الفروق في اللغة

- حسن بن عبد الله‏ العسكري المزيد...
310 /
5

مؤلف هذا الكتاب‏

هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحي بن مهران العسكري، أبو هلال: عالم بالأدب، شاعر، ولد في عسكر مكرم (من كور الأهواز، بين البصرة و فارس) و اليها نسبته. لم يذكر المؤرخون تاريخ مولده و وفاته، قال ياقوت: «أما وفاته فلم يبلغني فيها شي‏ء، غير أني وجدت في آخر كتاب «الأوائل» من تصنيفه: «و فرغنا من املاء هذا الكتاب يوم الاربعاء لعشر خلت من شعبان سنة 395 ه» و قال السيوطي: «مات بعد الأربعمائة». و كان أبو هلال قد أنشد لنفسه قبيل وفاته:

لي خمس و ثمانون سنه‏* * * فإذا قدرتها كانت سنه‏

إن عمر المرء ما قد سرّه‏* * * ليس عمر المرء مرّ الأزمنه‏

فاذا كان مات في السنة التي فرغ فيها من املاء كتابه، أو بعدها بسنين قليلة، كما يقول السيوطي، يكون مولده بين سنة 310 و 320 ه على وجه التقريب.

و أبو هلال هو ابن أخت أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد بن اسماعيل العسكري (293- 382 ه) و تلميذه. قال السلفي: هو تلميذ أبي أحمد العسكري، توافقا في الاسم و اسم الأب و النسبة». و أبو أحمد هذا، كان فقيها، أديبا، انتهت اليه رياسة التحديث و الاملاء و التدريس في بلاد خوزستان في عصره.

6

بدأ أبو هلال حياته الدراسية في تعلم الفقه و الحديث و الأدب و اللغة، فهو يقول:

و ليال أطلن مدّة درسي‏* * * مثلما قد مددن في عمر لهوي‏

مرّ لي بعضها بفقه و بعض‏* * * بين شعر أخذت فيه و نحو

و حديث كأنه عقد ريّا* * * بت أرويه للرجال و تروي.

و لا نعلم عمّن أخذ كل هذه العلوم، هل عن خاله وحده أم عن جماعة من أعلام عصره، فمترجموه لم يذكروا لنا شيئا عن حياته الدراسية.

و يتبين لنا مما بقي من شعره، أنه لم ينتفع بأدبه، فلم يكسب مالا و لا رزقا، بل عاش حياته فقيرا معوزا، سئما بالحياة، آسفا على ضياع أدبه بين الناس و على حياته معهم. يدل على ذلك ما رواه أبو حكيم أحمد بن اسماعيل بن فضلان العسكري قال: أنشدنا أبو هلال لنفسه بالعسكر (عسكر مكرم):

إذا كان مالي مال من يلقط العجم‏* * * و حالي فيكم حال من حاك أو حجم‏

فأين انتفاعي بالأصالة و الحجى‏* * * و ما ربحت كفي على العلم و الحكم‏

و من ذا الذي في الناس يبصر حالتي‏* * * و لا يلعن القرطاس و الحبر و القلم.

أو قوله:

أرى الدنيا تميل الى أناس‏* * * لئام ما لنا فيهم صلاح‏

بقيت كطائر في قبض باز* * * جريح الجسم، هيض له جناح.

***

7

و تعاطى أبو هلال التجارة، فاتجر بالثياب. قال السلفي: و كان يتبزز احترازا من الطمع و الدناءة». و قال الباخرزي في دمية القصر، و قوله من مستطرف الأسجاع: «بلغني أن هذا الفاضل كان يحضر السوق، و يحمل اليها الوسوق، و يحلب در الرزق و يمتري، بأن يبيع الأمتعة و يشتري، فانظر كيف يحدو الكلام و يسوق، و تأمل هل غضّ من فضله السوق، و كان له في سوقة الفضلاء أسوة، أو كأنه استعار منهم لأشعاره كسوة، و هم: نصر بن أحمد الخبزأرزي، و أبو الفرج الوأواء الدمشقي، و السري الرفاء الموصلي. أما نصر فكان يدحو لرفاقه الأرزية، و يشكو في أشعاره تلك الرزية، و أما أبو الفرج فكان يسعى بالفواكه رائحا و غاديا. و يتغنى عليها مناديا، و أما السري يطري الخلق، و يرفو الخرق، و يصف تلك العبرة، و يزعم أنه يسترزق بالابرة. و كيف كان فهذه حرفة لا تنجو من حرفه، و صنعة لا تنجو من صنعة، و بضاعة لا تسلم من إضاعة، و متاع ليس لأهله استمتاع».

و كثيرا ما كان أبو هلال يخفق في تجارته، فهو لم يخلق لمثل هذا العمل، و لذلك نراه يتبرم و يتألم من الناس و من تجارته، فيقول:

جلوسي في سوق أبيع و أشتري‏* * * دليل على أن الأنام قرود

و لا خير في قوم يذلّ كرامهم‏* * * و يعظم فيهم نذلهم و يسود

و يهجوهم عني رثاثة كسوتي‏* * * هجاء قبيحا ما عليه مزيد.

مؤلفاته‏

: ألف أبو هلال العسكري زهاء عشرين كتابا و رسالة منها، «التلخيص» و «جمهرة الأمثال» و «شرح الحماسة» و «المحاسن في تفسير القرآن» و «ما تلحن فيه الخاصة»، و «الفروق في اللغة» و هو هذا الكتاب النفيس، الذي تقوم «دار الآفاق الجديدة» بنشره مقابلا

8

و مصححا على عدة مخطوطات و نسخ معتمدة، و «الصناعتين: النظم و النثر» و هو من أهم كتبه، عالج فيه المعاني و الألفاظ، و حسن النظم، و الايجاز، و الاطناب. و السرقات، و التشبيه، و السجع، و الازدواج، و البديع، و التزم وضع الحدود و تفريع الأقسام، و «معجم» في اللغة، و «الحث على طلب العلم» و «الاوائل» قال صاحب كشف الظنون: و هو أول من صنّف في الاوائل، و على رسالته هذه بنى السيوطي كتابه «الوسائل الى معرفة الأوائل»، و أسماء بقايا الأشياء و «فضل العطاء على العسر» و «الدرهم و الدينار» و «ديوان المعاني» و «ديوان شعره».

عادل نويهض‏

بيروت تشرين الأول (أكتوبر) 1973

مصادر ترجمته‏

: الحياة الأدبية في العصر العباسي، لمحمد عبد المنعم خفاجي 371- 376 و أعيان الشيعة 22: 154- 159 و طبقات المفسرين للسيوطي 10 و معجم الأدباء 8: 258- 267 و بغية الوعاة 1: 506 و خزانة الأدب تحقيق هارون 1: 230 و دمية القصر 101 و معجم البلدان 4: 124 و مجلة الرسالة القاهرية 20: 838 و 949 و مجلة الحج 10: 655- 659 و «الاعلام» للزركلي 2: 211 و مقدمة كتاب الصناعتين.

9

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و صلى الله على سيدنا محمد و آله و سلم الحمد لله القائم بالقسط المالك للقبض و البسط الذي لا راد لما يقضيه و لا دافع لما يمضيه. أحمده على نعمه التي لا يحصى عددها) و لا ينقطع مددها، و أشهد أن لا اله الا اللّه وحده لا شريك له شهادة تزلف اليه و تكسب الحظوة لديه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله المبعوث بالرحمة المختار لهداية الأمة أرسله رافعا لاعلام الحق صلى الله عليه و على آله مصابيح الخلق.

ثم اني ما رأيت نوعا من العلوم و فنا من الآداب الا و قد صنف فيه كتب تجمع أطرافه و تنظم أصنافه الا الكلام في الفرق بين معان تقاربت حتى أشكل الفرق بينها نحو العلم و المعرفة، و الفطنة و الذكاء، و الارادة و المشيئة، و الغضب و السخط، و الخطأ و الغلط، و الكمال و التمام، و الحسن و الجمال، و الفصل و الفرق، و السبب و الآلة، و العام و السنة، و الزمان و المدة، و ما شاكل ذلك فاني ما رأيت في الفرق بين هذه المعاني و أشباهها كتابا يكفي الطالب و يقنع الراغب مع كثرة منافعه فيما يؤدي الى المعرفة بوجوه الكلام و الوقوف على حقائق معانيه و الوصول الى الغرض فيه فعملت كتابي هذا مشتملا على ما تقع الكفاية به من غير اطالة و لا تقصير و جعلت كلامي فيه على ما يعرض منه في كتاب الله و ما يجري في ألفاظ الفقهاء و المتكلمين و سائر محاورات الناس. و تركت الغريب‏

10

الذي يقل تداوله ليكون الكتاب قصدا بين العالي و المنحط و خير الأمور اوسطها.

و فرقت ما أردت تضمينه اياه من ذلك في ثلاثين بابا:

(الباب الأول) في الابانة عن كون اختلاف العبارات موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة، و القول في البيان عن معرفة الفروق و الدلالة عليها.

(الباب الثاني) في الفرق بين ما كان من هذا النوع كلاما.

(الباب الثالث) في الفرق بين الدليل و الدلالة و الاستدلال و النظر و التأمل.

(الباب الرابع) في الفرق بين أقسام العلوم و ما يجري مع ذلك من الفرق بين الادراك و الوجدان و في الفرق بين ما يخالف العلوم و يضادها.

(الباب الخامس) في الفرق بين الحياة و ما يقرب منها في اللفظ و المعنى و ما يخالفها و يضادها و الفرق بين القدرة و ما يخالفها و يناقضها و الفرق بين الصحة و السلامة و ما يجري مع ذلك.

(الباب السادس) في الفرق بين القديم و العتيق و الباقي و الدائم و ما يجري مع ذلك.

(الباب السابع) في الفرق بين أقسام الارادات و أضدادها و الفرق بين أقسام الأفعال.

(الباب الثامن) في الفرق بين الفرد الواحد و الوحدة و الوحدانية و ما بسبيل ذلك و ما يخالفه من الفرق بين الكل و الجمع و ما هو من قبيل الجمع من التأليف و التصنيف و التنظيم و التنضيد و الفرق بين المماسة و المجاورة و ما يخالف ذلك من الفرق بين الفصل و الفرق.

(الباب التاسع) في الفرق بين الشبه و الشبه و العديل و النظير و الفرق بين ما يخالف ذلك من المتناقض و المتضاد و ما يجري معه.

(الباب العاشر) في الفرق بين الجسم و الجرم و الشخص و الشبح و ما يجري مع ذلك.

11

(الباب الحادي عشر) في الفرق بين الجنس و النوع و الضرب و الصنف و الأصل و الأس و ما بسبيل ذلك.

(الباب الثاني عشر) في الفرق بين القسم و الحظ و الرزق و النصيب و بين السخاء و الجود و بين أقسام العطيات و بين الغنى و الجدة و ما يخالف الغنى من الفقر و الاملاق و ما بسبيله و ما يخالف الحظ من الحرمان و الحرف.

الباب الثالث عشر: في الفرق بين العز و الشرف و الرياسة و السؤدد، و بين الملك و السلطان و الدولة و التمكين، و بين النصر و الاعانة، و بين الكبير و العظيم و الكبر و الكبرياء و بين الحكم و القضاء، و القدر و التقدير و ما يجري مع ذلك.

الباب الرابع عشر: في الفرق بين النعمة و الرحمة و الاحسان و الانعام، و بين الحلم و الامهال. و الصبر و الاحتمال. و الوقار و السؤدد و ما بسبيل ذلك.

الباب الخامس عشر: في الفرق بين الحفظ و الرعاية و الحراسة و الحماية، و الفرق بين الرقيب و المهيمن، و بين الوكيل و الضمين و ما يجري مع ذلك.

الباب السادس عشر: في الفرق بين الهداية و الرشد و الصلاح و السداد و ما يخالف ذلك من الغي و الفساد.

الباب السابع عشر: في الفرق بين التكليف و الاختبار و الابتلاء و الفتنة و بين اللطف و التوفيق و اللطف و اللطف.

الباب الثامن عشر: في الفرق بين الدين و الملة. و الطاعة و العبادة.

و الفرض و الوجوب، و المباح و الحلال و ما يخالف ذلك من أقسام المعاصي، و الفرق بين التوبة و الاعتذار و ما يجري مع ذلك.

الباب التاسع عشر: في الفرق بين الثواب و العوض و التفضل. و بين العوض و البدل. و بين القيمة و الثمن و الفرق بين ما يخالف ذلك من العذاب و العقاب. و الالم و الوجع. و الخوف و الخشية. و الوجل و الحياء

12

و الخجل و ما يخالف ذلك من الرجاء و الطمع و اليأس و القنوط.

الباب العشرون: في الفرق بين الكبر و التيه و الجبرية و ما يخالف ذلك من الخضوع و الخشوع و ما بسبيلها.

الباب الحادي و العشرون: في الفرق بين العبث و اللعب، و الهزل و المزاح و الاستهزاء و السخرية و ما بسبيل ذلك.

الباب الثاني و العشرون: في الفرق بين الخديعة و الحيلة و المكر و الكيد و ما يقرب من ذلك.

الباب الثالث و العشرون: في الفرق بين الوضاءة و الحسن و القسامة و البهجة و بين السرور و الفرح و ما بسبيل ذلك.

الباب الرابع و العشرون: في الفرق بين الزمان و الدهر و الأمد و المدة و ما يجري مع ذلك.

الباب الخامس و العشرون: في الفرق بين ضروب القرابات و بين المصاحبة و المقاربة و ما يقرب من ذلك.

الباب السادس و العشرون: في الفرق بين الاظهار و الجهر و ما بسبيل ذلك و ما يخالفه من الفرق بين الكتمان و الاخفاء و الستر و الحجاب و ما يقرب من ذلك.

الباب السابع و العشرون: في الفرق بين البعث و الارسال و الانفاذ و بين النبي و الرسول.

