نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول‏ - ج1

- الشيخ محمد علي‏ الاجتهادي المزيد...
327 /
1

-

2

[الجزء الاول من شرح المجلد الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[المقصد السّادس فى بيان الامارات المعتبرة شرعا او عقلا]

المقصد السّادس فى بيان الامارات المعتبرة شرعا او عقلا

فالامارة المعتبرة شرعا هى كالبيّنة و خبر الثقة و ظواهر الكلام و اما المعتبرة عقلا فهى كالعلم و كالظن الانسدادى على الحكومة.

و قبل الخوض فى ذلك لا باس بصرف الكلام الى بيان بعض ما للقطع من الاحكام و ان كان خارجا من مسائل الفنّ‏

لان الميزان فى كون المسألة اصولية ان تكون هى مما يستنبط به- الحكم الشرعى كمسألة حجية خبر الواحد و نحوها و احكام القطع ليست كذلك حتى على تعميم الغرض الباعث على تدوين فن الاصول لما ينتهى اليه امر الفقيه فى مقام العمل بعد اليأس عن الظفر بالدليل و بعد الفحص و البحث عن الادلة و الامارات حيث ان حجية القطع باقسامه غير منوطة بالفحص و البحث عن الدليل كما هو واضح.

و كان اشبه بمسائل الكلام‏

اى كان البحث عما للقطع من الاحكام اشبه بمسائل الكلام‏

3

حيث ان مرجع البحث فيه الى حسن معاقبة الشارع على مخالفة القطع الذى هو من قبيل المسائل الكلامية الباحثة عن احوال المبدا و المعاد لكنه مع ذلك لا باس به.

لشدّة مناسبته مع المقام‏

اذ المقصود فيه هو البحث عن الامارات و الاصول العملية و هما حجتان لمن لا قطع له فالمناسب للمقام ان يبحث اولا عن احكامه.

فاعلم انّ البالغ الّذى وضع عليه القلم‏

انما جعل المقسم من وضع عليه قلم التكليف لا المكلف الفعلى لعدم قابليته لذلك اذ لا يصح جعله مقسما ثم اخراج غير الملتفت منه بقوله اذا التفت بداهة ان الغافل الذى لا التفات له ليس بمكلف و لذا عدل المصنف عن التعبير بالمكلف و قال البالغ الذى وضع عليه قلم التكليف‏

اذا التفت الى حكم فعلى واقعى‏

مقابل الحكم الاقتضائى و الانشائى توضيح ذلك ان للحكم مراتب مرتبة الاقتضاء و المراد بها هى المصلحة التي تكون الاحكام مسببة عنها عند العدلية و مرتبة الانشاء و هى عبارة عن جعل قانون لصلاح نظم امور المكلفين فى معاشهم و معادهم و المنشأ لهم و المحكوم عليهم فى هذه المرتبة تمام المكلفين نظير انشاء القوانين التي يجعل السلطان لصلاح نظم امور رعيته و بلدانه.

4

فكتب هذا القانون فى دفاترهم و مرتبة البعث و الزجر و هى عبارة عن فعلية الحكم على المكلف بمعنى ان المطلوب منه فعله او تركه لكن البعث على الفعل او الزجر عنه بعد اعلام العباد و الرعية بالحكم القانونى الانشائى بتبليغ الرسل و انزال الكتب و المحكوم عليه فى هذه المرتبة يمكن ان لا يكون تمام المكلفين لاختلاف استعدادهم فكثير من المكلفين ربما لا يكون لهم استعداد بعثهم على اتيان الحكم القانونى كما ترى يا لوجدان ان السلطان بعد حكمه القانونى الذى كتب فى دفتره يبلغ هذا الحكم الى بعض بلاده دون بعض بحسب استعداد البلاد و عدمه و مرتبة التنجز التى هى عبارة عن استحقاق العقوبة على الفعل او الترك و عدم كونه معذورا و معلوم ان الحكم ما لم يبلغ مرتبة الفعلية لم يكن بامر و لا نهى حقيقة و من خالفه عن عمد لا يعد عاصيا.

هذا و لكن لا يخفى عليك ان تمام هذه المراتب ليست من مراتب الحكم اما الاول فلوضوح ان سبب الشي‏ء و عليته غير الشي‏ء و اما الرابع فلانه حكم عقلى يترتب على العلم بالحكم الواقعى لا من مرتبة حكم الشرعى كما هو مقصود جاعل هذه المراتب فانحصر فى الثانى و الثالث المعبر عنهما بالشأنى و الفعلى فنقول ان المراد بالشأنى ان كان ان الحكم ثبت واقعا لموضوع كلى كوجوب الحج الذى ثبت للمكلف المستطيع فلا اشكال فى ان الحكم لهذا الموضوع فى هذه المرتبة فعلى بمعنى ان وجوب الحج ثابت للمستطيع فعلا غاية الامر ان من ليس له صفة الاستطاعة لم يكن داخلا فى الموضوع و اذا ثبت له الوصف يدخل فى الموضوع و ثبت له الحكم فعلا

5

فان قلت شأنيته باعتبار جهل المكلف بالحكم بمعنى ان المكلف اذا جهل بالحكم لم يثبت له وجوب الحج و لو كان مستطيعا بل اذا علم وجب له الحج قلت مرجع هذا فى الحقيقة الى ان الحكم الواقعى ثابت للعالمين به دون الجاهلين و هو باطل من أصله للزوم التصويب بين العالم و الجاهل و قد تواتر الاخبار على خلافه و للزوم الدور لان العلم بالحكم موقوف على الحكم و الحكم موقوف على العلم كما لا يخفى مع ان القائل بالمرتبة الشأنية لا يقول ان الجهل بالحكم سبب لشأنيته بعد تحقق شرائط الحكم و الموضوع فان الجهل عنده ليس مانعا عن فعليته بل شأنيته عنده من جهة عدم تحقق شرائط الحكم و الموضوع فيرد عليه حينئذ انه مع عدم تحقق الشرائط لا حكم اصلا لا شأنا و لا فعلا و هذا واضح فالتحقيق عندنا ان الاحكام الواقعية كلها فعلية لكل من المكلفين بعد تحقق الشرائط العامة غاية الامر لا يتنجز عليهم على تقدير الجهل يعنى لا يعاقب على ارتكابه بل هو معذور فيه فتدبر جيدا

ثم ان مقابلة القطع مع اخويه فى كلام شيخنا العلامة فى الرسائل حيث قال اعلم ان المكلف الى حكم شرعى فاما ان يحصل له الشك فيه او القطع او الظن تقتضى ان تكون متعلق القطع هو الواقعى الفعلى مع ان الاحكام الآتية للقطع لا تختص بالحكم الواقعى الفعلى بل تجرى فيه و فى القطع بالحكم الظاهرى الفعلى فالاحسن فى التقسيم ان يقال ان المكلف يعنى الذى وضع عليه قلم التكليف اذ التفت الى حكم فعلى واقعى.

او ظاهرى متعلّق به او بمقلّديه فاما ان يحصل له القطع به اولا و على الثّانى‏

6

لا بدّ من انتهائه الى ما استقلّ به العقل من اتباع الظّنّ لو حصل له و قد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة

اى اما ان يحصل له القطع بالحكم الفعلى واقعيا كان او ظاهريا اولا يحصل له القطع و على الاول اى على فرض حصول القطع فمرجعه هو القطع فيترتب عليه ما يترتب عليه من الاحكام و على الثاني اى و ان لم يحصل له ذلك فان حصل له الظن الحاصل من دليل الانسداد على الحكومة بمعنى ان مقتضى مقدمات الانسداد هو استقلال العقل بحجية الظن فى حال الانسداد كاستقلاله بحجية العلم فى حال الانفتاح فحينئذ لا بد من الانتهاء الى ما استقل به العقل بمعنى ان مرجعه هو العمل بظنه فيعمل به و متعلق الظن حينئذ هو الحكم الواقعى الفعلى اذ لا حكم ظاهرى هنا و اما الظن الحاصل من دليل الانسداد على تقدير الكشف بمعنى ان نتيجة المقدمات بعد تماميتها هو الاستكشاف عن كون الظن طريقا منصوبا من قبل الشرع فى حال الانسداد كالامارات الشرعية المنصوبة فى حال الانفتاح فهو داخل فى الشق الاول و هو القطع اذ هو قطع بالحكم الظاهرى.

و الّا فالرّجوع الى الاصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتى فى محلّه إن شاء اللّه تعالى‏

اى و ان لم يحصل له القطع واقعيا كان او ظاهريا و لا الظن الحاصل من دليل الانسداد فمرجعه هو القواعد العقلية من البراءة العقلية عند الشك فى التكليف او الاشتغال فى المكلف به او التخيير عند دوران الامر بين‏

7

المحذورين و اما الاصول الشرعية كالامارات المعتبرة كلها تدخل فى القطع.

و انّما عمّمنا متعلّق القطع لعدم اختصاص احكامه بما اذا كان متعلّقا بالاحكام الواقعية

اى و لاجل عدم اختصاص الاحكام الآتية للقطع من المنجزية فى صورة الاصابة و العذرية عند الخطاء و عدم الاصابة و حكم العقل بوجوب المتابعة بما اذا تعلق بالحكم الواقعى الفعلى بل تجرى فيه و فى القطع بالحكم الظاهرى الفعلى عممنا متعلق القطع بحيث يشمل الحكم الظاهرى الفعلى‏

و خصّصنا بالفعلى لاختصاصها بما اذا كان متعلّقا به على ما ستطلع عليه‏

يعنى خصصنا بالفعلى لاختصاص احكام القطع فى الواقع و فى نفس الامر بما اذ كان القطع متعلقا بالحكم الفعلى دون ما فوقه من المراتب التي تكون للحكم لما عرفت من ان تمام مراتب التي ذكرنا للحكم ليس من مراتب الحكم و سيأتى تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

و لذلك عدلنا عمّا فى رسالة شيخنا العلّامة اعلى اللّه مقامه من تثليث الاقسام‏

اى و لأجل التعميم و التخصيص المذكورين عدلنا عما فى رسالة شيخنا العلامة من تثليث الاقسام حيث قال (قدس سره) فاعلم ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعى فاما ان يحصل له الشك فيه او القطع او الظن‏

8

و رتب على الثالث الرجوع الى الامارات المعتبرة شرعا او عقلا و على الاول الرجوع الى الاصول شرعية كانت او عقلية و من المعلوم ان الاحكام الظاهرية اعم من ان يكون مؤدى الامارة او الاصول الشرعية كلها تدخل فى القطع فواجد الامارة الشرعية او الاصل الشرعى كان داخلا فى القاطع.

