الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
3

[المجلد الثالث‏]

[تتمة قسم الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و آله و صحبه و سلّم‏

محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن أحمد العزفي‏

من أهل سبتة، أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب.

حاله: من أهل الظّرف و البراعة، و الطبع المعين، و الذكاء، رئيس سبتة، و ابن رؤسائها، و انتقل إلى غرناطة عند خلعه و انصرافه عن بلده. أقام بها تحت رعي حسن الرّواء، مألفا للظرفاء، و اشتهر بها أدبه، و نظر في الطّبّ و دوّن فيه، و برع في التّوشيح. ثم انتقل إلى العدوة، انتقال غبطة و أثرة، فاستعمل بها في خطط نبيهة، و كتب عن ملوكها، و هو الآن بالحالة الموصوفة.

و جرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه‏: فرع تأوّد من الرئاسة في دوحة، و تردّد بين غدوة في المجد و روحة، نشأ و الرئاسة العزفيّة تعلّه و تنهله، و الدّهر يسيّر أمله الأقصى و يسهّله، حتى اتّسقت أسباب سعده، و انتهت إليه رياسة سلفه من بعده، فألقت إليه رحالها و حطّت، و متّعته بقربها بعدما شطّت. ثمّ كلح له الدهر بعد ما تبسّم، و عاد زعزعا نسيمه الذي كان يتنسّم، و عاق هلاله عن تمّه، ما كان من تغلّب ابن عمّه، و استقرّ بهذه البلاد نائي‏ الدار بحكم الأقدار، و إن كان نبيه المكانة و المقدار، و جرت عليه جراية واسعة، و رعاية متتابعة، و له أدب كالرّوض باكرته‏

____________

(1) ترجمة العزفي في الدرر الكامنة (ج 4 ص 52) و نفح الطيب (ج 8 ص 378) و أزهار الرياض (ج 2 ص 378) و جاء في أزهار الأرض أنه ولد بسبتة عام 699 ه، و بويع بها بعد أبيه عام 719 ه، و خلع في سنة 720 ه، فكانت دولته ستة أشهر، و توفي بفاس سنة 768 ه. و قد ذكرنا ذلك؛ لأن ابن الخطيب لم يذكره هنا كعادته مع سائر التراجم.

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 378).

(3) الزعزع: الريح الشديدة. لسان العرب (زعزع).

(4) في نفح الطيب: «نازح».

4

الغمائم، و الزّهر تفتّحت عنه الكمائم، رفع منه راية خافقة، و أقام له سوقا نافقة.

و على تدفّق أنهاره، و كثرة نظمه و اشتهاره، فلم أظفر منه إلّا باليسير التافه بعد انصرافه.

شعره: قال: [مجزوء الرجز]

أفديك يا ريح الصّبا* * *عوجي على تلك الرّبى‏

* * *

واحد النّعامى سحرا* * *ترسل غماما صبّا

* * *

على ربى غرناطة* * *لكي تقضّي ما ربا

* * *

ثم ابلغي‏ يا ريح‏* * *عن صبّ سلاما طيّبا

* * *

و من منظومه أيضا في بعض القضاة الفاسيّين، و هو من البديع، و ورّى فيه ببابين من أبواب المدينة: [المتقارب‏]

و ليت بفاس أمور القضاء* * *فأحدثت فيها أمورا شنيعه‏

* * *

فتحت لنفسك باب الفتوح‏* * *و غلقت للناس باب الشّريعة

* * *

فبادر مولى الورى فارس‏* * *بعزلك عنها قبيل الذّريعه‏

* * *

و قال: [الكامل‏]

دع عنك قول عواذل و وشاة* * *و أدر كؤوسك يا أخا اللّذّات‏

* * *

و اخلع عذارك لاهيا في شربها* * *و اقطع زمانك بين هاك و هات‏

* * *

خذها إليك بكفّ ساق أغيد* * *لين المعاطف فاتر الحركات‏

* * *

قد قام من ألحاظه إنسانها* * *مثبّتا في فترة اللحظات‏

* * *

يسقيكها حمراء يسطع نورها* * *في الكأس كالمصباح في المشكات‏

* * *

رقّت و راقت في الزّجاجة منظرا* * *لمّا عدت تجلي على الرّاحات‏

* * *

لا تمزجنها في الأبارق إنها* * *تبدو محاسنها لدى الكاسات‏

* * *

عجبا لها كالشمس تغرب في فم‏* * *لكن مطالعها من الوجنات‏

* * *

نلنا بها ما نشتهيه من المنى‏* * *في جنّة تزهى على الجنّات‏

* * *

رفّت عليها كلّ طلّ سجسج‏* * *من كلّ غضّ يانع الثمرات‏

* * *

ما بين خضر حدائق و خمائل‏* * *و جداول تفضي إلى دوحات‏

* * *

سرى النسيم بها يصافح زهره‏* * *فيهبّ و هو مورّج النفحات‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «أبلغي» و كذا ينكسر الوزن.

5

و شدا لنا فيها مغنّ شادن‏* * *حاز المدى سبقا إلى الغايات‏

* * *

طربت له القضب اللّدان و بادرت‏* * *رجعا له تختال في الحبرات‏

* * *

مرّت عليه ركّعا لكنها* * *جعلت تحيّتها لدى الرّكعات‏

* * *

قصرت صلاة الخوف منه فقرّبت‏* * *قربانها و حفته بالزّهرات‏

* * *

و العود مثناه يطابق زيّها* * *فيها ردانات على رنّات‏

* * *

إن جسّ مثلثه بان بغنّة* * *في اليمّ منه ثقيلة النّغمات‏

* * *

فكان ما غنّت عليه الورق من‏* * *ألحانها ألقاه للقينات‏

* * *

عكفت على ألحانها تشدو لنا* * *خلف السّتائر باختلاف لغات‏

* * *

فكأنها عجم تورات بالحجاب‏* * *و ردّدت سورا من التّورات‏

* * *

نطقت بأفصح نغمة في شدوها* * *تتلو علينا هذه الآيات‏

* * *

و مما أنشده ليلة ميلاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [المتقارب‏]

إذا لم أطق نحو نجد وصولا* * *بعثت الفؤاد إليها رسولا

* * *

و كم حلّ قلبي رهينا بها* * *غداة نوى الرّكب فيها النزولا

* * *

محل بها في الحلال التي‏* * *ضحى أصبح القوم فيها حلولا

* * *

و كم بتّ فيها غداة النّوى‏* * *أسحّ من العين دمعا همولا

* * *

على شمس حسن سما ناظري‏* * *إليها و عنّي توارت أفولا

* * *

وقفت بوادي الغضا ساعة* * *لعلّي أندب فيها الطّلولا

* * *

و في البان من أيكه ساجع‏* * *يرجّع بالقضب منها الهديلا

* * *

بحقّ الهوى يا حمام الحمى‏* * *ترفّق بقلبي المعنّى قليلا

* * *

فقد هجت تاللّه أشواقه‏* * *بذكرك إلفا ثنى‏ أو خليلا

* * *

أ لم تدر أن ادّكاري الهوى‏* * *يذيب و يعنى الفؤاد العليلا؟

* * *

رعى اللّه تلك المطايا الّتي‏* * *إلى الحجّ و خدا سرت أو ذميلا

* * *

و يا عجبا كيف خفّت بهم‏* * *و حمّلت القلب حملا ثقيلا

* * *

و ودّعني الصبر إذ ودّعوا* * *فما أن وجدت إليه سبيلا

* * *

و آثرت، يا ويح نفسي، المقام‏* * *و آثر أهل الوداد الرّحيلا

* * *

____________

(1) في الأصل: «في» و كذا ينكسر الوزن.

(2) الغنّة: صوت يخرج من الخيشوم. محيط المحيط (غنن).

(3) في الأصل: «ثانيا»، و كذا ينكسر الوزن.

6

و جادوا رجاء الرّضى بالنفوس‏* * *و كنت بنفسي ضنينا بخيلا

* * *

ندمت على السّير إذ فاتني‏* * *و لازمت حزني دهرا طويلا

* * *

و فاز المخفّون إذ يمّموا* * *منازل آثارها لن تزولا

* * *

و حجّوا و زاروا نبيّ الهدى‏* * *محمدا الهاشميّ الرسولا

* * *

و فازوا بإدراك ما أملوا* * *و نالوا لديه الرّضى و القبولا

* * *

و لو كنت في عزمهم مثلهم‏* * *إذا لانصرفت إليه عجولا

* * *

و لكنني أثقلتني الذنوب‏* * *و ما كنت للثّقل منها حمولا

* * *

ركبت مطيّة جهل الصّبا* * *و كانت أوان التّصابي ذلولا

* * *

و مالت بي النّفس نحو الهوى‏* * *و قد وجدتني غرّا جهولا

* * *

فطوبى لمن حلّ في طيبة* * *و عرّس بالسّفح منها الحمولا

* * *

و نال المنى في منّى عندما* * *نوى بالمنازل منها نزولا

* * *

و أصفى الضمائر نحو الصّفا* * *يؤمّل للوصل فيه الوصولا

* * *

و جاء إلى البيت مستبشرا* * *ليطهر بالأمن فيه دخولا

* * *

و طاف و لبّى بذاك الحمى‏* * *و نال من الحجر قصدا وسولا

* * *

بلاد بها حلّ خير الورى‏* * *فطوبى لمن نال فيها الحلولا

* * *

نبيّ كريم سما رفعة* * *و قدرا جليلا و مجدا أصيلا

* * *

و كان لأمّته رحمة* * *بفضل الشفاعة فيهم كفيلا

* * *

و كان رؤوفا رحيما لهم‏* * *عطوفا شفيعا عليهم وصولا

* * *

له يفزعون إذا ما رأوا* * *لدى الحشر خسفا و أمرا مهولا

* * *

و إن جاء في ذنبهم شافعا* * *بدا الرّحب من ربّه و القبولا

* * *

له معجزات إذا عدّدت‏* * *تفوت النّهى و تكلّ العقولا

* * *

و لن يبلغ القول معشارها* * *و إن كان الوصف فيها مطيلا

* * *

و قسّ البيان و سحبانه‏* * *يرى ذهنه في مداها كليلا

* * *

تخيّره اللّه في خلقه‏* * *فكان الخطير لديه المثيلا

* * *

____________

(1) في الأصل: «رجا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) قسّ: هو قسّ بن ساعدة بن عمرو الإيادي، أسقف نجران، و خطيب العرب و شاعرها، يضرب به المثل في البلاغة. و سحبان: رجل من بني باهلة يضرب به المثل في الخطابة و الفصاحة، فيقال: أخطب من سحبان وائل.

7

و لم ير في النّاس ندّا له‏* * *و لا في الخلائق منه بديلا

* * *

و أبقى له الحكم في أرضه‏* * *فكان الأمين عليها الوكيلا

* * *

و كلّ ظلام و ظلم بها* * *على الفور لمّا أتى قد أزيلا

* * *

و كانت كنار لظى فتنة* * *فعادت من الأمن ظلّا ظليلا

* * *

و قد زان حسن الدّجى جيله‏* * *إذا ذكر الدهر جيلا فجيلا

* * *

و أيّامه غرر قد بدت‏* * *بوجه الدّنا و الليالي حجولا

* * *

رسول كريم إذا جئته‏* * *و يمّمت مغناه تلقى القبولا

* * *

بمولده في زمان الربيع‏* * *ربيع أتانا يجرّ الذّيولا

* * *

فأهلا به الآن من زائر* * *أتانا بفضل يفوق الفضولا

* * *

و قام الإمام به المرتضى‏* * *فنال ثوابا و أجرا جزيلا

* * *

هو المستعين أبو سالم‏* * *مليك ترفّع قدرا جليلا

* * *

و حاز من الصّيت ذكرا أثيرا* * *و من كرم الخيم مجدا أثيلا

* * *

سليل عليّ غمام النّدى‏* * *ألا أيّد اللّه ذاك السّليلا

* * *

فتى أوسع النّاس من جوده‏* * *عطاء جزيلا و برّا حفيلا

* * *

حلاه الوقار و لاقيه‏* * *إذا ارتاح للجود يلفى عجولا

* * *

و قد شاع عنه جميل الثّناء* * *و عمّ البسيطة عرضا و طولا

* * *

و ما منّ بالوعد إلّا وفى‏* * *فلم يك بالوعد يوما مطولا

* * *

و لا في علاه مغال لمن‏* * *يكثّر في الملك قالا و قيلا

* * *

تفرّد بالفضل في عصره‏* * *و كان بعرف الأيادي كفيلا

* * *

أطاعت له حين وافى البلاد* * *رضّى عندما حلّ فيها حلولا

* * *

و جاء لطاعته أهلها* * *سراعا يرومون فيها الدّخولا

* * *

فنبّه قدر الموالي بها* * *و أكسف فيها المعادي خمولا

* * *

و مهّد بالأمن أفكارها* * *و أمّن بالعدل فيها السبيلا

* * *

و كفّ أكفّ التعدّي بها* * *فلا يظلم الناس فيها فتيلا

* * *

و عصر الكروب الذي قد مضى‏* * *زمان المسرّات منه أديلا

* * *

____________

(1) في الأصل: «عطا».

(2) في الأصل: «الثنا».

(3) في الأصل: «وجا».

8

أتانا إلى الغرب في شوكة* * *بها عاد جمع الأعادي قليلا

* * *

و فوق رؤوس الطغاة انتضى‏* * *حساما ليسمع فيها صليلا

* * *

و جرّد من عزمه مرهفا* * *لحسم أمور المناوي صقيلا

* * *

و كل كفور معاد له‏* * *سيأخذه اللّه أخذا و بيلا

* * *

أعزّ الخلائق لمّا ولي‏* * *و نوّه من كان منهم ذليلا

* * *

و راعى لمن جاءه داخلا* * *حماه من القاصدين الدّخيلا

* * *

فكان بأفعاله قصده‏* * *إلى منهج الفضل قصدا جميلا

* * *

و صحّ انتعاش المعالي به‏* * * و قد كان شخص المعالي عليلا

و شيّد مبنى العلا بالنّدى‏* * * و وثّقه خشية أن يميلا

ينيل و يعطي جزيل العطاء (1)* * * فما زال أخرى الليالي منيلا

و دام مدى الدّهر في رفعة* * * تثير من الحاسدين الغليلا

و لا برح السعد في بابه‏* * * يؤمّ به مربعا أو مقيلا

محمد المكودي‏ (2)

من أهل فاس، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من «الإكليل» (3): شاعر لا يتعاطى‏ (4) ميدانه، و مرعى بيان ورف عضاهه‏ (5) و أينع سعدانه‏ (6)، يدعو الكلام فيهطع‏ (7) لداعيه، و يسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه، غير أنه أفرط في الانهماك، و هوى إلى السّمكة من أوج السّماك‏ (8). و قدم‏ (9) على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار، صفر اليمين و اليسار من اليسار، ملئ هوى أنحى على طريفه و تلاده، و أخرجه من بلاده.

____________

(1) في الأصل: «العطا».

(2) هو محمد بن محمد المكودي، ترجمته في نفح الطيب (ج 8 ص 225، 378) و أزهار الرياض (ج 5 ص 49) و جاء فيه أنه: أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن المكودي.

(3) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج 8 ص 378- 379).

(4) في النفح: «لا يتقاصى».

(5) في الأصل: «عضله» و التصويب من النفح.

(6) السّعدان: نبت له شوك. لسان العرب (سعد).

(7) يهطع: يسرع. لسان العرب. (هطع).

(8) السمكة: برج في السماء. و السّماك: واحد السّماكين و هما كوكبان نيّران، يقال لأحدهما السّماك الرامح و للآخر السماك الأعزل، و مراده أنه هوى من الأوج إلى الحضيض. لسان العرب (سمك).

(9) في النفح: «قدم».

9

و لمّا جدّ به البين، و حلّ هذه البلاد (1) بحال تقبحها العين، و السيف بهزّته، لا بحسن بزّته، دعوته‏ (2) إلى مجلس أعاره البدر هالته، و خلع عليه الأصيل غلالته، و روض تفتّح كمامه، و همى عليه غمامه، و كاس أنس تدور، فتتلقّى نجومها البدور. فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله، و تذكّر هواه و يوم نواه حتّى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، و استقينا (3) منها غمامه، فأمتع و أحسب، و نظر و نسب، و تكلّم في المسائل، و حضر (4) بطرف الأبيات و عيون الرسائل، حتى نشر الصباح رايته، و أطلع النهار آيته.