الباب الثامن و العشرون: في الفرق بين الكتب و النسخ و بين المنشور و الكتاب و بين الكتاب و الدفتر و الصحيفة.

الباب التاسع و العشرون: في الفرق بين نهاية الشي‏ء و آخره و غايته و بين الجانب و الكنف و ما يجري مع ذلك.

الباب الثلاثون: في الفرق بين أشياء مختلفة.

و الرغبة الى الله في التوفيق للصواب فيما أضمنه هذه الأبواب ثم في جميع ما أتصرف فيه من القول و الفعل ان شاء الله تعالى.

13

الباب الأول في الابانة عن كون اختلاف العبارات و الأسماء موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة. و القول في الدلالة على الفروق بينها

قال الشيخ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل (رحمه الله تعالى):

الشاهد على أن اختلاف العبارات و الاسماء يوجب اختلاف المعاني ان الاسم كلمة تدل على معنى دلالة الاشارة و اذا أشير الى الشي‏ء مرة واحدة فعرف فالاشارة اليه ثانية و ثالثة غير مفيدة و واضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد فأن أشير منه في الثاني و الثالث الى خلاف ما أشير اليه في الاول كان ذلك صوابا فهذا يدل على أن كل اسمين يجريان على معنى من المعاني و عين من الاعيان في لغة واحدة فأن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر و الا لكان الثاني فضلا لا يحتاج اليه.

و إلى هذا ذهب المحققون من العلماء و اليه أشار المبرد في تفسير قوله تعالى‏ (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً) قال فعطف شرعة على منهاج لأن الشرعة لاول الشي‏ء و المنهاج لمعظمه و متسعه. و استشهد على ذلك بقولهم شرع فلان في كذا إذا ابتدأه و أنهج البلى في الثوب اذا اتسع فيه. قال و يعطف الشي‏ء على الشي‏ء و ان كانا يرجعان الى شي‏ء واحد اذا كان في أحدهما خلاف للآخر فأما اذا أريد بالثاني ما أريد بالاول فعطف أحدهما على الآخر خطأ. لا تقول جاءني زيد و أبو عبد الله اذا كان زيد هو أبو

14

عبد الله ولكن مثل قوله:

أمرهم الخير فافعل ما أمرت به‏* * * فقد تركتك ذا مال و ذا نشب‏

و ذلك أن المال اذا لم يقيد فانما يعنى به الصامت كذا قال، و النشب ما ينشب و يثبت من العقارات، و كذلك قول الحطيئة:

ألا حبذا هند و أرض بها هند* * * و هند أتى من دونها النأي و البعد

و ذلك أن النأي يكون لما ذهب عنك الى حيث بلغ و أدنى ذلك يقال له نأي. و البعد تحقيق التروح و الذهاب الى الموضع السحيق. و التقدير أتى من دونها النأي الذي يكون أول البعد و البعد الذي يكاد يبلغ الغاية. قال أبو هلال (رحمه الله) و الذي قاله ههنا في العطف يدل على أن جميع ما جاء في القرآن و عن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا من العقل و اللب و المعرفة و العلم و الكسب و الجرح و العمل و الفعل معطوفا أحدهما على الآخر فانما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق في المعنى و لو لا ذلك لم يجز عطف زيد على أبي عبد الله اذ كان هو هو، قال أبو هلال (رحمه الله): و معلوم أن من حق المعطوف أن يتناول غير المعطوف عليه ليصح عطف ما عطف به عليه الا اذا علم أن الثاني ذكر تفخيما و أفرد عما قبله تعظيما نحو عطف جبريل و ميكائيل على الملائكة في قوله تعالى‏ (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ) (1) و قال بعض النحويين لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين حتى تضاف‏ (2) علامة لكل واحد منهما فأن لم يكن فيه لذلك علامة أشكل و ألبس على المخاطب و ليس من الحكمة وضع الادلة المشكلة الا أن يدفع الى ذلك ضرورة أو علة و لا يجي‏ء في الكلام غير ذلك الا ما شذ و قل.

و كما لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين فكذلك لا يجوز أن‏

____________

(1) فى التيمورية «ميكائل» و هي قراءة

(2) في النسخ «تضامه» مكان تضاف‏

15

يكون اللفظان يدلان على معنى واحد لأن في ذلك تكثيرا للغة بما لا فائدة فيه.

قال: و لا يجوز أن يكون فعل و أفعل بمعنى واحد كما لا يكونان على بناء واحد الا أن يجي‏ء ذلك في لغتين فاما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان و المعنى واحد كما ظن كثير من النحويين و اللغويين و انما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها و ما في نفوسها من معانيها المختلفة و على ما جرت به عاداتها و تعارفها و لم يعرف السامعون تلك العلل و الفروق فظنوا ما ظنوه من ذلك و تأولوا على العرب ما لا يجوز في الحكم‏ (1) و قال المحققون من أهل العربية: لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين و معناهما واحد قالوا فاذا كان الرجل عدة للشي‏ء قيل فيه مفعل مثل مرحم و محرب و اذا كان قويا على الفعل قيل فعول مثل صبور و شكور و اذا فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل فعال مثل علام و صبار. و اذا كان ذلك عادة له قيل مفعال: مثل معوان و معطاء و مهداء. و من لا يتحقق المعاني يظن أن ذلك كله يفيد المبالغة فقط و ليس الامر كذلك بل هي مع افادتها المبالغة تفيد المعاني التي ذكرناها. و كذلك قولنا فعلت يفيد خلاف ما يفيد أفعلت في جميع الكلام الا ما كان من ذلك لغتين فقولك: سقيت الرجل يفيد أنك أعطيته ما يشربه أو صببت ذلك في حلقه. و أسقيته يفيد أنك جعلت له سقيا أو حظا من الماء. و قولك شرقت الشمس يفيد خلاف غربت و أشرقت يفيد أنها صارت ذات اشراق.

و رعدت السماء أتت برعد و أرعدت صارت ذات رعد فأما قول بعض أهل اللغة أن الشعر و الشعر (2) و النهر و النهر (3) بمعنى واحد، فأن ذلك لغتان.

و اذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني فاختلاف المعاني أنفسها

____________

(1) في التيمورية (الحكمة).

(2) الاولى بفتح العين و الثانية بسكونها.

(3) الاولى بفتح الهاء و الثانية بسكونها.

16

أولى أن يكون كذلك. و لهذا المعنى أيضا قال المحققون من أهل العربية إن حروف الجر لا تتعاقب. حتى قال ابن درستويه في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة و افساد الحكمة فيها، و القول بخلاف ما يوجبه العقل و القياس. قال أبو هلال (رحمه الله) و ذلك أنها اذا تعاقبت خرجت عن حقائقها و وقع كل واحد منهما بمعنى الآخر فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد فأبى المحققون أن يقولوا بذلك و قال به من لا يتحقق المعاني، و لعل قائلا يقول ان امتناعك من أن يكون للفظين المختلفين معنى واحد رد على جميع أهل اللغة لأنهم اذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا هو العقل. أو الجرح قالوا هو الكسب. أو السكب قالوا هو الصب، و هذا يدل على أن اللب و العقل عندهم سواء و كذلك الجرح و الكسب و السكب و الصب و ما أشبه ذلك، قلنا و نحن أيضا كذلك نقول الا أنا نذهب الى أن قولنا اللب و ان كان هو العقل فانه يفيد خلاف ما يفيد قولنا العقل. و مثل ذلك القول و ان كان هو الكلام و الكلام هو القول فأن كل واحد منهما يفيد بخلاف ما يفيده الآخر. و كذلك المؤمن و ان كان هو المستحق للثواب فأن قولنا مستحق للثواب يفيد خلاف ما يفيده قولنا مؤمن. و كذلك جميع ما في هذا الباب، و لهذا المعنى قال المبرد الفرق بين‏

أبصرته‏

و

بصرت‏

به على اجتماعهما في الفائدة أن بصرت به معناه أنك صرت بصيرا بموضعه و فعلت أي انتقلت الى هذا الحال.

و أما أبصرته فقد يجوز أن يكون مرة و يكون لأكثر من ذلك. و كذلك‏

أدخلته‏

و

دخلت‏

به فاذا قلت أدخلته جاز أن تدخله و أنت معه و جاز ألا تكون معه. و دخلت به إخبار بأن الدخول لك و هو معك بسببك.

و حاجتنا الى الاختصار تلزمنا الاقتصار في تأييد هذا المذهب على ما ذكرناه و فيه كفاية.

فأما ما يعرف به الفرق بين هذه المعاني و أشباهها فأشياء كثيرة منها اختلاف ما يستعمل عليه اللفظان اللذان يراد الفرق بين معنييهما. و منها

17

اعتبار صفات المعنيين اللذين يطلب الفرق بينهما. و منها اعتبار ما يؤول اليه المعنيان. و منهما اعتبار الحروف التي تعدي بها الافعال. و منها اعتبار النقيض. و منها اعتبار الاشتقاق. و منها ما يوجبه صيغة اللفظ من الفرق بينه و بين ما يقاربه. و منهما اعتبار حقيقة اللفظين أو أحدهما في أصل اللغة.

فأما الفرق الذي يعرف من جهة ما تستعمل عليه الكلمتان فكالفرق بين‏

العلم‏

و

المعرفة

و ذلك أن العلم يتعدى الى مفعولين و المعرفة تتعدى الى مفعول واحد فتصرفهما على هذا الوجه و استعمال أهل اللغة اياهما عليه يدل على الفرق بينهما في المعنى و هو أن لفظ المعرفة يفيد تمييز المعلوم من غيره و لفظ العلم لا يفيد ذلك الا بضرب آخر من التخصيص في ذكر المعلوم. و سنتكلم في ذلك بما فيه كفاية اذا انتهينا الى موضعه.

و أما الفرق الذي يعرف من جهة صفات المعنيين فكالفرق بين‏

الحلم‏

و

الإمهال‏

و ذلك أن الحلم لا يكون الا حسنا و الامهال يكون حسنا و قبيحا. و سنبين ذلك في موضعه ان شاء الله.

و أما الفرق الذي يعرف من جهة اعتبار ما يؤول اليه المعنيان فكالفرق بين‏

المزاح‏

و

الاستهزاء

و ذلك أن المزاح لا يقتضي تحقير الممازح و لا اعتقاد ذلك فيه ألا ترى أن التابع يمازح المتبوع من الرؤساء و الملوك فلا يدل ذلك منه على تحقيرهم و لا اعتقاد تحقيرهم ولكن يدل على استئناسه بهم. و الاستهزاء يقتضي تحقير المستهزأ به فظهر الفرق بين المعنيين بتباين ما دلا عليه و أوجباه.

و أما الفرق الذي يعلم من جهة الحروف التي تعدى بها الافعال فكالفرق بين‏

العفو

و

الغفران‏

ذلك أنك تقول عفوت عنه فيقتضي ذلك انك محوت الذم و العقاب عنه و تقول غفرت له فيقتضي ذلك أنك سترت له ذنبه و لم تفضحه به. و بيان هذا يجي‏ء في بابه ان شاء الله.

و أما الفرق الذي يعرف من جهة اعتبار النقيض فكالفرق بين‏

الحفظ

18

و

الرعاية

و ذلك أن نقيض الحفظ الاضاعة و نقيض الرعاية الاهمال و لهذا يقال للماشية اذا لم يكن لها راع همل. و الاهمال ما يؤدي الى الاضاعة فعلى هذا يكون الحفظ صرف المكاره عن الشي‏ء لئلا يهلك و الرعاية فعل السبب الذي يصرف به المكاره عنه. و سنشرح هذا في موضعه ان شاء الله. و لو لم يعتبر في الفرق بين هاتين الكلمتين و ما بسبيلهما النقيض لصعب معرفة الفرق بين ذلك.

و أما الفرق الذي يعرف من جهة الاشتقاق فكالفرق بين‏

السياسة

و

التدبير

و ذلك أن السياسة هي النظر في الدقيق من أمور السوس مشتقة من السوس هذا الحيوان المعروف و لهذا لا يوصف الله تعالى بالسياسة لأن الأمور لا تدق عنه. و التدبير مشتق من الدبر و دبر كل شي‏ء آخره.

و ادبار الامور عواقبها فالتدبير آخر الأمور و سوقها الى ما يصلح به ادبارها أي عواقبها و لهذا قيل للتدبير المستمر سياسة و ذلك أن التدبير اذا كثر و استمر عرض فيه ما يحتاج الى دقة النظر فهو راجع الى الأول.

و كالفرق بين‏

التلاوة

و

القراءة

و ذلك أن التلاوة لا تكون في الكلمة الواحدة. و القراءة تكون فيها تقول قرأ فلان اسمه و لا تقول تلا اسمه.

و ذلك أن أصل التلاوة من قولك تلا الشي‏ء الشي‏ء يتلوه اذا تبعه فاذا لم تكن الكلمة تتبع أختها لم تستعمل فيها التلاوة و تستعمل فيها القراءة لأن القراءة اسم لجنس هذا الفعل.

و أما الفرق الذي توجبه صيغة اللفظ فكالفرق بين‏

الاستفهام‏

و

السؤال‏

و ذلك أن الاستفهام لا يكون الا لما يجهله المستفهم أو يشك فيه لأن المستفهم طالب لأن يفهم و قد يجوز أن يسأل فيه السائل عما يعلم و عما لا يعلم فصيغة الاستفهام و هو استفعال و الاستفعال للطلب ينبئ عن الفرق بينه و بين السؤال. و كذلك كل ما اختلفت صيغته من الاسماء و الافعال فمعناه مختلف مثل الضعف و الضعف‏ (1) و الجهد و الجهد و غير

____________

(1) الاولى بفتح الضاد و الثانية بضمها.

19

ذلك مما يجري مجراه.

