نهاية النهاية في شرح الكفاية - ج1

- الشيخ علي الإيرواني المزيد...
319 /
1

-

2

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين (و بعد) فهذا ما سنح بالخاطر و جادت به الفاكرة من المباني الأصولية أبان تدريسها على ما نضدها شيخنا الأستاذ الأعظم ملاذ المجتهدين و آية اللّه في العالمين المولى محمد كاظم الخراسانيّ (قده) علقتها على كتابه كفاية الأصول الّذي أصبح اليوم منتجع العلم و محور الدراسة فجاء ما استفدناه من دروسه العالية مشفوعا بما خطر بالبال حول أبحاثه فعسى ان تكون تبصرة لغيري كما انها تذكرة لي و ان تعود ذخراً ليوم فاقتي‏

[أما المقدمة ففي بيان أمور]

في موضوع العلم‏

قوله (قده) انّ موضوع كل علم‏

(1) اعلم انه لا وجه لتقييد موضوع العلم بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة كما هو المعروف عند أهل الفن (و ذلك) لأن موضوع العلم انما هو الأمر الجامع المنتزع من جزئيات موضوعات مسائله أعني بها القضايا الجزئية المبحوث عنها في العلم (و من الواضح) عدم اختصاص موضوعها بما يكون المحمول فيها عرضا ذاتيا له لإمكان كونه من العوارض الغريبة إذا تعلق غرض المدون في مثل هذه القضايا بالبحث عن حيثية لحوقها لذي الواسطة و لم يمكن تصوير الجامع بين الواسطة و سائر موضوعات المسائل ليكون هو الموضوع للعلم كي يترتب عليه كون جميع المحمولات من العوارض الذاتيّة (فاتضح) انه لا يختص البحث في العلوم بالبحث عن العوارض الذاتيّة للموضوع (و ان كان) لتوهم إرجاع البحث في مثل تلك القضايا إلى البحث عن الوسائط (وجه) فيما إذا أمكن تصوير الجامع بينها و بين سائر الموضوعات التي تكون محمولاتها عوارض ذاتية لها (و ملخص الكلام) ان البحث في القضايا التي تكون محمولاتها عوارض غريبة بحث عن العوارض الغريبة حقيقة إذا كان غرض المدون متعلقا بالبحث عن حيثية لحوقها لذي الواسطة

قوله جمعها اشتركها

(2) بل المدار في وحدة العلم مع تشتت مسائله‏

3

على اعتبار المعتبر و لحاظه المجموع امراً واحدا فيقتطع المقنن للفن طائفة من القضايا و الأبحاث لقيام غرضه الشخصي بمجموعها فيجعلها علما واحدا (فالوحدة) أذن تكون اعتبارية كوحدة العشرة (و اما) وحدة الغرض فهي المصححة لذلك الاعتبار (و عليه) فللمقنن ان يعتبر مجموع علمين علماً واحداً (أو) يعتبر العلم الواحد علمين فيما إذا كان هناك غرضان يقوم كل منهما بشطر من ذلك العلم مع فرض اندراجهما تحت غرض واحد عام (و لو لا) حديث الاعتبار لم ينضبط الأمر بما ذكره (قده) من جعل المعيار وحدة الغرض فان كل باب من أبواب علم واحد يلزم ان يكون بمقتضى هذا الضابط علما واحداً لاشتراك قضاياه في تحصيل الغرض من تدوين ذلك الباب (بيان ذلك) ان كل باب من كل علم يشتمل على مسائل تشترك في ترتب غرض واحد عليها (كما انه) يشترك مع باب آخر في ترتب غرض واحد جامع على كل منهما (و كذا الحال) في مسائل بعض العلوم بالإضافة إلى مسائل علم اخر (فان هناك) غرضا واحدا مترتبا على مسائل علم دون آخر (كما ان) هناك غرضا جامعا يترتب على مسائل كل من العلمين (مثلا) حفظ اللسان عن الخطأ في المقال غرض مترتب على خصوص مسائل علم النحو (كما ان) صيانة الفكر عن الخطاء غرض مترتب على خصوص علم المنطق (فالحفظ) عن الخطاء بنحو الإطلاق غرض جامع بينهما (فان كان) الاعتبار في وحدة العلم بالأغراض الجزئية (فاللازم) جعل كل باب علما على حدة (و ان كان) الاعتبار فيه بالغرض الجامع الكلي (فاللازم) جعل علمي النحو و المنطق مثلا علما واحدا (بل لازم) ذلك جعل جميع العلوم واحدا (لأن) كمال النّفس غرض جامع بين جميع أغراض العلوم (فجعل) الاعتبار بالأغراض المتوسطة بين الأغراض المترتبة على الأبواب و الغرض الكلي المترتب على مسائل علمين بل أكثر (بلا موجب و مرجح) فلا مناص من الالتزام بما ذكرناه من كون ملاك الوحدة هو اعتبار المعتبر الناشئ عن غرضه الشخصي‏

قوله لا يكاد يصح لذلك‏

(1) يريد بذلك ان مجرد تعدد الغرض لا يصحح تدوين علمين (و انما) المدعى ان امتياز كل علمين لا بد من ان يكون بتعدد الغرض (لا انه) كلما تعدد الغرض صح تدوين علمين (و يرد عليه) ان محل الكلام في المقام في تعيين ما به يمتاز كل علم عن علم اخر (فلو كان) الملاك في ذلك هو تعدد الغرض فقط كما في المتن (كان) اللازم صحة تدوين علمين في مفروض‏

4

الكلام (كما انه) لو كان هناك ملاك اخر (كان) اللازم ذكره أيضا و الحق عندي ان امتياز العلوم بامتياز الموضوع أو المحمول أو كليهما لأن العلم عبارة عن طائفة من القضايا و معلوم ان امتياز قضيتين اما بالموضوع أو بالمحمول أو بكليهما و مع اتحاد الطرفين كانت القضية واحدة لا تعدد فيها (و عليه) فجملة من المسائل المترتب عليها غرضان تكون علما واحداً لا علمين (نعم) يجوز ان يكون مسألة واحدة أو أكثر من مسائل علمين و حينئذ يكون امتياز هما بامتياز الموضوع أو المحمول أو كليهما في بقية مسائلهما (فصح ان يقال) ان امتياز العلمين بامتياز الموضوع أو المحمول اما مطلقا أو في بعض مسائلهما فيما إذا كان ذلك البعض مقدارا معتدا به (و اما) إذا كان ذلك البعض قليلا جدا (كان) تدوين علمين لغواً أو عبثا بل لا بد حينئذ من تدوين علم واحد يبحث فيه عن المسائل المترتب عليها الغرض المشترك و المختص‏

قوله و قد انقدح بما ذكرنا

(1) بل انقدح من جواب الإشكال المتقدم عكس ذلك و ان المعيار في تمايز العلوم ليس مجرد تعدد الغرض و من الواضح انه ليس غير الغرض شيئا اخر يصلح للميز أو الدخل فيه إلا اختلاف الموضوع أو المحمول أو كليهما (و اما ما ذكره قده) في بيان ضابط المسائل فذلك أجنبي عن مقام امتياز العلوم المتعددة و راجع إلى بيان ضابط وحدة علم واحد مع تكثر مسائله و تباينها و لا ملازمة بين الأمرين ليكون وحدة المتشتتات بوحدة الغرض مستلزمة لتعدد العلم بتعدده (هذا) مع ما عرفت من فساد هذا الضابط هناك (و اما) ما أفاده (قده) من حسن تدوين علمين مع اشتراك مسائلهما في جملة من القضايا (فهو) لا يكون جزافا بل يكشف ذلك عن تحقق ضابط التعدد فيه و عليه فالضابط شي‏ء اخر وراء تعدد الغرض فلذلك حسن هناك تدوين علمين و لم يحسن فيما اشتركت القضايا بأجمعها أو بأكثرها

قوله لا الموضوعات،

(2) ينبغي ان يريد بالمنفي الجامع الصوري الموجود بين موضوعات المسائل الّذي حسبه القدماء موضوعا لا الجامع الّذي التزم (قده) به من جهة كشف وحدة الغرض عنه و ان لم يكن له اسم مخصوص إذ لا يمكنه نفى التمايز بذلك الجامع بعد كشف وحدة الغرض عن وحدة محصله في رتبة سابقة عليه و إذا لم يمكنه نفى دخل الموضوع في التمايز على مبناه لا يمكنه حصر التمايز به أيضا (و وجهه) ان تلك الوحدة السابقة رتبة اما ان يكون بالموضوع أو بالمحمول أو بكليهما فلا ينحصر الميز بالموضوع‏

5

بعد فرض لا بدية الالتزام به على مبناه‏

قوله كما لا يكون وحدتهما

(1) بل وحدتهما سبب لأن يكون من الواحد كما هو المصرح به في جواب الإشكال المتقدم‏

قوله لو كان المراد

(2) الظاهر ان المراد بالسنة ليس ذوات هذه الأمور بما هي هي ليكون لفظ السنة مساوقا للفظ القول و الفعل و التقرير بل المراد بها هي تلك الذوات بما هي حاكيات عن الأحكام الشرعية و القوانين الإلهية أو نفس المحكيات بها ليكون إطلاقها على الحاكي من باب التوسع كتوصيف الحاكي بالكلية و الجزئية باعتبار المعنى فالبحث عن عوارضها بما هي هي أعني البحث عن حكايتها و ظهورها كمباحث الألفاظ التي هي عمدة مباحث الأصول لا يكون بحثا عن عوارض السنة و لو فرض كون السنة المبحوث عنها هي نفس قول المعصوم و فعله و تقريره‏

قوله ليس بحثا عن عوارضه‏

(3) حتى لو عممنا العوارض المبحوث عنها إلى العوارض في مقام التعقل فان الوجود الخارجي الّذي يقع البحث عنه ليس عارضا للماهية لا عروضا خارجيا و لا عروضا عقليا و العروض العقلي مختص بالوجود العقلي و البحث ليس فيه‏

قوله يكون مفاد كان الناقصة

(4) بل لا يكون إلا مفاد كان التامة لأنه بحث عن ثبوت الحكم و ثبوت التعبد و التنزيل و لكن لا يعتبر في العلوم وقوع البحث عن مفاد كان الناقصة بل عن العوارض و لو على سبيل مفاد كان التامة كالبحث عن ثبوت قيام زيد في علم كان موضوعه زيد (و لكن الإشكال) هو ان الحكم ليس من عوارض الخبر و انما هو إرادة قائمة بنفس المولى (و لو سلم كونه من عوارض غير النّفس (فهو) من عوارض فعل المكلف و عمله المطابق للخبر لا عوارض الخبر الا على مسلك المصنف (قده) في جعل الأمارات من انه جعل الحجية لا إنشاء الحكم (لكن ذلك) خلاف ما فسر به الثبوت التعبدي هنا (نعم) لو ارجع البحث في الثبوت التعبدي إلى البحث عن ثبوت خصوصية تكوينية في قول العادل تدعو و تحرك المولى إلى الحكم بالعمل على طبقه (كان) البحث بحثا عن العوارض (و مما ذكرنا) يظهر النّظر في قوله (قده) بل الخبر الحاكي و قوله (قده) و اما إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها إلى اخر ما أفاده فتدبر

قوله لا يخص الأدلة

(5) بل لا يمس الأدلة لما عرفت ان البحث عن الظهور ليس بحثا عن أحوال السنة لأن الظهور من عوارض ذات الأدلة و الكواشف (و السنة) عبارة عنها بما هي كواشف ان لم تكن عبارة عن نفس المستكشفات (و مع الإغماض) عن ذلك فعدم الاختصاص لا ينافى كون‏

6

البحث بحثا عن العوارض الذاتيّة بالمعنى الّذي فسرت به العوارض الذاتيّة أعني به ما كان بلا واسطة في العروض لشمول ذلك للعارض لأمر أعم يتحد مع الموضوع‏

قوله و يؤيد ذلك‏

(1) يعنى عدم كون محل البحث في تلك المباحث أحوال خصوص الأدلة بل ما يعم غيرها و ان كان الغرض معرفة خصوص أحوالها إذا كان الغرض هو الاستنباط (و وجه التأييد) في هذا التعريف هو عموم لفظ القواعد الواقع فيه و شموله لكل ما كان محصلا لهذا الغرض من غير اختصاص بما كان من أحوال خصوص الأدلة (و لكن) يمكن ان يقال ان الدخيل في ترتب هذا الغرض أعني به الاستنباط ليس الا معرفة أحوال الأدلة فالباحث بهذا الغرض ليس له ان يبحث إلا عما يحصل غرضه دون ان يتخطى عنه بتعميم عنوان بحثه إلى مالا دخل له في حصول غرضه (و يحتمل) ان يكون المشار إليه بذلك هو ما تقدم في صدر الكلام من كون موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله دون خصوص الأدلة الأربعة و وجه التأييد هو ما ذكرناه بعينه‏

قوله و ان كان الأولى تعريفه‏

(2) و ذلك ان الأصول ليس هو العلم بمعنى الإدراك بل العلم بمعنى الصناعة و الفن و القواعد المدونة المرتبة بترتيب خاص و طرز مخصوص (و اما) العلم بتلك القواعد فهو علم بالأصول لا انه بنفسه هو الأصول (نعم) يرد على تعريف المصنف (قده) ان ترك قيد الممهدة يوجب دخول جميع العلوم المتوقف عليها الاستنباط في الأصول كما ان إضافة ما ينتهى إليه المجتهد في مقام العمل يوجب دخول جميع القواعد الفقهية بل الأحكام الفرعية الجزئية فيه (الا ان) يقيد ذلك بما ينتهى إليه بعد اليأس عن الظفر بالوظيفة الشرعية فلا يشمل حينئذ ما يؤخذ من الشارع و عليه فتخرج الأصول العملية الشرعية أيضا و لا يبقى تحت القيد الا الأصول العملية العقلية و الظن على الحكومة

مبحث الوضع‏

قوله الوضع هو نحو اختصاص‏

(3) أقول دلالة اللفظ على المعنى هل هي ذاتية قديمة أم جعلية حادثة اما بجعل من اللّه تعالى أو بجعل من غيره فيه أقوال (و الحق) انها ذاتية و جعلية جميعا يعنى ان أصل الدلالة و الإشارة باللفظ إلى المعنى ذاتية و كون هذه الإشارة إلى معنى خاص من بين سائر المعاني جعلية وضعية فاصل‏

7

ثبوت صفة الدلالة للفظ ليست بالجعل و انما المجعول دلالته على المعنى الخاصّ (بيانه) ان الإشارة باللفظ إلى نوع لفظه و كذلك إلى صنفه و مثله إشارة و دلالة ذاتية و ليست بجعل جاعل و اعتبار معتبر و لذلك تكون هي موجودة في المهملات أيضا (ثم) العلة الموجبة لصرف دلالة اللفظ إلى معنى خاص من بين سائر المعاني انما هو التنزيل و ادعاء العينية و الهوهوية بين لفظ خاص متخصص بمادته و هيئته و بين ذلك المعنى و بعد هذا التنزيل يصبح اللفظ آلة إشارة إلى المعنى يشار به إليه كما كان من قبل يشار به إلى نفس اللفظ و هذا التنزيل و الادعاء يسمى بالوضع و لا معنى للوضع سواه كما انه لا يترتب الغرض من الوضع و هو فتح باب الدلالة الا عليه (و أنت) لا تستغرب هذا الادعاء فان الادعاء باب واسع و هي محور علم البيان و هي خفيفة المئونة هينة الأمر فمع ترتب غرض عليها لا سيما مثل هذا الغرض المهم كانت معتبرة عند العقلاء (و ممن) أطال الكلام في بيان حقيقة الوضع و نسج نسجا معجبا و مع ذلك لم يأت بشي‏ء ينتج الأثر المقصود من وضع الألفاظ هو المحقق النحرير الملا علي النهاوندي (قدس سره) فانه ذهب إلى ان الوضع هو التعهد و البناء بعدم ذكر اللفظ إلا عند إرادة تفهيم المعنى و أوضحه بما لا مزيد عليه (قال) بعد مقدمات ذكرها ما حاصله ان الغرض من الوضع بالبداهة هو حصول التفهيم و التفهيم و ذلك إلجاء إلى الوضع حيث انه أسهل طرق التفهيم و التفهم إلى ان قال و ما ذكرناه من الواضحات و انما هو توطئة لبيان حقيقة الوضع و هي ليست الا تعهد الواضع لغيره بان لا يتكلم باللفظ الفلاني إلا عند إرادة تفهيم المعنى الفلاني إلى ان قال فلنا مقامان الأول ان الغرض من الوضع و ثمرته يترتب على التعهد المذكور (و بيانه) ان غير الواضع إذا علم منه ذلك التعهد ينكشف لهذا الغير عند تلفظ الواضع باللفظ المخصوص انه أراد تفهيم معناه لأن التعهد المذكور سبب لعدم انفكاك اللفظ عن إرادة تفهيم المعنى و هو عين الملازمة بين اللفظ و الإرادة المذكورة و لا ريب في دلالة أحد المتلازمين على صاحبه فالتعهد المذكور سبب لتحقق الملازمة و وجود أحد المتلازمين و العلم به سبب للعلم بالاخر إلى اخر ما ذكره (و على ما أفاده) (قده) يكون معنى جملة زيد قائم إرادات ثلث إرادة إحضار صورة زيد و إرادة إحضار صورة قائم و إرادة إحضار صورة النسبة و هو بمعزل عن مفاد تلك الجملة لأن المستفاد منها هو ثبوت القيام لزيد و عليه فلا يترتب الغرض من الوضع على ما ذكره (قده)

8

من التعهد فتدبر

قوله ناش من تخصيصه به تارة

(1) الانفعال لا ينشأ من الفعل فان حقيقتهما واحدة و التفاوت بالاعتبار و الوضع أبدا هو التخصيص و دعوى العينية و الهوهوية بين اللفظ و المعنى و ليس مما يحصل قهرا و يتعين قسرا بسبب كثرة الاستعمال من غير قصد التعيين بل كثرة الاستعمال كاشفة عن تعيين المستعمل اللفظ بإزاء المعنى ككشف قول وضعت عنه بل ربما يكون استعمال واحد كاشفا عن ذلك و سيأتي بيانه في مبحث الحقيقة الشرعية فدعوى التعين القهري بعد ان كان الوضع من مقولة التنزيل و الادعاء غير معقولة (اللهم) الا ان يفسر الوضع بغير ما ذكرناه و بغير التعهد ليكون امرا خارجيا يعقل فيه التحصل القهري و لكنا لم نتعقله و لم نتصور لأنس اللفظ بالمعنى و علقته معه معنى متحصلا (و الحاصل) ان الاستعمال و ان بلغ ما بلغ لا يؤثر بوجوده الخارجي في حصول التعين و الوضع القهري ما لم يكشف عن جعل المستعمل و التزامه‏

قوله و لأفراده و مصاديقه أخرى‏

(2) قد عرفت ان الوضع امر نفساني و تنزيل بين امرين فيحتاج إلى حضور طرفيه في النّفس فما وجد في النّفس من المعنى صح ان يكون طرفا لذلك التنزيل و ما لم يوجد لم يصح (و عليه) فالوضع و الموضوع له يتوافقان في العموم و الخصوص و لا يختلفان أبداً فقوله (قده) و لافراده ان أراد به مفهوم الفرد فذاك أيضا عنوان عام متصور و ان أراد به مصداقه اتجه عليه انه كيف يعقل تعلق الوضع الّذي هو ضرب من الحكم بما لم يتصور

قوله و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجه‏

(3) ان أراد أن الوضع يكون لهذا الوجه المعروف فالموضوع له يكون عاما كالوضع و ان إراداته لذي الوجه الّذي هو غير معروف أعني به ذوات المصاديق فالوضع لغير المعروف عندنا غير معروف و لا فرق بين غير المعروف بالنحو المزبور و غير المعروف رأسا بعد فرض توجه الوضع إلى الجهة غير المعروفة (و بالجملة) ما لا يدخل تحت التصور لا يدخل تحت الوضع فأقسام الوضع لا تتجاوز الاثنين كما حكى عن القدماء.