و مما أنشدنا و نسب لنفسه‏ (5): [الوافر]

غرامي فيك جلّ عن القياس‏* * * و قد أسقيتنيه بكل كاس‏

و لا أنسى هواك و لو جفاني‏* * * عليك أقاربي طرّا و ناسي‏

و لا أدري لنفسي من كمال‏* * * سوى أنّي لعهدك غير ناس‏

و قال في غرض معروف‏ (6): [الطويل‏]

بعثت بخمر فيه ماء و إنّما* * * بعثت بماء (7) فيه رائحة الخمر

فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنا* * * فنحن بلا سكر و أنت بلا شكر

و مما خاطبني به‏ (8): [البسيط]

رحماك بي فلقد خلّدت في خلدي‏* * * هوى أكابد منه حرّة (9) الكبد

حللت عقد سلوّي في‏ (10) فؤادي إذ* * * حللت منه محلّ الروح في‏

(11) جسدي‏

مرآك بدري و ذكراك التذاذ فمي‏* * * و دين حبّك إضماري و معتقدي‏

و من جمالك نور لاح في بصري‏* * * و من ودادك روح حلّ في خلدي‏

لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرا (12)* * * فقبل حبّك كان الصبر طوع

يدي‏

و هاك جسمي قد أودى النّحول به‏* * * فلو طلبت وجودا منه لم تجد

____________

(1) في النفح: «البلدة».

(2) في النفح: «دعوناه».

(3) في النفح: «و استسقينا».

(4) في النفح: «و حاضر».

(5) في النفح: «فممّا نسبه إلى نفسه و أنشدناه قوله».

(6) اكتفى في النفح بالقول: «و قال».

(7) في الأصل: «بما» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(8) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 225- 226).

(9) في النفح: «حرقة».

(10) في النفح: «عن».

(11) في النفح: «من».

(12) في الأصل: «مصطبر». و التصويب من النفح.

10

بما بطرفك من غنج و من حور* * * و ما بثغرك من درّ و من برد

كن بين طرفي و قلبي منصفا فلقد* * * حابيت‏ (1) بعضهما فاعدل و لا

تحد

فقال لي قد جعلت القلب لي وطنا* * * و قد قضيت على الأجفان بالسّهد

و كيف تطلب عدلا و الهوى حكم‏* * * و حكمه قطّ لم يعدل على أحد

من لي بأغيد لا يرثي إلى شجن‏* * * و ليس يعرف ما يلقاه ذو كمد

ما كنت من قبل إذعاني لصولته‏ (2)* * * إخال أنّ الرّشا يسطو على

الأسد

إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده‏* * * فإن قنعت بزور الوعد لم يعد

شكوته علّتي منه فقال: ألا (3)* * * سر للطبيب فما برء الضّنى بيدي‏

فقلت: إن شئت برئي أو شفا ألمي‏* * * فبارتشاف لماك الكوثريّ جد

و إن بخلت فلي مولى يجود على‏* * * ضعفي و يبرئ ما أضنيت من جسدي‏

(4)

و خرج إلى المدح فأطال.

المقرئون و العلماء- الأصليون منهم‏

محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي‏

(5) يكنى‏ (6) أبا القاسم، من أهل غرناطة و ذوي الأصالة و النباهة فيها، شيخنا رحمة اللّه عليه.

أوليته: أصل‏ (7) سلفه من ولبة (8) من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند

____________

(1) حابيت بعضهما: نصرته و ملت إليه؛ يقال: حابى القاضي في الحكم إذا مال منحرفا عن الحق.

لسان العرب (حبا).

(2) في النفح: «لسطوته».

(3) في الأصل: «فقال الأمر للطبيب فما ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «جسد» و التصويب من النفح.

(5) ترجمة ابن جزي في الكتيبة الكامنة (ص 46) و أزهار الرياض (ج 3 ص 184) و الديباج المذهب (ص 295) و نيل الابتهاج (ص 235) و نفح الطيب (ج 8 ص 58).

(6) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 58) و أزهار الرياض (ج 3 ص 184- 185).

(7) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 58) و أزهار الرياض (ج 3 ص 184- 185).

(8) في الأصل: «ولمة» و التصويب من النفح و أزهار الرياض.

11

الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، و عند خلع دعوة (1) المرابطين، و كانت لجدهم بجيّان رئاسة و انفراد بالتدبير.

حاله: كان‏ (2)، (رحمه اللّه)، على طريقة مثلى من العكوف على العلم، و الاقتصاد (3) على الاقتيات من حرّ النّشب‏ (4)، و الاشتغال بالنّظر و التّقييد و التّدوين، فقيها، حافظا، قائما على التدريس، مشاركا في فنون من العربية (5)، و الفقه، و الأصول، و القراءات، و الحديث، و الأدب، حفظة (6) للتفسير، مستوعبا للأقوال، جمّاعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن. تقدّم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه، فاتّفق على فضله، و جرى على سنن أصالته.

مشيخته: قرأ (7) على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير (8)، و أخذ عنه العربية و الفقه و الحديث و القرآن. و روى عن أبي الحسن بن مستقور. و قرأ القرآن على الأستاذ المقرئ الرّاوية المكثر أبي عبد اللّه بن الكمّاد، و لازم الخطيب أبا عبد اللّه بن رشيد، و سمع على الشّيخ الوزير أبي محمد عبد اللّه بن أحمد ابن المؤذن، و على الراوية المسن أبي الوليد الحضرمي. يروي عن سهل بن مالك و طبقته. و روى عن الشيخ الرّاوية أبي زكريا البرشاني، و عن الرّاوية الخطيب أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن علي الأنصاري، و القاضي أبي المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص، و القاضي أبي عبد اللّه بن برطال، و الشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع‏ (9)، و الخطيب الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي، و الأستاذ النظّار المتفنّن أبي القاسم قاسم بن عبد اللّه بن الشّاط.

و ألّف الكثير في فنون شتى.

تواليفه: منها (10) كتاب «وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم» و كتاب «الأنوار السّنية في الكلمات السّنّية» و كتاب «الدّعوات و الأذكار، المخرجة من صحيح‏

____________

(1) في النفح: «دولة».

(2) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 58) و أزهار الرياض (ج 3 ص 185).

(3) في النفح: «و الاقتصار»، و في أزهار الرياض: «على العلم و الأقتيات من حرّ ...».

(4) النّشب: المال، و حرّ النشب: خالص المال. لسان العرب (نشب).

(5) في النفح: «من عربية، و فقه، و أصول، و قراءات ...».

(6) في أزهار الرياض: «حافظا».

(7) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 58) و أزهار الرياض (ج 3 ص 185).

(8) في النفح: «أبي جعفر بن جعفر بن الزبير».

(9) ورد اسمه في النفح و الأزهار: أبو عامر بن ربيع الأشعري.

(10) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 59) و أزهار الرياض (ج 3 ص 185).

12

الأخبار» و كتاب «القوانين الفقهية، في تلخيص مذهب المالكية» و «التنبيه على مذهب الشافعية و الحنفية و الحنبليّة» و كتاب «تقريب الوصول إلى علم الأصول» و كتاب «النّور المبين، في قواعد عقائد الدين» و كتاب «المختصر البارع، في قراءة نافع» و كتاب «أصول القرّاء الستة غير نافع»، و كتاب «الفوائد العامة، في لحن العامّة»، إلى غير ذلك مما قيّده في التفسير و القراءات و غير ذلك. و له فهرسة كبيرة اشتملت‏ (1) على جملة من أهل المشرق و المغرب.

شعره: قال‏ (2) في الأبيات الغينيّة ذاهبا مذهب الجماعة كأبي العلاء المعرّي، و الرئيس أبي المظفر (3)، و أبي الطاهر السّلفي، و أبي الحجاج ابن الشيخ، و أبي الربيع بن سالم، و أبي علي بن أبي الأحوص، و غيرهم، كلهم نظم في ذلك‏ (4):

[الطويل‏]

لكلّ بني الدنيا مراد و مقصد* * * و إنّ مرادي صحّة و فراغ‏

لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا* * * يكون به لي للجنان بلاغ‏ (5)

و في‏ (6) مثل هذا فلينافس أولو (7) النّهى‏* * * و

حسبي من الدنيا الغرور بلاغ‏ (8)

فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد* * * به العيش رغد و الشّراب يساغ‏

و قال في الجناب النّبوي‏ (9): [الطويل‏]

أروم امتداح المصطفى و يردّني‏ (10)* * * قصوري عن إدراك تلك

المناقب‏

و من لي بحصر البحر و البحر زاخر؟* * * و من لي بإحصاء (11)

الحصى و الكواكب‏

و لو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذا* * * لما بلغت في المدح بعض مآربي‏

(12)

____________

(1) في النفح: «اشتهرت».

(2) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 59) و أزهار الرياض (ج 3 ص 185- 186).

(3) في النفح: «و ابن المظفر». و في الأزهار: «و الرئيس ابن المظفر».

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 59) و أزهار الرياض (ج 3 ص 186).

(5) الجنان، بالفتح: القلب. و البلاغ: الكفاية. لسان العرب (جنن) و (بلغ).

(6) في المصدرين: «ففي».

(7) في الأزهار: «ذوو».

(8) في المصدرين: «و حسبي من دار الغرور ...». و البلاغ: الإيصال و التبليغ. لسان العرب (بلغ).

(9) الأبيات في الديباج المذهب (ص 296) و نفح الطيب (ج 8 ص 59- 60) و أزهار الرياض (ج 3 ص 186) و الكتيبة الكامنة (ص 48) و جاء فيه: «الجانب النبوي».

(10) في النفح: «فيردّني». و في الكتيبة: «فيصدّني».

(11) في الأصل: «بإحصا»، و التصويب من المصادر.

(12) في أزهار الرياض: «غدت و هي ألسن لما بلغت في القول ...».

13

و لو أنّ كلّ العالمين تألّفوا (1)* * * على مدحه لم يبلغوا بعض واجب‏

فأمسكت عنه هيبة و تأدّبا* * * و خوفا و إعظاما لأرفع جانب‏ (2)

و ربّ سكوت كان فيه بلاغة* * * و ربّ كلام فيه عتب لعاتب‏

و قال، (رحمه اللّه)، مشفقا من ذنبه‏ (3): [البسيط]

يا ربّ إنّ ذنوبي اليوم قد كثرت‏ (4)* * * فما أطيق لها حصرا و لا عددا

و ليس لي بعذاب النّار من قبل‏* * * و لا أطيق لها صبرا و لا جلدا

فانظر إلهي إلى ضعفي و مسكنتي‏* * * و لا تذيقنّني‏ (5) حرّ الجحيم غدا

و قال في مذهب الفخر (6): [الوافر]

و كم من صفحة كالشمس تبدو* * * فيسلي‏ (7) حسنها قلب الحزين‏

غضضت الطّرف عن نظري إليها* * * محافظة على عرضي و ديني‏

(8)

وفاته: فقد (9) و هو يشحذ الناس و يحرّضهم، و يثبّت بصائرهم، يوم الكائنة بطريف‏ (10)، ضحوة يوم الاثنين السابع‏ (11) لجمادى الأولى عام أحد و أربعين و سبعمائة، تقبّل اللّه شهادته. و عقبه ظاهر بين القضاء و الكتابة.

محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي‏

شرقي الأصل، من سكان غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالطّرسوني.

____________

(1) في النفح: «تسابقوا إلى مدحه».

(2) في الكتيبة: «فأسكتّ عنه ... هيبة ...». و في الأزهار: «فأقصرت عنه ... لأعظم جانب».

و في النفح: «و عجزا» بدل «و خوفا».

(3) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 47- 48) و الديباج المذهب (ص 296) و أزهار الرياض (ج 3 ص 187) و نفح الطيب (ج 8 ص 60).

(4) في الكتيبة: «قد عظمت».

(5) في الأصل: «و لا عذيقني»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(6) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 47) و أزهار الرياض (ج 3 ص 186).

(7) في الكتيبة: «يسلّي».

(8) في الكتيبة: «عن نظر إليها ... على علمي و ديني».

(9) قارن بأزهار الرياض (ج 3 ص 187) و نفح الطيب (ج 8 ص 61).

(10) يشير هنا إلى الموقعة الشهيرة التي كانت بين الإسبان و بني مرين في سنة 741 ه، و المسماة بموقعة طريف، و كان مع بني مرين قوات السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، صاحب غرناطة. و كانت الهزيمة فيها للمسلمين. اللمحة البدرية (ص 105).

(11) في النفح: «تاسع جمادى الأولى».

14

حاله: نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: أمتع اللّه به، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن، و دعي بها وقتا، و كوتب بها. و كان له ابن سمّاه عبد الرحيم، فقلنا له: سمّه عبد الرحمن، ليعضّد لك الكنية التي اخترت، فأبى. كان هذا الرجل قيّما على النحو و القراءات و اللغة، مجيدا في ذلك، محكما لما يأخذ فيه منه، و كانت لديه مشاركة في الأصلين و المنطق، طمح إليها بفضل نباهته و ذكائه، و شعوره بمراتب العلوم، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا، و ظرفا و فكاهة، و سخا نفس، و جميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع. و كان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب، و يسفّر، و يحكم عمل التّراكيب الطّبّية. و على الجملة، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره، الذين قلّ أمثالهم.

مشيخته: أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش، و به تفقّه ببلده ألمريّة. و قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و الخطيب أبي جعفر بن الزيات، و الراوية أبي الحسن بن مستقور، و الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي، و صهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه، و الخطيب أبي الحسن القيجاطي، و الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد، و غيرهم.

شعره: من شعره قوله: [الطويل‏]

إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى‏* * * ففي كل شعب لي إليك طريق‏

و إن أنا لم أبصر محيّاك باسما* * * فإنسان عيني في الدموع غريق‏

فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا* * * فأسمال أحبابي لدّي فتوق‏

محنته: أحظاه وزير الدّولة أبو عبد اللّه بن المحروق‏ (1)، و اختصّه، و رتّب له بالحمراء جراية، و قلّد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين‏ (2)، و ترصد ما فيها، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد، فقبض عليه و اعتقل، ثمّ جلّاه إلى إفريقية.

____________

(1) هو محمد بن أحمد بن محمد بن المحروق؛ تولّى الوزارة لسلطان غرناطة أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري، عام 725 ه، ثم قتل بأمر السلطان المذكور عام 729 ه. اللمحة البدرية (ص 94).

(2) هو أحد مسجدي حيّ البيازين، أشهر أحياء مدينة غرناطة، حوّله الإسبان إلى كنيسة بعد سقوط غرناطة سنة 897 ه، و ما يزال حتى اليوم بعض أسوار هذا المجسد قائمة مع جزء من صحنه.

15

وفاته: و لمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه، كرّ راجعا إلى الأندلس، فتوفي في طريقه ببونة (1)، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين، أو أقرب من الأواخر و سبعمائة.

محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي‏

و يعرف بابن الرمّالية، من أهل غرناطة، و يعرف خلفه الآن، ببني مرزبّة، و لهم أصالة و قدم و جدة.

حاله: فقيه، نبيه، نبيل، ذكي، عنده معرفة بالفقه و الأدب و العربية، حسن المشاركة و المحاضرة، حاضر الذهن، ذاكر لما قرأه.

مشيخته: روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملّاحي:

و حدّثني سنة أربع و ستمائة، قال: حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي، رضي اللّه عنه، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي، قال: خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد، و مودّعين لها من الغد، و حين أصبحنا أثيرت الجمال، و فرض الناس الرّحال، و نحن بموضع يعرف بجبّ عميرة، إذا بفتى شاحب اللّون، حسن الوجه، يشيّع الرّواحل، راحلة بعد أخرى، حتى فنيت، و مشى الحاجّ، و هو يقول في أثناء تردّده و نظره إليها: [الطويل‏]

أ حجّاج بيت اللّه، في أيّ هودج‏* * * و في أيّ بيت من بيوتكم حبّي؟

أ أبقى رهين القلب في أرض غربة* * * و حاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب؟

فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي‏* * * و لم أتمتّع بالسلام و بالقرب‏

و فرّق بيني بالرّحيل و بينكم‏* * * فها أنذا أقضي على إثركم نحبي‏

يقولون هذا آخر العهد منكم‏* * * فقلت و هذا آخر العهد من قلبي‏ (2)

قال: فلمّا كمل الحاجّ المشي، و انقطع رجاؤه، و جعل يخطو هائما، و هو ينشد، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض و قال: [المديد]

خلّ دمع العين ينهمل‏* * * بان من تهواه و ارتحل‏

أيّ دمع صانه كلف‏* * * فهو يوم البين ينهمل‏

____________

(1) بونة: مدينة قديمة من بلاد إفريقية، على ساحل البحر، مرساها من المراسي المشهورة، و تسمى بلد العنّاب لكثرة العناب فيها. الروض المعطار (ص 115).