و أما الفرق الذي يعرف من جهة اعتبار أصل اللفظ في اللغة و حقيقته فيها فكالفرق بين‏

الحنين‏

و

الاشتياق‏

و ذلك أن أصل الحنين في اللغة هو صوت من أصوات الابل تحدثها اذا اشتاقت الى أوطانها ثم كثر ذلك حتى أجرى اسم كل واحد منهما على الآخر كما يجري على السبب و على المسبب اسم السبب‏ (1)، فاذا اعتبرت هذه المعاني و ما شاكلها في الكلمتين و لم يتبين‏ (2) لك الفرق بين معنييهما، فاعلم أنهما من لغتين مثل القدر بالبصرية و البرمة بالمكية و مثل قولنا الله بالعربية و آزر بالفارسية.

و هذه جملة اذا اعتمدتها أوصلتك الى بغيتك من هذا الباب ان شاء الله.

____________

(1) في التيمورية (كما يجري على السبب اسم المسبب و على المسبب اسم السبب)

(2) في التيمورية «و لم يستبن».

20

الباب الثاني في الفرق بين ما كان من هذا النوع كلاما

فمن الكلام الاسم و التسمية و اللقب و الصفة.

[الفرق بين الاسم و التسمية و الاسم و اللقب‏]

فالفرق بين‏

الاسم‏

و

التسمية

و

الاسم‏

و

اللقب‏

أن الاسم فيما قال ابن السراج ما دل على معنى مفرد شخصا كان أو غير شخص. و فيما قال أبو الحسن علي بن عيسى (رحمه الله) كلمة تدل على معنى دلالة الاشارة و اشتقاقه من السمو و ذلك أنه كالعلم ينصب ليدل على صاحبه. و قال أبو العلاء المازني (رحمه الله) الاسم قول دال على المسمى غير مقتض لزمان من حيث هو اسم. و الفعل ما اقتضى زمانا أو تقديره من حيث هو فعل. قال و الاسم اسمان اسم محض و هو قول دال دلالة الاشارة و اسم صفة و هو قول دال دلالة الافادة.

و قال علي بن عيسى التسمية تعليق الاسم بالمعنى على جهة الابتداء.

و قال أبو العلاء اللقب ما غلب على المسمى من اسم علم بعد اسمه الاول فقولنا زيد ليس بلقب لانه أصل فلا لقب الا علم و قد يكون علم ليس بلقب. و قال النحويون: الاسم الاول هو الاسم المستحق بالصورة مثل رجل و ظبي و حائط و حمار. و زيد هو اسم ثان. و اللقب ما غلب على المسمى من اسم ثالث. و أما النبز فان المبرد قال هو اللقب الثابت قال و المنابزة الاشاعة باللقب يقال لبني فلان نبز يعرفون به اذا كان لهم لقب‏

21

ذائع‏ (1) شائع و منه قوله تعالى‏ (وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) و كان هذا من أمر الجاهلية فنهى الله تعالى عنه. و قيل النبز ذكر اللقب يقال نبز و نزب كما يقال جذب و جبذ و

قالوا في تفسير الآية

هو أن يقول للمسلم يا يهودي أو يا نصراني فينسبه الى ما تاب منه.

(الفرق بين‏

الاسم‏

و

الصفة

)

ان الصفة ما كان من الاسماء مخصصا مفيدا مثل زيد الظريف و عمرو العاقل و ليس الاسم كذلك فكل صفة اسم و ليس كل اسم صفة و الصفة تابعة للاسم في اعرابه و ليس كذلك الاسم من حيث هو اسم و يقع الكذب و الصدق في الصفة لاقتضائها الفوائد و لا يقع ذلك في الاسم و اللقب فالقائل للاسود أبيض على الصفة كاذب و على اللقب غير كاذب، و الصحيح من الكلام ضربان أحدهما يفيد فائدة الاشارة فقط و هو الاسم العلم و اللقب و هو ما صح تبديله و اللغة مجالها كزيد و عمر و لانك لو سميت زيدا عمرا لم تتغير اللغة.

و الثاني ينقسم أقساما فمنها ما يفيد ابانة موصوف من موصوف كعالم وحي. و منها ما يبين نوعا من نوع كقولنا لون و كون و اعتقاد و ارادة. و منها ما يبين جنسا من جنس كقولنا جوهر و سواد و قولنا شي‏ء يقع على ما يعلم و ان لم يفد أنه يعلم.

(الفرق بين‏

الصفة

و

النعت‏

)

أن النعت فيما حكى أبو العلاء (رحمه الله) لما يتغير من الصفات.

و الصفة لما يتغير و لما لا يتغير فالصفة أعم من النعت. قال فعلى هذا يصح أن ينعت الله تعالى بأوصافه لفعله لأنه يفعل و لا يفعل. و لا ينعت بأوصافه لذاته اذ لا يجوز أن يتغير. و لم يستدل على صحة ما قاله من ذلك بشي‏ء و الذي عندي أن النعت هو ما يظهر من الصفات و يشتهر

____________

(1) فى الاصل «واقع» مكان «ذائع» و لعلها تصحيف.

22

و لهذا قالوا هذا نعت الخليفة كمثل قولهم الامين و المأمون و الرشيد.

و قالوا أول من ذكر نعته على المنبر الامين و لم يقولوا صفته و ان كان قولهم الأمين صفة له عندهم لأن النعت يفيد من المعاني التي ذكرناها ما لا تفيده الصفة ثم قد تتداخل الصفة و النعت فيقع كل واحد منهما موضع الآخر لتقارب معناها و يجوز أن يقال الصفة لغة و النعت لغة أخرى و لا فرق بينهما في المعنى. و الدليل على ذلك أن أهل البصرة من النحاة يقولون الصفة و أهل الكوفة يقولون النعت و لا يفرقون بينهما فأما قولهم نعت الخليفة فقد غلب على ذلك كما يغلب بعض الصفات على بعض الموصوفين بغير معنى يخصه فيجري مجرى اللقب في الرفعة ثم كثرا حتى استعمل كل واحد منهما في موضع الآخر.

(الفرق بين‏

الصفة

و

الحال‏

)

أن الصفة تفرق بين اسمين مشتركين في اللفظ. و الحال زيادة في الفائدة و الخبر. قال المبرد اذا قلت جاءني عبد الله و قصدت الى زيد فخفت أن يعرف السامع جماعة أو اثنين كل واحد عبد الله أو زيد قلت الراكب أو الطويل أو العاقل و ما أشبه ذلك من الصفات لتفضل بين من تعني و بين من خفت أن يلبس به كأنك قلت جاءني زيد المعروف بالركوب أو المعروف بالطول فأن لم ترد هذا ولكن أردت الاخبار عن الحال التي وقع فيها مجيئه قلت جاءني زيد راكبا أو ماشيا فجئت بعده بذكره لا يكون نعتا لانه معرفة و انما أردت أن مجيئه وقع في هذه الحال و لم ترد جاءني زيد المعروف بالركوب فأن أدخلت الالف و اللام صارت صفة للاسم المعروف و فرقا بينه و بينه.

(الفرق بين‏

الوصف‏

و

الصفة

)

أن الوصف مصدر و الصفة فعلة. و فعلة نقصت فقيل صفة و أصلها وصفة فهي أخص من الوصف لأن الوصف اسم جنس يقع على كثيره و قليله و الصفة ضرب من الوصف مثل الجلسة و المشية و هي هيئة الجالس‏

23

و الماشي. و لهذا أجريت الصفات على المعاني فقيل العفاف و الحياء من صفات المؤمن و لا يقال أوصافه بهذا المعنى لأن الوصف لا يكون الا قولا و الصفة أجريت مجرى الهيئة و ان لم تكن بها فقيل للمعاني نحو العلم و القدرة صفات لأن الموصوف بها يعقل عليها كما ترى صاحب الهيئة على هيئته و تقول هو على صفة كذا و هذه صفتك كما تقول هذه حليتك و لا تقول هذا وصفك الا أن يعني به وصفه للشي‏ء.

(الفرق بين‏

التحلية

و

الصفة

)

أن التحلية في الاصل فعل المحلى و هو تركيب الحلية على الشي‏ء مثل السيف و غيره. و ليس هي من قبيل القول. و استعمالها في غير القول مجاز و هو انه قد جعل ما يعبر عنه بالصفة صفة كما أن الحقيقة من قبيل القول. تم جعل ما يعبر عنه بالحقيقة حقيقة و هو الذات الا أنه كثر به الاستعمال حتى صار كالحقيقة.

(الفرق بين‏

الاسم‏

و

الحد

)

أن الحد يوجب المعرفة بالمحدود من غير الوجه المذكور في المسألة عنه فيجمع للسائل المعرفة من وجهين. و فرق آخر و هو أنه قد يكون في الاسماء مشترك و غير مشترك مما يقع الالتباس فيه بين المتجادلين فاذا توافقا على الحد زال ذلك. و فرق آخر و هو أنه قد يكون مما يقع عليه الاسم ما هو مشكل فاذا جاء الحد زال ذلك. مثاله قول النحويين الاسم و الفعل و الحرف. و في ذلك إشكال فاذا جاء الحد أبان. و فرق آخر و هو أن الاسم يستعمل على وجه الاستعارة و الحقيقة فاذا جاء الحد بين ذلك ميزه.

(الفرق بين‏

الحد

و

الحقيقة

)

أن الحد ما أبان الشي‏ء و فصله من أقرب الاشياء بحيث منع من مخالطة غيره له و أصله في العربية المنع. و الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة و الشاهد انها مقتضية المجاز و ليس المجاز الا قولا

24

فلا يجوز أن يكون ما يناقضه الا قولا. و مثل ذلك الصدق لما كان قولا كان نقيضه و هو الكذب قولا ثم يسمى ما يعبر عنه بالحقيقة و هو الذات حقيقة مجازا فهي على الوجهين مفارقة للحد مفارقة بينة. و الفرق بينهما أيضا أن الحد لا يكون الا لما له غير يجمعه و اياه جنس قد فصل بالحد بينه و بينه. و الحقيقة تكون كذلك و لما ليس له غير كقولنا شي‏ء و الشي‏ء لا حد له من حيث هو شي‏ء و ذلك أن الحد هو المانع للمحدود من الاختلاط بغيره و الشي‏ء لا غير له و لو كان له غير لما كان شيئا كما أن غير اللون ليس بلون فتقول ما حقيقة الشي‏ء و لا تقول ما حد الشي‏ء. و فرق آخر و هو أن العلم بالحد هو علم به و بما يميزه و العلم بالحقيقة علم بذاتها.

(الفرق بين‏

الحد

و

الرسم‏

)

أن الحد أتم ما يكون من البيان عن المحدود. و الرسم مثل السمة يخبر به حيث يعسر التحديد. و لا بد للحد من الاشعار بالاصل اذا أمكن ذلك فيه و الرسم غير محتاج الى ذلك. و أصل الرسم في اللغة العلامة و منه رسوم الديار. و فرق المنطقيون بين الرسم و الحد فقالوا الحد مأخوذ من طبيعة الشي‏ء و الرسم من اعراضه.

(الفرق بين قولنا ما

حده‏

و بين قولنا ما

هو

)

أن قولنا ما هو يكون سؤالا عن الحد كقولك ما الجسم و سؤالا عن الرسم كقولك ما الشي‏ء و ذلك أن الشي‏ء لا يحد على ما ذكرنا و انما يرسم بقولنا ان الذي يصح أن يعلم و يذكر و يخبر عنه. و سؤالا عن الجنس كقولك ما الدنيا و سؤالا عن التفسير اللغوي كقولك ما القطر فتقول النحاس و ما القطر فتقول العود. و ليس كذلك قولنا ما حده لأن ذلك يبين الاختصاص من وجه من هذه الوجوه.

(الفرق بين‏

الحقيقة

و

الذات‏

)

انه لم يعرف الشي‏ء من لم يعرف ذاته. و قد يعرف ذاته من لم‏

25

يعرف حقيقته. و الحقيقة أيضا من قبيل القول على ما ذكرنا و ليست الذات كذلك و الحقيقة عند العرب ما يجب على الانسان حفظه يقولون هو حامي الحقيقة و فلان لا يحمي حقيقته.

(الفرق بين‏

الحقيقة

و

الحق‏

)

ان الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة حسنا كان أو قبيحا و الحق ما وضع موضعه من الحكمة فلا يكون الا حسنا و انما شملها اسم التحقيق لاشتراكهما في وضع الشي‏ء منهما موضعه من اللغة و الحكمة.

(الفرق بين‏

الحقيقة

و

المعنى‏

)

ان المعنى هو القصد الذي يقع به القول على وجه دون وجه و قد يكون معنى الكلام في اللغة ما تعلق به القصد. و الحقيقة ما وضع من القول موضعه منها على ما ذكرنا يقال عنيته أعنيه معنى. و المفعل يكون مصدرا و مكانا و هو ههنا مصدر و مثله قولك دخلت مدخلا حسنا أي دخولا حسنا. و لهذا قال أبو علي رحمة الله عليه ان المعنى هو القصد الى ما يقصد اليه من القول فجعل المعنى القصد لأنه مصدر. قال و لا يوصف الله تعالى بأنه معنى لأن المعنى هو قصد قلوبنا الى ما نقصد اليه من القول و المقصود هو المعنى و الله تعالى هو المعنى و ليس بمعنى و حقيقة هذا الكلام أن يكون ذكر الله هو المعنى و القصد اليه هو المعنى اذا كان المقصود في الحقيقة حادث. و قولهم عنيت بكلامي زيدا كقولك أردته بكلامي و لا يجوز أن يكون زيد في الحقيقة مرادا مع وجوده فدل ذلك على أنه عنى ذكره و أريد الخبر عنه دون نفسه. و المعنى مقصور على القول دون ما يقصد. ألا ترى أنك تقول معنى قولك كذا و لا تقول معنى حركتك كذا ثم توسع فيه فقيل ليس لدخولك الى فلان معنى و المراد أنه ليس له فائدة تقصد ذكرها بالقول. و توسع في الحقيقة ما لم يتوسع في المعنى فقيل لا شي‏ء الا و له حقيقة و لا يقال لا شي‏ء الا و له‏

26

معنى. و يقولون حقيقة الحركة كذا و لا يقولون معنى الحركة كذا هذا على انهم سموا الاجسام و الاعراض معاني الا أن ذلك توسع و التوسع يلزم موضعه المستعمل فيه و لا يتعداه.