و ان ابيت الّا عن ذلك فالاولى ان يقال انّ المكلّف امّا ان يحصل له القطع أو لا و على الثّانى امّا ان يقوم عنده طريق معتبر اولا لئلّا يتداخل الاقسام فيما يذكر لها من الاحكام.

يعنى ان ابيت عن تقسيم الثنائى اما بقصر النظر الى ان المراد من الحكم هو الحكم الواقعى و جعله بخصوصه متعلق القطع و اما بزعم ان ما فى الرسالة اقرب الى الاعتبار العرفى فالاولى ان يقال ان المكلف اما ان يحصل له القطع ام لا فان حصل له القطع فمرجعه ذلك و ان لم يحصل له القطع فان كان عنده حجة شرعية من الظن شخصيا كان او نوعيا و من امارة جعله الشارع حجة عند الشك و لو لم يحصل منه الظن و لو نوعا كالخبر الذى غير متحرز عن الكذب فمرجعه هذه الحجة و ان لم يكن عنده حجة و لم يقم عنده طريق معتبر فمرجعه هو الاصول العملية فعلى هذا لا يتداخل احكام الشك و الظن كما يتداخل على تعبير الشيخ ره.

فانه على تقسيمه يتداخل حكم الظن و الشك لان المراد من الظن فى عبارته الظن بمعنى الرجحان و من الشك تساوى الطرفين و رب ظن هو مورد الاصول كما فى الظن الغير المعتبر و رب شك يرجع الى الامارات كما اذا جعل الشارع امارة غير مفيدة للظن حجة فتداخل‏

9

الشك و الظن فهو مما لا يخفى فتحصل مما ذكرناه ان المصنف ره عدل عن تقسيمه فى الرسالة لوجهين الاول اختصاص احكام القطع بالحكم الواقعى الفعلى كما هو مقتضى ظاهر كلامه.

اذ مقابلة القطع مع اخويه يقتضى ان يكون متعلق القطع هو الحكم الواقعى الفعلى لانه متعلق الشك و الظن مع ان احكام الآتية للقطع لا تختص بالحكم الواقعى الفعلى بل تجرى فيه و فى القطع بالحكم الظاهرى الفعلى كما اشرنا اليه سابقا الثانى التداخل كما اشار اليه بقوله ان ابيت عن تقسيم الثنائى الى آخره.

و مرجعه على الاخير الى القواعد المقرّرة عقلا او نقلا لغير القاطع و من يقوم عنده الطّريق على تفصيل ياتى فى محلّه إن شاء اللّه تعالى حسب ما يقتضى دليلها

يعنى و ان لم يحصل له القطع و لم يكن عنده طريق معتبر كالبيّنة و خبر الثقة و ظواهر الكلام فمرجعه الى القواعد المقررة و هى الاصول العملية الشرعية او العقلية الممهدة لغير القاطع و من قام عنده الطريق المعتبر

[تمهيد فى بيان بعض احكام القطع‏]

فى وجوب العمل على وفق القطع‏

و كيف كان فبيان احكام القطع و اقسامه يستدعى رسم امور الامر الاوّل لا شبهة فى وجوب العمل على وفق القطع عقلا و لزوم الحركة على طبقة جزما

اختلفوا فى ان القطع هل حجيته بنفسه و لا يمكن ان يتصرف فيه‏

10

لا اثباتا و لا نفيا او انه كسائر الطرق الشرعية و امره نفيا و اثباتا انما يكون بيد الشارع او التفصيل بين النفى و الاثبات بامكان التصرف فيه على الثانى بان يقول جعلته حجة لك دون الاول اذا عرفت هذا فنقول بعد حصول القطع يحدث فى نفس القاطع محرك عقلى و ملزم عقلائى بحيث يرى نفسه مذموما فى مخالفة قطعه و ممدوحا فى العمل على وفقه و هذا معنى وجوب اتباعه عقلا و الحركة على وفقه جزما

و كونه موجبا لتنجّز التكليف الفعلى فيما اصاب باستحقاق الذّم و العقاب على مخالفته و عذرا فيما أخطأ قصورا

لان معنى وجوب العمل على وفقه عقلا و حجيته هو كون القطع موجبا لتنجز التكليف الفعلى و لزوم الاتيان المستتبع للذم و العقاب على تركه و مخالفته يكون عذرا فى صورة عدم الاصابة لكن لا مطلقا بل فيما أخطأ قصورا اما لو أخطأ قطعه تقصيرا فلا يكون موجبا للعذر مثلا لو علم من اول الامر ان قراءة كتب الضلال موجبا للاضلال ثم قرء فقطع ببعض مقالته المنافية لمذهب الامامية لم يكن معذورا.

و تأثيره فى ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم فلا حاجة الى مزيد بيان و اقامة برهان‏

يعنى تأثير القطع فى تنجز التكليف عند الاصابة و فى وجوب العمل على وفقه و غير ذلك من الآثار لازم و صريح الوجدان به حاكم بمعنى ان الوجدان شاهد على ان القاطع يجد فى نفسه ملزما و محركا يلزمه و يحركه‏

11

نحو فعل ما قطع بوجوبه فعلا و ترك ما قطع بحرمته فعلا بحيث يرى نفسه مذموما فى تركه و مأمونا من المذمة و العقاب لو عمل به‏

و لا يخفى انّ ذلك لا يكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفى حقيقة بين الشّي‏ء و لوازمه.

لما عرفت من ان هذه الآثار المترتبة على القطع من لوازمه الذاتية لا ينفك عنه فلا يمكن ان يكون بجعل جاعل لا تكوينا و لا تشريعا لا اثباتا و لا نفيا اما تكوينا فلان المتصور منه فى المقام هو التأليفى و هو جعل القطع واجب الاتباع دون البسيط و من المعلوم ان الجعل التأليفى لا يكون إلّا بين الشي‏ء و عرضه المفارق لا بينه و بين لوازم ماهيته و وجوب الاتباع من لوازم ماهية القطع الكذائى فهو مجعول بعين جعل القطع لا انه يمكن ان يجعل مستقلا بعد جعله و حيث كان وجوب الاتباع من لوازمه الذاتية فلا يمكن ان يكون ثبوته مجعولا بهذا الجعل اى بالجعل التاليفى و لا نفيه عنه كذلك لعدم امكان تخلل العدم بين الشي‏ء و لوازمه الذاتية حيث ان نفى الذاتى مساوق لنفى الذات و نفى اللازم مساوق لنفى الملزوم كالزوجية للاربعة

بل عرضا يتبع جعله بسيطا

يعنى ان المتصور من الجعل بالنسبة الى اللوازم الذاتية هو الجعل العرضى بتبع جعل ذلك الشي‏ء بمعنى ان جعل القطع و ايجاده يلازم جعل الحجية و وجوب الاتباع بتبعه كما ان الزوجية مجعولة بالعرض بعين جعل الاربعة.

12

و لذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره ايضا

اى و لما ذكرنا من ان وجوب متابعة القطع و لزوم العمل على وفق علمه و كونه موجبا لتنجز التكليف فيما اصاب و عذرا عند الخطاء تكون ذاتية له لا تناله يدا لتشريع اذ لا معنى لتشريع ما هو حاصل بذاته و منجعل بنفسه انقدح المنع عن تأثيره ايضا اذ لا يمكن شرعا سلب ما هو من لوازم الذات و عدم تغيير الذاتيات بقول الشارع إلّا ان يتبدل موضوعه فالقول بعدم كونه طريقا و لا يجب العمل على وفق علمه و لا يكون حجة لا يلزم منه تخلف الذاتى عن كونه ذاتيا مضافا الى ان منع الشارع عن تأثيره موجب لنقض الغرض لان غرضه وصول المكلف الى الحكم الواقعى و ادراك مصلحته فبعد تحصيل الغرض بالعلم لو قال لا تعمل بعلمك لقال بخلاف غرضه و لا يتصور نقض الغرض الا فيمن لم يكن عالما بعواقب الامور و كانت افعاله لاشتهاء نفسه و تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

مع انّه يلزم منه اجتماع الضّديّن اعتقادا مطلقا و حقيقة فى صورة الإصابة كما لا يخفى:

يعنى ان المكلف اذا قطع بوجوب شي‏ء فان كان قطعه مصيبا فمع نهى الشارع عنه يلزم اجتماع الضدين حقيقة فانه حسب قطعه واجب و على حسب نهى الشارع عن العمل بعلمه حرام فكيف يجتمع الواجب و الحرام فى شي‏ء واحد و ان كان قطعه مخطئا لزم اجتماع الضدين‏

13

اعتقادا اذ لا يذعن به المكلف مع الاذعان بضده و من المعلوم ان اجتماع الضدين و لو اعتقادا محال كاجتماع الضدين حقيقة:

ثمّ لا يذهب عليك انّ التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزّجر لم يصر فعليّا و ما لم يصر فعليّا لم يكد يبلغ مرتبة التّنجّز و استحقاق العقوبة على المخالفة.

قد عرفت سابقا ان للحكم مراتب مرتبة الاقتضاء و المراد بها هى المصلحة التى تكون الاحكام مسببة عنها عند العدلية و مرتبة الانشاء و هى عبارة عن جعل قانون لصلاح نظم امور المكلفين و مرتبة البعث و الزجر و فعلية الحكم على المكلف و هى عبارة عن اعلام العباد بالحكم القانونى الانشائى بتبليغ الرسل و انزال الكتب و مرتبة التنجز و هى عبارة عن استحقاق العقوبة على الفعل او الترك و عدم كونه معذورا و ما ذكرناه من ان القطع يجب اتباعه عقلا و الوجدان يحكم باستحقاق العقوبة فانما هو فيما اذا تعلق القطع بالمرتبة الثالثة و هى ان تكون له بعث و زجر و فعلية الحكم من دون قيام الحجة عليه بحيث لو قامت الحجة عليه فيستحق العقوبة على مخالفته و اما اذا تعلق بالمرتبة الثانية و هى مرتبة الانشاء فلا يستحق العقوبة على مخالفته‏

و ان كان ربّما يوجب موافقته استحقاق المثوبة

يعنى ربما يوجب الحكم مع عدم بلوغه الى مرتبة الفعلية استحقاق المثوبة على موافقته مع عدم استحقاق العقوبة على مخالفته لانه قد يكون المصلحة فى الفعل ملزمة و لكن الوجوب انشائى نظرا الى عدم استعداد

14

المكلفين لتوجيه الخطاب الفعلى اليهم فربما يقتضى مصلحة التسهيل عدم البعث فى برهة من الزمان و ليس هناك مفسدة فى الفعل اصلا فحينئذ لا مانع فى التفكيك بين المثوبة و العقوبة و ان موافقته توجب استحقاق المثوبة مع عدم استحقاق العقوبة على مخالفته‏

و ذلك لأنّ الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بامر و لا نهى و لا مخالفته عن عمد بعصيان بل كان ممّا سكت اللّه عنه كما فى الخبر فلاحظ و تدبر

روى عن امير المؤمنين (عليه السلام) ان اللّه حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من اللّه عليكم و لكن قد عرفت من مطاوى كلماتنا ان تمام مراتب التى عده (قدس سره) من مراتب الحكم ليس من مراتبه بل الاحكام الواقعية كلها فعلية لكل المكلفين بعد تحقق الشرائط العامة غاية الامر لا يتنجز عليهم على تقدير الجهل و قيام الحجة عليه يعنى لا يعاقب على ارتكابه بل هو معذور فيه فراجع فلا نعيده.