في معاني الحروف‏

قوله توهّم انه وضع الحروف‏

(4) ينبغي قبل الدخول في محل البحث التنبيه على أمور (الأول) ان الروابط و النسب الخارجية التي ليس بحذائها شي‏ء في الخارج و لا وجود

9

لها الا بوجود طرفيها كالرابطة التي بين السير و البصرة و كالتي بينه و بين الكوفة في قولنا سرت من البصرة إلى الكوفة و كالتي بين زيد و السطح في قولنا زيد على السطح و بينه و بين المسجد في قولنا زيد في المسجد إلى غير ذلك من أطوار الروابط و أنحاء العلائق (قد توجد) في النّفس تبعا لوجود الأطراف كطور وجودها في الخارج و ذلك كما إذا توجهت النّفس إلى الأطراف بما لها من الربط الخاصّ و العلاقة المخصوصة كتصور زيد على شكله المخصوص من كونه في الدار أو كونه على السطح فان الظرفية في الأول و الربط الاستعلائي في الثاني موجودان في النّفس لكن لا على وجه الالتفات التفصيلي من النّفس إليهما بل تبعا للالتفات إلى الأطراف على شكلها الخاصّ و ربطها المخصوص (و قد توجد) في النّفس استقلالا على خلاف طورها في الخارج و ذلك كما إذا توجهت النّفس توجها استقلاليا إلى نفس تلك الرابطة و تصورت نفس تلك العلاقة (لا أقول) تتجرد العلاقة عن المتعلق في أفق النّفس فان تصور تلك العلائق التي هي أطوار المتعلقات بدون تصور المتعلقات غير معقول (بل أقول) التوجه بالاستقلال هنا يكون إلى الروابط ابتداءً و التوجه إلى المتعلقات يكون بالتبع و بما هي قيد الروابط على عكس السابق (الثاني) ان هذه الروابط انما تتصف بالجزئية و الكلية بتبع جزئية متعلقاتها أو كليتها و لا تتصف بشي‏ء منهما في حد ذاتها فالربط المتصور بين زيد و الدار المشخصة في الخارج شخص من الظرفية لا يصدق على غيره من الروابط الظرفية و الربط المتصور بين الإنسان و الدار الكليين كلي قابل للصدق على الروابط الخاصة أعني بها اشخاص الروابط الكائنة بين كل فرد من افراد الإنسان و فرد من افراد الدار (الثالث) ان الروابط كما تكون جزئية بتبع جزئية المتعلقات الخاصة الخارجية كما في المثال المتقدم كذلك تكون جزئية بتبع جزئية المتعلقات الذهنية من غير فرق في ذلك بين لحاظها تبعا كما إذا لوحظ زيد و السطح الشخصي على الهيئة الخاصة الاستعلائية أو لوحظ الإنسان و السطح كذلك و بين لحاظها استقلالا كما إذا لو حظت الظرفية التي ذكرنا ان لحاظها لا ينفك عن ظرفية شي‏ء لشي‏ء فان هذه الظرفية المتصورة جزئية ما لم يجرد بتحليل من العقل عن شخص وجودها الخاصّ و ان كانت هي في عين تجريدها محلاة بذلك الوجود الجزئي الخاصّ الحاصل في الأطراف المخصوصة و الصور النفسانيّة الملحوظة كالإنسان و الدار فيما إذا لو حظت ظرفية الدار للإنسان فان هذه الظرفية

10

المتصورة أعني بها الظرفية المتصورة بين الإنسان و الدار الملحوظين جزئيّ من جزئيات مفهوم الظرفية و كل منهما و منها باعتبار شخص تصوره جزئيّ حقيقي لا يصدق الا على شخص نفسه فلو أردت ان تصف هذه الظرفية بالكلية فلا بد لك من تجريد الطرفين عن شخص وجودهما النفسانيّ كما لا بد لك من تجريد الظرفية المتصورة عن شخص تصورها الفعلي و تصفها (ح) بالكلية فتكون عبارة عن كلي ظرفية الدار للإنسان القابلة للصدق على آحادها القائمة كل منها بفرد من افراد الدار و فرد من افراد الإنسان (الرابع) ان الملحوظ باللحاظ التبعي الفنائي الّذي يكون غير ملتفت إليه باستقلاله و حاصلا في الذهن بتبع حصول ما هو ملحوظ بالاستقلال لا يكون مورداً للوضع و لا مورداً للاستعمال (و ذلك) لأن الوضع و الاستعمال ضربان للحكم و لا يتوجه الحكم من النّفس إلى ما لم تتوجه إليه النّفس توجها تاما استقلاليا فان التوجه التبعي بما انه في حكم عدم التوجه لا يصحح الوضع و لا الاستعمال لا لشخص نفسه المتصور بما هو كذلك و لا لذات المتصور الملغى عنها شخص هذا التصور (إذا عرفت ما ذكرناه فنقول) التحقيق ان الحروف لا وضع لها أصلا و انما الوضع للهيئات التركيبية الدالة على أنحاء الروابط الخاصة (و توضيح ذلك) انه إذا كان للحروف وضع فاما ان تكون موضوعة بإزاء مفاهيم النسب المستقلة في اللحاظ أو تكون موضوعة بإزاء الروابط الخاصة بما هي روابط غير المستقلة في اللحاظ و كل منهما لا يجدى في تفهيم المراد من الكلام (مضافا) إلى ان الثاني غير معقول في نفسه (بيان ذلك) ان الوضع ان تعلق بمفاهيم النسب المستقلة باللحاظ لم يتم بذلك الكلام بل احتاج إلى رابط يربطه (مضافا) إلى ان المفهوم الّذي لا ربط له في ذاته لا يعقل ان يرتبط و انما المرتبط مرتبط من أول يومه و أخذ الربط في متن ذاته باشتمال مفهومه على ذات و نسبة فكان معناه معنى جمليا و لو بالانحلال و ان تعلق بالروابط بما هي روابط لزم ذلك أيضا لأن المفاهيم المتعددة إذا انضمت و تراكمت لم يتحصل منها المعنى الجملي بل كان هناك مفاهيم متعددة متباينة فالوضع بإزاء المواد الثلاثة البسيطة لا يكاد يجدى في تحصل الغرض من الوضع و لا تتألف منها الجملة (هذا مضافا) إلى ما عرفت من ان الروابط بما هي كذلك غير قابلة للحكم عليها و بما ان الوضع ضرب من الحكم لا يعقل تعلق الوضع بها و عليه فلا بد في إفادة المعاني الجملية من تعلق الأوضاع بمفاهيم هي ذوات ربط في نفسها ليكون الربط مأخوذا في بطن أنفسها فان المعنى الجملي هو كذلك بمعنى‏

11

انه مفهوم بسيط ينحل إلى أمور متعددة من جملتها الربط فلم يكن حينئذ بد من إنكار الوضع للحروف و الالتزام بالوضع للمركبات وضعا نوعيا غير الوضع المتعلق بموادها (و ظني) ان حسبان الوضع للحروف ناشئ مما يرى من حصول الاختلاف في المعنى باختلافها فيظن استناد ذلك إلى معنى الحروف غفلة عن ان ذلك غير معقول و مع ذلك فهو غير مجد و عن ان الاختلاف المذكور ناشئ من اختلاف أوضاع المركبات بهيئاتها المتولدة من تخلل الحروف بلا وضع متعلق برقاب الحروف و لعل هذا معنى قوله (عليه السلام) و الحرف ما أوجد معنى في غيره يعنى أوجد معنى في متعلقاته بإيجاده هيئة خاصة فيها كان لها بتلك الهيئات وضع يخصها و بما ذكرناه يظهر بطلان القول بجزئية المعاني الحرفية سواء أريد بها الجزئية الخارجية أم الجزئية الذهنية (إذا عرفت ما حققناه) فلنعطف الكلام إلى النسب الخبرية و مفاد الجمل التامة سواء أفيدت بهيئة الكلام كما في زيد قائم أم بالأدوات و الحروف كما في زيد في الدار (فنقول) ان الجمل التامة حاكية عن ثبوت النسبة و لا ثبوتها في اية وعاء كانت من ذهن أو خارج أو نفس امر و هذه الحكاية لا تكون الا بتنزيل هيئة الجملة منزلة وجود النسبة أولا وجودها فتكون هيئة زيد قائم عبارة عن ثبوت القيام لزيد في الخارج فحمل قائم على زيد هو عين صدور القيام من زيد في الخارج ادعاء فكأنما قام زيد و من أجل ذلك تحكى هذه الجملة عن ذلك و لا تحكى جملة قيام زيد عن ثبوت القيام لزيد مع وضعها أيضا للذات المنتسب و السر في ذلك ان هذه للذات المنتسب خارجا و تلك للمفهوم المقيد بمفهوم اخر الّذي هو مفهوم ثالث‏

قوله حيث انه لا يكاد

(1) هذا تعليل لكونه جزئيا ذهنيا و حاصل ذلك انه بعد ان بطل احتمال الجزئية الخارجية تعين كونه جزئيا ذهنيا إذ لا يحتمل وضعه بإزاء مفاهيم الروابط الموجودة في الذهن على وجه الاستقلال و الا لم يكن المعنى حرفيا موجودا في الغير و من خصوصياته القائمة به فلا بد من الاحتفاظ به و ذلك يلازم الجزئية اما خارجا أو ذهنا فإذا بطل الأول تعين الثاني‏

قوله فلا بد من لحاظ اخر متعلق‏

(2) لا محذور في ذلك بل لا بد من هذا اللحاظ فان اللحاظ الآلي لا يكاد يصح معه الاستعمال كما لا يصح معه الوضع لما عرفت من ان الوضع و الاستعمال نحوان من أنحاء الحكم و لا يكون ذلك مع عدم التوجه الاستقلالي نحو الموضوع و مجرد وجود الموضوع في النّفس بأي نحو كان لا يصحح الحكم كما هو واضح فالمستعمل أو الواضع‏

12

لا بد له بعد لحاظ الشي‏ء بنحو الربط و الآلية من لحاظه على سبيل الاستقلال ليصح منه الوضع و الاستعمال (و مع الغض) عن ذلك نقول ان المصنف (قده) يلزمه هذا المحذور أيضا إذ لا فرق في الاحتياج إلى لحاظ اخر بين كون اللحاظ الأول داخلا في الموضوع له أو في المستعمل فيه و بين كونه شرطا للاستعمال كما اختاره المصنف (قده) فكما لا بد من لحاظ المستعمل فيه كذلك لا بد من لحاظ شرط الاستعمال و التصديق بتحققه ليصح منه الاستعمال (هذا) مع ان دعوى احتياج الاستعمال إلى لحاظ اخر غير اللحاظ المأخوذ في الموضوع له في حيز المنع فان لزوم لحاظ المعنى عند استعمال اللفظ فيه انما يتم فيما إذا كان المعنى من قبيل الأمور الخارجية تحتاج النّفس في الحكم عليه إلى إحضار صورته في النّفس (و اما) إذا كان المعنى من سنخ اللحاظ و حاضرا بنفسه في الذهن بلا وساطة امر اخر فلا حاجة في الحكم عليه إلى إحضار صورته في النّفس زائداً على حضوره فيه بنفسه إذا يستغنى بذلك الحضور عن إحضاره ثانياً و هذا كما في العلم بالعلم فان العلم حاضر للنفس بنفسه لا بحضور

قوله لامتناع صدق الكلي العقلي‏

(1) ليس كل مالا موطن له الا العقل كمفهوم العلم و الإرادة و كذا كل ما قيد باللحاظ من المفاهيم كليا عقليا فان الكلي العقلي انما هو المفهوم بوصف الكلية الّذي لا موطن له الا العقل و هو مع ذلك جزئيّ ذهني فكل كلي عقلي جزئيّ ذهني و لا عكس فان زيدا الذهني أعني الصورة الشخصية الحاصلة منه في الذهن جزئيّ ذهني و ليس كليا عقليا و كذلك المعاني الحرفية إذا قيل بوضعها لجزئيات الصور الذهنية و اشخاص الروابط الحاصلة في النّفس بتبع تصور المتعلقات جزئيات ذهنية لا كليات عقلية (نعم) لا تصدق على كثيرين بعين ملاك عدم صدق الكلي العقلي و لعل المراد من العبارة أيضا ذلك أي يمتنع صدق المعنى الحرفي على الخارج بعين وجه امتناع صدق الكلي العقلي عليه لكنه بعيد إذ لا يكون حينئذ وجه للحوالة إلى وجه امتناع صدق الكلي العقلي مع انه صرح في باب المشتق بخلاف ذلك و ان المعنى الحرفي بناء على جزئيته كلي عقلي‏

قوله الا كلحاظه في نفسه في الأسماء

(2) المراد من الأسماء الأسماء المؤدية لمعان الحروف كلفظ الابتداء و الانتهاء و الظرفية كما هو صريح عبارته الآتية و عليه نقول ان من يعتبر اللحاظ الآلي في الحروف يعتبر اللحاظ الاستقلالي في الأسماء كي تقابلها و لا يصح استعمال إحداهما مكان الأخرى فانه لو التزم بكون الأسماء موضوعة للقدر المشترك في كلا اللحاظين لكان‏

13

اللازم صحة استعمال الأسماء مكان الحروف و ان لم يصح العكس (و اما دعوى) ان التزامه بعدم صحة الاستعمال لعله من جهة اعتباره اللحاظ الاستقلالي في صحة الاستعمال دون الموضوع له (فهي مدفوعة) بان هذا الاعتبار انما أبدعه المصنف (قده) و لم يسبقه إليه غيره (هذا) مع انه لا وجه للتفكيك بين الأسماء و الحروف بالالتزام بأخذ اللحاظ الآلي في الموضوع له في الحروف و أخذه اللحاظ الاستقلالي معتبرا في صحة الاستعمال دون الموضوع له في الأسماء مع اتحاد الملاك فيهما

قوله قلت الفرق بينهما

(1) هذه الدعوى مع بعدها في نفسها قد عرفت انها لا تسلم عن إشكال تعدد اللحاظ إذ كما يلزم لحاظ المستعمل فيه كذلك يلزم لحاظ شرط الاستعمال و التصديق بتحققه ليصح الاستعمال (مع ما عرفت) من ان اللحاظ الآلي لا يصح معه الاستعمال بل لا بد فيه من اللحاظ الاستقلالي كما لا بد من ذلك في كل حكم (مضافا) إلى ان شأن الواضع هو الوضع و اما ما خرج عن حد الوضع فهو ليس من وظيفته الا ان يرجع إلى تضييق دائرة الموضوع له لكن المفروض عدم ذلك و ان الموضوع له على سعته قد منع الواضع عن استعمال اللفظ فيه في حال دون حال‏

قوله ثم لا يبعد ان يكون الاختلاف‏

(2) الإنشاء لغة هو الإيجاد و إطلاقه في المقام بماله من المعنى لغة (توضيح ذلك) ان التكلم و التلفظ إنشاء و إيجاد للصوت أولا و بالذات و إنشاء لعنوان الاخبار و الحكاية عن المعنى ثانيا و بالعرض باعتبار تعلق الوضع من الواضع بتلك الأصوات الخاصة و تعيينها بإزاء معان خاصة و إنشاء في المرتبة الثالثة لكل عنوان من عناوين إظهار ما في الضمير و منطبق على إبراز ما في مكنون الخاطر كان ذلك بالقول أو بسائر الدوال كعناوين العقود و الإيقاعات و عنوان الطلب و النداء و الاستفهام إلى غير ذلك فان مواد هذه العناوين و ان كانت إرادات قائمة بأنفس المتكلمين لكن عناوينها و فعلياتها تلحق إظهارات تلك الإرادات بداعي إنفاذها و إنجازها فعنوان الاستفهام مثلا هو إظهار إرادة الفهم من المخاطب لغرض حصول مقصوده فإذا قال المتكلم انا مريد لفهم هذا المطلب منك لغرض ان يفهمه المخاطب فقد إنشاء الاستفهام إذا نشاء و أظهر إرادته بذلك و قد وضع لذلك أدوات خاصة من الهمزة و هل و غيرهما و كذلك الطلب فان إظهار إرادة الفعل للغير بداعي تحريكه نحو الفعل هو بعينه عبارة عن الطلب فإنشاء الإظهار المذكور أنشأ للطلب سواءً كان ذلك بجملة أريد منك الفعل الكذائي أم بصيغة الطلب و كذلك عنوان البيع‏

