لا يغلبكم معها غالب، و لا ينالكم من أجلها (12) عدوّ مطالب، و أنكم‏ (13) في السّتر الكثيف، و عصمة (14) الخبير اللّطيف. و مهما رأيتم الخواطر متبدّدة، و الظنون بالله متردّدة، و الجهات التي تخاف و ترجى متعدّدة، و الغفلة عن اللّه ملابسها (15) متجدّدة، و عادة دواعي الخذلان دائمة، و أسواق الشهوات قائمة، و اعلموا (16) أنّ اللّه منفّذ فيكم وعده و وعيده في الأمم الغافلين، و أنكم قد ظلمتم أنفسكم و لا عدوان إلّا على الظّالمين. و التوبة تردّ الشارد و اللّه يحبّ التّوّابين، و يحب المتطهّرين، و هو القائل: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏ (17). و ما أقرب صلاح الأحوال، إذا صلحت العزائم، و توالت على حزب الشيطان الهزائم، و خملت الدّنيا الدنيّة في العيون، و صدقت فيها عند اللّه الظّنون:

حزب الشيطان الهزائم، و خملت الدّنيا الدنيّة في العيون، و صدقت فيها عند اللّه الظّنون:

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) (18).

____________

(1) في النفح: «هذا العدو».

(2) في النفح: «و حوطوا».

(3) في النفح: «أولادكم».

(4) في النفح: «و اهجروا».

(5) في النفح: «البقية من بعد الفوات».

(6) أفضل من الشي‏ء: ترك منه بقيّة. محيط المحيط (فضل).

(7) في النفح: «رضعاء».

(8) العويص: الصعب. لسان العرب (عوص).

(9) في النفح: «معاملاتكم».

(10) في النفح: «و مهما لقيتم».

(11) في النفح: «البنين».

(12) في النفح: «لأجلها».

(13) في النفح: «فإنكم».

(14) في النفح: «و كنف».

(15) في النفح: «ملامسها».

(16) في النفح: «فاعلموا».

(17) سورة هود 11، الآية 114.

(18) سورة فاطر 35، الآية 5.

34

و ثوبوا (1) سراعا إلى طهارة القلوب، و إزالة الشّوب‏ (2)، و اقصدوا أبواب غافر الذنوب‏ (3) و قابل التّوب، و اعلموا أنّ سوء الأدب مع اللّه يفتح أبواب الشدائد، و يسدّ طريق‏ (4) العوائد، فلا تمطلوا بالتوبة أزمانكم، و لا تأمنوا مكر اللّه فتغشوا إيمانكم، و لا تعلّقوا متابكم بالصّرائر (5)، فهو علّام السرائر، و إنما علينا معاشر الأولياء (6) أن ننصحكم و إن كنّا أولى بالنّصيحة، و نعتمدكم بالموعظة الصريحة، الصادرة- علم اللّه- عن صدق القريحة، و إن شاركناكم في الغفلة، فقد ناديناكم‏ (7) إلى الاسترجاع و الاستغفار، و إنما لكم لدنيا (8) نفس مبذولة في جهاد الكفّار، و تقدّم‏ (9) إلى ربّكم العزيز الغفّار، و تقدّم لديكم إلى مواقف الصّبر التي لا ترتضي‏ (10) بتوفيق اللّه الفرار، و اجتهاد فيما يعود بالحسنى و عقبى الدّار، و الاختيار للّه وليّ الاختيار، و مصرّف الأقدار. وها نحن نسرع في الخروج إلى مدافعة هذا العدوّ، و نفدي بنفوسنا البلاد و العباد، و الحريم المستضعف و الأولاد، و نصلى‏ (11) من دونهم نار الجلاد، و نستوهب منكم الدّعاء إلى‏ (12) من وعد بإجابته، و تقبّل‏ (13) من صرف إليه وجه إنابته. اللّهمّ كن لنا في هذا الانقطاع‏ (14) نصيرا، و على أعدائك ظهيرا، و من انتقام عبدة الأصنام مجيرا (15). اللّهمّ قوّ من ضعفت حيلته، فأنت القوي المعين، و انصر من لا نصير له إلّا أنت، إياك‏ (16) نعبد، و إياك نستعين.

اللّهمّ ثبّت أقدامنا و انصرنا عند تزلزل الأقدام، و لا تسلمنا عند لقاء عدوّ الإسلام، فقد ألقينا إليك يد الاستسلام. اللّهمّ دافع بملائكتك المسوّمين، [عمّن ضيّقت أرجاؤه، و انقطع إلّا منك رجاؤه. اللّهمّ هيّئ لضعفائنا، و كلّنا ضعيف فقير، إليك، ذليل بين يديك حقير، رحمة تروى بالأزمة و تشبع، و قوة تطرد و تستتبع. يا غلاب الغلّاب، يا هازم الأحزاب، يا كريم العوائد، يا مفرّج الشدائد، ربّنا أفرغ علينا صبرا، و ثبّت أقدامنا، و انصرنا على القوم الكافرين‏ (17)]. اللّهمّ اجعلنا (18) ممن تيقّظ فتيقّظ، و ذكر

____________

(1) ثاب: رجع. لسان العرب (ثوب).

(2) الشّوب: المخالط من الأدران- لسان العرب (شوب).

(3) في النفح: «الذنب».

(4) في النفح: «طرق».

(5) في النفح: «بالضرائر».

(6) قوله: «معاشر الأولياء» ساقط في النفح.

(7) في النفح: «سبقناكم».

(8) في الأصل: «الدنيا» و التصويب من النفح.

(9) في النفح: «و تقدم قبلكم إلى مواقف الصبر ...».

(10) في النفح: «ترضى بالفرار».

(11) نصلى النار: نحترق بها. قال اللّه تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى‏ (15) سورة الليل 92، الآية 15.

(12) في النفح: «لمن».

(13) في النفح: «فإنه يقبل».

(14) في النفح: «الاهتمام».

(15) في النفح: «كفيلا».

(16) في النفح: «فإياك».

(17) ما بين قوسين ساقط في نفح الطيب.

(18) في النفح: «اللهم اجعلنا على تيقّظ و تذكّر من قال ...».

35

فتذكّر، و من‏ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏ (174) (1). و قد وردت علينا المخاطبات من قبل‏ (2) إخواننا المسلمين الذين عرفنا في القديم و الحديث اجتهادهم، و شكرنا في ذات اللّه تعالى جهادهم، بني مرين، أولي الامتعاض للّه و الحميّة، و المخصوصين بين القبائل الكريمة بهذه المزية، بعزمهم على الامتعاض لحقّ الجوار، و المصارخة التي تليق بالأحرار، و النّفرة لانتهاك ذمار نبيّهم‏ (3) المختار، و حركة سلطانهم‏ (4) محلّ أخينا بمن له من الأولياء و الأنصار، إلى الإعانة على هؤلاء الكفّار، و مدافعة أحزاب الشيطان و أهل النّار، فاسألوا اللّه تعالى إعانتهم على هذا المقصد الكريم الآثار، و السعي الضّمين للعزّ و الأجر و الفخار، و السّلام الكريم يخصّكم أيها الأولياء، و رحمة اللّه و بركاته‏ (5). في الثاني عشر من شهر رمضان المعظم من عام سبع و ستين و سبعمائة. عرّفنا اللّه خيره، صحّ هذا، فكان دفاع اللّه أقوى، و عصمته أكفى. و الحمد للّه على عوائده الحسنى.

و من الغيرة على الدين، و تغيّر أحوال الملحدين، من مآزق جهاد النفس، ما وقع به العمل من إخماد البدع، و إذهاب الآراء المضلة، و الاشتداد على أهل الزّيغ و الزّندقة. و قد أضاقت أرباب هذه الأضاليل الشريعة، و سدّت مضرّهم في الكافّة، فيسلّط عليهم الحكّام، و استدعيت الشهادات، و أخذهم التّشريد، فهل تحسّ منهم أحدا، أو تسمع لهم ركزا؟

و قيّد في ذلك عني مقالات أخرى. منها رسالة «الغيرة على أهل الحيرة»، و رسالة «حمل الجمهور على السنن المشهور». و رسالة «أنشدت على أهل الرّد».

فارتفع الخوض، و كسدت تلك الأسواق الخبيثة، و صمّ منها الصّدى، و وضح نار الهدى، و الحمد للّه، و لو تتبعت مناقب الهدى، لأخرج ذلك عن الغرض.