نعم فى كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقرّرة شرعا للجاهل اشكال لزوم اجتماع الضّديّن او المثلين على ما ياتى تفصيله إن شاء اللّه تعالى مع ما هو التّحقيق فى دفعه فى التّوفيق بين الحكم الواقعى و الظّاهرى فانتظر

اى مع بلوغه بهذه المرتبة من الفعلية مورد للوظائف المقررة شرعا للجاهل من الامارات و الاصول الشرعية اشكال لزوم اجتماع الضدين لو تخالفا او المثلين لو توافقا على ما سيأتى فى الجمع بين الحكم الواقعى‏

15

و الظاهرى فى اول بحث الظن إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

فى مبحث التجرى و الانقياد

الأمر الثّانى قد عرفت انّه لا شبهة فى انّ القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة فى صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها فى صورة عدم الاصابة على التجرّي بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته او لا يوجب شيئا

اعلم ان التكلم فى هذا المبحث اى فى مسئلة التجرى يمكن ان يقع فى مقامات الاول فى المسألة الكلامية و هى ان مخالفة القطع هل توجب استحقاق العقوبة لاجل التجرى اذا لم يكن القطع مطابقا للواقع و موافقته توجب استحقاق المثوبة لاجل انطباق الانقياد عليه ام لا الثانى فى الاصولية و هى انه على فرض قبح التجرى و حكم العقل باستحقاق فاعله الذم هل يؤثر قبحه فى الفعل المتجرى به حتى يصير حراما شرعيا لقاعدة الملازمة ام لا.

الثالث فى الفقهية و هى ان مقطوع الحرمة حرام ام لا و إلّا نسب بمقامنا هو الاولان لان كلامنا فى القطع انما يكون فى الحكم العقلى و فى المسألة الاصولية و اما المقام الاول فالحق استقلال العقل باستحقاق العقوبة على مخالفة القطع كحكمه باستحقاق المثوبة على موافقته و هو الذى اختاره المصنف و ادعى عليه الوجدان و قال.

16

الحقّ انّه توجبه لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديّته و كونه بصدد الطّغيان و عزمه على العصيان‏

حاصل الكلام ان التجرى عنوان يتحقق مع ارادة المخالفة كما ان الانقياد يتحقق مع ارادة الموافقة و ينطبق على الاول عنوان التجرى و الهتك و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية و من المعلوم ان هذا كله موجبه للعقوبة و الوجدان عليه شاهد و حاكم و على الثانى ينطبق عنوان الانقياد و الاطاعة و الاقامة على رسوم العبودية و هذا كله موجبة للمثوبة و اليه اشار بقوله.

و صحّة مثوبته و مدحه على اقامته بما هو قضيّة عبوديّته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته‏

و بالجملة انه يستحق العقوبة على نفس التجرى و لو لم يصدر منه فعل اذا وصل حد الجزم و العزم حيث ان التجرى كما عرفت هو عبارة عن اهتاك حرمة المولى و اظهار النفاق و الشقاق معه و هو موجب للاستحقاق بحكم العقل السليم اذا صار العبد بصدد الاظهار و اول مرتبة الاظهار هو الجزم و هو اختيارى لا مكان التأمل فى الصوارف و المواعظ و كان له ان يتفكر فى عقوبة اللّه و النظر فى آيات اللّه حتى لا يجزم او لا يعتنى بتبعاته فيجزم به و كذا العزم المترتب على الجزم فهو ايضا اختيارى كالجزم بعينه و يصح العقوبة عليه.

17

و اما قبل الجزم و العزم فلا يستحق العقوبة و لا المصوبة و ان استحق المدح و اللوم بمجرد حسن سريرته و سوئها و الحاصل ان التجرى و الانقياد يوجبان استحقاق العقوبة و المثوبة لتحقق ما يوجبانه فى المعصية و الاطاعة الحقيقيين فيهما بيان ذلك ان شرب الخمر الواقعى له عناوين ثلاثة الاول الشرب من حيث انه شرب و هو عنوانه الاولى الثانى هو من حيث انه ترك مطلوب المولى الثالث هو من حيث انه اقدم على مخالفة المولى و عصيانه و من الواضح ان مناط الاستحقاق للعقاب ليس هو الاول و إلّا لكان شرب كل مشروب يوجب ذلك و لا الثانى لان من شربها غفلة او نسيانا فقد حصل منه ترك مطلوب المولى مع انه لا يعاقب عليه فانحصر المناط فى الثالث و هو بعينه موجود فى حق المتجرى حيث انه اقدم على المعصية و عزم على المخالفة و جزم على الطغيان‏

و ان قلنا بانّه لا يستحقّ مؤاخذته او مثوبته ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة بمجرّد سوء سريرته او حسنها و ان كان مستحقّا للذّم او المدح بما يستتبعانه كسائر الصفّات و الاخلاق الذّميمة او الحسنة

يعنى مجرد سوء السريرة و حسنها لا يوجب العقوبة و لا المثوبة و انما يوجبان مدحا او ذما بما فيه من الصفة الكامنة المستتبعة لهما و ان الذات المتصفة به لا يستحق بذلك المثوبة و لا العقوبة و ان استحق المدح او الذم كمدح اللؤلؤ على صفائها و ذم الخزرة على كدورتها و الحاصل ان سوء السريرة و حسنها كسائر الصفات و الاخلاق الذميمة او الحسنة كالشجاعة و الجبن و الجود و البخل لا يوجب ثوابا و لا عقابا و لكنها

18

تكون موجبة للمدح و الذم‏

و بالجملة ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها الّا مدحا او لوما و انّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة او العقوبة مضافا الى احدهما اذا صار بصدد الجرى على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم و ذلك لعدم صحّة مؤاخذته بمجرّد سوء سريرته من دون ذلك و حسنها معه‏

فتحصل مما ذكرنا ان القبح الناشئ عن سوء السريرة و خبث الباطن لا يستتبع استحقاق العقاب ما دامت فيه صفة كامنة كما ان الحسن الناشئ عن حسنها لا يوجب شيئا من المثوبة ما دامت كذلك إلّا اذا صار العبد بصدد الجرى على طبق تلك الصفة و العمل على وفقها حتى وصل الى حد الجزم و العزم و لو لم يصدر منه فعل و ذلك الذى ذكرناه من عدم استحقاق العقوبة او المثوبة على مجرد سوء السريرة او حسنها لعدم صحة مؤاخذة العبد بمجرد سوء سريرته من دون ان يصير بصدد الجرى على طبق الصفة

و حسن المؤاخذة مع صيرورته بصدد الجرى على وفقها و ذلك لان صفة الشقاوة و ما يقابلها امر خارج عن الاختيار كما فى الخبر الشريف السعيد سعيد فى بطن أمه و الشقى شقى فى بطن أمه فلا يستحق العقاب و لا الثواب على الامر الغير الاختيارى إذ هما تابعان للمقدور و لكن يستحق المدح او الذم من حيث هو مع قطع النظر عن ترتب استحقاق العقوبة او المثوبة عليه و هذا واضح.

كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال فى مثل باب الاطاعة

19

و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النّيران او الجنان‏

حاصل ما افاده (قدس سره) فى اثبات العقاب لمن اراد المخالفة و اثبات الثواب لمن اراد الموافقة هو انطباق عنوان التجرى و اهتاك حرمة المولى و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية على الاول و الوجدان شاهد على ان تلك العناوين موجبة للعقوبة و انطباق عنوان الانقياد و الاقامة على رسوم العبودية الموجبان للثواب فى الثانى و الوجدان أيضا عليه حاكم و شاهد ثم انك قد عرفت فى صدر المبحث ان التكلم فى التجرى يقع فى مقامات الاول فى المسألة الكلامية و هى ان موافقة القطع هل توجب استحقاق المثوبة لاجل الانقياد و مخالفته هل توجب استحقاق العقوبة لاجل التجرى اذا لم يكن القطع مطابقا للواقع اولا و الذى اختاره المصنف فى هذا المقام انه يوجبه مع صيرورة العبد بصدد الجرى على طبقه و العمل على وفقه و عزم و جزم الثانى فى المسألة الاصولية و هى انه على فرض قبح التجرى و حكم العقل باستحقاق فاعله الذم هل يؤثر قبحه فى الفعل المتجرى به حتى يصير حراما شرعيا لقاعدة الملازمة ام لا و اختار المصنف فى هذا المقام طرف العدم بقوله.

و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّى به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن او القبح و الوجوب او الحرمة واقعا بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصّفة

اى و ذلك الذى ذكرناه من كون التجرى موجبا للعقاب‏

20

و الانقياد موجبا للثواب مع بقاء فعل المتجرى به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن او القبح كما كان قبل عروض عنوان التجرى او الانقياد عليه من الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة واقعا بلا حدوث تفاوت فى الفعل بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم الوجوبى او التحريمى و لا فى الصفة من الحسن او القبح و ذلك لعدم امكان تغيير الفعل عما هو عليه بواسطة تعلق القطع به لما نجد من انفسنا من عدم تغيير الشي‏ء عما هو عليه بمجرد القطع به اذ القطع بالقبح لا يكون فى نظر العقل من العناوين المقبحة او مما يوجب المبغوضية للمولى و كذا القطع بالحسن لا يكون بنظر العقل من العناوين المحسنة او مما يوجب المحبوبية و على فرض صيرورته عنوانا لا يمكن استكشاف حكم الشارع يعنى لا يمكن تعلق الحكم بالمقطوع حين كونه كذلك للزوم الخلف حيث ان القاطع حين قطعه لا يرى إلّا الواقع فتصديقه الحكم المتعلق بالمجموع محتاج الى الالتفات بقطعه و التفاته الى قطعه مستلزم لارتفاع قطعه الاول و هو خلف اذ المفروض تعلق الحكم بالمقطوع حين كونه طريقا غير ملتفت اليه و على فرض استكشاف حكم الشارع فلا فائدة فى الامر المولوى فيما نحن فيه.