14

مثلا عبارة عن إظهار ان المتكلم مريد لمبادلة مال بمال لغرض ان ينجز إرادته بأخذ المخاطب للمبيع و دفعه للبدل و ليست الإرادة بوجودها النفسانيّ المكنون في الضمير بيعاً و لا طلباً و لا استفهاماً بل هي مادة للبيع و الطلب و الاستفهام و لولاها لم يكن إظهارها بيعا حقيقيا و لا طلبا جد يا و لا استفهاما واقعياً بل صورة بيع و طلب و استفهام فعناوين البيع و الطلب و الاستفهام تلحق إظهار إراداتها بداعي تنفيذ تلك الإرادات فلا الإرادات المجردة عن الإظهار مصاديق لهذه العناوين و لا الإظهارات الخالية عن الواقع مصاديق لها فما لم يكن المريد للمبادلة في مقام تنفيذ إرادته بإظهارها لأجل تنجيزها لم يكن بائعاً و موجداً للبيع و انما يكون موجداً أو منشئا له بقوله انى أريد المبادلة إذا كان ذلك لغرض إنفاذ إرادته التي أخبر بها لا لمجرد الاعلام بوجودها و لأجل هذا الغرض يكون إظهاره بيعا لا خبراً عن تحقق البيع (هذا) حقيقة البيع و يتضح بذلك حقيقة سائر العناوين الإنشائية من العقود و الإيقاعات و غيرها فان كلها من واد واحد (و اما) صيغة بعت التي ينشأ بها البيع فانها تنبئ عن تلك الإرادة على طريق الكناية بإنبائه عن تحقق البيع الخارجي فان كل فعل اختياري يكشف بطريق الآن عن تحقق إرادته فيكون اللفظ المنبأ عن البيع الفعلي منبئاً عن إرادته ثانياً و بالعرض فيطلق لغرض هذا الإنباء لأجل ان يكون بنفسه بيعا لا لغرض الإنباء عن وقوع بيع خارجي آخر و انما عبر عن تحقق الإرادة بهذا التعبير و لم يعبر بمثل أريد المبادلة من جهة ان كشف هذا عن تحقق الإرادة يكون بطريق أبلغ و الإرادة المستكشفة به أقوى من المستكشفة بعبارة أريد لأن التعبير عن تحقق الإرادة بتحقق الفعل المراد يكشف عن شدة تأكد الإرادة حتى عبر عنها بوقوع الفعل المراد فعليته كما قد يعبر عن المضارع بصورة الماضي فالمدلول المطابقي لقول بعت هو البيع و إذا صدر بداعي الحكاية عن تحقق إرادة المبادلة تنجيزا لها كان بنفسه مصداقا للبيع لما عرفت من ان البيع عبارة عن نفس إظهار الإرادة الخاصة بداعي تمشية تلك الإرادة فمدلول الصيغة يكون مصداقا للمفهوم الكلي المستفاد من مادتها (و من هنا) نشأ توهم من عرف الإنشاء بأنه قصد تحقق المدلول و إيجاده باللفظ إذ رأى ان اللفظ هاهنا بيع و مدلوله أيضا مفهوم البيع فزعم ان حقيقة الإنشاء تكون بذلك و لم يتنبه إلى ان ذلك من باب الاتفاق و من باب اختلاط حيثيتين في أنشأ المعاملات و الاشتمال على‏

15

جهتين جهة أنشأ البيع الّذي سمعت انه يكون بالإعلام يتحقق إرادة المبادلة لغرض تنجيزها و هذه الجهة موجودة في قول القائل أريد المبادلة أيضا وجهة التعبير عن تلك الإرادة بالتعبير عن فعلية المراد لنكتة التنبيه على كمال تأكدها و هذه الجهة أجنبية عن جهة الإنشاء فان قوام الإنشاء بالجهة الأولى و هذه الضميمة لا تضر و لا تنفع فلا ينبغي خلطها بحيثية الإنشاء (مع) ان دعوى ان الإنشاء هو قصد تحقق المعنى مجرد قول و لقلقة لسان لم أتحصل معناه فليس الإنشاء كما سمعت الا بمعنى الإيجاد و لا ينشأ بالقول وراء نفس الصوت و القول الا الإعلان بالإرادة و كذلك كل عنوان هو عنوان للإعلان المذكور مثل عنوان الأمر و النداء و البيع إلى غير ذلك من العناوين (فقد تحقق) مما ذكرنا ان استعمال الجمل الاخبارية في مقام الإنشاء (تارة) يكون من قبيل الكنايات كما في صيغ العقود و الإيقاعات و عليه فلا تحمل الجملة على الإنشاء الا مع القرينة الصارفة عن الحمل على الاخبار كما لا يصار إلى كل كناية ما دام الحمل على المعنى الصريح ميسورا و ان كان المستعمل فيه في الصورتين واحدا (و تارة) يكون من قبيل الصريح لكن داعي الاستعمال فيه غير داعيه في صورة الاخبار كما في قول (أريد) لغرض تحريك الغير نحو إتيان المراد فيكون ح طلبا و امرا و إنشاءً فيما كان غرضه من الاعلام بالإرادة تنفيذ إرادته لا مجرد الاخبار بتحقق إرادته لغرض من الأغراض غير غرض تنفيذ إرادته و الظاهر ان الجملة مع ذلك لا تحمل على الإنشاء ما دام الحمل على الاخبار ممكنا (ثم) ان عبارة المصنف (قده) هذه ناظرة إلى بيان الفرق بين الإنشاء و الاخبار في الصيغ المشتركة التي تستعمل في كلا المقامين (و اما) الصيغ المختصة بالإنشاء كصيغة افعل فليس فيها جهة مشتركة بين الإنشاء و الاخبار ليبحث عن الجهة المائزة لهما فهي بتمام مدلولها ممتازة عن الاخبار و أجنبية عنه (و لتحقيق) الحال في بيان مداليل الصيغ الإنشائية كصيغة الأمر و سائر أدوات الإنشاء مقام اخر

قوله ليستعمل في حكاية ثبوته‏

(1) ليت شعري إذا لم تكن الجملة بنفسها حاكية عن الثبوت كيف يتأتى قصد الحكاية بها عنه فلا محيص عن ان تكون الحكاية مدلولا للجملة و لو بكشف هيئتها عن ثبوت النسبة الخارجية أولا ثبوتها كما تقدم تحقيق ذلك (نعم) هذه الحكاية قد تكون مقصودة بالذات و قد يكون المقصود بالذات إفادة ملزوم ثبوت النسبة أولا ثبوتها و هو تحقق الإرادة من المتكلم لذلك الثبوت أو اللاثبوت‏

16

لغرض إنفاذ ما يريده فإذا كان كذلك سميت الجملة بالإنشاء فوضع اللفظ و الموضوع له و المستعمل فيه و شرط الاستعمال في الاخبار و الإنشاء امر واحد و إطلاق الجملة الخبرية في مقام الإنشاء ليس مجازا بل هو من قبيل الكنايات و من باب إطلاق اللفظ لغرض الانتقال إلى ملزومه و ليس ذلك تجوزا في الكلمة و لا في النسبة و ان كان لا بد فيه من عناية تحتاج معها إلى القرينة

قوله وضعت ليشار بها

(1) ان أراد الإشارة بلفظها إلى معناها فجميع الألفاظ وضعت ليشار بها إلى معانيها فأي امتياز لها عن سائر ما عداها و ان أراد انها وضعت لتستعمل مقرونة بالإشارة الحسية مطلقاً إياها على محل الإشارة الحسية الّذي هو جزئيّ حقيقي (فبعد) وضوح بطلانه بعدم اعتبار اقتران استعمالها بالإشارة الحسية فانها تستعمل للإشارة إلى معان ذهنية غير قابلة للإشارة إليها حساً (يتجه عليه) ان اعتبار إطلاقها على محل الإشارة الحسية هو بعينه معنى وضعها له ان أريد إطلاقها عليه بعنوانه الخاصّ و ان أريد إطلاقها عليه بما هو مصداق لمعناها (ففيه) انه مع إمكان الوضع نفس المصداق ابتداءً يكون الوضع لمفهوم عام مع المنع عن استعماله فيه إلا حيث يطلق على الفرد لغواً و عبثا (ثم) ان التأمل في مفهوم الإشارة لعله بنفسه يرشد إلى جزئية معاني أسماء الإشارة (فان الظاهر) ان مفهوم الإشارة و ما هو مفاد هذه العبارة أعني لفظ (الإشارة) عبارة عن التسبب إلى إحضار صورة معنى على وجه التفصيل في ذهن الغير بإحضار إجمال من ذلك المعنى وجهة من جهاته الموجبة للالتفات إلى تفصيله (و بعبارة أخرى) صرف النّفس إلى جانب المقصود من غير ذكره بل بذكر امر و حيثية من حيثيات المقصود لغرض ان تنتقل النّفس بنفسها إليه فلفظ هذا مثلا و كذلك الإشارة الحسية الخارجية انما يسمى إشارة لأجل انه يوجب ابتداءً توجه النّفس و التفاتها إلى محل الإشارة فحينئذ يرى هنا لك صورة المقصود و صورة المعنى المشار إليه على وجه التفصيل فمحل الإشارة و مركزها جهة من جهات المعنى المشار إليه فإذا صرفت أبصارنا بسبب أداة الإشارة تلقاء المشار إليه و إلى جانب مركزه نرى المشار إليه هنا لك بصورته التفصيلية فتدرك النّفس ذلك التفصيل من غير توسيط عبارته و سماع لفظه الموضوع بإزائه فاسم الإشارة هو الاسم الّذي عينه الواضع لغرض صرف نفس المخاطب إلى جانب معنى يراد حصول صورة ذلك المعنى بتوجهه إليه فحيثما يطلق يعلم إجمالا ان هنا لك في الخارج أو في الذهن امراً

17

أراد المتكلم توجيه مخاطبه إليه فبمجرد ان التفت إلى جانب الخارج أو الذهن تحصل صورة ذلك الخارج في ذهنه و يحصل بذلك ما هو المقصود للمتكلم (إذا عرفت) ذلك ظهر لك ان مورد الإشارة و محل توجيه النّفس إليه لا بد أن يكون جزئيا خارجيا أو ذهنيا ليتعقل صرف حواس الغير إلى جانبه و توجيهها شطره لغرض الإحاطة بتفصيله فان ذلك لا يكون في معنى كلي بل المعاني الكلية إجمالية كانت أو تفصيلية ان حصلت في الذهن بتوسيط ألفاظها حصلت بأنفسها من نفس اللفظ بلا واسطة أخرى و من غير جذب اللفظ للنفس إلى معان اخر و إلى جهات ذلك المعنى الكلي لتنتقل بنفسها إلى ذلك الكلي (و ذلك) ان الكلي لا يدرك بالحواس الظاهرة ليعقل التوسل إلى تحصيله في نفس الغير بصرف حواسه إلى جانب ذلك ليدركه بحواسه و بالمباشرة هذا ما اختلج بالبال عاجلا و اما الإحاطة بحقيقة الموضوع له في أسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و ميز بعضها من بعض فتحتاج إلى توسعة في مجال الفكر و صفاء من النّفس أرشدنا اللّه تعالى إلى حقائق الأمور

الاستعمال في المجاز بالطبع أو بالوضع‏

قوله أظهرهما انها بالطبع‏

(1) الذوق و الطبع انما يجولان في ميدان المعاني بإلحاق بعضها ببعض و دعوى العينية بينهما فيدعى ان حقيقة الأسد مثلا حقيقة سيالة يدخل فيها الرّجل الشجاع و المنية و كل ما يشابهها في الجهات و الأوصاف التي يمتاز بها الأسد عن ما عداه و لا يعرج الذوق و الطبع إلى مقام الألفاظ و لا يحكم بحسن استعمال لفظ في معنى قط فانه عين الالتزام بالدلالة الذاتيّة أو ما يقرب من ذلك (و الظاهر) ان المصنف (قده) أراد أن حسن الاستعمال يكون بواسطة الطبع لا ان الطبع هو المقتضى التام له فان الأوضاع الحقيقية و تنزيل الألفاظ منزلة معانيها الأولية تنزيل لها ثانيا و بالعرض منزلة ما هو منزل من المعاني منزلة تلك المعاني الأولية فان المتحد مع ما هو متحد مع الشي‏ء متحد مع ذلك الشي‏ء الاخر ففي الحقيقة يكون المصحح للاستعمالات المجازية هي الأوضاع الحقيقية غاية الأمر انه بضميمة التوسع في المعاني الحقيقية (فصح ان يقال) ان الاستعمالات المجازية تكون بالوضع لكن لا بوضع مستقل‏

18

بل بعين الأوضاع الحقيقية فكما ان نفس معانيها من تنزلات المعاني الأولية كذلك أوضاعها من تنزلات الأوضاع الأولية فكما يصح ادعاء ان الرّجل الشجاع هو السبع الخاصّ جاز ادعاء ان لفظ الأسد موضوع له أيضا (و يمكن) حمل كلام المصنف (قده) على حقيقته بتقريب ان إعطاء آثار المشبه به و أحكامه للمشبه انما يكون باستحسان من الطبع كإثبات الأظفار للمنية و بما ان من جملة تلك الآثار هو لفظ المشبه به يكون إعطاء هذا اللفظ للمشبه باستعماله فيه بحكم الذوق من غير دخل لترخيص الواضع في ذلك بل الاستعمال الحاصل بترخيص و أذن منه خارج عن اللطف.

قوله و باستهجان الاستعمال‏

(1) إذا كان الاستعمال في المعنى المجازي بترخيص الواضع فأي استهجان يلزم في الاستعمال بعد ذلك (نعم) يستلزم ذلك خروج الاستعمالات المجازية عن اللطف و كونها كسائر الاستعمالات الحقيقية و ان كان الوضع فيها طوليا و مختصا بصورة قيام الصارف عن المعنى الحقيقي الأولى‏

استعمال اللفظ في صنفه و نوعه و شخصه‏

قوله كضرب في المثال‏

(2) الصواب ان يقال كزيد في المثال و لعل هذا من غلط الناسخ‏

قوله و قد أشرنا إلى ان صحة الإطلاق.

(3) قد تقدم ان دلالة اللفظ بمعنى الإشارة به إلى نوعه المنطبق عليه دلالة ذاتية أولية و عليه أسسنا بناء الوضع و انه لا تحدث الدلالة بالوضع بل شأن الوضع صرف الدلالة الأولية الذاتيّة عن ناحية نوع اللفظ إلى جانب المعنى و تغيير وجهتها إليه بتنزيل المعنى منزلة اللفظ و ادعاء انه هو هو فيشار به إلى المعنى بعد ذلك التنزيل كما كان يشار به إلى نفس اللفظ قبله فتكون نسبة الاستعمال في المعنى الحقيقي إلى الاستعمال في نوع اللفظ نسبة الاستعمال في المعنى المجازي إلى الاستعمال في المعنى الحقيقي (نعم) التنزيل المسمى بالوضع يكون بلا مناسبة بين اللفظ و المعنى أعني بين المنزل و المنزل عليه لغرض حصول التفهيم و التفهم و اما التنزيل الحاصل بين المعنى المجازي و الحقيقي فهو يكون بإحدى المناسبات التي تسمى بالعلائق (و بالجملة) إطلاق اللفظ على نوعه أساس سائر الإطلاقات و أصلها و منه تتولد سائر الإطلاقات و تتحصل‏

19

الإشارات من دون فرق بين الحقيقية منها و المجازية الا من جهة ان تفرع الأولى بالمباشرة و من دون فصل و الثانية مع الواسطة و الفصل فهي بمنزلة أولاد الأولاد في باب الإنتاج و التناسل كما ان المجاز المنسبك من المجاز ان سوغناه يبعد بمرتبة أخرى و هكذا حتى ينتهى الأمر إلى مرتبة لا يحسن التعدي عنها و لا يستحسن فتكون ح عقيمة منقطعة النتيجة

قوله و الا كانت المهملات موضوعة

(1) لا محذور في الالتزام بوضعها و توصيفها بالإهمال انما هو بلحاظ المعاني الخارجية في مقابل الألفاظ الموضوعة فالعمدة دعوى القطع بعدم وضعها كذلك كعدم وضع المستعملات فذكر خصوص المهملات مغالطة صورية

قوله أو تركب القضية من جزءين‏

(2) القضية الملفوظة في المقام تكون مؤتلفة من جزءين المحمول و النسبة حيث لم يذكر فيها الموضوع بلفظه و انما هو اللفظ بنفسه و اما القضية المعقولة فلم يوجد من اجزائها غير المحمول لعدم تعقل النسبة بين الخارج و الأمر المعقول كما يأتي توضيحه (بل أقول) ان القضية اللفظية أيضا لم يوجد من اجزائها غير المحمول فان النسبة اللفظية الحاكية عن النسبة الخارجية هي النسبة القائمة بين الموضوع اللفظي و المحمول اللفظي دون النسبة القائمة بين نفس الموضوع و لفظ المحمول كما في المقام‏

قوله يمكن ان يقال‏

(3) يقال بل لا يمكن المصير إلى ذلك فان حقيقة الدلالة هي حصول العلم بشي‏ء من العلم بشي‏ء اخر فلا يتحقق الا بحصول علمين و تحصل صورتين نفسانيتين و لا تتحصل الصورتان النفسانيّتان الا بثبوت معلومين فمع وحدة المعلوم يكون العلم واحدا البتة ما لم يتعدد العالم و التعدد الاعتباري لا يجدى في حصول الدلالة و تكثر العلم تكثرا طوليا بحيث يكون أحدهما علة و الاخر معلولا له فهل بعد العلم باللفظ علم اخر به يكون حاصلا من العلم الأول كي يقال ان نفسه دال على نفسه بالاعتبارين فبمجرد تعدد الاعتبار لا يتحقق الدلالة ما لم يتعدد العلم (هذا مضافا) إلى بطلان ما أفاده (قده) من تعدد الاعتبار في المقام و ذلك لعدم اعتبار حيثية صدور اللفظ من اللافظ في كون اللفظ دالا فان الدال هو ذات اللفظ و متنه من غير ملاحظة امر اخر فيه كما لا يعتبر إرادة شخص نفسه في كونه مدلولا فان هذه الحيثية مساوقة لعنوان كونه مدلولا الّذي يتصف به المعنى في مرتبة الدلالة فكيف تكون مأخودة في صقع ذات المدلول السابق على مرتبة حدوث عنوان الدلالة و المدلولية (مع ان) كون اللفظ مرادا أعني به إرادة إحضاره لدى السامع هي حيثية

20

قائمة بالدال دون المدلول فان اللفظ في مقام التكلم يذكر لغرض اسماع المخاطب و إحضاره في نفس المخاطب ابتداءً لينتقل ذهنه من ذلك إلى إرادة المعنى و المفروض انه هاهنا لم يرد هذا الانتقال الأخير بل أريد الأول خاصة فصار اللفظ دالا و مدلولا بحيثية واحدة و هي حيثية كونه مرادا به إحضار صورة شخص نفسه (و بالجملة) لا نعقل معنى لكون اللفظ دالا على شخص نفسه بحيث يكون سماعه الّذي هو حضوره في النّفس بطريق السمع موجبا لإحضار شخص نفسه‏