الأحداث: و في غرة ذي الحجة كانت الثورة الشّنعاء المجحفة بالدولة، و قد كان السلطان أنذر بطائفة، تداخل بعض القرابة، فعاجله بالقبض عليه، و هو في محل ولايته، فصفّد و أحمل إلى قصبة ألمريّة، و خاف أرباب المكيدة افتضاح الأمر، فتعجّلوا إبراز الكامن، و إظهار الخبث، و تولّى ذلك جملة من بني غرون ذنابى بيت‏

____________

(1) سورة آل عمران 3، الآيتان 173، 174.

(2) في النفح: «من إخواننا».

(3) في الأصل: «بيتهم» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «سلطانهم بتلك الأقطار و الأمصار، و مدافعة ...».

(5) هنا ينتهي النص في نفح الطيب.

36

الإدبار، و قد عابهم من بني مطرون، يدور أمرهم على الدّليل البركي‏ (1)، فأكذب اللّه دعوتهم، بعد أن أركبوا الشيخ عليّا بن نصر، و نصبوه تلقاء القلعة بباب البنود (2)، و دعوا الناس إلى بيعته. و أخذ السلطان حذره، و ناصبهم القتال، و أشاع العطا، و استركب الجيش. و عمّر الأسوار، فأخفق القصد، و فرّ الدليل البركي، و تقبّض على الرئيس المذكور، و جعل اللّه العاقبة الحسنة للسلطان.

و كان ممّا أمليته يومئذ بين يدي السلطان، من الكلام المرسل، ما هو نصه، بعد الصّدر: و إلى هذا فممّا أفادته الفطر السليمة، و الحلم و القضاء بالشريعة، و النّقل الشرعي و السّنن المرعي، أنّ مغالب الحقّ مغلوب، و مزاحم اللّه مهزوم، و مكابر البرهان بالجهل موسوم، و مرتع الغيّ مهجور، و سيف العدوان مفلول، و حظّ الشيطان موكوس، و حزب السلطان منصور. و لا خفاء بنعمة اللّه علينا، التي اطّردها في المواطن العديدة؛ و الهضبات البعيدة، و الشّبهات غير المبينة، و الظّلمات الكثيفة، معلن بوفور الحظّ من رحمته، و إبراز القداح في مجال كرامته، و الاختصاص بسيما اختياره، فجعل العصمة ليلة الحادث علينا من دون مضجع أمانا، و نهج لنا سبيل النّجاة بين يدي كسبه علينا، و سخّر لنا ظهري الطّريف و الطريق، بعد أن فرّق لنا بحر الليل، و أوضح لنا خفيّ المسلك، و عبّد لنا عاصي الحزم، و دمّث غمر الشّعراء (3)، و أوطأنا صهوة المنعة، و ضرب وجوه الشّرذمة المتبعة، بعد أن ركضوا قنيب البراذن البادئة، من خزائن إهدائنا، المتجمّلة بحلي ركبنا؛ و تحمّلوا السلاح و الرّياش المختار من أثير صلاتنا، و أبهروا الأنفاس التي طال ما رفعها إيناسنا و أبلغها الريق تأميننا، و صبّبوا العرق الذي أفضله طعامنا، شرهين إلى دمنا، المحظور بالكتاب و السّنّة، المحوط بسياج البيعة، المحصّن عنهم بتقديم النّعمة، و حرمة الأب و متعدّد الأذمّة، فجعل اللّه بيننا و بينهم حاجزا، و سدّ ليأجوجهم من المردة مانعا، و انقلبوا يعضّون الأنامل الغضّة من سريط جفاننا، و يقلّبون الأكفّ التي أجدبها الدّهر، ترفيعا من المهن المترتّبة في خدمتنا، قد حالهم صغار القدر، و ذلّ الخيبة، و كبح اللّه جماعتهم عن التّنفق بتلك الوسيلة. و احتللنا قصبة وادي آش، لا نملك إلّا أنفسنا، لم يشبها غشّ الملّة، و لا كياد الأمّة، و لا دنّسها و الحمد للّه عار الفاحشة، و لا وسمها الشّوم في الولاية، و لا

____________

(1) الدليل البركي: هو أحد وزراء سلطان غرناطة، الغني بالله.

(2) باب البنود: من أبواب غرناطة، يفصله عن قصبة الحمراء نهر حدرّه، و ما يزال هذا الباب قائما حتى اليوم. راجع نهاية الأندلس للأستاذ محمد عبد اللّه عنان (ص 21) و مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر للدكتورة مريم قاسم طويل (ص 294).

(3) الشّعراء: الأرض الكثيرة الشجر. محيط المحيط (شعر).

37

أحبط عمل نجابتها دخل العقيدة، و لا مرض السّريرة، مذ سلّمنا المقادة لمن عطف علينا القلوب، و صيّر إلينا ملك أبينا من غير حول و لا حيلة، نرى أنّها أملك لحرمتنا، و أعلم بما كنّا، و أرحم بنا، فتشبّثت بها القدم، و حميت لنا من أهلها، رعاهم اللّه الهمم، و صدقت في الذّبّ عنّا العزائم، و حاصرنا جيش العدو، و أولياء الشياطين، و ظهر الباطل، فبان الظّفر و الاستقبال، و ظهرت الفئة القليلة، و اللّه مع الصابرين، فغلبوا هناك و انقلبوا صاغرين. و مع ما لنا من الضّيق، و أهمّنا من الأمر، فلم نطلق به غارة، و لا شرهنا إلى تغيير نعمة، و لا سرّحنا عنّا اكتساح على هجمة، و لا شعنا لبسا في بيت و لا حلّة، و أمسكنا الأرماق بيسير الحلال الذي اشتملته خزائننا من أعشار و زكوات، و حظوظ من زراعات، و ارتقبنا الفرج ممّن محّص بالشّدة، و الإقالة ممن نبّه من الغفلة، و ألهم الإقلاع و التّوبة. ثم وفّقنا سبحانه، و ألهمنا من أمرنا رشدا، و سلك بنا طريقا في بحر الفتنة يبسا، فدناه بحقن الدماء، و تأمين الأرجاء، و شكرنا على البلاء؛ كشكرنا إيّاه على الآلاء. و خرجنا على الأندلس، و لقد كاد، لو لا عصمته، بأن نذهب مذاهب الزّوراء، و نستأصل الشّأفة (1)، و نستأصل العرصة (2)، سبحانه ما أكمل صنعه، و أجمل علينا ستره، إلى أن جزنا البحر، و لحقنا بجوار سلطان المغرب. لم تنب عنّا عين، و لا شمخ علينا أنف، و لا حمل علينا بركب‏ (3)، و لا هتفت حولنا غاشية، و لا نزع عنّا للتقوى و العفاف ستر، بل كان الناس يوجبون لنا الحقّ الذي أغفله الأوغاد من أبناء دولتنا، و الضّفادع ببركة نعمتنا، حتى إذا الناس عافوا الصّيحة، و تملّوا الحسرة، و سيموا الخسار و الخيبة، و سامهم الطّغام‏ (4) الذين يرجون للّه و قارا، و لا يألون لشعائره المعظّمة احتقارا، كلاب الأطماع، و عبدة الطاغوت‏ (5)، و مدبّر و حجون الجهل، و مياسيس أسواق البعد عن الرّب، و عرائس محرم الزينة، و دود القزّ، و ثغار النّهم الأعزّة على المؤمنين بالباطل، الأذلّة في أنفسهم بالحق، ممن لا يحسن المحاولة، و لا يلازم الصّهوة، و لا يحمل السلاح، و لا ينزه مجتمع الحشمة عن الفحشاء، و لا يطعم المسكين، و لا يشعر بوجود اللّه، جاروا من شقيّهم المحروم، على مضعوف ملتفّ في الحرم المحصور، محتف بلطف المهد، معلّل بالخداع، مسلوب الجرأة بأيدي انتهازهم، شؤم على الإسلام، و معرّة في وجه الدين، أخذ اللّه‏

____________

(1) الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم، و إذا قطعت مات صاحبها، و قوله: استأصل شأفته: أي أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو أزاله من أصله. محيط المحيط (شأف).

(2) العرصة: ساحة الدار. محيط المحيط (عرص).

(3) الركب: الجماعة من عشرة فصاعدا. محيط المحيط (ركب).

(4) الطّغام: أوغاد الناس، الواحد و الجمع فيه سواء. محيط المحيط (طغم).

(5) الطاغوت: اللّات و العزّى، و الشيطان، و الأصنام. محيط المحيط (طغا).