(الفرق بين‏

المعنى‏

و

الموصوف‏

)

أن قولنا موصوف يجي‏ء مطلقا و قولنا معنى لا يجي‏ء الا مقيدا تقول هذا الشي‏ء موصوف و لا تقول معنى حتى تقول معنى بهذا القول و بهذا الكلام و ذلك أن وصفت تتعدى الى مفعول واحد بنفسه كضربت تقول وصفت زيدا كما تقول ضربت زيدا فان أردت زيادة فائدة عديته بحرف فقلت وصفته بكذا كما تقول ضربته بعصا أو بسيف. و عنيت يتعدى الى مفعولين أحدهما بنفسه و الآخر بالحرف تقول عنيت زيدا بكذا فالفائدة في قولك بكذا فهو كالشي‏ء الذي لا بد منه. فلهذا يقيد المعنى و يطلق الموصوف.

(الفرق بين‏

الغرض‏

و

المعنى‏

)

أن المعنى القصد الذي يقع به القول على وجه دون وجه على ما ذكرنا. و الكلام لا يترتب في الاخبار و الاستخبار و غير ذلك الا بالقصد فلو قال قائل محمد رسول الله و يريد محمد بن جعفر كان ذلك باطلا و لو أراد محمد بن عبد الله (عليه السلام) كان حقا أو قال زيد في الدار يريد بزيد تمثيل النحويين لم يكن مخبرا. و الغرض هو المقصود بالقول أو الفعل باضمار مقدمة و لهذا لا يستعمل في الله تعالى غرضي بهذا الكلام كذا أي هو مقصودي به و سمي غرضا تشبيها بالغرض الذي يقصده الرامي بسهمه و هو الهدف و تقول معنى قول الله كذا لأن الغرض هو المقصود و ليس للقول مقصود فأن قلت ليس للقول قصد أيضا قلنا هو مجاز و المجاز يلزم موضعه و لا يجوز القياس عليه فتقول غرض قول الله كما تقول معنى قول الله قياسا. و الغرض أيضا يقتضي أن يكون باضمار

27

مقدمة و الصفة بالاضمار لا يجوز على الله تعالى و يجوز أن يقال الغرض المعتمد الذي يظهر وجه الحاجة اليه و لهذا لا يوصف الله تعالى به لان الوصف بالحاجة لا يلحقه.

(الفرق بين‏

الكلام‏

و

التكليم‏

)

أن التكليم تعليق الكلام بالمخاطب فهو أخص من الكلام و ذلك أنه ليس كل كلام خطابا للغير فاذا جعلت الكلام في موضع المصدر فلا فرق بينه و بين التكليم و ذلك أن قولك كلمته كلاما و كلمته تكليما سواء و أما قولنا فلان يخاطب نفسه و يكلم نفسه فمجاز و تشبيه بمن يكلم غيره و لهذا قلنا ان القديم لو كان متكلما فيما لم يزل لكان ذلك صفة نقص لأنه كان تكلم و لا مكلم، و كان كلامه أيضا يكون إخبارا عما لم يوجد فيكون كذبا.

(الفرق بين‏

المتكلم‏

و

الكلماتي‏

)

أن المتكلم هو فاعل الكلام ثم استعمل في القاص و من يجري مجراه من أهل الجدل على وجه الصناعة. و الكلماتي ألحقت به الزوائد للمبالغة و مثله الشعراني. و الصفة به تلحق الذرب اللسان المقتدر على الكلام القوي على الاحتجاج و لا يوصف الله تعالى به لان الصفة بالذرابة لا تلحقه.

(الفرق بين‏

الكلمة

و

العبارة

)

أن الكلمة الواحدة من جملة الكلام ثم سميت القصيدة كلمة لأنها واحدة من جملة القصائد. و العبارة عن الشي‏ء هي الخبر عنه بما هو عليه من غير زيادة و لا نقصان الا ترى أنه لو سئل عن الجسم فقيل هو الطويل العريض العميق المانع، لم يكن ذلك عبارة عن الجسم لزيادة المانع في صفته و لو قيل هو الطويل العريض لم يكن ذلك عبارة عنه أيضا لنقصان العمق من حده. و يقال فلان يعبر عن فلان اذا كان يؤدي معاني كلامه على وجهها من غير زيادة فيها و لا نقصان منها و اذا زاد فيها أو نقص منها

28

لم يكن معبرا عنه. و قيل العبارة من قولك عبرت الدنانير و انما يعبر ليعرف مقدار وزنها فيرتفع الاشكال في صفتها بالزيادة و النقصان.

و سميت العبارة عبارة لانها تعبر المعنى الى المخاطب، و التعبير وزن الدنانير لانها تعبر به من حال المقدار الى ظهره. و العبرة الدمعة المترددة في العين لعبورها من أحد الجانبين الى الآخر، و العبرة الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل الى العلم، و التعبير تفسير الرؤيا لانه يعبر بها من حال أجمع و انها تقتضي معبرا عنه، و تكون مفردا و جملة فالمفرد قولك عبرت عن الرجل بزيد، و الجملة قولك عبرت عما قلته بقام زيد و بزيد منطلق.

(و الفرق) بينهما و بين القول‏

ان القول يقتضي المقول بعينه، مفردا كان أو جملة أو ما يقوم مقام ذلك و لذلك تعدى تعديا مطلقا و لم يتعد الى غير المقول، و العبارة تعدت الى معنى القول بحرف فقيل عبرت عنه.

(الفرق) بين‏

العبارة

عن الشي‏ء و

الاخبار

عنه‏

، أن الاخبار عنه يكون بالزيادة في صفته و النقصان منها و يجوز أن يخبر عنه بخلاف ما هو عليه فيكون ذلك كذبا، و العبارة عنه هي الخبر عنه بما هو عليه من غير زيادة و لا نقصان فالفرق بينهما بين.

و من قبيل الكلام السؤال‏

(الفرق) بين‏

السؤال‏

و

الاستخبار

، أن الاستخبار طلب الخبر فقط، و السؤال يكون طلب الخبر و طلب الأمر و النهي و هو أن يسأل السائل غيره أن يأمره بالشي‏ء أو ينهاه عنه، و السؤال و الأمر سواء في الصيغة و انما يختلفان في الرتبة فالسؤال من الادنى في الرتبة و الامر من الأرفع فيها.

(الفرق) بين‏

السؤال‏

و

الاستفهام‏

، ان الاستفهام لا يكون الا لما يجهله المستفهم أو يشك فيه و ذلك أن المستفهم طالب لان يفهم و يجوز أن يكون السائل يسأل عما يعلم و عن ما لا يعلم فالفرق بينهما ظاهر، و أدوات‏

29

السؤال هل و الالف و أم و ما و من و أي و كيف و كم و أين و متى، و السؤال هو طلب الاخبار بأداته في الافهام فان قال ما مذهبك في حدث العالم فهو سؤال لانه قد أتى بصيغة السؤال، و ان قال أخبرني عن مذهبك في حدث العالم فمعناه معنى السؤال و لفظه لفظ الأمر.

(الفرق) بين‏

الدعاء

و

المسألة

، أن المسألة يقارنها الخضوع و الاستكانة و لهذا قالوا المسألة ممن دونك و الأمر ممن فوقك و الطلب ممن يساويك فأما قوله تعالى‏ (وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) فهو يجري مجرى الرفق في الكلام و استعطاف السامع به و مثله قوله تعالى‏ (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) فأما قول الحصين بن المنذر ليزيد بن المهلب و الحصين بن حيدة:

أمرتك أمرا جازما فعصيتني‏

و كان من التوفيق قتل ابن هاشم‏

فهو على وجه الازدراء بالمخاطب و التخطئة له ليقبل لرأيه الادلال عليه أو غير ذلك مما يجري مجراه، و الأمر في هذا الموضع هو المشورة و سميت المشورة أمرا لأنها على صيغة الأمر و معلوم أن التابع لا يأمر المتبوع ثم يعنفه على مخالفته أمره، لا يجوز ذلك في باب الدين و الدنيا ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال ان المسكين أمر الأمير باطعامه و ان كان المسكين أفضل من الأمير في الدين، و الدعاء اذا كان لله تعالى فهو مثل المسألة معه استكانة و خضوع و اذا كان لغير الله جاز أن يكون معه خضوع و جاز أن لا يكون معه ذلك كدعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) أبا جهل الى الاسلام لم يكن فيه استكانة، و يعدى هذا الضرب من الدعاء بإلى فيقال دعاه اليه، و في الضرب الاول بالباء، فيقال دعاه به.

تقول: دعوت الله بكذا و لا تقول دعوته اليه لان فيه معنى مطالبته به و قوده إليه.

(الفرق) بين‏

الدعاء

و

النداء

، أن النداء هو رفع الصوت بما له معنى و العربي يقول لصاحبه ناد معي ليكون ذلك أندى لصوتنا أي أبعد له، و الدعاء يكون برفع الصوت و خفضه يقال دعوته من بعيد و دعوت الله في‏

30

نفسي و لا يقال ناديته في نفسي، و أصل الدعاء طلب الفعل دعا يدعو و ادعى ادعاءا لأنه يدعو الى مذهب من غير دليل، و تداعى البناء يدعو بعضه بعضا الى السقوط، و الدعوى مطالبة الرجل بمال يدعو الى أن يعطاه، و في القرآن‏ (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى) أي يأخذه بالعذاب كأنه يدعوه إليه.

(الفرق) بين‏

النداء

و

الصياح‏

. أن الصياح رفع الصوت بما لا معنى له و ربما قيل للنداء صياح فأما الصياح فلا يقال له نداء الا اذا كان له معنى.

و

الفرق بين‏

الصوت‏

و

الصياح‏

ان الصوت عام في كل شي‏ء تقول صوت الحجر و صوت الباب و صوت الانسان، و الصياح لا يكون الا لحيوان فأما قول الشاعر:

تصيح الردينيات فينا و فيهم‏* * * صياح بنات الماء أصبحن جوعا

فهو على التشبيه و الاستعارة.

(الفرق) بين‏

الصوت‏

و

الكلام‏

ان من الصوت ما ليس بكلام مثل صوت الطست و أصوات البهائم و الطيور. و من المشكلة و هي حمرة تخالط بياض العين و غيرها و المختلط بغيره قد يظهر للمتأمل فكذلك المعنى المشكل قد يعرف بالتأمل و الذي فيه ليس كالمستور و المستور خلاف الظاهر.

(الفرق) بين‏

الاستعارة

و

التشبيه‏

ان التشبيه صيغة لم يعبر عنها و اللفظ المستعار قد نقل من أصل الى فرع فهو مغير عما كان عليه فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

الإعادة

و

التكرار

أن التكرار يقع على اعادة الشي‏ء مرة و على إعادته مرات، و الاعادة للمرة الواحدة ألا ترى أن قول القائل أعاد فلان كذا لا يفيد الا اعادته مرة واحدة و اذا قال كرر كذا كان كلامه مبهما لم يدر أعاده مرتين أو مرات، و أيضا فانه يقال أعاده مرات و لا يقال كرره مرات الا أن يقول ذلك عامي لا يعرف الكلام، و لهذا قالت الفقهاء الامر

31

لا يقتضي التكرار و النهي يقتضي التكرار و لم يقولوا الاعادة، و استدلوا على ذلك بأن النهي الكف عن المنهي، و لا ضيق في الكف عنه و لا حرج، فاقتضى الدوام و التكرار و لو اقتضى الامر التكرار للحق المأمور به الضيق و التشاغل به عن أموره فاقتضى فعله مرة و لو كان ظاهرا لامر يقتضي التكرار ما

قال سراقة للنبي (صلى الله عليه و سلم) أ لعامنا هذا أم للأبد فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) للأبد قال لو

(1)

قلت نعم لوجبت‏

، فأخبر أن الظاهر لا يوجبه و انه يصير واجبا بقوله. و المنهي عن الشي‏ء اذا عاد الى فعله لم يقل انه قد انتهى عنه و اذا أمر بالشي‏ء ففعله مرة واحدة لم يقل انه لم يفعله. فالفرق بين الأمر و النهي في ذلك ظاهر، و معلوم أن من يوكل غيره بطلاق امرأته كان له أن يطلق مرة واحدة، و ما كان من أوامر القرآن مقتضيا للتكرار فان ذلك قد عرف من حاله بدليل لا يظاهره، و لا يتكرر (2) الامر مع الشرط أيضا ألا ترى أن من قال لغلامه اشتر اللحم اذا دخلت السوق لم يعقل‏ (3) ذلك التكرار.

(الفرق) بين‏

الاختصار

و

الإيجاز

أن الاختصار هو إلقاؤك فضول الالفاظ من الكلام المؤلف من غير إخلال بمعانيه و لهذا يقولون قد اختصر فلان كتب الكوفيين أو غيرها إذا ألقى فضول ألفاظهم و أدى معانيهم في أقل مما أدوها فيه من الالفاظ فالاختصار يكون في كلام قد سبق حدوثه و تأليفه، و الايجاز هو أن يبنى الكلام على قلة اللفظ و كثرة المعاني يقال أوجز الرجل في كلامه اذا جعله على هذا السبيل، و اختصر كلامه أو كلام غيره اذا قصره بعد إطالة فان استعمل أحدهما موضع الآخر فلتقارب معنيهما.