قوله مع ان حديث تركب القضية من جزءين‏

(1) لا يخفى ان إشكال تركب القضية من جزءين انما هو على هذا التقدير أعني به ما إذا كان المذكور في القضية نفس الموضوع و الحكم عليه دون حاكيه (و وجه الإشكال) ان القضية ح لا تكون لفظية لفرض ان الموضوع لم يذكر فيها بلفظه و حاكيه بل الموضوع هو بنفسه لفظ و لا تكون خارجية لأن كونها خارجية مع عدم كون المحمول و النسبة فيها خارجيين غير معقول فان القضية من أي موطن كانت و في أي محيط تحققت لا بد من ان تكون باجزائها الثلاثة من ذلك الموطن و المحيط و لا يعقل ان تختلف اجزائها من هذه الجهة (توضيح ذلك) ان القضية تتنزل من الخارج إلى العقل و تتنزل من العقل إلى اللفظ فتكون القضية لفظية بعد ان كانت عقلية كما انها تكون عقلية بعد ان كانت خارجية فزيد الخارجي إذا قام في الخارج تحصلت قضية خارجية من موضوعها و محمولها و نسبتها فإذا تنزلت هذه القضية إلى العقل و تصورناها باجزائها الثلاثة تحصلت ح قضية عقلية مستقرة باجزائها الثلاثة في محيط العقل (ثم) ان تكلمنا على طبق هذه القضية و تلفظنا بجملة زيد قائم تحصلت قضية لفظية حاكية عن القضية الخارجية فللقضية مواطن ثلاثة موطن الخارج و موطن العقل و موطن اللفظ و لا نسبة بين بعض اجزاء موطن و بعض اجزاء موطن آخر كي يمكن تأليف قضية مختلفة الأطراف من حيث الموطن فزيد الخارجي يكون قيامه البتة في الخارج دون العقل و اللفظ و كيف يحمل القيام اللفظي على زيد الخارجي أ فهل هناك نسبة بين ذاك الموضوع و هذا المحمول و عليه فلا يعقل تركب القضية من نفس الموضوع الخارجي أعني به زيداً الملفوظ بشخصه في قولنا زيد لفظ و ما يكون حاكيا عن المحمول و النسبة لما عرفت من ان القضية ح لا تكون لفظية و لا خارجية (هذا كله) فيما إذا لم يأت في القضية بما يكون مشيرا و حاكيا عن الموضوع كلفظ هذا و أشباهه (و بالجملة) ان مفاد القضية الّذي هو الحكم بالاتحاد بين شيئين اما وجودا أو ماهية

21

يستدعى اجتماع المتحد و المتحد معه في ظرف الاتحاد و ليس شي‏ء مما هو موجود في أحد المواطن المذكورة متحدا مع شي‏ء اخر مما هو موجود في غير ذلك الموطن لوضوح ان بينهما كمال البينونة و الاختلاف (ثم) انه لو سلمنا ذلك من المصنف (قده) مما شاة فانما نسلمه فيما أريد بلفظ شخص نفسه و اما إذا أريد به نوعه أو صنفه فلا بد فيه من استعمال اللفظ في النوع أو الصنف و ذلك لأن الحكم إذا تعلق بالخارج لا يعقل ان يكون ذلك الحكم متعلقا بنوع ذلك الخارج المنطبق عليه و على غيره و لو بحذف تمام خصوصياته و تشخصاته فان الوجود الشخصي إذا كان ملحوظا في جانب الموضوع سواء كان دخله فيه على نحو القيدية أم على نحو التقيد فلا محالة يكون الحكم مقصورا على ذلك الوجود أو الحصة المتحصلة بذلك الوجود من غير ان يتجاوزه و يتعداه و إلا لزم ان لا يكون الفرد فردا من الكلي بل هو الكلي بحد كليته و إذا لم يكن الوجود الشخصي ملحوظا في جانب الموضوع بأحد النحوين المذكورين لم يعقل تعلق الحكم بما في الخارج و هاتان الكلمتان أعني بهما كون الحكم متوجها إلى الخارج و كون الطبيعة الكلية بما هي كلية لا مهملة التي هي في قوة الجزئية موضوعا للحكم لا يجتمعان فأية واحدة منهما ثبتت انتفت الأخرى فإذا قلت ان الخارج موضوع للحكم نفيت كون الطبيعة الكلية المندرج فيها الخارج موضوعا له و ان قلت ان موضوعه هي الطبيعة الكلية السيالة نفيت كون الخارج موضوعا له و لا بد ح من وجود حاك عن الموضوع أعني به تلك الطبيعة و إذ ليس في القضية إلا مصداق من مصاديقها فلا محيص لك من جعل هذا المصداق حاكيا عن الطبيعة و هذا هو استعمال اللفظ في نوعه و صنفه (نعم) لا نأبى ان يكون الحكم متوجها إلى الخارج لا بما هو هو بل بما هو مصداق للكلي لكن ليس هذا الحكم بعينه حكما متوجها إلى الكلي بل يستفاد منه حكم الكلي باستفادة مناط الحكم و ملاكه من ذلك الحكم الشخصي‏

قوله كما في مثل ضرب فعل ماض‏

(1) المراد من قولنا فعل ماض هو انه في مرحلة الوضع و تعيين الألفاظ بإزاء المعاني موضوع بإزاء المعنى الماضوي لا انه مستعمل في ذلك المعنى فعلا و على ذلك فالحكم المذكور في القضية يعم شخص هذا اللفظ أيضا و ان لم يكن بالفعل مستعملا في المعنى الماضوي فانه داخل تحت الطبيعة الكلية التي عينها الواضع بإزاء المعنى الماضوي و ان لم يكن اللفظ مستعملا

22

فيه بالفعل كما هو الحال بعينه فيما استعمل الفعل الماضي في معنى اخر و لو لا ما ذكرنا لا يتم الاستعمال في النوع و الصنف أيضا لأن النوع أيضا بنوعيته الشامل لهذا الفرد ليس فعلا ماضيا بمعنى ان يكون الاستعمال فيه فعلا بل الفعل الماضي ما عداه من الافراد المستعملة في المضي فلا جرم يكون ذلك من استعمال اللفظ في مثله.

تبعية الدلالة للإرادة و عدمها

قوله لا ريب في كون الألفاظ موضوعة

(1) لا يريد بلفظ المرادة ما أريد إحضار صورته في ذهن المخاطب بل يريد بذلك المعنى المتصور و ان لم أعهد لإطلاق هذا اللفظ عليه وجهاً (ثم) ان في المسألة احتمالات ثلاثة (الأول) ان تكون المعاني الخارجية بما هي خارجية هي التي وضع بإزائها الألفاظ (الثاني) هي المعاني و الصور الذهنية بما هي ذهنية (الثالث) ان تكون معانيها هي ذوات المعاني من دون اعتبار شي‏ء من الأمرين فيها ليكون الموضوع له هو القدر المشترك المنطبق على كل من الخارج و الذهن و هذا هو الّذي اختاره المصنف (قده) و قد أشار إلى بطلان الاحتمال الثاني مضافا إلى الوجهين الذين أشار إليهما في ما تقدم في بطلان كون المعاني الحرفية جزئيات ذهنية من لزوم تعدد اللحاظ في الاستعمال (مع انه) ليس هناك إلا لحاظ واحد و تقدم منا بطلان الاستلزام المزبور فراجع (و اما) ما يدل على بطلان الاحتمال الأول أعني به كون وضع الألفاظ بإزاء المعاني الخارجية فهو ان لازم ذلك انتفاء اسم الجنس و عدم صدق شي‏ء من الألفاظ على كثيرين الأعلى سبيل الاشتراك اللفظي أو الوضع العام و الموضوع له الخاصّ (و أيضا) يلزم ان يكون لفظ زيد مثلا جملة تامة يصح السكوت عليها لأنه بمعنى زيد موجود و يلزم ان يكون الكلام الكاذب غلطا غير مستعمل في المعنى الموضوع له و الكل باطل‏

قوله إلى دلالتها على كونها مرادة

(2) فالمرادة في كلام العلمين تكون بمعناها الظاهر منها أعني المراد إحضارها في ذهن المخاطب لا المرادة بمعنى المتصورة كما في كلام المصنف (قده) (ثم) ان القائل بان الوضع عبارة عن التعهد بعدم ذكر اللفظ الا عند إرادة إحضار صورة المعنى لا محيص له من القول بان الموضوع له للألفاظ هو إرادات المعاني لا ذواتها فتكشف الألفاظ عن تحقق تلك الإرادات بمقتضى الملازمة الجعلية الناشئة عن التعهد

23

(ثم انه) يحتمل ان يكون مراد العلمين ان دلالة الجمل التامة على وقوع النسبة أولا وقوعها تتبع إرادة اللافظ من مفرداتها إحضار صور معانيها بحيث لو لا تلك الإرادة لم تكن هذه الدلالة و الوجه في هذه التبعية واضح فان هيئة الجملة انما تدل على النسبة فيما أريد من مفرداتها من المعاني الحقيقية لها أو المجازية (و يحتمل) ان يكون مرادهما ان دلالة مفردات كلام المتكلم على معانيها تتبع كون المتكلم مريداً للإفهام و في مقام تفهيم المراد فإذا علم هذا الإجمال من حاله دلت تفاصيل ألفاظه على معانيها بالتفصيل فلو لا إرادة تفهيم المعنى كما في اللاغي و الغافل لم يكن للكلام تلك الدلالة التفصيلية

قوله نعم لا يكون ح دلالة بل تكون‏

(1) و لازم ذلك استحالة الكذب لأن الكشف عن تحقق النسبة يتبع تحققها واقعا فإذا لم يكن للنسبة واقع و تحقق لم يكن للفظ دلالة فأين الكذب نعم ذلك من توهم الدلالة (الا ان يقال) ان الكذب حيث يطلق يراد منه هذا المعنى بعينه أعني القول المتوهم منه الدلالة لكن لا مطلق التوهم و الاشتباه بل الّذي يقتضيه ظهور الكلام اما بمقتضى وضعه الأولى أو بانضمام قرائن المقام (لكن يتجه عليه) انه لا وجه لتوهم الدلالة من مجرد وضع اللفظ بل كانت الجهالة مختلطة و مشتبهة بالدلالة فلا تكون دلالة ليكشف عن وجود الإرادة و معه لا تبقى حاجة إلى الدلالة (فدلالة) اللفظ لا ينبغي ان تقاس بالعلم في التبعية للواقع المكشوف (لوضوح) ان دلالة اللفظ الناشئة عن وضعه أو قرائن المقام تجتمع مع القطع بعدم تحقق الواقع المكشوف فضلا عن احتماله و هذا بخلاف العلم.

ثبوت الوضع للمركبات و عدمه‏

قوله و غيرها نوعيا

(2) إحدى كلمتي نوعيا اما هذه أو المذكورة قبلها زائدة (ثم انى) احتمل ان القائل بالوضع للمركبات حيث رأى ان في المركبات التامة دلالة تصديقية لا يقتضيها وضع مفرداتها التجأ إلى الالتزام بالوضع المستقل للمركبات فان غاية ما يقتضيه وضع زيد ثم وضع قائم ثم وضع هيئة زيد قائم عند التركب و الانضمام هو إحضار صورة زيد على هيئة القيام في ذهن المخاطب و اما ان زيداً في الخارج ثابت له القيام فليس ذلك قضية شي‏ء من الأوضاع المتعلقة بمفرداتها إذا ليس شي‏ء من تلك المفردات موضوعا بإزاء

24

المعنى الخارجي لا زيد و لا القائم و لا الهيئة التركيبية بل مفاد الهيئة أيضا نفس النسبة و ذاتها دون النسبة المتحققة في الخارج فإفادة الجملة لتحقق النسبة خارجا لا بد و ان تكون عن وضع متعلق بها غير تلك الأوضاع الثلاثة المتعلقة بموادها (و نحن) قد استرحنا من هذه الشبهة سابقا بالالتزام بان مفاد هيئة الجملة الخبرية ليس هو ذات النسبة بل النسبة الخارجية فيخالف وضعها وضع سائر مواد القضية و عليه فلا حاجة إلى وضع اخر متعلق بالجملة بل نفس وضع المفردات كذلك أعني وضع موادها لذوات المعاني و هيئاتها لنسبها الخارجية يكون كافيا و بالمقصود وافيا

قوله مع استلزامه الدلالة على المعنى‏

(1) تارة هذا إذا تعلق الوضع بالمجموع المركب من غير ان يكون جزء من لفظه واقعا بإزاء جزء المعنى مطابقا لوضعه الأفرادي فتكون حينئذ دلالتان على المعنى دلالة قائمة بالمفردات و أخرى قائمة بالمجموع المركب (اما) إذا كان وضع المركب أيضا على نحو يقع جزء منه بإزاء جزء المعنى الّذي هو له في وضعه الأفرادي فتكون حينئذ دلالة واحدة لكل جزء من اجزاء المركب على كل جزء من اجزاء المعنى التركيبي ناشئة هذه الدلالة عن سببين و منشأين وضعه الاستقلالي و وضعه في ضمن وضع المجموع المركب (هذا) و لكن قد عرفت ان مداليل المركبات معان تصديقية و هي غير مداليل المفردات فلا ضير في تعدد الدلالة مع تعدد المداليل بل يلزم تعددها و لا يتم المقصود بدون ذلك الأعلى ما عرفت من مسلكنا في وضع الهيئات التركيبية.

في علائم الحقيقة

قوله السابع لا يخفى ان تبادر المعنى من اللفظ

(2) التبادر معلول للمعاني الارتكازية الحاصلة في النّفس من مداليل الألفاظ و هذا الارتكاز اما ان يكون ناشئا من الاطلاع على موارد استعمال أهل اللغة كالارتكاز الحاصل لنا من معاني الألفاظ التي تداولها أهل العرف و اما ان يكون ناشئا من ممارسة كلمات الناقلين للغة و من المعلوم ان الكاشف عن الوضع هو التبادر الأول و اما التبادر الأخير فلا يزيد عن منشائه الّذي هو قول أهل اللغة و المفروض عدم اعتباره فكيف يعتبر الكاشف عنه (و مما ذكرنا ظهر) انه ليس كل تبادر معلولا للعلم بالوضع ليكشف عنه كشفا إنيا إذ كثيرا ما يرتكز في الذهن معاني‏

25

متلقاة على جهة التقليد و السماع من النقلة فلا بد في الاتكال على التبادر من إحراز منشائه و لولاه لم يعتد به (و الظاهر) ان منشائه في كثير من الموارد هو الاستعمالات العرفية فيكشف التبادر عن المعنى العرفي و لا بد في إثبات اللغة بذلك من ضميمة أصالة عدم النقل‏

فقوله لا يقال كيف يكون علامة مع توقفه‏

(1) محصل الإشكال هو ان التبادر لو كان معلولا لواقع الوضع يكشف عنه بطريق الآن و من الواضح انه ليس كذلك بل هو معلول للعلم بالوضع فكيف يعقل ان يكون علة للعلم بالوضع (و حلّ ذلك) هو ان في المقام علمين أحدهما علة و هو العلم الارتكازي و يوصف بالإجمالي و الاخر معلول و هو العلم بذلك العلم الأول و الالتفات إليه تفصيلا و حصوله في الحس المشترك المعبر عنه بالبنطاسيا فالموقوف غير الموقوف عليه و توهم الدور نشأ من الاشتراك في الاسم و إطلاق لفظ العلم على كلا العلمين (ثم) ان المراد من كون العلة هو العلم الارتكازي ليس بمعنى انحصار العلة فيه بل بمعنى ان العلة هو الأعم من العلم التفصيلي و الإجمالي الارتكازي فتوجد في ضمن الارتكازي أيضا و به يتخلص عن شبهة الدور

قوله و اما فيما احتمل استناده إلى قرينة

(2) لا يبعد جريان أصالة عدم القرينة في مثل ذلك و ان بناء العرف على حمل لفظ كل لغة على المعنى الّذي يرى إطلاق لفظه عليه من أهل تلك اللغة و لو دفعة واحدة أو فهمهم ذلك عند إطلاقه و لا يعبئون باحتمال ان ذلك من جهة القرينة و هذا معنى اعتبار أصالة عدم القرينة

قوله و التفصيل ان عدم صحة السلب عنه‏

(3) مفاد الحمل الّذي هو الحكم بالاتحاد اما هو الاتحاد في المفهوم أو هو الاتحاد في الوجود أو سلب الاتحاد الأول أو سلب الاتحاد الثاني فهذه أربع صور اثنان منها و هو الحكم بالاتحاد بقسميه ان صحا و لم يصح سلب الاتحاد يكشفان عن الحقيقة و الأخريان و هما سلب الاتحاد بقسميه ان صحا يكشفان عن المجاز لكن إحدى كل من الأمارتين أمارة تامة على الحقيقة أو المجاز و الأخرى من كل منهما أمارة ناقصة و في الجملة (فالتي) هي أمارة الحقيقة بقول مطلق صحة الحمل بالحمل الأولى الذاتي الّذي ملاكه الاتحاد في المفهوم كصحة حمل الإنسان على الحيوان الناطق و عدم صحة سلبه عنه فان ذلك أمارة ان الحيوان الناطق عين معنى الإنسان أو ان استعمال لفظ الإنسان فيه حقيقة أبدا (و التي) هي أمارة لحقيقة في الجملة

26

صحة الحمل بالحمل المتعارف الّذي ملاكه الاتحاد بحسب الوجود فان هذه أمارة كون مورد الحمل من مصاديق الموضوع فيكون إطلاق اللفظ عليه على وجه الحقيقة دون استعماله فيه آخذاً للخصوصيات في المستعمل فيه (و فيه) ان ملاك الحمل في حمل الجنس على النوع كحمل الحيوان على الإنسان ليس هو الاتحاد في الوجود و مع ذلك أماريته كأمارية الحمل الّذي ملاكه الاتحاد في الوجود أعني انه أمارة على الحقيقة في الجملة فتنحصر أمارة الحقيقة المطلقة في الاتحاد المفهومي و كل ما عداه من الحمل فهو أمارة الحقيقة في الجملة هذا حال أمارتي الحقيقة (و اما) أمارتا المجاز فصحة السلب بمعنى نفى الاتحاد المفهومي أمارة المجاز في الجملة حيث انها لا تنافي كون المسلوب عنه من افراد المسلوب و صحة إطلاق المسلوب عليه حقيقة (نعم) يكون استعماله فيه بقيد الخصوصية مجازا بعكس صحة الحمل بهذا الحمل التي كانت أمارة الحقيقة بقول مطلق (و اما) صحة السلب بمعنى عدم الاتحاد وجودا فلازمها عدم الاتحاد مفهوما أيضا فيكون المسلوب عنه أجنبيا محضا عن المعنى الحقيقي لا هو نفسه و لا من مصاديقه فيكون استعمال ما صح سلبه فيه مجازا أبدا عكس صحة الحمل بهذا الحمل التي كانت أمارة الحقيقة في الجملة فالحمل و السلب الذاتي و كذلك الحمل و السلب المتعارف يكونان متعاكسين في أمارية الحقيقة و المجاز من حيث الإطلاق و عدمه‏