38

منهم حقّ الشريعة، و أنصف أئمّة الملّة، فلم ينشبوا أن تهارشوا، فعضّ بعضهم، و استأصلهم البغي، و ألحم للسيف، و تفنن القتل، فمن بين مجدّل يوارى بأحلاس الدّواب الوبرة، و غريق يزفّ به إلى سوء الميتة، و استبينت حرمة اللّه، و استضيم الدّين، و استبيحت المحرّمات، و استبضعت الفروج في غير الرّشدة، و ساءت في عدوّ الدّين الحيلة، فتحرّكنا عن اتفاق من أرباب الفتيا، و عزم من أولي الحريّة، و تحريض من أولي الحفيظة و الهمّة، و تداحر من الشوكة، و تحريك من وراء البحر من الأمة، فكان ما قد علمتم من تسكين الثّائرة و إشكا العديم، و إصمات الصارخ، و شعب الثّأي‏ (1)، و معالجة البلوى، و تدارك القطر، و قد أشفى، و كشف الضرّ و البأساء، أما الحبوة فالتمسها، و جلّ الرّبّ، و استشاط عليها جوّ السماء. و أمّا مرافق البحر و مرافده، فسدّت طرقها أساطيل الأعداء. و أما الحميّة، فبدّدها فساد السيرة، و غمط الحق، و تفضيل الأذى. و أمّا المال، فاصطلم السّفه بيضاءه و صفراءه، و كبس خزائنه حتى وقع الإدقاع و الإعدام، و أقوى العامر، و افتقرت المجابي و المغابن، و اغتربت جفون السيوف من حلاها، و جردتموا الآلة إلى أعلاها، و الدّغل المستبطن الفاضح، و يمحض الحين، و أسلمت للدواء العرصة، و تخرّبت الثغور من غير مدافعة، و اكتسحت الجهات فلم يترك بها نافخ، و وقع القول، و حقّ البهت، و خذل الناصر، و تبرّأت الأواصر، فحاكمنا العدو إلى النّصفة، و لم نقرّه على الدّنيّة، و باينّاه أحوج ما كنّا إلى كدحه، و أطمع ما أصبحنا في مظاهرته على الكفّار مثله، اعتزازا بالله، و ثقة به، و لجأ إليه، و توكلا عليه، سبحانه ما أبهر قدرته، و أسرع نصرته، و أوجى أمره، و أشدّ قهره. و ركبنا بحر الخطر، بجيش من التجربة، و نهدنا قدما، لا نهاب الهول و لا نراقبه، و أطللنا على أحواز ريّه‏ (2) في الجمع القليل، إلّا من مدد الصّبر المفرد، إلّا من مظاهرة اللّه الغفل، إلّا من زينة الحق المظلّل جناح عقابه يجتاح الروح، تسدّ جياده بصهيل العزّ، المطالعة غرره بطليعة النصر. فلمّا أحسّ بنا المؤمنون المطهّرون بساحتهم انتزوا من عقال الإيالة الظالمة، و الدّعوة الفاجرة، و تبرأوا من الشّرذمة الغاوية، و الطّائفة المناصبة للّه المحاربة، و أقبلوا ثنيّات و أفرادا، و زرافات و وحدانا، ينظرون بعيون لم ترو من غيبتنا، من محيّا رحمة، و لا اكتحلت بمنظر رأفة، و وجوه عليها قسوة الخسف، و إبشار عليها بوس الجهد، يتعلّقون بأذيالنا تعلّق الغريق، يئنّون من الجوع و الخوف أنين المرضى، و يجهشون بالبكاء، و يعلنون للّه و لنا بالشكوى، فعرّفناهم الأمان من الأعداء، و أول عارفة جعلونا

____________

(1) الثّأي و الثّأى: الضعف و الركاكة، و آثار الجرح.

(2) ريّه: كورة من كور الأندلس كثيرة الخيرات. الروض المعطار (ص 279).

39

عليهم، و صرفنا وجه التّأمين و التّأنيس، و جميل الودّ إليهم، و خارطناهم‏ (1) الإجهاش و الرّقعة، و وثّبنا (2) لهم من الذّلة، و استولينا على دار الملك ببلدهم، فأنزلنا منها أخابيث كان الأشقياء مخلّفوهم بها، من أخلاف لا يزال تطأ إبشارهم الحدود، و تأنف من استكفائهم اليهود، و انثالت علينا البلاد، و شمّر الطاغية ذيله عن الجهات، و راجع الإسلام رمق الحياة، و حثثنا السير إلى دار الملك، و قد فرّ عنها الشقي الغاصب، بشوكة بغيه، التي أمدّته في الغيّ، و أجرته على حرمة اللّه. و قصد دار قشتالة، بكل ما صانت الحقاق من ذخيرة، و حجبت الأمهاء من خرزة ثمينة، يتوعدون المسلمين بإدالة الكفر من الإيمان، و اقتياد جيوش الصّلبان، و شدّ الحيازم إلى تبديل الأرض غير الأرض، و سوم الدّين، و طمس معالم الحق، كيادا لرسول اللّه في أمته، و مناصبة له في حنيفيّته، و تبديلا لنعمة اللّه كفرا، و لمعروف الحقّ نكرا، أصبح له الناس على مثل الرّضف، يرتقبون إطلال الكريهة، و سقوط الظّلّة، و عودة الكرّة، و عقبى المعرّة، و اللّه من ورائهم محيط، و بما يعملون محيط، و لدعاء المستضعفين من المؤمنين مجيب، و منهم و إن قعدوا في أقصى الأرض قريب. و لم نقدم مذ حللنا بدار الملك شيئا على مراسلة صاحب قشتالة في أمره، نناشده العهد، و نطري له الوفاء، و نناجزه إلى الحقّ، و نقوده إلى حسن التلطّف، إلى الذي نشاء من الأمن، فحسم الداء، و اجتثّ الأعداء، و ناصح الإسلام و هو أعدا عدوه، و حزم الدين، و هو المعطل من أدوائه، و صارت صغرى عناية اللّه بنا، التي كانت العظمى، و اندرجت أولاها في الأخرى، و أتت ركائب اليمن و اليمين تترى، و رأى المؤمنون أن اللّه لم يخلق هذا الصّقع سدى و لا هباء عبثا، و أن له فينا خبيئة غيب، و سرّ عناية، يبلّغنا إيّاها، و يطوّقنا طوقها، لا مانع لعطائه، و لا معدّد لآلائه، له الحمد مل‏ء أرضه و سمائه.

فمن اضطردت له هذه العجائب، فحملته عوائق الاستقامة مزية جيوب التقوى، كيف لا يتمنّى، و يدين للّه بمناصحته، و يحذر عناد اللّه بمخالفته، و يخشى عاقبة أمره، إنها لا تعمي الأبصار، و لكن تعمي القلوب التي في الصدور. فقلّمنا أظفار المطالبة و أغضينا عن البقيّة و سوّغنا من كشف وجهه في حربنا نعمة الإبقاء، و أقطعنا رحم من قطع طاعتنا جانب الصّفح، و أدررنا لكثير ممن شحّ عنّا و لو بالكلمة الطيّبة جورية الرزق، و وهنا ما وجب لنا من الحق، و دنّا له بكظم الغيظ؛ و عمرنا الرّتب بأربابها،

____________

(1) لم ترد هذه الصيغة في معاجم اللغة، و المراد أنهم بكوا بكاء شديدا.

(2) وثّبه: أقعده على وسادة، و المراد هنا أنه أكرمهم و أقالهم من الذّلّة. محيط المحيط (وثب).