(الفرق) بين‏

الحذف‏

و

الاقتصار

أن الحذف لا بد فيه من خلف ليستغني به عن المحذوف، و الاقتصار تعليق القول بما يحتاج اليه من‏

____________

(1) في التيمورية «و لو قلت نعم».

(2) في النسخ «بتكرار»

(3) في نسخة «يعلل».

32

المعنى دون غيره مما يستغني عنه. و الحذف اسقاط شي‏ء من الكلام و ليس كذلك الاقتصار.

(الفرق) بين‏

الإسهاب‏

و

الإطناب‏

أن الاطناب هو بسط الكلام لتكثير الفائدة، و الاسهاب بسطه مع قلة الفائدة فالاطناب بلاغة و الاسهاب عي، و الاطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة تحتوي على زيادة فائدة، و الاسهاب بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب، و قال الخليل يختصر الكلام ليحفظ و يبسط ليفهم، و قال أهل البلاغة الاطناب إذا لم يكن منه بد فهو إيجاز، و في هذا الباب كلام كثير استقصيناه في كتاب صنعة الكلام.

و من قبيل القول الخبر

(الفرق) بين‏

الخبر

و بين‏

الحديث‏

أن الخبر هو القول الذي يصح وصفه بالصدق و الكذب و يكون الاخبار به عن نفسك و عن غيرك، و أصله أن يكون الاخبار به عن غيرك و ما به‏ (1) صار الخبر خبرا هو معنى غير صيغته لأنه يكون على صيغة ما ليس بخبر كقولك رحم اللّه زيدا و المعنى اللهم ارحم زيدا. و الحديث في الأصل هو ما تخبر به عن نفسك من غير أن تسنده الى غيرك و سمي حديثا لأنه لا تقدم له و انما هو شي‏ء حدث لك فحدثت به ثم كثر استعمال اللفظين حتى سمي كل واحد منهما باسم الآخر فقيل للحديث خبر و للخبر حديث، و يدل على صحة ما قلنا انه يقال فلان يحدث عن نفسه بكذا و هو حديث النفس، و لا يقال يخبر عن نفسه و لا هو خبر النفس، و اختار مشايخنا قولهم إن سأل سائل فقال أخبروني و لم يختاروا حدثوني لأن السؤال استخبار و المجيب مخبر، و يجوز أن يقال إن الحديث ما كان خبرين فصاعدا اذا كان كل واحد منهما متعلقا بالآخر فقولنا رأيت زيدا خبر، و رأيت زيدا منطلقا حديث، و كذلك قولك رأيت زيدا و عمرا حديث مع كونه خبرا.

____________

(1) في التيمورية «له».

33

(الفرق) بين‏

النبأ

و

الخبر

أن النبأ لا يكون الا للاخبار بما لا يعلمه المخبر و يجوز أن يكون المخبر بما يعلمه و بما لا يعلمه و لهذا يقال تخبرني عن نفسي و لا يقال تنبئني عن نفسي و كذلك تقول تخبرني عما عندي و لا تقول تنبئني عما عندي، و في القرآن‏ (فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) و انما استهزؤوا به لأنهم لم يعلموا حقيقته و لو علموا ذلك لتوقوه يعني العذاب و قال تعالى‏ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يكن يعرف شيئا منها، و قال علي بن عيسى في النبأ معنى عظيم الشأن و كذلك أخذ منه صفة النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال أبو هلال أيده الله و لهذا يقال سيكون لفلان نبأ و لا يقال خبر بهذا المعنى، و قال الزجاج في قوله تعالى‏ (فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أنباؤه تأويله و المعنى سيعلمون ما يؤول اليه استهزاؤهم.

قلنا و انما يطلق عليه هذا لما فيه من عظم الشأن. قال أبو هلال و الانباء عن الشي‏ء أيضا قد يكون بغير حمل النبأ عنه تقول هذا الأمر ينبئ بكذا و لا تقول يخبر بكذا لأن الاخبار لا يكون الا بحمل الخبر.

(الفرق) بين‏

القصص‏

و

الحديث‏

أن القصص ما كان طويلا من الأحاديث متحدثا به عن سلف و منه قوله تعالى‏ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) و قال (نحن‏ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) و لا يقال للّه قاص لأن الوصف بذلك قد صار علما لمن يتخذ القصص صناعة، و أصل القصص في العربية اتباع الشي‏ء الشي‏ء و منه قوله تعالى‏ (وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) و سمي الخبر الطويل قصصا لأن بعضه يتبع بعضا حتى يطول و اذا استطال السامع الحديث قال هذا قصص. و الحديث يكون عمن سلف و عمن حضر و يكون طويلا و قصيرا، و يجوز أن يقال القصص هو الخبر عن الأمور التي يتلو بعضها بعضا، و الحديث يكون عن ذلك و عن غيره، و القصص قطع يستطيل و يتبع بعضه بعضا مثل قص الثوب بالمقص و قص الجناح و ما أشبه ذلك، و هذه قصة الرجل يعني الخبر عن مجموع أمره و سميت قصة

34

لأنها يتبع بعضها بعضا حتى تحتوي على جميع أمره.

(الفرق) بين‏

الخبر

و

الشهادة

أن شهادة الاثنين عند القاضي يوجب العمل عليها و لا يجوز الانصراف عنها، و يجوز الانصراف عن خبر الاثنين و الواحد الى القياس و العمل به و يجوز العمل به أيضا و التعبد أخرج الشهادة عن حكم الخبر المحض، و يفرق بين قولك شهد عليه و شهد على اقراره فتقول اذا جرى الفصل أو الأخذ بحضرة الشاهد كتب شهد عليه، و اذا جرى ذلك رؤية ثم أقر به عنده كتب شهد على إقراره.

(الفرق) بين‏

الخبر

و

الأمر

أن الأمر لا يتناول الآمر لانه لا يصح أن يأمر الانسان نفسه و لا أن يكون فوق نفسه في الرتبة فلا يدخل الآمر مع غيره في الأمر و يدخل مع غيره في الخبر لانه لا يمتنع أن يخبر عن نفسه كاخباره عن غيره و لذلك قال الفقهاء إن أوامر النبي (صلى الله عليه و سلم) تتعداه الى غيره من حيث كان لا يجوز أن يختص بها و فصلوا بينها و بين أفعاله بذلك فقالوا أفعاله لا تتعداه الا بدليل، و قال بعضهم بل حكمنا و حكمه في فعله سواء فاذا فعل شيئا فقد صار كأنه قال لنا إنه مباح، قال و يختص العام بفعله كما يختص بقوله. و يفرق بينهما أيضا من وجه آخر و هو أن النسخ يصح في الامر و لا يصح في الخبر عند أبي علي و أبي هاشم رحمهما الله تعالى، و ذهب أبو عبد الله البصري (رحمه الله) الى أن النسخ يكون في الخبر كما يكون في الأمر قال و ذلك مثل أن يقول الصلاة تلزم المكلف في المستقبل ثم يقول بعد مدة إن ذلك لا يلزمه، و هذا أيضا عند القائلين بالقول الأول و إن كان لفظ الخبر. و أما الخبر عند حال الشي‏ء الواحد المعلوم أنه لا يجوز خروجه عن تلك الحال فان النسخ لا يصح في ذلك عند الجميع نحو الخبر عن صفات الله بأنه عالم و قادر.

و من اقسام القول الكذب‏

(الفرق) بين‏

الكذب‏

و

المحال‏

أن المحال ما أحيل من الخبر عن حقه حتى لا يصح اعتقاده و يعلم بطلانه اضطرارا مثل قولك سأقوم أمس‏

35

و شربت غدا و الجسم أسود أبيض في حال واحدة. و الكذب هو الخبر الذي يكون مخبره على خلاف ما هو عليه و يصح اعتقاد ذلك و يعلم بطلانه استدلالا. و المحال ليس بصدق و لا كذب، و لا يقع الكذب الا في الخبر، و قد يكون المحال في صورة الخبر مثل قولك أقدم زيد غدا و في صورة التمني، كقولك ليتني في هذه الحال بالبصرة و مكة، و في صورة الامر، اتق زيدا أمس و في صورة النهي كقولك يا زيد بكر على أن تجعل زيدا بكرا. و خلاف المحال المستقيم و خلاف الكذب الصدق. و المحال على ضربين تجويز الممتنع و ايجابه فتجويزه قولك المقيد يجوز أن يعدو ايجابه كقولك المقيد يعدو و الآخر ما لا يفيد ممتنعا و لا غير ممتنع بوجه من الوجوه كقول القائل يكون الشي‏ء أسود أبيض و قائما قاعدا.

(الفرق) بين‏

المحال‏

و

الممتنع‏

على ما قال بعض العلماء أن المحال ما لا يجوز كونه و لا تصوره مثل قولك الجسم أسود أبيض في حال واحدة، و الممتنع ما لا يجوز كونه و يجوز تصوره في الوهم و ذلك مثل قولك للرجل عش أبدا فيكون هذا من الممتنع لان الرجل لا يعيش أبدا مع جواز تصور ذلك في الوهم.

(الفرق) بين‏

المحال‏

و

المتناقض‏

ان من المتناقض ما ليس بمحال و ذلك ان القائل ربما قال صدقا ثم نقضه فصار كلامه متناقضا قد نقض آخره أوله و لم يكن محالا لان الصدق ليس بمحال و قولنا محال لا يدخل الا في الكلام، ولكن المتكلمين يستعملونه في المعنى الذي لا يصح ثبوته كالصفة و هو في اللغة قول الواصف ثم تعارفه المتكلمون في المعاني. و المناقضة تنقسم أقساما: فمنها مناقضة جملة بتفصيل كقول المخبر الله عادل و لا يظلم مع قولهم انه خلق الكفار للنار من غير جرم، و منها نقض جملة بجملة و هو قولهم ان جميع جهات الفعل باللّه ثم يقولون انه ليثاب العبد، و منها نقض تفصيل بتفصيل كقول النصارى واحد ثلاثة و ثلاثة واحد لان اثباته واحدا نفي لثاني و ثالث في اثباته ثلاثة اثبات لما نفى في الاول بعينه.

36

(الفرق) بين‏

التضاد

و

التناقض‏

ان التناقض يكون في الاقوال و التضاد يكون في الافعال يقال الفعلان متضادان و لا يقال متناقضان فاذا جعل الفعل مع القول استعمل فيه التضاد فقيل فعل زيد يضاد قوله و قد يوجد النقيضان من القول و لا يوجد الضدان من الفعل ألا ترى ان الرجل اذا قال بلسانه زيد في الدار في حال قوله في الضد إنه ليس في الدار فقد أوجد نقيضين معا، و كذلك لو قال أحد القولين بلسانه و كتب الآخر بيده أو أحدهما بيمينه و الآخر بشماله و لا يصح ذلك في الضدين، و حد الضدين هو ما تنافيا في الوجود، و حد النقيضين القولان المتنافيان في المعنى دون الوجود، و كل متضادين متنافيان و ليس كل متنافيين ضدين عند أبي علي كالموت و الارادة و قال أبو بكر هما ضدان لتمانعهما و تدافعهما قال و لهذا سمي القرنان المتقاومان ضدين.

و مما يجري مع هذا و ان لم يكن قولا التنافي و التضاد و الفرق بينهما أن التنافي لا يكون الا بين شيئين يجوز عليهما البقاء، و التضاد يكون بين ما يبقى و ما لا يبقى.

(الفرق) بين‏

الكذب‏

و

الخرص‏

أن الخرص هو الحزر و ليس من الكذب في شي‏ء و الخرص ما يحزر من الشي‏ء يقال كم خرص نخلك أي كم يجى‏ء من ثمرته و انما استعمل الخرص في موضع الكذب لان الخرص يجري على غير تحقيق فشبه بالكذب و استعمل في موضعه، و أما التكذيب فالتصميم على أن الخبر كذب بالقطع عليه و نقيضه التصديق و لا تطلق صفة المكذب الا لمن كذب بالحق لانها صفة ذم ولكن اذا قيدت فقيل مكذب بالباطل كان ذلك مستقيما و انما صار المكذب صفة ذم و ان قيل كذب بالباطل لانه من أصل فاسد و هو الكذب فصار الذم أغلب عليه كما أن الكافر صفة ذم و ان قيل كفر بالطاغوت لانه من أصل فاسد و هو الكفر.

(الفرق) بين‏

الكذب‏

و

الإفك‏

أن الكذب اسم موضوع للخبر الذي‏

37

لا مخبر له على ما هو به، و أصله في العربية التقصير و منه قولهم كذب عن قرنه في الحرب اذا ترك الحملة عليه و سواء كان الكذب فاحش القبح أو غير فاحش القبح، و الافك هو الكذب الفاحش القبح مثل الكذب على الله و رسوله أو على القرآن و مثل قذف المحصنة و غير ذلك مما يفحش قبحه و جاء في القرآن على هذا الوجه قال الله تعالى‏ (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) و قوله تعالى‏ (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) و يقال للرجل اذا أخبر عن كون زيد في الدار و زيد في السوق انه كذب و لا يقال افك حتى يكذب كذبة يفحش قبحها على ما ذكرنا، و أصله في العربية الصرف و في القرآن‏ (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)* أي يصرفون عن الحق، و تسمى الرياح المؤتفكات لأنها تقلب الارض فتصرفها عما عهدت عليه، و سميت ديار قوم لوط الْمُؤْتَفِكاتُ‏ لأنها قلبت بهم.

(الفرق) بين‏

الإنكار

و

الجحد

أن الجحد أخص من الانكار و ذلك أن الجحد انكار الشي‏ء الظاهر، و الشاهد قوله تعالى‏ (بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)* فجعل الجحد مما تدل عليه الآيات و لا يكون ذلك إلا ظاهرا و قال تعالى‏ (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها) فجعل الانكار للنعمة لأن النعمة قد تكون خافية، و يجوز أن يقال الجحد هو انكار الشي‏ء مع العلم به و الشاهد قوله‏ (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) فجعل الجحد مع اليقين، و الانكار يكون مع العلم و غير العلم.