(2) في الأصل: «قلب» بدون ياء.

16

قال: ثم مال على الأرض، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا، فحفرنا له لحدا، و غسّلناه و كفّنّاه في رداء و صلّينا عليه، و دفنّاه.

وفاته: وفاة المترجم به سنة خمسين و ستمائة.

محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري‏ (1)

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن بيبش‏ (2).

حاله: كان‏ (3) خيّرا، منقبضا، عفّا، متصاونا، مشتغلا بما يعنيه، مضطلعا (4) بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة، مشاركا في الطّب، متعيّشا من التّجارة في الكتب، أثرى منها، و حسنت حاله. و انتقل إلى سكنى سبتة، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين و خمسين و سبعمائة، فاستدعيته و نقلته إلى بلده، فقعد للإقراء به إلى أن توفي.

و جرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه‏ (5): معلّم مدرّب، مسهّل مقرّب، له في صنعة العربية باع مديد، و في هدفها سهم سديد، و مشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصيّ المنازع مختصرها، مرتّب الأحوال مقرّرها، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها (6) منه أرضة آكلة، و سهم أصاب من رميتها شاكلة (7)، أترب بسببها و أثرى، و أغنى جهة و أفقر أخرى، و انتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة (8) مسقط رأسه، و منبت غرسه، و جرت عليه جراية من أحباسها (9)، و وقع عليه قبول من ناسها، و بها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية و إليه التمام. و له شعر لم يقصر فيه عن المدى، و أدب توشّح بالإجادة و ارتدى.

مشيخته: قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، و على الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد، و الوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، و الأستاذ عبد اللّه بن الكمّاد، و سمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. و قرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.

____________

(1) ترجمة العبدري في الكتيبة الكامنة (ص 90) و بغية الوعاة (ص 100) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 358) و نفح الطيب (ج 7 ص 358) و (ج 8 ص 379).

(2) في بغية الوعاة: «بليش». و في الكتيبة: «بيش».

(3) النص في بغية الوعاة (ص 100) بتصرف.

(4) في البغية: «متضلعا».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 379- 380).

(6) في النفح: «منه عليها».

(7) في النفح: «الشاكلة».

(8) كلمة «غرناطة» غير واردة في النفح.

(9) الأحباس: الأوقاف. لسان العرب (حبس).

17

شعره: أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين و خمسين المذكور، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة، التي أكثر فيها الناس و هي‏ (1): [مخلع البسيط]

يا ساكنا قلبي المعنّى‏* * * و ليس فيه سواك ثان‏

لأيّ معنى كسرت قلبي‏* * * و ما التقى فيه ساكنان؟

فقال‏ (2): [مخلع البسيط]

نحلتني طائعا فؤادا* * * فصار إذ حزته مكاني‏ (3)

لا غرو إذ كان لي مضافا* * * أنّي على الكسر فيه باني‏

و قال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزّه اللّه، و هي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور، و قد أهدى إليه أقلاما (4): [الطويل‏]

أنا ملك الغرّ التي سيب جودها* * * يفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر

أتتني منها تحفة مثل حدّها (5)* * * إذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر

هي الصّفر لكن تعلم البيض أنها* * * محكّمة فيها على النّفع و الضّرّ

مهذّبة الأوصال ممشوقة كما* * * تصاغ‏ (6) سهام الرّمي من‏

(7) خالص التّبر

فقبّلتها عشرا و مثّلت أنني‏* * * ظفرت بلثم في أناملك العشر

و أنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله‏ (8): [الطويل‏]

أ ساجعة بالواديين تبوّئي‏* * * ثمارا جنتها حاليات خواضب‏

دعي ذكر روض زاره‏ (9) سقي شربه‏* * * صباح ضحى طير ظماء

(10) عصائب‏

غرام فؤادي قاذف كلّ ليلة* * * متى ما نأى وهنا هواه يراقب‏

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 359) و نفح الطيب (ج 8 ص 380). و ورد فقط صدر البيت الأول في الكتيبة الكامنة (ص 91).

(2) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 91) و نفح الطيب (ج 7 ص 359) و (ج 8 ص 380).

(3) في الأصل: «مكان»، و التصويب من المصدرين.

(4) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 91) و نفح الطيب (ج 8 ص 380).

(5) في الأصل: «عدّها»، و التصويب من المصدرين.

(6) في النفح: «تصوغ».

(7) في الكتيبة: «أو».

(8) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 92) و نفح الطيب (ج 7 ص 358) و (ج 8 ص 380).

(9) في المصدرين: «زانه».

(10) في الأصل: «طما» و التصويب من المصدرين.

18

و من مطولاته ما رفعه على يدي السلطان و هو قوله‏ (1): [الوافر]

ديار خطّها مجد قديم‏* * * و شاد بناءها شرف صميم‏

و حلّ جنابها الأعلى علاء (2)* * * يقصّر عنه رضوى أو شميم‏

سقى نجدا بها و هضاب نجد* * * عهاد ثرّة (3) و حيا عميم‏

(4)

و لا عدمت رباه رباب مزن‏* * * يغادي روضهنّ و يستديم‏

فيصبح زهرها يحكي شذاه‏* * * فتيت المسك يذكيه النّسيم‏

و تنثره‏ (5) الصّبا فتريك درّا* * * نثيرا خانه عقد نظيم‏

و ظلّت في ظلال الأيك تشدو* * * مطوّقة لها صوت رخيم‏

ترجّع في الغصون فنون سجع‏* * * بألحان لها يصبو الحليم‏

أهيم بملتقى الوادي بنجد* * * و ليس سواه في واد أهيم‏

و كنت صرفت عنه النفس كرها* * * و ما برحت على نجد تحوم‏

و ما ينفكّ لي و لها نزاع‏* * * إلى مغنى به ملك كريم‏

له بيت سما فوق الثّريّا* * * و عزّ لا يخيم و لا يريم‏

تبوّأ من بني نصر علاها* * * و أنصار النبيّ‏ (6) له أروم‏

أفاض على الورى نيلا و عدلا (7)* * * سواء فيه مثر أو عديم‏

ملاذ للملوك إذا ألمّت‏* * * صروف الدهر أو خطب جسيم‏

تؤمّله فتأمن في ذراه‏* * * و تدنو من علاه فيستقيم‏ (8)

و يبدو في نديّ‏ (9) الملك بدرا* * * تحفّ به الملوك و هم نجوم‏

بوجه يوسفيّ الحسن طلق‏* * * يضي‏ء بنوره اللّيل البهيم‏

و تلقاه العفاة (10) له ابتسام‏* * * و منه للعدى أخذ أليم‏

(11)

____________

(1) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 92- 93).

(2) في الأصل: «علا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(3) في الأصل: «عماد ثرّة» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(4) في الأصل: «تميم» و التصويب من الكتيبة.

(5) في الكتيبة: «و تنشره».

(6) في الأصل: «للنبيّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(7) في الكتيبة: «عدلا و نيلا».

(8) في المصدر نفسه: «فتستنيم».

(9) في الأصل: «ندى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(10) في الأصل: «للعفاة» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(11) في الأصل: «للييم» و التصويب من الكتيبة.

19

فيا شرف الملوك لك انقطاعي‏* * * و إنّي في محلّكم خديم‏

و آمالي أملت إليك‏ (1) حتّى‏* * * وردن على نداك و هنّ هيم‏

فلا ظمأ (2) و وردك خير ورد* * * نمير ماؤه عذب جميم‏

و لا أضحى و في مغناك ظلّ‏* * * ظليل حين تحتدم السّموم‏

ركبت البحر نحوك و المطايا* * * تسير لها ذميل أو رسيم‏

و إنّ علاك إن عطفت بلحظ* * * عليّ فذلك العزّ المقيم‏ (3)

فوا أسفي على عمر تقضّى‏* * * بدار ليس لي فيها حميم‏

سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنه‏* * * و بين جوانحي منه كلوم‏

و دون لقائها عرض الفيافي‏* * * و نجد (4) موجه طود عظيم‏

لعلّ اللّه ينعم باجتماع‏* * * و ينظم شملنا البرّ الرحيم‏

بقيت بغبطة و قرار عين‏* * * بملك سعده أبدا يدوم‏

كما دامت حلى الأنصار تتلى‏* * * يشيد بذكرها الذّكر الحكيم‏

عليك تحية عطر شذاها* * * كعرف‏ (5) الرّوض جادته الغيوم‏

مولده: بغرناطة في رجب‏ (6) ثمانين و ستمائة. و توفي عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة، و دفن بباب إلبيرة، و تبعه من الناس ثناء حسن، (رحمه اللّه).

محمد بن محمد النّمري الضّرير

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرفه بنسبه.

حاله: من عائد الصلة: كان حافظا للقرآن، طيب النّغمة به، طرفا في ذلك، من أهل المشاركة في العلم، واعظا بليغا، أستاذا يقوم على العربية قيام تحقيق، و يستحضر الشّواهد من كتاب اللّه و خطب العرب و أشعارها، بعيد القرين في ذلك، آخذا في الأدب، حفظة للأناشيد و المطوّلات، بقيّة حسنة ممتعة.

____________

(1) في الأصل: «لمليك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(2) في الأصل: «فللظما و رودك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(3) في الكتيبة: «القديم».

(4) في الكتيبة: «و بحر».

(5) في الأصل: «تعرّف» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(6) في نفح الطيب (ج 8 ص 381): «مولده في حدود ثمانين و ستمائة».

20

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد اللّه بن الفخّار الأركشي‏ (1)، و به تأدّب، و لازمه كثيرا، فانتفع به.

شعره: ممّا صدّر به رسالة لزوجه و هو نازح عنها ببعض البلاد. فقال:

[الطويل‏]

سلام كرشف الطّل في مبسم الورد* * * و سيل نسيم الريح بالقضب الملد

سلام كما ارتاح المشوق مبشّرا* * * برؤية (2) من يهواه من دون ما

وعد

سلام كما يرضي المحبّ حبيبه‏* * * من الجدّ في الإخلاص و الصّدق في الوعد

سلام و تكريم و برّ و رحمة* * * بقدر مزيد الشوق أو منتهى الودّ

على ظبية في الأنس مرتعها الحشا* * * فتأوي إليه لا لشيح و لا رند

و من أطلع البدر التّمام جبينها* * * يرى تحت ليل من دجى الشّعر مسودّ

و ثغر أقاح زانه سمط لؤلؤ* * * يجبّ به المرجان في أحكم النّضد

يجول به سلسال راح معتّق‏* * * حمته ظبا الألحاظ صونا عن الورد

فللّه عينا من رأى بدر أسعد* * * و روضة أزهار علت غصن القدّ

و بشرى لصبّ فاز منها بلمحة* * * من القرب بشراه بمستكمل السّعد

و أضحى هواها كامنا بين أضلعي‏* * * كمزن خفيّ النار في باطن الزّند

و راحت فراح الروح إثر رحيلها (3)* * * و ودّعت صبري حين ودّعها

كبدي‏ (4)

و صارت لي الأيّام تبدو لياليا* * * و قد كان ليل الوصل صبحا بها يبدي‏

(5)

فساعاتها كالدهر طولا و طالما* * * حكى الدهر ساعات بها قصرا عندي‏

و منها:

ترى قلبها هل هام مني بمثل ما* * * بقلبي من الحبّ الملازم و الوجد؟

و هل هي‏ (6) ترعى ذمّتي و مودّتي‏* * * كما أنا أرعاها على القرب و

البعد؟

____________

(1) نسبة إلى أركش‏Arcos de la Frontera ، و هي حصن بالأندلس على وادي لكة. الروض المعطار (ص 27).

(2) في الأصل: «برويا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «رحلها»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «كبد» بدون ياء.

(5) في الأصل: «يبد» بدون ياء.

(6) كلمة «هي» ساقطة في الأصل.

21

إليك خطابي و الحديث لغائب‏* * * كنيت بلفظي عن مغيبك بالعمد

عليك سلامي إنني متشوّق‏* * * للقياك لي أو من جوابك بالرّدّ

وفاته: توفي بغرناطة تحت جراية من أمرائها؛ لاختصاصه بقراءة القرآن على قبورهم، في التاسع عشر من شعبان عام ستة و ثلاثين و سبعمائة.

محمد بن عبد الولي الرّعيني‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالعوّاد.

حاله: من «عائد الصلة»: الشيخ المكتّب، الأستاذ الصالح، سابق الميدان، و علم أعلام القرآن، في إتقان تجويده، و المعرفة بطرق روايته، و الاضطلاع بفنونه، لا يشقّ غباره، و لا يتعاطى طلقه، و لا تأتي الأيّام بمثله، تستقصر بين يديه مدارك الأعلام، و تظهر سقطات الأئمة، مهتديا إلى مكان الحجج على المسائل، مصروف عنان الأشغال إليه، مستندا إلى نغمة رخيمة، و إتقان غير متكلّف، و حفظ غزير.

و طلب إلى التّصدّر للإقراء، فأبى لشدّة انقباضه، فنبّهت‏ (1) بالباب السلطاني على وجوب نصبه للناس، فكان ذلك في شهر شعبان من عام وفاته، فانتفع به، و كان أدأب الناس على سنّة، و ألزمهم لميقات ورد، يجعل جيرانه حركته إلى ذلك ليلا، ميقاتا لا يختلف و لا يكذب، في ترحيل الليل، شديد الطرب، مليح الترتيب، لا تمرّ به ساعة ضياعا إلّا و قد عمرها بشأن ديني أو دنياوي ضروري مما يسوّغه الورع.

يلازم المكتب ناصح التعليم، مسوّيا بين أبناء النّعم، و حلفاء الحاجة، شامخ الأنف على أهل الدّنيا، تغصّ السّكك عند ترنّمه بالقرآن، مساوقا لتلاوة التجويد، و مباشرا أيام الأخمسة و الأثانين العمل في موئل كان له، على طريقة القدماء من الإخشيشان عند المهن و نقل آلة الخدمة، غير مفارق للظّرف و الخصوصية. و يقرأ أيام الجمعات كتب الوعظ و الرّقائق على أهله، فيصغي إليه الجيران عادة لا تختلف. و كان له لكل عمل ثوب، و لكل مهنة زيّ، ما رأيت أحسن ترتيبا منه. و هو أستاذي و جاري الألصق، لم أتعلّم الكتاب العزيز إلّا في مكتبه، رحمة اللّه عليه.

مشيخته: قرأ على بقيّة المقرئين الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و لازمه و انتفع به، و على الأستاذ أبي جعفر الجزيري الضرير، و أخذ عن الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد.

____________

(1) تاء الضمير هنا تعود إلى ابن الخطيب، مؤلف هذا الكتاب.

22

مولده: في حدود عام ثمانين و ستمائة.

وفاته: توفي رحمة اللّه عليه في ... (1) الموفي ثلاثين لذي قعدة من عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن علي بن أحمد الخولاني‏ (2)

يكنى أبا عبد اللّه، أصله من مجلقر، و يعرف بابن الفخّار و بالبيري، شيخنا (رحمه اللّه).

حاله: من «عائد الصلة»: أستاذ الجماعة، و علم الصناعة، و سيبويه العصر، و آخر الطبقة من أهل هذا الفن. كان، (رحمه اللّه)، فاضلا، تقيّا، منقبضا، عاكفا على العلم، ملازما للتدريس، إمام الأئمّة من غير مدافع، مبرّزا أمام أعلام البصريّين من النّحاة، منتشر الذكر، بعيد الصّيت، عظيم الشهرة، مستبحر الحفظ، يتفجّر بالعربية تفجّر البحر، و يسترسل استرسال القطر، قد خالطت دمه و لحمه، لا يشكل عليه منها مشكل، و لا يعوزه توجيه، و لا تشذّ عنه حجّة. جدّد بالأندلس ما كان قد درس من لسان العرب، من لدن وفاة أبي علي الشلوبين، مقيم السوق على عهده. و كانت له مشاركة في غير صناعة العربية من قراءات وفقه، و عروض، و تفسير. و تقدم خطيبا بالجامع الأعظم، و قعد للتدريس بالمدرسة النّصرية (3)، و قلّ في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطّلبة. و استعمل في السّفارة إلى العدوة، مع مثله من الفقهاء، فكانت له حيث حلّ الشّهرة و عليه الازدحام و الغاشية، و خرّج، و درّب، و أقرأ، و أجاز، لا يأخذ على ذلك أجرا و خصوصا فيما دون البداية، إلّا الجراية المعروفة، مقتصدا في أحواله، و قورا، مفرط الطّول، نحيفا، سريع الخطو، قليل الالتفات و التعريج، متوسط الزّي، متبذلا في معالجة ما يتملّكه بخارج البلد، قليل الدّهاء و التّصنّع، غريب النّزعة، جامعا بين الحرص و القناعة.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) ترجمة محمد بن علي الخولاني، المعروف بابن الفخار، في الكتيبة الكامنة (ص 70) و نفح الطيب (ج 7 ص 330).