قوله لما عرفت في التبادر من التغاير

(1) إشكال الدور لا مدفع له هاهنا و قياسه على التبادر في غير محله فان التبادر ينشأ من العلم الارتكازي فيستدل به على العلم الارتكازي فيحصل حينئذ العلم بذلك العلم الارتكازي و هو معنى العلم التفصيلي الحاصل من التبادر (و اما) صحة الحمل أو صحة السلب فهما امران انتزاعيان من مطابقة الاستعمال لقانون الوضع و مخالفته له و لا بد في مقام الاستدلال من العلم بكل من الصحتين تفصيلا فإذا كانت الصحتان معلومتين تفصيلا فالوضع أو عدمه معلوم تفصيلا فعلى أي شي‏ء يستدل بذلك فيكون العلم بصحة الحمل عين العلم بمطابقة الاستعمال لقانون الوضع و هو عين العلم بالوضع فيلزم توقف العلم بالوضع على العلم بالوضع بلا واسطة و هو أشد فسادا من الدور الّذي هو عبارة عن توقفه عليه مع الواسطة (نعم) محذور الدور الذي بطل الدور من أجله هو هذا (و يمكن) دفع الإشكال بان الحمل و الاتحاد يجري بين المعاني و يكون‏

27

بين معنى و معنى اخر و لا دخل له بعالم الألفاظ و مقام الاستعمال لتكون صحته بمعنى مطابقته لقانون الوضع ليتجه الإشكال المتقدم فصحة الحمل معناها صدق الاتحاد بين ما هو المرتكز في الذهن من معنى المحمول و بين مورد الاستعمال الّذي يراد استعلام حاله و صدقه هو مطابقته للواقع في مقابل كذبه من غير دخل لذلك بقانون الوضع فهذا طريق لاستعلام المرتكز الذهني كما ان التبادر كان طريقا اخر له و المفروض ان المرتكز في الذهن هو المعنى الحقيقي و ان مر الإشكال منا في ذلك‏

قوله ثم انه قد ذكر الاطراد

(1) الظاهر ان المراد من الاطراد هو الاطراد عند أهل اللسان دون المستعلم فانه ان صح عنده الحمل و أذعن بذلك فمن حمل واحد يستنتج المقصود لدخوله تحت عنوان صحة الحمل و لا يحتاج إلى تكرره و ان لم يصح أو لم يدرك صحته فتكرره لا يجديه شيئا (ثم) ان المراد من الاطراد ليس هو الاطراد بحسب الحالات و العوارض الطارية على محل الاستعمال و الا اختص الاطراد بأسماء الذوات و لم يجر في مثل ضارب و قائم لعدم اطراده في غير حال الضرب و القيام و اعتبار الخصوصيات جميعا في مورد الاطراد يوجب توجه إشكال المصنف (قده) بان المجاز أيضا مطرد في موارد العلاقة المجوزة للاستعمال بل المراد هو الاطراد في الهيئات و التراكيب المختلفة الكلامية مع حفظ وحدة المستعمل فيه بذاته و خصوصياته فيصح التعبير عنه بهذا اللفظ في أي تركيب من تراكيب الكلام فان المجاز غير مطرد مع حفظ جميع الخصوصيات في جانب المستعمل فيه كاستعمال لفظ الأسد في الرّجل الشجاع فانه يصح في مثل جاءني أسد و لا يصح في مثل نام أسد و قام أسد و تزوج أسد إلى غير ذلك من التراكيب المستبشع فيها إطلاق لفظ أسد و كذلك يقال أعتق رقبة و لا يقال صاحب رقبة و صافح رقبة و سلم على رقبة فليس مجرد الاشتمال على العلاقة مصححا للاستعمال بل لا بد مع ذلك من رعاية بعض أمور اخر فمجرد اشتمال زيد على أظهر صفات الأسد لا يكون مسوغا لإطلاق لفظ الأسد عليه في أي تركيب فيقال صلى الأسد و صام الأسد بل لا بد ان يكون المقام مقام إظهار شجاعته و لا مناسبة للصلاة مع إظهار الشجاعة و هذا بخلاف الأسد الحقيقي فانه يطلق لفظه عليه في كل حال و لا يعتبر فيه رعاية شي‏ء اخر و كذا لفظ الرقبة فانه يناسب العتق و لا يناسب السلام و الكلام و ذلك ان العنق محل وضع القيد و الحبل و قود الشخص‏

28

به فشبه الاستيلاء المعنوي الحاصل بملك اليمين بذلك الاستيلاء الحسي فنسب لفظ العتق إلى الرقبة فكان الحبل و القيد الموضوع على الرقبة بالعتق قد انحل و أطلق و هذا المناسبة و النكتة منتفية في مثال سلم على رقبة و صافح رقبة و صاحب رقبة.

الأصول الوضعيّة و المرادية

قوله الثامن انه للفظ أحوال خمسة

(1) هذه الأحوال ثلاثة منها راجعة إلى مقام الاستعمال و هي المجاز و التخصيص و الإضمار فإذا شك في إرادة شي‏ء منها مع احتمال إرادة الحقيقة ينفى ذلك بأصالة الحقيقة (و اما) إذا دار الأمر بين بعضها مع بعض اخر مع القطع بان الحقيقة غير مرادة فالضابط في التقديم كون بعضها اقرب إلى المعنى الحقيقي بحسب العلاقة و المناسبة أو كثر استعمال اللفظ فيه حتى صار اللفظ مع القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي ظاهرا فيه و مع انتفاء ذلك يحصل الإجمال و يسقط اللفظ عن الحجية (و اثنان) من هذه الأحوال و هما الاشتراك و النقل يرجعان إلى مقام الوضع فإذا شك ان اللفظ متحد المعنى أو متعدده يحكم بعدم التعدد كما انه إذا شك في حصول النقل يحكم بعدمه فالأصل الّذي يتعين به حال الوضع أعني به أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم النقل أصل وضعي و الأصل الّذي يتعين به حال المراد كأصالة عدم التخصيص و أصالة عدم التقدير و الإضمار و بعبارة جامعة أصالة الحقيقة أصل مرادي و المصنف (قده) قد خلط بين القسمين ثم في مقام بيان الحكم قد أتى بعبارة لا تنطبق الا على الشك في المراد و لا يرتبط الا بثلاث من تلك الحالات.

مبحث الحقيقة الشرعية

قوله التاسع انه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية

(2) لظاهر ان المراد من الحقيقة الشرعية ما تم وضعه في لسان الشارع لا خصوص ما كان هو تمام علته مثل ما كان بتعيين منه أو بتعين ناشئ من استعماله فقط و عليه فيعم ما كان وضعه بمجموع استعماله و استعمال غيره حتى وصل إلى حد الحقيقة في لسانه (ثم) انه لا ثمرة مترتبة على ثبوت خصوص الحقيقة الشرعية و ما ذكر لها من ثمرة أعني به حمل ألفاظ الشارع المتأخر صدورها عن الوضع على المعاني الجديدة مترتب على الأعم من ثبوت الحقيقة الشرعية و من كون الأوضاع من أهل اللغة لمعرفتهم هذا المعاني و نقلهم الألفاظ عن معانيها الأولية

29

و وضعها بإزاء الماهيات المخصوصة و تبعهم الشارع في ذلك (و من) استعمال الشارع للألفاظ في المعاني الجديدة متجوزا بها بقرائن عامة نصبها لأصحابه (و من) استعماله لها في المعاني اللغوية و نصب ما يدل على إرادة الخصوصيات (فينبغي) للباحث تعميم عنوان بحثه بعد ما عرفت من عدم أثر و ثمر مخصوص بالحقيقة الشرعية (هذا مع) ان هذه المسألة غامضة لا سبيل للوقوف عليها و الاطلاع على جوانبها و كيف يدعى التبادر فيها من بينه و بين الشارع مئات من السنين (نعم) من المحاورات الواردة في الاخبار يكاد يحصل القطع بالوصول إلى حد الحقيقة الشرعية في زمان الصادقين (عليهما السلام) لكن ذلك لا يجدى في الألفاظ الصادرة قبل زمانهما (عليهما السلام) فالمتبع قرائن المقام و مع عدمها يحصل الإجمال لعدم إحراز بناء من العقلاء و أهل المحاورات على تأخر النقل بعد تحقق أصله‏

قوله و هو ان الوضع التعييني كما يحصل‏

(1) حقيقة الوضع سواء قلنا انه التعهد أو التنزيل أو غير ذلك عبارة عن فعل نفساني لا قول وضعت و انما هو كاشف عنه و من المعلوم انه لا فرق في الكاشف بين ان يكون قول وضعت أو الاستعمال الواحد أو كثرة الاستعمال فليس شي‏ء من ذلك علة للوضع و لا بنفسه هو الوضع بحيث يكون عنوانه منطبقا عليه كي لا يتحقق الوضع لو لا قول وضعت كبعض العناوين الإنشائية مثل النداء و الاستفهام و شبههما (نعم) يطلق عليه ذلك كإطلاق الطلب على صيغة افعل مع ان حقيقته تلك الإرادة القائمة بالنفس فقول وضعت إنشاء للوضع بالمدلول المطابقي (و اما) الاستعمال الواحد المقصود به الوضع فهو إنشاء له بالمدلول الالتزامي كما ان كثرة الاستعمال كاشفة عنه من غير إنشاء و قد تقدم بعض القول في ذلك عند التكلم في الوضع (ثم) ان الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ منزلا إياه منزلة المعنى و مدعيا انه عينه فهو إنفاذ للوضع و إعمال له و فعلية لما صنعه الواضع (و اما) قصد الحكاية فلا يكون قبل العلم بالوضع فلا يعقل ان يقصد المستعمل المريد للوضع باستعماله الحكاية بنفس اللفظ و كيف يقصد الحكاية بما لا حكاية له (نعم) يمكن قصد حصول الحكاية بعد معرفة الوضع بسبب القرينة المقترنة بالاستعمال الكاشفة عن قصد المستعمل الوضع (و ذلك) لأن قوام الحكاية بمعرفة الوضع سبقت تلك المعرفة على الاستعمال أم لحقت أم اقترنت فكما انه في سائر الاستعمالات تكون الألفاظ دالة بضميمة قول المستعمل ابتداءً وضعت أو سائر ما يدل على الوضع و منه تبعية الواضع‏

30

المستفادة من حال المستعملين باختيارهم لغته في المكالمات كذلك في هذا الاستعمال يدل اللفظ بعد العلم بالوضع بسبب ما اقترن بالاستعمال من القرينة الكاشفة عن الوضع‏

قوله فلا يكون بحقيقة و لا مجاز

(1) قد تقدم ان الوضع عبارة عن الجعل النفسانيّ و هو سابق على الاستعمال لا نفس الاستعمال و لا هو معلول له و عليه فالاستعمال المذكور حقيقة و ان لم يعلم بكونه حقيقة الا بعد الاستعمال لتقدم نفس الوضع الّذي هو ملاك اتصاف الاستعمال بكونه حقيقة و ان تأخر كاشفه عن الاستعمال أو اقترن به‏

قوله و يدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها

(2) ظاهر العبارة و صريح قوله بعد هذا و يؤيد ذلك انه يريد الاستدلال على الوضع التعييني لا مطلق الوضع و عليه فلا بد أن يكون مراده من التبادر التبادر في أوائل استعمالات الشارع و قد عرفت ان دعوى أصل التبادر لا تخلو عن مجازفة فكيف بادعائه في أوائل استعمالات الشارع فانه أشد مجازفة فالأحسن تتميم الدليل بضم ما جعله مؤيدا أعني به عدم العلاقة كي ينتفي به احتمال الوضع التعيني المتوقف على الاستعمال مجازا برهة من الزمان (لكن) المصنف (قده) يرى حصول التعين و أنس اللفظ بالمعنى بدون استعمال اللفظ فيما تعين فيه و لو مجازا بل كان استعمال اللفظ في معناه الأصلي و تعيين الخصوصيات بدال اخر و سيجي‏ء منه في طي بعض المباحث الآتية التصريح به‏

قوله و يؤيد ذلك انه ربما لا يكون‏

(3) هذا انما ينفى احتمال الوضع التعيني فيبقى الأمر مردداً بين الوضع التعييني و مذهب الباقلاني (هذا) مع ان انتفاء العلاقة ممنوع فان طلب التوجه من الغير دعاء فكل الصلاة دعاء و طلب منه تعالى التوجه إلى تسبيحه و تمجيده و تقديسه بل المخاطبة و التكلم دعاء ضمني و طلب من المخاطب التوجه و الالتفات إلى الكلام و من أجل ذلك يتأذى المتكلم لو لم يلتفت المخاطب و يتوجه إلى كلامه (مضافا) إلى انه يمكن دعوى ان استعمال الصلاة عند ابتداء التجوز كان في الدعاء الخاصّ بعلاقة الكلية و الفردية أعني الدعاء الصلاتي و هو الدعاء المتخصص بالخصوصيات الصلاتية من الأقوال و الأفعال على ان يكون التقيد بها مأخوذا في المستعمل فيه لا ان يكون مستعملا في ذوات الأقوال و الأفعال منضمة إلى ما في الصلاة من الدعاء (نعم) لا تبعد دعوى حصول التعدي بعد ذلك و استعماله في المجموع المركب من ذوات الأقوال و الأفعال و ما فيها من الدعاء بعلاقة المشابهة بل على ما نقلناه من المصنف (قده) في الحاشية السابقة تكفي كثرة

31

الاستعمال في الدعاء الخاصّ على سبيل تعدد الدال و المدلول فضلا عن دخل التقيد في المستعمل فيه في حصول التعين في المجموع المركب‏

قوله هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة

(1) حدوث معرفة تلك المعاني غير دخيل في جريان النزاع بل يمكن النزاع حتى مع قدم المعرفة فان معرفة أهل اللغة بها لا يستلزم وضع تلك الألفاظ بإزائها على سبيل الاشتراك مع المعاني الأصلية أو نقلا عن معانيها الأصلية فلعلهم لم يستعملوا تلك الألفاظ فيها بل تبعوا اصطلاح أهالي الشرائع السابقة أو انهم استعملوا تلك الألفاظ فيها مجازا أو كانوا يستعملونها في معانيها و يفهمون الخصوصيات بنصب دوال اخر ثم لما وصلت النوبة إلى صاحب شرعنا حصل الوضع و التعين (و بالجملة) النزاع في ثبوت الحقيقة الشرعية يعم صورتي قدم معرفة المعاني و حدوثها (نعم) الوثوق بثبوت الحقيقة الشرعية لا يكون مع قدمها لا انه يكون قطعي العدم كما أفاده المصنف. (قده) و قد نفى الوثوق في صورة احتمال القدم (مع) انه يمكن دعوى الوثوق بحصول انحصار الألفاظ في المعاني المعروفة في شرعنا فانها لو كانت موضوعة لها قديما و بوضع واضع اللغة فلا ريب انها على سبيل الاشتراك مع المعاني الاخر اللغوية لا على سبيل النقل عنها و هجرها (و اما) في شريعتنا فقد حصل التعيين فيكون الانحصار شرعيا و أصل الوضع لغويا و هذا كاف في ترتب ثمرات المسألة (هذا) بحسب الكبرى (و اما) ما استدل به على إثبات الصغرى و قدم المعاني من الآيات فدلالتها إنما تتم على تقدير كون المراد من لفظ الصلاة و الصيام و الحج و الزكاة المذكورة فيها المعاني المتنازع فيها و لا قرينة على ذلك و الوضع لها أول الكلام نعم تكون الآيات إلزاما على القائل بالحقيقة الشرعية (و اما) قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فلا دلالة فيه على ان المأمور به في حقنا هو المعنى المستعمل فيه لفظ الصيام حتى يثبت به قدم معنى الصوم فلعل المراد منه مطلق الإمساك و تصدق كتابة الجنس بكتابة نوع منه و لا دلالة في الآية على ان النوع المكتوب في حق من قبلنا هو نوع المكتوب في حقنا فلعل النوع المكتوب على من قبلنا هو الإمساك عن الكلام أ ترى ان قولنا في الحمام اليوم إنسان كما كان في الأمس إنسانا أو في الدار اليوم حيوان كما كان في الأمس حيوانا ظاهر في اتحاد ما في اليوم و الأمس في أزيد من جهة الإنسانية و الحيوانية المذكورة

32

في العبارة كالاتحاد الشخصي أو الصنفي أو النوعيّ كلا ثم كلا

قوله نعم حصوله خصوص لسانه‏

(1) المدار على حصوله في لسانه و لو لا بلسانه و باستعمال شخص نفسه بل بمجموع استعمالاته و استعمالات تابعيه فلا أثر لما لم يكن في لسانه و ان كان بلسانه كأن استعمل اللفظ في المعنى المجازي فلما ان بلغ إلى حد التعين ارتحل من الدنيا و لم يصادف شي‏ء من استعمالاته زمان التعين بل استنتج تابعوه ثمرة استعمالاته‏

قوله و أصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها

(2) المعارضة انما تكون على فرض الجهل بتاريخهما اما على تقدير العلم بتاريخ أحدهما فالأصل في الطرف الاخر بلا معارض‏

قوله الا على القول بالأصل المثبت‏

(3) بل حتى على القول بالأصل المثبت إذ لا أثر شرعي يترتب على استعمال اللفظ في المعنى (نعم) مع ثبوت الاستعمال و لو بمقتضى أصل من الأصول اللفظية يكون اللفظ حجة على المعنى إذا كان حكما شرعيا لكن هذا الحكم ليس متوجها إلى استعمال اللفظ في ذلك الحكم كي يترتب على التعبد بذلك الاستعمال.