حيث ان فائدته تحريك العبد نحو الفعل بحيث لو لاه لم يكن محرك و لا داع و المفروض ان الداعى هو حكم العقل بوجوب اتباع القطع موجود و لذلك نقول بان امر اطيعوا اللّه إرشادي حيث ان المريد للاطاعة ان كان له دواعى الاطاعة من اهلية البارى تعالى او الجنة او النار موجود فامر اطيعوا لا يكون داعيا له ثانيا مضافا الى استلزامه الدور او التسلسل‏

21

حيث ان تصديق كون هذا القطع وجه و عنوان للشي‏ء و انه موضوع للحكم موقوف على تعلق قطع آخر اليه و هذا الآخر و ان لم يكن وجها ايضا لزم الترجيح بلا مرجح و ان كان وجها فتصديقه ايضا يتوقف على قطع آخر و هكذا.

و مما ذكرنا ظهر انه على فرض قبح التجرى و حكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة لا يؤثر قبحه فى الفعل المتجرى به حتى يصير حراما بقاعدة الملازمة فدعوى ان الفعل المتجرى به يكون قبيحا و يستتبعه الحكم الشرعى بقاعدة الملازمة واضحة الفساد.

و لا يغيّر حسنه او قبحه بجهة اصلا ضرورة انّ القطع بالحسن او القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات الّتي بها يكون الحسن و القبح عقلا

اذ من الواضح ان القطع مرآة بوجوده الحقيقى للافعال بما فيها من المزايا و الخواص و حقيقة المرآتية ليست إلّا مجرد انكشاف المرئى بما فى كمونه من الآثار و تكون صفة الكاشفية فى طول المكشوف و لازمها عدم تغير المكشوف عما هو عليه من الحسن او القبح بمجرد تعلق القطع به و إلّا لزم انقلاب المرآة الى مرتبة المرئى و صيرورة المرآة مرئيا و القطع مقطوعا مثلا لو فرض تغير الماء المزعوم انه خمر للجهة المقبحة عما هو عليه من الحسن الى القبح بمجرد انطباق المقطوع عليه لزم انقلاب القطع الذى هو مرآة محض و كاشف بحت عن حقيقته الى رتبة المكشوف.

و الحاصل ان الفعل الغير المنهى عنه واقعا لم يكن مبغوضا بمجرد

22

تعلق اعتقاد المكلف بمبغوضيته مع انه لم يكن مبغوضا واقعا بمعنى ان الواقع بما هو عليه ان كان حسنا او قبيحا كان باقيا على حاله و مجرد تعلق القطع بكون هذا قبيحا او مبغوضا لا يغير الواقع لو كان حسنا اذا المفروض ان القطع تعلق بالواقع على ما هو عليه لا انه غير الواقع فان قلت نعم و لكن ربما طريان عنوان على شي‏ء يكون موجبا لحدوث حكم لهذا الشي‏ء بملاحظة هذا العنوان كالكذب فان واقعه قبيح و لكن اذا طرأ عليه عنوان النفع يصير حسنا و هذا واضح على مذهب من قال بان الحسن و القبح ليسا بذاتيين بل يختلف بالوجوه و الاعتبار و مثل تمام وظائف الظاهرية فان البينة و اليد و الظن و السوق تكون موجبة لاحداث حكم ظاهرى لموضوعاتها بملاحظة كونها مظنونا او قال به البينة او غير ذلك مع ان واقعها كان باقيا بحاله فان ما قامت البينة على حرمته يصير حراما من جهة شهادة الشاهد و لو بالحرمة الظاهرية مع ان واقعه كان مباحا مثلا و القطع ايضا كاحدها فيصير هذا المباح الواقعى حراما بعنوان كونه مقطوعا.

قلت اولا ليس القطع مما يصير به الشي‏ء مختلفا فان المفروض انه طريق محض من دون ان يكون فيه خصوصية الا حيث إراءته عن متعلقه فحينئذ لا بد من ملاحظة متعلقه و خصوصياته من غير ملاحظة القطع و المفروض ان المتعلق لم يكن حراما واقعا فكيف يصير حراما بعد تعلق القطع نعم يمكن ان يكون عنوان القطع سببا لحسن شي‏ء او قبحه و لكن هذا اذا كان جزءا للموضوع على فرض قيام الدليل عليه بخلاف ما نحن فيه لان كلامنا ليس على ذلك بل على فرض الطريقية.

23

و اما باقى الوظائف فنلتزم فيها بان المصلحة انما تكون فى نفس جعلها لا ان يكون عنوان الظن او البنية موجبة لاحداث حكم و مما ذكرنا ظهر عدم اتصاف الفعل المتجرى به بحسن و قبح و ان الواقع لا يغير عما هو عليه من الحسن و القبح.

و لا ملاكا للمحبوبيّة و المبغوضيّة شرعا ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة و المحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا او مبغوضا له.

لانهما تدوران مدار الجهات المحسنة او المقبحة الكامنة فى الافعال الخارجية و قد عرفت عدم تغييرها بمجرد تعلق القطع بها:

فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له و لو اعتقد العبد بانّه عدوّه و كذا قتل عدوّه مع القطع بانّه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا ابدا.

و مما يؤيد ما ذكرنا من بقاء الفعل المتجرى به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة واقعا بل هو دليل على حدة هو ما اشار بقوله.

هذا مع انّ الفعل المتجرّى به او المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب لا يكون اختياريّا فانّ القاطع لا يقصده الّا بما قطع انّه عليه من عنوانه الواقعى الاستقلالى لا بعنوانه الطّارئ الآلي بل لا يكون غالبا بهذا العنوان ممّا يلتفت اليه.

24

هذا كله مع ان الفعل المتجرى به او المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب لا يكون اختياريا فان هذا العنوان غير ملتفت اليه غالبا اذ القاطع لا يقصد الفعل كشرب ما يعتقده خمرا إلّا بما قطع انه عليه من عنوانه الواقعى الاستقلالى و هو عنوان انه خمر لا بعنوانه الطارى الآلي اى عنوان انه شرب مقطوع الخمرية فاذا لم يكن هذا العنوان اختيارا ملتفتا اليه غالبا

فكيف يكون من جهات الحسن او القبح عقلا و من مناطات الوجوب او الحرمة شرعا و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك الّا اذا كانت اختياريّة

و الحاصل ان القطع بالقبح لا يكون فى نظر العقل من العناوين المقبحة او مما يوجب المبغوضية للمولى و لو سلمنا ذلك و قلنا بان عنوان مقطوع المبغوضية من العناوين الموجبة للقبح او المبغوضية إلّا انه فى المقام لا يصلح لذلك لكون المقطوع غير اختيارى للفاعل المتجرى حيث ان القاطع بحرمة الخمر حين شربه لم يشربه بعنوان انه مقطوع الخمرية بل يشربه بعنوان انه حرام فما صدر عنه المقطوع باختيار منه لعدم الالتفات اليه فلا يكاد القطع بالقبح ان يكون صفتا موجبة للقبح و كذلك القطع بالحسن موجبة لذلك إلّا اذا كانتا اختياريين و قد عرفت عدم اختيارية المقطوع بما هو مقطوع لعدم الالتفات اليه و اذا لم يكن اختياريا فكيف يكون قبيحا او حسنا عقلا او واجبا و محرما شرعا و كل منها مشروط بالاختيار.

25

ان قلت اذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع و هل كان العقاب عليها الّا عقابا على ما ليس بالاختيار

حاصله انه اذا لم يكن عنوان مقطوع المبغوضية من العناوين الموجبة للقبح او المبغوضية لكونه غير اختيارى للفاعل المتجرى بل قد لا يكون ملتفتا اليه فلا وجه لاستحقاق العقاب على مخالفة القطع فهل كان العقاب عليه الا عقابا على ما ليس بالاختيار.

قلت العقاب انّما يكون على قصد العصيان و العزم على الطّغيان لا على الفعل الصّادر بهذا العنوان بلا اختيار

و حاصل جوابه عن السؤال ان العقاب لا يكون على الفعل الصادر بعنوان انه مقطوع الحرمة حتى يقال بان القاطع بحرمة الخمر حين شربه لم يشربه بعنوان انه مقطوع الحرمة.

بل يشربه بعنوان انه حرام فما صدر عنه المقطوع باختيار منه بل هو غالبا يكون مما لا يلتفت اليه بل العقاب يكون على القصد و العزم على الطغيان لا على الفعل الغير الاختيارى.

ان قلت انّ القصد و العزم انّما يكون من مبادى الاختيار و هى ليست باختيارية و الّا لتسلسل‏

حاصله ان القصد و العزم انما يكونان من مقدمات اختيار الفعل لان الفعل الاختيارى المتعلق به التكليف لا بد و ان يصدر من مباديه من‏

26

التصور اولا و الميل ثانيا و الجزم ثالثا و العزم رابعا و الارادة خامسا.

و من المعلوم ان مبادى الاختيار و مقدماته لا تكون اختيارية فان اختيارية الافعال تكون بها فلو كانت هى اختيارية لكانت بمقدمات اخرى فيتسلسل فاذا كانت مقدمات الاختيار غير اختيارية فلا بد ان لا يكون العقاب على القصد و العزم.

قلت مضافا الى انّ الاختيار و ان لم يكن بالاختيار الّا انّ بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتمكن من عدمه بالتّامل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمة

يعنى ان الفعل الاختيارى و ان لم يكن جميع مباديه و مقدماته بالاختيار إلّا ان بعض مباديه و هو الجزم و العزم فيه اختياريان فحينئذ تكون صحة العقوبة على الارادة الغير الاختيارية من جهة اختيارية هاتين المقدمتين توضيح ذلك: ان الفعل الاختيارى مسبوق بمقدمات.