(3) هذه المدرسة أنشأها السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، و مكانها ما يزال معروفا إلى اليوم بغرناطة، و يقع قبالة الكنيسة العظمى التي أنشئت على موقع المسجد الجامع. اللمحة البدرية (ص 109).

23

مشيخته: قرأ (1) بسبتة على الشيخ الإمام أبي إسحاق الغافقي، و لازمه كثيرا، و أخذ عنه، و أكثر عليه. و قرأ على الإمام الصالح أبي عبد اللّه بن حريث، و المقرئ الشريف الفاضل أبي العبّاس الحسني، و الشيخ الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط، و أخذ عن الخطيب المحدث أبي عبد اللّه بن رشيد، و القاضي أبي عبد اللّه بن القرطبي و غيرهم. و هو أستاذي، قرأت عليه القرآن، و كتابي الجمل و الإيضاح، و حضرت عليه دولا من الكتاب، و لازمته مدة، و عاشرته، و توجّه صحبتي في الرسالة إلى المغرب.

وفاته: توفي بغرناطة ليلة الاثنين الثاني عشر من رجب عام أربعة و خمسين و سبعمائة، و كانت جنازته حافلة. و خمدت قرائح الآخذين عنه، ممن يدلي دلو أدب، فيأتي بماء أو حمأة، على كثرتهم، تقصيرا عن الحق، و قدحا في نسب الوفاء، إلّا ما كان من بعض من تأخّر أخذه عنه، و هو محمد بن عبد اللّه اللّوشي، فإنه قال: و عين هذه الأبيات قرارها (2): [الطويل‏]

و يوم نعى النّاعي شهاب المحامد* * * تغيّرت الدنيا لمصرع‏ (3) واحد

فلا عذر للعينين إن لم تسامحا (4)* * * بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد

مضى من بني الفخّار أفضل ماجد* * * جميل المساعي للعلا جدّ شاهد

(5)

طواه الرّدى ما كلّ حيّ يهابه‏* * * و ما ورده عارا يشين لوارد

لقد غيّبت منه المكارم في الثّرى‏* * * غداة ثوى‏ (6) و انسدّ باب الفوائد

فيا حاملي أعواده، ما علمتم‏* * * بسؤدده الجمّ الكريم المحاتد؟

و يا حفرة خطّت له اليوم مضجعا،* * * سقتك الغوادي الصادقات‏ (7)

الرّواعد

ألا يا حمام الأيك ساعدن‏ (8) بالبكا (9)* * * على علم‏

(10) الدّنيا و زين المشاهد

____________

(1) راجع نفح الطيب (ج 7 ص 330- 331).

(2) ترجمة محمد بن عبد اللّه اللوشي في الكتيبة الكامنة (ص 211). و القصيدة الدالية في الكتيبة الكامنة (ص 212- 213).

(3) في الكتيبة الكامنة: «لمهلك».

(4) في الأصل: «تسايحا» و التصويب من الكتيبة.

(5) في الكتيبة: «شائد».

(6) في الأصل: «نوى» و التصويب من الكتيبة.

(7) في الكتيبة: «الغاديات».

(8) في الأصل: «ساعدني»، و كذا ينكسر الوزن و التصويب من الكتيبة.

(9) في الكتيبة: «في البكا».

(10) في الكتيبة: «عالم».

24

على أن لو اسطعت الفداء فديته‏ (1)* * * بأنفس مال‏

(2) من طريف و تالد

محمد، ما النّعمى‏ (3) لموتك غضّة (4)* * * تروق‏

(5) و لا ماء الحياة ببارد

و كيف و باب العلم بعدك مغلق‏* * * و مورده‏ (6) المتروك بين الموارد

أ أستاذنا كنت الرّجاء (7) لآمل‏* * * فأصبحت مهجور الفناء

(8) لقاصد

فلا تبعدن شيخ المعارف و الحجا (9)* * * أليس‏ (10)

الذي تحت التّراب بباعد؟

لتبك العلوم‏ (11) بعدك اليوم‏ (12) شجوها* * * و يقفر

(13) لها ربع العلا و المعاهد

ليبك عليك الجود و الدين‏ (14) و التّقى‏* * * و حسب البكا أن صرت

ملحود لاحد

أمولاي، من للمشكلات يبينها* * * فيجلي‏ (15) عمى كلّ القلوب الشّواهد

و من ذا يحلّ المقفلات صعابها؟* * * و من ذا الذي يهدي السبيل لحائد

فيا راحلا عنّا فزعنا لفقده‏* * * لقد أونست منك القبور بوافد

و يا كوكبا غال النهار (16) ضياءه‏* * * و شيكا، و هل هذا الزمان

بخالد؟

سأبكيك ما لاحت بروق لشائم‏* * * و أرعاك ما كان الغمام بعائد (17)

عليك سلام اللّه ما دامت‏ (18) الصّبا* * * تهبّ‏ (19)

بغصن في الأراكة مائد

قلت‏ (20): العجب من الشيخ ابن الخطيب، كيف قال: و خمدت قرائح الآخدين عنه، و هو من أجلّ من أخذ عنه، حسبما قرره آنفا، بل أخصّ من ذلك المعاشرة

____________

(1) في الأصل: «على أني لو استطعت الفدا فديته» و كذا ينكسر الوزن. و في الكتيبة: «... الفدا لفديته».

(2) في الأصل: «آل» و التصويب من الكتيبة.

(3) في الأصل: «للنعمى»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و التصويب من الكتيبة.

(4) في الكتيبة: «غبطة».

(5) في الأصل: «توقف» و كذا لا يستقيم المعنى و لا الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(6) في الكتيبة: «و موردك».

(7) في الأصل: «الرجا»، و كذا ينكسر الوزن. و التصويب من الكتيبة.

(8) في الأصل: «القنا»، و كذا ينكسر الوزن. و التصويب من الكتيبة.

(9) في الكتيبة: «و الحمى».

(10) في الأصل: «ليس» و التصويب من الكتيبة.

(11) في الكتيبة: «العيون».

(12) كلمة «اليوم» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الكتيبة.

(13) في الكتيبة: «و يعف ... و المحامد».

(14) في الكتيبة: «و الحلم».

(15) في الكتيبة: «فتجلو».

(16) في الكتيبة: «الزمان».

(17) في الأصل: «بعابد»، و التصويب من الكتيبة.

(18) في الكتيبة: «هبّت».

(19) كلمة «تهبّ» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الكتيبة.

(20) الكلام من هنا حتى آخر الترجمة ليس لابن الخطيب، بل هو للناسخ.

25

و السفارة للعدوة. و هو مع ذلك أقدرهم على هذا الشأن، و أسخاهم قريحة في هذا الميدان، و إن أتى غيره بماء أو حمأة، أتى هو بالبحر الذي لا ساحل له. و لعمري لو قام هو بما يجب من ذلك، لزال القدح في نسب وفاء الغير، فعين ما نسبه من التقصير عن الحق في ذلك، متوجّه عليه، و لا حقّ له، و لا يبعد عنده أن يكون وقع بينهما ما أوجب إعراضه مما يقع في الأزمان، و لا سيما من أهل هذ الشان، فيكون ذلك سببا في إعراض الغير مشيا في غرضه، و مساعدة له. و اللّه أعلم بحقيقة ذلك كله.

محمد بن علي بن محمد البلنسي‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: طالب هشّ، حسن اللّقاء، عفيف النشأة، مكبّ على العلم، حريص على استفادته، مع زمانة أصابت يمنى يديه، نفعه اللّه. قيّد بأختها و انتسخ، قائم على العربية و البيان، ذاكر الكثير من المسائل، حافظ متقن، على نزعة عربية من التّجاذع في المشي و قلّة الالتفات إلّا بجملته، و جهوريّة الصوت، متحلّ بسذاجة، حسن الإلقاء و التقرير، متّ للمتغلّب على الدولة بضنّ أفاده جاها و استعمالا في خطّة السوق، ثمّ اصطناعا في الرسالة إلى ملك المغرب، جرّ عليه آخرا النّكبة، و قاد المحنة، فأرصد له السلطان أبو عبد اللّه في أخرياتها رجالا بعثهم في رندة، فأسروه في طريقه، و قدموا به سليبا قدوم الشّهرة و المثلة، موقنا بالقتل. ثم عطف عليه حنينا إلى حسن تلاوته في محبسه ليلا، فانتاشه لذلك من هفوة بعيدة و نكبة مبيرة. و لما عاد لملكه، أعاده للإقراء.

مشيخته: جلّ انتفاعه بشيخ الجماعة أبي عبد اللّه بن الفخّار، لازمه و انتفع به، و أعاد دول تدريسه، و قرأ على غيره. و ألّف كتابا في تفسير القرآن، متعدّد الأسفار، و استدرك على السّهيلي في أعلام القرآن كتابا نبيلا، رفعه على يدي للسّلطان. و هو من فضلاء جنسه، أعانه اللّه و سدّده.

محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن حسن ابن عبد الرحمن بن بقيّ‏ (1)

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف باسم جدّه.

____________

(1) ترجمة ابن بقي في الكتيبة الكامنة (ص 94) و نيل الابتهاج (ص 279) طبعة فاس.

26

أوليته: كان القاضي العدل أبو عبد اللّه بن هشام، قاضي الجماعة بالأندلس، يجلّ سلفه، و بنسبه إلى بقيّ بن مخلد، قاضي الخلافة بقرطبة، و ابن هشام ممّن يحتجّ به.

حاله: هذا الرّجل فاضل، حسن الخلق، جميل العشرة، كريم الصحبة، مبذول المشاركة، معروف الذكاء و العفّة، مبسوط الكنف مع الانقباض، فكه مع الحشمة، تسع الطوائف أكناف خلقه، و يعمّ المتضادّين رحب ذرعه، طالب محصل، حصيف العقل، حسن المشاركة في فنون؛ من فقه، و قراءات، و نحو، و غير ذلك. تكلّم للناس بجامع الرّبض ثمّ بمسجد البكري المجاور للزاوية و التربة اللتين أقمتهما بأخشارش من داخل الحضرة، و حلّق به لتعليم العلم، فانثال عليه المتعلم و المستفيد و السامع، لإجادة بيانه، و حسن تفهيمه.

مشيخته: قرأ القرآن بجرف نافع، على أبيه، و على الشيخ الخطيب المكتّب أبي عبد اللّه بن طرفة، و الخطيب أبي عبد اللّه بن عامور. و قرأ العربية على إمام الجماعة الأستاذ أبي عبد اللّه بن الفخّار، و جوّد عليه القرآن بالقراءات السبع، و قرأ على الأستاذ أبي سعيد بن لب.

شعره: أنشدني من ذلك قوله بعد الانصراف من مواراة جنازة (1): [الرمل‏]

كم أرى مدمن لهو و دعه‏* * * لست أخلي ساعة من تبعه‏

كان لي عذر لدى عهد الصّبا* * * و أنا آمل في العمر سعه‏

أو ما يوقظنا من كلّنا* * * آنفا (2) لقبره قد شيّعه‏

سيّما إذ قد (3) بدا في مفرقي‏* * * ما إخال الموت قد جاء معه‏

فدعوني ساعة أبكي على‏* * * عمر أمسيت ممّن ضيّعه‏

و من شعره في النوم، و هو كثيرا ما يطرقه: [الوافر]

أباد البين أجناد التّلاقي‏* * * و حالت بيننا خيل الفراق‏

فجودوا و ارحموا و ارثوا و رقّوا* * * على من جفنه سكب المآقي‏

____________

(1) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 95) و نيل الابتهاج (ص 279)، طبعة فاس.

(2) في الأصل: «أنفا» و التصويب من الكتيبة.

(3) في الأصل: «و قد بدا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

27

و من ذلك ما أنشد في النّوم على لسان رجل من أصحابه: [مخلع البسيط]

يا صاحبيّ، قفا المطايا* * * و أشفقا فالعبيد عبده‏

إذا انتهى و انقضى زمان‏* * * هل يرسل اللّه من يردّه؟

مولده: في الثاني عشر لصفر من عام اثنين و عشرين و سبعمائة.

محمد بن سعيد بن علي بن يوسف الأنصاري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالطّرّاز.

حاله: من صلة ابن الزّبير: كان، (رحمه اللّه)، مقرئا جليلا، و محدّثا حافلا، به ختم بالمغرب هذا الباب البتّة. و كان ضابطا متقنا، و مقيّدا حافلا، بارع الخطّ، حسن الوراقة، عارفا بالأسانيد و الطّرق و الرّجال و طبقاتهم، مقرئا، عارفا بالأسانيد و القراءات، ماهرا في صناعة التّجويد، مشاركا في علم العربية و الفقه الأصول و غير ذلك، كاتبا نبيلا، مجموعا فاضلا متخلّقا، ثقة فيما روّى، عدلا ممن يرجع إليه فيما قيّد و ضبط، لإتقانه و حذقه. كتب بخطه كثيرا، و ترك أمّهات حديثيّة، اعتمدها الناس بعده، و عوّلوا عليها. و تجرّد آخر عمره، إلى كتاب «مشارق الأنوار» تأليف القاضي أبي الفضل عياض، و كان قد تركه في مبيّضة، في أنهى درجات النسخ و الإدماج و الإشكال و إهمال الحروف حتى اخترمت منفعتها، حتى استوفى ما نقل منه المؤلف، و جمع عليها أصولا حافلة و أمّهات جامعة من الأغربة و كتب اللّغة، فتخلّص الكتاب على أتمّ وجه و أحسنه، و كمل من غير أن يسقط منه حرف و لا كلمة. و الكتاب في ذاته لم يؤلف مثله.

مشيخته: روى عن القاضي أبي القاسم بن سمحون، و القاضي ابن الطبّاع، و عن أبي جعفر بن شراحيل، و أبي عبد اللّه بن صاحب الأحكام و المتكلم، و أبي محمد بن عبد الصمد بن أبي رجا، و أبي القاسم الملّاحي، و أبي محمد الكوّاب و غيرهم، أخذ عن هؤلاء كلهم ببلده، و بقرطبة عن جماعة، و بمالقة كذلك، و بسبتة. و بإشبيلية عن أبي الحسن بن زرقون، و ابن عبد النور. و بفاس و بمرسية عن جماعة.

قلت: هذه الترجمة في الأصل المختصر منه هذا طويله، و اختصرتها لطولها.

وفاته: توفي بغرناطة ثالث شوال عام خمسة و أربعين و ستمائة، و كانت جنازته من أحفل جنازة، إذ كان اللّه قد وضع له ودّا في قلوب المؤمنين.

28

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان النّفزي‏

(1) من أهل غرناطة، يكنى أبا حيان، و يلقب من الألقاب المشرقية بأثير الدين.

حاله: كان‏ (2) نسيج وحده في ثقوب الذهن، و صحّة الإدراك و الحفظ (3)، و الاضطلاع بعلم العربية، و التفسير و طريق الرواية، إمام النّحاة في زمانه غير مدافع، نشأ ببلده‏ (4) غرناطة، مشارا إليه في التبريز بميدان الإدراك، و تغيير السوابق في مضمار التّحصيل. و نالته نبوة (5) لحق بسببها بالمشرق، و استقرّ بمصر، فنال ما شاء من عزّ و شهرة، و تأثّل وبرّ (6) و حظوة، و أضحى لمن حلّ بساحته من المغاربة ملجأ و عدّة.

و كان شديد البسط، مهيبا، جهوريا، مع الدّعابة و الغزل، و طرح السّمت‏ (7)، شاعرا مكثرا، مليح الحديث، لا يملّ و إن أطال، و أسنّ جدّا، و انتفع‏ (8) به. قال بعض أصحابنا: دخلت عليه، و هو يتوضّأ، و قد استقرّ على إحدى رجليه لغسل الأخرى، كما تفعل البرك و الإوزّ، فقال‏ (9): لو كنت اليوم جار شلير (10)، ما تركني لهذا العمل في هذا السّن‏ (11).