مبحث الصحيح و الأعم‏

قوله و غاية ما يمكن ان يقال في تصويره‏

(4) ما يمكن ان يقال في تصويره أمور ثلاثة (الأول) ان يكون النزاع في ان أي المعنيين اقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي و أقوى علاقة من صاحبه حتى يتعين حمل اللفظ عليه عند قيام القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي (الثاني) ان يكون النزاع في ان أي المعنيين مجاز عن المعنى الحقيقي و ذو علاقة معه و الاخر مجاز عن المجاز و يمكن ان يكون القائل بالأعم في هذين الوجهين مدعيا مساواة الصحيحة مع الفاسدة في مرتبة العلاقة و كون علاقتيهما جميعا مع المعنى الحقيقي فمع قيام الصارف عن المعنى الحقيقي لا يحمل على خصوص أحدهما الا مع قرينة معينة و الفرق بين الاحتمالين انه على الأول قائل بضعف علاقة الصحيحة أو عدم كون علاقتها ملحوظة مع المعنى الحقيقي بل مع الأعم الّذي هو أيضا معنى مجازي بخلافه على الأخير و لكن الاحتمالين مشتركان في الأثر (ثم لا يخفى) ان التصوير الثاني يبتنى على جواز سبك المجاز من المجاز (الثالث) ان يكون النزاع في ان أي المعنيين متعين للإرادة بحسب القرينة العامة و لو كانت تلك القرينة هي اشتهار استعمال اللفظ في لسان‏

33

الشارع فيه و جريان عادته بإرادته بعد قيام الصارف عن المعنى الحقيقي مع تساوى المعنيين في العلاقة و كون علاقيتهما جميعا مع المعنى الحقيقي (و لا يخفى) ان المصنف (قده) لم يتعرض للوجه الأول و خلط بين الوجهين الأخيرين و أبرزهما بصورة وجه واحد و لا يمكن تصوير النزاع على مذهب الباقلاني الا بهذا الوجه الأخير

قوله و أنت خبير بأنه لا يكاد يصح هذا،

(1) و إحراز هذا المعنى يكون بالتبادر الحاصل بعد قيام الصارف عن المعنى الحقيقي فكما بالتبادر من حاق اللفظ يفهم تحقق الوضع الشرعي كذلك بالتبادر مع القرينة الصارفة يستكشف تقدم أحد المجازين بأحد أنحاء التقدم المتقدم ذكرها فان المجاز يتبادر كما تتبادر الحقيقة (غاية الأمر) ان هذا من حاق اللفظ و في المرتبة الأولى و ذاك بمعونة القرينة الصارفة و بعد قيام الصارف عن المعنى الحقيقي فليس إثبات المدعى على تقدير القول بالمجاز الشرعي أو القول بما اختاره الباقلاني أصعب من إثباته على تقدير القول بالحقيقة الشرعية

قوله ان الظاهر ان الصحة عند الكل،

(2) التمام و النقصان لا يلاحظان بالنسبة إلى الطبيعة المندرج فيها الصحيح و الفاسد و إلا كان الفاسد خارجا عن تحت تلك الطبيعة غير مشتمل على تمام حدودها من جنسها و فصلها مع انه بالضرورة منها و داخل فيها و لا يتخلف عن الصحيح في الذاتيات و الا لم يكن الفاسد فاسد تلك الطبيعة بل طبيعة أخرى أجنبية عنها (و انما) يلاحظان بالنسبة إلى الخصوصيات الخارجة و الضمائم اللاحقة للطبيعة لحوقا نوعيا أكثريا فما اشتمل على تلك الخصوصيات هو صحيح تلك الطبيعة و ما تخلف عنها هو ناقصها و فاسدها فالصحة تكون بالاشتمال على جميع تلك الخصوصيات و بسبب ذلك الاشتمال يكون محلا لبروز آثار مرغوبة و الفساد يكون بعدم الاشتمال على جميعها و لو بفقد بعض منها و بسببه يتخلف عنه مجموع تلك الآثار الصادق ذلك بتخلف بعض منها و لو كان ذلك واحداً منها فصفتا الصحة و الفساد منتزعان من اشتمال الفرد على الخصوصيات التي تقتضيها الطبيعة في حد ذاتها لو لا القاسر الخارجي و عدم اشتماله عليها و ترتب جميع الآثار و عدم ترتبها لازم لهما (و منه يظهر) ان الصحيح ما كان مشتملا على تمام الآثار و يقابله الفاسد و هو ما لا يكون مشتملا على تمام الآثار و ان ترتب عليه جميع الآثار ما عدا واحداً و عليه فلا يختلف الشي‏ء الواحد صحة و فساداً بحسب أثرين ليكون صحيحا بلحاظ الأثر المترتب و فاسدا

34

بلحاظ المتخلف بل بمجرد تخلف أثر واحد يكون فاسدا بقول مطلق (و اما توهم) كون الصحة و الفساد امران إضافيان فتكون صلاة واحدة صحيحة من شخص كالقصر من المسافر و فاسدة من اخر كالقصر من الحاضر (ففاسد) فان إلغاء قيد السفر و الحضر الدخيلين في الصحة يكون كإلغاء سائر الخصوصيات من الاجزاء و الشرائط و مع عدم الإلغاء لا يتأتى القول بان صلاة المسافر فاسدة من الحاضر فانها بهذا القيد لا تكون من الحاضر فهي بهذا القيد صحيحة لا تتصف بالفساد و كذا كل نوع من الصلاة ممن كلف به فخصوصية المكلف دخيلة كخصوصية المكلف به فمع اجتماع الخصوصيّتين لا يعقل الاتصاف بالفساد و لا يكون الفساد الا بالخلل في شي‏ء من الخصوصيات‏

قوله و منها انه لا بد على كلا القولين من قدر جامع‏

(1) و ذلك لوضوح فساد القول بالاشتراك اللفظي و احتياج كل من القول بالاشتراك المعنوي و القول بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ إلى الجامع ففي أحدهما الجامع بنفسه هو الموضوع له و في الاخر آلة للحاظ الموضوع له (ثم) ان ما أفاده (قده) من إمكان الإشارة إلى الجامع بين الافراد الصحيحة بآثارها و خواصها لمكان ان الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد هو المؤثر لقاعدة ان الواحد لا يصدر الا من الواحد فذلك ان صح فانما يتم إذا اختص هذا الأثر بافراد الصلاة و اما إذا عم سائر افراد العبادات أو احتمل عمومه لها أو لبعضها فهو انما يصح الإشارة به إلى الجامع بين الجميع و ليس ذلك صلاة بالقطع‏

قوله إذ كل ما فرض جامعا،

(2) هذا إذا فرض الجامع مركبا شخصيا كالمؤلف من اجزاء خاصة معينة فانه مضافا إلى ما أشكله المصنف (قده) لا يكاد يكون ذلك جامعا بين جميع الصحاح و ساريا فيها بأجمعها لاختلافها بحسب الاجزاء و الشرائط اختلافا فاحشا بل ربما لا يكون من اجزاء أحدها في غيره شي‏ء (و اما) إذا فرض مركبا نوعيا صادقا على جميع المركبات كأن يقال الصلاة اسم لعدة اجزاء ثابت لها الأثر الخاصّ كالنهي عن الفحشاء فلا يتجه عليه شي‏ء فبهذا الأثر يشار إلى الذوات المركبة المختلفة بحسب الاجزاء و الشرائط المؤثرة في هذا الأثر بجامع واحد أو بدون جامع واحد (نعم) الموضوع له على هذا لا يكون إلا خاصا لعدم الوضع بإزاء الجامع الواحد البسيط المستكشف وجوده من وحدة الأثر سواء لم يستكشف وجود هذا الجامع أصلا أم استكشف و لكن لم يجعل الواضع اللفظ له بل‏

35

جعله لافراده و مصاديقه المركبة من عدة اجزاء و شرائط

قوله لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتى،

(1) هذا إذا أريد من عنوان المطلوب عنوان المطلوب الحاصل من شخص الطلب في أقيموا الصلاة مثلا و الا مفهوم مطلوب العام لا يتأتى من قبل طلب خارجي و لا يتوقف عليه فضلا عن هذا الطلب الشخصي الخارجي (و أيضا) ما أشكله (قده) انما يتجه إذا أريد أخذ هذا العنوان في مدلول اللفظ و اما إذا أريد الإشارة به إلى ذات ما هو المدلول كالإشارة بالأثر الّذي هو في كلام المصنف (قده) فلا يتجه عليه شي‏ء فيقال ان الصلاة اسم لما تعلق به الطلب في أقيموا الصلاة فان وحدة الطلب تكشف عن اتحاد المتعلق و وجود جامع واحد بين جميع الافراد المتعلقة للأمر يكون هو المأمور به دون الافراد كما يكشف عن ذلك وحدة الأثر

قوله مع لزوم الترادف بين،

(2) يحتمل ان يكون مراده لزوم الترادف بين لفظ الصلاة و هذا المفهوم العام الصادق على الصوم و الحج و كل ما هو مطلوب فيلزم ان يكون كلها صلاة و هو باطل قطعا لكن ذلك لا يجتمع مع ما أورده (قده) أولا المبتني على ان يكون المراد من المطلوب المطلوب الشخصي الحاصل من الأمر في أقيموا الصلاة لوضوح عدم صدق ذلك على سائر المطلوبات (و يحتمل) ان يكون مراده من الترادف الترادف بين لفظ الصلاة الّذي هو اسم للذات و بين لفظ مطلوب الموضوع لمعنى و صفي اشتقاقي فيكون لفظ الصلاة مشتملا على معنى و صفي فلا يكون فرق بين ان يقال هذا مطلوب بطلب أقيموا و بين ان يقال هذا صلاة بل يكون قضية الصلاة مطلوب بطلب أقيموا معناها المطلوب بطلب أقيموا مطلوب بطلب أقيموا و قد تقدم ان هذا انما يتجه إذا جعل العنوان دخيلا في المدلول لا لمجرد الإشارة إلى ما هو المدلول‏

قوله و عدم جريان البراءة مع الشك في اجزاء

(3) اعلم ان هناك مسائل ثلاث (إحداها) ان يكون متعلق التكليف مركبا مرددا بين زائد و ناقص و الإشكال في جريان البراءة في هذا القسم بناء على القول بالبراءة في الأقل و الأكثر (ثانيتها) ان يكون مصداق متعلق التكليف مرددا بين زائد و ناقص مع بساطة نفس المتعلق و تبين مفهومه كما إذا وجب صوم شهر فتردد مصداقه الخارجي بين ثلثين يوما و تسعة و عشرين يوما و في جريان البراءة في هذا القسم خلاف بين القائلين بالبراءة في الأقل و الأكثر فالشيخ الأنصاري (قده) في رسالة البراءة في المسألة الرابعة من مسائل الأقل و الأكثر ذهب إلى الاحتياط نظرا إلى ان متعلق التكليف مفهوم مبين و الإجمال و التردد

36

في امر خارج و العقل في مثل ذلك يحكم بالاحتياط و وجوب تحصيل ذلك المفهوم المبين المكلف به على سبيل القطع و قد أول المصنف (قده) في الحاشية كلامه مع صراحته و حمله على الشك في المحصل و تردده بين الأقل و الأكثر مؤذنا ببطلان ظاهره و هو الّذي صرح به هنا (ثالثتها) ان يكون المكلف به بمفهومه و مصداقه مبينا و يكون الاشتباه و التردد بين الزائد و الناقص في السبب المحصل له و هذا أيضا لا إشكال في وجوب الاحتياط فيه (و لا يخفى) ان المستشكل بان اللازم على تقدير كون الصلاة اسما لمفهوم واحد بسيط اما هو عنوان المطلوب أو ملزومه المساوي له أراد ان المقام يندرج تحت المسألة الثانية من المسائل الثلث التي أشرنا إليها لا تحت المسألة الثالثة فنزاع المصنف (قده) معه يكون كبرويا و في وجوب الاحتياط فيها لا صغرويا و ان المستشكل قد أخطأ في حسبان ان ذلك يكون من الشك في المحصل كما يلوح من عبارته في الجواب‏

قوله و بهذا يشكل،

(1) بل و يشكل بسابقه و كذا سابق سابقه إذا كان المراد من ملزوم المطلوب مفهوم ملزوم المطلوب (نعم) لا يتجه ذانك الإشكالان إذا كان المراد مصداقه أعني به عنوان الناهي عن الفحشاء أو معراج المؤمن‏

قوله فتصوير الجامع في غاية الإشكال،

(2) إذا صحت الإشارة بالمؤثر في النهي عن الفحشاء إلى الجامع بين الافراد الصحيحة صحت الإشارة بالمجاور لهذا الأثر و القريب منه و غير البعيد عنه إلى الجامع بين الأعم فتدخل في ذلك الافراد الصحيحة لمجاورتها لهذا الأثر مجاورة اتصال و ملاصقة و يدخل فيه أيضا معظم الاجزاء من الافراد الفاسدة فانها مجاورة للأثر و غير بعيدة عنه فكما ان المؤثر الفعلي يختلف بحسب الحالات كذلك الكون في طرف للأثر و حاشيته يختلف بحسب الحالات فمن شخص شي‏ء و من الاخر شي‏ء اخر فمعظم اجزاء صلاة المسافر صلاة بالنسبة إلى المسافر و ليس بصلاة بالنسبة إلى الحاضر و هكذا فليس المراد من المعظم معظما شخصيا واحداً كي يتجه عليه ما سيجي‏ء في تصوير الجامع بمعظم الاجزاء و لا مفهوم المعظم بل هو المفهوم الجامع الصادق على معظم ما كان في صراط التأثير الفعلي و على جميع الاجزاء المؤثرة بالفعل‏

قوله و ما قيل في تصويره أو يقال وجوه‏

(3) ان ما عدا الوجهين الأولين من هذه الوجوه ليس من تصوير الجامع بل يصحح القول بالأعم و لو بأوضاع متعددة ملفقة من تعيينية و تعينية أو باستعمالات مسامحية بل في الحقيقة بعض ما ذكره يرجع إلى القول بالصحيح‏

37

بل إلى القول بالوضع لفرد خاص من الصحاح فلاحظ (و اما الوجهان الأولان) فهما أيضا ليسا من تصوير الجامع المنطبق على الصحيح و الأعم لوضوح ان مجموع الاجزاء ليس مصداقا لبعض الاجزاء سواء كان ذلك البعض مجموع الأركان أم معظم الاجزاء بل يباينه مباينة الكل و اجزائه (نعم) يوجد هذا الجامع فيه و يصدق على أركانه و معظم اجزائه كما يصدق على كل من الأركان و معظم الاجزاء بالاستقلال و إلى ذلك يؤل ما أورده المصنف (قده) عليهما من انه يلزم ان يكون الاستعمال فيما هو المأمور به باجزائه و شرائطه مجاز أو يكون من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل لا من باب إطلاق الكلي على الفرد و الجزئي (و غرضه) انه لا تكون له حالة حقيقة مع ان لازم وضع اللفظ بإزاء الجامع ان يكون إطلاقه على كل فرد من افراده حقيقة و الا فمجازية استعمال اللفظ فيما ذكره ثابتة حتى على فرض ان يكون اللفظ موضوعا بإزاء الجامع المنطبق على الصحيح الجامع للاجزاء و الشرائط

قوله و فيه مضافا إلى ما أورد،

(1) هذا انما يتجه إذا كان التحديد بالمعظم من جانبي الزيادة و النقيصة (اما) إذا كان التحديد به من جانب النقيصة خاصة فيخرج الناقص عن المدلول و يبقى المعظم و الجميع تحته (و اما) الجامع بين المعظم و المجموع فيمكن تصويره بما يقرب من التأثير الفعلي في النهي عن الفحشاء و هذا ينطبق على جميع الاجزاء و على معظمها و هذا الجامع يختلف بحسب الحالات كما يختلف المؤثر الفعلي الجامع على المذهب الصحيحي بحسبها (و عليه) فيندفع الإشكال بان معظم الاجزاء يختلف باختلاف الصحيح من الصلاة فمعظم أي منها هو المراد (و هذا) الإشكال بعينه جار في الوجه الأول (و ذلك) لاختلاف الأركان حسب اختلاف الصلوات الصحيحة فأركان أي منها هو المراد و إرادة الجامع بين الأركان المنطبق على أركان كل من تلك الصلوات الصحيحة لازمه ان تكون الإشارات الركنية من المريض صلاة إذا صدرت من الصحيح‏

قوله انه عليه يتبادل ما هو المعتبر،

(2) الصحيح انه لا يتبادل ما هو المعتبر في المسمى (اما) على القول بان المسمى هو مفهوم معظم الاجزاء و ان لفظ الصلاة يرادف كلمة معظم الاجزاء (فواضح) لأنه لا تبادل في هذا المفهوم فان كان تبادل فهو في جزئياته و مصاديقه كما في مفاهيم مراتب الاعداد (و اما) على القول بان المسمى هو مصداق هذا المفهوم فليس المسمى مصداقا واحدا معينا بل جميع المصاديق مسمى بلا تبادل فكل معظم يفرض فهو موضوع له فالواضع‏

38

بلحاظ هذا المفهوم العام وضع اللفظ بإزاء جزئيات هذا المفهوم و مصاديقه في أي تركيب فرض (و منه يظهر) ما في قوله (قده) بل مرددا بين ان يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الاجزاء (و ذلك) لعدم الترديد بل الجميع مصاديق للمسمى من أي جانب لوحظ و اعتبر أو بأنفسها هي المسمى لا مصاديق المسمى لكن بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ بل على ما ذكرنا يكون الكل مصداقا اخر للمسمى‏

قوله سيما إذا لوحظ هذا مع ما عليه،

(1) هذه العبارة توهم ان مقصوده تقوية إشكال التبادل و التردد لكنه ليس كذلك بل مقصوده إيراد إشكال مستقل لا دخل له بذلك الإشكال (و محصله) ان المعظم بالقياس إلى أي صحيح من الصحاح يلاحظ فان بين الصحاح اختلافا فاحشا فيكون بين معظم كل مع معظم الاخر ذلك الاختلاف الفاحش (و يمكن دفعه) بان المقيس عليه للمعظم يمكن ان يكون هو الجامع بين الصحاح الّذي تصوره المصنف (قده) فيقال ان المسمى هو معظم اجزاء الناهي عن الفحشاء فينطبق على كل معظم لو تممه الآتي به لصار صحيحا و ناهيا فعليا فمعظم اجزاء صلاة الحاضر غير المعذور صلاة بالنسبة إليه و كذلك المعظم بالنسبة إلى المسافر و المريض و الخائف فمعظم صحيح كل شخص صلاة بالنسبة إليه فكما انه على القول بالصحيح صلاة كل طائفة تختلف عن صلاة الآخرين كذلك على القول بالأعم‏

قوله ثالثها ان يكون وضعها كوضع الاعلام‏

(2) مقتضى كون وضعها كوضع الاعلام الشخصية ان يكون هناك جهة واحدة بوحدة شخصية محفوظة في طي المتخالفات و موجودة بوجود شخصي في تمام تلك الأطوار (مع ان الواضح ان ليس صحيح العبادات واحدا شخصيا و جزئيا خارجيا تتبادل عليه الحالات المتخالفة بل هو متخالف الأشخاص فان كانت هناك وحدة بين تلك المختلفات بالشخص فلا بد ان تكون وحدتها وحدة جنسية أو نوعية أو صنفية لا شخصية كي يقال ان الوجود الشخصي هو الجامع لتمام تلك الحالات المتخالفة الطارية و حينئذ يقع السؤال عن ذلك الواحد الّذي يجمع تمام الافراد الصحيحة المختلفة الأشخاص زيادة و نقيصة و لعل ما ذكرنا هو مراد المصنف (قده) في الجواب و ان كانت عبارته لا تخلو عن قصور

قوله و تنزيلا له منزلة الواجد،

(3) أو يدعى بان اللفظ موضوع للأعم من الواجد و الفاقد

قوله و لا يكاد يتم في مثل العبادات‏

(4) اختلاف الصحيح لا يضر بذلك كما لا يضر به كون الصحيح بحسب حال فاسدا بحسب حال اخر (فانه) اما ان يجعل فرد معين من الافراد الصحيحة و هو الصحيح بالنسبة إلى الحاضر