الاول حضور المراد فى الذهن ثم الميل النفسانى ثم الجزم و هو حكم القلب بما ينبغى صدوره ثم العزم و هو مرتبة الميل التى قبل الشوق المؤكد و هذه المقدمات اذا وجدت كان الفعل اختياريا و هى و ان لم تكن كلها اختيارية كحضوره فى الذهن و كذا الميل إلّا ان الجزم امر اختيارى و كذا العزم المترتب على الجزم لجواز التامل فيما يترتب على الفعل و التدبر فى عواقبه و تبعاته حتى لا يجزم او لا يعتنى بتبعاته فيجزم به.

فالعقاب من آثار الجزم لكونه اختياريا فلا يستلزم القول باناطة استحقاق الثواب و العقاب بما هو خارج عن الاختيار هذا اذا قلنا

27

بان العقاب لا بد ان يكون على الامر الاختيارى.

و اما ان قلنا بان العقاب و الثواب من تبعات الافعال الناشئة عن حسن سريرة العبد و سوئها اللذان الناشئان عن نقص الذات و كماله و هما مجعولان بالجعل البسيط لا التأليف.

فيصح حينئذ العقوبة و المثوبة و لو كان الجزم خارجا عن الاختيار فحقيقة العقوبة و المثوبة ليست إلا سنخية هذا الذات مع ذاك و سنخية الآخر مع الآخر بمعنى ان ذات هذا الشخص مقتضية للقرب بالمبدإ و ذات الآخر مقتضية للبعد عنه و بهذا اشار بقوله.

يمكن ان يقال انّ حسن المؤاخذة و العقوبة انّما يكون من تعبة بعده عن سيّدة بتجرّيه عليه كما كان من تبعته بالعصيان فى صورة المصادفة فكما انّه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو فى ان يوجب حسن العقوبة فانّه و ان لم يكن باختياره الّا انّه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا

حاصل جوابه (قدس سره) هو منع قبح العقاب على الامر الغير الاختيارى مطلقا حتى اذا كان منتهيا الى نفس العبد و كمون ذاته فاذا انتهى الامر اليه فلا قبح و لو لم يكن فى البين امر اختيارى.

و ذلك لان حسن العقوبة معلول للبعد عن المولى و الموجب للبعد قد يكون بعصيانه حقيقة و فى صورة الاصابة و قد يكون بتجريه عليه و هتك حرمته و ارادة مخالفته فكما ان العصيان فى صورة المصادفة يوجب بعد العبد عن سيده الموجب للعقاب كذلك لا عجب فى ان يوجب التجرى البعد و البعد يوجب استحقاق العقاب فحينئذ و ان لم يكن باختياره إلّا ان العقاب ناشئة عن سوء سريرته و خبث باطنه بحسب‏

28

نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا يعنى ان سوء السريرة ناش عن النقصان و اقتضاء استعداده الذاتى و امكانا عطف تفسير على قوله ذاتا.

و اذا انتهى الامر اليه يرتفع الاشكال و ينقطع السؤال بلم فانّ الذّاتيات ضرورىّ الثبوت للذّات‏

يعنى فاذا انتهى الامر الى الذاتى يرتفع الاشكال بانه لو كانت الارادة غير اختيارية لزم كون العقاب على الامر الغير الاختيارى و ان كانت الارادة اختيارية لزم التسلسل اذ العقاب على ما هو من قبل الذات غير قبيح فامر العقاب بالاخرة ينتهى الى الذات.

لان حسن العقوبة معلول للبعد و البعد معلول للتجرى و هو ارادة المخالفة و التجرى معلول عن العزم و العزم معلول عن الجزم و الجزم معلول عن الميل الى القبح و الميل معلول عن الشقاوة المعبر عنها بسوء السريرة المعلولة عن خصوص ذاته و ينقطع السؤال بلم فان الذاتيات ضرورى الثبوت للذات‏

و كذا الحال فى الكفر و العصيان الحقيقيان فانهما ايضا منتهيان الى الذات.

و بذلك ايضا ينقطع السّؤال عن انّه لم اختار الكافر و العاصى الكفر و العصيان و المطيع و المؤمن الاطاعة و الايمان‏

اى بما ذكرناه فى باب التجرى من انتهاء الامر الى الذاتى ايضا ينقطع السؤال عن انه لم اختار الكافر الكفر و العاصى العصيان و المطيع‏

29

الاطاعة و المؤمن الايمان؟

حيث انه سؤال عن الذاتى و الذاتى لا يعلل فحينئذ لا مجال للسؤال اصلا فان السؤال عن الكافر لم اختار الكفر و العاصى لم اختار العصيان و المطيع لم اختار الاطاعة و المؤمن لم اختار الايمان يساوق السؤال عن ان الحمار لم يكون ناهقا و الانسان لم يكون ناطقا و بهذا اشار بقوله‏

فانّه يساوق السّؤال عن انّ الحمار لم يكون ناهقا و الانسان لم يكون ناطقا و بالجملة تفاوت افراد الانسان فى القرب منه جلّ شانه و عظمت كبريائه و العبد عنه سبب لاختلافها فى استحقاق الجنّة و درجاتها و النّار و دركاتها و موجب لتفاوتها فى نيل فى الشّفاعة و عدمها و تفاوتها فى ذلك بالاخرة يكون ذاتيّا و الذّاتى لا يعلّل ان قلت على هذا فلا فائدة فى بعث الرّسل و انزال الكتب و الواعظ و الانذار

حاصله لو كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان من تبعات الذات و مقتضياته فاى فائدة للتكليف بالطاعات و النهى عن السيئات و بعثه الرسل و الانبياء بالمعجزات و الآيات اذ المؤمن و المطيع يؤمن بنفسه و يطيع.

قلت ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه و يخلص مع ربّه انسه‏

حاصله ان الخصوصية الذاتية ليست علة تامة بالنسبة الى استحقاق المثوبة و العقوبة فهى من قبيل المقتضى و ح يكون فائدة البعث و الانذار و الوعظ و الارشاد فى من حسنت سريرته وصوله الى كماله حتى يحصل‏

30

له استحقاق الجنة و درجاتها.

ما كنّا لنهتدى لو لا ان هدينا اللّه قال اللّه تبارك و تعالى‏

وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏

و ليكون حجّة على من سائت سريرته و خبثت طينته‏

اى و فيمن خبثت طينته اتمام الحجة عليه حتى لا يقولوا ربنا لو لا ارسلت الينا رسولا من قبل ان نذل و نخزى و لم ذلك‏

ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة كيلا يكون للنّاس على اللّه حجّة بل كان له حجّة بالغة و لا يخفى انّ فى الآيات و الرّوايات شهادة على صحّة ما حكم به الوجدان‏

اما الآيات مثل قوله جل ذكره و لا تقف ما ليس به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان مسئولا

و قوله تعالى‏ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏

و قوله تعالى‏ وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ‏.

و قوله تعالى‏ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏.

و اما الاخبار فقد ذكرها الشيخ ره فى بحث التجرى و منها ما رواه فى الفقيه و غيره القضاة اربعة ثلاثة فى النار واحد الى الجنة قاض قضى بالباطل و هو يعلم انه باطل فهذا فى النار و قاض قضى بالحق و هو لا يعلم انه الحق فهذا فى النار قاض قضى بالباطل و هو لا يعلم انه باطل‏

31

فهذا فى النار و قاض قضى بالحق و هو يعلم انه حق فهذا فى الجنة فان القسم الثالث متجر فى الحقيقة جزما و قطعا.

و مثل قوله (ص) نية الكافر شر من عمله و قوله انما يحشر الناس على نياتهم.

و ما ورد من تعليل خلود اهل النار فى النار و خلود اهل الجنة فى الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلدوا فى الدنيا.

و ما ورد من انه اذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول فى النار قيل يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول قال لانه اراد قتل صاحبه.

و ما ورد فى العقاب على بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام كغارس الخمر و الماشى لسعاية المؤمن و غير ذلك من الادلة الشاهدة على صحة ما حكم به الوجدان.

الحاكم على الاطلاق فى باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة و معه لا حاجة الى ما استدلّ على استحقاق المتجرّى للعقاب بما حاصله انّه لو لاه مع استحقاق العاصى له يلزم اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره‏

حاصله انه مع ان فى الآيات و الروايات شهادة على صحة العقوبة على ما حكم به الوجدان لا حاجة الى ما استدل به بعض الاعاظم على الاستحقاق المتجرى للعقاب بما حاصله.

انه لو لا استحقاق المتجرى للعقاب يلزم اناطه استحقاق العقوبة

32

بما هو الخارج عن الاختيار بداهة ان اتفاق المصادفة خارج عن تحت قدرته و لا آتية من قبل المكلف.

و محصل ما يستفاد من كلامه على ما حكى عنه هو انه اذا فرضنا شخصين قطع احدهما بكون مائع معين خمر او قطع الآخر بكون مائع آخر كذلك فشرباهما فاتفق مصادفة احدهما للواقع دون الآخر فاما ان يستحقا العقاب و هو المطلوب او لا يستحقان اصلا فيلزم عدم استحقاق العاصى للعقاب و هو فاسد او يستحق من خالف قطعه فقط دون من وافق قطعه مع الواقع و فساده اوضح او يستحق من صادف قطعه الواقع دون الآخر فيلزم اناطة استحقاق العقاب بالامر الغير الاختيارى و هو اتفاق المصادفة و هو ممتنع جدا.

فتعين الاول و هو الاستحقاق للعقاب مطلقا صادف ام لم يصادف مع ان هذا الاستدلال باطل و فاسد من أصله و قد اشار الى بطلانه و فساده بقوله.

مع بطلانه و فساده اذ للخصم ان يقول بانّ استحقاق العاصى دونه انّما هو لتحقّق سبب الاستحقاق فيه و هو مخالفته عن عمد و اختيار و عدم تحقّقه فيه لعدم مخالفته اصلا و لو بلا اختيار

حاصله ان اختيار الشق الرابع و هو استحقاق العقوبة لمن صادف قطعه الواقع دون من لم يصادف لا يستلزم اناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار.

فان استحقاق من صادف انما هو لتحقق سببه و هو المخالفة عن عمد و اختيار دون من لم يصادف لعدم تحقق سبب الاستحقاق فيه.