مشيخته: قرأ ببلده على الأستاذ حائز الرياسة أبي جعفر بن الزّبير و لازمه، و انتسب إليه، و انتفع به، و شاد له بالمشرق ذكرا كبيرا. و يقال إنه نادى في الناس عندما بلغه نعيه، و صلّى عليه بالقاهرة، و له إليه مخاطبات أدبية اختصرتها، و على الأستاذ الخطيب أبي جعفر علي بن محمد الرّعيني الطبّاع، و الخطيب الصالح وليّ اللّه أبي الحسن فضل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن فضيلة المعافري. و روى عن القاضي المحدّث أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص الفهري،

____________

(1) ترجمة أبي حيان محمد بن يوسف النفزي الغرناطي في الوافي بالوفيات (ج 5 ص 267) و الكتيبة الكامنة (ص 81) و بغية الوعاة (ص 121) و البدر السافر (ص 178) و نكت الهميان (ص 280) و الدرر الكامنة (ج 5 ص 70) و غاية النهاية (ج 2 ص 285) و شذرات الذهب (ج 6 ص 145) و النجوم الزاهرة (ج 10 ص 111) و نفح الطيب (ج 3 ص 280). و النفزي:

نسبة إلى نفزة قبيلة من البربر. بغية الوعاة (ص 121).

(2) النص في نفح الطيب (ج 3 ص 324- 325).

(3) كلمة «و الحفظ» غير واردة في النفح.

(4) في النفح: «في بلده».

(5) النّبوة: الجفوة. لسان العرب (نبا).

(6) في النفح: «و تأثّل، وافر و حظوة».

(7) في النفح: «التسمّت».

(8) في النفح: «فانتفع».

(9) في النفح: «فقال لي».

(10) هو جبل شلير المطلّ على غرناطة و الذي تغطيه الثلوج على مدار السنة. و هناك دراسة مفصلة عنه في كتاب مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 43- 46) فلتنظر.

(11) لهنا ينتهي النص في نفح الطيب.

29

و المكتّب أبي سهل اليسر بن عبد اللّه بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، و الأستاذ أبي الحسن بن الصايغ، و الأديب الكاتب أبي محمد عبد اللّه بن هارون الطائي بتونس، و على المسند صفي الدين أبي محمد عبد الوهاب بن حسن بن إسماعيل بن مظفر بن الفرات الحسني بالإسكندرية، و المسند الأصولي وجيه الدين أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري بالثغر، و المحدّث نجيب الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيّد الهمداني بالقاهرة، و غيرهم ممن يشقّ إحصارهم، كالإمام بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النّحاس الشافعي. قرأ عليه جميع كتاب سيبويه في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة، و قال له عند ختمه: لم يقرأه على أحد غيره.

تواليفه: و تواليفه كثيرة، منها شرحه كتاب «تسهيل الفوائد لابن مالك». و هو بديع، و قد وقفت على بعضه بغرناطة في عام سبعة و خمسين و سبعمائة. و كتابه في تفسير الكتاب العزيز، و هو المسمّى ب «البحر المحيط» تسمية، زعموا، موافقة للغرض.

و ألف كتابا في نحو اللّسان التّركي، حدّثنا (1) عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا، كالحاجّ أبي يزيد خالد بن عيسى، و المقري الخطيب أبي جعفر الشّقوري، و الشّريف أبي عبد اللّه بن راجح، و شيخنا الخطيب أبي عبد اللّه بن مرزوق. و قال‏ (2): حدّثنا شيخنا أثير الدّين‏ (3) في الجملة سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزلة منها (4). قال‏ (5): حدّثنا الأستاذ العلّامة المتفنن‏ (6) أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزّبير، سماعا من لفظه، و كتبا (7) من خطّه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق بن عامر الهمداني الطّوسي بفتح الطاء، حدّثنا أبو عبد اللّه بن محمد العنسي القرطبي، و هو آخر من حدّث عنه، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد الحافظ الجيّاني، أنبأنا (8) حكم بن محمد، أنبأنا (9) أبو بكر بن المهندس، أنبأنا (10) عبد اللّه بن محمد، أنبأنا (11) طالوت بن عياد (12) بن بصّال بن جعفر، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، يقول: اكفلوا لي بستّ أكفل‏ (13) لكم في‏

____________

(1) راجع نفح الطيب (ج 3 ص 325).

(2) في النفح: «قال».

(3) في النفح: «شيخنا أبو حيان».

(4) كلمة «منها» ساقطة في النفح.

(5) كلمة «قال» ساقطة في النفح.

(6) قوله: «العلامة المتفنن» ساقط في النفح.

(7) في النفح: «و كتبه».

(8) في الأصل: «نا» و التصويب من النفح.

(9) في الأصل: «نا» و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «نا» و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «نا» و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «عباد بن نصال».

(13) في الأصل: «لي بيت أهل لكم في الجنة» و هذا لا معنى له، و قد صوّبناه من النفح.

30

الجنة (1)، إذا حدّث أحدكم بلا كذب، و إذا ائتمن فلا يخن، و إذا وعد فلا يخلف.

غضّوا أبصاركم، و كفّوا أيديكم، و احفظوا فروجكم‏ (2).

و قال: أنشدنا الخطيب أبو جعفر الطبّاع، قال: أنشدنا ابن خلفون، قال: أنشدنا أبو عبد اللّه محمد بن سعيد، قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن أبي تليد لنفسه:

[المنسرح‏]

حالي مع الدهر في تقلّبه‏* * * كطائر ضمّ رجله الشّرك‏

فهمّه في خلاص مهجته‏* * * يروم تخليصها فيشتبك‏

و من ملحه: قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، و كان رجلا حسنا طيّب الأخلاق، لطيف المزاج، فكنّا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات‏ (3): [الطويل‏]

بدا كهلال العيد (4) وقت طلوعه‏* * * و ماس‏ (5)

كغصن الخيزران المنعّم‏

غزال رخيم الدّلّ وافى مواصلا* * * موافقة منه على رغم لوّم‏

مليح غريب الحسن أصبح معلما* * * بحمرة (6) خدّ بالمحاسن معلم‏

و قالوا: على شرط البخاريّ قد أتى‏* * * فقلنا (7): على شرط البخاريّ

و مسلم‏

فقال البخاري: فمن هو مسلم‏ (8)؟* * * فقلت له: أنت البخاري و مسلم‏

(9)

محنته: حملته‏ (10) حدّة الشيبة على التّعريض‏ (11) للأستاذ أبي جعفر الطّبّاع، و قد وقعت بينه و بين أستاذه ابن الزّبير الوحشة فنال منه، و تصدّى للتأليف في الرّد عليه، و تكذيب روايته، فرفع أمره إلى‏ (12) السلطان، فامتعض له، و نفّذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثم أجاز البحر مختفيا، و لحق بالمشرق يلتفت خلفه.

____________

(1) في النفح: «بالجنة».

(2) لهنا ينتهي النص في النفح.

(3) الأبيات، عدا البيت الأخير، في الكتيبة الكامنة (ص 82).

(4) في الكتيبة: «الأفق».

(5) في الكتيبة: «و مال».

(6) في الأصل: «بخمرة» بالخاء، و التصويب من الكتيبة.

(7) في الكتيبة: «فقلت».

(8) رواية صدر البيت في الأصل هكذا: فقال مولاي أنا البخاري فمن مسلم، و كذا ينكسر الوزن.

(9) في الأصل: «و أنا مسلم» و كذا ينكسر الوزن.

(10) النص في نفح الطيب (ج 3 ص 325).

(11) في النفح: «التعرّض».

(12) في النفح: «للسلطان».

31

شعره: و شعره كثير بحيث يتّصف بالإجادة و ضدّها. فمن مطوّلاته، (رحمه اللّه)، قوله‏ (1): [البسيط]

لا تعذلاه فما ذو الحبّ معذول‏* * * العقل مختبل و القلب متبول‏

هزّت له أسمرا من خوط قامتها* * * فما انثنى الصّبّ‏ (2) إلّا و هو

مقتول‏

جميلة فصّل الحسن البديع لها* * * فكم لها جمل منه و تفصيل‏

فالنّحر مرمرة و النّشر عنبرة* * * و الثّغر جوهرة و الرّيق معسول‏ (3)

و الطّرف ذو غنج و العرف ذو أرج‏* * * و الخصر مختطف، و العنق‏

(4) مجدول‏

هيفاء ينبس‏ (5) في الخصر الوشاح لها* * * درماء

(6) تخرس في الساق الخلاخيل‏

من اللواتي غذاهنّ النّعيم فما* * * يشقين، آباؤها الصّيد البهاليل‏ (7)

نزر الكلام غميّات الجواب إذا* * * يسلن بعد الصحا حصر مكاسيل‏

من حليها و سناها مونس و هدى‏* * * فليس يلحقها ذعر و تضليل‏

حلّت بمنعقد الزّوراء زارة* * * شوسا غيارى فعقد الصّبر محلول‏

فصدّ عن ذكر ليلى إنّ ذكراها (8)* * * على التّنائي لتعذيب و تعليل‏

أتاك منك نذير فأنذرن به‏* * * و بادر التّوب إنّ التّوب مقبول‏

و آمل العفو و اسلك مهمها قدفا* * * إلى رضى اللّه إنّ العفو مأمول‏

إن الجهاد و حجّ البيت مختتما* * * بزورة المصطفى للعفو تأميل‏

فشقّ حيزوم هذا الليل ممتطيا* * * أخا خرام به قد يبلغ السّول‏

أقبّ أعوج يعزى للوجيه له‏* * * وجه أغرّ و في الرجلين تحجيل‏

جفر حوافره، معر قوائمه‏* * * ضمر أياطله، و للذيل عثكول‏ (9)

____________

(1) الأبيات السبعة الأوائل في نفح الطيب (ج 3 ص 325- 326).

(2) في الأصل: «للصّبّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «... مرمره ... عنبره ... جوهره ...» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «و المتن».

(5) في النفح: «ينطق».

(6) في الأصل: «ردما» و كذا ينكسر الوزن، و لا معنى لها. و التصويب من النفح. و المرأة الدّرماء:

هي التي لا تستبين كعوبها و مرافقها من الشحم و اللحم. محيط المحيط (درم).

(7) الصّيد، بكسر الصاد و سكون الياء: جمع أصيد و هو الرجل الذي يرفع رأسه كبرا. البهاليل:

جمع بهلول و هو السيّد الجامع لكل خير. محيط المحيط (صيد) و (بهلل).

(8) في الأصل: «ذكرها» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) العثكول: العذق أو الشّمراخ، و هو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم. محيط المحيط (عثكل).

32

إذا توجّه أصغى و هو ملتفت‏* * * مساعر (1) أعتقا فيهنّ تأليل‏

و إن تعارض به هوجاء (2) هاج له‏* * * جري‏ (3)

يرى البرق عنه و هو مخذول‏

يحمي به‏ (4) حوزة الإسلام ملتقيا* * * كتائبا غصّ منها العرض و

الطّول‏

كتائبا قد عموا عن كل واضحة* * * من الكتاب و غرّتهم أباطيل‏

في ماقط (5) ضرب الموت الزؤام‏ (6) به‏* * * سرادقا

فعليهم منه تخييل‏

هيجاء (7) يشرف فيها المشرفيّ‏ (8) على‏* * * هام

العدوّ و يصحى‏ (9) النّقع تضليل‏

تدير كأس شعوب‏ (10) في شعوبهم‏* * * فكلّهم منهل بالموت معلول‏

و إذ (11) قضيت غزاة فالتفت عملا* * * للحجّ فالحجّ للإسلام تكميل‏

واصل بسرّ معدّ (12) يا ابن أندلس‏* * * و الطّرف أدهم بالأشطان

مغلول‏

يلاطم الريح منه أبيض نفق‏* * * له من السحب المزبد إكليل‏

يعلو حضارين‏ (13) منه شامخ جلل‏* * * سام طفا و هو بالنّكباء محمول‏

كأنّما هو في طخياء (14) لجّته‏* * * أيم‏ (15) يعرو

أديم السّيل شمليل‏

ما زالت الموج تعليه و تخفضه‏* * * حتّى بدا من منار الثّغر قنديل‏

و كبّر الناس أعلاه الرنيم‏ (16)* * * و كلّهم طرفه بالشهد مكحول‏

و صافحوا البيد بعد اليمّ و ابتدروا* * * سبلا بها لجناب اللّه توصيل‏

____________

(1) مساعر البعير: أباطله. محيط المحيط (سعر).

(2) في الأصل: «هو جا» و كذا ينكسر الوزن. و الهوجاء: الريح التي لا تستوي في هبوبها و تقلع البيوت، و الجمع هوج.

(3) في الأصل: «جري‏ء» بهمزة، و هو ما لا يتفق مع الوزن و المعنى.

(4) كلمة «به» ساقطة في الأصل.

(5) في الأصل: «رماقط»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و الماقط: أضيق المواضع في الحرب. محيط المحيط (مقط).

(6) الموت الزؤام: الموت الكريه أو السريع. محيط المحيط (زأم).

(7) في الأصل: «هيجا» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) أي السيف المشرفي، نسبة إلى مشارف اليمن، لسان العرب (شرف).

(9) في الأصل: «و يصحب»، و كذا ينكسر الوزن.

(10) شعوب: اسم للمنيّة غير منصرف للعلمية و التأنيث. محيط المحيط (شعب).

(11) في الأصل: «و إذا» و كذا ينكسر الوزن.

(12) كلمة «معد» ساقطة في الأصل.

(13) في الأصل: «حضارة» و كذا ينكسر الوزن و لا معنى له.

(14) في الأصل: «طحيّا» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(15) الأيم: الحيّة و ذكر الأفعى. محيط المحيط (أيم).

(16) صدر البيت مختل الوزن و المعنى.

33

على نجائب تتلوه أجنابها (1)* * * خيل بها الخير معقود و معقول‏

في موكب تزحف الأرض الفضاء به‏* * * أضحت و موحشها بالناس مأمول‏

يطارد الوحش منه فيلق لجب‏* * * حتى لقد ذعرت في بيدها الغول‏

سيوفهم طرب نحو الحجاز فهم‏* * * ذوو ارتياح على أكوارها ميل‏

شعث رؤوسهم، يبس شفاههم‏* * * خوص عيونهم، غرب مهازيل‏

حتى إذا لاح من بيت الإله لهم‏* * * نور إذا هم على الغبرا أراحيل‏

يعفّرون وجوها طالما سمّت‏* * * باكين حتى أديم الأرض مبلول‏

حفّوا بكعبة مولاهم فكعبهم‏* * * عال بها لهم طوف و تقبيل‏

و بالصّفا وقتهم صاف بسعيهم‏* * * و في منى لمناهم كان تنويل‏

تعرّفوا عرفات واقفين بها* * * لهم إلى اللّه تكبير و تهليل‏

لمّا قضينا من الغرّاء منكسنا* * * ثرنا و كلّ بنار الشوق مشمول‏

شدنا إلى الشّدقميات التي سكنت‏* * * أبدانهنّ و أفناهنّ تنقيل‏

إلى الرسول تزجّى كلّ تعلمة* * * أجلّ من نجوة تزجي المراسيل‏

من أنزلت فيه آيات مطهّرة* * * و أورثت فيه توراة (2) و إنجيل‏

و عطّرت من شذاه كلّ ناحية* * * كأنّما المسك في الأرجاء محلول‏

سرّ من العالم العلويّ ضمّنه‏* * * جسم من الجوهر الأرضي محمول‏

نور تمثّل في أبصارنا بشرا* * * على الملائك من سيماه تمثيل‏

لقد تسامى و جبريل مصاميه‏* * * إلى مقام رخيّ‏ (3) فيه جبريل‏

أوحى إليه الذي أوحاه من كثب‏* * * فالقلب واع بسرّ اللّه مشغول‏

يتلو كتابا من الرحمن جاء به‏* * * مطهّرا طاهر منه و تأويل‏

جار على منهج الأعراب أعجزهم‏* * * باق مع الدّهر لا يأتيه تبديل‏

بلاغة عندها كعّ البليغ فلم‏* * * ينطق و في هديه صاحت أضاليل‏

و منها:

و طولبوا أن يجيبوا حين رابهم‏* * * بسورة مثله فاستعجز القيل‏

____________

(1) صدر البيت مختل الوزن و المعنى.

(2) في الأصل: «تورته» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) في الأصل: «راخى» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و الرّخيّ: الواسع.