39

غير المعذور موضوعا له للفظ ابتداء كما هو ظاهر عبارة المصنف (قده) في هذا الوجه ثم يتعدى إلى الافراد الصحيحة الاخر بجامع المشاركة في الأثر و إلى فاسد هذا الصحيح أعني به معظم اجزائه بجامع المشابهة الصورية فلا يكون إشكال من جهة اختلاف الصحاح (و انما الإشكال) من جهة ان الصحيح الّذي يفرض موضوعا له ابتداء لا يكون صحيحا في جميع الأحوال (و من حيث) ان التعدي بجامع المشاركة في التأثير إلى سائر الصحاح لا يتم لعدم كون الموضوع له مؤثراً دائما بحيث يكون من لوازمه التأثير بل يثبت له التأثير تارة و ينفك عنه أخرى (الا ان الأمر هين) فانه يلتزم بان الموضوع له ما هو الصحيح المؤثر غالبا لا ما هو كذلك دائما (و من المعلوم) ان جميع الاجزاء كذلك لقلة ذوي الاعذار بالنسبة إلى غيرهم فلا يلزم الخلف (و منه يظهر) الجواب عن الجهة الثانية فان غلبة اتصاف الموضوع له بالتأثير كافية في التعدي عنه بجامع هذه الصفة الغالبة (نعم) يبقى إشكال لا مناص عنه و هو ان هذا الوجه ليس من تصوير الجامع الأعم فانه قول بالوضع لخصوص بعض الصحيح تعيينا و الاستعمال في البقية و كذا في الفاسدة تسامحا اما دائما أو مع حصول التعين فيدخل في الأوضاع المتعددة (و من ذلك) يظهر انه لو جعل الموضوع له ابتداءً هو الجامع بين الافراد الصحيحة و ذلك بالإشارة إليه بأثره ثم التعدي عنه إلى الافراد الفاسدة حسب الترتيب المقرر في العبارة كان ذلك أبعد من الإشكال و أوسع دائرة من الأول لحصول التعدي إلى فاسد كل نوع من أنواع الصحاح بجامع المشابهة الصورية بخلافه على الأول الا بعد حصول التعين في بقية الصحاح أو القول بجواز سبك المجاز من المجاز

قوله الا انه لم يضع له بخصوصه بل للأعم،

(1) الكلام في تصوير ذلك الأعم و بيان حده فليس ما أفاده (قده) الا إعادة للدعوى لا تصويراً للجامع كما ان الاحتمال الاخر أعني به قوله أو انه و ان خص به أولا إلى آخره هو الوجه الرابع بعينه فالوجه الخامس مردد بين ما هو باطل و ما يرجع إلى الوجه الرابع، فالصواب اذن تركه و ترك الوجه الرابع بل و الثالث و قد عرفت ما في الوجهين الأولين أيضا و انهما أجنبيان عن تصوير الجامع‏

قوله و فيه ان الصحيح كما عرفت،

(2) و قد عرفت الجواب عنه غير مرة فالعمدة في الإشكال هو ما ذكرناه من رجوع هذا الوجه إلى الوجه الرابع على أحد احتماليه و كونه إعادة للدعوى على احتماله الاخر

قوله و احتمال كون الموضوع‏

40

له خاصا بعيد جدا،

(1) و لا سيما مع تعدد الأوضاع دون الوضع للواحد العام و قد عرفت ان مقتضى بعض الوجوه المتقدمة لتصوير الجامع هو تعدد الوضاع (غاية الأمر) انها ملفقة من أوضاع تعيينية و تعينية و احتماله ليس بذلك البعيد بل قريب جدا فتكون استعمالات التي أشار إليها المصنف (قده) من باب عموم الاشتراك و لا بعد في ذلك‏

قوله و منها ان ثمرة النزاع إجمال الخطاب‏

(2) هذا إذا كان القائل بالصحيح قائلا بالوضع لافراد الصحيح فإذا لم يعلم ان الصحيح ما هو لم يعلم ان الصلاة ما هي بل لزوم الإجمال على هذا المبنى لا يختص بالقول بالصحيح و يجري على القول بالأعم أيضا (و اما) على مختاره (قده) من الوضع للجامع العام المشار إليه بالناهي عن الفحشاء فيكون الخطاب مبينا و يكون معنى صل آت بالناهي عن الفحشاء (و لكن) لا يمكن التمسك به عند الشك و التردد بين الأقل و الأكثر لإثبات وجوب الأقل لعدم إحراز الموضوع و عدم العلم بتحقق مصداق ذلك الخطاب المبين كما إذا قال أكرم العالم و لم يعلم ان زيدا عالم أم لا فانه لا يتمسك بما دل على حكم عنوان العالم لإثبات وجوب إكرامه حتى على القول بجواز التمسك بالعامّ في الشبهات المصداقية كما هو واضح (و بالجملة) عدم التمسك بعموم الحكم لعدم إحراز تحقق الموضوع غير عدم التمسك بالخطاب لإجماله (ثم) ان ما ذكره المصنف (قده) من الثمرة جزئيّ من جزئيات ثمره البحث و الا فالثمرة في المقام على حد ثمرة النزاع السابق تظهر في الألفاظ الواردة في لسان الشارع فتحمل على الصحيح على القول بالصحيح و على الأعم على القوم بالأعم فإذا دل الدليل على صحة الاقتداء بصلاة العادل فعلى الصحيح لا يجوز الاقتداء الا بمن أحرز صحة صلاته و لو بأصل و على الأعم تصح الصلاة و لو خلف من علم فساد صلاته بعد إتيانه بالمسمى‏

قوله و جواز الرجوع إليه في ذلك،

(3) لكن الرجوع إليه يقضى بجزئية المشكوك و شرطيته للواجب التخييري العقلي لصدق الطبيعة المشتركة بين الزائد و الناقص على الزائد كصدقها على الناقص فإذا كان المولى في مقام البيان و وجه الطلب إلى مثل هذه الطبيعة حكم العقل بجواز امتثاله في ضمن أي فرد شاء من افراده فيمتثل بالزائد بحد الزيادة حيث انه بحده مصداق للطبيعة كما يمتثل بالناقص بحده كما هو الحال في التخيير الشرعي بين الزائد و الناقص‏

قوله و قد انقدح بذلك ان الرجوع،

(4) لم يتعرض هنا إلى ما ينقدح منه ذلك‏

41

و انما أشار إليه في ذيل تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة و قد عرفت تفصيل ما ينفعك في المقام (و الحق) صحة ما ذكروه من الثمرة و انه لا محيص على القول بالصحيح مع جعل الموضوع له الجامع المبين المفهوم بين الافراد الصحيحة و توجه الطلب إلى هذا الجامع من الاحتياط و إتيان ما يعلم بانطباق ذلك الجامع المبين المفهوم عليه و لا مجال للبراءة عن الجزء المشكوك (نعم) على القول بكون الموضوع له ذوات المصاديق اما بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ أو باختصاص كل صحيح من أنواع الصحاح بوضع مستقل يكون خطاب صل مجملا و المتيقن وجوب الأقل فتجري البراءة عن الزائد على القول بالبراءة في مسألة الأقل و الأكثر (و لعل) المشهور القائلين بالبراءة مع ذهابهم إلى الصحيح اختاروا هذا المسلك دون الوضع للجامع بين الصحاح الّذي عرفت ان لازمه إيجاب الاحتياط

قوله و لا منافاة بين دعوى ذلك:

(1) لا مجال لتوهم المنافاة بعد اختيار ان الموضوع له جامع مبين المفهوم بل و لا لتوهمه على القول بان الموضوع له افراد الصحيح فان جميعها يتبادر عند ذكر اللفظ كتبادر جميع معاني المشترك عند ذكر لفظه إذ في مقام دعوى التبادر يفرض معرفة جميعها و جميع الافراد الفاسدة ثم يدعى ان المتبادر هذه الطائفة دون الأخرى (و اما) الجهل و تردد الصحيح بين الزائد و الناقص الّذي كان محل الكلام عند ذكر الثمرة و هو المقام السابق فلا دخل له بمقامنا و كان ذلك بقي في ذهنه (قده) إلى هذا المقام فتوهم ان المقام مقام توهم المنافاة (ثم) مع الإغماض عن ذلك كله نقول انه لا يضر الجهل بالمفهوم على القول بان الموضوع له هو المفهوم الجامع بين الصحاح و لا المصداق على القول بأنه مصاديق الصحاح في حصول التبادر فانه يتبادر من اللفظ إجمالا معنى متصف بالصحّة و هذا المقدار من المعرفة كاف في التبادر أو يقال انه لا يتبادر من اللفظ الفاسد هو كاف في الحكم بخروج الفاسد عن مدلول اللفظ فان كل مجمل مبين بحد عدمي و انه ليس ذلك المعنى و لا ذلك الاخر و لا ذلك الثالث فيخرج عن دائرة إجماله عدة أمور معلوم الخروج‏

قوله ثالثها الاخبار الظاهرة

(2) التمسك بالأخبار في المقام من واضح الاشتباه فان نظير ما تضمنه الاخبار قد يصدر من اللغوي فيقول لمن يعرف اللفظ و المعنى و يجعل وضع اللفظ للمعنى ان الصلاة شي‏ء ينهى عن الفحشاء و هو في هذا الاستعمال لم يستعمل لفظ الصلاة في المعنى بل استعمله في نوع‏

42

لفظه و قد أشار إلى المعنى الموضوع له بأثره و خاصيته (و اما) العبارة التي تضمنتها الاخبار فهي في مقام بيان آثار الصلاة لمن يعلم معنى هذا اللفظ و يجهل آثاره فاللفظ فيها مستعمل في معناه (و ان شئت قلت) ان المراد من هذه الاخبار غير مشتبه و هو الصحيح إذا الثابت له تلك الآثار و الخواصّ و كذلك المنتفي بانتفاء بعض الاجزاء أو الشرائط هو خصوص هذا القسم و مع تبين المراد لا معنى للأخذ 0 بأصالة الحقيقة و الحكم بان المستعمل فيه اللفظ هو المعنى الحقيقي فان أصالة الحقيقة انما تجري عند الشك في المراد و دورانه بين المعنى الحقيقي و المجازي لا مع تبين المراد و الشك في انه هو الموضوع له للفظ أولا فان هذا مورد ما قيل من ان الاستعمال أعم من الحقيقة (مع) ان لنا منع استعمال اللفظ في خصوص الصحيح أيضا و انما يعلم إرادة الصحيح بدال اخر و بقرينة الحكم في القضية

قوله ممكن المنع‏

(1) لعل المدعى لكثرة استعمال هذا التركيب في نفى الصحة أو الكمال لا يعنى أزيد مما يشمل نفى الحقيقة بانتفائهما ادعاء مع ان المنع المذكور لا يضر بالمدعى و لا ينفع المصنف (قده) إذا كانت كثرة الاستعمال في نفى الحقيقة ادعاء بالغة حداً يزاحم ظهور اللفظ في نفى الحقيقة حقيقة (كما انه) لا حاجة إلى إبطال جواب المجيب إلى هذا المنع ان لم تكن بالغة ذلك الحد (بل تندفع مقالته) بان استعمال هذا التركيب في نفى الصفة خلاف الظاهر لا يصار إليه سواءً كان استعماله في ذلك على سبيل المجاز في التقدير أم على سبيل الحقيقة الادعائية فان كلا من الأمرين يحتاج إلى القرينة و يشتمل على العناية

قوله كما هو قضية الحكمة الداعية إليه‏

(2) انما يكون قضية الحكمة ذلك إذا كانت الحاجة إلى استعمال اللفظ في الناقص نادرة (و لكنها ممنوعة) فانها ان لم تزد على الحاجة إلى استعماله في التام لم تنقص عنها

قوله و الظاهر ان الشارع غير متخطٍّ

(3) نحتاج هاهنا إلى ظهورين (ظهور) عدم تخطي الشارع عن هذه الطريقة باتخاذها طريقة لنفسه (ثم ظهور) عدم تخطيه عما اتخذه من الطريقة في وضع ألفاظ العبادات (و كل) من الأمرين في محل المنع (كما) ان أصل كون طريقة الواضعين ذلك في محل المنع أيضا (مع) ان غاية ما يقتضيه هذا الدليل الظهور و الظن دون القطع‏

قوله و فيه انه قد عرفت الإشكال‏

(4) كما قد عرفت عدم إناطة التبادر بتصوير الجامع بل يتبادر من اللفظ الكلي المنطبق على جميع الافراد و ان لم يعرف ذلك الكلي بحده و لا يمكن الإشارة إليه بخاصيته‏

43

و انما عرف بأنه كلي هذه الافراد كما أفاده (قده) في موضوع العلوم و انه لا يلزم معرفته بل يكفي للمباحث ان يعرفه بعنوان انه الكلي المنطبق على موضوعات المسائل (هذا) مع انه يكفى للمستدل ان يستدل بعدم تبادر خصوص الصحيح فانه أمارة المجاز في خصوص الصحيح و حيث لم يكن خصوص الفاسد أيضا متبادراً بل لا يحتمل الوضع لخصوصه فيستكشف من ذلك ان الموضوع له ليس خصوص هذا و لا خصوص ذلك و ان هناك جهة جامعة بين القسمين هي الموضوع له فبالطريق المزبور يمكن ان يستدل على إثبات أصل وجود الجامع ثم إثبات الوضع له‏

قوله و فيه منع لما عرفت‏

(1) من عدم تصوير الجامع اللابد منه في الحمل و لو إجمالا و ارتكازا (و يحتمل) ان يكون مراده ما تقدم في دليل الصحيحي من صحة السلب‏

قوله لو لم تكن هناك دلالة

(2) بل لا شهادة فيه و لو لم تكن هناك دلالة فان التقسيم يدل على استعمال المقسم في الجامع الأعم و الاستعمال أعم من الحقيقة (و جواب) المصنف (قده) عن دليل التبادر بعدم تصوير الجامع يتوجه هنا أيضا و يبطل صحة التقسيم و لو بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ إذ لا جامع ليستعمل فيه اللفظ و لو مجازا (و اما) صحة التقسيم بالوجدان كما اعترف به هنا فهو طريق يصح الاستدلال به على إثبات وجود الجامع و ان لم يثبت بها الوضع له لما سمعت من ان غاية ما يقتضيه التقسيم استعمال لفظ المقسم في الجامع الأعم و الاستعمال أعم من الحقيقة (اللهم) الا ان يدعى صحة تقسيم هذا اللفظ بمدلوله الحقيقي الأولى‏

قوله فان الأخذ بالأربع لا يكون‏

(3) محصله ان الأربع المأخوذة فاسدة قطعا فيكون ذلك قرينة على ان المراد من الصلاة و الزكاة إلخ هو الفاسدة منها لصراحة الفقرة في ان الأربع المأخوذة هي الأربع المبنى عليها الإسلام فبقرينة الفقرة الأخيرة يستدل بالفقرة الأولى (و أيضا) الفقرة الأخرى المذكورة في ذيل الرواية أعني بها قوله (عليه السلام) فلو ان أحدا صام نهاره و قام ليله، دليل اخر على المطلوب (و لا يخفى) ان بناء هذا الاستدلال على مجرد الاستعمال فلو قنع المستدل بالاستعمال أمكن ان يذكر له اخبارا لا تحصى في ذلك و لا وجه لتخصيص هاتين الروايتين بالذكر بعد عدم امتيازهما عن سائر ما عداهما

قوله مع ان المراد في الرواية الأولى‏

(4) هذا الإشكال نشأ مما ادعاه المستدل من وقوع الاستعمال في خصوص الفاسدة (و لكن) لا ملزم للالتزام به و لا يتوقف إثبات مدعاه عليه‏

44

فانه لو ادعى الاستعمال في الأعم لاندفع عنه هذا الإشكال (و ذلك) لصدق بناء الإسلام على طبيعة الخمس العامة ببنائه على خصوص قسم منها و صدق الأخذ بالأربع منها بالاخذ بقسم اخر منها (الا ان يدعى) ظهور الرواية في ان القسم المأخوذ هو بعينه القسم المبنى عليه الإسلام واقعا لا انهما مشتركان في الاندراج تحت طبيعة واحدة و ان كان النوع المأخوذ منها غير النوع المبنى عليه الإسلام (و يمكن ان يقال) ان البناء على الخمس و عد الولاية التي هي شرط قبول الأربع من جملتها و في عرضها قرينة إرادة الفاسدة منها أو الأعم و الا كان البناء على الأربع لا الخمس و كانت الولاية مأخوذة فيها لا مبنية عليها في عرضها (اللهم الا ان يقال) بان للولاية حيثيتين حيثية استقلال و هي من هذه الحيثية أهم- الواجبات و حيثية الشرطية لصحة العبادات و عدها في عرض البقية انما هو باعتبار حيثيتها الأولى (ثم) لو فرضنا قرينية بناء الإسلام على إرادة الصحيحة لعارض هذه القرينة ظهور الأخذ في الأخذ الواقعي دون الاعتقادي فلا بد من التصرف و رفع اليد عن أحد الظهورين (اما) بحمل الأخذ على الأخذ الاعتقادي (أو) بحمل البناء على الخمس على البناء على- الجامع الأعم من الصحيح و الفاسد باستعمال ألفاظها في الأعم لصدق البناء على الطبيعة- المشتركة بالبناء على نوع منها و يكون الأخذ بها بالاخذ بنوع اخر منها (و لا يبعد) أولوية هذا التصرف من التصرف الأول لوجوه (الأول) ان حمل الأخذ على الأخذ الاعتقادي مبنى على جواز نسبة الفعل إلى الشخص بمجرد الاعتقاد فيقال فلان قام و ركب الحمار و سافر إلى الإسكندرية بمجرد اعتقاد صدور كل ذلك منه أو زيد أعلم من في الأرض وافقه فقهاء الإسلام إذا كان معتقده ذلك (و ذلك) باطل بالقطع فان مفاد أخذ هاهنا هو النسبة التي هي مفاد هيئات الأفعال الدالة على نسبة الحدث إلى الفاعل فلا فرق بين ان يقال فلان أخذ في القيام و بين ان يقال قام و نظيره في ذلك لفظ شرع و تلبس و تصدى و قام و ارتكب (و من المعلوم) ان نسبة الفعل إلى الشخص لا يسوغ بمجرد اعتقاده بقيام تلك النسبة به و لو صحت النسبة بمجرد الاعتقاد لصح التجوز في الكلمة بمجرد الاعتقاد فيطلق لفظ الأسد على ما اعتقد انه أسد و لفظ الصلاة على ما اعتقد انه صلاة (الثاني) ان الأخذ و الترك في الرواية تحت سياق واحد و كيف يسوغ حمل أحدهما على الاعتقادي و الاخر أعني به الترك على الواقعي (الثالث) ان التعريض حينئذ بتركهم للجميع واقعا كان أولى‏