(الفرق) بين قولك‏

جحده‏

و

جحد

به‏

ان قولك جحده يفيد أنه أنكره مع علمه به، و جحد به يفيد أنه جحد ما دل عليه و على هذا فسر قوله تعالى‏ (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) أي جحدوا ما دلت عليه من تصديق الرسل و نظير هذا قولك إذا تحدث الرجل بحديث كذبته و سميته كاذبا فالمقصود المحدث و اذا قلت كذبت به فمعناه كذبت بما جاء به فالمقصود ههنا الحديث، و قال المبرد لا يكون الجحود الا بما يعلمه الجاحد كما قال الله تعالى‏ (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).

38

(الفرق) بين‏

الجحد

و

الكذب‏

أن الكذب هو الخبر الذي لا مخبر له على ما هو به، و الجحد انكارك الشي‏ء الظاهر أو انكارك الشي‏ء الذي مع علمك به فليس الجحد له إلا الانكار الواقع على هذا الوجه، و الكذب يكون في انكار و غير انكار.

(الفرق) بين قولك‏

أنكر

منه كذا و بين قولك‏

نقم‏

منه كذا

أن قولك أنكر منه كذا يفيد أنه لم يجوز فعله، و قولك أنكره عليه يفيد أنه بين أن ذلك ليس بصلاح له و قوله نقم منه يفيد أنه أنكر عليه إنكار من يريد عقابه و منه قوله تعالى‏ (وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) و ذلك أنهم أنكروا منم التوحيد و عذبوهم عليه في الأخدود المقدم ذكره في السورة و قال تعالى‏ (وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي ما أنكروا من الرسول حين أرادوا اخراجه من المدينة و قتله الا أنهم استغنوا و حسنت أحوالهم منذ قدم بلدهم، و الدليل على ذلك قوله تعالى‏ (وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) أي همّوا بقتله أو اخراجه و لم ينالوا ذلك، و لهذا المعنى سمي العقاب انتقاما و العقوبة نقمة.

(الفرق) بين‏

الزور

و

الكذب‏

و

البهتان‏

أن الزور هو الكذب الذي قد سوي و حسن في الظاهر ليحسب أنه صدق و هو من قولك زورت الشي‏ء اذا سويته و حسنته، و في كلام عمر زورت يوم السقيفة كلاما، و قيل أصله فارسي من قولهم زور و هو القوة و زورته قويته، و أما البهتان فهو مواجهة الانسان بما لم يحبه و قد بهته.

(الفرق) بين قولك‏

اختلق‏

و قولك‏

افترى‏

أن افترى قطع على كذب و أخبر به، و اختلق قدر كذبا و أخبر به لأن أصل افترى قطع و أصل اختلق قدر على ما ذكرنا.

و مما يخالف الكذب الصدق‏

(الفرق) بين قولك‏

صدق‏

الله و

صدق‏

به‏

أن المعنى فيما دخلته الباء أنه أيقن بالله لانه بمنزلة صدق الخبر بتثبيت الله و معنى الوجه الاول أنه‏

39

صدق الله فيما أخبر به.

(الفرق) بين‏

الصدق‏

و

الحق‏

أن الحق أعم لأنه وقوع الشي‏ء في موقعه الذي هو أولى به. و الصدق الاخبار عن الشي‏ء على ما هو به، و الحق يكون اخبارا و غير إخبار.

و من قبيل القول الاقرار

(الفرق) بين‏

الإقرار

و

الاعتراف‏

أن الاقرار فيما قاله أبو جعفر الدامغاني حاصله اخبار عن شي‏ء ماض و هو في الشريعة جهة ملزمة للحكم و الدليل على أنه جهة ملزمة قوله تعالى‏ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) الى قوله‏ (وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) فأمر بالاصغاء الى قول من عليه الحق في حال الاستيثاق و الاشهاد ليثبت عليه ذلك فلو لا انه جهة ملزمة لم يكن لاثباته فائدة، و قال بعضهم الاعتراف مثل الاقرار الا أنه يقتضي تعريف صاحبه الغير أنه قد التزم ما اعترف به، و أصله من المعرفة، و أصل الاقرار من التقرير و هو تحصيل ما لم يصرح به القول و لهذا اختار أصحاب الشروط أقرّ به و لم يختاروا اعترف به. قال الشيخ أبو هلال أيده الله تعالى: يجوز أن يقر بالشي‏ء و هو لا يعرف أنه أقر به و يجوز أن يقر بالباطل الذي لا أصل له و لا يقال لذلك اعتراف انما الاعتراف هو الاقرار الذي صحبته المعرفة بما أقر به مع الالتزام له، و لهذا يقال: الشكر اعتراف بالنعمة و لا يقال اقرار بها لانه لا يجوز أن يكون شكرا الا اذا قارنت المعرفة موقع المشكور و بالمشكور له في أكثر الحال فكل اعتراف اقرار و ليس كل اقرار اعترافا و لهذا اختار أصحاب الشروط ذكر الاقرار لانه أعم، و نقيض الاعتراف الجحد و نقيض الاقرار الانكار.

و من قبيل القول الشكر

(الفرق) بين‏

الشكر

و

الحمد

أن الشكر هو الاعتراف بالنعمة على جهة التعظيم للمنعم، و الحمد الذكر بالجميل على جهة التعظيم المذكور به أيضا و يصح على النعمة و غير النعمة، و الشكر لا يصح الا على النعمة

40

و يجوز أن يحمد الانسان نفسه في أمور جميله يأتيها و لا يجوز أن يشكرها لأن الشكر يجري مجرى قضاء الدين و لا يجوز أن يكون للانسان على نفسه دين فالاعتماد في الشكر على ما توجبه النعمة و في الحمد على ما توجبه الحكمة. و نقيض الحمد الذم الا على اساءة و يقال الحمد للّه على الاطلاق و لا يجوز أن يطلق الا لله لان كل إحسان فهو منه في الفعل أو التسبيب و الشاكر هو الذاكر بحق المنعم بالنعمة على جهة التعظيم و يجوز في صفة اللّه شاكر مجازا و المراد أنه يجازى على الطاعة جزاء الشاكرين على النعمة و نظير ذلك قوله تعالى‏ (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)* و هذا تلطف الاستدعاء الى النفقة في وجوه البر و المراد أن ذلك بمنزلة القرض في ايجاب الحق، و أصل الشكر إظهار الحال الجميلة فمن ذلك دابة شكور إذا ظهر فيه السمن مع قلة العلف و أشكر الضرع اذا امتلأ و أشكرت السحابة امتلأت ماءا و الشكير قضبان غضة تخرج رخصة بين القضبان العاسية و الشكير من الشعر و النبات صغار نبت خرج بين الكبار مشبهة بالقضبان الغضة، و الشكر بضع المرأة و الشكر على هذا الاصل إظهار حق النعمة لقضاء حق المنعم كما أن الكفر تغطية النعمة لابطال حق المنعم فان قيل أنت تقول الحمد لله شكرا، فتجعل الشكر مصدرا للحمد، فلو لا اجتماعهما في المعنى لم يجتمعا في اللفظ، قلنا هذا مثل قولك قتلته صبرا (1) و أتيته سعيا و القتل غير الصبر و الاتيان غير السعي، و قال سيبويه هذا باب ما ينصب من المصادر لانه حال وقع فيها الأمر و ذلك كقولك قتلته صبرا و معناه أنه لما كان القتل يقع على ضروب و أحوال بين الحال التي وقع فيها القتل و الحال التي وقع فيها الحمد فكأنه قال قتلته في هذه الحال، و الحمد لله شكرا أبلغ من قولك الحمد لله حمدا لأن ذلك للتوكيد و الاول لزيادة معنى و هو أي أحمده في حال إظهار نعمه علي.

____________

(1) القتل صبرا هو أن يوثق الشي‏ء و يرمى حتى يموت.

41

(الفرق) بين‏

الحمد

و

الإحماد

أن الحمد من قبيل الكلام على ما ذكرناه، و الاحماد معرفة تضمرها و لذلك دخلته الالف فقلت أحمدته لانه بمعنى أصبته و وجدته فليس هو من الحمد في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الشكر

و

الجزاء

أن الشكر لا يكون إلا على نعمة و النعمة لا تكون الا لمنفعة أو ما يؤدي الى منفعة كالمرض يكون نعمة لانه يؤدي الى الانتفاع بعوض، و الجزاء يكون منفعة و مضرة كالجزاء على الشر.

(الفرق) بين‏

الشكر

و

المكافأة

أن الشكر على النعمة سمي شكرا عليها و إن لم يكن يوازيها في القدر كشكر العبد لنعم الله عليه و لا تكون المكافأة بالشر مكافأة به حتى تكون مثله و أصل الكلمة يني‏ء عن هذا المعنى و هو الكفؤ يقال هذا كف‏ء هذا اذا كان مثله و المكافأة أيضا تكون بالنفع و الضر و الشكر لا يكون الا على النفع أو ما يؤدي الى النفع على ما ذكرنا، و الشكر أيضا لا يكون الا قولا و المكافأة تكون بالقول و الفعل و ما يجري مع ذلك.

(الفرق) بين‏

الجزاء

و

المقابلة

)

أن المقابلة هي المساواة بين شيئين كمقابلة الكتاب بالكتاب و هي في المجازاة استعارة قال بعضهم قد يكون جزاء الشي‏ء أنقص منه و المقابلة عليه لا تكون الا مثله و استشهدوا بقوله‏ (وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) قال و لو كان جزاء الشي‏ء مثله لم يكن لذكر المثل ههنا وجه و الجواب عن هذا ان الجزاء يكون على بعض الشي‏ء فاذا قال مثلها فكأنه قال على كلها.

(الفرق) بين‏

الحمد

و

المدح‏

أن الحمد لا يكون الا على احسان و الله حامد لنفسه على احسانه الى خلقه فالحمد مضمن بالفعل، و المدح يكون بالفعل و الصفة و ذلك مثل أن يمدح الرجل باحسانه الى نفسه و الى غيره و ان يمدحه بحسن وجهه و طول قامته و يمدحه بصفات التعظيم من نحو قادر و عالم و حكيم و لا يجوز أن يحمده على ذلك و انما يحمده على احسان‏

42

يقع منه فقط.

(الفرق) بين‏

المدح‏

و

التقريظ

أن المدح يكون للحي و الميت، و التقريظ لا يكون إلا للحي، و خلافه التأبين و لا يكون الا للميت يقال أبنه يؤبنه تأبينا و أصل التقريظ من القرظ و هو شي‏ء يدبغ به الأديم و إذا دبغ به حسن و صلح و زادت قيمته فشبه مدحك للانسان الحي بذلك كأنك تزيد في قيمته بمدحك إياه و لا يصح هذا المعنى في الميت و لهذا يقال مدح الله و لا يقال قرظه.

(الفرق) بين‏

المدح‏

و

الثناء

أن الثناء مدح مكرر من قولك ثنيت الخيط إذا جعلته طاقين و ثنيته بالتشديد اذا أضفت اليه خيطا آخر و منه قوله تعالى‏ (سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) يعني سورة الحمد لانها تكرر في كل ركعة.

(الفرق) بين‏

الثناء

و

النثا

على ما قاله أبو أحمد الحسن بن عبد الله ابن سعيد (رحمه الله)(1) ان الثناء يكون في الخير و الشر يقال أثنى عليه بخير و أثنى عليه بشر و النثا مقصور لا يكون الا في الشر و نحن سمعناه في الخير و الشر، و الصحيح عندنا أن النثا هو بسط القول في مدح الرجل أو ذمه و هو مثل النث نث الحديث نثا اذا نشره و يقولون جاءني نثا خبر يريدون انتشاره و استفاضته، و قال أبو بكر الثناء بالمد لا يكون الا في الخير و ربما استعمل في الشر و النثا يكون في الخير و الشر، و هذا خلاف ما حكاه أبو أحمد و الثناء عندنا هو بسط القول مدحا أو ذما و النثا تكريره فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

المدح‏

و

الإطراء

أن الاطراء هو المدح في الوجه و منه قولهم الاطراء يورث الغفلة يريدون المدح في الوجه و المدح يكون مواجهة و غير مواجهة.

و مما يخالف ذلك الهجو

(الفرق) بين‏

الهجو

و

الذم‏

أن الذم نقيض الحمد و هما يدلان على‏

____________

(1) هو شيخ المصنف و سميه و نسيبه.

43

الفعل و حمد المكلف يدل على استحقاقه للثواب بفعله، و ذمه يدل على استحقاقه للعقاب بفعله، و الهجو نقيض المدح و هما يدلان على الفعل و الصفة كهجوك الانسان بالبخل و قبح الوجه. و فرق آخر أن الذم يستعمل في الفعل و الفاعل فتقول ذممته بفعله و ذممت فعله، و الهجو يتناول الفاعل و الموصوف دون الفعل و الصفة فتقول هجوته بالبخل و قبح الوجه و لا تقول هجوت قبحه و بخله، و أصل الهجو في العربية الهدم تقول هجوت البيت اذا هدمته و كان الاصل في الهجو أن يكون بعد المدح كما أن الهدم يكون بعد البناء إلا أنه كثر استعماله فجرى في الوجهين.

(الفرق) بين‏

السب‏

و

الشتم‏

أن الشتم تقبيح أمر المشئوم بالقول و أصله من الشتامة و هو قبح الوجه و رجل شتيم قبيح الوجه و سمي الأسد شتيما لقبح منظره، و السب هو الاطناب في الشتم و الاطالة فيه و اشتقاقه من السب و هي الشقة الطويلة و يقال لها سبيب أيضا و سبيب الفرس شعر ذنبه سمي بذلك لطوله خلاف العرف و السب العمامة الطويلة فهذا هو الأصل فان استعمل في غير ذلك فهو توسع.