34

لا ذوا بذوبان خطّيّ‏ (1) و بتر ظبى‏* * * يوم الوغى و اعتراهم منه

تنكيل‏

فمونف في جبال الوهد منحدر* * * و موثق في حبال الغد مكبول‏

ما زال بالعضب هتّاكا سوابغهم‏* * * حتى انثنى العصب منهم و هو مفلول‏

و قد تحطّم في نحر العدا قصد* * * صمّ الوشيج‏ (2) و خانتها العواميل‏

من لا يعدّله القران كان له‏* * * من الصّفاد و بيض البتر تعديل‏

و كم له معجزا غير القران‏ (3) أتى‏* * * فيه من الحقّ منقول و معقول‏

فللرسول انشقاق البدر نشهده‏* * * كما لموسى انفلاق البحر منقول‏

و نبع ماء فرات من أنامله‏* * * كالعين ثرّت فجا الهتّان ما (4) النيل‏

روّوا الخميس و هم زهاء سبع مي‏* * * مع الرّكاب فمشروب و محمول‏

و ميّ عين بكفّ جاء يحملها* * * قتادة و له شكوى و تعويل‏

فكان‏ (5) أحسن عينيه و لا عجب‏* * * مسّت أناميل فيها اليمن مجعول‏

و الجذع حنّ إليه حين فارقه‏* * * حنين ولهى لها للرّوم مثكول‏

و أشبع الكثر من قلّ الطعام و لم‏* * * يكن ليعوزه بالكثر تقليل‏

و في جراب و لا (6) هنّ عجائب كم‏* * * يمتار منه فمبذول و مأكول‏

و في ارتواء إلى ذرء (7) بزمزم ما* * * يكفي تبدّن منه و هو مهزول‏

و العنكبوت بباب الغار قد نسجت‏* * * حتى كأنّ رداء منه مسدول‏

و فرّخت في حماه الورق ساجعة* * * تبكي و ما دمعها في الخدّ مطلول‏

هذا و كم معجزات للرسول أتت‏* * * لها من اللّه أمداد و تأصيل‏

غدت من الكثر أعداد النجوم فما* * * يحصي لها عددا كتب و لا قيل‏

قد انقضت معجزات الرّسل منذ قضوا* * * نحبا و أعجم منها ذلك الجيل‏

و معجزات رسول اللّه باقية* * * محفوظة ما لها في الدّهر تحويل‏

____________

(1) الخطّيّ: الرمح نسبة إلى الخطّ، و الخطّ: مرفأ السفن بالبحرين. لسان العرب (خطط).

(2) في الأصل: «أصمّ الوشج» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و الوشيج: شجر الرماح. لسان العرب (وشج).

(3) في الأصل: «القرآن» و كذا ينكسر الوزن، لذا خففنا همزة المد.

(4) في الأصل: «ماء» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(5) في الأصل: «فكانت» و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «لي» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(7) في الأصل: «لي ذرّ» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

35

تكفّل اللّه هذا الذّكر يحفظه‏* * * و هل يضيع الذي بالله مكفول؟

هذي المفاخر لا يحظى الملوك بها* * * للملك‏ (1) منقطع و الوحي

موصول‏

و من مطولاته في غرض يظهر منها: [الطويل‏]

هو العلم لا كالعلم شي‏ء تراوده‏* * * لقد فاز باغيه و أنجح قاصده‏

و ما فضّل الإنسان إلّا بعلمه‏* * * و ما امتاز إلّا ثاقب الذّهن واقده‏

و قد قصرت أعمارنا و علومنا* * * يطول علينا حصرها و نكابده‏

و في كلّها خير و لكنّ أصلها* * * هو النّحو فاحذر من جهول يعانده‏

به يعرف القرآن و السّنّة التي‏* * * هما أصل دين اللّه ذو أنت عابده‏

و ناهيك من علم عليّ مشيد* * * مبانيه أعزز بالذي هو شائده‏

لقد حاز في الدنيا فخارا و سؤددا* * * أبو الأسود الديلي‏ (2) فللجرّ سانده‏

هو استنبط العلم الذي جلّ قدره‏* * * و طار به للعرب ذكر نعاوده‏

و ساد عطا نجله و ابن هرمز* * * و يحيى و نصر ثم ميمون ماهده‏

و عنبسة قد كان أبرع صحبه‏* * * فقد قلّدت جيد المعالي قلائده‏

و ما زال هذا العلم تنميه سادة* * * جهابذة تبلى به و تعاضده‏

إلى أن أتى الدّهر العقيم بواحد* * * من الأزد تنميه إليه فرائده‏

إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد* * * أقرّ له بالسبق في العلم حاسده‏

و بالبصرة الغرّاء (3) قد لاح فجره‏* * * فنارت أدانيه و ضاءت أباعده‏

ذكيّ‏ (4) الورى ذهنا و أصدق لهجة* * * إذا ظنّ أمرا قلت ما هو شاهده‏

و ما أن يروّي بل جميع علومه‏* * * بدائه‏ (5) أعيت كلّ حبر تجالده‏

هو الواضع الثاني الذي فاق أولا* * * و لا ثالث في الناس تصمى قواصده‏

فقد كان ربّانيّ أهل زمانه‏* * * صويم قويم‏ (6) راكع الليل ساجده‏

يقيّم منه دهره في مثوبة* * * و ثوقا بأنّ اللّه حقّا مواعده‏

____________

(1) في الأصل: «الملك»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) هو أبو الأسود الدؤلي، واضع علم النحو.

(3) في الأصل: «الغرا»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «يا ذكيّ»، و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا حرف النداء «يا».

(5) في الأصل: «بداية»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) في الأصل: «صوّم قوّم»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

36

فعام إلى حجّ و عام لغزوة* * * فيعرفه البيت العتيق و وافده‏

و لم يثنه يوما عن العلم و التّقى‏* * * كواعب حسن تنثني و نواهده‏

و أكثر سكناه بقفر بحيث لا* * * تناغيه إلّا عفره و أوابده‏

و ما قوته إلّا شعير يسيغه‏* * * بماء قراح ليس تغشى موارده‏

عزوبا عن الدنيا و عن زهراتها* * * و شوقا إلى المولى و ما هو واعده‏

و لمّا رأى من سيبويه نجابة* * * و أيقن أنّ الحين أدناه باعده‏

تخيّره إذ كان وارث علمه‏* * * و لاطفه حتّى كأن هو والده‏

و علّمه شيئا فشيئا علومه‏* * * إلى أن بدت سيماه و اشتدّ ساعده‏

فإذ ذاك وافاه من اللّه وعده‏* * * و راح وحيد العصر إذ جاء واحده‏

أتى سيبويه ناشرا لعلومه‏* * * فلولاه أضحى النحو (1) عطلا شواهده‏

و أبدى كتابا كان فخرا وجوده‏* * * لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده‏

و جمّع فيه ما تفرّق في الورى‏* * * فطارفه يعزى إليه و تالده‏

بعمرو بن عثمان بن قنبر الرّضا* * * أطاعت عواصيه و تابت شوارده‏

عليك قران‏ (2) النحو نحو ابن قنبر* * * فآياته مشهودة و شواهده‏

كتاب أبي بشر (3) فلا تك قارئا* * * سواه فكلّ ذاهب الحسن فاقده‏

هم خلج بالعلم مدّت فعندما* * * تناءت غدت تزهى و ليست تشاهده‏

و لا تعد عمّا حازه إنه الفرا* * * و في جوفه كلّ الذي أنت صائده‏ (4)

إذا كنت يوما محكما في كتابه‏* * * فإنّك فينا نابه القدر ماجده‏

و لست تبالي إن فككت رموزه‏* * * أعضّك دهر أم عرتك ثرائده‏

هو العضب إن تلق الهياج شهرته‏* * * و إن لا تصب حربا فإنّك غامده‏

تلقّاه كلّ بالقبول و بالرّضى‏* * * فذو الفهم من تبدو إليه مقاصده‏

و لم يعترض فيه سوى ابن طراوة* * * و كان طريّا لم تقادم معاهده‏

و جسّره طعن المبرّد قبله‏* * * و إنّ الثّمالي بارد الذّهن خامده‏

____________

(1) في الأصل: «للنحو عطلا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «قرآن»، و كذا ينكسر الوزن، لذا خففنا همزة المد.

(3) أبو بشر: هو نفسه سيبويه.

(4) يشير هنا إلى المثل: «كل الصيد في جوف الفرا» يضرب لمن يفضّل على أقرانه. و الفرا:

أصلها: الفراء و هو الحمار الوحشي. مجمع الأمثال (ج 2 ص 136).

37

هما ما هما صارا مدى الدهر ضحكة* * * يزيّف ما قالا و تبدو مفاسده‏

تكون صحيح العقل حتى إذا ترى‏* * * تباري أبا بشر، إذا أنت فاسده‏

يقول امرؤ قد خامر الكبر رأسه‏* * * و قد ظنّ أنّ النحو سهل مقاصده‏

و لم يشتغل إلّا بنزر مسائل‏* * * من الفقه في‏ (1) أوراقه هو راصده‏

و قد نال بين الناس جاها و رتبة* * * و ألهاك عن نيل المعالي و لابده‏

و ما ذاق للآداب طعما و لم يبت‏* * * يعنّى بمنظوم و نثر يجاوده‏

فينكح أبكار المعاني و يبتغي‏* * * لها الكفو من لفظ بها هو عاقده‏

رأى سيبويه فيه بعض نكادة* * * و عجمة لفظ لا تحلّ معاقده‏

فقلت: أما أتى‏ (2) ما أنت أهل لفهمه‏* * * و ما أنت إلّا غائض الفكر

راكده‏

لعمرك ما ذو لحية و تسمّت‏* * * و إطراق رأس و الجهات تساعده‏

فيمشي على الأرض الهوينا كأنما* * * إلى الملإ الأعلى تناهت مراصده‏

و إيهامك الجهّال أنّك عالم‏* * * و أنّك فرد في الوجود و زاهده‏

بأجلب للنّحو الذي أنت هاجر* * * من الدّرس بالليل الذي أنت هاجده‏

أصاح، تجنّب من غويّ مخذّل‏* * * و خذ في طريق النّحو أنّك راشده‏

لك الخير فادأب ساهرا في علومه‏* * * فلم تشم إلّا ساهر الطّرف ساهده‏

و لا ترج في الدنيا ثوابا فإنما* * * لدى اللّه حقا أنت لا شكّ واجده‏

ذوو النحو في الدنيا قليل حظوظهم‏* * * و ذو الجهل فيها وافر الحظّ زائده‏

لهم أسوة فيها على لاغد (3) مضى‏* * * و لم يلق في الدنيا صديقا

يساعده‏

مضى بعده عنها الخليل فلم ينل‏* * * كفافا و لم يعدم حسودا يناكده‏

و لاقى أبا بشر خليل‏ (4) سفيهها* * * غداة تمالت في ضلال يمادده‏

أتى نحو هارون‏ (5) يناظر شيخه‏* * * فنفحته‏ (6)

حتّى تبدّت مناكده‏

فأطرق شيئا ثم أبدى جوابه‏* * * بحقّ و لكن أنكر الحقّ جاحده‏

و كاد علي عمرا إذا صار حاكما* * * و قدما عليّ كان عمرو يكايده‏

سقاه بكأس لم يفق من خمارها* * * و أورده الأمر الذي هو وارده‏

____________

(1) في الأصل: «و في» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «أتيت» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «لغد» و كذا لا يستقيم الوزن.

(4) كلمة «خليل» ساقطة في الأصل. و أبو بشر: هو سيبويه. و خليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي.

(5) هو اليهودي النحوي هارون بن موسى.

(6) في الأصل: «فنفحة»، و كذا ينكسر الوزن.

38

و لابن زياد شركة في مراده‏* * * و لابن رشيد شرك‏ (1) القلب رائده‏

هما جرّعا إلى عليّ و قنبر* * * أفاويق سمّ لم تنجّد أساوده‏

أبكي على عمرو و لا عمر مثله‏* * * إذا مشكل أعيا و أعور ناقده‏

قضى نحبه شرخ الشّبيبة لم يرع‏* * * بشيب و لم تعلق بذامّ معاقده‏

لقد كان للناس اعتناء بعلمه‏* * * بشرق و غرب تستنار فوائده‏

و الآن فلا شخص على الأرض قارى‏ء* * * كتاب أبي بشر و لا هو رائده‏

سوى معشر بالغرب فيهم تلفّت‏* * * إليه و شوق ليس يخبو مواقده‏

و ما زال منّا أهل أندلس له‏* * * جهابذ تبدي فضله و تناجده‏

و إنّي في مصر على ضعف ناصري‏* * * لناصره ما دمت حيّا و عاضده‏

أثار أثير الغرب للنّحو كامنا* * * و عالجه حتّى تبدّت قواعده‏

و أحيا أبو حيّان ميت علومه‏* * * فأصبح علم النحو ينفق كاسده‏

إذا مغربي حطّ بالثّغر رحله‏* * * تيقّن أنّ النحو أخفاه لاحده‏

منينا بقوم صدّروا في مجالس‏* * * لإقراء علم ضلّ عنهم مراشده‏

لقد أخّر التصدير عن مستحقّه‏* * * و قدّم غمر خامد الذهن جامده‏

و سوف يلاقي من سعى في جلوسهم‏* * * جزاء (2) و عقبى أكنّت

عقائده‏

علا عقله فيهم هواه فما درى‏* * * بأنّ هوى الإنسان للنار قائده‏

أقمنا بمصر نحو (3) عشرين حجة* * * يشاهدنا ذو أمرهم و نشاهده‏

فلمّا ننل منهم مدى الدهر طائلا* * * و لمّا نجد فيهم صديقا نوادده‏

لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم‏* * * و قد يتسلّى بالذي قال سارده‏

أخي إن تصل يوما و بلّغت سالما* * * لغرناطة فانفذ لما أنا عاهده‏

و قبل ثرى أرض بها حلّ ملكنا* * * و سلطاننا الشّهم الجميل عوائده‏

مبيد العدا قتلا و قد عمّ‏ (4) شرّهم‏* * * و محيي النّدى فضلا و قد رمّ

هامده‏

أفاض على الإسلام جودا و نجدة* * * فعزّ مواليه و ذلّ معانده‏

____________

(1) في الأصل: «بشرك للقلب»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) كلمة «جزاء» ساقطة في الأصل، فأضفناها مع حرف العطف في كلمة «عقبى»، ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(3) كلمة «نحو» ساقطة في الأصل.

(4) في الأصل: «عمر»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

39

و عمّ بها إخواننا بتحيّة* * * و خصّ بها الأستاذ لا عاش كائده‏

جزى اللّه عنّا شيخنا و إمامنا* * * و أستاذنا (1) الحبر الذي عمّ فائده‏

لقد أطلعت جيّان أوحد عصره‏* * * فللغرب فخر أعجز الشرق خالده‏

مؤرخة نحوية و إمامة* * * محدّثة جلّت و صحّت مسانده‏

جاه عظيم من ثقيف و إنما* * * به استوثقت منه العرى و مساعده‏

و ما أنس لا أنسى سهادي ببابه‏* * * بسبق و غيري نائم الليل راقده‏

فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا* * * و يفتح علما مغلقات رصائده‏

و إنّي و إن شطّت بنا غربة النّوى‏* * * لشاكر له في كل وقت و حامده‏

بغرناطة روحي و في مصر جثّتي‏* * * ترى هل يثنّي الفرد من هو فارده؟

أبا جعفر، خذها قوافي من فتى‏* * * تتيه على غرّ القوافي قصائده‏

يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها* * * فيرتاح سمّاع لها و مناشده‏

غريبة شكل كم حوت من غرائب‏* * * مجيدة أصل أنتجتها أماجده‏

فلولاك يا مولاي ما فاه مقولي‏* * * بمصر و لا حبّرت ما أنا قاصده‏

لهذّبتني حتّى أحوك مفوّقا* * * من النظم لا يبلى مدى الدهر آبده‏

و أذكيت فكري بعد ما كان خامدا* * * و قيّد شعري بعد ما ندّ شارده‏

جعلت ختاما فيه ذكرك إنه‏* * * هو المسك بل أعلى و إن عزّ ناشده‏

و مما دون من‏ (2) المطولات قوله (رحمه اللّه)(3): [الطويل‏]

تفرّدت لمّا أن جمعت بذاتي‏ (4)* * * و أسكنت لما أن بدت حركاتي‏

(5)

فلم أر في الأكوان غيرا (6) لأنني‏* * * أزحت عن الأغيار روح حياتي‏

(7)

و قدّستها عن رتبة لو تعيّنت‏* * * لها دائما دامت لها حسراتي‏ (8)

فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها* * * إلى رتبة تقضي لها بثبات‏

____________

(1) يشير هنا إلى أستاذه أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، المتوفّى سنة 708 ه، و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة.