40

و جردنا الألقاب بعد خرابها، و قبضنا الجباية محمّلة كتد العادة، مقودة بزمام الرّفق، ممسوحا عطفها بكفّ الطواعية، فبلّلنا صدأ الجيش الممطول بالأماني، المعلّل بالكذب، المستخدم في الذبّ عن مجاثم الفحشاء، و مراقد العهر، و دارينا الأعداء، و حسمنا الداء، و ظهر أمر اللّه و هم كارهون، إلّا أن تلك الشّر ذمة الخبيثة أبقت جراثيم نفاق، ركبها انحجار الغدر، و بذر بها حصيد الشّرّ، و أخلطوا الحقائب اللّعنة ممن ساء ظنّه، و خبث فكره، و ظنّ أن العقاب لا يفلته، و الحقّ لا يذره، و السياسة لا تحفزه، فدبّت عقاربهم، و تدارت طوافاتهم، و تأبّت فسادهم، فدبّروا أمرا تبره اللّه تتبيرا، و أوسعه خزيا و بيلا، و جفلوا يرتادون من أذيال القرابة، من استخلصه الشيطان و أصحبه الخذلان، من لا يصلح لشي‏ء من الوظائف، و لا يستقلّ ببعض الكلف، فحركوا منهم زاهق زمانه، من شرّ الدّواب الذين لا يسمعون، فأجّرهم رسنه، و توقف وقفة العين بين الورد و الصّدر، بخلال ما أطلعنا اللّه طلع نيّته، فعاجلناه بالقبض، و استودعناه مصفدا ببعض الأطباق البعيدة، و الأجباب العميقة، فخرج أمرهم، و خافوا أن نحترش السعايات، صباب مكرهم، و تتبع نفاقهم، فأقدموا إقدام العير على الأسد، استعجالا للحين، و رجعا لحكم الخيار، و إقداما على التي هي أشدّ، تولّى كبرها، و كشف وجهه في معصيتها الخبيث البركي‏ (1) حلف التهور و الخرق، المموّه بالبسالة و هو الكذوب النّكوث الفلول، تحملنا هفوته، و تغمّدنا بالعفو قديما و حديثا زلّته، و أعرضنا فيه عن النّصيحة، و أبقينا له حكم الولاية، و أنسنا من نفرته، و تعاففنا عن غرّته، و سوّغنا الجرائم التي سبقت، و الجرائر التي سلفت، من إفساد العهد و أسر المسلمين، و الافتيات على الشرع، و الصّدوع بدعوى الجاهلية، فلم يفده إلّا بطرا، و لم يزده إلّا مكرا، و الخير في غير أهله يستحيل شرّا، و النفع ينقلب ضرّا. و التفّت عليه طائفة من الخلائق، بنو غرّون قرعاء الجبل و المشأمة، و أذناب بيت الإدبار، و نفاية الشرّار، عرك جرأتهم مكان صهرهم البائس، ابن بطرون، الضعيف المنّة السقيط الهمّة، الخامل التفصيل و الجملة، و غيرهم ممن يأذن اللّه بضلال كيدهم و تخييب سعيهم، فاقتحموا البلد صبيحة يهتفون بالناس أن قد طرق حمامهم، و أن العدو قد دهمهم، ملتفتين يرون أنهم في أذيالهم، و أنّ رماحهم تنهشهم و تنوشهم، و سرعانهم ترهقهم، كأنهم سقطوا من السماء، أو ثاروا من بين الحصباء، ثم جالوا في أزقّة البلد يقذفون في الصّفاح نار الحباحب‏ (2) ركضا فوق الصّخر المرصوف،

____________

(1) الخبيث البركي: هو أحد وزراء سلطان غرناطة، الغني بالله.

(2) الحباحب: ذباب يطير بالليل له شعاع في ذنبه كالسراج، و بنار الحباحب يضرب المثل في الضعف. محيط المحيط (حبب).

41

و خوضا في الماء غير المرهوف. ثم قصدوا دار الشيخ البائس علي بن أحمد بن نصر، نفاية البيت، و دردى القوم، ممسوخ الشكل، قبيح اللّتغ، ظاهر الكدر، لإدمان المعاقرة، مزنون بالمعاقرة و الرّبت على الكبرة، ساقط الهمّة، عديم الدّين و الحشمة، منتمت في البخل و الهلع، إلى أقصى درجات الخسّة، مثل في الكذب و النميمة، معيّب المثانة، لا يرق بوله، و لا يجفّ سلسه، فاستخرجوه مبايعا في الخلافة، منصوبا بأعلى كرسي الإمامة، مدعوما بالأيدي لكونه قلقا لا يثبت على الصّهوة، مختارا لحماية البيضة، و العدل في الأمة، مغتما للذبّ عن الحنيفية السّمحة، و صعدوا به إلى ربوة بإزاء قلعتنا، منتترا باب البنود (1)، مستندا إلى الربض، مطلا على دار الملك، قد أقام له رسم الوزارة ابن مطرون الكاري، الكسح الدروب برسم المسومة، الحرد، المهين الحجة، فحل طاحونة الغدر، و قدر السّوق و الخيانة، و اليهودي الشكل و النّحل، و قرعت حوله طبول الأعراس، إشادة بخمول أمره، و استهجان آلته، و نشرت عليه راية فال رأيها، و خاب سعيها، و دارت به زعنفة من طغام من لا يملي و لا يزيد المكا و الصّغير من حيله، و انبثّت في سكك البلد مناديه، و هتف أولياء باطله باسمه و كنيته، و انتجزوا مواعيد الشيطان فأخلفت، و دعوا سماسير الغرور فصمّت، و قدحوا زناد الفتنة فصلدت و ما أوارت. و لحين شعرنا بالحادثة، و نظرنا إلى مرج الناس، و اتصل بنا ريح الخلاف، و جهير الخلعان، استعنّا بالله و توكلنا عليه، و فوّضنا أمرنا إلى خير الناصرين، و قلنا: ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق، و أنت خير الفاتحين، و استركبنا الجند، و أذعنا خبر العطاء، و أطلقنا بريح الجهاد، و نفير الجلاد. و ملأنا الأكفّ بالسلاح، و عمرنا الأبراج بالرجال، و قرعنا طبول الملك، و نشرنا ألوية الحق؛ و استظهرنا بخالصة الأمراء أولياء الدعوة، و خاطبنا فقيه الرّبض، نخبر مخبره؛ و نسبر غوره، فألفيناه متواريا في وكره، مرعيا على دينه، مشفقا من الإخطار برمّه، مشيرا بكمّه. و تفقّدنا البلد، فلم نرتب بأحد من أهله. فلما كملت البيعة، و فخمت الجملة، أنهدنا الجيش، وليّ أمرنا، الذي اتخذناه ظهيرا؛ و استنبطناه مشيرا، و التزمناه جليسا و صهيرا، و لم ندخر عنه محلّا أثيرا، الشيخ الأجلّ، أبا سعيد عثمان ابن الشيخ أبي زكريا يحيى بن عمر بن رحّو، ممهّد الرعب بقدومه، و السّعد في خدمتنا بخدمه، في جيش كثيف الجملة، سابغ العدّة، مزاح العلة، وافر النّاشية، أخذ بباب الربض و شعابه، و لفّ عليه أطنابه، و شرع إليه أمله. و لم يكن إلّا كلّا و لا، حتى داسه‏

____________

(1) باب البنود: أحد أبواب مدينة غرناطة، و ما يزال قائما حتى اليوم. راجع نهاية الأندلس للأستاذ محمد عبد اللّه عنان (ص 294) و مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر للدكتورة مريم قاسم طويل (ص 294).

42

بالسّنابك، و تخلّفه مجرّ العوالي، و مجرى السوابق، و هو الحمى الذي لا يتوعد، و المجد الذي لا يغرب، فلو لا تظاهر مشيخته بشعار السّلم؛ و استظلاله بظلال العافية، لحثّ الفاقرة، و وقعت به الرّزيّة. و فرّ الأعداء لأول وهلة، و أسلموا شقيّهم أذلّ من وتد في قاع، و سلحفة في أعلى يفاع، فتقبّض عليه، و أخذت الخيل أعقاب الغدرة أشياعه، و قيد إلينا يرسف في قيد المهزم، ثعلبان مكيدة، و شكيّة ضلال و مظنّة فضيحة، و أضحوكة سمر. فتضرّع بين أيدينا، و أخذته الملامة، و علاه الخزي، و ثلّ إلى المطبق، حتى نستدعي حكم اللّه في جرمه، و نقتضي الفتيا في جريرته، و نختار في أقسام ما عرضه الوحي من قتلته. و هدأت الثائرة، و الحمد للّه من يومها، و اجتثّت شجرة الخلاف من أصلها، فالحمد للّه الذي أتمّ نوره و لو كره الكافرون‏ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (139) (1). و ما ذا رابهم منّا، أصغر اللّه منقلبهم، و أخزى مردّهم، و استأصل فلكهم؟ أولا يتبنى أمر وارثه، ثم عوده إلينا طواعية، ثم رفعنا وطأة العدو و حربه، و مددنا ظلال الأمن دفعة، و أنفأنا رمق الثغور، حين لم يجدوا حيلة إلّا ما عرفوا من أمنه، و بلوا من حيطته و تسوّغا من هدنة، و انسحبت فوق آمالهم و حريمهم من عفّة، و أظهر اللّه علينا من نعمة. ربّنا أنك تعلم ما نخفي و ما نعلن، و ما يخفى على اللّه من شي‏ء في الأرض و لا في السماء. اللهمّ ألبسنا سريرتنا، و عاملنا بدخلتنا فيهم، و إن كنّا أردنا لجماعتهم شرّا، و في دينهم إغماضا، و عن العدل فيهم عدولا، فعاملنا بحسب ما تبلوه من عقيدنا، و تستكشفه من خبيئتنا، و إن كنت تعلم صحة مناصحتنا لسوادهم؛ و استنفادنا الجهد في إتاحة عافيتهم، و رعي صلاحهم، و تكيف آمالهم، فصل لنا عادة صنعك فيهم، و مسّلنا طاعتهم، واهد بنا جماعتهم، و ارفع بنظرنا إطاعتهم، يا أرحم الراحمين.