33

لان السبب فى الاستحقاق هو الاتيان بالمنهى عنه فى اعتقاد الفاعل مع المصادفة و مصادفة قطعه مع الواقع و ان كانت غير اختيارية إلّا ان الامر الغير الاختيارى دخيل فى العقاب لا بمعنى ان العلة التامة فى العقاب الامر الغير الاختيارى و الممتنع هو الثانى دون الاول.

فمنشأ العقاب هو المخالفة و هى الاختيارية غاية الامر ان من جملة مقدماتها مصادفة القطع مع الواقع لا ان منشأ العقاب هو نفس المصادفة ليس إلّا حتى يلزم منه اللازم الباطل فيلتزم الخصم باستحقاق العاصى دون المتجرى و يمكنه التفكيك بين العاصى و المتجرى و اما استحقاق العاصى فلمخالفته عن عمد و اما عدم استحقاق المتجرى فلعدم مخالفته اصلا و لو عن غير عمد.

نعم هذا كله فيما اذا كان الخطاء فى الحكم مثل ما لو اعتقدان شرب الماء حرام فشربه فان شرب الماء صادر منه بالاختيار فحينئذ قد صدر منه الفعل و لم يصدر منه مخالفة لعدم مصادفة قطعه مع الواقع و اما اذا كان الخطاء فى الموضوع مثل ما اذا اعتقدان الماء الخارجى خمر و شربه بهذا الاعتقاد ثم تبين انه لم يكن بخمر بل كان ماء فحينئذ مضافا الى عدم صدور مخالفة منه عدم صدور فعل منه ايضا لانه قد شرب الماء و لم يقصده و قصد الخمر و لم يشربه ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد و اليه اشار بقوله.

بل عدم صدور فعل منه فى بعض افراده بالاختيار كما فى التّجري بارتكاب ما قطع انّه من مصاديق الحرام كما اذا قطع مثلا بان مائعا خمر مع انّه لم يكن بالخمر فيحتاج الى اثبات انّ المخالفة الاعتقاديّة سبب كالواقعيّة الاختياريّة كما عرفت‏

34

بما لا مزيد عليه‏

و الحاصل ان اختيار الشق الاخير و هو استحقاق من صادف قطعه الواقع لا يستلزم اللازم المحال، و هو اناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، فيحتاج المستدل الى اثبات ان المخالفة الاعتقادية اى التجرى هى سبب كالواقعية الاختيارية و هى المعصية

ثمّ لا يذهب عليك انّه ليس فى المعصية الحقيقية الّا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهّم مع ضرورة انّ المعصية الواحدة لا توجب الّا عقوبة واحدة

و المتوهم صاحب الفصول ره فى بحث مقدمة الواجب قال ان التحقيق ان التجرى على المعصية معصية ايضا لكنه ان صادفها تداخلا و عدا معصية واحدة و لعله ره اضطر الى القول بالتداخل فى صورة المصادفة من جهة حكم العقل بان تعدد السبب اى التجرى و معصية الواقعية يوجبان تعدد المسبب اى العقاب و بين ما وقع الضرورة من المذهب و الاجماع عليه من كون العقاب هنا واحد و ان المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة.

كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى‏

حاصله انه لا وجه لاستحقاق العقابين المتداخلين بعد اتحاد المنشأ و هو هتك واحد و على تقدير استحقاقهما لا وجه لتداخلهما اذ لا معنى‏

35

لتداخلهما بعد ما كان كل منهما سببا مستقلا للزوم الخلف.

و لا منشأ لتوهّمه الّا بداهة انّه ليس فى معصية واحدة الّا عقوبة واحدة.

اى و لا منشأ لتوهم التداخل الا ما وقع الضرورة من المذهب من كون العقاب هنا واحد.

مع الغفلة عن انّ وحدة المسبّب تكشف بنحو الإنّ عن وحدة السّبب‏

بمعنى انه لو التفت الى ذلك التزم بوحدة منشإ العقاب و هو هتك واحد لا القول بتعدده مع التداخل نعم يمكن ان يقال انتصارا له ان هتك حرمة المولى مقولة بالتشكيك يختلف شدة و ضعفا و به يختلف اثره من العقاب الشديد و الضعيف فالتجرى المصادف اشد هتكا من غيره و لهذا كان فرق عرفا بين من قطع بان هذا عدو للمولى فتجرى و لم يقتله فبان انه ابنه و بين من قطع بان هذا ابن المولى و قتله ثم بان انه ابنه ايضا و لكن فيه مضافا الى انه توجيه بما لا يرضى صاحبه ان الهتك بما هو هتك لا فرق فيه فى خصوصيات الموارد و ما ترى من الفرق فى الموارد عرفا فانما هو من جهة مطابقة الفعل مع الاغراض الشخصية و عدم مطابقته معها لا من جهة الهتك بما هو هتك و هذه الاغراض غالبا ناشئة عن مشتهيات النفس تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلا وجه لما ذكره صاحب الفصول رفع مقامه.

36

فى اقسام القطع‏

الامر الثّالث انّه قد عرفت انّ القطع بالتّكليف أخطأ او اصاب يوجب عقلا استحقاق المدح و الثّواب او الذّم و العقاب من دون ان يؤخذ شرعا فى خطاب‏

بمعنى ان جميع ما ذكرناه سابقا من الاحكام انما هو للقطع الطريقى فهو ما لا يؤخذ فى موضوع الحكم الشرعى بل هو محض حكم العقلى من دون ان يستتبع حكما شرعيا مولويا لعدم ملاك مولوية الطلب هاهنا.

و قد يؤخذ فى موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه‏

تفصيل ذلك ان القطع قد يكون طريقا صرفا الى الواقع و قد يكون جزءا للموضوع اما الاول فهو ما لا يؤخذ فى موضوع الحكم الشرعى و الثانى ما يؤخذ فى موضوع الحكم الشرعى كما فرضنا ان الشارع رتب على الخمر المعلوم بوصف كونه معلوما فدخل العلم فى الموضوع انما كان من الشرع يعنى انه جعله جزءا لموضوع حكمه ثم ان القطع المأخوذ فى الموضوع تارة يكون تمام الموضوع و اخرى يكون جزءا للموضوع و الجزء الآخر هو الواقع الذى تعلق به القطع و هو اى القطع الذى كان جزءا للموضوع بحسب الشرع باقسامه يتصور على قسمين الاول ان يجعل جزءا للموضوع باعتبار انكشافه بمعنى ان الملحوظ بالذات هو انكشافه و الثانى ان يجعله باعتبار كونه صفة خاصة مقابل‏

37

الشك او الظن جزءا له و قد يكون القطع تمام الموضوع شرعا و عقلا و لكل منها آثار و احكام و اما القطع اذا كان طريقا محضا فلا يفرق بين خصوصياته من حيث القاطع و المقطوع به و اسبابه و ازمانه اذ المفروض انه طريق و لا خصوصية فيه فالمقصود إراءة متعلقه فاذا حصل من اى وجه كان فهو حجة و يترتب عليه احكام متعلقه و لا يجوز للشارع ان ينهى عن العمل به لانه مستلزم للتناقض حيث ان البول نجس واقعا و يجب الاجتناب عنه واقعا.

و المفروض ان القاطع قد علم به و يتنجز عليه الحكم بمقتضى علمه فحكم الشارع بانه لا تعمل بعلمك اما ان يرجع بان علمك ليس بعلم او ان البول ليس حكمه النجاسة و وجوب الاجتناب او ان الحكم لم يكن منجزا عليك مع العلم او ان الغرض ليس العمل على الحكم المنجز و الكل باطل اما الاول فواضح اما الثانى و الثالث فلان المفروض ان الحكم هو هذا لا غير و الحكم ايضا كان منجزا بحكم العقل.

و اما الرابع فلان المفروض منه كذلك غالبا بل فى كل الاحكام غالبا كما فى الاوامر الامتحانية فثبت ان حكمه بعدم وجوب الاجتناب مستلزم للتناقض او نقضا للقرض و كل منهما باطل و اما اذا كان جزءا للموضوع فيصح ان يتصرف فيه الشارع لا بمعنى تصرفه فى الانكشاف بعد حصوله بل يتصرف فى اسبابه بمعنى ان يقول ان الخمر المعلوم من طريق خاص فهو حرام لا من اى طريق كان.

لا يماثله و لا يضادّه كما اذا ورد مثلا فى الخطاب انّه اذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التّصدّق بكذا

38

حاصله انه قد يؤخذ القطع فى موضوع حكم يخالف متعلقه فهو من الصور الصحيحة للقطع الموضوعى لا يماثله بحيث يكون العلم بوجوب الصلاة مثلا موضوعا لوجوب الصلاة ثانيا فلو قال اذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك الصلاة كان حكم القطع مثل حكم متعلق القطع فانه ممتنع لانه ممتنع لانه من اجتماع المثلين و لا يضاده فلو قال اذا قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة كان حكم القطع مضادا لحكم متعلق القطع فانه ايضا يمتنع لانه من اجتماع الضدين و اما اذا ورد فى خطاب انه اذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا فقد اخذ القطع موضوعا لوجوب الصدقة التى يخالف الحكم الذى تعلق به القطع و هو وجوب الشي‏ء ثم القطع الذى اخذ موضوعا.

تارة بنحو يكون تمام الموضوع بان يكون القطع بالوجوب مطلقا و لو أخطأ موجبا لذلك و اخرى بنحو يكون جزءه و قيده بان يكون القطع به فى خصوص ما اصاب موجبا له و فى كلّ منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه و آخر بما هو صفة خاصّة للقاطع او المقطوع به‏

محصله ان المأخوذ فى الموضوع تارة يكون مطلق القطع و لو كان مخطئا فيكون الموضوع فى هذا القسم هو مطلق انكشاف الواقع سواء طابقه ام خالفه و تارة يكون خصوص المصيب منه فالموضوع فى هذا القسم يكون هو الواقع المنكشف لا مطلق الانكشاف و كل من قسمى القطع الموضوعى تارة يؤخذ بما هو كاشف و حاك عن متعلقه و مرآة له و تارة يؤخذ بما هو صفة خاصة للقاطع كسائر الصفات النفسانية من البخل و الجود و الشجاعة او المقطوع كسائر اوصافه مثل‏

39

السواد و البياض و امثال ذلك.