(2) كلمة «من» ساقطة في الأصل.

(3) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 82- 83).

(4) في الأصل: «بذات» و التصويب من الكتيبة.

(5) في الأصل: «حركات» و التصويب من الكتيبة.

(6) في الكتيبة: «غيري».

(7) في الأصل: «حيات» و التصويب من الكتيبة.

(8) في الأصل: «حسرات» و التصويب من الكتيبة.

40

تشاهد معنى روضة أذهب العنا* * * و أيقظني للحقّ بعد سنات‏ (1)

أقامت زمانا في حجاب فعندما* * * تزحزح عنها رامت الخلوات‏

لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا* * * بها و ننال الجمع بعد شتات‏

و من النسيب قوله‏ (2): [الكامل‏]

كتم اللسان و مدمعي قد باحا* * * و ثوى الأسى عندي و أنسي‏ (3) راحا

إني لصبّ‏ (4) طيّ ما نشر الهوى‏* * * نشرا و ما زال الهوى إفصاحا

(5)

و مهجتي من لا أصرّح باسمه‏* * * و من الإشارة ما يكون صراحا

ريم أروم حنوّه و جنوحه‏* * * و يروم عني جفوة و جماحا

أبدى لنا من شعره و جبينه‏* * * ضدّين ذا ليلا و ذاك صباحا (6)

عجبا له يأسو الجسوم بطبّه‏* * * و لكم بأرواح أثار جراحا

فبلفظه‏ (7) برء الأخيذ و لحظه‏* * * أخذ البريّ فما يطيق براحا

ناديته‏ (8) في ليلة لا ثالث‏* * * إلّا أخوه البدر غار فلاحا

(9)

يا حسنها من ليلة لو أنها* * * دامت و مدّت للوصال‏ (10) جناحا

و قال‏ (11): [الكامل‏]

نور بخدّك أم توقّد نار؟* * * و ضنى بجفنك أم فتور (12) عقار؟

و شذا بريقك أم تأرّج مسكة؟* * * وسنى بثغرك أم شعاع دراري‏ (13)؟

جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت‏ (14)* * * قيد القلوب و فتنة الأبصار

____________

(1) في الكتيبة: «سناتي».

(2) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 83).

(3) في الأصل: «و أسى» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(4) في الأصل: «أحب» و هكذا ينكسر الوزن. و التصويب من الكتيبة.

(5) في الكتيبة: «فضاحا».

(6) في الكتيبة: «خدين ... و ذا إصباحا».

(7) في الأصل: «فبلقطه» بالقاف، و التصويب من الكتيبة.

(8) في الكتيبة: «نادمته».

(9) في الأصل: «عارف لاحا»، و التصويب من الكتيبة.

(10) في الأصل: «لتوصال» و التصويب من الكتيبة.

(11) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 83- 84) و نفح الطيب (ج 3 ص 326).

(12) في الكتيبة الكامنة: «كؤوس».

(13) في الأصل: «درار»، و قد صوبناه؛ لأن أصل القول هو: «درارى‏ء» و هي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماؤها.

(14) في الكتيبة: «... فيك فأصبحت».

41

متصاون خفر (1) إذا ناطقته‏* * * أغضى حياء (2)

في سكون وقار

في وجهه زهرات لفظ (3) تجتلى‏* * * من نرجس مع وردة و بهار

خاف اقتطاف الورد من جنباتها (4)* * * فأدار من أسر

(5) سياج عذار

و تسلّلت نمل العذار بخدّه‏* * * ليردن شهدة ريقه المعطار

و بخدّه ورد (6) حمتها وردها* * * فوقفن بين الورد و الإصدار

كم ذا أواري‏ (7) في هواه محبّتي‏* * * و لقد وشى بي فيه فرط أواري‏

(8)

و من نظمه من المقطوعات في شتى الأغراض قوله (رحمه اللّه)(9): [البسيط]

أزحت نفسي من الإيناس بالناس‏* * * لمّا غنيت عن الأكياس بالياس‏

(10)

و صرت في البيت وحدى لا أرى أحدا* * * بنات فكري و كتبي هنّ جلّاسي‏

و قال‏ (11): [الطويل‏]

و زهّدني في جمعي المال أنه‏* * * إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا

فلا روحه يوما أراح من العنا* * * و لم يكتسب حمدا و لم يدّخر أجرا

و قال: [الطويل‏]

سعت حيّة من شعره نحو صدغه‏* * * و ما انفصلت من خدّه إنّ ذا عجب‏

و أعجب من ذا أنّ سلسال ريقه‏* * * برود و لكن شبّ في قلبي اللّهب‏

و قال‏ (12): [السريع‏]

راض‏ (13) حبيبي عارض قد بدا* * * يا حسنه من عارض رائض‏

و ظنّ‏ (14) قوم أنّ قلبي سلا* * * و الأصل لا يعتدّ بالعارض‏

____________

(1) في النفح: «خفرا».

(2) في الأصل: «حيّا» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(3) في المصدرين: «روض».

(4) في المصدرين: «و جناته».

(5) في المصدرين: «آس».

(6) في النفح: «و بخده نار حمته ...».

(7) في النفح: «أداري».

(8) في الأصل: «أوار» بدوء ياء، و التصويب من المصدرين.

(9) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 84).

(10) في الكتيبة الكامنة: «أرحت نفسي ... كما غنيت ...».

(11) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 84).

(12) البيتان في فوات الوفيات (ج 4 ص 73) و بغية الوعاة (ص 122).

(13) في البغية: «رائض حبي».

(14) في البغية: «فظنّ».

42

و قال‏ (1): [الخفيف‏]

سال في الخدّ للحبيب عذار* * * و هو لا شكّ سائل مرحوم‏

و سألت التثامه فتجنّى‏* * * فأنا اليوم سائل محروم‏

و قال: [الطويل‏]

جننت بها سوداء لون و ناظر* * * و يا طالما كان الجنون بسوداء

وجدت بها برد النعيم و إنّ‏* * * فؤادي منها في جحيم و لأواء

و قال في فتى يسمى مظلوم‏ (2): [الطويل‏]

و ما كنت أدري أنّ مالك مهجتي‏* * * يسمّى‏ (3) بمظلوم و ظلم جفاؤه‏

إلى أن دعاني للصّبا (4) فأجبته‏* * * و من يك مظلوما أجيب دعاؤه‏

و قال‏ (5): [الخفيف‏]

جنّ غيري بعارض فترجّى‏* * * أهله أن يفيق عمّا قريب‏

و فؤادي بعارضين مصاب‏* * * فهو داء أعيا دواء (6) الطبيب‏

و قال‏ (7): [الطويل‏]

شكا الخصر منه ما يلاقي بردفه‏* * * و أضعف‏ (8) غصن البان جرّ

كثيب‏

إذا كان منه البعض يظلم بعضه‏* * * فما حال مشتطّ (9) المزار

(10) غريب‏

و قال‏ (11): [الطويل‏]

و ذي شفة لمياء زينت بشامة (12)* * * من المسك في رشافها

(13) يذهب النّسك‏

ظمئت إليها ريقة كوثريّة* * * بمثل لآلي‏ (14) ثغرها ينظم السّلك‏

____________

(1) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 85).

(2) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 85).

(5) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 85).

(7) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 85).

(3) في الأصل: «يتسمى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(4) في الكتيبة: «للهوى».

(6) في الكتيبة: «فؤاد».

(8) في الكتيبة: «و يضعف».

(9) في الأصل: «شطّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(10) في الكتيبة: «الديار».

(11) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 85- 86).

(12) في الأصل: «و ذو شفة لميا زيّنت ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(13) في الكتيبة: «ترشافها».

(14) في الأصل: «لقالي» و لا معنى لذلك، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

43

تعلّ بمعسول كأنّ رضابه‏* * * مدام من الفردوس‏ (1) خاتمه مسك‏

و قال: [الطويل‏]

أجلّ شفيع ليس يمكن ردّه‏* * * دراهم بيض للجروح مراهم‏

تصيّر صعب الأمر أسهل ما ترى‏* * * و يقضي لبانات الفتى‏ (2) و هو

نائم‏

و قال‏ (3): [مخلع البسيط]

نعيد ودّ قريب ضلّ‏

بعيد ودّ، قريب صدّ* * * كثير عتب .......

(4)

كبير عتب، قليل عتبى‏ (5)

كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا* * * كالخشف طرفا، كالصّخر قلبا

و قال‏ (6): [الطويل‏]

عداتي‏ (7) لهم فضل عليّ و منّة* * * فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا

هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها (8)* * * و هم نافسوني فاكتسبت المعاليا

مولده: ولد بغرناطة عام اثنين و خمسين و ستمائة (9).

وفاته: أخبرني الحاج الخطيب الفاضل أبو جعفر الشّقوري، (رحمه اللّه)، قال:

توفي عام خمسة و أربعين و سبعمائة بمصر، و دفن بالقرافة. و كانت جنازته حافلة.

و من الطارئين عليها في هذا الحرف‏

محمد بن أحمد بن داود بن موسى بن مالك اللّخمي اليكّي‏

من أهل بلّش‏ (10)، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الكمّاد.

____________

(1) في الأصل: «الفرد و سرّ» و هذا لا معنى له، و ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(2) في الأصل: «لبانات للفتى» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 86).

(4) في الكتيبة الكامنة:

بعيد ودّ، قريب صدّ* * * كثير عتب .......

و هكذا ينكسر الوزن.

(5) العتبى: الرّضا.

(6) البيتان في بغية الوعاة (ص 122) و الكتيبة الكامنة (ص 85) و فوات الوفيات (ج 4 ص 74).

(7) في البغية: «عداي».

(8) في الكتيبة الكامنة: «فسترتها».

(9) في بغية الوعاة (ص 121): «ولد بمطخشارش مدينة من حضرة غرناطة في آخر شوال سنة أربع و خمسين و ستمائة». و في فوات الوفيات (ج 4 ص 72): «مولده بغرناطة في شهور سنة أربع و خمسين و ستمائة».

(10) هي بلّش مالقة،velez malaga ، كما سيأتي بعد قليل. و قد ذكرها ياقوت مكتفيا بالقول:-

44

حاله: من «عائد الصلة»: كان من جلّة صدور الفقهاء الفضلاء، زهدا و قناعة و انقباضا، إلى دماثة الخلق، و لين الجانب، و حسن اللقاء، و السّذاجة المموّهة بالغفلة، و العمل على التقشّف و العزلة، قديم السّماع و الرّحلة، إماما مشهورا في القراءات، يرحل إليه، و يعوّل عليه، إتقانا و معرفة منها بالأصول، كثير المحافظة و الضّبط، محدّثا ثبتا، بليغ التّحرّز، شديد الثقة، فقيها متصرّفا في المسائل، أعرف الناس بعقد الشروط، ذا حظّ من العربية و اللغة و الأدب. رحل إلى العدوة، و تجوّل في بلاد الأندلس، فأخذ عن كثير من الأعلام، و روى و قيّد و صنّف و أفاد، و تصدّر للإقراء بغرناطة و بلّش و غيرهما، و تخرّج بين يديه جملة وافرة من العلماء و الطلبة، و انتفعوا به.

مشيخته: قرأ ببلده مرسية على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد بن لب بن أحمد بن أبي بكر الرّقوطي، و المقرئ أبي الحسن بن خلف الرّشاطي، و المحدّث الجليل أبي عمرو محمد بن علي بن عيشون اللخمي، و على الشيخ الفقيه الكاتب أبي محمد بن عبد اللّه بن داود بن خطّاب الغافقي المرسي. و ممن أجازه الفقيه أبو عثمان سعيد بن عمرو البطرني، و القاضي أبو علي بن أبي الأحوص، لقيه ببلّش مالقة و بسطة، فروى عنه الكثير، و الأستاذ أبو القاسم بن الأصهر الحارثي، لقيه بألمريّة.

و لقي بغرناطة الأستاذ أبا جعفر الطّبّاع، و الوزير الرّاوية أبا القاسم محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن جزيّ الكلبي، روى عنه و أجازه. و كتب له بالإجازة جماعة كبيرة من أهل المشرق و المغرب، حسبما تضمنه برنامجه.

تواليفه: اختصر كتاب «المقنع» في القراءات اختصارا بديعا، و سماه كتاب «الممتع في تهذيب المقنع» و غير ذلك.

شعره: من ذلك و قد وقف على أبيات أبي القاسم بن الصّقر في فضل الحديث: [الطويل‏]

لقد حاز أصحاب الحديث و أهله‏* * * شأوا و ثيرا (1) و مجدا مخلّدا

و صحّت لهم بين الأنام مزيّة* * * أبانت لهم عزّا و مجدا و سؤددا

بدعوة خير الخلق أفضل مرسل‏* * * محمد المبعوث بالنّور و الهدى‏

فهم دوّنوا علم الحديث و أتقنوا* * * و نصّوا بتبيين صحيحا و مسندا

____________

«بلش»: بالفتح و تشديد اللام و السين معجمة: بلد بالأندلس، ينسب إليه يوسف بن جبارة البلّشي ...». معجم البلدان (ج 1 ص 484).

(1) في الأصل: «و توتيرا»، و كذا لا يستقيم المعنى.

45

و جاءوا بأخبار الرّسول و صحبه‏* * * على وجهها لفظا و رسما مقيدا

و هم نقلوا الآثار و السّنن التي‏* * * من أصبح‏ (1) ذا أخذ بها فقد اهتدى‏

و ما قصّروا فيها بفقه و لا ونوا* * * بل التزموا حدّا و حزما مؤكّدا

و هم أوضحوا من بعدهم باجتهادهم‏* * * و تبيينهم سبل الهدى لمن اقتدى‏

جزاهم إله العرش عنّا بنصحهم‏* * * بأحسن ما جازى نصيحا و مرشدا

و نسأله‏ (2) سبحانه نهج هديهم‏* * * و سعيا إلى التّقوى سبيلا و مقصدا

و من شعره، (رحمه اللّه)، قوله: [السريع‏]

عليك بالصّبر و كن راضيا* * * بما قضاه اللّه تلقى النجاح‏

و اسلك طريق المجد و الهج به‏* * * فهو الذي يرضاه أهل الصلاح‏

و قد ألّف شيخنا أبو البركات بن الحاج، جزءا سماه «شعر من لا شعر له»، فيه من شعر هذا الرجل الفاضل و مثله كثير.

مولده: قبل الأربعين و ستمائة. و توفي ثاني شهر اللّه المحرم عام اثني عشر و سبعمائة.

انتهى ما اختصر من السّفر السابع من كتاب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» يتلوه في السفر الثامن بعده إن شاء اللّه و من السفر الثامن من ترجمة المقرئين و العلماء رحمهم اللّه***

و من السفر الثامن من ترجمة المقرئين و العلماء

محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني‏

من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن حفيد الأمين.

حاله: كان من أهل العلم و الفضل و الدين المتين، و الدّؤوب على تدريس كتب الفقه. استظهر كتاب «الجواهر» لابن شاس، و اضطلع بها، فكان مجلسه من مجالس الحفّاظ، حفّاظ المذهب، و انتفع به الناس، و كان معظّما فيهم، متبرّكا به، على سنن الصالحين من الزّهد و الانقباض و عدم المبالاة بالملبس و المطعم. و قال صاحبنا الفقيه‏

____________

(1) في الأصل: «أصح»، و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا همزة القطع همزة وصل.

(2) في الأصل: «و نسله»، و كذا ينكسر الوزن.

46

أبو الحسن النّباهي في تذييله لتاريخ مالقة: كان رجلا ساذجا، مخشوشنا، سنّيّ المنازع، شديد الإنكار على أهل البدع. جلس للتّحليق العام بالمسجد الجامع، و أقرأ به الفقه و العربية و الفرائض.

مشيخته: قال: منهم أبو علي بن أبي الأحوص، و أبو جعفر بن الزبير، و أبو محمد بن أبي السّداد، و القاضي أبو القاسم ابن السّكوت. قال: و أنشد للزاهد أبي إسحاق بن قشوم، قوله: [الطويل‏]

يروقك يوم العيد حسن ملابس‏* * * و نعمة أجسام و لين قدود

أجل لحظات الفكر منك فلا ترى‏* * * سوى خرق تبلى و طعمة دود

و أنشد لأبي عمرو الزاهد: [السريع‏]

تختبر الدّنير في ميذق‏* * * و الدّرهم الزايف إذ يبهم‏

و المرء إن رمت اختبارا له‏* * * ميذقه الدّنير و الدّرهم‏

من عفّ عن هذا و هذا معا* * * فهو التّقيّ الورع المسلم‏

تواليفه: له تقييد حسن في الفرائض، و جزء في تفضيل التّين على التّمر، و كلام على نوازل الفقه.