و لما أسفر صبح هذا الصّنع عن حسن العفو، و استقرّ على التي هي أزكى، و ظهر لنا، لا تخاف بالله دركا و لا تخشى، و أن سبيل الحق أنجى و محجّته أحجى، خاطبنا كم نجلو نعم اللّه قبلنا عليكم، و نشيد بتقوى اللّه بناديكم، و عنايته لدينا ولديكم، و نهدي طرف صنعه الجميل قبلنا إليكم ليكسبكم اعتبارا، فزجّوا اللّه و قارا، و تزيّدوا يقينا و استبصارا، و تصفّوا العين من اختار لكم اختيارا. و هو حسبنا و نعم الوكيل، و اللّه يصل سعدكم، و يحرس مجدكم. كتب في كذا. و السلام عليكم، و رحمة اللّه و بركاته.

____________

(1) سورة الأعراف 7، الآية 139. و متبّر: هالك.

43

الجهاد في شعبان من عام سبعة و ستين و سبعمائة:

اقتضى نظر الحزم، و رأى الاجتهاد للإسلام إطلاق الغارات على بلد الكفرة من جميع جهات المسلمين، فعظم الأثر، و شهر الذكر، و اكتسحت الماشية، و ألحم السيف. و كان ثغر برغة، الفائزة به يد الكفرة، لهذه السنين القريبة، قد أهمّ القلوب، و شغل النفوس، و أضاق الصدور، لانبتات‏ (1) مدينة رندة، بحيث لا يخلص الطّيف، و لا تبلغ الرسالة من الطّير و غيرها إلى ناحية العدو، فوقع العمل على قصده و استعانة اللّه عليه، و استنفر لمنازلته أهل الجهات الغربية من مالقة و رندة، و ما بينهما، و يسّر اللّه في فتحه، بعد قتال شديد، و حرب عظيمة، و جهاد شهير، و استولى المسلمون عليه، فامتلأت أيديهم أثاثا و سلاحا و رياشا و آلة، و طهّرت للحين مساجده، و زيّنت بكلمة اللّه مشاهده، و أنست بالمؤمنين معاهده، و رتّبت فيه الحماة و الرماة، و الفرسان الكماة، و اتّصلت بفتحة الأيدي، و ارتفعت العوائق، و أوضحت بين المسلمين و أخوانهم السبل، و الحمد للّه. و توجّهت بفتحه الرسائل، و عظمت المنن الجلائل، و فرّ العدو لهذا العهد عن حصن السهلة، من حصون الحفرة اللّويشيّة، و سدّ الطريق الماثلة، و ذلك كله في العشر الأوسط لشعبان من هذا العام. ثم أجلب المسلمون في رندة في أخرياته و قصدوا باغة و جيرة فاستنزلوا أهلها، و افتتحوها، فعظمت النعمة، و اطّرد الفتح، و اتسعت الجهة.

و كانت مما خوطبت به الجهة المرينيّة (2) من إملائي:

المقام الذي نبشره بالفتح و نحيّيه، و نعيد له خبر المسرّة بعد أن نبديه؛ و نسأل اللّه أن يضع لنا البركة فيه، و نشرك مساهمته فيما نهصره من أغصان الزهور و نجنيه، و نعلم أن عزّة الإسلام و أهله أسنى أمانيه، و إعانتهم أهمّ ما يعنيه. مقام محلّ أخينا الذي نعظم قدره، و نلتزم برّه، و نعلم سرّه في مساهمة المسلمين و جهره؛ السلطان الكذا، الذي أبقاه اللّه في عمل الجهاد و نيّته؛ متكفلة بنشر كلمة اللّه طويّته، متممة من ظهور الدين الحنيف أمنيته، معظّم جلاله، و مجزل ثنائه، و مؤمّل عادة احتفاله بهذا الوطن الجهادي و اعتنائه، أيّد اللّه أمره، و أعزّ نصره. سلام كريم عليكم، و رحمة اللّه و بركاته. أما بعد حمد اللّه، و اصل سبب الفتوح، و مجزل مواهب النّصر الممنوح، و مؤيد الفئة القليلة بالملائكة و الرّوح، و الصلاة و السلام على سيدنا و مولانا محمد نبيّه، الآتي بنور الهدى بيّن الوضوح، الداعي من قبوله و رضوانه إلى المنهل المورود و الباب المفتوح، و الرّضا عن آله و أصحابه، أسود السّروج و حماة السّروح، و المقتفين‏

____________

(1) الانبتات: الانقطاع. لسان العرب (بتت).

(2) المراد بالجهة المرينية بلاط بني مرين بفاس.

44

نهجه في جهاد عدوّ اللّه بالعين القارّة و الصدر المشروح، و الدعاء لمقامكم العلي بالعز الرفيع الصّروح، فإنا كتبناه إليكم، كتب اللّه لكم سبوغ المواهب، و وضوح المذاهب، و عزة الجانب، و ظفرة الكتائب. من حمراء غرناطة حرسها اللّه، و نعم اللّه واكفة السحائب، كفيلة بنيل الرغائب، و اللّه يصل لنا و لكم عوارف اللطائف، و يجعل الشّهيد دليلا على الغائب. و إلى هذا وصل اللّه إعزازكم، و حرس أحوازكم، و عمر بالحقيقة من أمراد مجازنا و مجازكم. فإنّا بادرنا تعريفكم بما فتح اللّه علينا من الثغر العزيز على الإسلام، العائد رزؤه الفادح على عبادة الأصنام، ركاب الغارات، و ممكّن حياة المضرّات، و مخيف الطريق السابلة؛ و المسارح الآهلة، حصن برغة. و يسّر اللّه في استرجاعه، مع شهرة امتناعه، و تطهّر من دنس الكفّار، و أنيرت مئذنته بكلمة الشهادة الساطعة الأنوار، و عجلنا ذلك على حين وضعت الحرب فيه أوزارها، و وفت الأوتار أوبارها، فسار الكتاب إليكم، و أجير الأجر لم يجفّ عرقه، و عذر الاستعجال لاحبة طرقه. و لما عدنا إلى حضرتنا، بعد ما حصّناه و عمّرناه، و أجزلنا نظر الحزم له و فرقناه، لم تكد البنود لمسرّة فتحه أن تعاد إلى أماكن صونها، مرتقبة عادة اللّه في عونها، حتى طرقت الأنباء السارة بتوالي الصنع و انفراده، بتشفيع أفراده، و ذلك أن أهل رندة، حرسها اللّه، نافسوا جيرانهم من أهل مالقة، كان اللّه لجميعهم، و تولّى شكر صنيعهم، فيما كان من امتيازهم بحصن برغة، الجار المصاقب لها، فحميت هممهم السنيّة، و هانت في اللّه موارد المنيّة، و تضافر العمل و النيّة، و ظهر نجح المقاصد الدينية في إتاحة الفتوح الهنيّة، فوجهوا نحو حصن و حبر، و هو الداين صحر المدينة و نحرها، و العدوّ الذي لا يفتر عن ضرّها، و الحيّة الذكر التي هي مروان أمرها؛ ففتحوه بعون اللّه و قوته، و تهنّوا بعده سلوك الطريق، و إشاعة الريق، و مراصد الحرس، و مجلوّ الجرس، و أنصفوا، و انصرفوا إلى حصن باغة، من مشاهد تلك الحفرة، فناشبوه القتال، و أذاقوه الوبال، و فوقوا إليه النّبال، ففتحه اللّه فتحا هينا، لم تفتّ فيه للمسلمين نفس، و لا تطرّق لنصر التيسير لبس، فقابلنا بها لشكر هذه النعم المتوالية، و المنن المتقدّمة و التالية، و أعدنا الأعلام إلى مراكزها المشرفة المراقب، و الطبول إلى قرعها عملا من الإشارة بالواجب، و شكرنا اللّه على اتصال المواهب، و وضوح المذاهب، و خاطبنا مقامكم الذي نرى الصّنائع متواترة بنيّته الصالحة و قصده، و يعتد في الحرب و السلم بمجده، علما بأن هذه المسرّات، نصيبكم منها النصيب الأوفى؛ و ارتياحكم إلى مثلها لا يخفى. و نحن نرقب ما تنجلي عنه هذه النكايات التي تفتّت كبد العدو تتاليها، و تروع أحوازه و ما يليها، و لا بدّ له من امتعاض يروم به صرع المعرّة، و يأبى اللّه أن ذلك يأتي بالكرّة، و اللّه يجعلها محركات لحتفه المرقوب، و حينه المجلوب، و يحقق حقّ القلوب، في نصرة المطلوب، عرّفناكم بما تريدون‏

45

عملا بواجب برّكم، و معرفة بقدركم، و ما يتزايد نعرفكم به، و يتصل سبب التأكيد و التعجيل بسببه، و السلام.