و ذلك لانّ القطع لمّا كان من الصّفات الحقيقية ذات الإضافة و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره صحّ ان يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة و حالة مخصوصة بالغاء جهة كشفه او اعتبار خصوصيّة اخرى فيه معها

حاصله ان القطع لما كان من الصفات الحقيقة فهى الصفات المتاصلة التى تكون فى قبال الصفات الانتزاعية الاعتبارية مما ليس بحذائه شي‏ء فى الخارج سوى منشإ انتزاعه ذات الاضافة و هو الصفات الحقيقية التى يحتاج الى طرف آخر كالعلم فى قبال الصفات الحقيقية التى لا يحتاج الى ذلك من الصافات القائمة بالنفس من دون حاجة الى طرف آخر.

و لذا كان نورا لنفسه فيكون حقيقة من الحقائق الموجودة فى الخارج و نورا لغيره فيكون مضافا الى الغير صح ان يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة بالغاء جهة كشفه و هو عدم وقوع نظر الجاعل الى جهة كاشفيته و إلّا فجهة الكاشفية لا يعقل انفكاكها عن العلم لاستلزامه استواء حالتى العلم و الجهل او اعتبار خصوصية اخرى فى الموضوع مع هذه الصفة الخاصة من كونه من سبب خاص او شخص مخصوص.

كما صح ان يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه و حاك عنه فيكون اقسامه اربعة مضافة الى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ فى الموضوع شرعا

و ملخص الكلام فيه هو ان القطع قد يكون طريقا محضا و لا يؤخذ

40

فى لسان الدليل موضوعا للحكم اصلا كما هو الحال فى اغلب التكاليف الشرعية التى لا دخل للقطع فى ثبوتها اصلا و لكنها بمرتبة من الفعلية لو علم بها لتنجزت هى بسببه و قد يكون ماخوذا فى الموضوع.

و ما كان مأخوذا فى الموضوع تارة يكون تمام الموضوع بمعنى ان يكون القطع موضوعا للحكم و لو كان مخطئا و تارة يكون جزءا للموضوع بمعنى ان يكون خصوص المصيب منه موضوعا له و كل منهما تارة يكون مأخوذا بما هو طريق و كاشف عن الواقع و اخرى بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة للقاطع او المقطوع به بابقاء جهة كشفه فيصير المجموع خمسة اقسام ثم قد عرفت منا ان معنى الغاء جهة كشف العلم هو عدم وقوع نظر الجاعل الى جهة كاشفيته و إلّا فجهة الكاشفية لا يمكن انفكاكها عن العلم فتدبر جيدا.

فى قيام الامارات و الاصول مقام القطع‏

ثمّ لا ريب فى قيام الطّرق و الامارات المعتبرة بدليل حجيّتها و اعتبارها مقام هذا القسم‏

اى ما هو طريق محض: اذ من جملة احكام القطع الطريقى المحض قيام الأمارة و بعض الاصول مقامه و يستفاد ذلك من دليل اعتبار الامارة من دون احتياج الى دليل آخر حيث ان مفاد دليل الاعتبار تنزيل مؤدى الامارة منزلة الواقع فى الآثار المرتبة عليه شرعا و المفروض ان فى القطع الطريقى كان الاثر لنفس الواقع و قد عرفت ان اثره هو منجزيته للواقع على تقدير المصادفة و كونه‏

41

عذرا على تقدير المخالفة فاذا قام الدليل على حجية شي‏ء كان ما قام عليه بمنزلة الواقع و لا ريب فى ان ما هو بمنزلة الواقع كالقطع بالواقع فى كونه عذرا عند الخطاء و منجزا عند الاصابة و هذا هو الوجه فى ترتب آثاره عليها بادلة حجيتها و هذا مما لا ريب فيه.

كما لا ريب فى عدم قيامها بمجرّد ذلك الدّليل مقام ما اخذ فى الموضوع على نحو الصّفتيّة من تلك الاقسام.

حاصله انه لا اشكال فى عدم قيامها مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الصفتية لعدم ترتب الاثر على الواقع من حيث هو بل عليه مع خصوصية كذائية و بالامارة لا تثبت الخصوصية و بعبارة اخرى تنزيل الظن منزلة القطع المأخوذ على نحو الصفتية من قبيل تنزيل المباين حيث ان مفاد ادلة حجية الامارات انما اقتضت كون الطريق و الامارة منزلة القطع فى الحجية و الطريقية الى الواقع بمعنى الغاء احتمال الخلاف و تنزيل مؤداها منزلة الواقع و ترتيب ما للواقع المكشوف من الآثار على المؤدى و ليس الامر كذلك فى القطع الموضوعى على نحو الصفتية اذ المفروض ان الاثر الشرعى مترتب على المقطوع بما هو مقطوع لا للواقع فلا معنى لكون هذا القطع منجزا للواقع حتى يقوم مقامه الظن المعتبر فى ترتيب الآثار.

بل لا بدّ من دليل آخر على التّنزيل فان قضيّة الحجّية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجّة من الآثار لا له بما هو صفة و موضوع ضرورة انّه كذلك يكون كسائر الموضوعات و الصّفات.

42

حاصله ان مقتضى دليل الحجية و الاعتبار ليس إلّا مجرد ترتيب ما للقطع بما هو حجة و طريق من الآثار الذى ذكرناه من كونه موجبا للتنجز عند الاصابة و كونه عذرا عند الخطاء لا ترتيب ما للقطع بما هو صفة خاصة و موضوع لحكم لما عرفت من ان معنى قيام الامارة مقام القطع ثبوت آثار القطع على الامارة بدليل حجيتها مقامه و اذا لم يكن دليل حجية الامارة متكفلا لترتيب آثار القطع على الامارة كيف تكون قائمة مقامه اذ لا يستفاد من الدليل كصدق العادل او الغ احتمال الخلاف مثلا الا تنزيل الامارة منزلة القطع بما انه ملحوظ طريقا الى متعلقه و جعل مؤداها منزلة الواقع و كان القطع من هذه الجهة كسائر الموضوعات و الصفات فلا بد من دليل آخر دال على تنزيلها منزلته.

و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدّليل مقام ما اخذ فى الموضوع على نحو الكشف‏

اى و مما ذكرنا من ان دليل الحجية لم يكن متكفلا لترتيب آثار القطع على الامارة حيث ان غاية ما يستفاد من الدليل هو تنزيل الامارة منزلة القطع بما انه ملحوظ طريقا الى متعلقه الراجع الى جعل مؤداها منزلة الواقع لا غيره انقدح عدم قيام الامارات بدليل حجيتها مقام ما اخذ فى الموضوع تاما او قيدا او جزءا على نحو الكشف ايضا بيان ذلك ان انكشاف العلم اذا كان جزءا للموضوع كان معناه ان للواقع من حيث هوله آثار و من حيث كونه منكشفا له آثار ايضا فاذا قطع يكون شي‏ء مبغوضا للمولى فاثره من حيث الانكشاف وجوب الاحتراز عنه و من حيث هو اثره عدم وجوب الاجتناب عنه بل يجب اتيانه لو انكشف انه كان واجبا فدليل الاعتبار اما ان ينزل الامارة مقام نفس العلم او ينزل‏

43

مؤداها منزلة المعلوم فلازم الاول ترتيب آثار المعلوم على المؤدى كما ان لازم الثانى ترتيب آثار العلم على نفس الامارة او ينزل الامارة و مؤداها منزلة العلم و المعلوم و معناه ترتيب آثار العلم و المعلوم على الامارة و مؤداها اما الاول و الثانى خلاف المقصود لان المقصود ترتيب العلم و المعلوم على الامارة و مؤداها.

و اما الثالث فان كان الدليل على التنزيل متعددا بان ينزل احدهما نفس الامارة مقام العلم و الثانى مؤداها منزلة الواقع المعلوم فلا اشكال فى قيام الامارات منزلة هذا العلم كما لا اشكال ايضا اذا كان بين كلا الاثرين قدر مشترك و مفهوم جامع فيكفى (ح) تنزيل واحد فى كليهما و كذا اذا كان دليل التنزيل حاكيا عن التنزيل الذى وقع قبل هذا الدليل و (ح) فيمكن ان يكون دليل واحد كاشفا و مجزئا عن التنزيلين.

و اما اذا لم يكن الامر كذلك كما هو المفروض حيث ان الدليل ليس إلّا شي‏ء واحد و هو قوله صدق العادل او الغ احتمال الخلاف و ليس حاكيا عن التنزيل المسبوق إذ به ينشأ التنزيل و ليس ايضا جامع مفهوم بينهما لان آثار احدهما لا دخل بآثار الآخر فحينئذ لا يمكن ان يكون الدليل الواحد متكفلا لكلا التنزيلين.

توضيحه انه لا بد فى التنزيل من اللحاظ و لحاظ المنزل و المنزل عليه و ما هو مصحح التنزيل من الآثار و من المعلوم ان فى تنزيل الامارة بما هى حاكية الراجع فى الحقيقة الى تنزيل المؤدى منزلة الواقع كان لحاظ المتعلق بالمنزل و هو الامارة و المنزل عليه و هو القطع لحاظا آليّا و فى تنزيل الامارة منزلة نفس القطع كان لحاظ المتعلق بهما

44

لحاظا استقلاليا.

و لا يتصور لحاظ خارجى جامع بين اللحاظين الا مفهوم اللحاظ و هو لا ينفعنا فاذا كان انشاء الجعل واحدا كما هو المفروض و هو قوله مثلا صدق العادل فليس فيه إلّا لحاظ واحد و الواحد لا يصير اثنين فلا بد من القول بان دليل التنزيل لا يتكفل إلّا تنزيل واحد و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع لانه القدر المتيقن من جعل الامارة و اما تنزيل الامارة منزلة القطع فى الموضوع فلا.

نعم لو كان فى الواقع تنزيلان اخبر الشارع عنهما بلفظ يشملهما او بقرينة يعين ذلك مثل مقدمات الحكمة فلا بأس به لكن المفروض ان دليل الاعتبار ليس فى مقام الاخبار بل فى مقام الانشاء و ليس لنا دليل آخر غيره ليحكى عن التنزيلين.

فان قلت سلمنا ان دليل الاعتبار كان ناظرا الى تنزيل واحد إلّا انه يدل على تنزيل المؤدى منزلة المعلوم فيدل على ان الخمر أعم من ان يكون خمرا واقعا او خمرا اخبر به العادل فاذا ثبت هذا الجزء بالامارة ثبت جزئه الآخر و هو كونه معلوما بالوجدان حيث انه بعد العلم بحجية الامارة و انها حجة شرعا نقطع بان هذا خمر واقعا و اما خمريته فلقيام الامارة عليه و اما كونه معلوما فمن جهة العلم بحجية الامارة و هذا نظير استصحاب الكرية حيث انه بعد الشك فى كرية الماء المسبوق بالكرية نستصحب كرية الماء فنحرز احدا جزائه و هو الكرية بالاستصحاب و جزئه الآخر و هو ماء كر بالوجدان فيترتب عليه الكرية من الطهارة و غيرها.