وفاته: و توفي في الكائنة العظمى بطريف‏ (1).

محمد بن أحمد بن علي بن قاسم المذحجي‏

من أهل ملتماس‏ (2)، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، من سراة بلده و أعيانهم، أستاذا متفنّنا مقرئا لكتاب اللّه، كاتبا بليغا، شديد العناية بالكتب، كثير المغالاة في قيمها و أثمانها، حتى صار له من أعلاقها و ذخائرها ما عجز عن تحصيله كثير من أهل بلده. كتب بخطّه، و قيّد كثيرا من كتب العلم. و كان مقرئا مجوّدا، عارفا بالقراءات، بصيرا بالعربية، ثقة ضابطا، مبرّزا في العدالة، حريصا على العلم استفادة ثم إفادة، لا يأنف من حمله عن أقرانه، و انتفع به أهل بلده، و الغرباء أكثر.

____________

(1) موقعة طريف: هي الموقعة الشهيرة التى كانت بين الإسبان و بني مرين، و كان مع بني مرين قوات الأندلس بقيادة السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، سنة 741 ه، و كانت الهزيمة فيها للمسلمين. اللمحة البدرية (ص 105- 106).

(2) نرجح أنها منتماس‏Montemas ، من قرى بلّش، كما سيأتي بعد قليل.

47

مشيخته: أخذ عن طائفة من أهل العلم، منهم الشّيخان الرّحلتان؛ أبو عبد اللّه بن الكمّاد، و أبو جعفر بن الزيات، عظيما بلده، و الخطيب ولي اللّه أبو عبد اللّه الطّنجالي، و القاضي أبو عبد اللّه بن بكر. و روى عن الشيخ الوزير أبي عبد اللّه بن ربيع، و ابنه الرّاوية أبي عامر، و الخطيب الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي. و روى عن الشيخ الرّاوية الرّحّال أبي عبد اللّه بن عامر الوادي آشي و غيرهم، و دخل غرناطة.

مولده: ولد ببلّش عام ثمانية و ثمانين و ستمائة.

وفاته: توفي ببلّش عاشر شهر شعبان من عام أربعة و ثلاثين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني‏

من أهل مالقة، يكنى أبا الحكم، و يعرف بابن حفيد الأمين.

حاله: من «العائد»: كان هذا الشيخ من أهل العلم و الدّين المتين، و الجري على سنن الفقهاء المتقدّمين، عقد الشروط بمالقة مدة طويلة في العدول المبرّزين، و جلس للتّحليق في المسجد الأعظم من مالقة، بعد فقد أخيه أبي القاسم، و خطب بمسجد مالقة الأعظم. ثم أخّر عن الخطبة لمشاحنة وقعت بينه و بين بعض الولاة، أثمرت في إحنته. و لم يزل على ما كان عليه من الاجتهاد في العبادة، و التقييد للعلم، و الاشتغال به، و العناية بأهله، إلى أن توفي على خير عمل.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد الباهلي، و روى عن جلّة من الشيوخ مثل صهره الخطيب الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي‏ (1)، و شاركه في أكثر شيوخه، و الأديب الحاج الصالح أبي القاسم القبتوري‏ (2) و غيرهم.

مولده: ولد بمالقة عام ثلاثة و سبعين و ستمائة.

وفاته: توفي بمالقة يوم الأربعاء الثامن عشر لذي حجة من عام تسعة و أربعين و سبعمائة. و دخل غرناطة غير ما مرّة مع الوفود من أهل بلده و في أغراضه الخاصة.

____________

(1) هو القاضي محمد بن أحمد بن يوسف الهاشمي الطنجالي، و ترجمته في تاريخ قضاة الأندلس (ص 193) و نفح الطيب (ج 7 ص 364).

(2) نسبة إلى قبتور، و هي قرية من قرى إشبيلية. الروض المعطار (ص 454).

48

محمد بن أحمد الرّقوطي‏ (1) المرسي‏

يكنى أبا بكر.

حاله: كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة؛ المنطق و الهندسة و العدد و الموسيقا و الطّب، فيلسوفا، طبيبا ماهرا، آية اللّه في المعرفة بالألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفّعا، متعاطيا. عرف طاغية الروم حقّه، لما تغلّب على مرسية، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين و النصارى و اليهود، و لم يزل معظما عنده. و مما يحكى من ملحه معه، أنه قال له يوما، و قد أدنى منزلته، و أشاد بفضله: لو تنصّرت و حصّلت الكمال، كان عندي لك كذا و كذا، و كنت كذا، فأجابه بما أقنعه. و لما خرج من عنده، قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحدا، و قد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني.

و طلبه سلطان المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر (2)، و استقدمه، و تلمذ له، و أسكنه في أعدل البقع من حضرته. و كان الطلبة يغشون منزله المعروف له، و هو بيدي الآن، فتعلّم عليه الطب و التعاليم و غيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. و كان قويّ العارضة، مضطلعا بالجدل، و كان السلطان يجمع بينه و بين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما، فيظهر عليهم، لتمكنه و دالّته، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي، و أبي القاسم بن خلصون، إن شاء اللّه. و كان يركب إلى باب السلطان، عظيم التّؤدة، معار البغلة، رائق البزّة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها، سمح اللّه له.

محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي‏

المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي.

حاله: كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، و في عقد الوثائق، و معرفة عللها، عارفا بالنحو و اللغة و الأدب و الكتابة و الشعر و التاريخ. و كان كثير البشاشة، عظيم الانقباض، طيّب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التّواضع، صبورا على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه و إقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه و أصوله، و أقرأ به الفروع و العقائد للعامة مدة. و أقرأ بجامع باب الفخّارين، و بمسجد ابن عزرة و غيره.

____________

(1) نسبة إلى رقوطةRicate ، و هي من قرى مرسية.

(2) هو السلطان أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، و قد حكم غرناطة من سنة 671- 701 ه. اللمحة البدرية (ص 50).

49

مشيخته: قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، و على الأستاذ أبي الحسن الدباج، و على القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي، و على القاضي أبي عبد اللّه بن عياض.

وفاته: توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية و ستين و ستمائة.

محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي‏

من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الرّقّام، الشيخ الأستاذ المتفنن.

حاله: كان نسيج وحده، و فريد دهره، علما بالحساب و الهندسة و الطب و الهيئة، و غير ذلك، مديد الباع، أصيل المعرفة، مضطلعا، متبحرا لا يشقّ غبارة، أقرأ التعاليم و الطب و الأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، و أوضح المشكلات، و سئل من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، و دوّن في هذه الفنون كلها، و لخّص، و لم يفتر من تقييد و شرح و تلخيص و تدوين.

تواليفه: و تواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب «الشّفا»، و الزّيج القويم الغريب المرصد، المبنيّة رسائله على جداول ابن إسحاق، و عدّل مناخ الأهلّة، و عليه كان العمل، و قيّد أبكار الأفكار في الأصول، و لخّص المباحث، و كتاب الحيوان و الخواص. و مقالاته كثيرة جدا، و دواوينه عديدة.

وفاته: توفي عن سنّ عالية بغرناطة في الحادي و العشرين لصفر من عام خمسة عشر و سبعمائة.

محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري‏ (1)

و نسبه‏ (2) أبو محمد القرطبي أمويّا من صريحهم، بلنسي الأصل، يكنى أبا عبد اللّه.

____________

(1) ترجمة ابن مأمون في بغية الملتمس (ص 65) و التكملة (ج 2 ص 62) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 149) و بغية الوعاة (ص 28).

(2) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 149).

50

حاله: كان صدرا في متقني القرآن العظيم، و أئمّة تجويده، مبرّزا في النحو، إماما معتمدا عليه، بارع الأدب، وافر الحظّ من البلاغة، و التّصرّف البديع في الكتابة، طيّب الإمتاع بما يورده من الفنون، كريم الأخلاق، حسن السّمت، كثير البشر، و قورا، ديّنا، عارفا، ورعا، وافر الحظّ من رواية الحديث.

مشيخته: روى‏ (1) عن أبي إسحاق بن صالح، و أبي بكر بن أبي ركب، و أبي جعفر بن ثعبان، و أبي الحجاج القفّال، و أبي الحسن شريح، و أبي محمد عبد الحق بن عطية، و أبي الحسن بن ثابت، و أبي الحسن بن هذيل، و تلا عليه بالسّبع، و أبو (2) عبد اللّه بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، و ابن فرح‏ (3) القيسي، و أبي القاسم خلف بن فرتون، و لم يذكر أنهم أجازوا له. و كتب له أبو بكر عبد العزيز بن سدير (4)، و ابن العزفي‏ (5)، و ابن قندلة (6)، فأبو الحسن طارق بن موسى، و ابن موهب، و يونس بن مغيث، و أبو جعفر (7) بن أيوب، و أبو الحكم عبد الرحمن بن غشيان‏ (8)، و أبو عبد اللّه الجيّاني، المعروف بالبغدادي. و ذكر أبو عبد اللّه بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن‏ (9) بن الطراوة.

من روى عنه: روى‏ (10) عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، و أبو بكر بن عتيق الأزدي‏ (11)، و ابن قترال‏ (12)، و أبو جعفر الجيّار، و الذّهبي، و ابن عميرة الشهيد، و أبو الحسن بن عزمون‏ (13)، و ابن عبد الرزاق‏ (14)، و أبو الحسن‏ (15) عبيد اللّه بن عاصم الدّاري‏ (16)، و أبو الربيع بن سالم، و أبو زكريا الجعفري‏ (17)، و أبو سليمان بن حوط اللّه، و أبو عبد اللّه الأندرشي، و ابن الحسين بن محبر (18)، و ابن إبراهيم الريسي‏ (19)، و ابن صلتان، و ابن عبد الحق التلمسيني، و ابن يربوع، و أبو العباس العزفي، و أبو عثمان سعد الحفّار، و أبو علي عمر بن جميع‏ (20)، و أبو عمران بن إسحاق‏ (21)، و أبو

____________

(1) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 149).

(2) في الذيل و التكملة: «و أبوي».

(3) في الذيل و التكملة: «و ابن فرج».

(4) في الذيل و التكملة: «مدير».

(5) في الذيل و التكملة: «و ابن العربي».

(6) في الذيل و التكملة: «فندلة».

(7) في الذيل و التكملة: «و أبو حفص بن أيوب».

(8) في الذيل و التكملة: «غشليان».

(9) في الذيل و التكملة: «الحسين».

(10) قارن بالذيل و التكملة: (ج 6 ص 49).

(11) في الذيل و التكملة: «اللاردي».

(12) في الذيل و التكملة: «و ابن قنترال».

(13) في المصدر نفسه: «حزمون».

(14) في المصدر نفسه: «و ابن عبيد اللّه الذوق».

(15) في المصدر نفسه: «و أبو الحسين».

(16) في المصدر نفسه: «الدائري».

(17) في المصدر نفسه: «الجعيدي».

(18) في المصدر نفسه: «مجبر التجيبي».

(19) في المصدر نفسه: «الوشقي».

(20) في المصدر نفسه: «صمع».

(21) في المصدر نفسه: «السخان».

51

القاسم الطيب بن هرقال‏ (1)، و عبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملّاحي‏ (2)، و أبو محمد بن دلف‏ (3) بن اليسر، و أبو الوليد بن الحجاج‏ (4).

تواليفه: له شرح على «إيضاح الفارسي»، و آخر على «جمل الزّجّاجي».

مولده: ببلنسية سنة ثلاث عشرة و خمسمائة.

وفاته: توفي بمرسية إثر صدوره عن غرناطة عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى‏ (5) سنة ست و ثمانين و خمسمائة.

محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي‏ (6)

من أهل سرقسطة. سكن غرناطة ثم فاس، يكنى أبا جعفر.

حاله: كان‏ (7) مقرئا مجوّدا، محققا بعلم الكلام و أصول الفقه، محصّلا لهما، متقدّما في النحو، حافظا للغة، حاضر الذّكر لأقوال تلك العلوم، جيّد النظر، متوقّد الذهن، ذكيّ القلب، فصيح اللسان‏ (8). ولّي أحكام فاس، و أفتى فيها، و درّس بها العربية: كتاب سيبويه و غير ذلك.

مشيخته: روى‏ (9) عن أبي الأصبغ بن سهل، و أبوي‏ (10) الحسن الحضرمي، و ابن سابق، و أبي جعفر بن جرّاح، و أبي طالب السّرقسطي، الأديبين، و أبوي عبد اللّه بن نصر، و ابن يحيى بن هشام المحدّث، و أبي العباس الدلائي، و أبي عبيد اللّه البكري، و أبي عمر أحمد بن مروان‏ (11) القيرواني، و أبي محمد بن قورش‏ (12)، و أبي مروان بن سراج. و أجاز له أبو الوليد الباجي، (رحمه اللّه).

____________

(1) في الذيل و التكملة: «هرقل».

(2) في المصدر نفسه: «ابن الفرس و الملاحي».

(3) في المصدر نفسه: «و أبو محمد بن محمد بن خلف ...».

(4) في المصدر نفسه: «ابن الحاج».

(5) في بغية الوعاة (ص 28): «جمادى الآخرة في السنة السابعة بعد الثمانين و الخمسمائة».

(6) ترجمة ابن باق في التكملة (ج 1 ص 360) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 177) و بغية الوعاة (ص 38).

(7) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 178).

(8) في الذيل و التكملة: «الكلام».

(9) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 177).

(10) في الذيل و التكملة: «و أبوي بكر: ابن الحسين الحضرمي ...».

(11) في المصدر نفسه: «مروان التجيبي البلوطي الزاهد».

(12) في المصدر نفسه: «فورتش».

52

من روى عنه: روى‏ (1) عنه أبو إسحاق بن قرقول، و أبو الحسن صالح بن خلف، و أبو عبد اللّه بن حسن السّبتي، و أبو (2) الحسن الأبّذي، و توفي قبله، و ابن خلف بن الأيسر (3)، و النّميري، و أبو العباس بن عبد الرحمن بن الصّقر، و أبو علي حسن بن الجزّار (4)، و أبو الفضل بن هارون الأزدي، و أبوا (5) محمد: عبد الحق بن بونه، و قاسم بن دحمان، و أبو مروان بن الصّقيل الوقّشي‏ (6).

تواليفه: شرح‏ (7) «إيضاح الفارسي»، و كان قيّما على كتابه، و صنّف في الجدل مصنّفين، كبيرا و صغيرا. و له عقيدة جيدة.

وفاته: توفي بفاس، و قيل بتلمسان‏ (8)، سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة.

محمد بن حسن بن محمد بن عبد اللّه بن خلف ابن يوسف بن خلف الأنصاري‏ (9)

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الحاج، و بابن صاحب الصلاة.

حاله: كان مقرئا صدرا في أئمّة التّجويد، محدّثا متقنا ضابطا، نبيل الخطّ و التقييد، ديّنا، فاضلا. و صنّف في الحديث، و خطب بجامع بلده. و أمّ في الفريضة زمانا، و استمرّت حاله كذلك، من نشر العلم و بثّه إلى أن كرّمه اللّه بالشهادة في وقيعة العقاب‏ (10).

دخوله غرناطة، راويا عن ابن الفرس، و ابن عروس، و غيرهما.

مشيخته: روى بالأندلس عن الحجاج ابن الشيخ، و أبي الحسن بن كوثر، و أبي خالد يزيد بن رفاعة، و أكثر عنه، و أبوي عبد اللّه بن عروس، و ابن الفخّار، و أبي‏

____________

(1) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 178).

(2) في الذيل و التكملة: «و ابن الحسن».

(3) في المصدر نفسه: «بن الإلبيري».

(4) في المصدر نفسه: «الخزاز».

(5) في الأصل: «و أبو» و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) في الذيل و التكملة: «الوشقي».

(7) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 178).

(8) في الذيل و التكملة: «و قيل تلمسين، و هو أصح، سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة». و كذا جاء في بغية الوعاة (ص 29).

(9) ترجمة محمد بن حسن الأنصاري في تاريخ قضاة الأندلس (ص 148).

(10) كانت وقعة العقاب في منتصف شهر صفر سنة 609 ه، بين الناصر أبي عبد اللّه محمد بن يعقوب بن يوسف الموحدي و جيوش قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن، و كانت الهزيمة فيها للمسلمين، فكانت السبب في هلاك الأندلس. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 263) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 149).