(الفرق) بين‏

البهل‏

و

اللعن‏

أن اللعن هو الدعاء على الرجل بالبعد، و البهل الاجتهاد في اللعن، قال المبرد بهله الله ينبئ عن اجتهاد الداعي عليه باللعن و لهذا قيل للمجتهد في الدعاء المبتهل.

(الفرق) بين‏

الشتم‏

و

السفه‏

أن الشتم يكون حسنا و ذلك اذا كان المشتوم يستحق الشتم، و السفه لا يكون الا قبيحا و

جاء عن السلف في تفسير قوله تعالى‏ (صُمٌّ بُكْمٌ)*

إن اللّه وصفهم بذلك على وجه الشتم و لم يقل على وجه السفه‏

لما قلناه.

(الفرق) بين‏

الذم‏

و

اللوم‏

أن اللوم هو تلبية الفاعل على موقع الضرر في فعله و تهجين طريقته فيه و قد يكون اللوم على الفعل الحسن كاللوم على السخاء و الذم لا يكون الا على القبيح و اللوم أيضا يواجه به الملوم، و الذم قد يواجه به المذموم و يكون دونه و تقول حمدت هذا الطعام أو ذممته‏

44

و هو استعارة و لا يستعار اللوم في ذلك.

(الفرق) بين‏

العتاب‏

و

اللوم‏

أن العتاب هو الخطاب على تضييع حقوق المودة و الصداقة في الاخلال بالزيارة و ترك المعونة و ما يشاكل ذلك و لا يكون العتاب الا ممن له موات يمت بها فهو مفارق للوم مفارقة بينة.

(الفرق) بين‏

اللوم‏

و

التثريب‏

و

التفنيد

أن التثريب شبيه بالتقريع و التوبيخ تقول و بخه و قرعه و ثربه بما كان منه، و اللوم قد يكون لما يفعله الانسان في الحال و لا يقال لذلك تقريع و تثريب و توبيخ، و اللوم يكون على الفعل الحسن و لا يكون التثريب الا على قبيح، و التفنيد تعجيز الرأي يقال فنده اذا عجز رأيه و ضعفه و الاسم الفند، و أصل الكلمة الغلظ و منه قيل للقطعة من الجبل فند، و يجوز أن يقال التثريب الاستقصاء في اللوم و التعنيف، و أصله من الثرب و هو شحم الجوف‏ (1) لان البلوغ اليه هو البلوغ الى الموضع الاقصى من البدن.

(الفرق) بين قولك‏

عابه‏

و بين قولك‏

لمزه‏

ان اللمز هو أن يعيب الرجل بشي‏ء يتهمه فيه و لهذا قال تعالى‏ (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) أي يعيبك و يتهمك أنك تضعها في غير موضعها، و لا يصح اللمز فيما لا تصح فيه التهمة، و العيب يكون بالكلام و غيره يقال عاب الرجل بهذا القول و عاب الاناء بالكسر له و لا يكون اللمز إلا قولا.

(الفرق) بين‏

الهمز

و

اللمز

قال المبرد الهمز هو أن يهمز الانسان بقول قبيح من حيث لا يسمع أو يحثه‏ (2) و يوسده على أمر قبيح أي يغريه به، و اللمز أجهر من الهمز، و في القرآن‏ (هَمَزاتِ الشَّياطِينِ) و لم يقل لمزات، لأن مكايدة الشيطان خفية، قال الشيخ (رحمه الله): المشهور عند الناس ان اللمز العيب سرا، و الهمز العيب بكسر العين و قال قتادة (يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) يطعن عليك و هو دال على صحة القول الأول.

____________

(1) في النسخ «الخوف» و هو تحريف.

(2) في النسخ غير منقوطة.

45

و مما يوصف به الكلام المستقيم‏

(الفرق) بين‏

المستقيم‏

و

الصحيح‏

و الصواب ان كل مستقيم صحيح و صواب و ليس كل صواب و صحيح مستقيما، و المستقيم من الصواب و الصحيح ما كان مؤلفا و منظوما على سنن لا يحتاج معه الى غيره، و الصحيح و الصواب يجوز أن يكونا مؤلفين و غير مؤلفين و لهذا قال المتكلمون هذا جواب مستقيم اذا كان مؤلفا على سنن يغني عن غيره و كان مقتضيا لسؤال السائل، و لا يقولون للجواب اذا كان كلمة نحو لا و نعم مستقيم، و تقول العرب هذه كلمة صحيحة و صواب و لا يقولون كلمة مستقيمة ولكن كلام مستقيم لان الكلمة لا تكون مؤلفة و الكلام مؤلف.

(الفرق) بين‏

المستقيم‏

و

الصواب‏

أن الصواب اطلاق الاستقامة على الحسن و الصدق، و المستقيم هو الجاري على سنن فتقول للكلام اذا كان جاريا على سنن لا تفاوت فيه انه مستقيم و ان كان قبيحا، و لا يقال له صواب الا اذا كان حسنا، و قال سيبويه مستقيم حسن و مستقيم قبيح و مستقيم صدق و مستقيم كذب قلنا و لا يقال صواب قبيح.

(الفرق) بين‏

الخطاء

و

الخطأ

، أن الخطأ هو أن يقصد الشي‏ء فيصيب غيره و لا يطلق الا في القبيح فاذا قيد جاز أن يكون حسنا مثل أن يقصد القبيح فيصيب الحسن فيقال أخطأ ما أراد و ان لم يأت قبيحا، و الخطاء تعمد الخطأ فلا يكون الا قبيحا و المصيب مثل المخطئ اذا أطلق لم يكن الا ممدوحا و اذا قيد جاز أن يكون مذموما كقولك مصيب في رميه و ان كان رميه قبيحا فالصواب لا يكون الا حسنا و الاصابة تكون حسنة و قبيحة و الخاطئ في الدين لا يكون الا عاصيا لأنه قد زل عنه لقصده غيره، و المخطئ يخالفه لأنه قد زل عما قصد منه و كذلك يكون المخطئ من طريق الاجتهاد مطيعا لانه قصد الحق و اجتهد في اصابته.

(الفرق) بين‏

الخطأ

و

الغلط

، أن الغلط هو وضع الشي‏ء في غير موضعه‏

46

و يجوز أن يكون صوابا في نفسه، و الخطأ لا يكون صوابا على وجه، مثال ذلك أن سائلا لو سأل عن دليل حديث الاعراض فأجيب بأنها لا تخلو من المتعاقبات و لم يوجد قبلها كان ذلك خطأ لأن الاعراض لا يصح ذلك فيها و لو أجيب بأنها على ضربين منها ما يبقى و منها ما لا يبقى كان ذلك غلطا و لم يكن خطأ لأن الاعراض هذه صفتها إلا أنك قد وضعت هذا الوصف لها في غير موضعه و لو كان خطأ لكان الاعراض لم تكن هذه حالها لأن الخطأ ما كان الصواب خلافه و ليس الغلط ما يكون الصواب خلافه بل هو وضع الشي‏ء في غير موضعه، و قال بعضهم الغلط أن يسهى عن ترتيب الشي‏ء و إحكامه و الخطأ أن يسهى عن فعله أو أن يوقعه من غير قصد له و لكن لغيره.

(الفرق) بين‏

اللحن‏

و

الخطأ

، أن اللحن صرفك الكلام عن جهته ثم صار اسما لازما لمخالفة الاعراب، و الخطأ اصابة خلاف ما يقصد و قد يكون في القول و الفعل، و اللحن لا يكون إلا في القول تقول لحن في كلامه و لا يقال لحن في فعله كما يقال أخطأ في فعله إلا على استعارة بعيدة، و لحن القول ما دل عليه القول و في القرآن‏ (وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) و قال ابن الانباري لحن القول معنى القول و مذهبه و اللحن أيضا اللغة يقال هذا بلحن اليمن، و اللحن بالتحريك الفطنة. و منه‏

قوله (عليه السلام)

«فلعل بعضكم ألحن بحجته»

. (الفرق) بين‏

خطل‏

اللسان و

زلق‏

اللسان‏

، أنه يقال فلان خطل اللسان إذا كان سفيها لا يبالي ما يقول و ما يقال له قال أبو النجم‏

«أخطل و الدهر كثير خطله»

أي لا يبالي ما أتى به من المصائب و أصله من استرخاء الاذن ثم استعمل فيما ذكرناه، و الزلق اللسان الذي لا يزال يسقط السقطة و لا يريدها ولكن تجري على لسانه.

(الفرق) بين‏

المهمل‏

و

الهذيان‏

و

الهذر

، أن المهمل خلاف المستعمل و هو لا معنى له في اللغة التي هو مهمل فيها و المستعمل ما وضع لفائدة مفردا

47

كان أو مع غيره، و الهذيان كلام مستعمل أخرج على وجه لا تنعقد به فائدة. و الهذر الاسقاط في الكلام و لا يكون الكلام هذرا حتى يكون فيه سقط قل أو كثر، و قال بعضهم الهذر كثرة الكلام، و الصحيح هو الذي تقدم.

و من قبيل الكلام القسم‏

(الفرق) بين‏

القسم‏

و

الحلف‏

، أن القسم أبلغ من الحلف لأن معنى قولنا أقسم بالله أنه صار ذا قسم باللّه، و القسم النصيب و المراد أن الذي أقسم عليه من المال و غيره قد أحرزه و دفع عنه الخصم بالله، و الحلف من قولك سيف حليف أي قاطع ماض فاذا قلت حلف باللّه فكأنك قلت قطع المخاصمة بالله فالأول أبلغ لأنه يتضمن معنى الآخر مع دفع الخصم ففيه معنيان و قولنا حلف يفيد معنى واحدا و هو قطع المخاصمة فقط و ذلك أن من أحرز الشي‏ء باستحقاق في الظاهر فلا خصومة بينه و بين أحد فيه و ليس كل من دفع الخصومة في الشي‏ء فقد أحرزه، و اليمين اسم للقسم مستعار و ذلك أنهم كانوا اذا تقاسموا على شي‏ء تصافقوا بايمانهم ثم كثر ذلك حتى سمي القسم يمينا.

(الفرق) بين‏

العقد

و

القسم‏

، أن العقد هو تعليق القسم بالمقسم عليه مثل قولك و اللّه لأدخلن الدار فتعقد اليمين بدخول الدار و هو خلاف اللغو من الايمان، و اللغو من الايمان ما لم يعقد بشي‏ء كقولك في عرض كلامك هذا حسن و اللّه و هذا قبيح و الله.

(الفرق) بين‏

العقد

و

العهد

، أن العقد أبلغ من العهد تقول عهدت الى فلان بكذا أي ألزمته إياه و عقدت عليه و عاقدته ألزمته باستيثاق و تقول عاهد العبد ربه و لا تقول عاقد العبد ربه اذ لا يجوز أن يقال استوثق من ربه و قال تعالى‏ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و هي ما يتعاقد عليه اثنان و ما يعاهد العبد ربه عليه أو يعاهده ربه على لسان نبيه (عليه السلام)، و يجوز أن يكون العقد ما يعقد بالقلب و اللغو ما يكون غلطا و الشاهد قوله تعالى‏

48

(وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) و لو كان العقد هو اليمين لقال تعالى و لكن يؤاخذكم بما عقدتم أي حلفتم و لم يذكر الايمان فلما أتى بالمعقود به الذي وقع به العقد علم أن العقد غير اليمين، و أما قول القائل ان فعلت كذا فعبدي حر فليس ذلك بيمين في الحقيقة و انما هو شرط و جزاء به فمتى وقع الشرط وجب الجزاء فسمي ذلك يمينا مجازا و تثبيها كأن الذي يلزمه من العتق مثل ما يلزم المقسم من الحنث، و أما قول القائل عبده حر و امرأته طالق فخبر مثل قولك عبدي قائم الا أنه ألزم نفسه في قوله عبدي حر عتق العبد فلزمه ذلك و لم يكن في قوله عبدي قائم إلزام.

(الفرق) بين‏

العهد

و

الميثاق‏

، أن الميثاق توكيد العهد من قولك أوثقت الشي‏ء اذا أحكمت شده، و قال بعضهم العهد يكون حالا من المتعاهدين و الميثاق يكون من أحدهما.

(الفرق) بين‏

الوعد

و

العهد

، أن العهد ما كان من الوعد مقرونا بشرط نحو قولك ان فعلت كذا فعلت كذا و ما دمت على ذلك فأنا عليه، قال الله تعالى‏ (وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ) أي أعلمناه أنك لا تخرج من الجنة ما لم تأكل من هذه الشجرة، و العهد يقتضي الوفاء و الوعد يقتضي الايجاز.

و يقال نقض العهد و أخلف الوعد.

(الفرق) بين‏

الوعد

و

الوأي‏

، أن الوعد يكون مؤقتا و غير مؤقت فالمؤقت كقولهم جاء وعد ربك، و في القرآن‏ (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) و غير المؤقت كقولهم اذا وعد زيد أخلف و إذا وعد عمرو وفى، و الوأي ما يكون من الوعد غير مؤقت ألا ترى أنك تقول إذا و أى زيد أخلف أو وفى و لا تقول جاء وأي زيد كما تقول جاء وعده.

و من قبيل الكلام التفسير و التأويل‏

(الفرق) بين‏

التأويل‏

و

التفسير

، أن التفسير هو الاخبار عن أفراد آحاد الجملة، و التأويل الاخبار بمعنى الكلام، و قيل التفسير أفراد ما انتظمه‏

49

ظاهر التنزيل، و التأويل الاخبار بغرض المتكلم بكلام، و قيل التأويل استخراج معنى الكلام لا على ظاهره بل على وجه يحتمل مجازا أو حقيقة و منه يقال تأويل المتشابه، و تفسير الكلام أفراد آحاد الجملة و اوضع كل شي‏ء منها موضعه و منه أخذ تفسير الأمتعة بالماء، و المفسر عند الفقهاء ما فهم معناه بنفسه و المجمل ما لا يفهم المراد به الا بغيره، و المجمل في اللغة ما يتناول الجملة، و قيل المجمل ما يتناول جملة الاشياء أو ينبئ عن الشي‏ء على وجه الجملة دون التفصيل، و الأول هو العموم و ما شاكله لأن ذلك قد سمي مجملا من حيث يتناول جملة مسميات، و من ذلك قيل أجملت الحساب، و الثاني هو ما لا يمكن أن يعرف المراد به خلاف المفسر و المفسر ما تقدم له تفسير، و غرض الفقهاء غير هذا و انما سموا ما يفهم المراد منه بنفسه مفسرا لما كان يتبين كما يتبين ما له تفسير، و أصل التأويل في العربية من إلت الى الشي‏ء أؤول اليه اذا صرت اليه، و قال تعالى‏ (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) و لم يقل تفسيره لأنه أراد ما يؤول من المتشابه الى المحكم.