45

قلت هذا مغالطة محضة لانه فرق بين العلم بالخمرية و العلم بحجية الامارة التى دلت على الخمرية و الموضوع فى ما نحن فيه هو الاول و معلوم ان العلم بحجية الامارة لا يصير هذا الموضوع معلوم الخمرية بعد ان فرضنا عدم تنزيل الامارة منزلة العلم.

فالتحقيق فى الجواب ان يقال ان الشارع اذا قال نزلت مؤدى الامارة منزلة المعلوم كان لازمه قهرا تنزيل الامارة ايضا منزلة العلم و إلّا يقع تنزيله لغوا حيث انه لا اثر فى تنزيل المؤدى من دون تنزيل نفس الامارة و ليس هذا من جهة اللحاظين بل من جهة لحاظ واحد و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع إلّا ان تنزيله من دون تنزيل نفس الامارة لما يقع لغوا فلا بد من تنزيل الامارة ايضا مقام العلم.

و بالجملة ان الامارة لا تقوم مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الطريقية و الكشف بعين الوجه المتقدم فى قيامها مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الصفتية من انه يتوقف على ان يكون دليل حجية الامارة متعرضا لتنزيلها منزلة القطع ملحوظا فى نفسه.

و قد بينا لك مفصلا ان دليل الحجية ليس كذلك بل لا يتعرض الا لقيامها مقام القطع بما انه ملحوظ طريقا الى الواقع فيكون التنزيل راجعا فى الحقيقة الى تنزيل مؤداها منزلة الواقع فقط لانه القدر المتيقن من دليل التنزيل و هو اجنبى عن اقتضاء ترتيب آثار نفس القطع و بهذا اشار بقوله.

فانّ القطع المأخوذ بهذا النّحو فى الموضوع شرعا كسائر ما لها دخل فى الموضوعات ايضا فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرّد حجّيّته او قيام دليل على اعتباره‏

46

ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله فى الموضوع كدخله‏

فتخلص مما ذكرنا عدم قيام الطرق و الامارات بمجرد قيام الدليل على حجيتها و اعتبارها مقام القطع الموضوعى مطلقا سواء كان مأخوذا بما هو كاشف او بما هو صفة ما لم يرد دليل آخر على التنزيل لان مقتضى دليل الحجية و الاعتبار ليس إلّا تنزيل الامارة منزلة القطع بما انه ملحوظ طريقا الى متعلقه الراجع الى جعل مؤداها منزلة الواقع و ليس متكفلا لترتيب آثار نفس القطع على الامارة و ان كان ظاهر كلام شيخنا الانصارى قيام الامارة و بعض الاصول مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الانكشاف و اشار المصنف الى فساده بقوله.

و توهّم كفاية دليل الاعتبار الدّالّ على الغاء احتمال خلافه و جعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان او موضوعا فاسد جدّا

ظاهر كلام شيخنا الانصارى (قدس سره) قيامهما مقامه بمجرد دليل اعتبارهما بمعنى انه كما يستفاد من نفس دليل الاعتبار قيامهما مقام القطع الطريقى الصرف كذلك يستفاد منه قيامهما مقام هذا القطع يعنى القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الانكشاف ايضا قال اعلى اللّه مقامه ما لفظه ثم من خواص القطع الذى هو طريق الى الواقع قيام الأمارات الشرعية و الاصول العملية مقامه فى العمل بخلاف المأخوذ فى الحكم على وجه الموضوعية فانه تابع لدليل ذلك الحكم.

47

و ان ظهر منه او من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع كالامثلة المتقدمة قامت الامارات و الاصول مقامه و ان ظهر من دليل الحكم اعتبار صفة القطع فى الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره كما اذا فرضنا ان الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه فى حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية و الاوليين من الرباعية فان غيره كالظن باحد الطرفين او اصالة عدم الزائد لا يقوم مقامه إلّا بدليل خاص خارجى غير ادلة حجية مطلق الظن فى الصلاة و اصالة عدم الاكثر انتهى كلامه رفع مقامه.

غاية ما يمكن ان يقال فى تقريب ذلك ان مفاد تنزيل الامارة و جعلها مقام ما للقطع هو مدخليته فى ترتب الاثر عليه إلّا ان كيفية الدخل يختلف ففى العلم الطريقى دخله باعتبار انه طريق الى الواقع و ان كان الاثر لنفس الواقع و فى المأخوذ فى الموضوع باعتبار انه تمام الموضوع او جزئه فدليل الاعتبار متكفل لتنزيل الامارة منزلة نفس القطع مما لهما من الآثار هذا و لكن انت خبير بما فيه من الاشكال و قد اشار اليه بقوله.

فانّ الدّليل الدّال على الغاء الاحتمال لا يكاد يكفى الّا باحد التنزيلين حيث لا بدّ فى كلّ تنزيل منهما

من لحاظ المنزل و المنزل عليه و لحاظهما فى احدهما آليّ و فى الآخر استقلاليّ بداهة انّ النّظر فى حجيّته و تنزيله منزلة القطع فى طريقيّته فى الحقيقة الى الواقع و مؤدّى الطّريق و فى كونه بمنزلته فى دخله فى الموضوع الى انفسهما و لا يكاد يمكن الجمع بينهما

48

يعنى دليل التنزيل لا يكاد يكفى إلا بأحد التنزيلين اما تنزيل المؤدى منزلة الواقع فحينئذ يقتضى ملاحظتهما مرآة لمتعلقهما او تنزيل الامارة منزلة نفس القطع فحينئذ يقتضى ملاحظتهما مستقلا حيث ان التنزيل لا بد فيه من لحاظ المنزل و المنزل عليه و ما هو مصحح التنزيل من الآثار.

و من المعلوم ان فى تنزيل الامارة بما هى حاكية الراجع فى الحقيقة الى تنزيل المؤدى منزلة الواقع كان لحاظ المتعلق بالمنزل و هو الامارة و المنزل. عليه و هو القطع لحاظا آليّا و فى تنزيل الامارة منزلة نفس القطع كان لحاظ المتعلق بهما لحاظا استقلاليا و لا يمكن الجمع بينهما الآلي و الاستقلالى.

نعم لو كان فى البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن ان يكون دليلا على التنزيلين و المفروض انّه ليس‏

لما عرفت آنفا من عدم تصور لحاظ خارجى جامع بين اللحاظين الا مفهوم اللحاظ و هو لا ينفعنا.

فلا يكون دليلا على التّنزيل الّا بذاك اللّحاظ الآلي فيكون حجّة موجبة لتنجز متعلّقة و صحّة العقوبة على مخالفته فى صورتى اصابته و خطائه بناء على استحقاق المتجرّى او بذلك اللّحاظ الآخر الاستقلالى فيكون مثله فى دخله فى الموضوع و ترتيب ما له عليه من الحكم الشّرعى‏

حاصله بعد الفراق عن عدم امكان الجمع بين اللحاظين فى دليل‏

49

واحد مثل صدق العادل او الغ احتمال الخلاف مثلا لما فيه من الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالى فلا محالة يكون دليل التنزيل دليلا على احد التنزيلين و هو تنزيل الامارة منزلة القطع بما هو ملحوظ طريقا الى الواقع و كاشفا عنه لا فى موضوعيته للحكم الخاص.

لا يقال على هذا لا يكون دليلا على احد التّنزيلين ما لم يكن هناك قرينة فى البين.

حاصله انه لو كان دليل التنزيل غير صالح للحمل على كل واحد من التنزيلين لمحظور الجمع بين اللحاظين فلا يكون دليلا على احدهما المعين ما لم يكن قرينة فى البين لا جماله.

فانّه يقال لا اشكال فى كونه دليلا على حجيّته فانّ ظهوره فى انّه بحسب اللحاظ الآليّ ممّا لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و انّما يحتاج تنزيله بحسب اللّحاظ الآخر الاستقلالى من نصب دلالة عليه.

حاصله انه لا اشكال فى حمل دليل التنزيل على ذاك اللحاظ الآلي يعنى تنزيل الامارة منزلة القطع فى طريقيته للواقع و فى هذا التنزيل يكون كل من المنزل و المنزل عليه ملحوظا على وجه الالية و ذلك لظهور دليل التنزيل فى اللحاظ الآلي و لانه القدر المتيقن من جعل الامارة فلا وجه فيما عدا ذلك و هو تنزيله بحسب اللحاظ الاستقلالى إلّا بالقرينة

فتامّل فى المقام فانّه دقيق و مزال الاقدام للأعلام و لا يخفى انّه لو لا ذلك لا مكن ان يقوم الطّريق بدليل واحد دالّ على الغاء احتمال خلافه مقام‏

50

القطع بتمام اقسامه و لو فيما اخذ فى الموضوع على نحو الصّفتيّة كان تمامه او قيده و به قوامه‏

اى و لو لا لزوم اجتماع اللحاظين لا مكن ان يقوم الطريق بدليل واحد مثل صدق العادل او الغ احتمال الخلاف مقام القطع المأخوذ فى الموضوع بتمام اقسامه و لا فرق فى ذلك.

بين ما اخذ فى الموضوع على نحو الانكشاف و الطريقية و بين ما اخذ فى الموضوع على نحو الصفتية كان القطع تمام الموضوع او قيده او جزئه.

فتلخّص بما ذكرنا انّ الامارة لا تقوم بدليل اعتبارها الّا مقام ما ليس ماخوذا فى الموضوع اصلا

و هو الطريقى الصرف و يستفاد ذلك من نفس دليل الامارة من دون احتياج الى دليل آخر حيث ان مفاد دليل الاعتبار تنزيل مؤدى الامارة منزلة الواقع فى الآثار المترتبة عليه شرعا و المفروض ان فى القطع الطريقى كان الاثر لنفس الواقع و هذا الاشكال فيه.

و امّا الاصول فلا معنى لقيامها مقامه بادلّتها ايضا غير الاستصحاب لوضوح انّ المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الاحكام من تنجّز التكليف و غيره كما مرّت اليه الاشارة و هى ليست الّا وظائف مقرّرة للجاهل فى مقام العمل شرعا او عقلا