الغزاة إلى حصن أشر:

و في أوائل شهر رمضان بعده، أعمل السلطان الحركة السعيدة إلى حصن أشر، و هو قفل الثغر الذي فضّه الطاغية، و سورها الذي فرغه الكفر، و جارحه المحلّق على البلاد، و المتحكم لو لا فضل اللّه في الأموال و الأولاد، فتأذن اللّه برد مغتصبه، و الشّفا من وصبه، و أحاط به و ناصبه الحرب، ففتحه اللّه على يده عنوة، على سموّ ذروته، و بعد صيته و شهرته، و اختيار الطاغية في حاميته بعد حرب لم يسمع بمثله، فاز بمزية الحمد فيها السلطان، لمباشرته إياها بنفسه، و حمل كلّها فوق كاهله، و اتّقاد ما حمد من الحميّة بتحريضه. ثم لما كان بعد الفتح من استخلاص القصبة و سدّ ثلمها بيده، و مصابرة جو القيظ عامّة يومه، فحاز ذكرا جميلا و حلّ من القلوب محلّا أثيرا، و رحل منها، بعد أن أسكن بها من الفرسان رابطة متخيرة، و من الرّماة جملة، و تخلّف سلاحا و عدّة، فكان الفتح على المسلمين، في هذا المعقل العزيز عليهم جليلا، و المنّ من اللّه جزيلا، و الصنع كثيرا، و صدرت المخاطبة للمغرب بذلك، على الأسلوب المرسل الخلي من السجع الغني.

الغزاة المعملة إلى أطريرة:

في شهر شعبان من عام ثمانية و ستين و سبعمائة، كانت الحركة إلى مدينة أطريرة بنت إشبيلية، و بلدة تلك الناحية الآمنة، مهاد الهدنة البعيدة عن الصّرمة، حرك إليها بعد المدى، و آثرها بمحض الرّدى، من بين بلاد العدا، ما أسلف به أهلها المسلمين، من قتل أسراهم في العام قبله. فنازلها السلطان أول رمضان، و ناشبها الحرب و استباح المدينة و ربضها عنوة، و لجأ أهلها إلى قصبتها المنيعة، ذات الأبراج المشيّدة، و أخذ القتال بمخنّقهم، و أعان الزحام على استنزالهم، فاستنزلوا على حكم المسلمين، فيما يناهز خمسة، بما لم يتقدمه عهد؛ و لا اكتحلت به في هذه المدة عين، و لا تلقته عنها أذن، و امتلأت أيدي المسلمين، بما لم يعلمه إلّا اللّه، من شتّى الغنائم، و أنواع الفوائد، و اقتسم الناس السّبي ربعا على الأكفال و الظهور، و تقديرا بقدر الرجال، و حملا فوق الظهور للفرسان، و عمرانا للسروج‏

____________

(1) أشر: بالإسبانيةIznajor ، و هو حصن يقع على ضفة نهر شنيل.

(2) أطريرة: بالإسبانيةUtrera و هي مدينة تقع جنوب شرقي إشبيلية. راجع: أزهار الرياض (ج 4 ص 60).

46

و الأعضاد بالصّبية، و برز الناس إلى ملاقاة السلطان، في هول من العزّ شهير من الفخر، و بعيد من الصيت، قرّت له أعينهم، و قعد لبيعتهم أياما تباعا، و ملأ بهم البلاد هدايا و تحفا و الحمد للّه، و صدرت المخاطبة بذلك إلى السلطان بالمغرب بما نصه من الكلام المرسل من إنشائي.

الغزاة إلى فتح جيّان:

و في آخر محرم من عام تسعة و ستين و سبعمائة، كانت الحركة الكبرى إلى مدينة جيان، إحدى دور الملك، و مدن المعمود، و كرسيّة الإمارة، و لو أن المدن الشهيرة افتتحها اللّه عنوة، و نقل المسلمون ما اشتملت عليه من النّعم و الأقوات و الأموال و الأنعام و الأثواب و الدّواب و السّلاح، و مكّنهم من قتل المقاتلة، و سبي الذرية، و تخريب الديار، و محو الآثار، و استنساف النّعم، و قطع الأشجار. و هذا الفتح خارق، تعالى أن يحيط به النّظم و النثر. فذكره أطير، و فخره أشهر. و صدرت في ذلك المخاطبة من إملائي إلى ملك المغرب. و أصاب الخلق عقب القفول في هذه الغزاة، مرض وافد، فشا في الناس كافة، و كانت عاقبته السّلامة؛ و تدارك اللّه بلطفه، فلم يتّسع المجال لإنشاد الشعراء، و مواقف الإطراء، إلى شغل عن ذلك.

الغزاة إلى مدينة أبدة:

و في أول ربيع الأول من هذا العام، كان الغزو إلى مدينة أبدة، و احتلّ بظاهرها جيش المسلمين، و أبلى السلطان في قتالها، و قد أخذت بعد جارتها جيّان أقصى أهبة، و استعدّت بما في الوسع و القوة، و كانت الحرب بها مشهورة. و افتتحها المسلمون فانتهبوها، و أعفوا مساكنها العظيمة البناء، و كنائسها العجيبة المرأى، و ألصقوا أسوارها بالثّرى، و رأوا من سعة ساحتها، و بعد أقطارها، و ضخامة بنائها، ما يكذّب الخبر فيه المرأى، و يبلّد الأفكار، و يحيّر النّهى. و للّه الحمد على آلائه التي لا تحصى. و قفل المسلمون عنها، و قد أخربوها، بحيث لا تعمر رباعها، و لا تأتلف حجورها و جموعها. و صدرت المخاطبة بذلك إلى صاحب المغرب من إنشائي بما نصّه:

و إلى هذا العهد جرت الحادثة على ملك قشتالة، بطره بن أدفونش بن هراندة بن شانجه، و هو الذي تهيأ به الكثير من الصّنع للمسلمين، بمزاحمة أخيه أندريق في الملك و تضييقه عليه، و حياز سبعة من كبار أصحابه، و أهل ملّته إليه، و افتقار بطره المذكور إلى إعانة المسلمين، و إجلابهم على من آثر طاعته ضدّه، فانهزم بظاهر حصن منتيل، و معه عدد من فرسان المسلمين، و لجأ إلى الحصن على غير أهبة

47

و لا استعداد، فأخذ أخوه الذي هزمه بمخنّقه، و أدار على الحصن البناء، و فرّ جيش المحصور، فاجتمع فلّه بأحواز أبدة، و راسلوا المسلمين في مظاهرتهم على استنقاذهم، فتوجهت الفتيا بوجوب ذلك. و وقع الاستنفار و الاحتشاد حرصا على تخليصه، ليسبّب بقاؤه بقاء الفتنة تستأصل الكفر، و تشغل بعض العدو ببعضه.

و في أثناء هذه المحاولة تباطن الحاين المحصور بمن معه، و بعد عليه الخلاص من ورطته، و مساهمة المسلمين إياه في محنته؛ و انقطعت عنه الأنباء بفرج من كربته، فداخل بعض أمراء أخيه و ظهرائه، ممن يباشر حصاره، و كان قومسا شهيرا من المدد الذي ظاهره، من أهل إفرنسية، و وعده بكل ما يطمع من مال و مهد، و توفية عهد، فأظهر له القبول، و أضمر الخديعة. و لما نزل إليه، سجنه و من لحق به من الأدلّاء و أولي الحرّة بالأرض و أمسكه، و قد طيّر الخبر إلى أخيه، فأقبل في شرذمة من خواصّه و خدّامه، فهجم عليه و قتله، و أوسع العفو من كان محصورا معه، و طير إلى البلاد برأسه، و أوغر التّبن في جثّته، و لبس ثياب الحزن من أجله، و إن كان معترفا بالصّواب في قتله، و خاطب البلاد التي كانت على مثل الجمر من طاعة الجاهر بمظاهرة المسلمين، و ما جرّ ذلك من افتتاح بلادهم، و تخريب كنائسهم، و الإتيان على نعمهم، فأجابته ضربة، و اتفقت على طاعته، فلم يختلف عليه منها اثنان، إلّا ما كان من مدينة قرمونة. و اجتمعت كلمة النصارى، و وقع ارتفاع شتاتهم، و صرفوا وجوههم إلى المسلمين، و شاع استدعاؤهم جميع من بأرض الشرق من العدوّ الثقيل ببرجلونة، و عدوّ الأشبونة، و العدو الثّقيل الوطأة بإفرانسيّة. و قد كان اللّه، جلّ جلاله، ألهم أهل البصائر النظر في العواقب، و الفكر فيما بعد اليوم أعمل. و وقع لي إذن السلطان، المخلي بيني و بين النصائح، في مخاطبة سلطان النصارى المنكوب لهذا العهد، فأشرت عليه بالاحتراز من قومه، و التّفطّن لمكايد من يحطب في حبل أخيه، و أريته اتخاذ معقل يحرز ولده و ذخيرته، و يكون له به الخيار على دهره، و استظهرت له على ذلك بالحكايات المتداولة، و التواريخ المعروفة، لتتّصل الفتنة بأرضهم، فقبل الإشارة و شكر النصيحة، و اختار لذلك مدينة قرمونة المختصّة بالجوار المكتّب، من دار ملكهم إشبيلية، فشيّد هضابها، و حصّن أسوارها، و ملأها بالمخازن طعاما و عدّة، و استكثر من الآلات، و استظهر عليها بالثّقات، و نقل إليها المال و الذخيرة، و سجن بها رهان أكابر إشبيلية، و أسرى المسلمين، و بالغ في ذلك، فيما لا غاية وراءه و لا مطمع، و لا ينصرف إلى مصرعه الذي دعاه القدر إليه، حتى تركها عدّة خلفه، و أودع‏

____________

(1) هي مدينة برشلونة، عاصمة مملكة أراغون في أيام ابن الخطيب.