(الفرق) بين‏

الشرح‏

و

التفصيل‏

، أن الشرح بيان المشروح و إخراجه من وجه الاشكال الى التجلي و الظهور، و لهذا لا يستعمل الشرح في القرآن، و التفصيل هو ذكر ما تتضمنه الجملة على سبيل الافراد، و لهذا قال تعالى‏ (ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) و لم يقل شرحت، و فرق آخر أن التفصيل هو وصف آحاد الجنس و ذكرها معا و ربما احتاج التفصيل الى الشرح و البيان و الشي‏ء لا يحتاج الى نفسه.

(الفرق) بين‏

التفصيل‏

و

التقسيم‏

، أن في التفصيل معنى البيان عن كل قسم بما يزيد على ذكره فقط، و التقسيم يحتمل الأمرين، و التقسيم يفتح المعنى و التفصيل يتم بيانه.

(الفرق) بين‏

القرآن‏

و

الفرقان‏

، أن القرآن يفيد جمع السور و ضم بعضها الى بعض، و الفرقان يفيد أنه يفرق بين الحق و الباطل و المؤمن‏

50

و الكافر.

و من قبيل القول السلام و التحية

(الفرق) بين‏

السلام‏

و

التحية

، أن التحية أعم من السلام، و قال المبرد يدخل في التحية حياك الله و لك البشرى و لقيت الخير، و قال أبو هلال أيده الله تعالى و لا يقال لذلك سلام انما السلام قواك سلام عليك، و يكون السلام في غير هذا الوجه السلامة مثل الضلال و الضلالة و الجلال و الجلالة، و منه‏ دارُ السَّلامِ* أي دار السلامة و قيل‏ دارُ السَّلامِ* أي دار الله، و السَّلامُ‏ اسم من أسماء الله، و التحية أيضا الملك و منه قولهم التحيات لله.

و من الكلام الخاص‏

(الفرق) بين‏

الخاص‏

و

الخصوص‏

أن الخصوص يكون فيما يراد به بعض ما ينطوي عليه لفظه بالوضع، و الخاص ما اختص بالوضع لا بارادة، و قال بعضهم الخصوص ما يتناول بعض ما يتضمنه العموم أو جرى مجرى العموم من المعاني، و أما العموم فما استغرق ما يصلح أن يستغرقه و هو عام، و العموم لفظ مشترك يقع على المعاني و الكلام، و قال بعضهم الخاص ما يتناول أمرا واحدا بنفس الوضع، و الخصوص أن يتناول شيئا دون غيره و كان يصح أن يتناوله و ذلك الغير.

(الفرق) بين‏

العام‏

و

المبهم‏

أن العام يشتمل على أشياء و المبهم يتناول واحد الأشياء لكن غير معين الذات فقولنا شي‏ء مبهم و قولنا الأشياء عام.

(الفرق) بين‏

التخصيص‏

و

النسخ‏

، أن التخصيص هو ما دل على أن المراد بالكلمة بعض ما تناولته دون بعض، و النسخ ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا، و من حق التخصيص أن لا يدخل الا فيما يتناوله اللفظ، و النسخ يدخل في النص على عين و التخصيص ما لا يدخل فيه، و التخصيص يؤذن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه، و النسخ يحقق أن كل ما يتناوله‏

51

اللفظ مراد في حال الخطاب و ان كان غيره مرادا فيما بعد، و النسخ في الشريعة لا يقع بأشياء يقع بها التخصيص، و التخصيص لا يقع ببعض ما يقع به النسخ فقد بان لك مخالفة أحدهما للآخر في الحد و الحكم جميعا، و تساويهما في بعض الوجوه لا يوجب كون النسخ تخصيصا.

(الفرق) بين‏

النسخ‏

و

البداء

أن النسخ رفع حكم تقدم بحكم ثان أوجبه كتاب أو سنة و لهذا يقال ان تحريم الخمر و غيرها مما كان مطلقا في العقل نسخ لاباحة ذلك لان إباحته عقلية و لا يستعمل النسخ في العقليات، و البداء أصله الظهور تقول بدا لي الشي‏ء اذا ظهر و تقول بدا لي في الشي‏ء اذا ظهر لك فيه رأي لم يكن ظاهرا لك فتركته لأجل ذلك، و لا يجوز على الله البداء لكونه عالما لنفسه، و ما ينسخه من الأحكام و يثبته انما هو على قدر المصالح لا أنه يبدو له من الاحوال ما لم يكن باديا، و البداء هو أن تأمر المكلف الواحد بنفس ما تنهاه عنه على الوجه الذي تنهاه عنه و الوقت الذي تنهاه فيه عنه و هذا لا يجوز على الله لأنه يدل على التردد في الرأي، و النسخ في الشريعة لفظة منقولة عما وضعت له في أصل اللغة، كسائر الاسماء الشرعية مثل الفسق و النفاق و نحو ذلك، و أصله في العربية الازالة ألا تراهم قالوا نسخت الريح الآثار فان قلت إن الريح ليست بمزيلة لها على الحقيقة، قلنا: اعتقد أهل اللغة أنها مزيلة لها كاعتقادهم أن الصنم إله.

(الفرق) بين‏

فحوى‏

الخطاب و

دليل‏

الخطاب‏

أن فحوى الخطاب ما يعقل عند الخطاب لا بلفظه كقوله تعالى‏ (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) فالمنع من ضربهما يعقل عند ذلك، و دليل الخطاب هو أن يعلق بصفة الشي‏ء أو بعدد أو بحال أو غاية فما لم يوجد ذلك فيه فهو بخلاف الحكم فالصفة قوله في سائمة الغنم الزكاة فيه دليل على أنه ليس في المعلوفة زكاة، و العدد تعليق الحد بالثمانين فيه دليل على سقوط ما زاد عليه، و الغاية قوله تعالى‏ (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فيه دليل على أن الوطء قبل ذلك محظور،

52

و الحال مثل ما

روي‏

أن يعلى بن أمية قال لعمر: ما لنا نقصر و قدامنا يعني الصلاة، فقال عمر تعجبت مما تعجبت منه. و سأل رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته‏

، و هذا مذهب بعض الفقهاء، و آخرون يقولون ان جميع ذلك يعرف بدلائل أخر دون دلائل الخطاب المذكورة ههنا، و فيه كلام كثير ليس هذا موضع ذكره، و الدليل لو قرن به دليل لم يكن مناقضة و لو قرن باللفظ فحواه لكان ذلك مناقضة ألا ترى أنه لو قال في سائمة الغنم الزكاة و في المعلوفة الزكاة لم يكن تناقضا و لو قال فلا تقل لهما أف و اضربهما لكان تناقضا و كذلك لو قال هو مؤتمن على قنطار ثم قال يخون في الدرهم يعد تناقضا و قوله تعالى‏ (وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) يدل فحواه على نفي الظلم فيما زاد على ذلك و دلالة هذا كدلالة النص لأن السامع لا يحتاج في معرفته الى تأمل، و اما قوله تعالى‏ (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فمعناه فأفطر بعده، و قد جعله بعضهم فحوى الخطاب و ليس ذلك بفحوى عندهم ولكنه من باب الاستدلال. ألا ترى أنك لو قرنت به فحواه لم يكن تناقضا، فأما قوله تعالى: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) فانه يدل على المراد بفائدته لا بصريحه و لا فحواه و ذلك أنه لما ثبت أنه زجر أفاد أن القطع هو لاجل السرقة و كذلك قوله تعالى‏ (الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي).

(الفرق) بين‏

البيان‏

و

الفائدة

قال علي بن عيسى ما ذكر ليعرف به غيره فهو البيان كقولك غلام زيد و انما ذكر زيد ليعرف به الغلام فهو للبيان و قولك ضربت زيدا انما ذكر زيد ليعرف أن الضرب وقع به فذكر ليعرف به غيره، و الفائدة ما ذكر ليعرف في نفسه نحو قولك: قام زيد إنما ذكر قام ليعرف أنه وقع القيام، و أما معتمد البيان فهو الذي لا يصح الكلام إلا به نحو قولك ذهب زيد فذهب معتمد الفائدة و معتمد البيان، و أما الزيادة في البيان فهو البيان الذي يصح الكلام دونه و كذلك الزيادة

53

في الفائدة هي التي يصح الكلام دونها نحو الحال في قولك مر زيد ضاحكا و البيان قولك أعطيت زيدا درهما فعلى هذا يجري البيان و الفائدة و معتمد الفائدة و الحال أبدا للزيادة في الفائدة فالمفعول الذي ذكر فاعله للزيادة في البيان فأما الفاعل فهو معتمد البيان و كذلك ما لم يسم فاعله و قولك قام زيد معتمد الفائدة فاذا كان صفة فهو للزيادة في البيان نحو قولك مررت برجل قام فهو ههنا صفة مذكورة للزيادة في البيان.

(الفرق) بين‏

عطف‏

البيان و بين‏

الصفة

أن عطف البيان يجري مجرى الصفة في أنه تبيين للأول و يتبعه في الاعراب كقولك مررت بأخيك زيد إذا كان له أخوان أحدهما زيد و الآخر عمرو فقد بين قولك زيد أي الأخوين مررت به، و الفرق بينهما أن عطف البيان يجب بمعنى اذا كان غير الموصوف به عليه كان له مثل صفته و ليس كذلك الاسم العلم الخالص لانه لا يجب بمعنى لو كان غيره على مثل ذلك المعنى استحق مثل اسمه مثال ذلك مررت بزيد الطويل فالطويل يجب بمعنى الطول و إن كان غير الموصوف على مثل هذا المعنى وجب له صفة طويل و أما زيد فيجب المسمى به من غير معنى لو كان لغيره لوجب له مثل اسمه إذ لو وافقه غيره في كل شي‏ء لم يجب أن يكون زيدا كما لو وافقه في كل شي‏ء لوجب أن يكون له مثل صفته و لا يجب أن يكون له مثل اسمه.

قال‏ (1) أبو هلال أيده اللّه و البيان عند المتكلمين الدليل الذي تتبين به الأحكام، و لهذا قال أبو علي و أبو هاشم رحمهما الله: الهداية هي الدلالة و البيان فجعلا الدلالة و البيان واحدا، و قال بعضهم هو العلم الحادث الذي يتبين به الشي‏ء، و منهم من قال: البيان حصر القول دون ما عداه من الأدلة، و قال غيره: البيان هو الكلام و الخط و الاشارة، و قيل البيان هو الذي أخرج الشي‏ء من حيز الاشكال الى حد التجلي، و من قال‏

____________

(1) من هنا الى قوله «الفرق بين النجوى و السر» غير موجود في نسخة التيمورية.

54

هو الدلالة، ذهب إلى أنه يتوصل بالدلالة الى معرفة المدلول عليه، و البيان هو ما يصح أن يتبين به ما هو بيان له، و كذلك يقال ان الله قد بين الاحكام بأن دل عليها بنصية الدلالة في الحكم المظهر ظنا و كذلك يقال للمدلول عليه قد بان، و يوصف الدال بأنه يبين، و توصف الأمارات الموصلة الى غلبة الظن بأنها بيان كما يقال انها دلالة تشبيها لها بما يوجب العلم من الأدلة.

و من قبيل الكلام المنازعة

(الفرق) بين‏

النجوى‏

و

السر

أن النجوى اسم للكلام الخفي الذي تناجي به صاحبك كأنك ترفعه عن غيره و ذلك أن أصل الكلمة الرفعة، و منه النجوة من الارض، و سمي تكليم الله تعالى موسى (عليه السلام) مناجاة، لأنه كان كلاما أخفاه عن غيره، و السر إخفاء الشي‏ء في النفس، و لو اختفى بستر أو وراء جدار لم يكن سرا، و يقال في هذا الكلام سر تشبيها بما يخفى في النفس، و يقال سري عند فلان تريد ما يخفيه في نفسه من ذلك و لا يقال نجواي عنده، و تقول لصاحبك: هذا سر ألقيه اليك تريد المعنى الذي تخفيه في نفسك، و النجوى تتناول جملة ما يتناجى به من الكلام، و السر يتناول معنى ذلك و قد يكون السر في غير المعاني مجازا تقول فعل هذا سرا و قد أسر الأمر، و النجوى لا تكون الا كلاما.

(الفرق) بين‏

القراءة

و

التلاوة

أن التلاوة لا تكون الا لكلمتين فصاعدا، و القراءة تكون للكلمة الواحدة يقال قرأ فلان اسمه و لا يقال تلا إسمه و ذلك أن أصل التلاوة اتباع الشي‏ء الشي‏ء يقال تلاه اذا تبعه فتكون التلاوة في الكلمات يتبع بعضها بعضا و لا تكون في الكلمة الواحدة اذ لا يصح فيه التلو.

(الفرق) بين‏

إلا

و

لكن‏

أن الاستثناء هو تخصيص صيغة عامة فأما لكن فهي تحقيق اثبات بعد نفي أو نفي بعد اثبات تقول ما جاءني زيد لكن عمرو جاءني، و أتى عمرو لكن زيد لم يأت، فهذا أصل لكن، و ليس‏