45

من التعريض بالتبعيض و انهم أخذوا بعضا اعتقاداً و تركوا بعضا واقعاً إذا أخذهم الاعتقادي لغو لا أثر له الا ان يحمل الأخذ على الاعتقاد دون الأخذ الاعتقادي بمعنى انهم اعتقدوا بالأربع و كونها من الدين و تركوا الاعتقاد بالخامس و يأتي الكلام السابق هنا أيضا و هو انهم لم يعتقدوا بما بنى عليه الإسلام أعني الأربع الصحيحة الموقوفة على اعتقاد الولاية و ما اعتقدوه لغو لم يبن عليه الإسلام‏

قوله و لا أظن ان يلتزم به المستدل‏

(1) فانه و ان ذهب إلى حرمة عباداتها ذاتا لكن لا يظن ان يلتزم بحرمة المسمى بل يعتبر في الحرام جميع ما هو معتبر في الصلاة ما عدى الطهارة من حدث الحيض (ثم) ان حمل النهي على الإرشاد تصرف لا يصار إليه و المستدل يأخذ بظهور النهي و يستكشف من ذلك كون الصلاة اسما للأعم (و عدم التزامه) في مقام الفتوى بحرمة مطلق ما يسمى بالصلاة للإجماع لأنه يستظهر من دليل النهي تحريم خصوص الصلاة التي تصح في غير أيام حيضها في أيام حيضها (لا يوجب) التصرف في النهي بحمله على الإرشاد

قوله انه لا شبهة في صحة تعلق النذر:

(2) النذر اما ان يكون متعلقا بالصلاة الصحيحة لو لا النذر أو الفاسدة لو لا النذر أو الأعم من الأمرين أو الصحيحة حتى مع ملاحظة النذر و الأخير يأتي في كلام المصنف (قده) (و اما الأول) فيلزم من القول بصحته جواز نذر ترك الراجح و فعل المرجوح فان الصلاة في الحمام راجحة و لذا تتصف بالصحّة و ليس المراد من كراهتها مرجوحيتها كما يأتي تفصيل الكلام في ذلك في مبحث اجتماع الأمر و النهي (و من ذلك) يظهر الكلام في الصورة الثالثة فان ترك الأعم و الطبيعة الشاملة للصحيح و الفاسد بقول مطلق مرجوح و لو من أجل مرجوحية ترك قسم خاص منها أعني الصحيحة فان صح النذر فانما هو فيما إذا تعلق بالفاسدة من حيث انها لغو و الاعراض عن اللغو راجح لكن يلزمه جواز الإتيان بالصلاة الصحيحة الجامعة للاجزاء و الشرائط و عدم حصول الحنث بها لعدم كونها هي المنذر تركها نعم لو أتى بها ناقصة حصل الحنث بها إذ هي المنذور تركها

قوله بل يلزم المحال فان النذر:

(3) و أيضا يلزم تعلق النذر بغير المقدور و نذر غير المقدور باطل و سيأتي بيان ما ذكره (قده) من المحالية

قوله لا عدم وضع اللفظ له شرعا

(4) لكن المستدل ان يقول لا شبهة في صحة نذر ترك ما هو مدلول هذا اللفظ أعني به لفظ الصلاة مدلولا حقيقيا ثم لا شبهة في حصول الحنث في الخارج بفعل الصلاة التي لا تتصف بعد النذر الا بالفساد و نتيجة المقدمتين عدم الوضع‏

46

لخصوص الصحيح و ثبوت الوضع للأعم أو لخصوص الفاسد لكن الأخير باطل لعدم قائل به فيتعين الأول‏

قوله مع ان الفساد من قبل النذر لا ينافى‏

(1) كيف لا ينافى و هل يريد القائل بالصحيح سوى الصحيح بقول مطلق و الا فكل فاسد صحيح على تقدير و حال (و بالجملة) ليس هذا الا التزاما بالإشكال و بالاستعمال في الفاسد و مجرد كونه صحيحا لو لا النذر لا يخرجه عن الفساد (مع) ان الصحة لو لا النذر مجرد لقلقة اللسان و عبارة لا محصل لها (و ذلك) ان الصحيح لو لا النذر و الصحيح مع النذر لا يختلف و ما هو صحيح لو لا النذر و هو الصلاة المتقرب بها صحيح مع النذر نعم لا يتمكن منها مع النذر لا انها تقع فاسدة لو أتى بها متقربا بها واقعا كما ان ما هو فاسد بعد النذر لأجل خلو وصف التقرب فاسد قبل النذر أيضا فليس شي‏ء أولى من الالتزام بعدم الحنث و ذلك ليس بعزيز في النذور فان نذر النتيجة كلية لا حنث له‏

قوله لكان منع حصول الحنث‏

(2) بل كان نفس هذا النذر محالا يلزم من وجوده عدمه فان مآل نذر ترك الصلاة الصحيحة في ظرف الترك إلى نذر ترك ما لم ينذر تركه حتى بهذا النذر لأن النذر يوجب الفساد البتة و تعلق النذر بشي‏ء بقيد ان لا يكون متعلقا به محال بالضرورة و جمع بين النقيضين البتة

قوله الأول ان أسامي المعاملات‏

(3) النزاع في ان أسامي المعاملات موضوعة للصحيح أو الأعم (تارة) يكون مع فرض التصرف الشرعي و استعمال الشارع تلك الأسامي، في المعاني المقيدة بقيود خاصة قد اعتبرها في تأثير العقد فينازع في استعماله اما حقيقة أو مجازا في المقيد بمجموع القيود أو في الأعم من المقيد بمجموع القيود و المقيد بالبعض فيكون النزاع في تعيين المدلول الشرعي (و أخرى) يكون مع فرض عدم التصرف و استعمالها في المعاني العرفية فيكون النزاع في تعيين المدلول العرفي و انه خصوص الصحيح أو الأعم منه و من الفاسد و هذا كما في سائر مباحث الألفاظ مثل مبحث ان الأمر للوجوب و انه دال على المرة و انه للفور إلى غير ذلك و الصحيح و الفاسد على هذا يكون بمعنى الصحيح و الفاسد العرفي دون الشرعي كما في الفرض الأول و الثالث (و ثالثة) يكون القائل بالصحيح قائلا بالتصرف و استعمال الشارع للأسامي في خصوص المقيد بالقيود التي اعتبرها و القائل بالأعم قائلا باستعمالها في المعنى العرفي الأعم من ان يكون واجداً للقيود و فاقدا لها (و لا يخفى) ان ظاهر لفظ الصحيح و الأعم هو الصحيح و الأعم الشرعيين‏

47

على حذو إطلاقهما في العبادات و عليه فيتعين ان يكون البحث على أحد النحوين السابق و اللاحق دون النحو الوسط الّذي عرفت ان الصحيح و الأعم فيه يكون بمعنى الصحيح و الأعم العرفي‏

قوله فلا مجال للنزاع في كونها

(1) كما لا مجال للنزاع ان كانت موضوعة للعناوين المنتزعة للأسباب بلحاظ فعلية المسببات كعنوان النقل و التمليك فان هذا العنوان أيضا اما موجود و ذلك فيما إذا كان المسبب موجوداً أو ليس بموجود و هو فيما إذا لم يكن المسبب موجودا (ثم) انه يمكن تصوير النزاع على تقدير الوضع للمسببات بان يكون النزاع في ان الوضع هل هو للمسبب الشرعي و الأثر الحاصل في نظر الشارع كما يقوله القائل بالصحيح أو للمسبب العرفي و الأثر الحاصل في نظر العرف سواء كان حاصلا في نظر الشارع أيضا أم لا كما يقوله القائل بالأعم‏

قوله و ان الموضوع له هو العقد المؤثر

(2) التأثير و التأثر في قاطبة المعاملات اعتباري لا واقع له وراء الاعتبار كما في التأثير و التأثر الثابت بين العلل و معاليلها فلا يعقل فيها الإصابة من أحد و الخطأ من اخر على ان يكون المستعمل فيه لألفاظها شرعا و عرفا ذلك المؤثر الواقعي الّذي لا يزال مؤثرا و ان أخطأ العرف في تطبيقه على ما ليس مصداقا له بل المؤثر في نظر هم أعني ما يعتبرون عقيبه تحقق النقل و الانتقال غير ما يعتبره الشارع و أوسع منه من جهة عدم اعتبار الشارع للنقل الا مع انضمام عدة أمور راجع بعضها إلى المتعاقدين و بعضها إلى العوضين و بعضها إلى الصيغة فعلى القول باستعمال الشارع للألفاظ في الصحيح لا بد ان يكون مستعملا اما في الصحيح العرفي و ما يعتبره العرف مؤثرا و اما في الصحيح الشرعي و ما يعتبره الشارع مؤثرا و استعماله فيما هو المؤثر شرعا و عرفا يرجع إلى هذا الأخير فان ما يراه هو مؤثراً يراه العرف أيضا مؤثراً و لا عكس (و لكن) ليس مقصود المصنف (قده) ذلك بل هو المؤثر الواقعي الّذي لا يختلف فيه العرف و الشرع و ان اختلفا في تطبيقه (و قد عرفت) انه لا واقعية لهذا التأثير وراء الاعتبار و ان العرف و الشرع مختلفان في أصل الاعتبار لا في تطبيق المؤثر الواقعي أو ما اتفقا على اعتباره مؤثرا على المصاديق و الصغريات (و الحق) ان الاستعمالات الشرعية لم تجر الأعلى المعاني العرفية و ما اعتبره الشارع من القيود قيود في الحكم غير دخيل فيما وضع له لفظ البيع أو فيما استعمل فيه فالمختار هاهنا هو مختار الباقلاني في ألفاظ العبادات و عليه فيتمسك بالإطلاق عند الشك في‏

48

اعتبار قيد كما انه لا يصح التمسك به على الاحتمال الاخر و هو ان يكون الاستعمال في الصحيح الشرعي فلا يفترق ألفاظ المعاملات عن ألفاظ العبادات على القول بالصحيح ليجوز التمسك بالإطلاق في المعاملات دون العبادات (و اما) تمسك الفقهاء بالإطلاق في ألفاظ المعاملات (فهو) ينبئ عن اختيارهم لما ذكرناه من عدم استعمال الشارع لألفاظ المعاملات الا في معانيها الصحيحة العرفية

قوله و ذلك لأن إطلاقها لو كان مسوقا

(1) إذا كانت أسامي المعاملات موضوعة بإزاء الأسباب المؤثرة في حصول النقل واقعا كما زعمه (قده) لا ما يراه العرف مؤثرا لم يكن القطع بإرادة الطبيعة السارية رافعا لهذا الشك أعني به الشك في كون ما هو مصداق لها في نظر العرف مصداقا لها واقعا فكيف يرفعه الحمل على إرادة الإطلاق بمقدمات الحكمة فان أصالة الإطلاق يرفع بالتعبد ما يرفعه القطع بالإطلاق وجدانا و لا يزيد التعبد بالإطلاق على إحراز واقع الإطلاق لأن الإطلاق انما يرفع احتمال التقييد لا احتمال عدم فردية فرد للطبيعة فلا مجال للتمسك بالإطلاق لتبيين حال شي‏ء من الصغريات و المصاديق إذ يستحيل صدور الإطلاق لأجل بيان مصداقية شي‏ء للطبيعة فكيف يتمسك به لإثبات مصداقيته لها (و اما) صدوره لأجل بيان الحكم في نفس الطبيعة (فهو) أجنبي عن تعرفة حال المصاديق و انها مصاديق للطبيعة أم لا (و من ذلك) ظهر ما في عبارة المصنف قده من قوله لأن إطلاقها لو كان مسوقا في مقام البيان ينزل إلخ (نعم) الظاهر ان ذلك قسم اخر من الاستدلال لا دخل له بالتمسك بإطلاق الطبيعة و محصله يرجع إلى التمسك بان عدم الدليل دليل العدم و سيجي‏ء نظير ذلك في كلام له في القيود التي يشك في اعتبارها في العبادة مما لا يمكن اعتباره في المطلوب و أخذه في حيز الطلب و كان مما يغفل عنه العامة نظير قصد الوجه و التمييز فان من عدم التنبيه عليه و لو في دليل منفصل يستكشف كشفا قطعيا عن عدم اعتباره و إلا لزم الإخلال بالغرض فيقال نظير ذلك في المقام أيضا

قوله و لذا يتمسكون بالإطلاق‏

(2) لعل الوجه في ذلك ذهابهم إلى وضع ألفاظ المعاملات بإزاء الصحيح العرفي من المعاملات دون الصحيح عند الشارع حتى يمنع ذلك من التمسك بإطلاق كلام الشارع عند الشك في اعتباره امرا اخر

قوله الثالث ان دخل شي‏ء وجودي‏

(3) المراد من دخل شي‏ء في المأمور به دخله في مصداقه أعني به ما هو المأمور به بالحمل الشائع لا دخله في عنوان المأمور به أعني به ما هو

49

المأمور به بالحمل الذاتي فان ذلك لا يتوقف على شي‏ء وراء الأمر بفعل ما فإذا تعلق الأمر بفعل اتصف ذلك الفعل بكونه مأمورا به لا محاله (ثم ان) الدخيل اما ان يكون دخيلا في قوام المأمور به أو مصنفا له (و المصنف) اما ان يكون موجبا لمزية أو منقصة في المأمور به أولا (و ما لا يوجب) اما ان يكون بنفسه مطلوباً في المأمور به أولا (و اما) التشخص فالصحيح انه انما يكون بنفس حقيقة الوجود الخارجي كما ان تشخص الماهيات المتأصلة انما يكون بنفس حقائق الوجودات الجزئية الخارجية دون العوارض التي هي من لوازم حقيقة الوجود في الممكن إذ لا تكون حقيقة الوجود فيه منفكة عن عدة منها على سبيل البدل (و لأجل ما ذكرناه) يكون الشخص مستمرا باستمرار شخص وجوده و ان تبادلت بعض عوارضه بل ارتفعت حتى لم يبق في الحال الثاني شي‏ء من عوارض الحال الأول (اما) مثال الأمور الدخيلة في حقيقة المأمور به فهو جميع الاجزاء و الشرائط و عدم الموانع المعتبرة في المأمور به كأجزاء الصلاة و شرائطها و عدم موانعها (و مثال) الأمور الدخيلة المصنفة للمأمور به مع اقتضائها مزية أو منقصة في المأمور به هو الشرائط و الأوصاف المندوبة أو المكروهة في المأمور به كوقوع الصلاة في المسجد أو في الحمام (و مثال) المصنفة غير الدخيلة في فضل المأمور به أو نقصها مع الندب إليها بنفسها في المأمور به هو قراءة القرآن أو الدعاء أو مطلق الذّكر في الصلاة فان الصلاة المشتملة على شي‏ء منها صنف من الصلاة في قبال الصلاة غير المشتملة على شي‏ء منها (و مثال) المصنفة غير الدخيلة مع عدم الندب إليها أيضا جميع الخصوصيات المباحة المشتملة عليها الصلاة من وصف كونها في الدار أو في السطح أو غير ذلك (و بالجملة) جميع الخصوصيات الكلية اما مقومة للمأمور به أو مصنفة له بأنحاء التصنيف و إطلاق المشخص عليها في غير محله إذا التشخص انما يكون بحقيقة الوجود و هذه الخصوصيات انما هي من لوازم الوجود الخارجي كما عرفت و من ذلك تعرف ما في المتن من الخلل‏

قوله فيمكن الذهاب أيضا:

(1) المراد من الإمكان هو الاحتمال بمعنى انه يحتمل ان يكون القائل بالأعم قائلا به من حيث الشرائط دون الاجزاء كما يحتمل ان يكون قائلا به من كلتا الحيثيتين و الا فقد عرفت استحالة أصل القول بالأعم لعدم إمكان تصوير قدر جامع في البين هذا حسب ما أفاده المصنف (قده) و لكن تقدم منا تصوير الجامع فراجع‏

50

مبحث الاشتراك‏

قوله الحق وقوع الاشتراك للنقل و التبادر:

(1) اعلم ان الظاهر من أدلة استحالة الاشتراك أو وجوبه هو ان محل النزاع ما يعم الاشتراك الاصطلاحي أعني به متعدد الوضع و المعنى و غيره أعني به متحد الوضع و متعدد المعنى كما في الوضع العام و الموضوع له الخاصّ (ثم) ان المراد من الوجوب و الاستحالة في المقام هو الوجوب و المنع العقليين أعني القبح في الترك أو الفعل (كما ان) المراد من الإمكان هو عدم القبح في الفعل و الترك معا لا الوجوب و الاستحالة و الإمكان المعدودة من مواد القضايا فانه لا ريب في إمكان الاشتراك بذلك المعنى و عدم استحالته أو وجوبه لا ذاتا و هو واضح و لا وقوعا لعدم لزوم محال ذاتي من اجتماع النقيضين أو الضدين من ذلك فالقائل بالوجوب قائل بان العقل يلزم بالوضع الاشتراكي كما ان القائل بالاستحالة قائل بإلزام العقل يعدمه لما فيه من نقض الغرض فان الغرض من الوضع هو حصول التفهيم و ذلك لا يحصل مع تعدد الوضع فالوضع الاشتراكي سفه و عبث (ثم) الحكم بالإمكان لا يحتاج إلى مئونة أزيد من إبطال كل ما استدل به على الوجوب أو الاستحالة فليس على القائل بالإمكان الا إبطال أدلة القول بالوجوب أو الاستحالة و حيث ان المختار عندنا هي الاستحالة فلنذكر ما هو دليلنا على ذلك إذ لم يبين المصنف (قده) دليل الاستحالة حق البيان (فنقول) ان الغرض من الوضع و من تعيين اللفظ للمعنى اما ان يكون هو حصول تفهيم المعنى بذلك اللفظ عند ذكره و كونه آلة لإحضار المعنى في ذهن المخاطب أو يكون الغرض عدم حصول هذا التفهيم أو يكون حصول أمور خارجية اخر مثل إيقاظ النائم أو حصول تفهيم المعاني الاخر غير المعنى الموضوع له و كل من الأخيرين باطل بالضرورة لعدم ترتب شي‏ء من ذلك على وضع اللفظ ليصح ان يكون غرضا منه فان عدم حصول للتفهيم كان حاصلا من أول الأمر و قبل هذا الوضع و الأغراض الاخر مثل إيقاظ النائم لا يتوقف على الوضع بل يحصل مطلق إعلاء الصوت و لو كان مهملا فتعين ان يكون الغرض هو حصول التفهيم و التفهيم لكن هذا الغرض لا يحصل مع تعدد الوضع لعدم حصول تفهيم خصوص المعنى الأول الّذي وضع له اللفظ و لا خصوص المعنى الثاني الّذي وضع له اللفظ