48

بها ولده و أهله، و لجأ إليها بعض من خدّامه ممن لا يقبل مهدنة ضدّه، و لا يقرّ أمان عدوه، و التفوا على صغير من ولده كالنّحل على شهده، و لجأوا إلى المسلمين، فبغّض عليهم الكرّة و الفتح بقاء هذا الشّجى المعترض في حلقه، و أهمّه تغيير أمره، و جعجع به المسلمون لأجله، و أظهروا لمن انحاز بقرمونة الامتساك بعهده، فعظم الخرق، و أظهر اللّه نجح الحيلة، و صدّق بها المخيّلة، و تفتّر الأمر، و خمدت نار ذلك الإرجاف، و اشتغل الطاغية بقرمونة، بخلال ما خوطب به صاحب الأرض الكبيرة، فطمّعه في المظاهرة، و تحطّب له ملك قشتالة، و عقد السّلم مع صاحب برطغال‏ و الأشبونة، و نشأت الفتن بأرضهم، و خرجت عليهم الخوارج، فأوجب إزعاجه إلى تلك الجهة، و إقرار ما بالبلاد المجاورة للمسلمين من الفرسان و الحماة تقاتل و تدافع عن أحوازها، و جعل الخصص موجّهة قرمونة، و انصرف إلى سدّ الفتوق التي عليه بلطف الحيلة، ببواطن أرضه، و أحشاء عمالته، و صار في ملكه أشغل من ذات النّحيين، فساغ الرّيق، و أمكن العذر، و انتهز الغرّة، و استؤنفت الحركة، فكانت إلى حصن منتيل و الحويز، ففتحهما اللّه في رمضان من عام سبعين و سبعمائة، ثم إلى ثغر روطة، ففتحه اللّه عن جهد كبير، و اتصل به حصن زمرة، فأمّن الإسلام عادية العدوّ بتلك الناحية، و كبس أهل رندة بإيعاز من السلطان إليها و إلى من بالجبل، جبل الفتح، حصن برج الحكيم و القشتور، فيسّر اللّه فتحهما في رمضان أيضا.

ثم كانت الحركة إلى الجزيرة الخضراء، باب الأندلس، و بكر الفتح الأول، فكانت الحركة إليها شهر ذي الحجة من العام المذكور. و وقع تحريض الناس بين يدي قصدها في المساجد بما نصّه:

معاشر المسلمين المجاهدين، و أولي الكفاية عن ذوي الأعذار من القاعدين، أعلى اللّه بعلوّ أيديكم كلمة الدين، و جعلكم في سوى الأجر و الفخر من الزاهدين، اعلموا، رحمكم اللّه، أن الإسلام بالأندلس ساكن دار، و الجزيرة الخضراء بابه، و مبعد مغار، و الجزيرة الخضراء ركابه، فمن جهتها اتصلت في القديم و الحديث أسبابه، و نصرته على أعدائه و أعداء اللّه أحبابه، و لم يشكّ العدو الكافر الذي استباحها، و طمس بظلمة الكفر صباحها، على أثر اغتصابها، و اسوداد الوجوه المؤمنة لمصابها، و تبديل محاربها، و علوق أصله الخبيث في طيّب تراثها، أن صريع الدين الحنيف بهذا الوطن الشريف لا ينتعش و لا يقوم، بعد أن فري الحلقوم، و أن الباقي‏

____________

(1) الأرض الكبيرة هي فرنسا.

(2) برطغال: هي البرتغال‏portugal .

(3) راجع: أزهار الرياض (ج 4 ص 72).

49

رمق يذهب، و قد سدّ إلى التّدارك المذهب، لو لا أن اللّه دفع الفاقرة و وقاها، و حفظ المسكنة و استبقاها، و إن كان الجبل‏ عصمة اللّه نعم البقية، و بمكانه حفّت التقية، فحسبك من مصراع باب فجع بثانيه، و مضايق جوار حيل بينه و بين أمانيه.

و الآن، يا عباد اللّه، قد أمكنكم الانتهاز، فلا تضيّعوا الفرصة، و فتر المخنّق فلا تسوّغه غصّة، و اعمروا البواطن بحميّة الأحرار، و تعاهدوا مع اللّه معاهد الأولياء الأبرار، و انظروا للعون من الذّراري و الأبكار، و النشأة الصّغار، زغب الحواصل في الأكوار، و الدين المنتشر بهذه الأقطار، و اعملوا للعواقب تحمدوا عملكم، و أخلصوا للّه الضمائر يبلّغكم من فضله أملكم، فما عذر من سلّم في باب و كره، و ما ذا ينتظر من أذعن لكيد عدوّه و مكره. من هذه الفرضة، دخل الإسلام تروّع أسوده، و من هذه الجهة طلع الفتح الأول تخفق بنوده، و منها تقتحم الطير الغريب، إذا رامت الجواز و فوده، فيبصر بها صافّات و الدليل يقوده. الباب المسدود، يا عباد اللّه، فافتحوه، وجه النّصر تجلّى يا عباد اللّه فالمحوه، الداء العضال يا عباد اللّه فاستأصلوه، حبل اللّه يا رجال اللّه قد انقطع فصلوه. في مثلها ترخص النفوس الغالية، في مثلها تختبر الهمم العالية، في مثلها تشهر العقائد الوثيقة، و تدسّ الأحباس العريقة، فنضّر اللّه وجه من نظر إلى قلبه، و قد امتلأته حميّة الدين، و أصبح لأن تكون كلمة اللّه هي العليا متهلّل الجبين.

اللهمّ إنّا نتوسّل إليك بأسرار الكتاب الذي أنزلته، و عناية النبيّ العربي الذي أوفدت من خصوص الرّحمات و أجزلت، و بكل نبيّ ركع لوجهك الكريم و سجد، و بكل وليّ سدّه من إمدادك كما وجد، ألا ما رددت علينا ضالّتنا الشاردة، و هنّأتنا بفتحها من نعمك الواردة، يا مسهل المآرب العسرة، يا جابر القلوب المنكسرة، يا وليّ الأمة الغريبة، يا منزل اللطائف القريبة، اجعل لنا من ملائكة نصرك مددا، و أنجز لنا من تمام نورك الحقّ موعدا. ربّنا آتنا من لدنك رحمة، و هيّئ لنا من أمرنا رشدا.

فوقع الانفعال، و انتشرت الحميّة، و جهزت الأساطيل. و كانت منازلتها يوم السبت الثالث و العشرين من الشهر المذكور، و عاطاها المسلمون الحرب، فدخلت البنية و هي المدينة الملاصقة لها عنوة، قتل بها من الفرسان الدّارعة عدّة، و صرفت الغنائم إلى المدينة الكبرى، فرأوا من أمر اللّه، ما لا طاقة لهم به، و خذلهم اللّه جلّ‏

____________

(1) الفاقرة: الداهية التي تكسر الفقار، و الجمع فواقر. محيط المحيط (فقر).

(2) المقصود هنا جبل الفتح، أي جبل طارق.

50

جلاله، على منعة الأسوار و بعد مهاوي الأغوار، و كثرة العدّ و العدد، و طلبوا الأمان لأنفسهم، و كان خروجهم عنها يوم الاثنين الخامس و العشرين من الشهر المذكور، السعيد على المسلمين، في العيد و السرور، برد الدين، و للّه الحمد على آلائه، و توالي نعمه و إرغام أعدائه.

و في وسط ربيع الأول من عام أحد و سبعين و سبعمائة، أعمل الحركة إلى أحواز إشبيلية دار الملك، و محل الشّوكة الحادّة، و بها نائب سلطان النصارى، في الجمع الخشن من أنجاد فرسانهم، و قد عظم التضييق ببلدة قرمونة، المنفرد بالانتزاء على ملك النصارى، و الانحياز إلى خدمة المسلمين، فنازل المسلمون مدينة أشونة، و دخلوا جفنها عنوة، و اعتصم أهلها بالقصبة، فتعاصت، و استعجل الإقلاع منها لعدم الماء المروي و المحلّات، فكان الانتقال قدما إلى مدينة مرشانة و قد أحدقوا بها، و بها العدّة و العديد من الفرسان الصّناديد، ففتحها اللّه سبحانه، إلّا القصبة، و استولى المسلمون فيها، و في جارتها، من الدواب و الآلات على ما لا يأخذه الحصر، و قتل الكثير من مقاتلتها، و عمّ جميعها العدم و الإحراق، و رفعت ظهور دواب المسلمين من طعامها ما تقلّه أظهر مراكب البحار، ما أوجب في بلاد المسلمين التّوسعة، و انحطاط الأسعار، و أوجب الغلاء في أرض الكفّار، و قفل، و الحمد للّه، في عزّ و ظهور، و فرح و سرور.

مولده السعيد النّشيئة، الميمون الطلوع و الجيئة:

المقترن بالعافية، منقولا من تهليل نشأته المباركة، و حرز طفولته السعيدة، في نحو ثلث ليلة الاثنين و العشرين من جمادى الآخرة عام تسعة و ثلاثين و سبعمائة. قلت: و وافقه من التاريخ الأعجمي رابع ينير من عام ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين‏ لتاريخ الصّفر. و اقتضت صناعة التعديل بحسب قيمودا و بطليموس، أن يكون الطالع ببرج القمر؛ لاستيلائه على مواضع الاستقبال المتقدم للولادة، و يكون التخمين على ربع ساعة و عشر ساعة، و ثلث عشر الساعة السادسة من ليلة الاثنين المذكورة، و الطالع من برج السّنبلة، خمس عشرة درجة، و ثمان و أربعون دقيقة من درجة. كان اللّه له في الدنيا و الآخرة، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

____________

(1) أشونه، بالإسبانية:Osuna ، و هي مدينة من كور إستجة الأندلس. الروض المعطار (ص 60).

(2) النشيئة: النشأة.

(3) الصواب: 21 كانون الثاني من عام 1338 م.

51

محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر ابن قيس الخزرجي الأنصاري‏

من ولد سعد بن عبادة، صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ابن سليمان بن حارثة بن خليفة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمر بن يعرب بن يشجب بن قحطان بن هميسع بن يمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم صلّى اللّه عليه و على محمد الكريم. أمير المسلمين بالأندلس و دايلها خدمة النّصريين بها. يكنى أبا عبد اللّه، و يلقب بالغالب بالله.

أوّليّته: و قد اشتهر عند كثير ممن عني بالأخبار أن هذا البيت النّصري من ذرّية سعد بن عبادة سيد الخزرج، و صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و صنّف الناس في اتصال نسبهم بقيس بن سعد بن عبادة غير ما تصنيف. و أقوى ما ذكر قول الرّازي: دخل الأندلس من ذرّية سعد بن عبادة رجلان، نزل أحدهما أرض تاكرونّا، و نزل الآخر قرية من قرى سقر سطونة، تعرف بقرية الخزرج، و نشأ بأحواز أرجونة من كنبانيّة قرطبة، أطيب البلاد مدرة، و أوفرها غلّة، و هو بلده، و بلد جدّه، في ظل نعمة، و علاج فلاحة، و بين يدي نجدة و شهرة، بحيث اقتضى ذلك، أن يفيض شريان الرياسة، و انطوت أفكاره على نيل الإمارة، و رآه مرتادو أكفاء الدول أهلا، فقد حوا رغبته، و أثاروا طمعه.

حدّث شيخنا الكاتب الشاعر، محمد بن محمد بن عبد اللّه اللّوشي اليحصبي، و قد أخبرني أنه كان يوجد بمدينة جيّان رجل من أهل الماليّة، و كان له فرس أنثى من عتاق الخيل، على عادة أولي المالية، و كان له من أهل الثغور، من ارتباط الخيل، و التنافس في إعداد القوة. و شهرت هذه الفرس في تلك الناحية، و بعث الطّاغية ملك الروم في ابتياعها، فعلقت بها كفّ هذا الرجل، و آثر بها نفسه، و ازداد غبطة بها لديه، و رأى في النوم قائلا يقول له: سر إلى أرجونة، بفرسك، و ابحث عن رجل اسمه كذا، و صفته كذا، فأعطه إياها، فإنه سيملك جيّانا و سواها، ينتفع بها عقبك. و أرجى‏ء الأمر، فعرض عليه ثانية، و حثّ في ذلك في الثّالثة، فسأل ثقة له خبيرا بتلك الناحية و أهلها، فقال له المخبر، و كان يعرف بابن يعيش، فوصفه له، فتوجه الفقيه إلى‏

____________

(1) ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن يوسف بن نصر في المغرب (ج 2 ص 109) و البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 296، 341) و اللمحة البدرية (ص 36).

(2) كنبانية: كلمة إسبانيةCampana ، و تعني الأرض الجرداء. راجع نفح الطيب (ج 4 ص 191) حاشية المحقق.

52

أرجونة، و نزل بها، و تسومع به، و أقبل السلطان و أظهاره، و تكلموا في شأنه، فذكر غرضه فيه، و أظهر العجز عن الثّمن، و سأل منه تأخير بعضه، فأسعفه، و اشترى منه الفرس بمال له خطر. فلما كمل له القصد، طلب منه الخلوة به في المسجد من الحصن، و خرج له عن الأمر، و أعطاه بيعته، و صرف عليه الثّمن، و استكتمه السلطان خيفة على نفسه، و انصرف إلى بلده.

قال: و في العام بعده، دعا إلى نفسه بأرجونة، و تملّك مدينة جيّان، و اختلف في السبب الذي دعاه إلى ذلك، فقيل: إن بعض العمال أساء معاملته في حقّ مخزني، و قيل غير ذلك.

حاله: هذا الرجل كان آية من آيات اللّه في السّذاجة و السلامة و الجمهورية، جنديّا، ثغريّا شهما، أيّدا، عظيم التّجلّد، رافضا للدّعة و الرّاحة، مؤثرا للتقشف، و الاجتراء باليسير، متبلغا بالقليل، بعيدا عن التّصنّع، جافي السلاح، شديد العزم، مرهوب الإقدام، عظيم التّشمير، مقريا لضيفه، مصطنعا لأهل بيته، فظّا في طلب حظّه، محميا لقرابته و أقرانه و جيرانه، مباشرا للحروب بنفسه، تتغالى الحكاة في سلاحه، و زينة دبوره. يخصف النعل، و يلبس الخشن، و يؤثر البداوة، و يستشعر الجدّ في أموره. سعد بيوم الجمعة، و كان فيه تملّكه جيّان؛ ثم حضرة الملك غرناطة، و قيل: يوم قيامه شرع فيه الصّدقة الجارية على ضعفاء الحضرة، و منائهم إلى اليوم.

و تملك مدينة إشبيلية في أخريات ربيع الأول من عام ظهوره، و هو عام تسعة و عشرين و ستمائة نحوا من ثلاثين يوما. و ملك قرطبة في العشر الأول لرجب من العام المذكور، و كلاهما عاد إلى ملك ابن هود.

و لما تمّ له القصد من تملّك البيضة، و الحصول على العمّال، مباشرا للحسابات بنفسه، فتوفّر ماله، و غصّت بالصامت خزائنه، و عقد السّلم الكبير، و تهنّأ أمره، و أمكنه الاستعداد، فأنعم الأهواء، و ملأ بطن الجبل المتصل بالقلعة حبوبا مختلفة، و خزائن درّة، و مالا و سلاحا وارية ظهرا، و كراعا، فوجد فائدة استعداده، و لجأ إلى ما ادّخره من عتاده.

سيرته: تظاهر لأول أمره بطاعة الملوك بالعدوة و إفريقية، يخطب لهم زمانا يسيرا، و توصل بسبب ذلك إلى إمداد منهم و إعانة، و لقبل ما افتتح أمره بالدعاء للمستنصر العباسي ببغداد، حاذيا حذو سميّه ابن هود، للهج العامة في وقته، بتقلد تلك الدعوة، إلى أن نزع عن ذلك كله.

____________

(1) في المغرب: «و قد ملك إشبيلية و قتل ملكها المعتضد الباجي».